النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
باب ٦/ ح ٦٩٣٠
كتاب استتابة المرتدين
ثمَّ تصير مُلْكاً))، وكانت قصَّةُ الخوارج وقتلُهم بالنَّهْرَوان في أواخر خِلَافة عليّ سنة ثمانٍ
وثلاثين(١)، بعد النبيّ وَّ بدون الثلاثينَ بنحوِ سنتَين.
قوله: ((أحداثُ)) بمُهمَلةٍ ثمَّ مُتلَّثة: جمع حَدَث بفتحَتَين، والحَدَث: هو الصَّغير السِّنّ،
هكذا في أكثرِ الرِّوايات، ووَقَعَ هنا للمُستَمْلِي والسَّرَخْسِيّ: ((حُدّاث)) بضمٍّ أوَّله وتشديد
الدّال، قال في ((المطالع)): معناه: شَباب، جمع حديث السِّنّ أو جمع حَدَث، قال ابن التِّين:
((حُدّاث)) جمع حديث، مِثل: كُزَّام جمع كريم، وكُبَّار جمع كبير، والحديث: الجَديد من كلّ
شيء، ويُطلَق على الصَّغير بهذا الاعتبار، وتقدَّم في التَّفسير (٢): ((حُدَّث)) مِثل هذا اللَّفظ،
لكنَّه هناك جمعٌ على غير قياس، والمراد: سُمّارٍ يَتَحدَّثونَ. قاله في ((النِّهاية))، وتقدَّم في علامات
النُُّوّة بلفظ: ((حُدَثاء)) بوزنِ سُفَهاء، وهو جمع حديث كما تقدَّم تقريره، والأسنان: جمع سِنّ،
والمراد به العُمر، والمراد أنَّهم شَباب.
قوله: ((سُفَهاء الأحلام)) جمع حِلْم بكسر أوَّله، والمراد به العقل، والمعنى: أنَّ عقولَم
رديئة. قال النَّوويّ: يُستَفاد منه أنَّ التثبّت وقوّة البصيرة تكون عند كمال السِّنّ وكَثْرة
التَّجارِب وقوّة العقل. قلت: ولم يظهر لي وجه الأخذ منه، فإنّ هذا معلومٌ بالعادة، لا من
◌ُصوص گون هؤلاءِ کانوا بهذه الصِّفة.
قوله: ((يقولون من خير قولِ البَريَّة)) تقدَّم في علامات النُّبوّة (٣٦١١)، وفي آخر فضائل
القرآن (٥٠٥٧) قول مَن قال: إنَّه مقلوب، وأنَّ المراد: من قول خير البَريَّة، وهو القرآن.
قلت: ويحتمل أن يكون على ظاهره، والمراد القول الحسن في الظّاهر وباطنه على خِلاف
ذلك، كقولهم: لا حُكم إلّا لله، وجوابُ عليّ كما سيأتي.
وقد وَقَعَ في رواية طارق بن زياد عند الطَّبَريّ(٣): قال: خرجنا مع عليّ، فذكر الحديث
(١) في (س): وعشرين، وهو خطأ.
(٢) عند شرح الحديث (٤٥٥٢).
(٣) هو في ((تهذيب الآثار)) له فيما لم يُعثر عليه منه، وفات الحافظ رحمه الله أنه عند أحمد (٨٤٨)، والنسائي في
(«الكبرى» (٨٥١٣).

٢٢٢
باب ٦/ح ٦٩٣٠
فتح الباري بشرح البخاري
وفيه: ((يَخْرُج قوم يتكلَّمونَ كلمة الحقّ لا تَجُوزُ حُلوقهم))، وفي حديث أنس وأبي سعيد(١)
عند أبي داود (٤٧٦٥) والطبري(٢): ((يُحسِنونَ القول ويُسيؤونَ الفعل))، ونحوه في حديث
٢٨٨/١٢ عبد الله بن عُمر عند أحمدَ (٣/٥٥٦٢) وفي / حديث مسلم (١٠٦٦ /١٥٧) عن عليّ: ((يقولون
الحقّ لا يُجاوز هذا)) وأشارَ إلى حَلْقِه.
قوله: ((لا يُجاوِز إِيمَانُهُم حَناجِرَهم)) في رواية الكُشمِيهنيّ: ((لا يُجُوز))، و((الحَاجِرِ)) بالحاءِ
المهمَلة والنُّون ثمَّ الجيم: جمع حَنْجَرة بوزنِ قَسْورة، وهي الحلقوم والبُلْعوم، وكلّه يُطلَق على
◌َجَرَى النَّفَس، وهو طَرَف المَريء ممَّا يَلي الفم، ووَقَعَ في رواية مسلم (١٥٦/١٠٦٦) من رواية
زيد بن وهب عن عليّ: ((لا تُجاوِز صلاتُهم تَراقيَهم)»، فكأنَّه أطلقَ الإيمان على الصلاة، وله
(١٥٨/١٠٦٧) في حديث أبي ذرٍّ: ((لا يُجاوز إيمانُهم(٣) حَلاقِيمَهم)) والمراد: أنَّهم يُؤمِنونَ بالنُّطْقِ
لا بالقلب، وفي رواية عُبيد الله بن أبي رافع عن عليّ عند مسلم: ((يقولون الحقّ بألسِتِهِم لا يَجُوزُ
هذا منهم)) وأشارَ إلى حَلْقه. وهذه المجاوزة غيرُ المجاوزة الآتية في حديث أبي سعيد.
قوله: ((يَمْرُقُونَ من الدِّين)) في رواية أبي إسحاق عن سُوَيد بن غَفَلة عند النَّسائيِّ(٤)،
(١) وقع في الأصلين و(س): أنس عن أبي سعيد، وهو خطأ، سيتكرر في هذا الباب والذي بعده، صوابه ما أثبتنا،
لأنَّ الحديث بروايتهما معاً عن النبي ◌َّ، وقد جاء على الصواب في نسخة الحافظ التي بخطه من ((سنن أبي
داود))، وتكون رواية قتادة عن أنس متصلة، وروايته عن أبي سعيد الخدري منقطعة، لأنه لم يسمع منه كما قال
المزيّ، لكن جاء في ((مسند أحمد)) (١٣٣٣٨) عن أبي المغيرة، عن الأوزاعي، عن قتادة عن أنس بن مالك وأبي
سعيد، قال أحمد: وقد حدثناه أبو المغيرة عن أنس عن أبي سعيد، ثم رَجَع. فلعلَّ الحافظ رحمه الله صحَّح ما قال
أبو المغيرة أولاً، لأنَّ قتادة لم يسمع من أبي سعيد الخدري، والله أعلم.
(٢) تحرف في (ع) و(س) إلى: الطبراني، والمثبت على الصواب من (أ)، وسيعيد الحافظ تخريج الحديث في
الباب التالي من أحمد وأبي داود والطبري وهو في ((مسند أحمد)) (١٣٣٣٨).
(٣) كذا ذكر الحافظ لفظة ((إيمانهم)) في حديث أبي ذرٍّ، وهو خطأ منه رحمه الله، إذا لا وجود لهذه اللفظة في
حديث أبي ذرِّ عند أحدٍ ممن خرَّجه كأحمد (٢٠٣٤٢)، وابن ماجه (١٧٠)، وإنما الضمير يعود على
القرآن.
(٤) أخرج النسائي هذا الحديث في ((السنن الكبرى)) (٨٥١١) من الطريق التي ذكرها الحافظ، لكن بلفظ: ((يمرقون
من الدين)) وقد جاء بلفظ (الإسلام)) في رواية أحمد في «مسنده)) (١٣٤٦) من الطريق المذكورة. وذهل الحافظ
رحمه الله عن وجوده في البخاري، بلفظ ((الإسلام)) في رواية سفيان الثوري عن الأعمش (٣٦١١).

٢٢٣
باب ٦/٦ ٦٩٣٠
كتاب استتابة المرتدين
والطَّريّ: ((یَمُقونَ من الإسلام))، وكذا في حديث ابن عمر في الباب، وفي رواية زید بن
وَهْب المشار إليها(١)، وحديث أبي بكرة في الطََّريّ، وعند النَّسائيِّ (ك٨٥١٣) من رواية
طارق بن زياد عن عليّ: ((يَمرُقونَ من الحقّ))، وفيه تَعَقُّبٌ على مَن فَسَّرَ ((الدِّين)) هنا بالطاعة
كما تقدَّمَت الإشارة إليه في علامات النُّبوّة.
قوله: ((كما يَمْرُق السَّهْم من الَّمِيَّة)) بفتح الرَّاء وكسر الميم وتشديد التَّحتانيَّة، أي:
الشَّيء الذي يُرمَى به، ويُطلَق على الطَّريدة من الوحش إذا رَماها الرَّامي، وسيأتي في الباب
الذي بعده.
قوله: «فأينَا لَقِيتُموهم فاقتُلُوهم، فإنَّ في قَتْلهم أجراً لمن قَتَلهم يومَ القيامة» في رواية زيد
ابن وَهْب: لو يَعلم الجيش الذينَ يُصيبُونَهم ما قُضِيَ لهم على لسان نبيّهم لَنَكَلُوا(٢) عن
العمل. ولمسلمٍ (١٠٦٦/ ١٥٥) في رواية عَبِيدة بن عَمْرو عن عليّ: لولا أن تَبْطَروا
لَدَّثْتُكم بما وعَدَ اللهُ الذينَ يقتُلُونَهم على لسان محمَّد ◌َِّ، قال عَبِيدة: قلت لعليٍّ: أنتَ
سمعته؟ قال: إي وربّ الكعبة، ثلاثاً. وله (١٠٦٦/ ١٥٦) في رواية زيد بن وَهْب في قصَّة
قتل الخوارج: أنَّ عليّاً لمَّا قتلهم قال: صَدَقَ اللهُ وبَلَّغَ رسولُه، فقام إليه عَبيدة فقال: يا أمير
المؤمنينَ، اللَّهِ الذي لا إله إلّا هو، لقد سمعتَ هذا من رسول الله ◌َّهَ؟ قال: إي والله
الذي لا إله إلّا هو، حتَّى استَحلَفَه ثلاثاً.
قال النَّوويّ: إنَّمَا اسْتَحلَفَه ليُؤكِّد الأمر عند السامعينَ ولتظهر مُعجِزة النبيّ ◌ََّ، وأنَّ
عليّاً ومَن معه على الحقّ.
قلت: وليَطْمَئِنَّ قلبُ المستَحلِفِ، لإزالة تَوهُّم ما أشارَ إليه عليٍّ أنَّ الحرب خَدْعة، فخَشِيَ
(١) يعني عند مسلم (١٠٦٦) (١٥٦).
(٢) في (ع): لا تّكَلُّوا على العمل، وهي الرواية التي شرح عليها القرطبي في ((المفهم)) ١١٨/٣، حيث قال:
كأنه قال: لاتكلوا على ثواب ذلك العمل واعتمدوا عليه في النجاة من النار والفوز بالجنة. قلنا: والمثبت
من (أ) هو الرواية التي اعتمدها ابن الأثير في ((جامع الأصول)) (٧٥٤٩) إذ شرح عليها بقوله: نكلتُ
عن العمل أَنْكُلُ : إذا فَتَرَتَ عنه وجَبُنتَ عن فعله.

٢٢٤
باب ٦/ ح ٦٩٣١
فتح الباري بشرح البخاري
أن يكون لم يسمع في ذلك شيئاً منصوصاً، وإلى ذلك يشير قول عائشة لعبد الله بن شدَّاد(١)
في روايته المشار إليها حيثُ قالت له: ما قال عليّ حينئذٍ؟ قال: سمعتُه يقول: صَدَقَ الله
ورسولُه، قالت: رَحِمَ الله عليّاً إِنَّه كان لا يرى شيئاً يُعجِبه، إلّا قال: صَدَقَ اللهُ ورسولُهُ،
فيذهب أهلُ العراق فيَكذِبونَ عليه ويزيدونَه. فمن هذا أراد عَبيدةُ بن عَمْرو التثُبُّت في
هذه القصّة بخُصوصِها، وأنَّ فيها نَقلاً منصوصاً مرفوعاً.
وأخرج أحمدُ (١٣٤٦) نحو هذا الحديث عن عليّ، وزاد في آخره: «قتالهم حَقّ على كلّ
مسلم)) ووَقَعَ سبب تحديث عليّ بهذا الحديث في رواية عُبيد الله بن أبي رافع فيما أخرجه
مسلم (١٠٦٦ / ١٥٧) من رواية بُسر بن سعيد عنه قال: إنَّ الحَروريَّة لمَّا خَرَجَت وهو مع
عليّ، قالوا: لا حُكمَ إلّا له تعالى، فقال عليّ: كلمة حَقّ أُرِيدَ بها باطل، إنَّ رسول الله ◌ِه
وَصَفَ ناساً إنّي لَأَعرِفُ صِفَتَهم في هؤلاء، يقولون الحقّ بألسِنَّتِهِم لا يَجُوزُ هذا منهم
- وأشارَ إلى حَلْقه - من أبغَضِ خلق الله إليه، الحديث.
٦٩٣١- حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا عبدُ الوهَّاب، قال: سمعتُ يحيى بنَ سعيدٍ قال:
أخبرني محمَّدُ بنُ إبراهيمَ، عن أبي سَلَمَةَ وعطاءِ بنِ يَسارٍ: أنَّهما أنيا أبا سعيدِ الخُذْريَّ، فسألاه
عن الحَرورِيَّةِ: أسمعتَ النبيَّ ◌ََّ؟ قال: لا أدري ما الحَرُورِيَّةُ؟ سمعتُ رسولَ الله ◌َِل
يقول: ((يَخْرُجُ في هذه الأُمّةِ - ولم يَقُل: منها - قومٌ تَحِقِرونَ صلاتَكم مع صلاتهم، يَقْرَؤُونَ
القرآنَ لا يُجَاوِزُ حُلوقَهم - أو حَناجِرَهم - يَمْرُقونَ منَ الدِّينِ مُروقَ السَّهْمِ منَ الَّمِيَّةِ، فَيَنظُرُ
الرَّامي إلى سَهْمِه إلى نَصْلِه إلى رِصَافِهِ، فَيَتَمَارَى في الفُوقِةِ: هل عَلِقَ بها منَ الدَّمِ شيءٌ؟».
الحديث الثاني: حديث أبي سعيد:
قوله: ((عبد الوهّاب)» هو ابنُ عبد المجيد الثَّقْفيّ، ويحيى بن سعيد: هو الأنصاريّ، ومحمّد
ابن إبراهيم: هو التَّيميّ، وأبو سَلَمة: هو ابن عبد الرَّحمن بن عَوْف، وفي السَّند ثلاثة من
التابعين في نَسَق، وهذا السّياق كأنَّه لفظُ عطاء بن يسار، وأمَّا لفظ أبي سَلَمة فتقدَّم مُنفَرِداً في
(١) عند أحمد (٦٥٦).

٢٢٥
باب ٦/ ح ٦٩٣١
كتاب استتابة المرتدين
أواخر فضائل القرآن (٥٠٥٨)، ورواه الزُّهْريّ عن أبي سَلَمة كما في الباب الذي بعده
بسياقٍ آخر، فلعلَّ اللَّفظ المذكور هنا على سياق عطاء بن يسار المقرون به، وقد قَرَنَ الزُّهْريّ مع
أبي سَلَمة في / روايته الماضية في الأدب (٦١٦٣) الضَّحّاكُ المِشِرَقِيّ، لكنَّه أَفَرَدَه هنا عن أبي سَلَمة ٢٨٩/١٢
فامتازَ لفظُه عن لفظ الضَّحّاك.
قوله: ((فسألاه عن الحَرُوريَّة: أسمعتَ النبيَّ ◌َِّ)) كذا للجميع بحذفِ المسموع، وقد
بَّنْه في رواية مسلم (١٠٦٤ / ١٤٧) عن محمَّد بن المثنَّى شيخ البخاريّ فيه، فقال: يَذكُرها.
وفي رواية محمَّد بن عَمْرو عن أبي سَلَمة: قلت لأبي سعيد: هل سمعتَ رسولَ الله وَلِّل
يَذْكُرُ الحَروريَّة، أخرجه ابن ماجَهْ (١٦٩) والطَّبَريّ، وأخرج الطَّبَريُّ(١) من طريق الأسود
ابن العلاء عن أبي سَلَمة قال: چِئنا أبا سعيد فقلنا، فذكر مثله، ومن طريق أبي إسحاق
مولى بني هاشم: أنَّه سألَ أبا سعيد عن الحَروريَّة.
قوله: ((قال: لا أدري ما الحَرُوريَّة)) هذا يُغايِر قولَه في أوَّل حديث الباب الذي يليه:
وأشهَدُ أنَّ عليّاً قتلهم وأنا معه، فإنَّ مُقْتَضى الأوَّل أنَّه لا يَدري هل وَرَدَ الحديثُ الذي
ساقَه في الحَروريَّة أو لا، ومُقتَضى الثّاني أنَّه وَرَدَ فيهم، ويُمكِن الجمع بأنَّ مُراده بالنَّفي هنا
أنَّه لم يحفظ فيهم نَصّاً بلفظ الحَروريَّة، وإنَّما سمعَ صِفتَهم التي دَلَّ وجودُ علامتهم في
الحَروريَّة بأنَّهم هم.
قوله: ((يَخْرُج في هذه الأُمّة، ولم يَقُل: مِنْها)) لم تختلف الطُّرق الصَّحيحة على أبي سعيد في
ذلك، فعند مسلم (١٤٩/١٠٦٥) من رواية أبي نَضْرة عن أبي سعيد: أنَّ النبيَّ وَّل ذكر قوماً
يكونونَ في أمَّته، وله (١٠٦٥ / ١٥٠) من وجه آخر: ((تمرقُ مارقةٌ عند فُرْقة من المسلمين)»، وله
(١٤٨/١٠٦٤) من رواية الضَّحّاك المشرَقيّ عن أبي سعيد نحوه، وأمَّا ما أخرجه الطَّبَريُّ (٢) من
وجه آخر عن أبي سعيد بلفظ: ((من أمَّتي)) فسنده ضعيف. لكن وَقَعَ عند مسلم (١٥٨/١٠٦٧)
من حديث أبي ذرِّ بلفظ: ((سيكونُ بعدي من أمَّتي قوم))، وله (١٥٦/١٠٦٦) من طريق
(١) وهو أيضاً عند أبي يعلى (١٢٣٣).
(٢) وهو أيضاً عند ابن عبد البر في ((التمهيد)) ٣٢٩/٢٣. وهو كما قال الحافظ إسناده ضعيف.

٢٢٦
باب ٦/ ح ٦٩٣١
فتح الباري بشرح البخاري
زيد بن وهب عن عليّ: ((يَخْرُج قومٌ من أمَّتي)). ويُجمَع بينه وبين حديث أبي سعيد بأنَّ المراد
بالأُمّة في حديث أبي سعيد أمّةُ الإجابة، وفي رواية غيرِهِ أمّةُ الدَّعوة، قال النَّوويّ: وفيه
دلالة على فقه الصحابة وتحريرهم الألفاظ، وفيه إشارةٌ من أبي سعيد إلى تكفير الخوارج، وأنَّهم
من غير هذه الأُمّة.
قوله: (تَحِقِرونَ» بفتح أوَّله، أي: تَستَقِلّونَ.
قوله: ((صلاتكم مع صلاتهم)) زاد في رواية الزّهْريّ عن أبي سَلَمة كما في الباب بعدَه:
((وصِيامَه مع صيامهم))، وفي رواية عاصم بن شَمْخ (١) عن أبي سعيد: ((تَحِقِرونَ أعمالَكم مع
أعمالهم))، ووَصَفَ عاصمٌ أصحاب نَجْدة الحُرُوريّ بأنَّهم: يصومونَ النَّهار ويقومونَ اللَّيل
ويأخُذونَ الصَّدَقات على السُّنّة. أخرجه الطَّبَريّ(٢)، ومثله عنده من رواية يحيى بن أبي
كثير عن أبي سَلَمة.
وفي رواية محمَّد بن عَمْرو عن أبي سَلَمة عنده(٣): ((يَتَعَبَّدُونَ، يَحِقِرُ أحدُكم صلاتَه
وصيامَه مع صلاتِهِم وصيامِهم))، ومثله من رواية أنس وأبي سعيد(٤)، وزاد في رواية
الأسود بن العلاء عن أبي سَلَمة: ((وأعمالَكم مع أعمالهم))، وفي رواية سَلَمة بن كُهَيل عن
زيد بن وهب عن عليّ: ((ليست قراءتُكم إلى قراءتهم شيئاً، ولا صلاتكم إلى صلاتهم شيئاً»
أخرجه مسلم (١٠٦٦/ ١٥٦) والطَّبَريّ. وعنده(٥) من طريق سليمان التَّيميّ عن أنس: ذُكر
(١) كذا وقع في الأصلين، وهو ما ضبطه به الحافظ في الباب الذي يليه بقوله: بفتح المعجمة وسكون الميم
بعدها معجمة، وهذا بخلاف ما ضبطه به في ((التقريب))، حيث قال: بمعجمتين مصغّر، يعني شُمَیخ،
وهو المعروف في كتب التراجم.
(٢) وهو أيضاً عند أحمد (١١٢٨٥)، لكن دون وصف عاصم لأصحاب نجدة.
(٣) وهو أيضاً عند ابن ماجه (١٦٩)، كما قال الحافظ قريباً، وهو عند أحمد أيضاً من هذه الطريق (١١٢٩١)
لكن بلفظ: ((يتعمقون في الدين)».
(٤) جاء في الأصلين و(س) عن أبي سعيد، وذكرنا عند شرح الحديث الأول أنه خطأ، لأنّ الحديث بروايتهما جميعاً،
وأنه وقع على الصواب في نسخة ((سنن أبي داود)) التي كتبها الحافظ بخطه، ومنه أثبتنا الصواب هنا.
(٥) وعند أحمد في «مسنده)) (١٢٨٨٦).

٢٢٧
باب ٦/ ح ٦٩٣١
كتاب استتابة المرتدين
لي عن رسول الله وَل﴿ه قال: ((إنَّ فيكم قوماً يَدأبونَ ويعملونَ، حتَّى يُعجِبوا الناسَ وتُعجِبُهم
أنفُسُهم)). ومن طريق حفص ابن أخي أنس عن عمّه(١) بلفظ: ((يَتَعَمَّقونَ في الدّين)). وفي
حديث ابن عبّاس عند الطبرانيّ (١٠٥٩٨) في قصَّة مُناظَرَته للخَوَارِجِ، قال: فأتيتُهم،
فدَخَلت على قوم لم أرَ أشدَّ اجتهاداً منهم، أيديهم كأنَّهَا ثَفِنُ الإبل(٣)، ووجوههم مُعلَّمة(٣)
من آثار السُّجود، وأخرج ابن أبي شَيْبة (٣١٣/١٥) عن ابن عبّاس: أنَّه ذُكِرَ عنده الخوارج
واجتهادهم في العبادة فقال: ليسوا أشدَّ اجتهاداً من الزُّهبان(٤).
قوله: ((يَمْرُقونَ من الدّين مُروق السَّهْم من الزَّمِيَّة)) بكسر الميم وتشديد التَّحتانيَّة فَعِيلة بمعنى
مفعولة، فأُدخِلَت فيها الهاء، وإن كان فعيل بمعنى مفعول يَستَوي فيه المذَكَّر والمؤنَّث، للإشارة
لنَقْلِها من الوصفيَّة إلى الاسميَّة، وقيل: إنَّ شرطَ استواء المذَكَّر والمؤنَّث أن يكون الموصوف
مذكوراً معه، وقيل: شرطُه سُقوط الهاء من المؤنث قبل وقوع الوصف، تقول: خُذ ذَبِيحَتك،
أي: الشّاة التي تريد/ ذَبحها، فإذا ذبحها قيل لها حينئذٍ: ذَبيح.
٢٩٠/١٢
قوله: ((فينظُرُ الَّامي إلى سَهْمه)) يأتي بيانه في الباب الذي بعده.
وقوله: ((إلى نَصْله)) هو بَدَل من قوله: ((سهمه)) أي: يَنظُر إليه جملة ثمَّ تفصيلاً، وقد وَقَعَ
في رواية أبي ضَمْرة عن يحيى بن سعيد عند الطَّبَريّ: ((يَنظُرُ إلى سهمه فلا يرى شيئاً، ثمَّ يَنظُر إلى
نَصْله، ثمَّ إلى رِصافه)) وسيأتي بأبسَطَ من هذا في الباب الذي يليه.
(١) وهو أيضاً عند سعيد بن منصور (٢٩٠٥).
(٢) الثَّفِنُ جمع ثَفِنة، وهي ما وَلي الأرضَ من كل ذات أربع إذا بَرَكَتْ، كالزُّكبتين وغيرهما، ويحصُل فيه غِلَظٌ
من أثر البُروك.
(٣) كذا جاء في الأصلين و(س): مُعلّمة، من العَلامة، وكذلك وقع في مطبوع ((مصنف عبد الرزاق)) (١٨٦٧٨)،
والذي في مطبوع ((معجم الطبراني الكبير))، وكذا في ((المختارة) للضياء المقدسي ١٠/ (٤٣٧): مُعلَّبة، من
العَلْب وهو الأثر، ومنه قول ابن عمر لرجلٍ قد أثر السجود بأنفه: لا تَعلُبْ صورتَك، أخرجه الطبري في
(تهذيب الآثار- مسند ابن عباس)) ١٩٦/١، وفسَّره بقوله: معناه: لا تؤثِّر فيه أثراً فتقبّحه بذلك.
(٤) لفظه عند ابن أبي شيبة وكذا عند عبد الرزاق (١٨٥٨١) وغيرهما: ليسوا بأشد اجتهاداً من اليهود
والنصارى، ولم نجده بلفظ: الرهبان.

٢٢٨
باب ٦-٧/ح ٦٩٣٢ - ٦٩٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
وقوله: ((فيَتَمَارَى)) أي: يَتَشَكَّك هل بَقِيَ فيها شيءٌ من الدَّم، والفُوْقة: موضع الوَتَر من
السَّهم، قال ابن الأنباريّ: الفُوْق يُذكَّر ويُؤنَّث، وقد يقال: فُوقة، بالهاء.
٦٩٣٢ - حدَّثنا يحيى بنُ سليمانَ، حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: حدَّثنا عمرُ، أنَّ أباه حذَّثه، عن عبدِ الله
ابن عمرَ، وذَكر الحَرورِيَّةَ، فقال: قال النبيُّ ◌َّ: ((يَمْرُقونَ منَ الإسلامِ مُروقَ السَّهْمِ منَ الرَّمِيَّةِ)).
الحدیث الثالث: حديث ابن عمر.
قوله: ((حدَّثْنا عمر)) في رواية غير أبي ذرٍّ: حدَّثني، بالإفراد، كذا للجميع: عمرُ، غیر
منسوب، لكن ذکر أبو عليّ اجيًّانيّ عن الأصيليّ قال: قرأه علينا أبو زيد في عَرْضِه ببغداد:
عمر بن محمَّد، ونَسَبَه الإسماعيليّ في روايته من طريق أحمدَ بن عيسى عن ابن وهب:
أخبرني عمر بن محمَّد بن زيد العُمَريّ.
قلت: وزيد هو ابنُ عبد الله بن عمر، وقد تقدَّم في التَّفسير (٤٧٧٨) بهذا السَّند
حديثٌ في تفسير لُقمان: عن يحيى بن سليمان عن ابن وهب حدَّثني عمر بن محمَّد بن زيد
ابن عبد الله بن عمر، ووَقَعَ في حديث الباب منسوباً هكذا إلى عمر بن الخطّاب في رواية
الطَّبَريّ عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب.
قوله: ((عن عبد الله بن عمر، وذكَر الحَروريَّةَ)) هي جملة حاليَّة، والمراد أنَّه حدَّث
بالحديث عند ذِكْر الحَروريَّة، وفي إيراد البخاريّ له عَقِبَ حديث أبي سعيد إشارةٌ إلى أنَّ
تَوقُّفَ أبي سعيد المذكور محمولٌ على ما أشرتُ إليه من أنَّه لم يُنصَّ في الحديث المرفوع على
تسميتهم بخُصوصِ هذا الاسم، لا أنَّ الحديث لم يَرِد فيهم.
٧ - باب مَن تَرك قتالَ الخوارج للتّأَلُّف
ولئلّا ینفِرَ الناس عنه
٦٩٣٣- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا هشامٌ، أخبرنا مَعمَرٌّ، عن الزُّهْريِّ، عن أبي
سَلَمَةَ، عن أبي سعيدٍ، قال: بينما النبيُّ ◌َلَهِ يَقْسِمُ، جاء عبدُ الله بنُ ذي الخُوَبِصِرةِ التَّمِيمِيُّ،
فقال: اعدِل يا رسولَ الله، فقال: ((وَيْحَكَ، ومَنْ يَعْدِلُ إذا لم أعدِلْ؟!)) قال عمرُ بنُ الخطّاب: يا

٢٢٩
باب ٧/ح ٦٩٣٣
كتاب استتابة المرتدين
رسولَ الله، اْذَنْ لي فأضْرِبَ عُنُقَه، قال: ((دَعْهُ، فإنَّ له أصحاباً نَحِقِرُ أحدُكم صَلاتَه مع صلاتِه،
وصيامَه مع صيامِهِ، يَمْرُقونَ منَ الدِّينِ كَما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يُنْظَرُّ فِي قُذَذِه فلا يُوجَدُ فيه
شيءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ في نَصْلِهِ فلا يُوجَدُ فيه شيءٌ، ثمَّ في رِصَافِهِ فلا يُوجَدُ فيه شيءٌ، ثمَّ يُنْظَرُ فِي نَضِيِّ
فلا يُوجَدُ فيه شيءٌ، قد سَبَقَ الفَرْثَ والدَّمَ، آيْتُهم رجلٌ إحدى يَدَيه - أو قال: ثَدْيَيه - مِثلُ ثَدي
المرأةِ - أو قال: مِثلُ البَضْعِةِ - تَدَرْدَرُ، يَخْرُ جونَ على حِينِ فُرْقٍ منَ الناسِ)).
قال أبو سعيدٍ: أَشهَدُ سمعتُ منَ النبيِّ وَّهِ، وأشهدُ أنَّ عليّاً قَتَلَهم وأنا معه، جِيءَ بالرجلِ
على الثَّعْتِ الذي نَعَتَه النبيُّ نَ ◌ّه قال: فنزلت فيه: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن ◌َلْمِزُكَ فِ الصَّدَقَتِ﴾ [التوبة:٥٨].
قوله: ((باب مَن تَرَكَ قتال الخوارج للتَّلُّفِ، ولئلّا يَنْفِرَ الناسُ عنه» أورَدَ فیه حديث أبي
سعيد في ذِكْر الذي/ قال للنبيِّ وَّهِ: اعدِلْ، فقال عمرُ: ائذن لي فأَضرِبَ عُنُقُه، قال: ((دَعه))، ٢٩١/١٢
وليس فيه بيان السَّبب في الأمر بتَركِه، ولكنَّه وَرَدَ في بعض طرقه، فأخرج أحمدُ (٢٠٤٣٤)
والطَّبَريّ(١) من طريق بلال بن بُقْطُر عن أبي بكرة قال: أُتَيَ النبيّ ◌َّهِ بِمُوَيلِ(٢) فَقَعَدَ
يقسِمُها، فأتاه رجل وهو على تلك الحال))، فذكر الحديث، وفيه: فقال أصحابه: ألا نَضْرَبُ
عُنُقُه؟ فقال: ((لا أُريدُ أن يسمع المشركونَ أنّي أقْتُل أصحابي))، ولمسلم (١٤٢/١٠٦٣) من
حديث جابر نحو حديث أبي سعيد، وفيه: فقال عمر: دَعني يا رسول فأقتُلَ هذا المنافق،
فقال: ((مَعاذَ الله أن يَتَحدَّث الناسُ أنّي أقتُل أصحابي، إنَّ هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا
يُجَاوِزِ حَناجِرَهم، يَمْرُقونَ منه)).
لكنَّ القصّة التي في حديث جابر صَرَّحَ في حديثه بأنَّها كانت مُنصَرَف النبيّ ◌َِّ من
الجِعِرّانة، وكان ذلك في ذي القَعْدة سنة ثمانٍ، وكان الذي قَسَمَه النبيّ ◌َِّ حينئذٍ فِضّةً،
كانت في ثوب بلال، وكان يُعطي كلّ مَن جاء منها، والقصَّةُ التي في حديث أبي سعيد صَرَّحَ في
(١) هو عنده في (تهذيب الآثار)) کما نص الحافظ علی ذکره أثناء شرح هذا الحديث، لكنه فيما لم يُعثر عليه منه.
(٢) كذا جاء في الأصلين و(س)، وهو تصغير مال، وهذا هو لفظ رواية الطبري، كما جاء في ((الجامع الكبير))
للسيوطي، إذ ذكره ضمن مسند أبي بكرة، بهذا اللفظ، وعزاه لابن جرير الطبري. ولفظه عن غيره ممن خرَّجه
من هذه الطريق کأحمد وغيره: بدنانیر.

٢٣٠
باب ٧/ح ٦٩٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
رواية ابن أبي نُعْم (٣٣٤٤) عنه أنَّها كانت بعد بَعْث عليّ إلى اليمن، وكان ذلك في سنة
تسع، وكان المقسوم فيها ذهباً وخَصَّ به أربعة أنفُس، فهما قِصَّتان في وقتَيْنِ اتَّفَقَ في كلّ
منهما إنكارُ القائل، وصُرِّحَ في حديث أبي سعيد أنَّه ذو الخُويصِرة التَّميميّ، ولم يُسمَّ القائلُ
في حديث جابر، ووهمَ مَن سَّاه ذا الخُويصِرة ظانّاً اتَّحاد القِصَّتَين.
ووجَدت لحديثٍ جابر شاهداً من حديث عبد الله بن عَمْرو بن العاص عن النبيّ ◌َلِّ:
أنَّه أتاهُ رجلٌ يوم حُنَينٍ وهو يَقسِم شيئاً، فقال: يا محمَّدُ، اعدِل، ولم يُسمَّ الرجلُ أيضاً، وسَّاه
محمَّد بن إسحاق(١) بسندٍ حسن عن عبد الله بن عمرو، أخرجه أحمدُ (٧٠٣٨) والطَّبَريّ أيضاً،
ولفظه: أتى ذو الخُويصِرة التَّميميّ رسولَ الله ◌َّ، وهو يقسِم الغنائم بحُنَينٍ، فقال: يا
محمَّد، فذكر نحو هذا الحديث المذكور، فيُمكِن أن يكون تَكَرَّرَ ذلك منه في الموضعین عند
قسمة غَنائم ◌ُنَينٍ، وعند قسمة الذَّهَب الذي بَعَثَه عليٌّ.
قال الإسماعيليّ: التَّرجمة في تَرك قتال الخوارج، والحديث في تَرك القتل للمُنفَرِد،
والجميعُ إذا أظهروا رأيهم ونَصَبوا للنّاس القتالَ وجَبَ قتالهم، وإِنَّا تَرَكَ النبيُّ ◌َ ◌ّ قتل
المذكور لأنَّه لم يكن أظهَرَ ما يُستدَلُّ به على ما وراءَه، فلو قُتْلَ مَن ظاهرُه الصَّلاحُ عند
الناس قبل استحكام أمر الإسلام ورُسوخه في القلوب، لنَفَّرَهم عن الدُّخول في الإسلام،
وأمَّا بعده ◌َِّ فلا يجوز تَرْكُ قتالهم إذا هم أظهروا رأيهم، وتَرَكوا الجماعة، وخالَفوا الأئمّة
مع القُدرة على قتالهم.
قلت: وليس في التَّرجمة ما يُخالف ذلك، إلّا أنَّه أشارَ إلى أنَّه لو اتَّفَقَت حالةٌ مِثلُ حالة
المذكور، فاعتَقَدَت فِرِقةٌ مذهبَ الخوارج مثلاً، ولم يَنصِبوا حَرْباً، أنَّه يجوز للإمام الإعراضُ
عنهم إذا رأى المصلحة في ذلك، كأن يَخْشَى أنَّه لو تَعرَّضَ للِفِرقة المذكورة لَأَظهَرَ مَن يُحُفي
مِثْلَ اعتقادِهم أمرَه وناضَلَ عنهم، فيكون ذلك سبباً لخروجِهم ونصْبِهِم القتالَ للمسلمين، مع
ما عُرِفَ من شِدّة الخوارج في القتال، وثَباتهم وإقدامهم على الموت، ومَن تأمَّلَ ما ذَكَر أهلُ
(١) كما في ((سيرة ابن هشام)) ٤٩٦/٢.

٢٣١
باب ٧/ ح ٦٩٣٣
كتاب استتابة المرتدين
الأخبار من أُمورهم تَحقَّقَ ذلك.
وقد ذكر ابن بَطّال عن المهلَّب قال: التَّلُّف إنَّما كان في أوَّل الإسلام إذ(١) كانت الحاجة
ماسّةً لذلك لدفع مَضَرَّتهم، فأمَّا إذا أعلى اللهُ الإسلامَ فلا يجبُ التَّأَلَّف، إلّا أن تَنزِل بالناس
حاجةٌ لذلك فِلإمام الوقت ذلك.
قلت: وأمَّا ترجمة البخاريّ القتالَ، والخبرُ في القتل، فلأنَّ تَرك القتال يُؤخَذ من تَرك
القتل من غير عکس.
وذکر فیه حدیثین:
الأول: حديث أبي سعيد.
قوله: ((حدّثنا عبد الله)) هو الجُعْفيُّ المسنَديّ، بفتح النّون، ووهمَ مَن زَعَمَ أنَّه أبو بكر
ابن أبي شَيْبة، لأنَّه وإن كان أيضاً عبدَ الله بنَ محمَّد، لكنَّه لا رواية له عن هشام المذکور هنا،
وهو ابنُ يوسف الصَّنْعانيّ.
قوله: ((عن أبي سَلَمة)) في رواية شُعَيب الماضية في علامات النَّبوّة (٣٦١٠) عن
الزّهْريّ: أخبرني أبو سَلَمة بنُ عبد الرّحمن، وتقدَّم في الأدب (٦١٦٣) من طريق الأوزاعيِّ
عن الزُّهْريّ/ عن أبي سَلَمة والضَّحّاك، وهو ابن شَرَحبيل(٢) أو ابن شَرَاحِيل المشرَقيّ، ٢٩٢/١٢
بكسر الميم وسكون المعجَمة وفتح الرَّاء بعدها قاف، منسوب إلى مِشرَق، بطن من هَمْدانَ،
وتقدَّم بيانُ حاله في فضل سورة الإخلاص (٥٠١٥)، وأنَّ البزَّار حكى أنَّه الضَّحّاك بن
مُزاحم، وأنَّ ذلك غَلَط.
ثمَّ وقَفتُ على الرِّواية التي نُسِبَ فيها كذلك أخرجها الطَّبَريُّ من طريق الوليد بن
مَزيد(٣) عن الأوزاعيِّ في هذا الحديث، فقال: حدَّثني أبو سَلَمة بن عبد الرَّحمن والضَّحّاك
(١) تحرَّف في (س) إلى: إذا.
(٢) تحرَّف في (س) إلى: شراحبيل.
(٣) تحرَّف في (ع) إلى: زید، وتصحف في (س) إلى: مرثد.

٢٣٢
باب ٧/ح ٦٩٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
ابن مُزاحم عن أبي سعيد، قال الطَّبَريُّ: وهذا خطأ، وإنَّما هو الضَّحّاك المشرقيّ.
قلت: وقد أخرجه أحمدُ (١١٦٢١) عن محمّد بن مُصعَب، وأبو عَوَانة(١) من طريق بشر
ابن بكر (٢) كلاهما عن الأوزاعيِّ، فقال فيه: عن أبي سَلَمة والضَّحّاك المِشرَقيّ - وفي رواية
بشر: الضخَّاك الهمْدانيِّ(٣) - كلاهما عن أبي سعيد.
واللَّفظ الذي ساقَه البخاريّ هو لفظ أبي سَلَمة، وقد أفرَدَ مسلم (١٥٣/١٠٦٥) لفظ
الضَّحّاك المشرَقيّ من طريق حبيب بن أبي ثابت عنه، وزاد فيه شيئاً سأذكره بعدُ، وقد شَذَّ
أفلَحُ بن عبد الله بن المغيرة(٤) عن الزّهْريّ، فروى هذا الحديث عنه فقال: عن عبيد الله بن
عبد الله بن عُتبة عن أبي سعيد، أخرجه أبو يَعْلى (١٠٢٢).
قوله: ((بينَمَا النبيّ ◌ََّ يَقْسِم)) بفتح أوَّله من القِسمة، كذا هنا بحذفِ المفعول، ووَقَعَ في
رواية الأوزاعيِّ: يَقسِم ذات يوم قِسماً، وفي رواية شُعَيب: بينما نحنُ عند النبيّ وَّل وهو
يَقِم قِسماً، زاد أفلَحُ بن عبد الله في روايته: يوم حُنَينٍ، وتقدَّم في الأدب(٥) من طريق
عبد الرَّحمن بن أبي نُعْمِ عن أبي سعيد: أنَّ المقسوم كان تِبْراً، بَعَثَه عليّ ابن أبي طالب من
اليمن، فَقَسَمَه النبيّ وَّل بين أربعة أنفُس، وذُكِرت أسماؤهم هناك.
قوله: ((جاء عبد الله بن ذي الخُوَيصِرة التَّميميّ)) في رواية عبد الرَّزّاق (١٨٦٤٩) عن
مَعمَر بلفظ: بينما رسول الله وَ﴿ يَقسِم قِسماً إذ جاءه ابنُ ذي الخُويصِرة التَّميميّ، وكذا
أخرجه الإسماعيليّ من رواية عبد الرَّزّاق ومحمَّد بن ثَور وأبي سفيان الحِميَريّ وعبد الله بن
معاذ، أربعتهم عن مَعمَر، وأخرجه الثَّعلَبيّ ثُمَّ الواحديّ في ((أسباب النُّزول)) (٥٠٦) من طريق
(١) هو فيما لم يُعثر عليه من ((صحيحه)) من أبواب الزكاة، انظر ((إتحاف المهرة)) للحافظ (٥٨٢٠).
(٢) تحرَّف في (س) إلى: بکیر.
(٣) وكذلك أخرجه مسلم (١٠٦٤) (١٤٨) من طريق يونس بن يزيد عن الزهري، فقال فيه: الضحاك
اھمْداني.
(٤) ويرويه عن أفلح أبو معشر نَجيح بن عبد الرحمن، وهو ضعيف.
(٥) بل في المغازي (٤٣٥١).

٢٣٣
باب ٧/ ح ٦٩٣٣
كتاب استتابة المرتدين
محمَّد بن يحيى الذُّهْليِّ عن عبد الرَّزّاق، فقال: ابنُ ذي الخُوَيصِرة التَّميميّ(١)، وهو حُرقوصُ بن
زُهَير أصل الخوارج. وما أدري مَن الذي قال: وهو حُرقوص ... إلى آخره.
وقد اعتَمَدَ على ذلك ابن الأثير في الصحابة، فتَرجَمَ لذي الحُويصِرة التَّميميّ في
الصحابة، وساقَ هذا الحديث من طريق أبي إسحاق الثَّعَلَبيّ، وقال بعد فراغه: فقد جَعَلَ
في هذه الرِّواية اسمَ ذي الخويصرة حُرقوصاً، والله أعلم، وقد جاء أنَّ حُرقوصاً اسمُ ذي
القُدیَّة کما سيأتي.
قلت: وقد ذكر حُرقوصَ بنَ زُهَير في الصحابة أبو جعفر الطَّرُّ، وذكر أنَّه کان له في
فُتوح العراق أثرٌ، وأنَّه الذي افتَتَحَ سوقَ الأهواز، ثمَّ كان مع عليٍّ في حُروبه، ثمَّ صارَ مع
الخوارج فقُتِلَ معهم، وزَعَمَ بعضُهم أنَّه ذو النُّديّة الآتي ◌ِكْره، ولیس کذلك، وأكثرُ ما جاء
ذِكْر هذا القائل في الأحاديث مُبهَاً، ووُصِفَ في رواية عبد الرَّحمن بن أبي نُعْمِ المشار إليها بأنَّه
مُشِرِفُ الوَجْنَتَين، غائرُ العينين، ناشزُ الجبهة، كَثُّ اللِّحية، محلوقُ الرَّأس، مُشَمِّر الإزار.
وتقدَّم تفسير ذلك في ((باب بَعث عليّ)) من المغازي (٤٣٥١)، وفي حديث أبي بَكْرة
عند أحمدَ(٢) والطَّبَريّ: فأتاه رجلٌ أسودُ طويلٌ مُشَمِّر، مَحَلوقُ الرَّأس، بين عينيه أثر
السُّجود، وفي رواية أبي الوَضِيّ(٣) عن أبي بَرْزة عند أحمدَ (١٩٧٨٣) والطَّبَريّ والحاكم
(١٤٦/٢ -١٤٧) (٤): أَتَيَ رسول الله وَّل بِدَنانير، فكان يَقسِمها ورجلٌ أسودَ مَطمومُ الشَّعر
(١) وقد انفرد معمر بتسميته ابنَ ذي الخُويصرة، وخالفه سائر أصحاب الزهري فسمّوه ذا الخُويصرة،،
كشعيب بن أبي حمزة فيما تقدم برقم (٣٦١٠)، والأوزاعي فيما تقدم أيضاً برقم (٦١٦٣)، ويونس بن
يزيد عند مسلم (١٠٦٤) (١٤٨)، وعُقيل بن خالد عند الفريابي في ((فضائل القرآن)) (١٩١)، ويؤيدهم
رواية عبد الله بن عمرو بن العاص التي قدم الحافظ ذكرها، فإنه سماه أيضاً ذا الخويصرة. وقد قال
الحافظ في مقدمة شرحه هذا: إنه أصوب.
(٢) لفظ أبي بكرة عند أحمد (٢٠٤٣٤): رجلٌ أسودُ مطمومٌ، عليه ثوبان أبيضان، بين عينيه أثر السجود.
(٣) بل من طريق شريك بن شهاب عن أبي برزة، وليس من رواية أبي الوضيّ عبّاد بن نُسَيب، وفات الحافظ
أنه عند النسائي (٤١٠٣).
(٤) فات الحافظ رحمه الله أن يخرجه من ((سنن النسائي)) (٤١٠٣).

٢٣٤
باب ٧/ح ٦٩٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
بين عينيه أثر السُّجود، وفي حديث عبد الله بن عَمْرو عند البزَّار (١) والطَّبَريّ: رجلٌ من
أهل البادية، حديثُ عهدٍ بِأَعْرابيةٍ(٢).
قوله: ((فقال: اعدِل يا رسول الله)) في رواية عبد الرَّحمن بن أبي نُعْمِ: فقال: اتَّقِ الله يا محمَّد.
وفي حديث عبد الله بن عَمْرو (٣) فقال: اعدِل يا محمَّد، وفي لفظ له عند البزَّار(٤) والحاكم(٥):
فقال: يا محمَّد، والله لَئِن كان الله أمَرَك أن تَعدِل ما أراك تَعدِل. وفي رواية مِقْسَم التي أشرت
إليها (٢): فقال: يا محمَّد، قد رأيتُ الذي صَنَعتَ، قال: ((وكيف رأيتَ؟)) قال: لم أَرَكَ عَدَلتَ. وفي
٢٩٣/١٢ حديث أبي بكرة:/ فقال: يا محمَّد، والله ما تَعدِل(٧)، وفي لفظ: ما أراك عَدَلت في القِسمة (٨)،
ونحوه في حديث أبي برزة.
قوله: ((فقال: ويحك)) في رواية الكُشمِيهنيّ: ويلك، وهي رواية شُعَيب والأوزاعيِّ كما
تقدَّم الكلام عليها في كتاب الأدب(٩).
قوله: ((ومَن يَعْدِل إذا لم أعدِل)) في رواية عبد الرَّحمن بن أبي نُعْمِ: ((ومَن يُطِعِ الله إذا
عصيتُهُ)(١٠)، ولمسلم (١٠٦٤ / ١٤٤) من طريقه: ((أولستُ أحقّ أهل الأرض أن يطيع (١١) الله)).
(١) كما في ((كشف الأستار)) (١٨٥٠)، دون قوله: حديث عهد بأعرابية، وثبت للطبري وللطبراني أيضاً في
«مسند الشاميين)) (٢٧٦٥).
(٢) تحرَّف في (س) إلى: بأمر الله، وهو تحريف طريف.
(٣) عند الحاكم ٢/ ١٤٥.
(٤) كما في ((كشف الأستار)) (١٨٥٠).
(٥) ليس هو عند الحاكم بهذا اللفظ، وإنما هو عند الطبري في (تهذيبه)) كما في ((الجامع الكبير)) للسيوطي في مسند عبد الله
ابن عمرو، وكذا هو عند الفريابي في «فضائل القرآن» (١٩٦)، وعند الطبراني في «مسند الشاميين)) (٢٧٦٥).
(٦) هي نفسها رواية محمد بن إسحاق عند أحمد (٧٠٣٨) والطبري في ((تهذيبه)).
(٧) هذا لفظ رواية ابن جرير الطبري، كما ذكره السيوطي في ((الجامع الكبير)) في مسند أبي بكرة.
(٨) أخرجه أحمد (٢٠٤٣٤).
(٩) بين يدي الحديث (٦١٥٩).
(١٠) المثبت من الأصلين، وفي (س): إذا لم أُطِعْه، والرواية على ما جاء في الأصلين.
(١١) كذا في الأصلين، وفي (س): أطيع. والرواية: ((من يتقي الله))، وهي عند البخاري أيضاً (٤٣٥١)، وقد
يكون قوله: ((يطيع)) سبق قلم أو تحريف عن ((يتقي)، والله أعلم.

٢٣٥
باب ٧/ح ٦٩٣٣
كتاب استتابة المرتدين
وفي حديث عبد الله بن عَمْرو: ((عندَ مَن يُلتَمَس العَدلُ بعدي؟!))، وفي رواية مِقسم عنه:
فَغَضِبَ وَّل وقال: ((العَدل إذا لم يكن عندي، فعند مَن يكون؟!))، وفي حديث أبي بكرة:
فغَضِبَ حتَّى احمرَّت وَجْنَتَاه. ومن حديث أبي بَرْزة قال: فغَضِبَ غَضَباً شديداً، وقال:
((والله لا تَجِدونَ بعدي رجلاً هو أعدَلَ عليكم منِّي».
قوله: ((قال عمر بن الخطّاب: يا رسول الله(١)، اتذَنْ لي فأضِرِبَ عُنُقَه)) في رواية شُعَيب
ويونس(٢): فقال، بزيادة فاء، وقال: ائذَن لي فيه فأضِرِبَ عُنُقَه، وفي رواية الأوزاعيّ:
فلأضرِبَ، بزيادة لام، وفي حديث عبد الله بن عَمْرو من طريق مِقْسَم عنه(٣): فقال عمر:
يا رسولَ الله، ألا أقومُ إليه (٤) فاضرِبَ عُنُقُه.
وقد تقدَّم في المغازي(٥) من رواية عبد الرَّحمن بن أبي نُعْمٍ عن أبي سعيد في هذا
الحديث: فسألَه رجل - أظنّه خالد بن الوليد - قتْلَه، وفي رواية مسلم(٦): فقال خالد بن
الوليد، بالجزم، وقد ذكرت وجه الجمع بينهما في أواخر المغازي وأنَّ كلَّ منهما سألَ، ثمَّ
رأيتُ عند مسلم (١٠٦٤/ ١٤٥) من طريق جَرِير عن عمارة بن القَعْقاع بسنِه فيه: فقامَ
عمر بن الخطّاب فقال: يا رسول الله، ألا أضرِب عُنُقُه؟ قال: ((لا)) ثمَّ أدبَرَ، فقامَ إليه خالدٌ
بن الوليد سيفُ الله فقال: يا رسول الله ألا(٧) أضرِبُ عُنُقُه؟ قال: ((لا))، فهذا نَصُّ في أنَّ
كلَّ منهما سألَ.
(١) قوله: (يا رسول الله)) ثبت للحافظ رحمه الله في هذه الرواية، مع أنه لم يرد في اليونينية دون حكاية خلاف
في ذلك بين رواه البخاري، وقد ثبت لمعمر عند غير البخاري، كالنسائي في ((السنن الكبرى)) (١١١٥٦)
والطبري في «تفسيره)) ١٠ / ١٥٧ وغيرهما.
(٢) روایة یونس عند مسلم (١٠٦٤) (١٤٨).
(٣) كذا في رواية البيهقي في ((الدلائل)) ١٨٦/٥، وأما غيره ممن خرَّجه من طريقه كأحمد (٧٠٣٨) وغيره،
فقالوا في روايتهم: ألا نقتله، وفي ((سيرة ابن هشام)) ٤٩٦/٢: ألا أقتله.
(٤) تحرَّف في (س) إلى: علیه.
(٥) بل في أحاديث الأنبياء (٣٣٤٤).
(٦) ذهل الحافظ رحمه الله عن وجوده بالجزم أيضاً عند البخاري في المغازي برقم (٤٣٥١).
(٧) لفظة ((ألا)) سقطت من (س).

٢٣٦
باب ٧/ ح ٦٩٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
وقد استُشكِلَ سؤال خالد في ذلك، لأنَّ بَعث عليّ إلى اليمن كان عَقِب بَعث خالد بن
الوليد إليها، والذَّهَب المقسوم أرسَلَه عليّ من اليمن كما في صَدْر حديث ابن أبي نُعْمٍ عن أبي
سعيد، ويُجاب بأنَّ عليّاً لمَّا وَصَلَ إلى اليمن رَجَعَ خالدٌ منها إلى المدينة، فأرسَلَ عليّ الذَّهَب
فحَضَرَ خالد قِسمَته(١)، وأمَّا حديث عبد الله بن عَمْرو، فإِنَّه في قصَّة قَسْم وَقَعَ بالجِعِرّانة من
غَنائم حُنَينٍ، والسائلُ في قتله عمرُ بن الخطّاب جَزماً، وقد ظَهَرَ لي أنَّ المعتَرِض في الموضعين
واحد كما مضى قريباً.
قوله: ((قال: دَعْه)) في رواية شُعَيب: فقال له: ((دَعْه)) كذا لأبي ذرٍّ، وفي رواية الأوزاعيّ:
فقال: ((لا)) وزاد أفلَحُ بن عبد الله في روايته: فقال: ((ما أنا بالذي أقتُل أصحابي)».
قوله: ((فإنَّ له أصحاباً)) هذا ظاهره أنَّ تَرْك الأمر بقتله بسببٍ أنَّ له أصحاباً بالصّفة
المذكورة، وهذا لا يقتضي تَركَ قتله مع ما أظهَرَه من مواجَهة النبيّ ◌َلِّبما واجَهَه، فيحتمل
أن يكون لمَصلَحة التألَّف كما فهمَه البخاريّ؛ لأنَّه وَصَفَهم بالمبالَغة في العبادة مع إظهار
الإسلام، فلو أذِنَ في قتلهم لكان في ذلك تَنْفيرٌ عن دخولِ غيرهم في الإسلام، ويُؤيِّده
رواية أفلَحَ ولها شواهد، ووَقَعَ في رواية أفلَحَ: ((سَيَخرُجُ أُناس يقولون مِثْلَ قوله)).
قوله: ((یْقِر أحدُکم صلاتَه مع صلاتِه، وصیامَه مع صیامِه)) كذا في هذه الرِّواية بالإفراد،
وفي رواية شُعَيب وغيره: ((مع صلاتهم)) بصيغة الجمع فيه وفي قوله: ((مع صيامهم))، وقد
تقدَّم بيانه (٢) في ثاني أحاديث الباب الذي قبله، وزاد في رواية شُعَيب ويونس: ((يقرؤونَ
القرآن لا يُجاوز تَراقيَهم)» بمُثنّاةٍ وقاف: جمع تَرْقُوة، بفتح أوَّله وسكون الرَّاء وضمِّ القاف
وفتح الواو، وهي العَظْم الذي بين نُقْرة النَّحْر والعاِق، والمعنى: أنَّ قراءتهم لا يَرفَعُها الله
ولا يقبلُها، وقيل: لا يعملونَ بالقرآن، فلا يُثابُونَ على قراءته، فلا يَحَصُل لهم إلّا سَرْدُه.
وقال النَّوويّ: المرادُ أنَّهم ليس لهم فيه حَظّ إلّا مُروره على لسانهم، لا يَصِل إلى حُلوقهم،
فضْلاً عن أن يَصِل إلى قلوبهم، لأنَّ المطلوب تَعقُّله وتَدَبُّره بوقوعِه في القلب. قلت: وهو
(١) يدلّ على صحة هذا الجواب حديثُ البراء السالف برقم (٤٣٤٩)، فانظره.
(٢) لفظة ((بيانه)) سقطت من (س).

٢٣٧
باب ٧/ ح ٦٩٣٣
كتاب استتابة المرتدين
مِثل قوله فيهم أيضاً: ((لا يُجاوز إيمانُهُم حَناجِرَهم))(١) أي: يَنطِقونَ بالشَّهادَتَينِ ولا يَعُونَها(٢)
بقلوبهم.
ووَقَعَ في رواية لمسلم (١٤٤/١٠٦٤ و ١٤٥): ((يقرؤون القرآن رَطْباً))، قيل: المرادُ
الحَذْق في التِّلاوة، أي: / يأتونَ به على أحسنِ أحواله، وقيل: المراد أنَّهم يُواظِيونَ على ٢٩٤/١٢
تلاوته، فلا تزال ألسِتُهم رَطْبةً به، وقيل: هو كِنايةٌ عن حُسْنِ الصَّوت به، حكاها
القُرطُبيّ، ويُرجِّح الأوَّلَ ما وَقَعَ في رواية أبي الودّك عن أبي سعيد عند مُسَّد(٣): ((يقرؤونَ
القرآن كأحسنِ ما يقرؤُه الناس))، ويُؤيِّد الآخر قولُه في رواية مسلم بن أبي بكرة عن أبيه:
((قومٌ أَشِدّاءُ أَحِدّاء، ذَلِقَةُ ألسِنتُهم بالقرآن)) أخرجه الطَّبَريُّ(٤). وأرجَحُها الثّالث.
قوله: ((يَمْرُقونَ من الدّين كما يَمْرُق السَّهْم)) يأتي تفسيره في الحديث الثّاني، وفي رواية
الأوزاعيّ: ((كَمُروقِ السَّهم)».
قوله: ((من الرَّميَّة)) في رواية مَعبَد بن سِيرِين عن أبي سعيد الآتية في آخر كتاب التَّوحيد
(٧٥٦٢): ((لا يعودونَ فيه حتَّى يعود السَّهم إلى فُوْقِه)) والرَّمَيَّة فَعِيلة من الرَّمي، والمراد:
الغَزَالة المرميَّة مثلاً.
وزاد هنا في رواية عبد الرحمن بن أبي نُعْمٍ عن أبي سعيد: «يقتلون أهلَ الإسلام،
ويَدَعُون أهلَ الأوثان)».
ووَقَعَ في حديث عبد الله بن عَمْرو من رواية مِقْسَم عنه: ((فإنَّه سيكونُ لهذا شيعةٌ
يَتَعَمَّقونَ في الدِّين، يَمُرُقونَ منه)) الحديث، أي: يَخِرُجونَ من الإسلام بَغْتَةً، كخروجِ السَّهم
إذا رَمَاه رامٍ قويُّ الساعد، فأصاب ما رَمَاه، فَنَفَذَ منه بسُرعةٍ بحيثُ لا يَعلَق بالسَّهِمِ ولا
(١) في حديث عليٍّ المتقدم برقم (٦٩٣٠).
(٢) تحرف في (س) إلى: يعرفونها.
(٣) لكن تقدم تضعيف الحافظ لهذه الرواية، وعزاها للطبري عند شرح الحديث (٦٩٣١) عند قوله: ((يخرج
في هذا الأمة ... )).
(٤) وهو أيضاً عند أحمد برقم (٢٠٣٨٢).

٢٣٨
باب ٧/ح ٦٩٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
بشيءٍ منه من المرميّ شيءٌ، فإذا التَمَسَ الرَّامي سهمَه وَجَدَه، ولم يَجِد الذي رَماه، فيَنظُر في
السَّهم لَيَعرِف هل أصاب أو أخطَأْ، فإذا لم يَرَه عَلِقَ فيه شيءٌ من الدَّم ولا غيره ظنَّ أنَّه لم
يُصِبه، والفَرْض أنَّه أصابه، وإلى ذلك أشارَ بقولِه: ((سَبَقَ الفَرْثَ والدَّمَ)) أي: جاوزَهما ولم
يَتَعلَّق فيه منهما شيءٌ بل خَرَجا بعده، وقد تقدَّم شرح القُذَذ في علامات النُّبوّة (٣٦١٠).
ووَقَعَ في رواية أبي نَضْرة عن أبي سعيد عند مسلم (١٤٩/١٠٦٥): فضَرَبَ النبيُّ ◌َل
لهم مثلاً الرجلُ يرمي الَّمَيَّة، الحديث، وفي رواية أبي المتوكّل الناجيّ عن أبي سعيد عند
الطبراني (١): ((مَثَلُهم كمَثَلِ رجلٍ رَمَى رَمَّيَّة، فَتَوَخَى السَّهمَ حيثُ وَقَعَ، فأخَذَه فَنَظَرَ إلى
فُوْقه فلم يَرَ به دَسَماً ولا دَماً، لم يَتَعلَّق به شيء من الدَّسَم والدَّم، كذلك هؤلاءِ لم يَتَعلَّقُوا
بشيءٍ من الإسلام))، وعنده في رواية عاصم بن شَمْخ، بفتح المعجَمة وسكون الميم بعدها
مُعجَمة(٢)، بعد قوله: ((من الرَّمَيَّة)): ((يذهب السَّهم، فيَنظُر في النَّصل فلا يرى شيئاً من
الفَرْث والدَّم)) الحديث، وفيه: ((يَتْرُكونَ الإسلامَ وراء ظُهورِهم)) وجَعَلَ يَدَيه من(٣) وراء
ظَهره، وفي رواية أبي إسحاق مولى بني هاشم عن أبي سعيد في آخر الحديث: ((لا يَتَعلَّقُونَ
من الدّين بشيءٍ كما لا يَتَعلَّق بذلك السَّهم)) أخرجه الطََّريّ.
وفي حديث أنس وأبي سعيد(٤) عند أحمدَ (١٣٣٣٨) وأبي داود (٤٧٦٥) والطَّبَريّ: ((لا
يَرجِعونَ إلى الإسلام حتَّى يَرتَدّ السَّهم إلى فُوْقه)). وجاء عن ابن عبّاس عند الطَّبَريّ
- وأوَّلُه في ابن ماجَهْ (١٧١) بسياقٍ أوضَحَ من هذا - ولفظه: ((سَيَخرُجُ قومٌ من الإسلام
خروجَ السَّهم من الرَّمِيَّة، عَرَضَت للرِّجال فَرَمَوها، فانمَرَقَ سهمُ أحدهم منها فخَرَجَ،
فأتاه فَنَظَرَ إليه، فإذا هو لم يَتَعلَّقْ بنَصْلِه من الدَّمِ شيءٍ، ثمَّ نظرَ إلى القَدَح(٥)، فلم يَرَه تَعلَّقَ
(١) هكذا في (س)، وهو في ((الأوسط)) له برقم (٤٣٦٩)، وفي (أ) و(ع): الطبري.
(٢) كذا قال هنا، وضبطه في ((التقريب)) شُمَيخاً على التصغير، وهو الصواب المعروف في اسمه. والحديث
أخرجه أحمد (١١٢٨٥) مختصراً.
(٣) لفظة ((من)) سقطت من (س).
(٤) وقع في الأصلين: أنس عن أبي سعيد، وهو خطأ كما بيّناه عند شرح الحديث (٦٩٣٠).
(٥) تحرَّف في (س) إلى: القذد.

٢٣٩
باب ٧/ح ٦٩٣٣
كتاب استتابة المرتدين
من الدَّم بشيءٍ، فقال: إن كنتُ أصَبتُ، فإنَّ بالرِّيشِ والفُوق شيئاً من الدَّم، فَنَظَرَ فلم يَرَ
شيئاً تَعلَّقَ بالرّيشِ والفُوْق)). قال: ((كذلك يَخِرُجونَ من الإسلام)»
وفي رواية بلال بن بُقْطُر عن أبي بَكْرةٍ(١): ((يأتيهم الشَّيطانُ من قِبَل دينهم)).
وللحُميديّ (٥٩) وابن أبي عمر (٢) في ((مُسنَدَيهما)) من طريق أبي كثير(٣) مولى الأنصار
عن عليّ: ((أنَّ ناساً يَخْرُجونَ من الدّين كما يَخْرُجِ السَّهم من الرَّمَيَّة، ثمَّ لا يعودونَ فيه
أبداً)).
قوله: ((آيتُهم)) أي: علامَتُهم، ووَقَعَ في رواية أبي مريم(٤) عن عليّ عند الطَّبَريّ(٥):
((علامتُهم)).
قوله: ((رجلٌ إحدى يديه، أو قال: ثَدْيَيه)) هكذا للأكثر بالتَّنية فيهما مع الشكّ، هل هي
تثنية يد أو تَدْي بالمثلَّثة، وفي رواية المُستَمْلي هنا بالمثلَّثة فيهما، فالشكّ عنده هل هو الثَّدي
بالإفرادِ أو بالَّنية، ووَقَعَ في رواية الأوزاعيّ (٦١٦٣): ((إحدى يَدَيه)) تثنيةُ يد، ولم يَشُكّ،
وهذا هو المعتمَد، فقد وَقَعَ في رواية شُعَيب (٣٦١٠) ويونس(٦): «إحدى عَضُدَیه)).
قوله: ((مِثْل ثَدْي المرأة، أو قال: مِثْل البَضْعة)) بفتح الموحّدة/ وسكون المعجمة، أي: القطعة ٢٩٥/١٢
من اللَّحم.
قوله: ((تَدَرْدَرُ)) بفتح أوَّله ودالَينِ مُهمَلَتَينِ مفتوحتينِ بينهما راء ساكنة وآخره راء، وهو
(١) هذه روايته عند الطبري في ((تهذيبه))، فقد ساقه السيوطي في ((الجامع الكبير)) وفيه هذا الحرف، وعزاه لابن
جرير الطبري.
(٢) كما وقع في ((المطالب العالية)) للحافظ (٤٤٣٥).
(٣) وقع في الأصلين و(س): أبي بكر، وجاء على الصواب كما أثبتناه في آخر شرح الحديث (٦٩٣٤)، وكذلك في
((المطالب العالية)) للحافظ نفسه (٤٤٣٥)، حيث نسبه للحميدي وابن أبي عمر، وذكر إسنادهما، والحديث
عند أحمد أيضاً (٦٧٢)، وأبو كثير مترجم في ((تاريخ بغداد)» ١٤/ ٣٦٢.
(٤) في (س): ابن أبي مريم، بإقحام لفظة ((ابن)) وإنما هو أبو مريم الثقفي المدائني.
(٥) وهو أيضاً عند أحمد (١٣٠٣).
(٦) عند مسلم (١٠٦٤) (١٤٨).

٢٤٠
باب ٧/ ح ٦٩٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
على حذف إحدى التاءَين، وأصله: تَتَدَرْدَر، ومعناه: تَتَحرَّكُ وتذهبُ وتجيء، وأصله حكايةٌ
صوت الماء في بطن الوادي إذا تَدافَعَ. وفي رواية عَبيدة بن عَمْرو عن عليّ عند مسلم
(١٠٦٦ /١٥٥): ((فيهم رجل مُحُدَجُ(١) اليد، أو مُودَن اليد، أو مَثْدُونُ اليد)) والمخدَج، بخاءٍ
مُعجَمة وجيم، والمودَن بوزنِهِ، والمثدونُ بفتح الميم وسكون المثلَّثة، وكلّها بمعنَّى، وهو
الناقص.
وله (١٥٦/١٠٦٦) من رواية زيد بن وَهْب عن عليّ: ((وآية(٢) ذلك أنَّ فيهم رجلاً له
عَضُدٌ، ليس له ذِراٌ، على رأس عَضُده مِثلُ حَلَمة الثَّدْي، عليه شَعَرات بِيضٌ)). وعند
الطَّبَريّ(٣) من وجه آخر: «فيهم رجلٌ مُخُدَجُ(٤) اليد كأنَّهَا تَدْي حَبَشَيَّة))، وفي رواية أفلَحَ بن
عبد الله: ((فيها شَعَراتٌ كأنَّهَا سَبَلةُ(٥) سَبُع))، وفي رواية أبي كثير(٦) مولى الأنصار: ((كثَدْي
المرأةِ لهَا حَلَمة كحَلَمة المرأة، حولها سبعُ هُلْبات))، وفي رواية عُبيد الله بن أبي رافع عن عليّ
عند مسلم (١٠٦٦ / ١٥٧): ((منهم أسودُ، إحدى يَدَيه طُبِيُ شاةٍ، أو حَلَمة ثَدْي)). فأمَّا
الطَّبيُّ: فهو بضمِّ الطاء المهمَلة وسكون الموحّدة، وهي الثَّدي، وعند الطَّبَريّ(٧) من طريق
طارق بن زياد عن عليّ: ((في يده شَعَراتٌ سودٌ)) والأوَّل أقوى.
وقد ذكر ◌َّ﴿ للخوارج علامةً أُخرى: ففي رواية مَعبَد بن سِيرِين عن أبي سعيد: قيلَ:
ما سِيماهم، قال: ((سِيماهم التَّحليقُ))، وفي رواية عاصم بن شَمْخ(٨) عن أبي سعيد: فقامَ
(١) تحرَّف في (س) إلى: مخرج، بالراء، في سائر مواضع ذكره.
(٢) تحرَّف في (س) إلى: وغاية.
(٣) وكذا عند عبد الله بن أحمد في زوائد ((المسند)) (١٣٧٨)، وعند ابن أبي عاصم في ((السنة)) (٩١٣)، وأبي
یعلی (٤٧٢)، وغيرهم.
(٤) تحرَّف في (س) إلى: مجدع.
(٥) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: سخلة، والتصويب من ((مسند أبي يعلى)) (١٠٢٢) و((مجمع الزوائد))
٢٣٤/٦، والسَّبَلة: الشعرات التي تحت اللَّحْي الأسفل، ومقدم اللحية وما أسبل منها على الصدر.
(٦) وقع في الأصلين و(س): أبي بكر، وقد بيّنَّاً قريباً أن المثبت هو الصواب.
(٧) تقدم عند شرح الحديث (٦٩٣٠) أنه أيضاً عند أحمد والنسائي.
(٨) سبق قريباً التنبيهُ على أنَّ صوابه شُميخ.