النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
باب ٧/ح ٦٩٣٣
كتاب استتابة المرتدين
رجل فقال: يا نبيَّ الله، هل في هؤلاءِ القوم علامة؟ قال: ((يَحَلِقونَ رُؤوسَهم، فيهم ذو
ثُدَيَّة))، وفي حديث أنس وأبي سعيد(١): ((هم مِن جِلدَتِنا ويتكلَّمونَ بألسِنَتِنا)) قيلَ: يا
رسول الله، ما سِيماهُم؟ قال: ((التَّحليقُ))، هكذا أخرجه الطَّبَريّ، وعند أبي داود (٤٧٦٥)
بعضُه.
قوله: ((يَخْرُجونَ على حين(٢) فُرْقة من الناس)) كذا للأكثر هنا، وفي علامات النُّبوّة
(٣٦١٠) وفي الأدب (٦١٦٣): ((حين)) بكسر المهمَلة وآخره نون، و((فُرقة)) بضمِّ الفاء.
ووَقَعَ في رواية عبد الرَّزّاق عند أحمدَ (١١٥٣٧) وغيره: ((حِين فترة من الناس)) بفتح الفاء
وسكون المثنّاة.
ووَقَعَ للكُشمِيهنيّ في هذه المواضع (٣): ((على خَيْر)) بفتح المعجمة وآخره راء، و ((فِرقة)) بكسر
الفاء، والأوَّل المعتمَد، وهو الذي عند مسلم وغيره، وإن كان الآخرُ صحيحاً.
ويُؤيِّد الأوَّل أنَّ عند مسلم (١٠٦٥ / ١٥٠) من طريق أبي نَضْرة عن أبي سعيد: ((تَرُقُ
مارِقةٌ عند فُرْقة من المسلمين يقتلُهم أَولَى الطائفَتَينِ بالحقِّ))، وفي لفظ له (١٠٦٥/ ١٥١):
(يكونُ في أمَّتي فِرِقَتان، فَيَخْرُج من بينهما طائفةٌ مارقةٌ يَلي قتلَهم أَولاهم بالحقِّ))، وفي لفظ
له (١٠٦٥/ ١٤٩): ((يَخْرُ جونَ في فُرقة من الناس، يقتلُهم أدنَى الطائفَتَينِ إلى الحقّ))، وفيه:
فقال أبو سعيد: وأنتم قتلتُموهم يا أهل العراق! وفي رواية الضَّحّاك المِشْرَقيّ عن أبي
سعيد (١٥٣/١٠٦٥): ((يَخْرُ جونَ على فُرقة مُخْتَلِفة، يقتلُهم أقرَبُ الطائفَتَينِ إلى الحقّ))، وفي
رواية أنس وأبي سعيد(٤) عند أبي داود (٤٧٦٥): ((مَن قاتَلَهم كان أولى بالله منهم)).
قوله: ((قال أبو سعيد)) هو مُتَّصِل بالسَّندِ المذكور.
قوله: ((أشهَدُ سمعتُ من النبيّ وَّ)) كذا هنا باختصارٍ، وفي رواية شُعَيب ويونس: قال
(١) وقع في (أ) و(س): أنس عن أبي سعيد، وهو خطأ، كما بيناه عند شرح الحديث (٦٩٣٠).
(٢) تحرَّف في (ع) و(س) إلى: خير.
(٣) إلّ في هذا الموضع، فوقع بهذا اللفظ للمستملي لا للكُشميهني، كما في اليونينية و ((إرشاد الساري)).
(٤) وقع في الأصلين و(س): أنس عن أبي سعيد، وهو خطأ كما أوضحناه عند شرح الحديث (٦٩٣٠).

٢٤٢
باب ٧/ ح ٦٩٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
أبو سعيد: فأَشهَد أنّي سمعتُ هذا الحديثَ من النبيّ وََّ، وقد مضى في الباب الذي قبلَه من
وجه آخرَ عن أبي سعيد: سمعتُ رسولَ اللهِوَّلَ يقول: ((يَخْرُج في هذه الأَمّة))، وفي رواية أفلحَ
ابن عبد الله: حَضَرتُ هذا من رسول الله وَله.
قوله: ((وأشهَدُ أنَّ عليّاً قَتَلَهم)) في رواية شُعَيب: أنَّ عليّ بن أبي طالب قاتَلَهم، وكذا وَقَعَ
في رواية الأوزاعيِّ ويونس: قاتَلهم، ووَقَعَ في رواية أفلَحَ بن عبد الله: وحَضَرتُ مع عليٍّ
يوم قَتَلَهم بالنَّهروان، ونِسبة قتلِهِم لعليٍّ لكَونِه كان القائمَ في ذلك، وقد مضى في الباب
قبله من رواية سُويد بن غَفَلة عن عليّ أمرُ النبيِّ نَّه بقتْلهم، ولفظه: ((فَأَيْنَمَا لَقِيتُموهم فاقتُلُوهم))
وقد ذكرتُ شواهده.
ومنها حديثُ نَصْر بن عاصم عن أبي بكرة رَفَعَه: ((إنَّ في أمَّتي أقواماً يقرؤونَ القرآن
٢٩٦/١٢ لا يُجاوز تَراقيَهم، فإذا لَقيتُموهم فأنِيموهم)) أي: فاقتلوهم، أخرجه الطَّبَريّ(١)،/ وتقدَّم في
أحاديث الأنبياء (٣٣٤٤) وغيرها: ((لَئِن أدرَكتُهم لَأَقْتُلنَّهم».
وأخرج الطََّرَيُّ من رواية مسروق قال: قالت لي عائشةُ: مَن قتل المخدَج؟ قلت: عليٌّ،
قالت: فأين قتله؟ قلتُ: على نَهر يقال لأسفلِه: النَّهْرَوان. قالت: ائِني على هذا بيِّةٍ، فأتيتُها
بخمسين نفساً شَهِدوا أنَّ عليّاً قتله بالنَّهروان، أخرجه أبو يَعْلى والطَّبَريّ(٢).
وأخرج الطبرانيُّ في ((الأوسط)) (٣٦٣٤) من طريق عامر بن سعد قال: قال عمَّارٌ لسعدٍ: أمَّا
سمعتَ رسولَ اللهِ بَّه يقول: ((يَخَرُجُ أقوامٌ مِن أمَّتِي يَمُرُقونَ من الدّين مُروقَ السَّهم من
الرَّمَيَّة، يقتلهم عليّ بن أبي طالب))؟ قال: إي والله.
وأمَّا صِفَة قتالهم وقتلهم، فوَقَعَت عند مسلم (١٥٦/١٠٦٦) في رواية زيد بن وَهْب
(١) ورواه بلفظ: ((فأنيموهم)) أيضاً مسلم بن أبي بكرة عن أبيه عند أحمد (٢٠٣٨٢). وأنس عنده (١٣٠٣٦)،
وعند أبي داود (٤٧٦٦).
(٢) لم نقف عليه عند أبي يعلى في ((مسنده)) المطبوع الذي برواية ابن حمدان، ولا ذكره الحافظ في زوائد ((مسند أبي
يعلى الكبير)) في ((المطالب العالية)) إذ من شرطه إيراده، وهو عند الطبري في (تهذيبه)) في القسم الذي لم يُعثر عليه
منه، وقد أخرجه أيضاً ابن الأعرابي في ((معجمه)) (٨١٢)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) ٤٣٤/٦ -٤٣٥.

٢٤٣
باب ٧/ح ٦٩٣٣
كتاب استتابة المرتدين
الجُّهَنيّ أنَّه كان في الجيش الذينَ كانوا مع عليّ حين ساروا إلى الخوارج، فقال عليٌّ بعد أن حدَّث
بصِفَتِهِم عن النبيّ وَّه: والله إنّي لَأرجو أن يكونوا هؤلاءِ القوم، فإنَّهم قد سَفَكوا الدَّم الحرام
وأغارُوا في سَرْح الناس، قال: فلمَّا التَّقَينا وعلى الخوارج يومئذٍ عبد الله بن وَهْب الرَّاسِبِيّ،
فقال لهم: ألقُوا الرِّماح وسُلُّوا سُيوفَكم من ◌ُفُونها، فإنّ أخافُ أن يُناشِدُوكم كما ناشدوكم
يومَ حَرُوراء، قال: فَشَجَرَهم الناسُ برِماحهم، قال: فقُتِلَ بعضُهم على بعض، وما أُصيبَ
من الناس يومئذٍ إلّا رجلان.
وأخرج يعقوب بن سفيان(١) من طريق عِمران بن حُدَير(٢) عن أبي مِجْلَز قال: كان أهلُ
النَّهر أربعةَ آلافٍ، فقَتَلهم المسلمون، ولم يُقتَل من المسلمين سوى تسعة، فإن شِئتَ فاذهَب إلى
أبي بَرْزة فاسأله، فإنَّه شَهِدَ ذلك.
وأخرج إسحاقُ بن راهويه في ((مُسنَده)(٣) من طريق حَبيب بن أبي ثابت قال: أتيتُ أبا
وائل فقلت: أخبرني عن هؤلاءِ القوم الذينَ قَتَلهم عليّ، فيمَ فارَقوه؟ وفيمَ استَحلَّ قتالهم؟
قال: لمَّا كنَّا بصِفّينَ اسْتَحرَّ القتلُ في أهل الشّام، فرَفَعوا المصاحف، فذكر قصَّة التَّحكيم،
فقال الخوارج ما قالوا ونزلُوا حَرُوراء، فأرسَلَ إليهم عليٌّ فرجَعوا، ثمَّ قالوا: نكون في
ناحيته، فإن قَبِلَ القضيّة قاتَلْناه، وإن نَقَضَها قاتَلْنا معه، ثمَّ افتَرَقَت منهم فِرقةٌ يقتلونَ
الناس، فحدَّث عليٌّ عن النبيّ ◌َلّ بأمرهم.
وعند أحمدَ (٦٥٦) والطبرانيّ والحاكم (٢/ ١٥٣ -١٥٤) من طريق عبد الله بن شدَّاد
أنَّه دَخَلَ على عائشة مَرجِعَه من العراق لَيَالِيَ قُتِلَ عليٍّ، فقالت له عائشة: تُحدِّثني بأمرٍ
هؤلاءِ القوم الذينَ قتلهم عليٌّ، قال: إنَّ عليّاً لمَّا كاتَبَ معاويةَ وحَكَّما الحَكَمَينِ خَرَجَ عليه
ثمانيةُ آلاف من قُرّاء الناس، فنزلوا بأرضٍ يقال لها: حَرُوراءُ من جانب الكوفة، وعَتِبوا
(١) وأخرجه من طريقه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) ١ / ١٨٢.
(٢) تحرَّف في (س) إلى: جرير.
(٣) كما في ((المطالب العالية) للحافظ (٤٤٣٩)، وفات الحافظ رحمه الله أنه في ((مسند أحمد)) (١٥٩٧٥)، و((سنن
النسائي الكبرى» (١١٤٤٠).

٢٤٤
باب ٧/ ح ٦٩٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
عليه، فقالوا: انسَلَختَ من قميص ألبَسَكَه اللهُ، ومن اسم سَّاك اللهُ به، ثمَّ حَكَّمت الرِّجال
في دين الله، ولا حُكم إلّا لله، فَبَلَغَ ذلك عليّاً فجَمَعَ الناسَ، فَدَعَا بمُصحَفٍ عظيم، فَجَعَلَ
يَضِرِبُهُ بَيَدِهِ، ويقول: أيُّها المصحَف حَدِّثِ الناسَ، فقالوا: ماذا تسأل(١)؟ إنَّما هو مِدادٌ ووَرَقٌ،
ونحنُ نَتَكلَّم بما رُوِّينا منه، فقال: كتابُ الله بيني وبينَ هؤلاء، يقولُ الله في امرأةِ رجلٍ:
وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ [النساء: ٣٥] الآية، وأُمّة محمَّد أعظَمُ من امرأةِ رجلٍ، ونَقَمُوا
عليَّ أن كاتَبتُ معاويةَ، وقد كاتَبَ رسولُ اللهِ وَ سُهَيل بن عَمْرو، ولقد كان لكم في
رسول الله أُسوةٌ حَسنةٌ.
ثُمَّ بَعَثَ إليهم ابنَ عبَّاس فناظَرَهم، فَرَجَعَ منهم أربعةُ آلافٍ فيهم عبدُ الله بنَ الكَوّاء،
فَبَعَثَ عليٌّ إلى الآخرينَ أن يَرجِعوا فأبَوا، فأرسَلَ إليهم: كونوا حيثُ شِئْتُم وبينَنَا وبينكم
أن لا تَسِفِكوا دَماً حَراماً، ولا تَقطَعُوا سبيلاً، ولا تَظلِموا أحداً، فإن فعَلتُمْ نَبَذْتُ إليكم
الحربَ. قال عبد الله بن شدَّاد: فوالله ما قتلهم حتَّى قَطَعوا السَّبيل وسَفَكوا الدَّمَ الحرام،
الحدیث.
وأخرج النَّسائيُّ في الخصائص (ك٨٥٢٢) صِفَة مُناظَرة ابنِ عبَّاس لهم بطولها. وفي
((الأوسط)) للطََّرانيّ (٤٠٥١) من طريق أبي السابغة(٢) عن جُندُب بن عبد الله البَجَليِّ قال:
لمَّا فارَقَت الخوارجُ علياً خَرَجَ في طلبهم، فانتَهَينا إلى عسكرهم، فإذا لهم دَوِيٌّ كَدَويِّ
النَّحل من قراءة القرآن، وإذا فيهم أصحابُ البَرانِس، أي: الذينَ كانوا معروفينَ بالزُّهِدِ
والعبادة، قال: فدَخَلَني من ذلك شدةٌ، فنزلتُ عن فرسي وقُمتُ أُصَلّ، فقلت: اللهمَّ إن
٢٩٧/١٢ كان في/ قتال هؤلاءِ القوم لك طاعةٌ فائذن لي فيه، فمرَّ بي عليٌّ، فقال لمَّا حاذاني: تَعَوَّذ بالله
من الشكِّ يا جُندُب، فلمَّا جِئْتُهُ أقبَلَ رجلٌ على بِرِذَون يقول: إن كان لك بالقومِ حاجة
فإنَهم قد قَطَعوا النَّهر، قال: ما قَطَعوه، ثمَّ جاء آخرُ كذلك، ثمَّ جاء آخرُ كذلك، قال: لا
(١) تحرَّف في (س) إلى: إنسان.
(٢) تصحف في (س) إلى: السائغة، وإنما هو أبو السابغة إسماعيل بن سعيد النَّهْدي، ترجمه البخاري في ((تاريخه
الکبیر))، وابن حبان في ((الثقات)»، وغيرهما.

٢٤٥
باب ٧/ ح ٦٩٣٣
كتاب استتابة المرتدين
ما قَطَعُوه ولا يَقطَعُونَه، ولَيُقتَلُنَّ مِن دونَه، عهدٌ من الله ورسوله، قلتُ: الله أكبر.
ثُمَّ رَكِبنا فسايرتُه، فقال لي: سأبعَثُ إليهم رجلاً يقرأُ المصحَف يَدعُوهم إلى كتاب الله وسُنّة
نبيّهم، فلا يُقبِل علينا بوجهه حتَّى يَرِشُقوه بالنّل، ولا يُقْتَل مِنّا عشرةٌ ولا يَنجو منهم عشرةٌ،
قال: فانتَهَينا إلى القوم فأرسَلَ إليهم رجلاً فَرَمَاه إنسان، فأقبَلَ علينا بوجهه فقَعَدَ، وقال عليّ:
دونكم القومَ، فما قُتِلَ مِنّا عشرة ولانَجَا منهم عشرة.
وأخرج يعقوبُ بن سفيان(١) بسندٍ صحيح عن حُميد بن هلال، قال: حدَّثنا رجلٌ من
عبد القيس قال: لَحِقتُ بأهلِ النَّهر، فإنّي مع طائفة منهم أَسيرُ إذ أَتينا على قرية بيننا نهرٌ،
فخَرَجَ رجلٌ من القرية مُروَّعاً، فقالوا له: لا رَوْعَ عليك، وقَطَعوا إليه النَّهر، فقالوا له:
أنتَ ابنُ خَبّاب صاحب النبيّ ◌ََّ؟ قال: نعم، قالوا: فحَدِّثنا عن أبيك، فحدَّثهم بحديث:
يكون فتنةٌ، فإن استَطَعت أن تكون عبدَ الله المقتول فكُن، قال: فقَدَّمُوه فضَرَبوا عُنُقُه، ثمَّ
دَعَوا سُرِّيَّتَه وهي حُبلَى، فَبَقَروا عمَّا في بطنها.
ولابنِ أبي شَيْبة (٣٠٨/١٥-٣٠٩) من طريق أبي مِجْلَز لاحقٍ بن حُميد قال: قال عليّ
لأصحابِهِ: لا تَبدَؤوهم بقتالٍ حتَّى يُحدِثوا حَدَثاً، قال: فمرَّ بهم عبدُ الله بن خَبَّاب، فذكر
قصَّة قتلِهم له ولجاريَتِهِ (٢)، وأنَّهم بَقَرُوا بطنَها، وكانوا مَرّوا على ساقيةٍ، فأخَذَ واحدٌ منهم
تمرةً فوضَعَها في فيه، فقالوا له: تمرةُ مُعاهَدٍ فيمَ استَحلَلتها؟ فقال لهم عبدُ الله بن خَبّاب: أنا
أعظَمُ حُرْمةً من هذه التَّمرة! فأخَذوه فَذَبَحوه، فَبَلَغَ عليّاً فأرسَلَ إليهم: أقِيدُونا بقاتلِ
عبد الله بن خَبّاب، فقالوا: كلُّنا قتله، فأذِنَ حينئذٍ في قتالهم.
وعند الطَّبَريّ(٣) من طريق أبي مريم قال: أخبرني أخي أبو عبد الله أنَّ عليّاً سارَ إليهم حتَّى
إذا كان حِذاءَهم على شَطّ النَّهْروان أرسَلَ يُناشِدُهم، فلم تَزَل رُسُلُه تختلف إليهم حتَّى قتلوا
رسولَه، فلمَّا رأى ذلك نَهَضَ إليهم فقاتَلَهم، حتَّى فَرَغَ منهم كلِّھم.
(١) وهو أيضاً عند أحمد (٢١٠٦٤).
(٢) تحرَّف في (س) إلى: وبجاريته.
(٣) وهو عنده في ((تاريخه)) ٩١/٥-٩٢، وهو أيضاً عند ابن أبي شيبة ٣٢٥/١٥-٣٢٦.

٢٤٦
باب ٧/ ح ٦٩٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((جيءَ بالرجلِ على الَّعْت الذي نَعَتَه النبيُّ وَّ) في رواية شُعَيب (٣٦١٠): على نَعت
النبيِّ وَِّ الذي نَعَتَه، وفي رواية أفلَحَ(١): فالتَمَسَه عليٌّ فلم يَجِده، ثمَّ وَجَدَه بعد ذلك تحتَ
جِدارٍ على هذا النَّعت.
وفي رواية زيد بن وَهْب (٢): فقال عليّ: التَمِسوا فيهم المخدَج، فالتَمَسُوه فلم يَجِدوه،
فقامَ عليٌّ بنفسِه حتَّى أتى ناساً قد قُتِلَ بعضُهم على بعض قال: أخِّروهم، فوجَدَه مَّا يَلي
الأرض، فكَبَّرَ ثمّ قال: صَدَقَ اللهُ وبَلَّغَ رسولُه.
وفي رواية عُبيد الله بن أبي رافع: فلمَّا قتلهم عليٌّ قال: انظُرُوا، فنَظَروا فلم يَجِدوا شيئاً،
فقال: ارجِعوا، فوالله ما كَذَبتُ ولا كُذِبتُ مرَّتَيْنِ أو ثلاثاً، ثمَّ وجَدُوه في خَرِبةِ، فأتوا به حتَّی
وضَعوه بين يَدَيه، أخرجها مسلم (١٠٦٦/ ١٥٧).
وفي رواية للطَّبَرَيِّ(٣) من طريق زيد بن وهب: فقال عليٌّ: اطلُبُوا ذا الثَّديَّة، فطلبوه فلم
يَجِدوه، فقال: ما كَذَبتُ ولا كُذِبتُ، اطلُبوه فطلَبوه، فوجَدُوه في وَهْدةٍ من الأرض علیه ناس
من القتلَى، فإذا رجلٌ على يده مِثْلُ سَبَلات السِّنَّور، فكَبَّرَ عليٌّ والناسُ، وأعجَبَه ذلك.
ومن طريق عاصم بن كُلَيب(٤) حدَّثنا أبي قال: بَيْنا نحنُ قُعودٌ عند عليّ، فقامَ رجلٌ
عليه أثرُ السَّفَر، فقال: إنّي كنتُ في العُمرة، فدَخَلتُ على عائشةَ، فقالت: ما هؤلاءِ القوم
الذينَ خَرَجوا فيكم؟ قلتُ: قومٌ خَرَجوا إلى أرضٍ قريبة مِنّا يقال لها: حَرُوراء، فقالت: أما
إنَّ ابن أبي طالب لو شاءَ لَحَدَّتكم بأمرهم، قال: فأهَلَّ عليٌّ وكَبَّرَ، فقال: دَخَلتُ على
رسولِ اللهِ وَل﴿ وليس عنده غيرُ عائشة، فقال: كيف أنتَ وقومٌ يَخْرُجونَ من قِبَل المشرق،
وفيهم رجلٌ كأنَّ يدَه ثَدْيُ حَبَشيَّةٍ، نَشَدتُكم اللهَ هل أخبَرَتُكم بأنَّه فيهم؟ قالوا: نعم،
فجِئْتُموني فقلتُم: ليس فيهم، فحَلَفتُ لكم أنَّه فيهم، ثمَّ أتيتُموني به تَسحَبُونَه كما نُعِتَ لي؟
(١) عند أبي يعلى (١٠٢٢).
(٢) عند مسلم (١٠٦٦) (١٥٦).
(٣) وهو أيضاً عند ابن أبي شيبة ٣٢٠/١٥.
(٤) وهو أيضاً عند البزار (٨٧٢).

٢٤٧
باب ٧/ح ٦٩٣٣
كتاب استتابة المرتدين
فقالوا: اللهمَّ نعم، قال: فأهَلَّ عليّ وكَبَّرَ.
وفي رواية أبي الوَضِيِّ - بفتح الواو وكسر الضّاد المعجَمة الخفيفة/ والتَّشديد - عن ٢٩٨/١٢
عليّ: اطلُبُوا المخدَج، فذكر الحديث، وفيه: فاستَخرَجُوه من تحت القتلَى في طِين، قال
أبو الوَضِيّ: كأنِّ أنظُر إليه حَبَشِيِّ عليه قُرَيْطِقٌ(١) له إحدى يَدَيهِ مِثلُ ثَدْي المرأة، عليها
شُعَيراتٌ مِثلُ شُعَيراتٍ تكون على ذَنَب اليَرْبُوع (٢). ومن طريق أبي مريم قال: إن كان ذلك
المخدَجِ لَمَعَنا في المسجد، وكان فقيراً قد كَسوتُه بُرنُساً لي، ورأيتُه يَشْهَد طعام عليّ، وكان
يُسمَّى نافعاً ذا الثُّدَيَّة، وكان في يده مِثْلُ ثَدْي المرأة على رأسه حَلَمَةٌ مِثل حَلَمَةِ الثَّدْي،
عليه شُعَيراتٌ مِثلُ سِبال(٣) السِّنَّور. أخرجهما أبو داود (٤٧٦٩ و٤٧٧٠).
وأخرجه الطَّبَرِيُّ(٤) من طريق أبي مريم مُطوَّلاً وفيه: وكان عليّ يُحدِّثنا قبل ذلك: أنَّ قوماً
يَخْرُجونَ وعلامَتهم رجل مُخُدَج اليد، فسمعتُ ذلك منه مِراراً كثيرة، وسَمِعَه(٥) المخدَج حتَّى
رأيته يَتَكرَّه طعامَه من كَثْرة ما يسمع ذلك منه، وفيه: ثمَّ أمَرَ أصحابه أن يَلْتَمِسوا المخدَج،
فالتَمَسوه فلم يَجِدُوه، حتَّى جاء رجلٌ فبَشَّرَه فقال: وجَدناه تحت قتيلَينِ في ساقية، فقال: والله ما
كَذَبتُ ولا كُذِبتُ.
وفي رواية أفلَحَ: فقال عليٌّ: أيُّكُم يَعرِف هذا؟ فقال رجلٌ من القوم: نحنُ نعرفه، هذا
حُرقوص وأُّه هاهُنا، قال: فأرسَلَ عليٌّ إلى أمّه، فقالت: كنتُ أرعَى غَنَماً في الجاهليَّة،
فَغَشَيَنِي كَهَيْئَةِ الظُّلَّة، فحَمَلتُ منه فوَلَدتُ هذا.
(١) تحرف في الأصلين و(س) إلى: طريطق، والقُريطق تصغير قُرْطَق، وهو شبيه القَبَاء، وهو ثوب يُلبس فوق
الثياب أو القميص، وهو فارسي معرب، انظر ((المعرَّب)) للجواليقي ص٢٦٤.
(٢) هو حيوان من نوع الفأر، طويل الرجلين قصير اليدين جداً، له ذنب طويل ينتهي بخصلة من الشعر. انظر
((معجم اللغة العربية المعاصرة)) للدكتور أحمد مختار وغيره ٢/ ٨٥٠.
(٣) قدّمنا بيانه أثناء شرح الحديث.
(٤) وهو في ((تاريخه)) ٩١/٥-٩٢، وهو أيضاً عند ابن أبي شيبة ٣٢٥/١٥-٣٢٦.
(٥) تحرَّف في (س) إلى: وسمعت.

٢٤٨
باب ٧/ح ٦٩٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
وفي رواية عاصم بن شَمْخ(١) عن أبي سعيد قال: حدَّثني عشرةٌ من أصحاب النبيّ ◌َّ أنَّ
عليّاً قال: التَمِسوالي العلامةَ التي قال رسولُ الله ◌َّهِ، فإنّ لم أَكذِب ولم أُكذَب، فجيءَ به
فحَمِدَ الله وأثنَى عليه حين عَرَفَ العلامةَ.
ووَقَعَ في رواية أبي كثير(٢) مولى الأنصار عن عليّ: حولها سبعُ هُلْبات، وهو بضمِّ الهاء
وموخَّدة جمع هُلْبة، وفيه: أنَّ الناس وجَدُوا في أنفسهم بعدَ قتل أهل النَّهر، فقال عليّ: إنّ لا أُراه
إلّا منهم، فوجَدوه على شَغير النَّهر تحت القتلَى، فقال عليّ: صَدَقَ اللهُ ورسولُه، وفَرِحَ الناسُ
حين رأوه واستَشَروا، وذهب عنهم ما كانوا يَجِدونَه.
قوله: ((قال: فنزلَتْ فيه)) في رواية السَّرَخْسيّ: فيهم.
قوله: (﴿وَمِنْهُم ◌َن يَلْمِزُكَ فِ الصَّدَقَتِ﴾)) اللَّمز: العَيب، وقيل: الوقوعُ في الناس، وقيل:
بقَيدِ أن يكون مُواجَهةً، والهمز في الغَيبة، أي: يَعِيبُك في قَسْمَ الصَّدَقات، ويُؤْيِّد القَيْد(٣) المذكور
ما وَقَعَ في قصَّة المذكور حيثُ واجَهَ بقولِه: هذه قِسمةٌ ما أُريدَ بها وجهُ الله. ولم أقِفْ على هذه(٤)
الزّيادة إلّا في رواية مَعمَر، وقد أخرجه عبد الرَّزّاق(٥) عن مَعمَر، لكن وَقَعَت مُقدَّمةً بعد (٢)
قوله: (حین فُرقة من الناس))، قال: فنزلت فيهم وذکر کلام أبي سعيد بعد ذلك، وله شاهد من
حديث ابن مسعود قال: لمَّا قَسَمَ رسول الله وَلَ غَنائم حُنَينٍ سمعتُ رجلاً يقول: إنَّ هذه
القسمة ما أُريدَ بها وجهُ الله، قال: فنزلت: ﴿وَمِنْهُمْ مَن يَلْمِزُكَ فِى الصَّدَقَتِ﴾ أخرجه ابنُ
مَرْدويه، وقد تقدَّم في غزوة حُنَينٍ (٤٣٣٥) بدون هذه الزّيادة، ووَقَعَ في رواية عُقْبةٍ(٧) بن
(١) قدّمنا أنّ الصواب في اسمه: شميخ، بالتصغير.
(٢) وقع في الأصلين و(س): أبي بكر، وقد قدّمنا أنَّ المثبت هو الصواب.
(٣) تحرَّف في (س) إلى: القيل.
(٤) لفظة ((هذه) سقطت من (س).
(٥) أخرجه في ((أماليه)) (١٢٤)، وهي برواية أحمد بن منصور الرَّمادي عنه، وكذلك أخرجه في ((التفسير))
٢٧٧/١-٢٧٨.
(٦) تحرف في الأصلين و(س) إلى: على. والمثبت هو الصواب، وهو الذي يدل عليه كلام الحافظ بعدُ.
(٧) تحرَّف في (س) إلى: عتبة.

٢٤٩
باب ٧/ح ٦٩٣٣
كتاب استتابة المرتدين
وسّاج(١) عن عبد الله بن عمرو (٢) ما يُؤَيِّد هذه الزّيادة: فَجَعَلَ يَقسِم بين أصحابِهِ ورجلٌ
جالسٌ، فلم يُعطِهِ شيئاً، فقال: يا محمَّد، ما أراكَ تَعدِل، وفي رواية أبي الوَضِيّ(٣) عن أبي بَرْزة
نحوه، فدَلَّ على أنَّ الحامل للقائلِ على ما قال مِن الكلام الجافي، وأقدَمَ عليه من الخِطاب
السَّيِّئ، كَونُه لم يُعطَ من تلك العَطِيَّة، وأنَّه لو أُعطيَ لم يَقُل شيئاً من ذلك.
وأخرج الطبرانيُّ(٤) نحو حديث أبي سعيد، وزاد في آخره: فغَفَلَ عن الرجل، فذهبَ، فسألَ
النبيُّ ◌َِّ عنه، فطُلِبَ فلم يُدرَك، وسنده جيّد.
تنبيه: جاء عن أبي سعيد الخُدْريِّ قصَّةٌ أُخرى تتعلَّق بالخوارج، فيها ما يُخالف هذه
الرِّواية، وذلك فيما أخرجه أحمدُ (١١١١٨) بسندٍ جيّد عن أبي سعيد قال: جاء أبو بكر إلى
رسول الله وَّةٍ، فقال: يا رسولَ الله، إنّ مَرَرتُ بوادي كذا، فإذا رجلٌ حسنُ الهَيْئة،
مُتَخَشِّع يُصَلّي فيه، فقال: ((اذهَب إليه فاقتُله))، قال: فذهب إليه أبو بكر، فلمَّا رآه يُصَلّ
كَرِهَ أن يقتله فَرَجَعَ، فقال النبيّ ◌َِّ لعمر: ((اذهَب فاقتُله))، فذهب فرآه على تلك الحالة
فَرَجَعَ، فقال: ((يا عليّ، اذهَب إليه فاقتُله) فذهب عليّ فلم يَرَه، فقال النبيّ وَّ: ((إنَّ هذا
وأصحابَه/ يقرؤونَ القرآن لا يُحاوِز تَراقِيَهم، يَمرُقونَ من الدّين كما يَمرُقُ السَّهم من ٢٩٩/١٢
الرَّمَيَّة، ثمَّ لا يعودُونَ فیه، فاقتلوهم هم شَرّ الیرِيَّة». وله شاهد من حديث جابر أخرجه
أبو يَعْلی (٢٢١٥) ورجاله ثقات.
ويُمكِن الجمع بأن يكون هذا الرجل هو الأوَّل، وكانت قِصَّته هذه الثّانية مُتَراخيةً عن
الأولى، وأذِنَ بَّه في قتله بعد أن مَنَعَ منه لزَوال عِلّة المنع، وهي التَّالَّف، فكأنَّه استَغنى عنه
بعد انتشار الإسلام، كما نُِّيَ عن الصلاة على مَن يُنسَب إلى النِّفاق بعد أن كان يُجرَى عليهم
(١) هي عند الفريابي في ((فضائل القرآن)) (١٩٦)، والطبراني في ((الشاميين)) (٢٧٦٥).
(٢) تحرَّف في (ع) و(س) إلى: عمر.
(٣) قدَّمنا أنه من رواية شريك بن شهاب عن أبي برزة، وليس من رواية أبي الوضيّ عبّاد بن نُسَيب عنه، وقد
تقدَّم تخريج الحافظ له أثناء شرح الحديث.
(٤) وأخرجه من طريقه الضياء في ((المختارة)) ٨/ (٢٧٤).

٢٥٠
باب ٧/ ح ٦٩٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
أحكامُ الإسلام قبل ذلك، وكأنَّ أبا بكر وعمر تَمَسَّكا بالنَّهي الأوَّل عن قتل المصَّين،
وحَمَلًا الأمرَ هنا على قَيد أن يكون لا يُصَلِّي(١)، فلذلك عَلَّلا عَدَم القتل بوجودِ الصلاة، أو
غَلَّبَا جانبَ النَّهي.
ثمَّ وجَدت في ((مغازي الأُمَويّ)) من مُرسَل الشَّعْبيّ في نحوِ أصل القصّة: ثمَّ دَعَا
رجالاً فأعطاهم، فقامَ رجلٌ فقال: إنَّك لَتَقسِم وما نَرَى عَدلاً، قال: ((إذاً لا يَعِدِلَ أحدٌ
بعدي)) ثمَّ دَعَا أبا بكر فقال: ((اذهَب فاقتُله)) فذهب فلم يَجِده، فقال: ((لو قَتَلتَه لَرَجَوتُ أن
يكون أوَّلَم وآخرَهم))، فهذا يُؤيِّد الجمع الذي ذكرتُه لما يدلّ عليه ((ثمَّ)) من التَّراخي، والله
أعلم.
وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدَّم مَنقَبة عظيمة لعليٍّ، وأنَّه كان الإمامَ الحقَّ،
وأنَّه كان على الصَّواب في قتال مَن قاتَلَه في حُروبه في الجمل وصِفّينَ وغيرهما، وأنَّ المراد
بالخَصرِ في الصَّحيفة في قوله في كتاب الدّيات (٦٩٠٣ و٦٩١٥): ما عندنا إلّ القرآن
والصَّحيفة، مُقيَّدٌ بالكتابة، لا أنَّه ليس عنده عن النبيّ وََّ شيءٌ ممّا أطلَعَه عليه(٢) من الأحوال
الآتية إلّا ما في الصَّحيفة، فقد اشتَمَلَت طرقُ هذا الحديث على أشياءَ كثيرةٍ كان عنده عن
النبيّ ◌َّهِ عِلمُ بها، ممّا يَتَعلَّق بقتال الخوارج وغير ذلك ممَّا ذُكِرَ.
وقد ثَبَتَ عنه أنَّه كان يُخُبِرِ بأنَّه سَيقتلُه أشقَى القوم(٣)، فكان ذلك، في أشياء كثيرة.
ويحتمل أن يكون النَّفي مُقيَّداً باختصاصه بذلك، فلا يَردُ حديثُ الباب، لأَنَّه شارَكَه
فيه جماعة، وإن كان عنده هو زيادةٌ عليهم لأنَّه كان صاحبَ القصَّة، فكان أشدَّ عِنايةً بها
من غيره.
(١) كذا في (أ) وفي (ع): أن لا يكون يصلي، وهو بمعناه، وفي (س): أن لا يكون لا يصلي، بتكرار النفي، وهو خطأ.
(٢) وقع في (س): أطلعه الله عليه، بإقحام لفظ الجلالة، والمثبت من الأصلين هو الصواب، لأنَّ المراد: ما
أطلع النبيُّ وَّل عليّاً عليه.
(٣) انظر الأحاديث الدالة على ذلك في ((مسند أحمد)) عند تعليقنا على الحديث (١٨٣٢١). وانظر حديث عليّ
ابن أبي طالب عند أبي يعلى (٤٩١).

٢٥١
باب ٧/ ح ٦٩٣٣
كتاب استتابة المرتدين
وفيه الكَفّ عن قتْل مَن يَعتَقِد الخروجَ على الإمام ما لم يَنْصِب لذلك حَرْباً أو يَستَعِدّ
لذلك، لقولِه: «فإذا خَرَجوا فاقتلوهم)). وحكى الطَّبَرِيُّ الإجماع على ذلك في حَقّ مَن لا
يُكَفَّر باعتقادِهِ، وأسنَدَ عن عمر بن عبد العزيز أنَّ كَتَبَ في الخوارج بالكَفِّ عنهم ما لم
يَسِفِكوا دَماً حَراماً أو يأخُذوا مالاً، فإن فعَلوا فقاتِلوهم ولو كانوا ولدي. ومن طريق ابن
جُرَيج: قلت لعطاءٍ: ما يَحِلّ في قتال الخوارج؟ قال: إذا قَطَعوا السَّبيل وأخافوا الأمن.
وأسنَدَ الطَّبَرِيُّ عن الحسن: أنَّه سُئلَ عن رجل كان يرى رأيَ الخوارج ولم يَخْرُج؟ فقال:
العملُ أملَكُ بالناس من الرَّأي.
قال الطَّبَريّ: ويُؤيِّده أنَّ النبيَّ نَّهَ وَصَفَ الخوارج بأنَهم يقولون الحقَّ بألسِنَّتِهم، ثمَّ
أخبر أنَّ قولهم ذلك وإن كان حقّاً من جهة القول، فإنَّه قولٌ لا يُجاوِزُ حُلوقَهم، ومنه قوله
تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] أخبر أنَّ العملَ الصالح
الموافق للقولِ الطيِّب هو الذي يَرفَعُ القولَ الطيِّب.
قال: وفيه أنَّه لا يجوزُ قتالُ الخوارج وقتلُهم، إلّا بعد إقامة الحُجّة عليهم بدعائهم إلى
الرُّجوع إلى الحقّ والإعذار إليهم، وإلى ذلك أشارَ البخاريّ في التَّرجمة بالآية المذكورة فيها.
واستُلِلَّ به لمن قال بتكفير الخوارج، وهو مُقْتَضى صنيع البخاريّ حيثُ قَرَنَهم بالملحِدين،
وأفرَدَ عنهم المتأوِّلينَ بترجمةٍ، وبذلك صَرَّحَ القاضي أبو بكر بن العربيّ في ((شرح التِّرمِذيّ))
فقال: الصَّحيح أنَّهم كفَّار لقولِه ◌ِلّهِ: ((يَمرُقونَ من الإسلام))، ولقولِه: (لَأَقْتُلَنَّهم قتل عادٍ))(١)،
وفي لفظ: (ثَمُود))(٢)، وكلّ منهما إِنَّا هَلَكَ بالكفر، وبقولِه: ((هم شَرُّ الخلق))(٣)، ولا يُوصَف
بذلك إلّ الكفّار، ولقوله: ((إِنَّهم أبغَضُ الخلق إلى الله تعالى))(٤)، وحُكمِهم على كلّ مَن خالَفَ
مُعتَقَدَهم بالكفرِ والتَّخليد في النار، فكانوا هم أحقَّ بالاسم منهم.
(١) تقدم بهذا اللفظ برقم (٣٣٤٤) وسيأتي برقم (٧٤٣٢).
(٢) تقدم بهذا اللفظ برقم (٤٣٥١).
(٣) تقدم تخريج الحافظ له بين يدي الحديث (٦٩٣٠).
(٤) أخرجه مسلم (١٠٦٦) (١٥٧).

٢٥٢
باب ٧/ ح ٦٩٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
وثمَّن جَنَحَ إلى ذلك من أئمّة المتأِّّرينَ الشَّيخُ تَقيّ الدّين السُّبْكيّ، فقال في ((فتاويه): احتَجَّ
٣٠٠/١٢ مَن كَفَّرَ الخوارجَ وغُلاَ الرَّوافض بتكفيرهم/ أعلام الصحابة لتَضَمُّنِه تكذيبَ النبيّ وَيه
في شهادته لهم بالجنَّة، قال: وهو عندي احتجاجٌ صحيح، قال: واحتَجَّ مَن لم يُكفِّرهم بأنَّ
الحُكم بتكفيرهم يستدعي تَقَدُّم عِلمهم بالشَّهادة المذكورة عِلماً قطعياً، وفيه نظر، لأنّا نَعلم
تَزكية مَن كَفَّروه عِلماً قطعياً إلى حين موته، وذلك كافٍ في اعتقادنا تكفيرَ مَن كَفَّرَهم،
ويُؤيِّده حديث: ((مَن قال لأخيه: كافر، فقد باءَ به أحدُهما))(١)، وفي لفظ مسلم: ((مَنْ رَمَى
مسلماً بالكفر، أو قال: عدوّ الله [وليس كذلك](٢) إلّا حارَ عليه))(٣)، قال: وهؤلاءٍ قد تَّحقَّقَ
منهم أنَّهم يَرمُونَ جماعةً بالكفرِ ثَمَّن حَصَلَ عندنا القطْعُ بإيمانهم، فيجب أن يُگم بكفرهم
بِمُتَقَضَى خبر الشّارع، وهو نحو ما قالوه فيمَن سَجَدَ للصَّنَمِ ونحوه ممَّن لا تصريح بالجُحودِ فیه
بعد أن فَسَّروا الكفر بالجُحود، فإن احتَجّوا بقيام الإجماع على تكفير فاعل ذلك، قلنا: وهذه
الأخبار الواردة في حَقّ هؤلاءِ تقتضي كُفرَهم، ولو لم يَعتَقِدوا تَزكيةَ مَن كَفَّروه عِلماً قطعياً،
ولا يُنَجّيهم اعتقادُ الإسلام إجمالاً والعمل بالواجبات، عن الحُكم بكفرهم، كما لا يُنَجّ
الساجدَ للصَّنَمِ ذلك.
قلت: وثمَّن جَنَحَ إلى بعض هذا البحث الطَّبَرِيُّ في ((تهذيبه))، فقال بعد أن سَرَدَ
أحاديثَ الباب: فيه الردّ على قول مَن قال: لا يَخْرُج أحد من الإسلام من أهل القِبْلة بعد
استحقاقه حُكمَه إلّا بقصدِ الخروج منه عالماً، فإنَّه مُبطِلٌ لقولِه في الحديث: ((يقولون الحقّ،
ويقرؤون القرآنَ، ويَمرُقونَ من الإسلام، ولا يَتَعلَّقونَ منه بشيءٍ»(٤)، ومن المعلوم أنَّهم لم
يَرتَكِبوا استحلالَ دِماء المسلمين وأموالهم إلّا بخطأٍ منهم فيما تأوَّلوه من آي القرآن على
غير المراد منه.
(١) تقدم برقم (٦١٠٣) من حديث أبي هريرة، وبرقم (٦١٠٤) من حديث ابن عمر.
(٢) ما بي حاصرتين سقط من الأصلين و(س)، وهو ثابت في الرواية، وذكره السبكي في ((فتاويه)) ٢/ ٥٧٠.
(٣) أخرجه مسلم من حديث أبي ذر (٦١) (١١٢).
(٤) هذا الذي أورده الطبري لم يُرْوَ مجتمعاً في خبر واحدٍ، وإنما هو من أخبار متفرقة، مما تقدم.

٢٥٣
باب ٧/ ح ٦٩٣٣
كتاب استتابة المرتدين
ثمَّ أخرج(١) بسندٍ صحيح عن ابن عبّاس، وذُكِرِ عنده الخوارج وما يَلقَونَ عند قراءة
القرآن، فقال: يُؤمِنونَ بمُحكَمِهِ، وَهلِكونَ عند مُتَشابِه.
ويُؤيِّد القولَ المذكور الأمرُ بقتلهم مع ما تقدَّم (٦٨٧٨) من حديث ابن مسعود: ((لا
يَحِلُّ قتلُ امرِئٍ مسلم إلّا بإحدى ثلاث، وفيه: التاركُ لدينِهِ، المفارق للجماعة)».
قال القُرطُبيّ في ((المفهم)): يُؤْيِّد القولَ بتكفيرهم التَّمثيلُ المذكور في حديث أبي سعيد
- يعني: الآتي في الباب الذي يليه (٢) - فإنَّ ظاهرَ مقصوده أنَّهم خَرَجوا من الإسلام، ولم
يَتَعلَّقُوا منه بشيءٍ، كما خَرَجَ السَّهم من الرَّمَيَّة لسُرعَتِهِ وقوّة راميه، بحيثُ لم يَتَعلَّق من
الرَّمَيَّة بشيءٍ، وقد أشارَ إلى ذلك بقوله: ((سَبَقَ الفَرْثَ والدَّمَ))(٣).
وقال صاحب ((الشِّفاء)) فيه: وكذا نَقطَع بكفرٍ كلّ مَن قال قولاً يتوصَّل به إلى تَضليل الأُمّة
أو تكفير الصحابة. وحكاه صاحبُ ((الرَّوضة)) في كتاب الرِّدّة عنه وأقَرَّه.
وذهب أكثرُ أهل الأُصول من أهل السُّنّة إلى أنَّ الخوارج فُسّاق، وأنَّ حُكم الإسلام يُجْرَى
عليهم لتلفّظِهِم بالشَّهادتَينِ ومواظَيَتِهم على أركان الإسلام، وإنَّما فُسِّقوا بتكفيرهم المسلمين
مُستَنِدِينَ إلى تأويلٍ فاسد، وجَرَّهم ذلك إلى استباحة دِماء مخالفيهم وأموالهم، والشَّهادة عليهم
بالكفرِ والشِّرك.
وقال الخطَّبيّ: أجَمَعَ عُلَماء المسلمين على أنَّ الخوارج مع ضلالَتهم فِرقةٌ من فِرَقِ المسلمين،
وأجازوا مناكحاتهم وأكلَ ذَبائحهم، وأَّهم لا يُكَفَّرونَ ما داموا مُتَمسِّكينَ بأصلِ الإسلام.
وقال عياض: كادَت هذه المسألة تكون أشدَّ إشكالاً عند المتكلِّمينَ من غيرها، حتَّى سألَ
الفقيهُ عبدُ الحقّ الإِمامَ أبا المعالي عنها، فاعتَذَرَ بأنَّ إدخال كافر في الِلّة وإخراج مسلم منها
عظيم في الدّين، قال: وقد تَوقَّفَ قبلَه القاضي أبو بكر الباقلانيّ، وقال: لم يُصرِّح القومُ بالكفر،
وإنَّما قالوا أقوالاً تُؤَدّي إلى الكفر.
(١) هو في ((تفسيره)) كذلك ٣/ ١٨١، وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة ٣١٣/١٥.
(٢) بل الماضي في الباب الذي قبله، وهو الحديث رقم (٦٩٣١).
(٣) تقدم برقم (٣٦١٠).

٢٥٤
باب ٧/ ح ٦٩٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
وقال الغَزاليّ في كتاب ((التَّفْرِقة بين الإيمان والَّندَقة): الذي ينبغي الاحترازُ عن التكفير ما
وَجَدَ إليه سبيلاً، فإنَّ استباحة دِماء المصَلِّينَ المُقِرّينَ بالتَّوحيدِ خطأ، والخطأ في تَركِ ألفٍ كافر في
الحياة أهونُ من الخطأ في سفك دمٍ مسلمٍ واحد.
ومَّا احتَجَّ به مَن لم يُكفِّرهم قوله في ثالث أحاديث الباب بعد وصفِهم بالمروقِ من
الدّين: ((كَمُروقِ السَّهم، فيَنظُرِ الرَّامي إلى سهمه)» إلى أن قال: «فيَتَارَى في الفُوْقة هل عَلِقَ
بها شيء)).
٣٠١/١٢
قال ابن بَطّال: ذهب جُهور/ العلماء إلى أنَّ الخوارج غيرُ خارجينَ عن جملة المسلمين،
لقولِه: (يَتَارَى في الفُوق)) لأنَّ التَّماري من الشكّ، وإذ وَقَعَ الشكّ في ذلك لم يُقْطَع عليهم
بالخروجِ من الإسلام، لأنَّ مَن ثَبَتَ له عَقْد الإسلام بيقينٍ لم يَخْرُج منه إلّا بيقينٍ، قال: وقد سُئلَ
عليٌّ عن أهل النَّهر هل كفروا؟ فقال: من الكفر فرُّوا.
قلت: وهذا إن ثَبَتَ عن عليّ (١)، ◌ُلَ على أنَّه لم يكن الطَّلَعَ على مُعتَقَدهم الذي أوجَبَ
تکفیرهم عند مَن کَفَّرَهم.
وفي احتجاجه بقولِه: ((يَتَمَارَى في الفُوْق)) نظر، فإنَّ في بعض طُرق الحديث المذكور
كما تقدَّمَت الإشارة إليه (٢)، وكما سيأتي: ((لم يَعلَق منه بشيءٍ»، وفي بعضها: ((سَبَقَ الفَرْثَ
والدَّمَ))(٣).
(١) قد ثبت عنه ﴾، وذلك فيما أخرجه ابن أبي شيبة ٣٣١/١٥ من طريق طارق بن شهاب، قال: كنت عند
عليّ، فسئل عن أهل النهر: أمشركون هم؟ قال: من الشرك فُرُّوا، قيل: فمنافقون هم؟ قال: إنَّ المنافقين
لا يذكرون الله إلّا قليلاً، قيل له: فما هم؟ قال: قوم بَغَوا علينا، ونحوه عن حكيم بن جابر عند محمد بن
نصر في («تعظيم قدر الصلاة)) (٥٩٣). قلنا: وعليه فلا يتأتى هنا القول بأنَّ علياً لم يكن اطلع على
معتقدهم الذي أوجب تكفيرهم، كما قال الحافظ، لأنَّ علياً إنما قال ذلك في وقت متأخر، فيبعد أن لا
يكون اطلع على معتقدهم إلى ذلك الوقت، وخصوصاً أنه أرسل ابن عباس لمناظرتهم كما تقدم ذكره في
الباب الذي قبل هذا.
(٢) تقدَّم عند شرح قوله: ((كما يمرق السهم)) من الرَّميَّة)) في هذا الحديث.
(٣) كما في حديث الباب.

٢٥٥
باب ٧/ح ٦٩٣٣
كتاب استتابة المرتدين
وطريق الجمع بينهما أنَّه تَرَدَّدَ هل في الفُوق شيء أو لا، ثمَّ تَحقَّقَ أنَّه لم يَعلَق بالسَّهِمِ
ولا بشيءٍ منه من الرَّمي شيءٌ.
ويُمكِن أن يُحِمَل الاختلاف فيه على اختلاف أشخاصٍ منهم، ويكون في قوله: ((يَتَمَارَى))
إشارة إلى أنَّ بعضهم قد يَبقَى معه من الإسلام شيءٌ.
قال القُرطُبيّ في ((المفهم)): والقولُ بتكفيرهم أظهَرُ في الحديث، قال: فعلى القول
بتكفيرهم يُقاتَلونَ ويُقتَلونَ وتُسبَى أموالهم، وهو قول طائفةٍ من أهل الحديث في أموال
الخوارج، وعلى القول بعَدَمِ تكفيرهم يُسلَك بهم مَسلَك أهلِ البَغي إذا شَقّوا العصا ونَصَبوا
الحرب، فأمَّا مَن استَسَرَّ منهم ببدعته، فإذا ظُهِرَ عليه هل يُقتَل بعد الاستتابة أو لا يُقتَل بل
يُجْتَهَد في رَدِّ بدعَتَه؟ اختُلِفَ فيه بحَسَبِ الاختلاف في تكفيرهم.
قال: وباب التكفير باب خَطِرٌ ولا نَعِدِلُ بالسَّلامة شيئاً. قال: وفي الحديث عَلَمٌ من
أعلام النُّة حيثُ أَخبر بما وَقَعَ قبل أن يقع، وذلك أنَّ الخوارج لمََّ حَكَموا بكفرٍ مَن خالَفَهم
استباحوا دِماءَهم، وتَرَكوا أهل الذِّمّة فقالوا: نفي لهم بعهدِهم، وتَرَكوا قتالَ المشرِكينَ
واشتَغَلوا بقتال المسلمين، وهذا كلّه من آثار عبادة الجُهّال الذينَ لم تَنشَرِح صُدورُهم بنورِ
العلم، ولم يَتَمسَّكوا بحَبلِ وثيقِ من العلم، وكَفَى أنَّ رأسَهم رَدَّ على رسول الله وَّ أمرَه، ونَسَبَه
إلى الجَور، نسأل الله السَّلامةَ.
قال ابنُ هُبَيرة: وفي الحديث أنَّ قتال الخوارج أولى من قتال المشركين، والحكمة فيه أنَّ في
قتالهم حِفْظَ رأسِ مال الإسلام، وفي قتالِ أهل الشّرك طلب الرِّبح، وحِفظُ رأس المال أولى.
وفيه الزَّجر عن الأخذ بظَواهر جميع الآيات القابلة للتَّأويلِ التي يُفضي القول بظاهرها
إلى مُخالَفة إجماع السَّلَف.
وفيه التَّحذير من الغُلوّ في الدِّيانة والتَّنَطُّع في العبادة بالحَمْلِ على النَّفس فيما لم يأذَن فيه
الشَّرع، وقد وَصَفَ الشّارعُ الشَّريعةَ بأنَّهَا سَهْلةٌ سَمْحةٌ، وإِنَّا نَدَبَ إلى الشِّدّة على الكفَّار،
وإلى الرأفة بالمؤمنین، فعَگسَ ذلك الخوارجُ كما تقدَّم بيانه.

٢٥٦
باب ٧/ح ٦٩٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
وفيه جوازُ قتالِ مَن خَرَجَ عن طاعة الإمام العادِل، ومَن نَصَبَ الحربَ فقاتَلَ على
اعتقادٍ فاسد، ومَن خَرَجَ يَقطَع الطُّرقَ ويُخيف السُّبُل، ويَسعَى في الأرض بالفساد،
وأمَّا مَن خَرَجَ عن طاعة إمامٍ جائرٍ أراد الغَلَبة على ماله أو نفسه أو أهله، فهو مَعذورٌ
ولا يحلُّ قتاله، وله أن يَدِفَع عن نفسه وماله وأهله بقَدرِ طاقَته، وسيأتي بيان ذلك في
کتاب الفتن.
وقد أخرج الطَّبَرِيُّ بسندٍ صحيح عن عبد الله بن الحارث عن رجل من بني نَصْرِ(١)
عن عليّ، وذكر الخوارج، فقال: إن خالَفوا إماماً عَدْلاً فقاتِلوهم، وإن خالَفوا إماماً جائراً
فلا تُقاتِلوهم، فإنَّ لهم مقالاً.
قلت: وعلى ذلك يُحمَل ما وَقَعَ للحسينِ بن عليّ، ثمَّ لأهلِ المدينة في الحرّة، ثمَّ
لعبد الله بن الزُّبَير، ثمَّ للقُرّاءِ الذينَ خَرَجوا على الحجّاج في قصَّة عبد الرَّحمن بن محمّد بن
الأشعث، والله أعلم.
وفيه ذَمُّ استئصال شَعر الرَّأس، وفيه نظرٌ، لاحتمال أن يكون المراد بيان صِفَتهم الواقعة
لا لإرادة ذَمّها، وتَرجَمَ أبو عَوَانة في (صحيحه)) لهذه الأحاديث («بيان أنَّ سببَ خُروج
الخوارج كان بسببِ الأثَرَة في القسمة مع كونها كانت صواباً، فخَفيَ عنهم ذلك)).
وفيه إباحةُ قتالِ الخوارج بالشُّروطِ المتقدِّمة، وقتْلهم في الحرب، وتُبُوت الأجر لمن قتلهم.
٣٠٢/١٢ وفيه أنَّ من المسلمين مَن يَخْرُج من الدّين من غير أن يَقصِد/ الخروجَ منه، ومن غير أن يختار ديناً
على دين الإسلام، وأنَّ الخوارج شَرُّ الفِرَق المبتَدِعة من الأُمّة المحمَّديَّة ومن اليهود والنَّصارَى.
قلت: والأخير مَبنيٌّ على القول بتكفيرهم مُطلَقاً.
وفيه مَنقَبة عظيمة لعمرَ لِشِدَّتِه في الدّين. وفيه أنَّه لا يُكتَفَى في التَّعديل بظاهرِ الحال،
ولو بَلَغَ المشهودُ بتَعديلِه الغايةَ في العبادة والتَّقَشُّف والورَع، حتَّى يُخْتَ باطنُ حاله.
(١) تصحف في (أ) و(س) إلى: بني نضر، بالضاد المعجمة، وإنما هو من بني نَصْر، بالمهملة، وهم بنو نصر بن
معاوية، كما جاء مقيداً في رواية ابن أبي شيبة للخبر في ((مصنفه)) ١٥/ ٣٢٠، وهم بطن من هوازن.

٢٥٧
باب ٧/ ح ٦٩٣٤
كتاب استتابة المرتدين
٦٩٣٤ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا عبدُ الواحدِ، حدَّثنا الشَّيبانيُّ، حدَّثنا يُسَيرُ بنُ
عَمْرٍو، قال: قلتُ لسَهْلِ بنِ حُنَيفٍ: هل سمعتَ النبيَّ ◌َ له يقول في الخوارجِ شيئاً؟ قال:
سمعتُهُ يقول وأهوَى بَيَدِه قِبَلَ العراق: ((يَخْرُجُ منه قومٌ يَقْرَؤونَ القرآنَ لا يُجَاوِزُ تَراقِيَهم،
يَمْرُقونَ منَ الإسلامِ مُروقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ».
الحديث الثاني:
قوله: ((عبد الواحد)) هو ابن زياد، والشَّيبانيّ: هو أبو إسحاق، ويُسَير بن عَمْرو،
بتحتائيَّةٍ أوَّلَه بعدها مُهمَلة مُصفَّر، ويقال له أيضاً: أُسَير، ووَقَعَ كذلك في رواية مسلم
(١٥٩/١٠٦٨) كحديثٍ الباب، وليس له في البخاريّ سوى هذا الحديث الواحد، وهو
من بني محارب بن ثَعْلبة، نزلَ الكوفة، ويقال: إنَّ له صُحْبة، وذكر أبو نُعَيم في ((تاريخه)):
حدَّثنا قيس بن عَمْرو بن يُسَير بن عمرو، أخبرني أبي عن يُسَير بن عَمْرو قال: تُوُفِّ النبيّ ◌َّه
وأنا ابنُ عشر سنين. ويقال له: أُسَير بن جابر، كذا وَقَعَ عند مسلم (٢٥٤٢) في رواية أبي
نَضْرة عن أُسَير بن جابر عن عمر في فضيلة أويس القَرَنيّ، وقيل: هو أُسَير بن عَمْرو بن
جابر نُسِبَ لجَدِّه.
قوله: «سمعتُه یقول وأهوی بیدِه قبل العراق» أي: من جهته، وفي رواية عليّ بن مُسهِرٍ
عن الشَّيبانيِّ عند مسلم (١٥٩/١٠٦٨): نحو المشرق.
قوله: ((يَمْرُقونَ)) قال ابنُ بَطّال: المروق: الخروجُ عند أهل اللُّغة، يقال: مَرَقَ السَّهم من
الغَرَض: إذا أصابه، ثمَّ نَفَذَ منه، فهو يَمُرُق منه مَرْقاً ومُروقاً، وانمَرَقَ منه، وأمرَقَه الرَّامي: إذا
فعل ذلك به، ومنه قيل للمَرَقِ: مَرَقٌ، لأنَّه يَخِرُج منه، ومنه قيل: مَرَقَ البَرَقُ لخروجِه بسُرعةٍ.
قوله: ((مُروق السَّهْم من الرَّمَيَّة)) زاد أبو عَوَانة في ((صحيحه)) من طريق محمَّد بن فُضَيلٍ عن
الشَّيبانيِّ قال: قال أُسَير: قلت: ما لهم علامة؟ قال: سمعتُ من النبيّ ◌ََّ، لا أزيدُك عليه، وفي
هذا أنَّ سهل بن حُنَف صَرَّحَ بأنَّ الْخَرُوريَّة هم المراد بالقومِ المذكورينَ في أحاديث هذَينِ
البابين، فيقوى ما تقدَّم أنَّ أبا سعيد تَوقَّفَ في الاسم والنِّسبة، لا في كونهم المراد.

٢٥٨
باب ٧/ح ٦٩٣٤
فتح الباري بشرح البخاري
قال الطََّرِيُّ: روى هذا الحديث في الخوارج عن عليّ تامّاً ومختصراً عُبيدُ الله بن أبي رافع
وسويدُ بن غَفَلة وعَبيدةُ بن عَمْرو وزيدُ بن وهْب وكُلَيبٌ الجَرْميّ وطارقُ بن زياد وأبو مريم.
قلت: وأبو الوَضِيِّ وأبو كثير وأبو موسى(١) هو (٢) وأبو وائل في ((مُسنَد إسحاق بن راهويه))
والطبرانيّ(٣)، وأبو جُحَيفَةً عند البزَّار(٤)، وأبو جعفر الفَرّاء مولى عليّ أخرجه الطبرانيُّ في
(«الأوسط)) (٧٦٦٦) وكثير بن نَمِر(٥) وعاصم بن ضَمْرةٍ(٦).
قال الطَّبَريُّ: ورواه عن النبيّ ◌َلِّ مع عليّ بن أبي طالب أو بعضَه: عبدُ الله بنُ مسعودٍ
وأبو ذَرِّ وابنُ عبَّاس وعبدُ الله بن عَمْرو بن العاص وابنُ عمر وأبو سعيد الخُدْرِيُّ وأنسُ
ابن مالك وحُذَيفةُ وأبو بكرة وعائشةُ وجابرٌ وأبو بَرزةَ وأبو أمامةَ وعبدُ الله بن أبي أوفَى
وسهلُ بن حُنَيف وسلمانُ الفارسيّ(٧).
(١) هو مالك بن الحارث الهَمْداني، وخبره عن علي عند عبد الرزاق أيضاً (٥٩٦٢).
(٢) لفظة ((هو)) أثبتناها من (أ)، وسقطت من (ع) و(س).
(٣) لم نقف عليه فيما طبع من ((معجم الطبراني الكبير))، وقد أخرج روايةً أبو موسى من طريق الطبراني: الخطيبُ
البغدادي في ((تاريخه)) ٢٠٦/٨.
(٤) لم نقف عليه في مطبوع ((مسند البزار))، ولا في زوائده للهيثمي، وهو في ((السنة)) لعبد الله بن أحمد (١٥٠٣)، وفي
((تاریخ بغداد)» للخطيب ١٩٩/١.
(٥) تحرف في الأصلين و(س) إلى: نمير، وضبطه الأمير في ((الإكمال)) ٢٧٩/٧، وخبره عند أبي عُبيد في
((الأموال)» (٥٦٧)، وابن أبي شيبة ١٥/ ٣٢٧، وغيرهما.
(٦) أخرج روايته ابن أبي شيبة ٣١٥/١٥، والبيهقي ١٨٤/٨، وغيرهما.
(٧) انظر حديث عبد الله بن مسعود عند ابن ماجه (١٦٨)، والترمذي (٢١٨٨)، وحديث أبي ذرّ عند مسلم
(١٠٦٧)، وحديث ابن عباس عند ابن ماجه (١٧١)، وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند أحمد
(٧٠٣٨)، وحديث ابن عمر عند البخاري (٦٩٣٢)، وحديث أبي سعيد الخدري هو أول حديثي هذا
الباب، وحديث أنس عند أحمد (١٢٨٨٦) و(١٣٠٣٦)، وأبي داود (٤٧٦٦)، وحديث حذيفة عند
سعيد بن منصور في قسم التفسير من ((سننه)) (٦٠)، وحديث أبي بكرة عند أحمد (٢٠٣٨٢)، وحديث
عائشة عند البزار كما في ((كشف الأستار)) (١٨٥٧)، وحديث جابر عند مسلم (١٠٦٣)، وحديث أبي
بَرْزة عند النسائي (٤١٠٣)، وحديث أبي أمامة عند الترمذي (٣٠٠٠)، وابن ماجه (١٧٦)، وحديث
ابن أبي أوفى عند أحمد (١٩٤١٥)، وحديث سهل هو ثاني حديثي هذا الباب، وحديث سلمان الفارسي
لعله الذي عند الطبراني في «الكبير)) (٦١٨٤).

٢٥٩
باب ٨/ح ٦٩٣٥
كتاب استتابة المرتدين
قلت: ورافعُ بن عَمْرو وسعدُ بن أبي وقّاص وعمَّارُ بن ياسر وجُندُبُ بن عبد الله البَجَلُّ
وعبدُ الرَّحمن بن عُدَيس(١) وعُقْبة بن عامر وطَلْق بن عليّ وأبو هريرة (٢)، أخرجه الطبرانيُّ
في ((الأوسط)) (٩٠٠) بسندٍ جيِّد من طريق الفَرَزدَق الشّاعر: أنَّه سمعَ أبا هريرة وأبا سعيد
وسألهَما فقال: إنّي رجلٌ من أهل المشرق، وإنَّ قوماً يَخْرُجونَ علينا يقتلونَ مَن قال: لا إله
إلّا الله، ويُؤَمِّنونَ مَن سواهم! فقالا لي: سمعنا النبيّ ◌َّ يقول: ((مَن قَتَلهم فله أجرُ شهيدٍ،
ومَن قَتَلوه فله أجرُ شهيدٍ)(٣)، فهؤلاءِ خمسة وعشرونَ نفساً من الصحابة، والطّرق إلى
أكثرهم(٤) متعدِّدة كَعليٍّ وأبي سعيد وعبد الله بن عمرو (٥) وأبي بَكْرة وأبي بَرْزة وأبي ذرٍّ،
فيفيدُ مجموع خبرهم(٦) القطعَ بصِحّة ذلك عن رسول الله وَ له
٨ - باب قول النبيّ وَّ: ((لا تقومُ الساعةُ حتَّى تَقتتلَ فِتَتَان دعواهما واحدٌ»
٦٩٣٥- حدَّثنا عليٌّ، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا أبو الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ ـ
قال: / قال رسولُ الله وَّهِ: ((لا تقومُ الساعةُ حتَّى تَقْتَلَ فِئَتَان دَعْواهما واحدةٌ».
٣٠٣/١٢
قوله: ((باب قول النبيّ وَله: لا تقومُ الساعةُ حتَّى تَقتَتِلَ فِئَتَانِ دَعْواهما واحدة)» كذا تَرجَمَ
بلفظ الخبر، وسيأتي شرحُه مُستَوفَى في كتاب الفتن (٧١٢١) إن شاء الله تعالى. وفي المتن من
الزّيادة: ((يكون بينهما مَقتَلةٌ عظيمة))، والمراد بالفِئَتَين: جماعة عليّ وجماعة معاوية، والمراد
(١) تحرَّف في (س) إلى: عريس.
(٢) انظر حديث رافع بن عمرو الغفاري عند مسلم (١٠٦٧)، وحديث سعد بن أبي وقاص عند أحمد (١٥٥١)،
والطبراني في «الأوسط)) (٣٦٣٤)، وحديث عمار بن ياسر عند ابن أبي عاصم في «السنة)) (١٣٢٩)، والطبراني
في «الأوسط» (٣٦٣٤)، وحديث جندب بن عبدالله إنما هو عن علي بن أبي طالب، وهو عند الطبراني في
((الأوسط)) (١٥٣٧)، وانظر ((المعجم الكبير)) للطبراني (١٦٨٥)، وحديث عبد الرحمن بن عُديس عند الطبراني
في «الأوسط» (٣٢٨٩)، وحديث عقبة بن عامر عند أحمد (١٧٣٠٨)، وحديث طَلْق بن علي عند الطبراني في
((الكبير)) (٨٢٦٠).
(٣) لكن أخرجه البخاري في ((تاريخه)) ١/ ٣٠٩ بلفظ: ((من قتلوه فله أجر شهیدین)».
(٤) تحرَّف في (س) إلى: کثرتهم.
(٥) تحرَّف في (س) إلى: عمر.
(٦) تحرَّف في (س) إلى: خبرهما.

٢٦٠
باب ٩/ح ٦٩٣٦-٦٩٣٧
فتح الباري بشرح البخاري
بالدَّعوى الإسلامُ على الرَّاجح، وقيل: المراد اعتقاد كلّ منهما أنَّه على الحقّ، وأورَدَه هنا
للإشارة إلى ما وَقَعَ في بعض طرقه، كما عند الطَّبَريّ(١) من طريق أبي نَضْرة عن أبي سعيد نحو
حديث الباب، وزاد في آخره: ((فبينما هم كذلك إذ مَرَقَت مارِقَةٌ يقتلُها أولى الطائفتَينِ بالحقِّ))،
فِذلك تظهرُ مُناسَبتُه لما قبله، والله أعلم.
٩ - باب ما جاء في المتأوِّلين
٦٩٣٦- وقال اللَّيثُ: حدَّثني يونس، عن ابنِ شِهابٍ، أخبرني عُرْوةُ بنُ الزُّبَيرِ: أنَّ المِسْوَرَ
ابنَ تَرَمَةً وعبد الرَّحمنِ بنَ عبدٍ القارِيَّ أخبَرَاه، أنَّهما سمعا عمرَ بنَ الخطّاب يقول: سمعتُ
هشامَ بنَ حَكِيمٍ يَقْرَأُ سورةَ الفُرْقان في حياةِ رسولِ اللهِ وََّ، فاستَمَعْتُ لقراءتِهِ، فإذا هو
يَقرَؤُها على حُروفٍ كثيرةٍ لم يُقْرِثْنِيها رسولُ اللهِ وَِّ كذلك، فكِدْتُ أُساوِرُه في الصلاةِ،
فانْتَظَرْتُهُ حتَّى سَلَّمَ، فلما سَلَّم لَيَّتُه بِدائه - أو بِرِدائي - فقلتُ: مَن أقرَأَكَ هذه السّورةَ؟ قال:
أقرَأَئِيها رسولُ الله ◌ِهِ، فقلتُ له: كَذَبْتَ، فوالله إنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ أَقرَأني هذه السّورَ التي
سمعتُكَ تَقْرَؤُها، فانطَلَقْتُ أَقُودُه إلى رسولِ اللهِّهِ، فقلتُ: يا رسولَ الله، إنّ سمعتُ
هذا يَقْرِأُ بسورةِ الفُرْقان على حُروفٍ لم تُقْرِثْنِيها، وأنتَ أقْرَأْتَني سورةَ الفُرْقان، فقالَ
رسولُ اللهِ وَّةِ: ((أرسِلْه يا عمرُ، اقرَأ يا هشامُ)) فقرأ عليه القراءةَ التي سمعتُهُ يَقرَؤُها، فقال
رسولُ اللهِ وَّةِ: ((هكذا أُنزِلَت)) ثمّ قال رسولُ الله ◌َيِّ: ((اقرَأْ يا عمرُ)) فقرأْتُ، فقال: «هكذا
أُنْزِلَت)) ثمَّ قال: ((إنَّ هذا القرآنَ أُنزِلَ على سَبعةِ أحرُفٍ، فاقرؤوا ما تيسّر منه)).
٦٩٣٧- وحدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، أخبرنا وكيعٌ (ح) وحدَّثنا يحيى، حدَّثنا و کیٌ، عن
الأعمَشِ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقمةَ، عن عبدِ الله ◌َ﴾، قال: لمَّا نزلت هذه الآيةُ: ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾ [الأنعام: ٨٢] شَقَّ ذلك على أصحاب النبيِّ ◌َةَ، وقالوا: أيُّنا لم
يَظْلِمِ نفسَه؟ فقال رسولُ اللهِ وَ لَّهِ: ((ليس كما تظُنُّونَ، إنَّما هو كما قال لُقْمانُ لابنِهِ: ﴿يَبُنَّ لَا
تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣])).
(١) وهو أيضاً عند أحمد (١١٩٠٦).