النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ باب ٢ كتاب استتابة المرتدين بالتي بعدها، وساق في رواية كَرِيمةَ والأصِيلِيّ ما حُذِفَ من الآية لأبي ذرِّ. وقد أخرج النسائي (٤٠٦٨) وصححه ابن حبان (٤٤٧٧) عن ابن عباس: كان رجلٌ من/ ٢٦٩/١٢ الأنصار أسلَمَ، ثم ارتَدَّ (١)، ثم نَدِمَ، وأرسلَ إلى قومه، فقالوا: يا رسول الله، هل له من تَويةٍ، فنزلت: ﴿كَيّفَ يَهْدِى اللَّهُ قَوْمًا﴾ إلى قوله: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ﴾ [آل عمران: ٨٩] فأسلمَ. قوله: ((وقال: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُوا فَرِبِقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ يُرُوَكُمْ بَعْدَ إِمَتِكُمْ كَفِينَ﴾)) قال ◌ِكرمةُ: نَزلَت في شأْسٍ بن قَيس اليهوديّ دَسَّ على الأنصار مَن ذَكَّرهم بالحُروب التي كانت بينهم، فتَادُوا يقتِلون، فأتاهم النبيُّ ◌َّهِ، فذكَّرَهُم، فعرفُوا أنها مِن الشيطان، فعانَقَ بعضُهم بعضاً، ثم انصرفوا سامِعينَ مُطيعِين، فنزلت. أخرجه إسحاق(٢) في ((تفسيره)) مطوّلاً. وأخرجه الطبراني (١٢٦٦٦) من حديث ابن عباس موصولاً. وفي هذه الآية إشارةٌ إلى التحذير عن مُصادَقةٍ أهل الكتاب، إذ لا يُؤْمُنون أن يَفْتِنُوا مَن صادقهم عن دينه. قوله: ((وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ﴾ إلى ﴿سَبِيلاً﴾)) كذا لأبي ذَرٍّ، وللنَّسَفِيّ: ﴿ثُمَّكَفَرُواْ ثُمَّ أَزْدَادُواْ كُفْرًا ﴾ الآية، وساقَها كلَّها في رواية كَرِيمةَ، وقد استدلَّ بها مَن قال: لا تُقبَل توبقُ الزُّنْدِیق، کما سیأتي تقریره. قوله: ((﴿ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنَكُمْ عَن دِينِ، فَسَوْفَ يَأْتِى اَللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾)) وساقَ في رواية كَرِيمةَ إلى ﴿اَلْكَفِينَ﴾، ووقع في رواية أبي ذرٍّ: ((مَنْ يَرْتَدِدْ)) بدالَينٍ، وهي قراءة ابن عامر ونافع، وللباقين من القُرّاء ورُوَاة ((الصحيح)): ﴿مَن يَرْتَذَ ﴾ بتشديد الدال، ويقال: إن الإدغام لغةٌ تميم، والإظهار لغة الحجاز، ولهذا قيل: إنه وُجِدَ في مصحف عثمان بدالَین، وقيل: بل وافَقَ كُلُّ قارىءٍ مُصحَفَ بلِدِه، فعلى هذا فهي في مُصحفَي المدينة والشام بدالَين، وفي البقية بدالٍ واحدةٍ. (١) قوله: ((ثم ارتد)) سقط من (س). (٢) هو ابن راهويه، وقد رواه من طريقه الواحديّ في ((أسباب النزول)) ص٧٦. ١٨٢ باب ٢ فتح الباري بشرح البخاري قوله: وقال: ((﴿وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ إلى ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْغَفِلُونَ﴾)) كذا لأبي ذرٍّ، وساق في رواية كريمة الآيات كلَّها، وهي حُجّة لعدم المؤاخذة بما وقع حالةَ الإكراهِ، کما سيأتي تقریره بعد هذا. قوله: (﴿ لَاجَرَمَ﴾ يقول: حقّاً ﴿أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ إلى ﴿لَغَفُورُ رَّحِيمٌ﴾)) والمراد أن معنى ﴿لَا جَرَمَ﴾: حقّاً. وهو كلام أبي عُبيدة، وحُذف من رواية النَّسَفيّ، ففيها بعد قوله: ﴿صَدْرًا﴾: الآيتين إلى قوله: ﴿لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. وفي الآية وعِيدٌ شديدٌ لمن ارتدَّ مختاراً، لقوله تعالى: ﴿وَلَكِن مَن شَرَحَ بِلْكُفْرِ صَدْرًا﴾ إلى آخره. قوله: ((وقال: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَائِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ أَسْتَطَاعُواْ﴾ إلى قوله: ﴿وَأُوْلَكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِّدُونَ﴾)) كذا لأبي ذَرٍّ، وساقَ في رواية كَرِيمةَ أيضاً الآياتِ كلَّها، والغرض منها قوله: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ، فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧] إلى آخرها، فإنه يُقيِّدُ مُطْلَقَ ما في الآية السابقة: ﴿مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ، فَسَوْفَ يَأْتِ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ﴾ إلى آخرها. قال ابن بطّال: اختلف في استتابة المرتَدّ، فقيل: يُستتابُ فإن تابَ، وإلّا قُتِلَ، وهو قول الجُمهور، وقيل: يجب قتلُه في الحالِ، جاء ذلك عن الحسن وطاووسٍ، وبه قال أهلُ الظاهر. قلت: ونقله ابن المُنذر عن معاذ وعُبيد بن عُمير، وعليه يدلُّ تصرُّف البخاريّ، فإنه استظهرَ بالآيات التي لا ذِكْرَ فيها للاستتابةِ، والتي فيها أن التوبة لا تَنفَعُ، وبِعُموم قوله: ((مَن بَدَّلَ دِينَه فاقتُلُوه))، وبقصة مُعاذٍ التي بعدها، ولم يذكُر غيرَ ذلك. قال الطَّحَاوي: ذهب هؤلاء إلى أن حُكم مَن ارتَدَّ عن الإسلام حُكمُ الحربي الذي بَلَغَتْه الدَّعوة، فإنه يُقاتَل مِن قبل أن يُدعَى، قالوا: وإنما تُشرع الاستتابةُ لمن خَرَج عن الإسلام لا عن بَصيرةٍ، فأما مَن خرج عن بَصِيرة فلا، ثم نقل عن أبي يوسف مُوافقتَهم، لكن قال: إن جاء مُبادراً بالتوبة خَلَّيتُ سبيلَه، ووَكَلتُ أمرَه إلى الله تعالى. ١٨٣ باب ٢/ح ٦٩٢٢ كتاب استتابة المرتدين وعن ابن عباس وعطاء: إن كان أصلُه مسلماً لم يُستتب، وإلّ استُتيب. واستدَلَّ ابن القصّار لقول الجمهور بالإجماع، يعني: السّكوتيَّ، لأنَّ عُمر كتب في أمر المرتدّ: هلّ حَبَستُموه ثلاثةَ أيام، وأطعمْتُموه في كل يوم رغيفاً، لعله يتوبُ فيتوبَ اللهُ عليه (١). قال: ولم يُنكِرْ ذلك أحدٌ من الصحابة، كأنهم فَهِمُوا من قوله وَّه: ((مَن بَدَّل دِينَه فاقتلُوه)) أي: إن لم يَرجِع، وقد قال تعالى: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَواْالزَّكَوَةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥]. واختلفَ القائلون/ بالاستتابة: هل يُكتفي بالمرَّة أو لا بُدَّ من ثلاث، وهل الثلاث في ٢٧٠/١٢ مجلس أو في يوم، أو في ثلاثة أيام؟ وعن عليّ: يُستتاب شهراً، وعن النخعي: يُستتاب أبداً. كذا نقل عنه مطلقاً، والتحقيق: أنه في حقّ مَن تكرَّرت منه الرِّدة، وسيأتي مزيد لذلك في الحديث الأول عند ذكر الزنادقة. ثم ذکر في الباب حدیثین: ٦٩٢٢- حدّثنا أبو النُّعْمان محمَّدُ بنُ الفَضْلِ، حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن عِكْرِمةَ، قال: أُنِيَ عليٌّ عَّه بِزَنَادِقَةٍ فأحرَقَهم، فَبَلَغَ ذلك ابنَ عبَّاسٍ، فقال: لو كنتُ أنا لم أُحْرِقْهم، لنَهْي رسولِ الله ◌َّ: ((لا تُعذّبوا بِعذابِ الله)، ولَقتلتُهم، لقولِ رسولِ الله وََّ: ((مَن بَدَّلَ دِينَه فاقتُلُوه)). الأول: قوله: ((أيوب)) هو السَّختِيانيّ، وعِكْرمة: هو مولى ابن عبّاس. قوله: ((أَتيَ عليٌّ)) هو ابن أبي طالب، تقدَّم في ((باب لا يُعذّبُ بعذابِ الله)) (٣٠١٧) من كتاب الجهاد من طريق سفيان بن عُيَينةَ عن أيوب بهذا السَّند: أنَّ عليّاً حَرَّقَ قوماً، وذكرتُ هناك أنَّ الحُميديّ (٥٣٣) رواه عن سفيان بلفظ: حَرَّقَ المرتدِّين، ومن وجه آخر عند ابن أبي شَيْبة (١٤٢/١٠): كان أُناس يَعبُدونَ الأصنام في السِّرّ، وعند الطبرانيّ في («الأوسط)) (٧١٠١) من طريق سُويد بن غَفَلة: أنَّ عليّاً بَلَغَه أنَّ قوماً ارتَدّوا عن الإسلام، فِبَعَثَ إليهم فأطعَمَهم، ثمَّ دَعاهم إلى الإسلام فأبَوا، فحَفَرَ حَفِيرةً، ثمَّ أَتَی بهم، فضَرَبَ أعناقَهم ورَماهُم فيها، ثمَّ القَى عليهم الحطبَ فأحرَقَهم، ثمَّ قال: صَدَقَ اللهُ ورسولُه. (١) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ٧٣٧/٢. ١٨٤ باب ٢/ح ٦٩٢٢ فتح الباري بشرح البخاري وزَعَمَ أبو المظَفَّر الإسفَرابِيني في ((الِلَل والنِّحَل)) أنَّ الذينَ أحرَقَهم عليّ طائفة من الرَّوافض ادَّعَوا فيه الإلهيَّة، وهم السَّبئية، وكان كبيرُهم عبدُ الله بن سَبَأْ يهوديّاً، ثمَّ أظهَرَ الإسلامَ وابتَدَعَ هذه المقالة. وهذا يُمكِن أن يكون أصلُه ما رُوِّيناه في الجزء الثّالث من ((حديث أبي طاهر المخلِّص)) (٥٤٦) من طريق عبد الله بن شَرِيك العامريّ عن أبيه قال: قيل لعليٍّ: إنَّ هنا قوماً على باب المسجد يَدَّعونَ أنَّك رَبّهم، فدعاهم، فقال لهم: وَيْلكم ما تقولون؟! قالوا: أنتَ رَبُّنا وخالقُنا ورازِقُنا. فقال: ويلَكم إنَّما أنا عبدٌ مِثْلُكُم، آكُلُ الطَّعام كما تَأْكُلُونَ وأشَرَبُ كما تشربونَ، إن أطَعتُ اللهَ أثابني إن شاءَ، وإن عَصَيته خَشيت أن يُعذِّبني، فاتَّقوا الله وارجِعوا، فأبَوا، فلمَّا كان الغَد غَدَوْا عليه، فجاء قَنْبَرٌ فقال: قد والله رجعُوا يقولون ذلك الكلام، فقال: أدخِلْهم، فقالوا كذلك، فلمَّا كان الثّالثُ قال: لَئِن قلتُم ذلك لأقتلنَّكم بأخبَثِ قِتْلةٍ، فأبَوا إلّا ذلك، فقال: يا قَنَبَرَ، ائِنِي بفَعَلةٍ معهم مُرورُهم(١)، فخَدَّ لهم أُخدوداً بين باب المسجد والقَصْر، وقال: احِفِروا فأبعِدوا في الأرض، وجاء بالحطبِ فطَرَحَه بالنار في الأُخدود، وقال: إنّ طارحُكم فيها أو تَرجِعوا، فأبَوا أن يَرجِعوا فقَذَفَ بهم فيها حتَّى إذا احتَرَقوا قال: إنّي إذا رأيتُ أمراً مُنكَرا أوقدتُ ناري ودَعَوتُ قَنبَرَا وهذا سند حسن. وأمَّا ما أخرجه ابن أبي شَيْبة(٢) من طريق قَتَادة: أنَّ عليّاً أُتيَ بناسٍ من الزُّطّ يَعْبُدُونَ وثَناً فأحرَقَهم، فسندُه مُنقَطِع، فإن ثَبَتَ حُلَ على قصَّة أُخرى، فقد أخرج ابن أبي شَيْبة أيضاً (١٠/ ١٤٢) من طريق أيوب بن النُّعمان: شَهِدتُ عليّاً في الرَّحْبة، فجاءه رجل، فقال: إنَّ هنا أهلَ بيت لهم وَثَن في دار يَعبُدُونَه، فقامَ يَمشي إلى الدّار، فأخرجوا إليه (١) المُرُور بضم الميم جمع المَرِّ بفتح الميم، وهو المِسحاةُ التي يُعمَلُ بها في الطين. (٢) لم نقف عليه في شيء من كتب ابن أبي شيبة المطبوعة، لكن أخرجه أحمد (٢٩٦٦)، والنسائي (٤٠٦٥) من طريق قتادة عن أنس بن مالك، موصولاً. ١٨٥ باب ٢/ح ٦٩٢٢ كتاب استتابة المرتدين تِثال(١) رجُلٍ، قال: فأَهَبَ عليهم عليٌّ الدّارَ. قوله: «پزنادقة» پزای ونون وقاف: جمع زِندیق، بکسر أوَّله وسكون ثانیه. قال أبو حاتم السِّجِستانيّ وغيره: الزِّنديق فارسيّ مُعرَّب، أصله (زَنْدَه كِرْدْ)) أي: يقول بدَوام الدَّهر لأنَّ((زَنْدَه)) الحياةُ، و((كِرْدْ)) العمل، ويُطلَق على مَن يكون دَقيق النَّظَر في الأُمور(٢). وقال ثَعَلَب: ليس في كلام العرب زنديق، وإنَّما قالوا: زَندَقيّ لمن يكون شديد البخل(٣)، وإذا أرادوا ما تريد العامّة قالوا: مُلحِد، ودَهريّ بفتح الدّال، أي: يقول بدوام الدَّهر، وإذا قالوها بالضَّمّ، أرادوا كِبَر السِّنّ. وقال الجَوْهريّ: الزّنديق من الثَّنَويَّة، كذا قال، وفَشَّرَه بعض الشُّرَاح: بأنَّه الذي يَدَّعي أنَّ مع الله إلهاً آخر، وتُعقِّبَ بأنَّه يَلزَم منه أن يُطلَق على كلّ مُشِرِك، والتَّحقيق ما ذكره مَن صَنَّفَ في الِلَلِ: أنَّ أصل الَّنادِقة اتِّبَاعِ دَيْصان ثمَّ مانّي ثمَّ مَزْدَك، الأوَّل بفتح الدّال وسكون المثنّاة التَّحتانيَّة بعدها صاد مُهمَلة، والثّاني بتشديد النُّون وقد تُخُفَّف والياء خفيفة، والثّالث بزايٍ ساكنة ودال / مُهمَلة مفتوحة ثمَّ كاف، وحاصل مقالتهم: أنَّ النّور والظُّلمة ٢٧١/١٢ قديمان، وأنَّهما امتَزَجا فحَدَثَ العالم كلَّه منهما، فمَن كان من أهل الشّ فهو من الظَّلمة، ومَن كان من أهل الخير فهو من النّور، وأنَّه يجب السَّعي في تخليص النّور من الظُّلمة، فيَلزَم إزهاق كلّ نفس. وإلى ذلك أشارَ المتنَبّي حيثُ قال في قَصيدَته المشهورة: وكَم لِظَلامِ اللَّيلِ عندَك مِن يَدٍ تُخُبِ أَنَّ المانَوِيَّة تَكَذِبُ وكان بَهْرامُ جَدُّ كِسرَى تَحَيَّلَ على مانّ حتَّى حَضَرَ عنده، وأظهَرَ له أنَّه قَبِلَ مقالته ثمَّ قتله وقتل أصحابه، وبَقِيَت منهم بقايا اتَّبَعوا مَزْدَك المذكور، وقامَ الإسلام والزّنديق يُطلَق (١) تصحف في (س) إلى: بمثال. (٢) في ((حاشية ابن بَرِّي)) ص٩٩، وكذا في ((كشف المشكل)) لابن الجوزي ٢/ ٤٢٧: رجل زندقي: إذا كان نظّاراً في الأمور، قلنا: فقالا: زندقي، ولم يقولا: زنديق. (٣) تحرَّف في (أ) إلى: التحيل. ١٨٦ باب ٢/ح ٦٩٢٢ فتح الباري بشرح البخاري على مَن يَعتَقِد ذلك، وأظهَرَ جماعة منهم الإسلام خَشْبةَ القتل، ومن ثَمَّ أُطلِقَ الاسم على كلّ مَن أسَرَّ الكفر وأظهَرَ الإسلام، حتَّى قال مالك: الزَّندَقة ما كان عليه المنافقونَ، وكذا أطلقَ جماعة من الفقهاء الشافعيَّة وغيرهم: أنَّ الزِّنديق هو الذي يُظهِر الإسلام ويُخْفي الكفرَ، فإن أرادوا اشتراكهم في الحُكم فهو كذلك، وإلّا فأصلُهم ما ذكرتُ. وقد قال النَّوويّ في (لُغات الرَّوضة): الزِّنديق: الذي لا يَنْتَحِل ديناً، وقال محمّد بن مَعْن في ((التَّنقيب على المهذَّب)): الزَّنادِقة من الثََّويَّة، يقولون ببقاءِ الدَّهر وبالتَّنَاسُخ، قال: ومن الزَّنادِقة الباطنيَّةُ وهم قوم زَعَموا أنَّ الله خَلَقَ شيئاً، ثمَّ خَلَقَ منه شيئاً آخر، فدَبَّرَ العالم بأسره، ويُسمّونَهما العقل والنَّفْس، وتارة العقل الأوَّل والعقل الثّاني، وهو من قول الثَّنَويَّة في النّور والظُّلمة إلّا أنَّهم غَيَّروا الاسمَين، قال: ولهم مقالات سَخيفة في النُّبّات وتحريف الآيات وفرائض العبادات. وقد قيل: إنَّ سبب تفسير الفقهاء الزِّنديقَ بما يُفسَّر به المنافقُ قولُ الشافعيّ في (المختصر)): وأيُّ كفرِ ارتَدَّ إليه ممَّا يُظهَر أو يُسَرّ من الزَّندَقة وغيرها، ثمَّ تابَ سَقَطَ عنه القتل. وهذا لا يَلزَم منه اتّحاد الزِّنديق والمنافق، بل كلّ زِنديق مُنافق من غير عكس، وقد كان مَن أُطلِقَ عليه في الكتاب والسُّنّة المنافقُ يُظهِر الإسلام ويُبطِن عبادة الوثَن أو اليهوديّة، وأمَّا الشَّنَويَّة فلا يُحفَظ أنَّ أحداً منهم أظهَرَ الإسلام في العهد النبويّ، والله أعلم. وقد اختَلَفَ النَّقَلة في الذينَ وَقَعَ لهم مع عليّ ما وَقَعَ على ما سأُبِّنه، واشتَهَرَ في صَدر الإسلام الجَعْد بن دِرْهم، فَذَبَحَه خالدٌ القَسْريّ في يوم عيد الأضحَى، ثمَّ كَثُروا في دولة المنصور وأظهَرَ له بعضهم مُعتَقَده، فأبادَهم بالقتل، ثمَّ ابنه المهديّ فأكثرَ من تَنُعهم وقتلهم، ثمَّ خَرَجَ في أيام المأمون بابَك - بموخَّدتَينِ مفتوحَتَينِ ثمَّ كاف مُفَّفة - الخُرَّمَيّ، بضمِّ المعجَمة وتشديد الرَّاء، فغَلَبَ على بلاد الجبل(١)، وقتل في المسلمين، وهَزَمَ الجيوش إلى أن ظَفِرَ به المعتَصِم فصَلَبَه، وله أتباع يقال لهم: الخُرَّمَيَّة، وقِصَصهم في التَّواريخ معروفة. (١) ويقال لها أيضاً بلاد الجبال، بالجمع، وعراق العجم، أهم مدن هذا الإقليم: أصفهان وهَمَذان وقَْوين، وهو اليوم يقع غرب إيران، انظر ((معجم البلدان)) لياقوت، رسم (الجبال). ١٨٧ باب ٢/ح ٦٩٢٢ كتاب استتابة المرتدين قوله: ((فَبَلَغَ ذلك ابن عبّاس)) لم أقِفْ على اسم مَن بَلَّغَه، وابن عبّاس كان حينئذٍ أميراً على البصرة من قِبَل عليّ. قوله: ((لَِهِي رسول الله وَّ: لا تُعَذِّبوا بعذابِ الله)) أي: لنَهيِهِ عن القتل بالنار، لقوله: ((لا تُعَذِّبوا))، وهذا يحتمل أن يكون مَّا سمعَه ابن عبّاس من النبيّ وَلّ، ويحتمل أن يكون سمعه من بعض الصحابة، وقد تقدَّم في ((باب لا يُعذّب بعذابِ الله)) من كتاب الجهاد (٣٠١٦) من حديث أبي هريرة: بَعَثَنا رسولُ اللهِ وَّه فقال: ((إن وجَدتُم فلاناً وفلاناً فأحرِقوهما)) الحديث، وفيه: ((إنَّ النار لا يُعذِّب بها إلّا الله))، وبيَّنتُ هناك اسمَهما، وما يَتَعلَّق بشرح الحديث، وعند أبي داود (٢٦٧٥) عن ابن مسعود في قصَّة أُخرى: ((إنَّه لا ينبغي أن يُعذِّب بالنار إلّا رَبُّ النار)). قوله: ((وَقَتَلْتهم لقولِ رسول الله وَّ) في رواية إسماعيل ابن عُلَيَّة عند أبي داود (٤٣٥١) في الموضعين(١): فإنَّ رسول الله ◌َّ﴾ قال. قوله: ((مَن بَدَّلَ دِينَه فاقتلوه)) زاد إسماعيل ابن عُلِيَّة في روايته: فبَلَغَ ذلك عليّاً، فقال: وَيْحَ أمِّ ابنِ عبَّاس، كذا عند أبي داود (٤٣٥١)، وعند الدّارَقُطْنِيِّ (٣١٨٢) بحذفِ ((أُمّ)) وهو مُحْتَمَل أنَّه لم يَرْضَ بما اعتَرَضَ به، ورأى أنَّ النَّهي للتَّزيه كما تقدَّم بيان الاختلاف فيه، وسيأتي في الحديث الذي/ يليه مذهب مُعاذ في ذلك، وأنَّ الإمام إذا رأى التَّغليظ بذلك ٢٧٢/١٢ فعَلَه، وهذا بناء على تفسير ((وَيْح)) بأنَّها كلمة رحمة، فتَوجَّعَ له لكَونِهِ حَمَلَ النَّهي على ظاهره، فاعتَقَدَ التَّحريم مُطلَقاً فأنكَرَ، ويحتمل أن يكون قالها رِضاً بما قال، وأنَّه حَفِظَ ما نَسِيَه بناءً على أحدٍ ما قيل في تفسير ((ويح)) أنَّها تُقال بمعنى المدح والتَّعجُّب، كما حكاه في ((النِّهاية))، وكأنَّه أخَذَه من قول الخليل: هي في موضع رأفةٍ واستملاحٍ، كقولِك للصَّبيّ: ويجه ما أحسنَه! حكاه الأزهريّ. وقوله: ((مَن)) هو عامٌ يُخَصُّ منه مَن بَدَّلَه في الباطن ولم يَثْبُت عليه ذلك في الظّاهر، فإنَّه (١) يعني عند ذكر ابن عباس الحديثين. ١٨٨ باب ٢/ح ٦٩٢٢ فتح الباري بشرح البخاري تُجرَى عليه أحكام الظاهر، ويُستئنَى منه مَن بَدَّلَ دینه في الظاهر، لكن مع الإکراہ کما سيأتي في کتاب الإكراه بعد هذا. واستُدِلَّ به على قتل المرتَدّة كالمرتَدّ، وخَصَّه الحنفيَّة بالذَّكَرِ، وتَسَّكوا بحديثِ النَّهي عن قتل النِّساء (١). وَلَ الجمهور النَّهي على الكافرة الأصليَّة إذا لم تُباشر القتالَ ولا القتلَ، لقولِه في بعض طرق حديث النَّهي عن قتل النِّساء لمَّا رأى المرأة مقتولةً: ((ما كانت هذه لتُقاتلَ))(٢) ثمَّ نَهَى عن قتل النِّساء. واحتَجّوا أيضاً بأنَّ(مَن)) الشَّرْطِيَّةَ لا تَعُمّ المؤنَّث. وتُعقّبَ بأنَّ ابن عبّاس راوي الخبر قد قال: تُقتَل المرتَدّة(٣)، وقتَل أبو بكر في خِلَافَتَه امرأة ارتَدَّت(٤) والصحابة مُتَوافرونَ فلم يُنكِر ذلك عليه أحد، وقد أخرج ذلك كلّه ابن المنذِر، وأخرج الدّارَ قُطنيُّ (٣٢٠٢) أثر أبي بكر من وجه حسن(٥)، وأخرج مِثله مرفوعاً في قتل المرتَدّة، لكنَّ سنده ضعيف (٦). (١) سلف برقم (٣٠١٤) وأخرجه مسلم (١٧٤٤). (٢) أخرجه أحمد في «مسنده)) (١٥٩٩٢)، وابن ماجه (٢٨٤٢)، والنسائي في ((الكبرى)) (ك٨٥٧٢) من حدیث رباح بن الربيع، وإسناده حسن. (٣) بل روى ابن عباس ذلك في قصة المرأة التي كانت تَشْتِم النبي ◌ِّ وتقعُ فيه، فنهاها فلم تنتهِ فقتلها، ثم أخبر النبي ◌َ ◌ّهِ بذلك، فقال وَالّ: ((ألا اشهَدُوا أَنَّ دَمَها هَدَرٌ))، أخرجه أبو داود (٤٣٦١)، والنسائي (٤٠٧٠). وإسناده قويّ. (٤) أخرجه أبو عبيد في ((الأموال)) (٤٨٤)، وابن شاهين في ((ناسخ الحديث ومنسوخه)) (٥٥٨)، والدار قطني (٣٢٠٢)، والبيهقي ٢٠٤/٨ من طريق سعيد بن عبد العزيز التنوخي مرسلاً، وأخرجه أيضاً البيهقي ٨/ ٢٠٤ من طريق خالد بن يزيد بن أبي مالك الدمشقي مرسلاً كذلك، وباجتماع هذين المرسلين يمكن أن يحسن الخبر، والله أعلم. (٥) بل هو مرسل كما ذكرناه في التعليق الذي قبله. (٦) إن كان الحافظ قصد حديث عائشة الذي عند الدار قطني (٣٢١٤)، فهو ضعيف كما قال الحافظ، وإن كان قصد حديث جابر بن عبد الله الذي عنده (٣٢١٥) و(٣٢١٦) فھو ضعیف کما قال. لكنه إن قصد حديث ابن عباس في المرأة التي كانت تشتم النبي ◌َّ، فغير مُسلَّمٍ له تضعيفه، لأنَّ إسناده قوي كما بيّنَّه قريباً. ١٨٩ باب ٢/ح ٦٩٢٢ كتاب استتابة المرتدين واحتَجّوا من حيثُ النَّظَر بأنَّ الأصليَّة تُستَرَقٌ، فتكون غَنِيمةً للمجاهدين، والمرتَدّة لا تُستَرَقّ عندهم فلا غُنْم فيها فلا يُتَرَك قتلُها. وقد وَقَعَ في حديث معاذ(١): أنَّ النبيَّ ◌َِّ لِمَّا أرسَلَه إلى اليمن قال له: ((أيما رجل ارتَدَّ عن الإسلام فادعُه، فإن عادَ وإلّا فاضرِب عُنُقُه، وأيما امرأةٍ ارتَدَّت عن الإسلام فادعُها، فإن عادت وإلّا فاضرِب عُنُقها» وسنده حسن. وهو نَصٌّ في موضع النِّزاع فيجب المصير إليه، ويُؤيِّده اشتراك الرِّجال والنِّساء في الحدود كلّها الزّنى والسَّرِقة وشُرب الخمر والقَذْف، ومن صور الزِّنى رَجمُ المحصَن حتَّى يموت، فاستُثنيَ ذلك من النَّهي عن قتل النِّساء، فكذلك يُستَنَى قتلُ المرتَدّة. وتَسَّكَ به بعضُ الشافعيَّة في قتل مَن انتَقَلَ من دين كفرٍ إلى دِين كفرٍ، سواء كان ممّن يُقَرّ أهلُه عليه بالجِزية أو لا، وأجابَ بعض الحنفيَّة بأنَّ العموم في الحديث في المبدِّل لا في التَّبديل، فأمَّا التَّبديل فهو مُطلَق لا عموم فيه، وعلى تقدير التَّسليم فهو متروك الظّاهر اتّفاقاً في الكافر لو أسلَمَ، فإنَّه يَدخُل في عموم الخبر وليس مُراداً. واحتَجّوا أيضاً بأنَّ الكفر مِلّة واحدة، فلو تَنَصَّرَ اليهوديّ لم يَخْرُج عن دين الكفر، وكذا لو تَهَوَّدَ الوثَنِيّ، فوضَحَ أنَّ المراد مَن بَدَّلَ دين الإسلام بدينٍ غيره، لأنَّ الدّين في الحقيقة هو الإسلام، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ اَلْإِسْلَمُ﴾[آل عمران: ١٩] وما عَداه فهو بزَعمِ المدَّعي. وأمَّا قوله تعالى: ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] فقد احتَجَّ به بعض الشافعيَّة فقال: يُؤْخَذ منه أنَّه لا يُقَرّ على ذلك، وأُجيبَ بأنَّه ظاهرٌ في أنَّ مَن ارتَدَّ عن الإسلام لا يُقَرّ على ذلك، سَلَّمْنا، لكن لا يَلزَم من كونه لا يُقبَل منه أن لا يُقَرّ بالجِزية، بل عَدَم القَبُول والخُسران إنَّما هو في الآخرة، سَلَّمنا أنَّ عَدَم القَبُول يُستَفاد منه عَدَم التَّقرير في الدُّنيا، لكنَّ المستَفاد أنَّه لا يُقرّ عليه، فلو رَجَعَ إلى الدّين الذي كان عليه، وكان مُقَرَّراً عليه بالجِزية، فإنَّه يُقتَل إن لم يُسلِم، مع إمكان الامتثال بأنّا لا نَقبَل منه ولا نَقتُله. (١) أخرجه الطبراني في «الكبير)) ٢٠/ (٩٣)، وفي ((مسند الشاميين)) (٣٥٨٦)، وفي إسناده محمد بن عُبيد الله العَزْزمي، وهو مجمع على ضعفه، كما قال الذهبي، فلا يتأتَى معه تحسین إسناده كما قال الحافظ رحمه الله، وأقوى منه حديث ابن عباس الذي قدَّمْنا ذكره. ١٩٠ باب ٢/ ح ٦٩٢٢ فتح الباري بشرح البخاري ويُؤيِّدُ تخصيصَه بالإسلام ما جاء في بعض طرقه: فقد أخرجه الطبرانيُّ (١١٦١٧) من وجه آخر عن عِكْرمة عن ابن عبّاس(١) رَفَعَه: «مَن خالَفَ دِينَه دينَ الإسلام فاضرِبوا عُنُقَه)). واستُدِلَّ به على قتل الزِّنديق من غير استتابة، وتُعقِّبَ بأنَّ في بعض طرقه كما تقدَّم: أنَّ عليّاً استَنَابَهم، وقد نَصَّ الشافعيّ كما تقدَّم على القَبُول مُطلَقاً، وقال: يُستَتَاب الزِّنديق كما يُستَاب المرتَدّ، وعن أحمدَ وأبي حنيفة روايتان: إحداهما: لا يُستَاب، والأُخرى: إن تَكَرَّرَ ٢٧٣/١٢ منه لم / تُقبَل تَوبَته، وهو قول اللَّيث وإسحاق، وحُكيَ عن أبي إسحاق المروزيِّ من أئمّة الشافعيَّة، ولا يَثبُت عنه، بل قيل: إنَّه تحريف من إسحاق بن راهويه، والأوَّل هو المشهور عند المالكيَّة، وحكي عن مالك: إن جاء تائباً يُقبَل منه وإلّا فلا، وبه قال أبو يوسف، واختارَه الأُستاذان: أبو إسحاق الإسفراييني وأبو منصور البغداديّ. وعن بَقيَّة الشافعيَّة أوجُه كالمذاهبِ المذكورة، وخامسٌ: يُفْصَلُ بين الدّاعية فلا يُقبَل منه، وتُقبَل تَوبة غير الدّاعية. وأفتَى ابن الصَّلاح: بأنَّ الزّنديق إذا تابَ تُقبَل تَوبَته ويُعزَّر، فإن عادَ بادَرْناه بضرْبٍ عُنُقُه ولم يُمْهَل. واسْتَدَلَّ مَن مَنَعَ بقولِه تعالى: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ﴾ [البقرة: ١٦٠]، فقال: الزِّنديق لا يُطَّلَع على إصلاحِهِ؛ لأنَّ الفساد إنَّما أتى ممَّا أسَرَّه، فإذا الطُّلِعَ عليه وأظهَرَ الإقلاع عنه لم يَزِد على ما كان عليه، ولقولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءَامَنُواْ تُمَّكَفَرُواْ ثُمَّ أَزْدَادُوا كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٣٧] الآية. وأُجيبَ بأنَّ المراد مَن ماتَ منهم على ذلك، كما فَسَّرَه ابن عبّاس فيما أخرجه ابن أبي حاتم (٤/ ١٠٩١) وغيره. واسْتُدِلَّ لمالك بأنَّ تَوبة الزِّنديق لا تُعرَف، قال: وإنَّما لم يقتلِ النبيُّ وَِّ المنافقينَ للََّلُّف، ولأنَّه لو قَتَلهم لَقَتَلهم بعِلمِه، فلا يُؤمَن أن يقول قائل: إنَّما قتلهم لمعنّى آخر، ومن حُجّة مَنْ اسْتَابَهم قوله تعالى: ﴿ أَتَّخَذُواْ أَيْمَنَهُمْ جُنَّةً﴾ [المجادلة: ١٦]، فدَلَّ على أنَّ إظهارَ الأيمان (١) لكن في إسناده إبراهيم بن الحكم بن أبان، وهو ضعيف. وقد ورد تخصيصه بالإسلام في حديث عثمان بن عفان عند أحمد (٤٣٧)، وأبي داود (٤٥٠٢)، والنسائي (٤٠١٩)، وذلك في قوله: سمعت رسول الله لا يقول: ((لا يحل دم امرئ مسلم إلّا بإحدى ثلاث: رجلٌ كَفَر بعد إسلامه ... )) الحديث. وإسناده صحيح. ١٩١ باب ٢/ ح ٦٩٢٣ كتاب استتابة المرتدين يُحصِّن من القتل، وكلّهم أجمعوا على أنَّ أحكام الدُّنيا على الظّاهر والله يَتَوَّ السَّرائر، وقد قال ◌ٍَّ لأَسامة: ((هَلّ شَقَقْتَ عن قلبه؟))(١). وقال للَّذي سارَّه في قتل رجل: ((أليس يُصَلّي؟)) قال: نعم. قال: ((أولئكَ الذينَ نُهيت عن قتلهم))(٢)، وسيأتي قريباً (٦٩٣٣) أنَّ في بعض طرق حديث أبي سعيد: أنَّ خالد بن الوليد لمَّا استأذَنَ في قتل الذي أنكَرَ القِسْمة، وقال: كم من مُصَلُّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال ◌ََّ: ((إنّ لم أُومَرْ أن أنقُبَ عن قلوب الناس)) أخرجه مسلم (١٠٦٤ / ١٤٤)، والأحاديث في ذلك كثيرة. ٦٩٢٣- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حذَّثنا يحيى، عن قُرّةَ بنِ خالدٍ، حدَّثني مُميدُ بنُ هِلالٍ، حدَّثنا أبو بُرْدةَ، عن أبي موسى، قال: أقبَلْتُ إلى النبيِّ وَّهِ ومعي رجلان منَ الأشعَرِيِّينَ، أحدُهما عن يَمِيني، والآخَرُ عن يَساري، ورسُولُ الله ◌َِّ يَسْتَاكُ، فكلاهما سألَ، فقال: ((يا أبا موسى - أو: يا عبد الله بنَ قيسٍ -)) قال: قلتُ: والذي بَعَثَكَ بالحقِّ ما أطلَعاني على ما في أنفُسِهما، وما شَعَرْتُ أنَّما يَطلُبان العملَ، فكأنِّي أَنظُرُ إلى سِواكِهِ تحتَ شَفَتِهِ قَلَصَتْ، فقال: ((لن - أو لا - نَسْتَعمِلُ على عمَلِنا مَن أرادَه، ولكنِ اذهب أنتَ يا أبا موسى - أو يا عبد الله بنَ قيسٍ - إلى اليَمَنِ))، ثمَّ أَنْبَعَهُ معاذَ بنَ جبلٍ، فلمَّا قَدِمَ عليه، ألقَى له وسادةً، قال: انزِلْ، فإذا رجلٌ عندَه مُوثَقٌ، قال: ما هذا؟ قال: كان يهوديّاً فأسلَمَ ثمَّ تَهوَّدَ، قال: اجلِسْ، قال: لا أجلِسُ حتَّى يُقْتَلَ، قضاءُ الله ورسولِه - ثلاثَ مرَّاتٍ - فأمَرَ به فَقُتِلَ، ثمَّ تَذَاكَرَا قِيامَ اللَّيلِ، فقال أحدُهما: أمّا أنا فأقُومُ وأنامُ، وأرجو في نومَتي ما أرجو في قَومَتِي. الحديث الثاني: حديث أبي موسى الأشعريّ، وهو مُشتَمِل على أربعة أحكام: الأوَّل: السِّواك، وقد تقدَّم في الطَّهارة (٢٤٤) أتمَّ مَمَّا هنا. الثّاني: ذَمّ طلب الإمارة ومَنع مَن حَرَصَ عليها، وسيأتي بَسطُه في كتاب الأحكام (٧١٤٩). الثّالث: بَعْث أبي موسى على اليمن وإرسال مُعاذ أيضاً، وقد تقدَّم بيانه في كتاب المغازي (٤٣٤١ و٤٣٤٢) بعد غزوة (١) تقدم حديثه برقم (٤٢٦٩)، وأخرجه مسلم أيضاً، واللفظ المذكور في رواية مسلم. (٢) أخرجه عبد الرزاق (١٨٦٨٨) وأحمد في ((مسنده)) (٢٣٦٧٠)، من حديث عبد الله بن عدي الأنصاري، وإسناده صحيح، وانظر حديث أوس بن أبي أوس الثقفي في («المسند» (١٦١٦٣). ١٩٢ باب ٢/ ح ٦٩٢٣ فتح الباري بشرح البخاري الطائف بثلاثة أبواب. الرَّابع: قصَّة اليهوديّ الذي أسلَمَ ثمَّ ارتَدَّ، وهو المقصود هنا. قوله: ((يحبى)) هو ابن سعيد القَطّان، والسَّند كلّه بصريّونَ. قوله: ((عن أبي موسى)) في رواية أحمدَ (١٩٦٦٦) عن يحيى القَطّان بهذا السَّند: قال: قال أبو موسى الأشعريّ. قوله: ((ومعي رجلان من الأشعَرِيِّينَ)) هما من قومه، ولم أقف على اسمهما، وقد وَقَعَ في (الأوسط)) للطََّرانيِّ (٦٩٩) من طريق عبد الملك بن عُمَير عن أبي بُرْدة في هذا الحديث: أنَّ أحدهما ابن عمّ أبي موسى، وعند مسلم (١٤/١٨٢٣) من طريق بُرَيد(١) بن عبد الله بن أبي بُرْدة عن أبي بُرْدة: رجلان من بني عَمّي. قوله: ((فكلاهما سألَ)) كذا فيه بحذفِ المسؤول، وبيَّنْه أحمدُ في روايته المذكورة فقال فيها: ((سألَ العملَ))، وسيأتي بيان ذلك في الأحكام (٧١٤٩) من طريق بُرَيد بن عبد الله، ولفظه: فقال أحدهما: أمِّرْنا يا رسول الله، فقال الآخر مِثلَه، ولمسلم (١٤/١٨٢٣) من هذا الوجه: أمّرنا على بعض ما ولّاك الله، ولأحمدَ (١٩٥٠٨) والنَّسائيِّ (ك٥٨٩٩) من وجه آخر عن أبي بُرْدة: فَتَشَهَّدَ أحدهما فقال: حِئناك لتستعينَ بنا على عملك، فقال الآخر مِثله(٢). وعندهما من طريق سعيد بن أبي بُرْدة عن أبيه: أتاني ناسٌ من الأشعَريّينَ فقالوا: انطَلِقِ مَعَنا إلى رسول الله وََّ، فإنَّ لنا حاجةً، فقُمت معهم، فقالوا: استَعِن بنا في عملك؟(٣) ويُجمَع بأنَّه كان معهما مَن يَتْبَعهما، أو أطلقَ صيغة الجمع على الاثنين. قوله: ((فقال: يا أبا موسى - أو يا عبدَ الله بن قيس -)) شَكٌّ من الراوي بأيّهما خاطَبَه، ولم يَذْكُر القول في هذه الرِّواية، وقد ذكره أبو داود (٤٣٥٤) عن أحمدَ بن حَنبَل ومُسدَّد كلاهما عن يحيى القَطّان بسندِه فيه: فقال: ما تقول يا أبا موسى؟ ومثله لمسلم (١٥/١٨٢٣) عن محمّد بن حاتم عن يحيى. (١) تصحف في (س) إلى: یزید. (٢) هذا لفظ النسائي، وأما لفظ أحمد فبنحوه، وهو عند أبي داود (٢٩٣٠) كلفظ النسائي. (٣) عند أحمد (١٩٧٤١)، والنسائي (٥٣٨٢). ١٩٣ باب ٢/ح ٦٩٢٣ كتاب استتابة المرتدين قوله: ((قلت: والذي بَعَثَك بالحقِّ / ما أطلَعاني على ما في أنفُسِهما)» يُفسَّر به رواية أبي العُمَيس(١): ٢٧٤/١٢ فاعتَذَرتُ إلى رسول الله وََّ ممَّا قالوا، وقلتُ: لم أدْرِ ما حاجتُهم، فصَدَّقَنِي وعَذَرَني، وفي لفظ(٢): فقال: لم أعلم لماذا جاءا. قوله: ((لن - أو لا )) شَكّ من الراوي، وفي رواية بُرَيد عند مسلم (١٤/١٨٢٣): إنّا والله. قوله: ((لا نَسْتَعمِل على عملنا مَن أرادَه)» في رواية أبي العُمَيس: ((مَن سألَنا)) بفتح اللّام، وفي رواية بُريد: ((أحداً سألَه، ولا أحداً حَرَصَ عليه))، وفي أُخرى: فقال: ((إنَّ أخوَنَكم عندنا مَن يَطلُبه)) فلم يَستَعِن بهما في شيء حتَّى ماتَ، أخرجه أحمدُ (١٩٦٨٧) من رواية إسماعيل بن أبي خالد عن أخيه عن أبي بُرْدة، وأدخَلَ أبو داود (٢٩٣٠) بينه وبين أبي بُرْدة رجلاً(٣). قوله: ((ثُمَّ أَتْبَعَه)) بِهِمزةٍ ثمَّ مُثنّاة ساكنة. قوله: (مُعاذَ بنَ جبل)) بالنَّصب، أي: بَعَثَه بعده. وظاهره أنَّه أَحَقَه به بعد أن تَوجَّهَ، ووَقَعَ في بعض النُّسَخ: واتَّبَعَه، بهمزة وصل وتشديد، ومُعاذ بالرَّفع، لكن تقدَّم في المغازي (٤٣٤١ و٤٣٤٢) بلفظ: بَعَثَ النبيّ ◌َ﴿ أبا موسى ومعاذاً إلى اليمن فقال: ((يَسِّرا ولا تُعَسِّرا)) الحديث، ويُحمَل على أنَّه أضافَ معاذاً إلى أبي موسى بعد سَبْق ولايته، لكن قبل تَوجُّهه فوصَّاهما عند التَّوجُّه بذلك، ويُمكِّن أن يكون المراد أنَّه وصَّى كلَّ منهما واحداً بعد آخر. قوله: ((فلمَّا قَدِمَ عليه)) تقدَّم في المغازي (٤٣٤١ و٤٣٤٢) أنَّ كلَّ منهما كان على عمل مُستَقِّ، وأنَّ كلَّا منهما كان إذا سارَ في أرضه فقَرُبَ من صاحبه أحدَثَ به عهداً، وفي أُخرى هناك (٤٣٤٤ و٤٣٤٥): فجَعَلا يَتَزاوران فزارَ مُعاذ أبا موسى، وفي أُخرى (٤٣٤٤ و٤٣٤٥): فضَرَبَ فُسطاطاً، ومعنى ألْقَى له وِسادةً: فَرَشَها له ليَجلِس عليها، وقد ذكر (١) يعني عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه، وهي التي خرَّجها الحافظ قريباً من أحمد والنسائي. (٢) هذا لفظ رواية أبي داود (٢٩٣٠). (٣) وهذا اللفظ الذي ساقه لأبي داود. ١٩٤ باب ٢/ ح ٦٩٢٣ فتح الباري بشرح البخاري الباجيّ والأَصِيلِيّ(١) فيما نَقَلَه عِيَاض عنهما أنَّ المراد بقولِ ابن عبّاس: فاضطَجَعت في عَرْض الوِسادةِ(٢): الفِراش. ورَدَّه النَّوويّ فقال: هذا ضعيفٌ أو باطل، وإنَّما المراد بالوسادة: ما يُجْعَل تحت رأس النائم، وهو كما قال، قال: وكانت عادتهم أنَّ مَن أرادوا إكرامَه وضَعوا الوسادة تحته مُبالَغةً في إكرامه. وقد وَقَعَ في حديث عبد الله بن عَمْرو: أنَّ النبيَّ نَِّ دَخَلَ عليه، فَأَلْقَى له وِسادةً، كما تقدَّم في الصيام (١٩٨٠)، وفي حديث ابن عمر: أنَّ دَخَلَ على عبد الله بن مُطيع فَطَرَحَ له وسادةً، فقال له: ((ما جِئتُ لأجلِس)) أخرجه مسلم (٥٨/١٨٥١)، ولم أرَ في شيءٍ من كُتُبِ اللُّغة أنَّ الِفِراش يُسمَّى وِسادةً. قوله: ((قال: انزِل)) أي: فاجلس على الوِسادة. قوله: ((فإذا رجلٌ ... )) إلى آخره، هي جملة حاليَّة بين الأمر والجواب. ولم أقِف على اسم الرجل المذكور. وقوله: ((كان يهوديّاً فأسلَمَ ثمَّ تَهَوَّدَ)) في رواية مسلم (١٥/١٨٢٣) وأبي داود (٤٣٥٤): ثمَّ راجَعَ دينَه دينَ السّوء. ولأحمدَ (٢٢٠١٥) من طريق أيوب عن حُميد بن هلال عن أبي بُرْدة، قال: قَدِمَ معاذ بن جبل على أبي موسى، فإذا رجلٌ عنده، فقال: ما هذا؟ - فذكر مثله وزاد -: ونحنُ نريده على الإسلام مُنذُ - أحسَبه - شهرَينِ. وأخرج الطبرانيُّ (٦٦/٢٠) من وجه آخر عن معاذ وأبي موسى: أنَّ النبيَّ ◌َّهِ أَمَرَهما أن يُعلِّما الناس، فزارَ معاذٌ أبا موسى فإذا عنده رجل مُوثَقٌ بالحديدِ، فقال: يا أخي أوَبُعِثتَ تُعَذِّبُ الناس؟ إِنَّمَا بُعِثنا نُعَلِّمهم دينَهم ونأمُرهم بما يَنفَعُهم، فقال: إنَّه أسلَمَ ثمَّ كفرَ، فقال: والذي بَعَثَ محمَّداً بالحقِّ لا أبرَحُ حتَّى أُحرِقَه بالنار. قوله: ((لا أجلِس حتَّى يُقتَل، قضاءُ الله ورسوله)) بالرَّفع خبر مُبْتَدَأ محذوف، ويجوز النَّصب. (١) وكذلك قال ابن عبد البر في ((التمهيد)) ١٣ /٢٠٧: والوسادة هنا الفِراش وشبهه. (٢) قال ذلك في حديثه الذي ذكر فيه مَبيتَه ليلةً عند خالته ميمونة، وقد تقدم برقم (١٨٣). ١٩٥ باب ٢/ح ٦٩٢٣ كتاب استتابة المرتدين قوله: ((ثلاث مرَّات)) أي: كَرَّرَ هذا الكلام ثلاث مرَّات، وبيَّن أبو داود (٤٣٥٤) في روايته أنَّهما كَرَّرا القول، أبو موسى يقول: اجلس، ومعاذٌ يقول: لا أجلِس، فعلى هذا فقوله: ثلاث مرَّات من كلام الراوي، لا تَتِمّة كلام معاذ، ووَقَعَ في رواية أيوب بعد قوله: قضاء الله ورسوله: أنَّ مَن رَجَعَ عن دينه - أو قال: بَدَّلَ دينه - فاقتلوه. قوله: ((فأمَرَ به فقُتِلَ)) في رواية أيوب: فقال: والله لا أقعُد حتَّى تَضِرِبوا عُنُقَه، فَضُربَ عُنُقُه. وفي رواية الطبرانيّ التي أشرت إليها: فأُتيَ بحَطَبٍ فَأَهَبَ فيه النار، فَكَتَّفَه وطَرَحَه فيها. ويُمكِن الجمع بأنَّه ضَرَبَ عُنُقُه ثمّ ألقاه في النار. ويُؤخَذ منه أنَّ معاذاً وأبا موسى كانا يَرَيان جواز التَّعذيب بالنار،/ وإحراق الميّت بالنار ٢٧٥/١٢ مُبالَغةً في إهانته وتَرهيباً عن الاقتداء به. وأخرج أبو داود (٤٣٥٥) من طريق طلحة بن يحيى وبُريد بن عبد الله كلاهما عن أبي بُرْدة عن أبي موسى قال: قَدِمَ عليَّ معاذ، فذكر قصَّة اليهوديّ وفيه: فقال: لا أَنزِل عن دابَّتي حتَّى يُقتل، فقُتِلَ، قال أحدهما: وكان قد استُثیبَ قبل ذلك. وله (٤٣٥٦) من طريق أبي إسحاق الشَّيبانيِّ عن أبي بُرْدة: أُتيَ أبو موسى برجلٍ قد ارتَدَّ عن الإسلام، فدعاه عشرينَ(١) ليلةً أو قريباً منها، وجاء معاذٌّ فدعاه فأبى فضَرَبَ عُنْقَه. قال أبو داود: رواه عبد الملك بن عُمَير عن أبي بُرْدة، فلم يَذكُر الاستتابة، وكذا ابن فُضَيلِ عن الشَّيبانيّ. وقال(٢) المسعوديّ عن القاسم - يعني: ابن عبد الرَّحمن - في هذه القصَّة: فلم يَنزِلْ حتَّى ضُربَ عُنُقُه وما استَتَابَه. وهذا يعارضه الرِّواية المثبتة، لأنَّ معاذاً استَتَابَه، وهي أقوى من هذه، والرِّوايات الساكِنة عنها لا تُعارضها. وعلى تقدير ترجيح رواية المسعوديّ، فلا حُجّة فيه لمن قال: يُقتَل المرتَدّ بلا استتابة، (١) في (س): فدعاهُ فأبى عشرين ... ، بزيادة لفظة ((فأبى))، وليست في الأصلين، بل ولا في الرواية، فهي مقحمة. (٢) كذا قال الحافظ، وكلامه هذا يُوهم أنَّ أبا داود أشار إلى رواية المسعودي إشارة فقط بإثر رواية الشيباني لبيان الخلاف، وليس الأمر كذلك، فقد رواه أبو داود بسنده (٤٣٥٧). ١٩٦ باب ٣/ح ٦٩٢٤ فتح الباري بشرح البخاري لأنَّ معاذاً يكون اكتَفَى بما تقدَّم من استتابة أبي موسى، وقد ذكرتُ قريباً أنَّ معاذاً روی الأمر باستتابة المرتَدّ والمرتَدّة. قوله: ((ثُمَّ تَذاكَرا قيامَ اللَّيل)» في رواية سعيد بن أبي بُرْدة: فقال: كيف تقرأ القرآن؟(١)، أي: في صلاة اللَّيل. قوله: ((فقال أحدهما) هو معاذ، ووَقَعَ في رواية سعيد بن أبي بُرْدة: فقال أبو موسى: أقرؤُه قائماً وقاعداً، وعلى راحلتي، وأتفَوَّقه تَفَوُّقاً(٣)، بفاءٍ وقاف بينهما واو ثقيلة، أي: أُلازِم قراءته في جميع الأحوال، وفي أُخرى(٣): فقال أبو موسى: كيف تقرأ أنتَ يا معاذ؟ قال: أنام أوَّلَ اللَّيل فأقوم وقد قَضَيت حاجتي، فأقرأ ما کَتَبَ الله لي. قوله: ((وأرجو في نومَتي ما أرجو في قَوْمَتي)) في رواية سعيد: وأحتَسِب، في الموضعين كما تقدَّم بيانه في المغازي (٤٣٤٤ و٤٣٤٥)، وحاصله أنَّه يرجو الأجر في تَرويح نفسه بالنَّومِ ليكونَ أنشَطَ له عند القيام. وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدَّمَ: تَوْلية أميرَينٍ على البلد الواحد، أو قسمة البلد بين أميرَين. وفيه كراهة سؤال الإمارة والحرص عليها، ومَنْع الحَريص منها كما سيأتي بَسطُه في كتاب الأحكام. وفيه تَزاوُر الإخوان والأمراء والعلماء، وإكرام الضَّيف. والمبادرة إلى إنكار المنكر. وإقامة الحدّ على مَن وَجَبَ عليه. وأنَّ المباحات يُؤجَر عليها بالنّيَّة إذا صارت وسائلَ للمقاصدِ الواجبة أو المندوبة، أو تَكميلاً لشيءٍ منهما. ٣- باب قتل من أبى قَبول الفرائض، وما نُسِبوا إلى الرّدّة ٦٩٢٤ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهابِ، أخبرني عُبيدُ الله ابنُ عبدِ الله بنِ عُنْبةَ، أنَّ أبا هريرةَ قال: لمَّا تُوفِّيَ نَبِيُّ الله ◌َّهِ واستُخلِفَ أبو بكرٍ، وكفرَ مَن (١) تقدمت (٤٣٤٤ و ٤٣٤٥). (٢) لفظة ((تفوُّقاً)) سقطت من (س)، وتحرفت في (أ) إلى: تفويقاً، وجاءت في (ع) على الصواب. (٣) هذه رواية عبد الملك بن عمير عن أبي بردة، وقد تقدمت برقم (٤٣٤١، ٤٣٤٢) لكنه قال فيها: جُزئي، بدل: حاجتي. ١٩٧ باب ٣/ح ٦٩٢٤ -٦٩٢٥ كتاب استتابة المرتدين كفرَ منَ العربِ، قال عمرُ: يا أبا بَكْرٍ كيفَ تُقاتلُ الناسَ، وقد قال النبيُّ ◌َّهِ: «أُمِرْتُ أن أُقاتلَ الناسَ حتَّى يقولوا: لا إله إلا الله، فمَن قال: لا إلهَ إلّا الله، فقد عَصَمَ منّي مالَه ونفسَه إلّا بحَقِّه، وحسابه على الله))؟ ٦٩٢٥ - قال أبو بكر: والله لأَقاتِلَنَّ مَن فَرَّقَ بينَ الصلاةِ والزكاةِ، فإنَّ الزكاةَ حَقُّ المال، والله لو مَنَعوني عَناقاً كانوا يُؤَدُّونَها إلى رسولِ الله وَلَ لَقَاتَلْتُهم على مَنْعِها، قال عمرُ: فوالله ما هو إلّا أنْ رأيتُ أنْ قد شَرَحَ الله صَدْرَ أبي بكرٍ للقتال، فعَرَفتُ أَنَّه الحقّ. قوله: ((باب قَتْل مَن أَبَى قَبُول الفرائض)) أي: جواز قتلِ مَن امتَنَعَ من التزام الأحكام الواجبة والعمل بها،/ قال المهلَّب: من امتَنَعَ من قَبُول الفرائض نُظِرَ: فإن أقَرَّ بوجوبِ الزكاة ٢٧٦/١٢ مثلاً أُخِذَت منه قَهراً ولا يُقتَل، فإن أضافَ إلى امتناعه نصْبَ القتال قُوتِلَ إلى أن يَرجِع، قال مالك في ((الموطَّأ): الأمر عندنا فيمَن مَنَعَ فريضةً من فرائض الله تعالى فلم يَستَطِعِ المسلمون أخذها منه، كان حقّاً عليهم جهاده، قال ابن بَطّال: مُراده إذا أقَرَّ بوجوبها لا خِلاف في ذلك. قوله: ((وما نُسِبوا إلى الرِّدّة)) أي: أُطلِقَ عليهم اسمُ المرتدِّين، قال الكِرْمانيُّ: ((ما)) في قوله: ((وما نُسِبوا)) نافيةٌ، كذا قال، والذي يظهر لي أنَّها مصدَريَّة، أي: ونِسبتهم إلى الرِّدّة، وأشارَ بذلك إلى ما وَرَدَ في بعض طرق الحديث الذي أورَدَه كما سأُبيِّنْه. قال القاضي عِيَاض وغيره: كان أهلُ الرِّدّة ثلاثة أصناف: صِنف عادُوا إلى عبادة الأوثان. وصِنف تَبِعوا مُسَيلِمة والأسود العَنْسَيَّ، وكان كلّ منهما اذَّعَى النُّبوّةَ قبل موت النبيّ وَّهِ، فصَدَّقَ مُسَيلِمةَ أهلُ اليَمامة وجماعةٌ غيرهم، وصَدَّقَ الأسودَ أهلُ صنعاء وجماعة غيرهم، فقُتِلَ الأسود قبل موت النبيّ وَّه بقليلِ ويَقِيَ بعضُ مَن آمَنَ به، فقاتَلهم عمال النبيّ ◌َل﴾ في خلافة أبي بكر. وأمَّا مُسَيلِمة فجَهَّزَ إليه أبو بكر الجيشَ وعليهم خالد بن الوليد فقَتَلوه. وصِنْف ثالث استَمرّوا على الإسلام، لكنَّهم جَحَدوا الزكاة وتأوَّلوا بأنَّها خاصّةٌ بزَمَنِ النبيّ وَّ، وهم الذينَ ناظَرَ عمرُ أبا بكر في قتالهم كما وَقَعَ في حديث الباب. ١٩٨ باب ٣/ح ٦٩٢٤-٦٩٢٥ فتح الباري بشرح البخاري وقال أبو محمَّد بن حَزْم في ((الِلَل والنِّحَل)): انقَسَمَت العربُ بعد موت النبيّ وَّ على أربعة أقسام: طائفة بَقِيَت على ما كانت عليه في حياته وهم الجمهور، وطائفة بَقِيَت على الإسلام أيضاً إلّا أنَهم قالوا: نُقيم الشَّرائعَ إلّا الزكاة وهم كثير، لكنَّهم قليل بالنّسبة إلى الطائفة الأولى، وطائفةٌ ثالثةٌ أعلَنَت بالكفرِ والرِّدّة كأصحابٍ طُلَیحة وسَجَاحِ، وهم قليل بالنّسبة لمن قبلهم، إلّا أنَّه كان في كلّ قبيلة مَن يُقاوِمِ مَن ارتَدَّ، وطائفة تَوقَّفَت فلم تُطِع أحداً من الطَّوائف الثلاثة، وتَرَبَّصوا لمن تكون الغَلَبة، فأخرج أبو بكر إليهم البُعوث، وكان فَيْروزُ ومَن معه غَلَبوا على بلاد الأسود وقَتَلوه، وقُتِلَ مُسَيلمةُ باليمامة وعادَ طُلَيحة إلى الإسلام وكذا سَجاحٍ، وَرَجَعَ غالبُ مَن كان ارتَدَّ إلى الإسلام، فلم يَحُلِ الحَولُ إلّا والجميع قد راجَعوا دينَ الإسلام، ولله الحمد. قوله: ((أنَّ أبا هريرة قال)) في رواية مسلم (٢٠): عن أبي هريرة، وهكذا رواه الأكثرُ عن الزُّهْريّ بهذا السَّند على أنَّه من رواية أبي هريرة عن عمر وعن أبي بكر، وقال يونس بن يزيد: عن الزُّهْريّ عن سعيد بن المسيّب: أنَّ أبا هريرة أخبَرَه: أنَّ رسول الله وَّلِ قال: ((أُمِرت أن أُقاتل الناس)) الحديث، فساقَه على أنَّه من مُسنَد أبي هريرة، ولم يَذكُر أبا بكر ولا عمر، أخرجه مسلم (٣٣/٢١)، وهو محمولٌ على أنَّ أبا هريرة سمعَ أصل الحديث من النبيّ وَّهِ، وحَضَرَ مُناظَرة أبي بكر وعمر فقَصَّها كما هي. ويُؤيِّده أنَّه جاء عن أبي هريرة عن النبيّ ◌َّ بلا واسطة من طرق، فأخرجه مسلم (٣٤/٢١) من طريق العلاء بن عبد الرَّحمن بن يعقوب عن أبيه، ومن طريق أبي صالح ذَكْوانَ (٣٥/٢١) كلاهما عن أبي هريرة، وأخرجه ابن خُزَيمةَ (٢٢٤٨) من طريق أبي العَنْبَس سعيد بن كثير بن عُبيد عن أبيه، وأخرجه أحمدُ (٨١٦٣) من طريق همَّام بن مُنَبِّه، ورواه مالك خارج ((الموطّأ)(١) عن أبي الزناد عن الأعرج، وذكره ابن مَندَهْ في كتاب ((الإيمان)) (١) كذا جزم الحافظ هنا بأنَّ مالكاً رواه خارج ((الموطأ))، مع أنه ذكر في إتحاف المهرة)) (١٩١٨٩) أنه في ((الموطأ)) بروايتَي ابن وهب وابن القاسم، قلنا: وقد أخرجه من طريق ابن وهب: الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٢١٣/٣ والجوهري في ((مسند الموطأ)) (٥٤٩)، وابن مَنْدَه في (الإيمان)) (١٦٢)، وأبو الحَسَن الخِلَعي في = ١٩٩ باب ٣/ح ٦٩٢٤ -٦٩٢٥ كتاب استتابة المرتدين (٢٦) من رواية عبد الرَّحمن بن أبي عَمْرةٍ(١) كلّهم عن أبي هريرة. ورواه عن النبيّ ◌َّ أيضاً ابنُ عمر كما تقدَّم في أوائل الكتاب في كتاب الإيمان (٢٥)، وجابر (٣٥/٢١) وطارق الأشجَعيّ (٣٧/٢٣) عند مسلم، وأخرجه أبو داود (٢٦٤١) والتِّرمِذيّ (٢٦٠٨) من حديث أنس، وأصله عند البخاريّ كما تقدَّم في أوائل الصلاة (٣٩٢)، وأخرجه الطبرانيُّ من وجه آخر عن أنس، وهو عند ابن خُزَيمةَ (٢٢٤٧) من وجه آخر عنه، لكن قال: عن أنس عن أبي بكر، وأخرجه البزَّار (٣٢٢٧) (٢) من حديث النُّعمان ابن بشير، وأخرجه الطبرانيُّ من حديث سهل بن سعد (٥٧٤٦)، وابن عبَّاس (١١٤٨٧)، وجَرِيرِ البَجَلِيِّ (٢٢٧٦ و٢٣٩٢)، وفي ((الأوسط)) (٦٤٦٥) من حديث سَمُرة، وسأذكر ما في روایاتهم من فائدة زائدة إن شاء الله تعالى. قوله: ((وكفرَ مَن / كفرَ من العرب)» في حديث أنس عند ابن خُزيمةَ: لمَّا تُؤُفِّيّ رسول الله وَلّر ٢٧٧/١٢ ارتَدَّ عامّة العرب. قوله: ((يا أبا بَكْر، كيف تُقاتل الناس؟» في حديث أنس: أتريدُ أن تُقاتِلَ العرب؟ قوله: ((أُمِرْت أن أُقاتِلَ الناس حتَّى يقولوا: لا إله إلّا الله)) كذا ساقَه الأكثر، وفي رواية طارق عند مسلم (٣٨/٢٣): ((مَن وحَّدَ اللهَ وكفرَ بما يُعبَد من دونه حَرُمَ دمُه ومالُه))، وأخرجه الطبرانيُّ (٨١٩١) من حديثه كرواية الجمهور، وفي حديث ابن عمر: ((حتَّى يَشْهَدوا أن لا إله إلّا الله وأنَّ محمَّداً رسول الله، ويُقيموا الصلاة، ويُؤتوا الزكاة))، ونحوه في حديث أبي العَنْبَس، وفي حديث أنس عند أبي داود: ((حتَّى يَشْهَدوا أن لا إله إلّا الله وأنَّ محمَّداً عبده ورسوله، وأن يَستَقبِلوا قِبِلَتنا، ويأكلوا ذَبِيحَتنا، ويُصَلّوا صَلاتَنا))(٣)، وفي رواية = «فوائده)) (٨٦٤)، وابن الأصبهاني في ((الحُجّة في بيان المَحَجَّة)) (١٠). وذكر ابن البخاريّ في ((مشیخته)) ٣/ ١٥٧٤ أنَّ النسائي رواه في ((جمعه حديث مالك)). (١) وقد أسنده من طريقه البزار في ((مسنده)) (٨١٠٤م). (٢) فات الحافظ رحمه الله أنَّ حديث النعمان عند النسائي (٣٩٧٩). (٣) وهو أيضاً عند البخاري فيما تقدم برقم (٣٩٢) لكن دون قوله: ((وأنَّ محمداً عبده ورسوله)). ٢٠٠ باب ٣/ح ٦٩٢٤-٦٩٢٥ فتح الباري بشرح البخاري العلاء بن عبد الرَّحمن: ((حتَّى يَشهَدوا أن لا إله إلّا الله وأنَّ محمَّداً عبده ورسوله، ويُؤمِنوا بي وبما چِئتُ به)) . قال الخطَّابِيّ: زَعَمَ الرَّوافض أنَّ حديث الباب مُتَناقض، لأنَّ في أوَّله أنَّهم كفروا، وفي آخره أنَّهم ثَبَتوا على الإسلام إلّا أنَّهم مَنَعوا الزكاة، فإن كانوا مسلمينَ فكيف استَحلَّ قتالَم وسَبْيَ ذَرَارِيِّهم، وإن كانوا كفَّاراً فكيف احتَجَّ على عمر بالتَّفْرِقة بين الصلاة والزكاة، فإنَّ في جوابه إشارةً إلى أنَّهم كانوا مُقِرّينَ بالصلاة. قال: والجواب عن ذلك أنَّ الذينَ نُسِبوا إلى الرِّدّة كانوا صِنفَين: صِنفٌ رجعوا إلى عبادة الأوثان، وصِنفٌ مَنَعوا الزكاة وتأوَّلوا قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَهِمْ صَدَقَّةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِبِهِم بِهَا وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنُ لَهُمْ﴾[التوبة: ١٠٣] فَزَعَموا أنَّ دفع الزكاة خاصّ به وَّهِ، لأنَّ غيره لا يُطَهِّرهم ولا يُصَلّ عليهم، فكيف تكون صلاته سَكَناً لهم؟ وإنَّما أراد عمر بقولِه: ((تُقاتلُ الناس)) الصِّنفَ الثّاني، لأنَّه لا يَتَردَّد في جواز قتل الصِّنف الأوَّل، كما أنَّه لا تَردُّد في قتال غيرهم من عُبّاد الأوثان والنِّيران واليهود والنَّصارَى. قال: وكأنَّه لم يَسْتَحِضِر من الحديث إلّ القَدْر الذي ذكره، وقد حَفِظَ فيه غيرُه الصلاة والزكاة معاً، وقد رواه عبد الرَّحمن بن يعقوب بلفظٍ يَعُمّ جميع الشَّريعة حيثُ قال فيها: ((ويُؤمِنوا بي وبما جِئت به))، فإنَّ مُقتَضى ذلك أنَّ مَن جَحَدَ شيئاً مما جاء به وَّهِ، وَدَعا إليه، فامتَنَعَ ونَصَبَ القتال أنَّه يجب قتاله، وقتله إذا أصَرَّ، قال: وإنَّما عَرَضَت الشُّبهة لما دَخَلَه من الاختصار، وكأنَّ راويَه لم يَقصِد سياقَ الحديث على وجهه، وإنَّما أراد سياقَ مُناظَرة أبي بكر وعمر، واعتَمَدَ على مَعرِفة السامعينَ بأصلِ الحديث. انتهى ملخَّصاً، قلت: وفي هذا الجواب نظر، لأنَّه لو كان عند عمر في الحديث: ((حتَّى يُقيموا الصلاة ويُؤتوا الزكاة)) ما استَشكَلَ قتالَم، للتَّسوية في كَون غاية القتال تَرْكَ كلّ من التلفُّظ بالشَّهادتَينِ وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. قال عِيَاض: حديث ابن عمر نَصِّ في قتال مَن لم يُصَلِّ ولم يُزكّ، كمَن لم يُقِرَّ بالشَّهادتَين، واحتجاج عمر على أبي بكر وجواب أبي بكر، دَالَّ على أنَّهما لم يسمعا في الحديث الصلاة