النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ باب ٩/ ح ٦٩٣٦ -٦٩٣٨ كتاب استتابة المرتدين ٦٩٣٨ - حدَّثنا عَبْدانُ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا مَعمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، أخبرني محمودُ بنُ الرَّبِيعِ، قال: سمعتُ عِثْبَانَ بنَ مالكٍ يقول: غَدا عليَّ رسولُ الله ◌َّةِ، فقال رجلٌ: أينَ مالكُ ابنُ الدُّخْثُنِ؟ فقال رجلٌ مِنّا: ذاكَ مُنافقٌ/ لا يُحِبُّ اللهَ ورسولَه، فقال النبيُّ نَّهِ: ((ألا تقولونه: ٣٠٤/١٢ يقول: لا إلهَ إلّا الله، يَبتَغي بذلك وجهَ الله؟)) قال: بَلَى، قال: ((فإنَّه لا يُوافي عبدٌ يومَ القيامةِ به، إلَّا حَرَّمَ الله علیه النارَ)). قوله: ((باب ما جاء في المتأوّلينَ)) تقدَّم في ((باب مَن أكفَرَ أخاه بغير تأويل))(١) من كتاب الأدب، وفي الباب الذي يليه ((مَن لم يَرَ إكفار مَن قال ذلك مُتأوّلاً)) (٢)، وبيان المراد بذلك. والحاصل أنَّ مَن أكفَرَ المسلم نُظِرَ، فإن كان بغير تأويل استَحقَّ الذَّمَّ، ورُبَّما كان هو الكافر، وإن كان بتأويلِ نُظِرَ، إن كان غيرَ سائغ استَحقَّ الذَّمّ أيضاً، ولا يَصِل إلى الكفر، بل يُبيَّن له وجهُ خَطَئِهِ ويُزجَر بما يَلِيقُ به، ولا يَلتَحِقِ بالأوَّل عند الجمهور، وإن كان بتأويلِ سائغ لم يَستَحِقّ الذَّمّ، بل تُقام عليه الحُجّة حتَّى يَرجِع إلى الصَّواب. قال العلماء: كلُّ مُتَأَوِّلٍ مَعذورٌ بتأويله، ليس بآئِّم إذا كان تأويله سائغاً في لسان العرب، وکان له وجهٌ في العلم. وذكر هنا أربعة أحاديث: الحديث الأوَّل: حديث عمر في قِصَّته مع هشام بن حَكيم بن حِزَام حين سمعَه يقرأ سورة الفُرقان في الصلاة بحُروفٍ تُخالف ما أقرأهُ هو / رسولُ الله ◌َ ﴿ه، وقد تقدَّم شرحه مُستَوقَى ٣٠٥/١٢ في كتاب فضائل القرآن (٤٩٩٢). ومُناسَبته للتَّرجمة من جهة أنَّ النبيَّ نَ له لم يُؤاخذ عمر بتكذيبِ هشامٍ، ولا بكَونِهِ لَيِّبَه بِرِدائه وأراد الإيقاع به، بل صَدَّقَ هشاماً فيما نَقَلَهِ، وعَذَرَ عمرَ في إنكاره، ولم يَزِده على بيان الحُجّة في جواز القراءتين. وقوله في أوَّل السَّند: ((وقال اللَّيث ... )) إلى آخره، وَصَلَه الإسماعيليّ من طريق عبد الله (١) بين يدي الحديث (٦١٠٣). (٢) بين يدي الحديث (٦١٠٦) ٢٦٢ باب ٩/ح ٦٩٣٦ -٦٩٣٨ فتح الباري بشرح البخاري ابن صالح كاتب اللَّيث عنه، ويونُس شيخ اللَّيث فيه: هو ابنُ يزيد، وقد تقدَّم في فضائل القرآن (٤٩٩٢) وغيره (٧٥٥٠) من رواية اللَّيث أيضاً موصولاً، لكن عن عُقَيل لا عن يونُس، ووهمَ مُغَلْطاي ومَن تَبِعَه في أنَّ البخاريّ وَصَلَه عن سعيد بن عُفَير عن اللَّث عن يونُس. وقوله: ((كِدتُ أُساوِرُه)) بسينٍ مُهمَلة، أي: أُوائِبُه، وزنه ومعناه، وقيل: هو من قولهم: سارَ يَسُور: إذا ارتَفَعَ ذِكْرُهُ(١)، وقد يكون بمعنى البَطْش، لأنَّ السَّوْرة قد تُطلَق على البَطش، لأنَّه يَنشَأ عنها. الحديث الثاني: حديثُ ابن مسعود في نزول قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْأ إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ﴾ وقد تقدَّم شرحه في أوَّل حديث من كتاب استتابة المرتدِّينَ (٦٩١٨)، وسنده هنا كلّهم كوفيّونَ، ووجه دخوله في التَّرجمة من جهة أنَّه وَ لَّ لم يُؤاخذ الصحابة بحَمْلِهِم الظُّلمَ في الآية على عمومه حتَّى يَتناول كلَّ معصية، بل عَذَرَهم لأنَّه ظاهرٌ في التَّأويل، ثمَّ بيَّن لهم المراد بما رَفَعَ الإشكالَ. الحديث الثالث: حديثَ عِثْبان بن مالك في قصَّة مالك بن الدُّخْشُم، وهو بضمِّ المهمَلة وسكون المعجَمة ثمَّ شين مُعجَمة مضمومة ثمَّ ميم أو نون، وهو الذي وَقَعَ هنا، وقد يُصَغَّر، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في باب المساجد في البيوت من كتاب الصلاة (٤٢٥)، ومُناسَبتُه من جهة أنَّه وَّه لم يُؤاخذ القائلينَ في حَقّ مالك بن الدُّخْشُم بما قالوا، بل بيَّن لهم أنَّ إجراء أحكام الإسلام على الظّاهر دونَ ما في الباطن. وقوله هنا: «ألا تقولونه: یقول لا إله إلا الله)) كذا في رواية الگُشمِیھنيّ، وفي رواية المُستَمْلي والسَّرَخْسيّ: ((لا تقولوه)) بصيغة النَّهي. وقال ابن التِّين: ((ألا تقولوه)) جاءت الرِّواية، والصَّواب: ((تقولونه)) أي: تَظُنّونَه. قلت: الذي رأيتُه: ((لا تقولوه)) بغير ألف في (١) كذا قيَّد الحافظُ رحمه الله الارتفاع هنا بالذكر خاصةً، ولم نجد ذلك في كتب اللغة، وإنما الذي فيها أنَّ السَّوْر الارتفاع مطلقاً. وقد جاء في (شرح البخاري)) لابن بطال ٥٩٩/٨: سار الرجل يسُور سَوْراً: إذا ارتفع. ذكره ابن الأنباري عن ثعلب، فلعلَّ قوله: ((ذكره)) وقع للحافظ في نسخته من ((شرح ابن بطال)) منقطعاً عما بعده، فظنه تابعاً لما قبله، والله أعلم. ٢٦٣ باب ٩/ح ٦٩٣٩ كتاب استتابة المرتدين أوَّله، وهو مُوجَّه، وتفسير القول بالظَّنِّ فيه نظرٌّ، والذي يظهر أنَّه بمعنى الرُّؤية أو السَّماع، وجَوَّزَ ابن التِّين أنَّه خِطابٌ للمُفرَدِ، وأصله: ألا تقولُه، فأشبَعَ ضَمّةَ اللّام حتَّى صارت واواً، وأنشَدَ لذلك شاهداً. ٦٩٣٩ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو عَوَانَةَ، عن حُصَينٍ، عن فُلانٍ، قال: تَنَازَعَ أبو عبدِ الرَّحمنِ وحِبّانُ بنُ عَطِيَّةَ، فقال أبو عبدِ الرَّحمنِ لِحِّانَ: لقد علمْتُ ما الذي جَرَّأ صاحبَكَ على الدِّماءِ - يعني عليّاً - قال: ما هو لا أبًا لكَ؟ قال: شيءٌ سمعتُه يقولُه، قال: ما هو؟ قال: بَعَثَنِي رسولُ الله ◌َّهِ والزُّبَيرَ وأبا مَرْثَدٍ، وكلُّنا فارسٌ، قال: ((انطَلِقوا حتَّى تَأْتوا رَوْضَةَ حاجٍ - قال أبو سَلَمةَ: هكذا قال أبو عَوَانَةَ: حاج - فإنَّ فيها امرأةً معها صَحِيفةٌ من حاطِبٍ بنِ أبي بَلْتَعَةَ إلى المشركينَ، فأتُوني بها)). فانطَلَقْنا على أفراسِنا حتَّى أدرَكْناها حيثُ قال لنا النبيُّ ◌َِّ، تَسِيرُ على بَعِيرٍ لها، وقد كان كَتَبَ إلى أهلِ مكّةَ بمَسِيرِ رسولِ الله ◌َيِّ إليهم، فقلنا: أينَ الكتابُ الذي مَعَكِ؟ قالت: ما معي كتابٌ، فَأَنَخْنا بها بَعِيرَها، فابتَغَينا في رَحْلِها فما وَجَدْنا شيئاً، فقال صاحبي(١): ما نَرَى معها كتاباً، قال: فقلتُ: لقد علمْنا ما كَذَبَ رسولُ الله ◌َِّ، ثُمَّ خَلَفَ عليٌّ: والذي يُحْلَفُ به لَتُخْرِ جِنَّ الكتابَ، أو لأُجَرِّدَنَّكِ، فأهوَتْ إلى حُجْزَتِها، وهي مُحْتَجِزةٌ بكِساءِ، فأخرَ جَتِ الصَّحِيفةَ. فأتَوْا بها رسولَ الله ◌َّةِ، فقال عمرُ: يا رسولَ الله، قد خانَ الله ورسوله والمؤمنينَ، دَعْني فأضِرِبَ عُنُقَه، فقال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((يا حاطِبُ، ما حَمَلكَ على مَا صَنَعْتَ؟)) قال: يا رسولَ الله، ما لي أن لا أكونَ مُؤْمِناً بالله ورسولِهِ، ولكنْ أرَدْتُ أن يكونَ لي عندَ القومِ يَدِّ يُدفَعُ بها عن أهلي ومالي، وليس من أصحابكَ أحدٌ إلا له هُنالكَ من قومِهِ مَن يَدْفَعُ الله به عن أهلِه وماله، قال: ((صَدَقَ، ولا تقولُوا له إلّا خيراً)، قال: فعادَ عمرُ فقال: يا رسولَ الله، قد خانَ الله (١) ضبطت هذه اللفظة في اليونينية بكسر الباء وتخفيف الياء على صيغة المفرد، وضبطت في الأصل الخطي الذي عندنا برواية أبي ذر الهروي بفتح الباء وتشديد الياء. على صيغة المثنى. قال الكرماني: هو بلفظ المفرد ظاهر، وبالمثنى صحيح على مذهب من يقلب الألف ياءً. قلنا: وضبطها بالمثنى أوفق لما وقع في بعض النسخ الصحيحة كما في هامش اليونينية، حيث جاء فيها: صاحبايَ، بصيغة المثنى على بابه، ويكون المراد أنَّ كلَّا من الزبير وأبي مرثد قد قال القول المذكور. ٢٦٤ باب ٩/ح ٦٩٣٩ فتح الباري بشرح البخاري ورسوله والمؤمنينَ، دَعْني فلأضرِبَ عُنْقَه، قال: «أوَلَيس من أهلِ بَدْرٍ؟ وما يُدرِيكَ لعلَّ اللهَ الطَّلَعَ عليهم، فقال: اعمَلُوا ما شئتم فقد أوْجَبتُ لكُمُ الجنَّةَ)) فاغرَوْرَقَت عيناهُ، فقال: اللهُ ورسولُهُ أعلمُ. قال أبو عَبد الله: خاخ أصحُّ، ولكن كذا قال أبو عَوانة: حاجٍ، وحاجٍ تصحيفٌ، وهو موضعٌ، وهشیم یقول: خاخٍ. الحديث الرابع: حديث عليّ في قصَّة حاطِب بن أبي بَلْتَعةَ في مُكاتَبَتُه قُرَيشاً، ونزول قوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾ [الممتحنة: ١]، وقد تقدَّم في (باب الجاسوس)) (٣٠٠٧) من كتاب الجهاد ما يَتَعلَّق به، وفي باب النَّظَر في شُعُور أهل الذِّمّة (٣٠٨١) ما يَتَعلَّق بذلك، والجمع بين قوله: حُجْزَتها وعَقِيصَتها وضبط ذلك، وتقدَّم في (باب فضل مَن شَهِدَ بدراً) (٣٩٨٣) من كتاب المغازي الكلامُ على قوله: «لعلَّ الله الطَّلَعَ على أهل بدر))، وفي تفسير الممتَحَنة (٤٨٩٠) بأبسَطَ منه، وفيها الجواب عن اعتراض عُمر على حاطِبٍ بعد أن قَبِلَ النبيُّ وَِّ عُذْرَه، وفي غزوة الفتح (٤٢٧٤) الجمع بين قوله: بَعَثَني أنا والزُّبَيرَ والِقِدادَ، وقوله: بَعَثَني أنا وأبا مَرَد، وفيه قصَّة المرأة، وبيانُ ما قيل في اسمِها، وما في الكتاب الذي حَمَلَتْه، وأذكُرُ هنا بَقِيَّةَ شرحِه. قوله: ((عن حُصَين)) بالتَّصغير: هو ابن عبد الرَّحمن الواسطيّ(١). قوله: ((عن فلان)) كذا وَقَعَ مُبهَماً، وسُمّيَ في رواية هُشَيم في الجهاد (٣٠٨١)، وعبد الله ابن إدريس في الاستئذان (٦٢٥٩): سعد بن عُبيدة، وكذا وَقَعَ في رواية خالد بن عبد الله ومحمَّد بن فُضَيلِ عند مسلم (١٦١/٢٤٩٤). وأخرجه أحمدُ (٨٢٧) عن عَفّان عن أبي عَوَانة فسَماه، ونحوه للإسماعيليِّ من طريق عثمان بن أبي شَيْبة عن عَفّان قالا(٢): حدَّثنا أبو عَوَانة عن حُصَين بن عبد الرّحمن حدَّثني سعد بن عُبيدة: هو السُّلَميّ الكوفيّ، يُكنَى أبا حمزة، وكان زوجَ بنتِ أبي عبد الرَّحمن (١) المعروف في نسبته أنه كوفيّ، لكنه بأخرة سكن المبارك، وهي قرية على ثلاثة فراسخ من واسط، وله ترجمة واسعة في ((تاريخ واسط)) لبحشل، فمن هاهنا صحت نسبته لواسط أيضاً. (٢) الضمير فيه يعود على أحمد وعثمان بن أبي شيبة. وقد رواه كذلك مصرَّحاً باسمه سَهْل بن بكّار عن أبي عوانة عند الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (٤٤٣٨). ٢٦٥ باب ٩/ح ٦٩٣٩ كتاب استتابة المرتدين السُّلَميّ شيخِه في هذا الحديث(١). وقد وَقَعَ في نسخة الصَّغَانيّ هنا بعد قوله: عن فلان، ما نَصُّه: هو أبو حمزة سعد بن عُبيدة السُّلَمَيّ خَتَن أبي عبد الرَّحمن السُّلَميّ. انتهى، ولعلَّ / القائل هو .. إلى آخره، مَن دونَ البخاريّ، ٣٠٦/١٢ وسعدٌ تابعيّ روى عن جماعة من الصحابة، منهم ابن عمر والبراء. قوله: (تَنَازَعَ أبو عبد الرَّحمن)) هو السُّلَمَيّ، وصَرَّحَ به في رواية عَفّان(٢). قوله: ((وحِبّان بن عَطيَّة)) بكسر المهمَلة وتشديد الموخَّدة، وحكى أبو عليّ الجَيَّانيّ وتَبِعَه صاحبا ((المشارق)) و(المطالع)) أنَّ بعض رواة أبي ذرٍّ ضبطَه بفتح أوَّله، وهو وهم. قلت: وحكى المِّيّ أنَّ ابن ماكولا ذكره بالكسر، وأنَّ ابن الفَرَضِيّ ضَبَطَه بالفتح، قال: وتَبِعَه أبو عليّ الجيَّانيّ، كذا قال، والذي جَزَمَ به أبو عليّ الجَيَّانيّ تَوهيمُ مَن ضَبَطَه بالفتح كما نَقَلتُه، وذلك في ((تقييد المهمَل))، وصَوَّبَ أنَّه بالكسر حيثُ ذكره مع حِبّان بن موسى، وهو بالكسر إجماعاً، وكان حِبّانُ بن عَطيَّة سُلَميّاً أيضاً ومُؤاخياً لأبي عبد الرَّحمن السُّلَمَيّ، وإن كانا مُختَلِفَينِ في تفضيل عثمان وعليّ، وقد تقدَّم في أواخر الجهاد (٣٠٨١) من طريق هُشَيم عن حُصَينٍ في هذا الحديث: وكان أبو عبد الرَّحمن عثمانيّاً، أي: يُفَضِّل عثمانَ على عليّ، وحِبّانُ ابنُ عَطيَّةَ عَلَويّاً، أي: يُفَضِّل عليّاً على عثمان. قوله: (لقد علمْتُ ما الذي) كذا الكُشْمِيْهَنيّ، وكذا في أكثرِ الطّرق، وللحَمُّويّ والمُستَمْلِي هنا: مَن الذي، وعلى الرِّواية الأولى ففاعل التَّجرّي هو القول المعَبَّر عنه هنا بقولِه: شيءٌ يقوله، وعلى الثّانية الفاعل هو القائل. قوله: ((جَرَّا)) بفتح الجيم وتشديد الرَّاء مع الهمز. قوله: ((صاحِبَك)) زاد عَفّان(٣): يعني عليّاً. قوله: ((على الدِّماء)) أي: إراقة دماء المسلمين، لأنَّ دِماء المشرِكينَ مندوبٌ إلى إراقَتها اتِّفاقاً. (١) من قوله: هو السُّلَمي ... إلى آخره، من بيان الحافظ، وليس ثابتاً لأحمد والإسماعيلي. (٢) عند أحمد في («مسنده)) (٨٢٧) و(١٠٩٠). (٣) عند أحمد (٨٢٧). ٢٦٦ باب ٩/ ح ٦٩٣٩ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((لا أبا لك)) بفتح الهمزة، وهي كلمة تُقال عند الحثّ على الشَّيء، والأصل فيه أنَّ الإنسان إذا وَقَعَ في شِدّةٍ عاونَه أبوه، فإذا قيل: لا أبا لك، فمعناه ليس لك أبٌ، جُدَّ في الأمر جَدَّ مَن ليس له مُعاوِنٌ، ثمَّ أُطلِقَ في الاستعمال في موضع استبعاد ما يَصدُر من المخاطَب من قولٍ أو فعل. قوله: ((سمعتُه يقولُه)) في رواية المُستَمْلي والكُشمِيهنيّ هنا: سمعته يقول، بحذفِ الضَّمير، والأوَّل أوجَه، لقولِه: قال: ما هو؟ قوله: ((قال: بَعَثَني)) كذا لهم، وكأنَّ ((قال)) الثّانيةَ سَقَطَت على عادتهم في إسقاطها خطّاً، والأصل: قال - أي: أبو عبد الرَّحمن -: قال - أي عليّ. قوله: ((والزُّبَير وأبا مَرْئَد)) تقدَّم في غزوة الفتح (٤٢٧٤) من طريق عبيد الله (١) بن أبي رافع عن عليّ ذِكْرُ المِقِداد بَدَل أبي مَرَد، وجُمعَ بأنَّ الثلاثة كانوا مع عليّ، ووَقَعَ عند الطََّريّ في (تهذيب الآثار))(٢) من طريق أعشَى ثَقيف(٣) عن أبي عبد الرَّحمن السُّلَميّ في هذا الحديث: ومعي الزُّبَير بن العَوّام ورجلٌ من الأنصار. وليس المقداد ولا أبو مَرَد من الأنصار، إلّا إن كان بالمعنى الأعمّ. ووَقَعَ في ((الأسباب)) للواحديِّ (٨١١) أنَّ عُمر(٤) وعمّاراً وطلحة کانوا معهم، ولم یذكُر له سنداً، وکانّه من «تفسیر ابن الكلبيّ))، فإنّي لم أره في «سِیر الواقديّ)» ووجدتُ ذکر فیه عمر (١) تحرَّف في (س) إلى: عبد الله، مكبّراً. (٢) لم نقف عليه فيما عثر عليه من ((تهذيب الآثار)). (٣) اسمه عثمان بن المغيرة مولى أبا عَقِيل الثقفي. (٤) لم نقف على ذكر عمر بن الخطاب في طبعتي ((أسباب النزول)) للواحدي، طبعة زغلول (٨١١)، وطبعة الحميدان ص ٤٢١، مع أنه مذكور في بعض كتب التفسير، ((كالكشاف)) للزمخشري و((مدارك التنزيل)» للنسفي وغيرهما، وكذا ذكره الزّيلعي في «تخريج الكشاف)»، وقال ٤٤٨/٣: هو كذلك بتمامه في «تفسیر الثعلبي)) ثم البغوي ثم في ((أسباب النزول)) للواحدي. وأخرجه ابن حبان (٦٤٩٩) من طريق ابن أبي رافع، بذكر علي والزبير وطلحة والمقداد. ٢٦٧ باب ٩/ح ٦٩٣٩ كتاب استتابة المرتدين من وجه آخر أخرجه ابن مَرْدويه في «تفسيره))(١) من طريق الحَكَم بن عبد الملِك عن قَتَادة عن أنس في قصَّة المرأة المذكورة، فأخبر جِبْرِيلُ النبيَّ وَّهِ بِخَبَرَها، فَبَعَثَ في أثَرها عمر بن الخطّاب وعليّ بن أبي طالب. قوله: ((رَوْضة حاجٍ)) بِمُهمَلةٍ ثمَّ جیم. قوله: ((قال أبو سلمة» هو موسی بن إسماعيل شيخ البخاريّ فیه. قوله: ((هكذا قال أبو عَوَانة: حاج)) فيه إشارة إلى أنَّ موسى كان يَعرِف أنَّ الصَّواب ((خاخ) بمُعجَمتَين، ولكنَّ شيخه قالها بالمهمَلة والجيم، وقد أخرجه أبو عوانة في («صحیحه)) من رواية محمَّد بن إسماعيل الصّائع عن عَفّان، فذكرها بلفظ: ((حاج)) بمُهمَلةٍ ثمَّ جيم، قال عَفّان: والناس يقولون: ((خاخ)) أي: بمُعجَمتَين. قال النَّوويّ: قال العلماء: هو غَلَط من أبي عَوَانة(٢)، وكأنّه اشتبه علیه بمكانٍ آخر يقال له: (ذات حاج)) بمُهمَلةٍ ثمَّ جيم، وهو موضع بين المدينة والشّام يَسلكه الحاجّ، وأمّا ((روضة خاخ)) فإنَّها بين مكّة والمدينة بقُربِ المدينة. قلت: وذكر الواقديّ أنَّها بالقُربِ من ذي الحُلَيفة على بَرِيدٍ من المدينة، وأخرج سَمّويه في ((فوائده)) من طريق عبد الرَّحمن بن حاطِب قال: / وكان حاطِبٌ من أهل اليمن حَليفاً للزُّبَير، ٣٠٧/١٢ فذكر القصّة، وفيها أنَّ المكان على قريب من اثنَي عشر ميلاً من المدينة. وزَعَمَ السُّهَيلِيّ أنَّ هُشَيماً كان يقولها أيضاً: ((حاج)) بمُهمَلةٍ ثمَّ جيم، وهو وهم أيضاً، وسيأتي ذلك في آخر الباب، وقد سَبَقَ في أواخر الجهاد (٣٠٨١) من طريق هُشَيم بلفظ: ((حتَّى تأتوا رَوضة كذا)) فلعلَّ البخاريّ كَنَى عنها أو شيخَه، إشارةً إلى أنَّ هُشَيماً كان يُصحِّفها، وعلى هذا فلم يَنفَرِد أبو عَوَانة بتصحيفِها، لكنَّ أكثرَ الرُّواة عن حُصَينٍ قالوها على الصَّواب بمُعجمتين. (١) وهو أيضاً عند الطبراني في ((الأوسط)) (٦٥٧٧)، وعبد الغني بن سعيد المصري في ((الغوامض والمبهمات)) (١٦). (٢) يريد أبا عوانة الراوي، وهو الوضاح اليشكري، لا أبا عوانة صاحب ((الصحيح)) وهو يعقوب بن إسحاق الإسفراييني. ٢٦٨ باب ٩/ح ٦٩٣٩ فتح الباري بشرح البخاري قوله: «فإنَّ فيها امرأةً معها صحيفةٌ من حاطِب بن أبي بَلْتَعةَ إلى المشركينَ فَأَتُوني بها)» في رواية عُبيد الله بن أبي رافع: ((فإنَّ بها ظَعِينةً معها كتاب)). والظَّعينة، بظاءٍ مُعجَمة وزن عظيمة، فعيلة بمعنى فاعلة، من الظّعْن: وهو الرَّحيل، وقيل: سُمّيَت ظَعينةً لأنَّها تَركَب الظعائن التي تَظْعَن براكبها. وقال الخطَّبيّ: سُمّيَت ظَعينةً لأنَّها تَظعَن مع زوجها، ولا يقال لها: ظَعينةً، إلّا إذا كانت في الهَوَدَج، وقيل: إنَّه اسم الهَوَدَج سُمّيَت المرأة لرُكوبها فيه، ثمَّ تَوسَّعوا فأطلقوه على المرأة ولو لم تكن في هَودَج، وقد تقدَّم في غزوة الفتح (٤٢٧٤) بيان الاختلاف في اسمها. وذكر الواقديّ أنَّها من مُزَينة، وأنَّها من أهل العَرْج، بفتح الرَّاء بعدها جيم، يعني: قرية بين مكّة والمدينة(١)، وذكر الثَّعَلَبيّ ومَن تَبِعَه أنَّها كانت مولاةَ أبي صَيْفِيّ بن عَمْرو (٣) بن هاشم بن عبد مَناف، وقيل: عِمران، بَدَل: عَمْرو، وقيل: مولاة بني أسَد بن عبد العُزَّى، وقيل: كانت من مَوالي العبَّاس، وفي حديث أنسٍ الذي أشرت إليه عند ابن مَرْدويه: أنَّها مولاة لقُرَيشٍ، وفي ((تفسير مُقاتل بن حيّان)): أنَّ حاطِياً أعطاها عشرةَ دَنانيرَ وكَساها بُرداً، وعند الواحديّ (٣): أنَّهَا قَدِمَت المدينة، فقال لها النبيُّ وَّ: ((جِئت مسلمة؟)) قالت: لا، ولكنِ احتَجتُ، قال: ((فأين أنتِ عن شَباب قُرَيش؟)) وكانت مُغَنّة، قالت: ما طُلِبَ مِنِّي بعد وَقْعة بدْرٍ شيءٌ من ذلك، فكَساها وحَلَها، فأتاها حاطِبٌ، فَكَتَبَ معها كتاباً إلى أهل مكّة أنَّ رسول الله ێ یرید أن یَغزُو فخذوا حذرَكُم. وفي حديث عبد الرّحمن بن حاطِب: فَكَتَبَ حاطِبٌ إلى كفَّار ◌ُرَيش بكتابٍ يَتَصِح لهم. وعند أبي يَعْلى (٣٩٧) والطَّبَريّ(٤) من طريق الحارث عن (٥) عليّ: لمَّا أراد النبيّ وَّ أَن (١) هو وادٍ يقع جنوب المدينة على مسافة (١١٣) كيلاً. (٢) هذا يخالف ما جاء في ((نسب قريش)) لمصعب الزبيري ص ٩١، ولما جاء في ((جمهرة أنساب العرب)) لابن حزم ص ١٤ أنه عمرو بن أبي صيفي، وهذا هو الصحيح، والله أعلم. (٣) وقع نحو هذا في حديث الحكم بن عبد الملك عن قتادة عن أنس الذي إشار إليه الحافظ قريباً. (٤) وهو في «تفسيره)) أيضاً ٥٩/٢٨. (٥) تحرف في الأصلين و(س) إلى: بن. ٢٦٩ باب ٩/ح ٦٩٣٩ كتاب استتابة المرتدين يَغْزُو مكّة أسَرَّ إلى ناسٍ من أصحابه ذلك، وأفشَى في الناس أنَّه يُريد غير مكّة، فسمعَه حاطِبُ ابن أبي بَلتَعَةَ، فَكَتَبَ حاطِب إلى أهل مكّة بذلك. وذكر الواقديّ أنَّه كان في كتابه: أنَّ رسول الله وَّهِ أَذَّنَ في الناس بالغَزوِ ولا أُراه إلّا يُريدكم، وقد أحببت أن يكونَ إنذاري لكم بكتابي إليكم، تقدَّم بَقيَّة ما نُقِلَ مَّا وَقَعَ في الكتاب في غزوة الفتح. قوله: ((تَسير على بعير لها)) في رواية محمَّد بن فُضَيلِ (١) عن حُصَينٍ: تَشتَدّ، بشينٍ مُعجَمة ومُثنّاة فوقانيَّة(٢). قوله: ((فابتَغَيْنا في رَحْلها)) أي: طلبنا، كأنَّهما فتَّشا ما معها ظاهراً، وفي رواية محمَّد بن فُضَيلٍ: فأنَخنا بعيرها فابتَغَينا، وفي رواية الحارث: فوضَعنا متاعها وفَتَّشنا فلم نَجِد. قوله: (لقد علمْنا)) في رواية الكُشمِيهنيّ: لقد علمتُما، وهي رواية عَفّان أيضاً. قوله: «ثمَّ حَلَفَ عليٌّ: والذي يُحلَفُ به» أي: قال: والله، وصَرَّحَ به في حديث أنس، وفي حديث عبد الرَّحمن بن حاطِب. قوله: ((لَتُخْرِ جِنَّ الكتاب أو لَأُجَرِّدَنَّكِ)) أي: أنزِع ثيابَك حتَّى تصيري عُرْيانة، وفي رواية ابن فُضَيلِ: أو لأقتُلَنَّك، وذكر الإسماعيليّ أنَّ في رواية خالد بن عبد الله مِثله، وعنده من رواية ابن فُضَيلٍ: لَأَجْزُرَنَّك، بجيمٍ ثمَّ زاي، أي: أُصَيِّرُكِ مِثل الجُزُور إذا ذُبِحَت. ثَمَّ قال الإسماعيليّ: تَرجَمَ البخاريّ ((النَّظَر في شُعور أهل الذِّمّة)) يعني: التَّرجمة الماضية في كتاب الجهاد، وهذه الرِّواية تُخالفه، أي: رواية: أو لَأَقتُلَنَّكِ. قلت: رواية: لَأُجَرِّدَنَّكِ أشهَرُ، ورواية: لَأجزُرَنَّكِ، كأنَّهَا مُغيَّرَةٌ(٣) منها، ورواية: لَأَقْتُلَنَّكِ، كأنَّهَا بالمعنى من لَأَجْزُ رَّك (٤)، ومع ذلك فلا تُنافي التَّرجمة، لأنَّها إذا قُتِلَت سُلِبَت (١) تقدم تخريج الحافظ هذه الطريق من مسلم، وهي في مسلم، لكنه طَوَى لفظها، وقد أفصح عنه أبويعلى في ((مسنده) (٣٩٦). وهو أيضاً عند الإسماعيلي كما سينبه عليه الحافظ قريباً، والظاهر أنه يذكر ألفاظه عند الخلاف. (٢) تحرَّف في مطبوع ((مسند أبي يعلى)) إلى: تستند. (٣) تحرَّف في (س) إلى: مفسرة، وإنما المراد مُغيَّرة، أي: محرَّفة. (٤) تحرَّف في (س) إلى: لأجردنك. ٢٧٠ باب ٩/ح ٦٩٣٩ فتح الباري بشرح البخاري ثيابُها في العادة، فيستَلزم التَّجَرُّدَ الذي تَرجَمَ به. ٣٠٨/١٢ ويُؤيِّد الرّواية المشهورة ما وَقَعَ في رواية / عُبيد الله بن أبي رافع بلفظ: لَتُخرِ جِنَّ الكتابَ أو لَتُلقَنَّ الثّيابَ. قال ابن التِّين: كذا وَقَعَ بكسر القاف وفتح الياء التَّحتانيَّة وتشديد النُّون، قال: والياء زائدة، وقال الكِرْمانيُّ: هو بكسر الياء وبفتحِها، كذا جاء في الرّواية بإثبات الياء، والقواعدُ التَّصريفيَّة تقتضي حذفَها، لكن إذا صَخَّت الرِّواية فتُحمَل على أنَّهَا وَقَعَت على طريق المشاكلة لتُخرِجِنَّ، وهذا توجيه الكسرة، وأمَّا الفتحة فتُحمَل على خطاب المؤنَّث الغائب على طريق الالتفات من الخِطاب إلى الغَيبة، قال: ويجوز فتح القاف على البناء للمجهول، وعلى هذا فتُفَع الثّياب. قلت: ويظهر لي أنَّ صواب الرِّواية: لنُلِقِيَنَّ، بالنّونِ بلفظ الجمع(١)، وهو ظاهر جدّاً لا إشكال فيه البَتَّةَ، ولا يَفتَقِّر إلى تكلُّفِ تخريجٍ. ووَقَعَ في حديث أنس(٢): فقالت: ليس معي كتابٌ، فقال: كذَبت، فقال: قد حدَّثنا رسولُ اللهِ وَّ أَنَّ مَعَك كتاباً، والله لَتُعطيَنّي (٣) الكتابَ الذي مَعَك، أو لا أتْرُك عليك ثوباً إلّا الْتَمَسنا فيه، قالت: أولستُم بناسٍ من مسلمينَ! حتَّى إذا ظنَّت أَّما يَلتَمِسان في كلّ ثوبٍ معها حَلَّت ◌ِقاصَها(٤)، وفيه(٥): فَرَجَعا إليها فسَلّا سيفيهما فقالا: والله لنُذِيقَنَّكِ (١) تقدمت رواية عُبيد الله بن أبي رافع في ثلاثة مواضع (٣٠٠٧) و(٤٢٧٤) و(٤٨٩٠)، ولم يختلف رواة البخاري في الموضعين الثاني والثالث حسب ما جاء في اليونينية أنَّ الرواية بنون الجمع: لَتُلْقِيَنَّ، وأما في الموضع الأول فإنَّ رواية الأصيلي وأبي الوقت: لَتُلْقِنَّ بتاء والخطاب للمؤنّث وحذف الياء التحتانية، على الوجه المعروف في العربية في حالة اجتماع ساكنين. (٢) كذا قال الحافظ رحمه الله، وهو ذهول منه، لأنَّ اللفظ المذكور لفظ رواية عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة، كما يظهر من سياق السيوطي له في ((الدر المنثور)) في تفسير الممتحنة. (٣) كذا جاءت الرواية هنا أيضاً، والكلام في توجيهها كالكلام في توجيه «لتُلقِيَنّ))، وقد تقدم قريباً. (٤) تصحفت في (س) إلى: عقاصها، بالفاء، وإنما هي بالقاف، وهي الضفائر. (٥) هذا اللفظ المذكور هو في رواية حديث أنس، وليس في رواية عبد الرحمن بن حاطب، وقد وهم الحافظ رحمه الله بالجمع بين لفظيهما، ونسبتهما جميعاً لحديث أنسٍ. ٢٧١ باب ٩/ح ٦٩٣٩ كتاب استتابة المرتدين الموتَ أو لَتَدَفَعِنَّ إلينا الكتاب، فأنكَرَت. ويُجمَع بينهما بأنَهما هَذَّداها بالقتل أوَّلاً، فلمَّا أصَرَّت على الإنكار، ولم يكن معهما إذنٌ بقتلها هَذَّداها بتجريدِ ثيابها، فلمَّا تَحقَّقَت ذلك خَشيت أن يقتلاها حقيقةً. وزاد في حديث أنس أيضاً: فقالت: أدفَعُه إليكما على أن لا(١) تَرُدّاني إلى رسول الله وَّ. وفي رواية أعشَى ثَقيف عن أبي(٢) عبد الرَّحمن عند الطَّبَريّ: فلم يَزَلْ عليٌّ بها حتَّى خافَتِه. وقد اختُلِفَ هل كانت مسلمةً أو على دين قومها، فالأكثر على الثّاني، فقد عُدَّت فيمَن أهدَرَ النبيُّ وَّ دمهم يوم الفتح، لأنَّها كانت تُغَنّي بِهِجائه وهِجاء أصحابه. وقد وَقَعَ في أوَّل حديث أنس: أمَرَ النبيّ وَّهِ يومَ الفتح بقتلٍ أربعة، فذكرها فيهم، ثمَّ قال: وأمَّا أم (٣) سارّة، فذكر قِصَّتها مع حاطِبٍ. قوله: ((فأتَوْا بها)) أي: الصَّحيفة، وفي رواية عُبيد الله بن أبي رافع: فأتينا به، أي: الكتاب، ونحوه في رواية ابن عبّاس عن عمر(٤)، وزاد: فقُرِئَ عليه. قوله: «فإذا فیه: من حاطِب إلى ناسٍ من المشركينَ من أهل مكة»(٥) سماهم الواقديّ في روايته: سُهَيل بن عَمْرو العامريّ وعِكْرمة بن أبي جهل المخزوميّ وصفوان بن أمَيَّة الجُمَحيَّ. قوله: ((فقال رسول الله وَالّ: يا حاطِبُ، ما خَلَك على ما صَنَعْتَ؟» في رواية عبد الرَّحمن ابن حاطِب: فَدَعا رسولُ اللهِ وَلِّ حاطِباً، فقال: ((آنَتَ كَتَبت هذا الكتاب؟)) قال: نعم. قال: ((فما حَمَلَك على ذلك؟)) وكأنَّ حاطِباً لم يكن حاضراً لمَّا جاء الكتابُ فاستُدعيَ به لذلك، وقد بُيِّنَ ذلك في حديث ابن عبّاس عن عمر بن الخطّب، ولفظه: فأرسَلَ إلى حاطِبٍ، فذكر (١) حرفُ ((لا)) سقط من (س). (٢) لفظة ((أبي)) سقطت من (س). وأبو عبد الرحمن هو السُّلَمي. (٣) تحرفت في (س) إلى: أمر، وإنما جاء اسمها في حديث أنس أم سارة، وانظر ((الإصابة)) ٢١٤/٨. (٤) سيخرجه الحافظ قريباً من عند الطبري، يعني في كتابه ((تهذيب الآثار)) كما صرَّح بذكره في أوائل شرح هذا الحديث. (٥) هذه القطعة المذكورة ليست في رواية الباب، كما يُوهم إيراد الحافظ لها هنا، وإنما هي في رواية عبيد الله بن أبي رافع المتقدمة برقم (٣٠٠٧). ٢٧٢ باب ٩/ ح ٦٩٣٩ فتح الباري بشرح البخاري نحو رواية عبد الرَّحمن، أخرجه الطََّرِيُّ(١) بسندٍ صحيح. قوله: ((قال: يا رسول الله، ما لي أن لا أكون مُؤْمِناً بالله ورسوله)) وفي رواية المُستَمْلي: ما بي، بالموخَّدة، بَدَل اللّام، وهو أوضح، وفي رواية عبد الرَّحمن بن حاطِب: أما والله ما ارتَبْتُ مُنذُ أسلَمتُ في الله، وفي رواية ابن عبّاس: قال: والله إنّ لناصحٌ لله ولرسوله. قوله: ((ولكنْ أرَدْتُ أن يكون لي عند القوم يَدِّ)) أي: مِنّة أدفَع بها عن أهلي ومالي، زاد في رواية أعشَى ثَقيف: واللهُ ورسولُهُ أحَبُّ إليَّ من أهلي ومالي، وتقدَّم في تفسير الممتَحنة (٤٨٩٠) قولُه: كنت مُلْصَقاً، وتفسيره، وفي رواية عبد الرَّحمن بن حاطِب: ولكنّي كنتُ امرأً غريباً فيكم، وكان لي بَنُونَ وإخوة بمكّة، فَكَتَبت لَعَلِّي أدفَعُ عنهم. قوله: ((وليس من أصحابِك أحدٌ إلّا له هُناكَ)) وفي رواية المُستَمْلي: هناك ((من قومه مَن يَدفَعُ الله به عن أهلِه وماله)) وفي حديث أنس: وليس منكم رجل إلّا له بمكّة مَن يحفظُه في عياله غيري. قوله: ((قال: صَدَقَ، ولا تقولوا له إلّا خيراً)) ويحتمل أن يكون وَ لَّه عَرَفَ صِدقه ممَّا ذُكِرَ، ويحتمل أن يكون بوحي. قوله: ((فعادَ عمر)) أي: عادَ إلى الكلام الأوَّل في حاطِب، وفيه تصريح بأنَّه قال ذلك ٣٠٩/١٢ مرَّتَين، فأمَّا المرّة الأولى/ فكان فيها معذوراً لأنَّه لم يَتَضِح له عُذرُه في ذلك، وأمَّا الثّانية فكان اَّضَحَ عُذرُه وصَدَّقَه النبيُّ وَ ◌َّ فِيهِ، وَهَى أن يقولوا له إلّا خيراً، ففي إعادة عمرَ ذلك الكلامَ إشكالٌ. وأُجيبَ عنه بأنَّه ظنَّ أنَّ صِدقَه في عُذْره لا يَدِفَعُ ما وجَبَ عليه من القتل، وتقدَّم إيضاحُه في تفسير الممتَحَنة. قوله: ((فلأضرِبَ عُنُقَه)) قال الكِرْمانيُّ: هو بكسر اللّام ونصب الباء، وهو في تأويل مصدرٍ محذوفٍ، وهو خَبَرُ مُبْتَدَأ محذوفٍ، أي: اتركني لأضرِبَ عُنُقَه، فَتَركُك لي من أجل الضَّرب، (١) وأخرجه أيضاً البزار في «مسنده)) (١٩٧)، والطحاوي في ((مشكل الآثار)) (٤٤٣٦). ٢٧٣ باب ٩/ ح ٦٩٣٩ كتاب استتابة المرتدين ويجوز سكون الباء، والفاء زائدة على رأي الأخفَش، واللّام للأمر، ويجوز فتحها على لُغة، وأمرُ المتكلِّمِ نفسَه باللّام فصيحٌ قليلُ الاستعمال. وفي رواية عُبيد الله بن أبي رافع: دَعني أضرِبْ عُنُق هذا المنافق، وفي حديث ابن عبّاس: قال عمر: فاختَرَطْتُ سيفي، وقلت: يا رسول الله، أمكِنِّي منه، فإنَّه قد كفرَ. وقد أنكَرَ القاضي أبو بكر بن الباقِلّانيّ هذه الرِّواية، وقال: ليست بمعروفةٍ، قاله في الردّ على الجاحظ، لأنَّه احتَجَّ بها على تكفير العاصي، وليس لإنكار القاضي معنّى، لأنَّها ورَدَت بسندٍ صحیح. وذكر البَرْقانيّ في ((مُستَخرَجه)) أنَّ مسلماً أخرجها، ورَدَّه الْحُميديّ، والجمع بينهما أنَّ مسلماً خَرَّجَ سندها ولم يَسُق لفظها(١)، وإذا ثَبَتَ فلعلَّه أطلقَ الكفر وأراد به كفرَ النِّعمة، كما أطلقَ النَّفاق وأراد به نِفاقَ المعصية، وفيه نظر، لأنَّه استأذَنَ في ضرب عُنُقُه، فأشعَرَ بأنَّه ظنَّ أنَّه نافَقَ نِفاق كُفر، ولذلك أطلقَ أنَّه كفرٌ، ولكن مع ذلك لا يلزم منه أن يكون عمر يرى تكفير مَن ارتَكَبَ معصيةً ولو كَبُرَت كما يقولُه المبتَدِعة، ولكنَّ غَلَبَ على ظنّه ذلك في حَقّ حاطِبٍ، فلمَّا بَيَّن له النبيّ ◌َِّ عُذْرَ حاطِبٍ رَجَعَ. قوله: ((أوَليس من أهل بَدْر؟)) في رواية الحارث: ((أوليس قد شَهِدَ بدراً؟)) وهو استفهام تقرير، وجَزَمَ في رواية عُبيد الله بن أبي رافع أنَّه قد شَهِدَ بدراً، وزاد الحارث: فقال عمر: بلى، ولكنَّه نَكَثَ، وظاهَرَ أعداءَك عليك. قوله: ((وما يُدْريك لعلَّ اللهَ الطَّلَعَ)) تقدَّم في فضل مَن شَهِدَ بدراً (٣٩٨٣) روايةٌ مَن رواه بالجزمِ، والبحثُ في ذلك، وفي معنى قوله: ((اعمَلُوا ما شِئْتُم))، وممّا يُؤْيِّد أنَّ المراد أنَّ ذُنوبهم تقع مَغفورةً، حتَّى لو تَرَكوا فرْضاً مثلاً لم يُؤاخَذوا بذلك، ما وَقَعَ في حديث سهل ابن الحَنظَليَّة في قصَّة الذي حَرَسَ ليلة حُنَينٍ، فقال له النبيّ وَّ: «هل نزلت الليلة(٢)؟)) (١) يعني أنَّ مسلماً خرِّج بهذا السند عدة أحاديث غير هذا، كما قال الحافظ في ((المطالب العالية)) (٣٧٥٦). (٢) لفظة ((الليلة)) سقطت من (س). ٢٧٤ باب ٩/ ح ٦٩٣٩ فتح الباري بشرح البخاري قال: لا، إلّا لقضاءِ حاجة، قال: ((لا عليك أن لا تَعمَل بعدها))(١). وهذا يوافق ما فهمَه أبو عبد الرَّحمن السُّلَمَيّ، ويُؤيِّده قول عليٍّ فيمَن قتَل الحَرُوريَّة: لو أخبرتُكم بما قَضَى الله تعالى على لسان نبيّه وَ ل﴿ لمن قتلهم لنَكَلْتُم عن العمل، وقد تقدَّم بيانه (٢). فهذا فيه إشعار بأنَّ مَن باشَرَ بعضَ الأعمال الصالحة يُثاب من جَزيل الثَّواب بما يُقاوِم الآثام الحاصلة من تَرك الفرائض الكثيرة. وقد تَعقَّبَ ابن بَطّال على أبي عبد الرَّحمن السُّلَمَيّ فقال: هذا الذي قاله ظنٍّ منه، لأنَّ عليّاً على مكانته من العلم والفضل والدّين لا يقتلُ إلّا مَن وجَبَ عليه القتل. ووجَّهَ ابنُ الجَوْزيّ والقُرطُبيّ في ((المفهم)) قول السُّلَميّ كما تقدَّمَ، وقال الكِرْمانيُّ: يحتمل أن يكون مُراده أنَّ عليّاً استفادَ من هذا الحديث الجزمَ بأنَّه من أهل الجنَّة، فعَرَفَ أَنَّه لو وَقَعَ منه خطأ في اجتهاده لم يُؤاخَذ به قطعاً. كذا قال، وفيه نظر، لأنَّ المجتَهِد مَعفوٌّ عنه فيما أخطَأْ فيه إذا بَذَلَ فيه وُسعَه، وله مع ذلك أجر، فإن أصاب فله أجران(٣). والحقّ أنَّ عليّاً كان مُصيباً في حُروبه، فله في كلّ ما اجتَهَدَ فيه من ذلك أجران، فَظَهَرَ أنَّ الذي فهمَه السُّلَمَيّ استَنَدَ فيه إلى ظنّه، كما قال ابن بَطّال، والله أعلم، ولو كان الذي فهمَه السُّلَمَيّ صحيحاً لكان عليّ يَتَجرَّأ على غير الدِّماء كالأموال، والواقع أنَّه كان في غاية الورَع، وهو القائل: يا صفراءُ ويا بيضاءُ غُرّي غيري(٤). ولم يُنقَل عنه قَطُّ في أمر المال إلّا التَّحَرّي بالمهمَلة، لا التَّجَرّي بالجيم(٥). (١) أخرجه أبو داود (٢٥٠١)، والنسائي في ((الكبرى)) (٨٨١٩). (٢) عند شرح الحديث (٦٩٣٠). (٣) يُشير إلى حديث عمرو بن العاص عن النبي ◌َّ أنه قال: ((إذا اجتهد الحاكم فاجتهد، ثم أصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد، ثم أخطأ، فله أجرٌ)). وسيأتي برقم (٧٣٥٢). (٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٣١٨، وأحمد في ((فضائل الصحابة)) (٨٨٤). (٥) روى أبو عبيد في ((الأموال)) (٦٧٠) وغيره عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، قال: لم يَرْزأ عليّ بن أبي طالبٍ من بيت مالِنا حتى فارقنا، غير جُبّةٍ مَحَشُوّةٍ وَخميصةٍ دَرَابِجِرْدِيّة، والخميصة: ثوبُ خزٍّ أو صوفٍ مُعلَم، وهي منسوبة هنا إلى دَرَابِجِرْدٍ موضع. ٢٧٥ باب ٩/ح ٦٩٣٩ كتاب استتابة المرتدين قوله: ((فقد أوْ جَبْتُ لكم الجنَّة)) في رواية عُبيد الله بن أبي رافع: ((فقد غَفَرت لكم))، وكذا في حديث عمر، ومثله في/ («مغازي أبي الأسود)) عن عُرْوة، وكذا عند ابن عائذٍ (١). ٣١٠/١٢ قوله: ((فاغرَ وْرَقَت عيناه)) بالغَينِ المعجَمة الساكنة والرَّاء المكَرَّرة بينهما واو ساكنة ثمَّ قاف، أي: امتَلَأت من الدُّموع حتَّى كأنَّهَا غَرِقَت، فهو افعَو عَلَتْ من الغَرَق، ووَقَعَ في رواية الحارث عن عليّ: ففاضَت عينا عمر. ويُجمَع على أنَّهَا امتَلَأت ثمَّ فَاضَت. قوله: ((قال أبو عبد الله)) هو المصنّف. قوله: ((خاخ أصحُّ)) يعني: بِمُعجَمتَين. قوله: ((ولكن كذا قال أبو عَوَانة: حاج)) أي: بمُهمَلةٍ ثمَّ جيم. قوله: ((وحاج تصحيفٌ، وهو موضع)). قلت: تقدَّم بيانه. قوله: ((وهُشَيم يقول: خاخ)) وَقَعَ للأكثر بمعجمتين، وقيل: بل هو كقولٍ أبي عَوَانة، وبه جَزَمَ السُّهَيَليّ، ويُؤيِّده أنَّ البخاريّ لمَّا أخرجه من طريقه في الجهاد (٣٠٨١) عَبَّرَ بقولِه: ((روضة كذا)) كما تقدَّم، فلو كان بالمعجَمتَينِ لمَا كَنَی عنه. ووَقَعَ في ((السِّيرة)) للقُطبِ الحَلَبِيّ: ((روضة خاخ)) بمُعجَمْتَين، وكان هُشَيم يَروي الأخيرة منها بالجيم، وكذا ذكره البخاريّ عن أبي عَوَانة. انتهى، وهو يوهم أنَّ المغايرة بينها وبين الرِّواية المشهورة إنَّما هو في الخاء الآخرة فقط، وليس كذلك، بل وَقَعَ كذلك في الأولى، فعند أبي عَوَانة أنَّها بالحاءِ المهمَلة جَزماً، وأمَّا هُشَيم فالرِّواية عنه مُخْتَملة. وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدَّم أنَّ المؤمن ولو بَلَغَ في الصَّلاحِ أن يُقْطَع له بالجنَّة، لا يُعصَم من الوقوع في الذَّنب، لأنَّ حاطِباً دَخَلَ فيمَن أو جَبَ الله لهم الجنَّة ووَقَعَ منه ما وَقَعَ، وفيه تَعقُّب على مَن تأوَّلَ أنَّ المراد بقولِه: ((اعملوا ما شِئْتُم)) أنَهم حُفِظوا من الوقوع في شيء من الذُّنوب. (١) تحرف في (س) إلى: أبي عائد. وابن عائذ: هو محمد بن عائذٍ القرشي، له ((المغازي)). ٢٧٦ باب ٩/ح ٦٩٣٩ فتح الباري بشرح البخاري وفيه الردّ على مَن كَفَّرَ المسلم بارتكابِ الذَّنب، وعلى مَن جَزَمَ بتخليدِه في النار، وعلى مَن قَطَعَ بأنَّه لا بدَّ وأن يُعذَّب. وفيه أنَّ مَن وَقَعَ منه الخطأ لا ينبغي له أن يَجِحَده، بل يَعتَرِفُ وَيَعْتَذِرُ لئلا يجمعَ بين ذَنْبَين. وفيه جواز التَّشديد في استخلاص الحقّ، والتَّهديد بما لا يفعلُه المهَدِّد، تَخويفاً لمن يُستَخرَج منه الحقّ. وفيه هَتْك ◌ِتْر الجاسوس، وقد استَدَلَّ به مَن يرى قتله من المالكيَّة لاستئذان عُمر في قتله، ولم يَرُدَّ النبيّ ◌ََّ عن ذلك إلّا لكَونِه من أهل بدر، ومنهم مَن قَيَّدَه بأن يَتكَّر ذلك منه، والمعروف عن مالك يَجْتَهِد فيه الإمام، وقد نَقَلَ الطَّحَاويُّ الإجماع على أنَّ الجاسوس المسلم لا يُباح دمُّه، وقال الشافعيَّة والأكثرُ: يُعزَّر، وإن كان من أهلِ الهيئات يُعفَى عنه، وكذا قال الأوزاعيُّ وأبو حنيفة: يُوجَعُ عُقوبةً ويُطال حَبسه. وفيه العفو عن زَلّة ذَوي الهيئة. وأجابَ الطَّبَرِيُّ عن قصَّة حاطِب واحتجاج مَن احتَجَّ بأنَّه إنَّمَا صَفَحَ عنه لما أطلَعَه الله عليه من صِدقه في اعتذاره، فلا يكون غيره كذلك، قال الطبري(١): وهو ظنٍّ خطأٌ، لأنَّ أحكامَ الله في عباده إنَّما تجري على ما ظَهَرَ منهم، وقد أخبر الله تعالى نبيَّه عن المنافقينَ الذينَ كانوا بحَضرَتِهِ، ولم يُيح له قتلَهم مع ذلك لإظهارهم الإسلام، وكذلك الحُكم في كلّ مَن أظهَرَ الإِسلام، يُجْرَى على أحكام الإسلام. وفيه من أعلام النُّبوّة إطلاعُ الله نبيَّه على قصَّة حاطِبٍ مع المرأة كما تقدَّم بيانه من الرِّوايات في ذلك. وفيه إشارة الكبير على الإمام بما يظهرُ له من الرَّأي العائد نَفعُه على المسلمين ويَتَخَيَّر الإمام في ذلك. وفيه جواز العفو عن العاصي. وفيه أنَّ العاصي لا حُرْمة له، وقد أجمعوا على أنَّ الأجنبيّة يَجِرُمِ النَّظَر إليها مُؤمِنَةً كانت أو كافرةً، ولولا أنَّها لعِصيانها سَقَطَت حُرمَتُها ما هَذَّدَها عليٌّ بتجریدها. قاله ابن بطّال. (١) في (س): القرطبي، وهو خطأ، وقد نقل كلام الطبري هذا بنصه ابن بطال في ((شرحه)) ١٦٢/٥. ٢٧٧ باب ٩/ح ٦٩٣٩ كتاب استتابة المرتدين وفيه جواز غُفران جميع الذُّنوب الجائزة الوقوع عمَّن شاءَ الله، خِلَافاً لمن أبى ذلك من أهل البدع. وقد استُشكِّلَت إقامة الحدّ على مِسْطَحِ بقَذفِ عائشة رضي الله عنها كما تقدَّم، مع أنَّه من أهل بدر، فلم يُسامَح بما ارتَكَبَه من الكبيرة وسُومِحَ حاطِبٌ، وعُلِّلَ بكَونِه من أهل بدر، والجواب ما تقدَّم في ((باب فضل مَن شَهِدَ بدراً)) (٣٩٨٣) أنَّ مَحَلّ العفو عن البدريّ في الأُمور التي لا حَدّ فيها. وفيه جواز غُفران ما تأخّرَ من الذُّنوب، ويدلّ على ذلك الدُّعاء به في عِدّة أخبار، وقد جمعتُ جُزءاً في الأحاديث الواردة في بيان الأعمال الموعود لعاملِها بغُفران ما تقدَّم وما تأخّرَ، سَمَّيته ((الخِصال المكَفِّرة للذُّنوبِ المقدَّمة والمؤَخَّرة)) وفيها عِدّة أحاديث بأسانيدَ جیادٍ. وفيه تأدُّب عمر، وأنَّه لا ينبغي إقامة الحدّ والتَّأديب بحَضرة الإمام إلّا بعد استئذانه. وفيه مَنقَبة لعمر ولأهلٍ بدر كلّهم. وفيه البكاء عند السُّرور، ويحتمل أن يكون عمر بَكَى حينئذٍ لما لَحِقَهُ من الْخُشوعِ والنَّدَم على ما قاله في حَقّ حاطِب. خاتمة: اشتَمَلَ كتاب استتابة المرتدِّينَ من الأحاديث المرفوعة على واحدٍ وعشرينَ حديثاً، فيها واحدٌ مُعلَّق والبَقيَّة موصولة، المكرَّر منها فيه وفيما مضى سبعة عشرَ حديثاً، والأربعة خالصة، وافَقَه مسلم على تخريجها جميعها. وفيه من الآثار عن الصحابة فمَن بعدهم سبعةُ آثار بعضُها موصول، والله أعلم. ٢٧٨ فتح الباري بشرح البخاري ٢٧٩ ح ٦٩٤٠ كتاب الإكراه كتاب الإكراه وقولِ الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَيِنٌّ بِالْإِيمَنِ وَلَكِن مَن شَرَحَ بِلْكُفْرِصَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦]، وقال: ﴿إِلَّ أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَنَّةً﴾ [آل عمران: ٢٨] وهي تَقِيَّةٌ، وقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَلَئِكَةُ ظَالِىّ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كٌُ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِ الْأَرْضِ﴾ [النساء: ٩٧] إلى قوله: ﴿عَفُوًّا غَفُورًا﴾، وقال: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَنِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِ أَهْلُهَا وَأَجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَأَجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٧٥] فعَذَرَ اللهُ المستَضعَفِينَ الَّذِينَ لا يَمْتَنِعونَ من ترْكِ ما أمَرَ الله به، والمُكْرَه لا يكونُ إلَّا مُستَضْعَفاً غيرَ تُمْتَنِعِ من فِعْلِ ما أُمِرَ به. وقال الحسن: النَّقيَّةُ إلى يومِ القيامةِ. وقال ابنُ عبّاسٍ فيمَن يُكْرِمُه اللُّصوصُ فِيُطلِّقُ: ليس بشيءٍ. وَبِهِ قال ابنُ عمَرَ، وابنُ الزُّبَيرِ، والشَّعْبيُّ، والحسن. وقال النبيُّ نَّةِ: ((الأعمالُ بالنِّيَّةِ)). ٦٩٤٠ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن خالدِ بنِ يزيدَ، عن سعيدِ بنِ أبي هِلَالٍ، عن هِلالِ بنِ أُسامةَ، أنَّ أبا سَلَمَةَ بنَ عبدِ الرَّحمنِ أخبَرَه، عن أبي هريرةَ: أنَّ النبيَّ ◌َِّ كان يَدْعُو في الصلاة: «اللهمَّ أَنْج عيَّشَ بنَ أبي رَبيعةَ، وسَلَمَةَ بنَ هشامٍ، والوليدَ بنَ الوليدِ، اللهمَّ أَنَج المستَضعَفِينَ منَ المؤمنينَ، اللهمَّ اشدُدْ وَطْأَتَكَ على مُضَرَ، وابعَثْ عليهم سنينَ كِنِي يوسفَ)). قوله: ((كتاب الإكْراه)) هو إلزام الغير بما لا يُريده. وشروط الإكراه أربعة: الأوّل: أن يكون فاعلُه قادراً على إيقاع ما يُهدِّد به، والمأمورُ عاجِزاً عن الدَّفْع ولو بالفِرار. الثّاني: أن يَغْلِب على ظنّه أَنَّه إذا امتَنَعَ أوقَعَ به ذلك. ٢٨٠ ح ٦٩٤٠ فتح الباري بشرح البخاري الثّالث: أن يكون ما هَذَّدَه به فَوريّاً، فلو قال: إن لم تَفعَل كذا ضَرَبتُك غَداً لا يُعَدّ مُكرَهاً، ويُستَثنَى ما إذا ذكر زَمَناً قريباً جدّاً، أو جَرَت العادة بأنَّه لا يُلِف. الرَّابع: أن لا يظهر من المأمور ما يدلّ على اختياره، كمَن أُكرهَ على الزِّنى، فأولَجَ، ٣١٢/١٢ وأمكَّنَه أن يَنزِعِ ويقول: أنزَلتُ، فَيَتَادَى حتَّى يُنزِل، وكَمَن قيل له: طَلِّق ثلاثاً، فطَلَّقَ/ واحدةً وكذا عكسه، ولا فرق بين الإكراه على القول والفعل عند الجمهور، ويُستَثَنَى من الفعل ما هو مُحرَّم على التَّأبيد كَقتل النَّفْس بغير حَقّ. واختُلِفَ في المُكرَه هل يُكلَّف بتَركِ فعلٍ ما أُكره عليه أو لا؟ فقال الشَّيخ أبو إسحاق الشِّيرازيّ: انعَقَدَ الإجماع على أنَّ المُكرَه على القتل مأمورٌ باجتنابِ القتل والدَّفع عن نفسه، وأنَّه يأثَم إن قَتْلَ مَن أُكرِهَ على قَتله. وذلك يدلّ أنَّه مُكلَّف حالةَ الإكراه، وكذا وَقَعَ في كلام الغَزاليّ وغيره. ومُقْتَضى كلامهم تخصيصُ الخِلاف بما إذا وافَقَ داعيةُ الإكراه داعيةَ الشَّرع، كالإكراه على قتل الكافر وإكراهه على الإسلام، أمَّا ما خالَفَ فيه داعيةُ الإكراه داعيةَ الشَّرع، كالإكراه على القتل فلا خِلَاف في جواز التكليف به، وإِنَّمَا جَرَى الْخِلَافُ في تكليف المُلجَأ، وهو مَن لا يَجِد مَندُوحةً عن الفعل، كمَن أُلقيَ من شاهِقٍ وعقلُه ثابتٌ، فسَقَطَ على شخص فقَتَله، فإنَّه لا مَندوحة له عن السُّقوط ولا اختيار له في عَدمه، وإنَّما هو آلة تَخْضة، ولا نِزاع في أنَّه غير مُكلَّف، إلّا ما أشارَ إليه الآمِديّ من التَّفريع على تكليف ما لا يُطاق. وقد جَرَى الْخِلَاف في تكليف الغافل كالنائمِ والناسي، وهو أبعَدُ من المُلجَأ، لأنَّه لا شُعور له أصلاً، وإنَّما قال الفقهاء بتكليفِه على معنى ثُبُوت الفعل في ذِمَّته، أو مِن جهة رَبْط الأحكام بالأسباب. وقال القَفّال: إنَّما شُرِعَ سجود السَّهو، ووَجَبَت الكفَّارة على المخطِئ، لكَونِ الفعل في نفسه مُتَهيّاً من حيثُ هو، لا أنَّ الغافِلَ نُهي عنه حالةَ الغَفلة، إذ لا يُمكِنِه التَّحَفُّظُ عنه، واختُلِفَ فيما يُهَدَّد به، فاتَّفَقوا على القتل وإتلاف العُضو والضَّرب الشَّديد والحَبس الطّويل، واختَلَفوا