النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
باب ٣٠/ح ٦٩١٤
كتاب الديات
قوله: ((باب إثم مَن قَتَلَ ذِمِّاً بغير جُرْم)) بضمِّ الجيم وسكون الرَّاء، وقد بيَّنت في الجزية
(٣١٦٦) حِكمة هذا القَيْد، وأنَّه وإن لم يُذكَر في الخبر فقد عُرِفَ من قاعدة الشَّرع. ووَقَعَ نَصّاً في
رواية أبي معاوية عن الحسن بن عَمْرو عند الإسماعيليّ بلفظ: ((حَقٌ)).
وللبيهقيّ (٢٠٥/٩) من رواية صفوان بن سُلَيم عن ثلاثينَ من أبناء أصحاب
رسول الله وَل﴿ عن آبائهم عن رسول الله وَله بلفظ: ((مَن قتل مُعاهَداً له ذِمّة الله وذِمّة(١)
رسوله))، ولأبي داود (٢٧٦٠) والنَّسائيِّ (٤٧٤٧) من حديث أبي بكْرة: «مَن قتل مُعاهَداً
في غیر گُنْهِه)).
والدِّمّيّ منسوب إلى الذِّمّة: وهي العهد، ومنه: ((ذِمّة المسلمين واحدة))(٢).
قوله: (عبد الواحد» هو ابن زياد.
قوله: ((حدَّثنا الحسن)) هو ابن عَمْرو الفُقَيميّ، بفاءٍ ثمَّ قاف مُصغَّر، وقد بيَّنت حاله في
کتاب الجزية.
قوله: ((مجاهد، عن عبد الله بن عَمْرو)) هكذا في جميع الطُّرق بالعَنعَنة، وقد وَقَعَ في رواية
مروان بن معاوية عن الحسن بن عَمْرو عن مجاهد عن جُنَادة بن أبي أُميَّة عن عبد الله بن
عَمْرو، فزاد فيه رجلاً بين مجاهد وعبد الله، أخرجه النَّسائيُّ (٤٧٥٠) وابن أبي عاصم (ص٨٦)
من طريقه(٣)، وجَزَمَ أبو بكر البَرْدِيجي(٤) في كتابه في بيان المرسَلِ: أنَّ مجاهداً لم يسمع من
عبد الله بن عَمْرو (٥).
قوله: (مَن قَتَلَ نفساً مُعاهدةً)) كذا تَرجَمَ بالذِّمّيّ، وأورَدَ الخبر في المعاهَد، وتَرجَمَ في
(١) لفظة ((ذمة)) الثانية سقطت من (أ) و(س)، وأثبتناها من (ع)، وهي ثابتة في الحديث.
(٢) تقدم من حديث علي بن أبي طالب برقم (١٨٧٠).
(٣) الضمير هنا يعود على مروان بن معاوية لا على النسائي، وقد أخرجه الجوزقاني في ((الأباطيل والمناكير
والصحاح)) (٥٨٣) من طريق النسائي.
(٤) تصحف في (س) إلى: البردنجي، بالنون بعد الدال، بدل الياء.
(٥) سيُعلِّق الحافظ على ذلك قريباً.

١٦٢
باب ٣٠/ح ٦٩١٤
فتح الباري بشرح البخاري
الجِزية (٣١٦٦) بلفظ: ((مَن قتل مُعاهَداً)) كما هو ظاهر الخبر، والمراد به: مَن له عهد مع المسلمين،
سواء كان بعَقدِ جِزية أو هُدنة من سُلطان أو أمان من مسلم، وكأنّه أشارَ بالتَّرجمة هنا إلى رواية
مروان بن معاوية المذكورة، فإنَّ لفظه: ((مَن قتل قتيلاً من أهل الذِّمّة))، وللتِّرمِذيِّ (١٤٠٣) من
حديث أبي هريرة: ((مَن قتل نفساً مُعاهَداً له ذِمّة الله وذِمّة رسوله))(١) الحديث.
وقد ذكرت في الجِزِية (٣١٦٦) مَن تَابَعَ عبد الواحد على إسقاط جُنَادة، ونَقَلت ترجيح
الدّارَ قُطنيِّ لرواية مروان لأجلِ الزّيادة، وبيَّنت أنَّ مجاهداً ليس مُدلِّساً وسماعه من عبد الله
ابن عَمْرو ثابت، فترجحُ رواية عبد الواحد لأنَّ تُوبعَ وانفَرَدَ مروان بالزّيادة.
وقوله: (لم يَرَح)) تقدَّم شرحه في الجِزية، والمراد بهذا النَّفَي وإن كان عامّاً التَّخصيصُ بزمانٍ
ما، لِما تَعاضَدَت الأدلَّة العقليّة والنَّقْليَّة أنَّ مَن ماتَ مسلماً ولو كان من أهل الكبائر، فهو
محكوم بإسلامه غيرُ مُلَّد في النار، ومَآلَه إلى الجنَّة، ولو عُذِّبَ قبل ذلك.
قوله: ((لُوجَد» کذا للأکثر هنا، وفي رواية الگُشمِیھنیّ بحذفِ اللّام.
قوله: (أربعينَ عامً) كذا وَقَعَ للجميع، وخالَفَهم عَمْرو بن عبد الغَفّار عن الحسن بن عَمْرو
عند الإسماعيليّ فقال: ((سبعينَ عامًا)، ومثله في حديث أبي هريرة عند التِّرمِذيّ (١٤٠٣) من
طريق محمَّد بن عَجْلان عن أبيه عنه، ولفظه: ((وإنَّ ريحها لَيُوجَد من مَسيرة سبعينَ خَريفاً)،
٢٦٠/١٢ ومثله في رواية صفوان بن سُلَيم المشار إليها. ونحوه / لأحمدَ (١٦٥٩٠) من طريق هلال
ابن يِساف عن رجل (٢) عن النبيّ ◌َّ: ((سيكونُ قومٌ لهم عهدٌ، فمَن قتل منهم رجلاً لم يَرَح
رائحة الجنَّة، وإنَّ ريحَها لَيُوجَد من مَسيرة سبعينَ عاماً)).
وعندَ الطبرانيّ في ((الأوسط)) (٦٦٣) من طريق محمَّد بن سِيرِين عن أبي هريرة بلفظ:
((من مَسيرة مئة عام))، وفي الطبرانيّ(٣) عن أبي بكرة: ((خمس مئة عام)).
(١) وهو أيضاً عند ابن ماجه (٢٦٨٧).
(٢) ورواه أحمد أيضاً (١٨٠٧٢)، والنسائي (٤٧٤٩) من طريق هلال بن يسافٍ عن القاسم بن مُخَيمِرةً عن
رجل من أصحاب النبي قلّد.
(٣) سقط مسند أبي بكرة من ((معجم الطبراني الكبير))، وهو في ((معجمه الأوسط)) أيضاً (٤٣١)، وفات
الحافظَ رحمه الله أنه في ((مسند أحمد)) (٢٠٥٠٦)، و((صحيح ابن حبان)) (٧٣٨٣) وغيرهما.

١٦٣
باب ٣٠/ ح ٦٩١٤
كتاب الديات
ووَقَعَ في ((الموطَّأ)(١) في حديث آخر: ((إنَّ ريحها يُوجَد من مَسيرة خمس مئة عام)). وأخرجه
الطبرانيُّ في ((المعجَم الصَّغير)) من حديث أبي هريرة (٢)، وفي حديث لجابرِ ذكره صاحب
((الفِرِدَوس))(٣): ((إنَّ ريح الجنَّة يُدرَك من مَسيرة ألف عام)).
وهذا اختلاف شديد، وقد تَكلَّمَ ابن بَطّال على ذلك فقال: الأربعونَ هي الأشدُّ فمَن بَلَغَها
زاد عمله ويقينه ونَدمه، فكأنَّه وَجَدَ ريح الجنَّة التي تَبعَثه على الطاعة، قال: والسَّبعونَ آخر
المعتَرَك، ويَعِرِضُ عندها النَّدَم وخَشْية هجوم الأجل، فتزداد الطاعة بتوفيق الله فيَجِد ريحها من
المدّة المذكورة.
وذكر في الخمس مئة كلاماً مُتَكلَّفاً حاصله: أنَّها مُدّة الفَترة التي بين كلّ نبيّ ونبيّ،
فمَن جاء في آخرها وآمَنَ بالنبيّينَ يكون أفضلَ من غيره، فَيَجِد ريح الجنَّة.
وقال الكِرْمانيُّ: يحتمل أن لا يكون العَدَد بخصوصِه مقصوداً، بل المقصود المبالَغة في
التكثير، ولهذا خَصَّ الأربعينَ والسَّبعينَ، لأنَّ الأربعينَ يَشتَمِل على جميع أنواع العَدَد، لأنَّ
فيه الآحاد وآحاده عشرة والمئة عشرات والألف مِئات، والسَّبع عَدَد فوق العَدَد الكامل،
وهو ستّة، إذ أجزاؤه بقَدره، وهي النِّصف والثُّلث والسُّدُس بغير زيادة ولا نُقصان، وأمَّا
الخمس مئة فهي بُعْدُ ما بين السماء والأرض.
قلت: والذي يظهر لي في الجمع أن يقال: إنَّ الأربعينَ أقلُّ زمن يُدرِكُ به ريحَ الجنَّة
مَن في الموقِف، والسَّبعينَ فوق ذلك، أو ذُكِرَت للمُبالَغة، والخمس مئة ثمَّ الألف أكثرُ من
ذلك، ويختلف ذلك باختلاف الأشخاص والأعمال، فمَن أدرَكَه من المسافة البُعدَى أفضلُ
(١) يعني حديث أبي هريرة موقوفاً: نساء كاسيات عاريات، مائلات مُمِيلات، لا يدخلن الجنة ولا يَجِدْن
ريحها، وريحُها يوجد من مسيرة خمس مئة سنة، وهو في ((الموطأ)) ٩١٣/٢.
(٢) ولفظه: ((تُراح ريحُ الجنة من مسيرة خمس مئة عام، ولا يجد ريحها مَنَّانٌ بعمله، ولا مُدْمِنُ خمرٍ، ولا عاقٌ))،
وهو في ((المعجم الصغير)) برقم (٤٠٨)، وكذا في ((الأوسط)) (٤٩٣٨)، وهو أيضاً عند الخرائطي في
«مساوئ الأخلاق)) (٢٥١).
(٣) وهو أيضاً عند الطبراني في «معجمه الأوسط)) (٥٦٦٤)، وعند أبي نعيم في ((صفة الجنة)) (١٩٥)، وفي
إسناده ضعيفان.

١٦٤
باب ٣١/ح ٦٩١٥
فتح الباري بشرح البخاري
مَمَّن أدرَكَه من المسافة القُربَى وبين ذلك، وقد أشارَ إلى ذلك شيخنا في ((شرح التِّرمِذيّ)) فقال:
الجمع بين هذه الرِّوايات أنَّ ذلك يختلف باختلاف الأشخاص بتَقاوُتِ منازِلهم ودَرَجاتهم. ثمَّ
رأيت نحوه في كلام ابن العربيّ فقال: ريح الجنَّة لا يُدرَك بطَبيعةٍ ولا عادة، وإنَّما يُدرَك بما
يَخْلُق الله من إدراكه، فتارة يُدرِكه مَن شاءَ اللهُ من مسيرة سبعين، وتارة من مسيرة خمس
مئة.
ونَقَلَ ابن بَطّال أنَّ المهلَّب احتَجَّ بهذا الحديث على أنَّ المسلم إذا قتل الذِّمّيّ أو المعاهد
لا يُقتَل به، للاقتصار في أمره على الوعيد الأُخرَويّ دونَ الدُّنيَويّ، وسيأتي البحث في هذا
الحكم في الباب الذي بعده.
٣١- باب لا يُقتل المسلم بالكافر
٦٩١٥ - حدَّثنا صَدَقةُ بنُ الفَضْلِ، أخبرنا ابنُ عُبَينَةَ، حدَّثنا مُطرِّفٌ، سمعتُ الشَّعْبيَّ
يُحدِّثُ، قال: سمعتُ أبا جُحَيفةَ قال: سألتُ عليّاً ﴾: هل عندكم شيءٌ ممّاً ليس في القرآنِ؟ -
وقال ابنُ عُيَينةَ مرَّةٌ: ما ليس عندَ الناسِ؟ - فقال: والذي فَلَقَ الحَبّةَ وبَرَأَ النَّسَمَةَ، ما عندَنا إلا
ما في القرآنِ، إلا فَهْماً يُعْطَى رجلٌ في كتابه، وما في الصَّحِيفةِ، قلتُ: وما في الصَّحِيفةِ؟ قال:
العَقْلُ، وفَكاكُ الأسِيرِ، وأن لا يُقتَلَ مسلمٌ بكافٍ.
قوله: (باب لا يُقتَل المسلم بالكافرِ)) عَقَّبَ هذه التَّرجمة بالتي قبلها للإشارة إلى أنَّه لا يَلزَم
من الوعيد الشَّديد على قتل الدِّمّيّ أن يُقتَصّ من المسلم إذا قتله عمداً، وللإشارة إلى أنَّ المسلم
٢٦١/١٢ إذا كان لا يُقْتَل بالكافرِ فليس له قتل كلّ/ كافر، بل يَحَرُم عليه قتل الذُّمّيّ والمعاهد بغير
استحقاق.
قوله: ((حدَّثْنَا صَدَقة بن الفَضْل)) ثَبَتَ في بعض النُّسَخ هنا (١): حدَّثنا أحمدُ بن يونس، حدَّثنا
زُهَير، حدَّثنا مُطرِّف، أنَّ عامراً حدَّثهم عن أبي جُحَيفةَ (ح) وحدَّنا صَدَقة بن الفضل ...
(١) هذا الذي نسبه الحافظُ لبعض النسخ ثبت لغير أبي ذر الهروي، فقد أشير في اليونينية إلى سقوطه لأبي ذرِّ
الهروي وحدَه.

١٦٥
باب ٣١/ح ٦٩١٥
كتاب الديات
إلى آخره، والصَّواب ما عند الأكثر (١)، وطريق أحمدَ بن يونس تقدَّمَت في الجِزية (٣٠٤٧).
قوله: ((مُطرِّف)) بمُهمَلٍ وتشديد الرَّاء: هو ابن طریفٍ، بوزنٍ عظيم، کوفيّ مشهور.
قوله: ((سألت عليّا) تقدَّم في كتاب العلم(٢) بيانُ سبب هذا السُّؤال، وهذا السّياق
أخصَرُ من سياقه في كتاب العلم من وجه آخر عن مُطرِّف. قوله ... (٣) قال أحمدُ (٥٩٩) عن
سفيان بن عُيَينةَ بهذا السَّند: هل عندكم شيءٌ عن رسول الله وَّةٍ غير القرآن؟ - ولم يَتَرَدَّد-
فقال: لا والذي فَلَقَ الحبّة وبَرَأْ النَّسَمةَ، إلّا فهم يُؤتيه الله رجلاً في القرآن وما في هذه
الصَّحیفة، فذكره.
وقد تقدَّم من وجه آخر عن مُطرِّف في العلم (١١١) وغيره مع شرح الحديث، وبيان
اختلاف ألفاظ نَقَّلته عن عليّ، وبيان المراد بالعقلِ وفَكاك الأسير.
وأمَّا تَرْك قتل المسلم بالكافرِ فأخَذَ به الجمهور، إلّا أنَّه يَلزَم من قول مالك في قاطِع
الطَّريق ومَن في معناه إذا قَتَل غيلة أن يُقتَل، ولو كان المقتول ذِمّاً، استثناءُ هذه الصّورة
من مَنع قتل المسلم بالكافر، وهي لا تُستَئِنَى في الحقيقة، لأنَّ فيه معنى آخر وهو الفساد في
الأرض.
وخالَفَ الحنفيَّة فقالوا: يُقتَل المسلم بالذِّمّيِّ إذا قتله بغير استحقاق، ولا يُقْتَل بالمستأمَن،
وعن الشَّعْبيّ والنَّخَعَيّ: يُقتَل باليهوديِّ والنَّصرانيّ دونَ المجوسِيّ، واحتَجّوا بما وَقَعَ عند
أبي داود (٤٥٣٠) من طريق الحسن عن قيس بن عُبَاد عن عليّ بلفظ: ((لا يُقتَل مُؤمِن بكافٍ،
ولا ذو عَهْد في عَهْده))، وأخرجه أيضاً (٤٥٣١) من رواية عَمْرو بن شُعَيب عن أبيه عن
جَدّه، وأخرجه ابن ماجَهْ (٢٦٦٠) من حديث ابن عبّاس، والبيهقيّ (٣٠/٨) عن عائشة
(١) الذي عند أكثر رواه البخاري هو ثبوت هذا الإسناد الثاني، كما في اليونينية، إلّا إن قصد الحافظ أكثر روايات أبي
ذر الهروي، كما جرت عادته غالباً.
(٢) عند شرح الحديث (١١١).
(٣) كذا وقع في الأصلين ذكر القول مطلقاً، والظاهر أنَّ الحافظ رحمه الله أراد أن يُعلِّق على التردد الوارد من
ابن عيينة في الرواية، ثم نسي أن يتمه، أو أنه أسقطه من النساخ سهواً، والله أعلم.

١٦٦
باب ٣١/ح ٦٩١٥
فتح الباري بشرح البخاري
ومَعقِل بن يسار، وطرقه كلّها ضعيفة إلّ الطَّريق الأولى والثّانية، فإنَّ سند كلّ منهما
حسن، وعلى تقدير قَبُوله فقالوا: وجه الاستدلال منه أنَّ تقديره: ولا يُقتَل ذو عَهْد في
عَهْده بكافٍ، قالوا: وهو من عطف الخاصّ على العامّ فيقتضي تخصيصه، لأنَّ الكافر الذي
لا(١) يُقْتَل به ذو العهد هو الحَرْبيّ دونَ المساوي له والأعلى، فلا يَبقَى مَن يُقتَل بالمعاهَدِ إلّا
الحَرْبيّ، فَيَجِبُ أن يكون الكافر الذي لا يُقتَل به المسلم هو الحَرْبيّ تسوية بين المعطوف
والمعطوف عليه.
قال الطَّحَاويُّ: ولو كانت فيه دلالة على نفي قتل المسلم بالذُّمّيّ، لكان وجه الكلام
أن يقول: ولا ذي عهد في عَهْده، وإلّا لكان لَحْناً، والنبيّ ◌َّ لا يَلحَن، فلمَّا لم يكن كذلك
علمنا أنَّ ذا العهد هو المعنيّ بالقصاص، فصارَ النَّقدير: لا يُقتَل مُؤمِن ولا ذو عهد في
عَهْده بكافٍ، قال: ومثله في القرآن: ﴿ وَأَِّى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَابِكُمْ إِنِ أَرْتَبْتُ فَعِدَّتُهُنَّ
ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَالَّتِى لَمْ يَحِضْنَ ﴾ [الطلاق: ٤] فإنَّ التَّقدير: واللّئي يَئِسنَ من المحيض واللّائي
لم يَحِضنَ. وتُعقّبَ: بأنَّ الأصل عَدَم التَّقدير، والكلام مُستَقيم بغيره إذا جَعَلنا الجملة
مُستأنَفة، ويُؤيِّده اقتصار الحديث الصَّحيح على الجملة الأولى.
ولو سُلِّمَ أنَّها للعطفِ فالمشارَكة في أصل النَّفي لا من كلّ وجه، وهو كقولِ القائل:
مَرَرت بزيدٍ مُنطَلِقاً وعَمْرو، فإنَّه لا يوجِب أن يكون مرَّ بعَمرِو مُنطَلِقاً أيضاً، بل المشارَكة
في أصل المرور.
وقال الطَّحَاويُّ أيضاً: لا يَصِحّ ◌َمله على الجملة المستأنَفة، لأنَّ سياق الحديث فيما
يَتَعلَّقِ بالدِّماءِ التي يَسقُط بعضها ببعضٍ، لأنَّ في بعض طرقه (٢): ((المسلمون تَتَكَافَأ
دِماؤُهم)). وتُعقِّبَ: بأنَّ هذا الحصر مردود، فإنَّ في الحديث أحكاماً كثيرة غير هذه، وقد
أبدَى الشافعيّ له مُناسَبة، فقال: يُشبِهِ أن يكون لمَّا أعلمَهم أن لا قَود بينهم وبين الكفَّار،
أعلمَهم أنَّ دِماء أهل العهد مُحرَّمة عليهم بغير حَقّ، فقال: ((لا يُقتَل مسلم بكافٍ، ولا يُقْتَل
(١) حرف ((لا)) سقط من (س).
(٢) عند أبي داود (٤٥٣٠)، والنسائي (٤٧٣٤).

١٦٧
باب ٣١/ح ٦٩١٥
كتاب الديات
ذو عهد في عَهْده)) ومعنى الحديث: لا يُقتَل مسلم بكافرٍ قِصاصاً، ولا يُقتَل مَن له عهد ما
دامَ عَهْده باقياً.
وقال ابن السَّمعانيّ: وأمَّا حَمْلهم الحديث على المستأمَن فلا يَصِحّ، لأنَّ العِبرة بعمومٍ
اللَّفظ حتَّى يقومَ دليل على التَّخصيص، ومن حيثُ / المعنى أنَّ الحُكم الذي يُبنَى في الشَّرع ٢٦٢/١٢
على الإسلام والكفر إنَّما هو لشَرَفِ الإسلام، أو لنقصِ الكفر، أو لهما جميعاً، فإنَّ الإسلام
يَنْبُوعِ الكَرامة، والكفر يَنْبُوع الهوان، وأيضاً إباحة دَم الذِّمّيّ شُبهة قائمة لوجودِ الكفر
المبيح للدَّم، والذِّمّةُ إِنَّما هي عهدٌ عارضٌ مَنَعَ القتلَ مع بقاء العِلّة، فمن الوفاء بالعهدِ أن لا
يقتل المسلمُ ذِمّاً، فإن اتَّفَقَ القتل لم يَتَّجِه القول بالقَوَد، لأنَّ الشُّبهة المبيحة لقتله موجودة،
ومع قيام الشُّبهة لا يَتَّجِه القَوَد.
قلت: وذكر أبو عُبيد(١) بسندٍ صحيح عن زُفَرَ أنَّه رَجَعَ عن قول أصحابه، فأسنَدَ عن
عبد الواحد بن زياد قال: قلت لزُفَرَ: إِنَّكم تقولون: تُدرأُ الحدود بالشُّبُهات، فجِئْتُم إلى
أعظَمِ الشِّبُهات فأقدَمتُم عليها: المسلمُ يُقتَل بالكافر، قال: فاشهَد على أنَّ رجَعتُ عن
هذا.
وذكر ابن العربيّ أنَّ بعض الحنفيَّة سألَ الشّاشِيّ عن دليل تَرك قتل المسلم بالكافر،
قال: وأراد أن يَسْتَدِلّ بالعموم، فيقول: أخُصّه بالحَرْبيّ، فعَدَلَ الشّاشِيّ عن ذلك، فقال:
وجه دليلي السُّنّة والتَّعليل، لأنَّ ذِكْر الصِّفة في الحُكم يقتضى التَّعليل، فمعنى لا يُقْتَل المسلم
بالكافرِ تفضیل المسلم بالإسلام. فأسكتَه.
وممّا احتَجَّ به الحنفيَّة: ما أخرجه الدّارَ قُطنيُّ (١٣٤/٣ -١٣٥) من طريق عمَّر بن مَطَر
عن إبراهيم بن أبي يحيى عن رَبيعة عن ابن البَيلَانيّ عن ابن عمر، قال: قَتَلَ رسول الله وَل
مسلماً بكافرٍ، وقال: «أنا أَولى مَن وَفَى بِذِمَّتِهِ»، قال الدّارَقُطنيُّ: إبراهيم ضعيف ولم يَروِهِ
موصولاً غيره، والمحفوظ عن ابن البَيلَانيّ مُرسَلاً. وقال البيهقيُّ (٣٠/٨): أخطأْ راويه عمَّر بن
(١) ومن طريقه أخرجه البيهقي في ((معرفة السنن والآثار)) (١٥٧٤٧).

١٦٨
باب ٣١/ح ٦٩١٥
فتح الباري بشرح البخاري
مَطَر على إبراهيم في سنده، وإنَّما يَرويه إبراهيم عن محمَّد بن المنكَدِر عن عبد الرَّحمن بن
البَيلَمانيّ، هذا هو الأصل في هذا الباب، وهو مُنقَطِعٍ وراويه غيرُ ثقة، كذلك أخرجه الشافعيّ
(٧/ ٣٣٨) وأبو عُبيد(١) جميعاً عن إبراهيم بن محمّد بن أبي يحيى.
قلت: لم يَنفَرِدْ به إبراهيم كما يُوهِمه كلامه، فقد أخرجه أبو داود في ((المراسيل)) (٢٥٠)
والطَّحَاويّ (١٩٥/٣) من طريق سليمان بن بلال عن ربيعة عن ابن البَيلَانيّ، وابن البَيلَانيّ
ضَعَّفَه جماعة ووُثِّقَ، فلا يُحْتَجّ بما يَنْفَرِد به إذا وصَلَ، فكيف إذا أرسَلَ؟ فكيف إذا خالَفَ؟
قاله الدّارَ قُطنيّ.
وقد ذكر أبو عُبيد بعد أن حدَّث به عن إبراهيم: بَلَغَني أنَّ إبراهيم قال: أنا حَدَّثت به
رَبيعة عن ابن المنكَدِر عن ابن البَيلَانيّ، فَرَجَعَ الحديثُ على هذا إلى إبراهيم، وإبراهيم
ضعيف أيضاً. قال أبو عُبيد: وبمِثلِ هذا السَّند لا تُسفَك دِماء المسلمين.
قلت: وتَبِيَّن أنَّ عَّار بن مَطَر خَبَطَ في سنده، وذكر الشافعيّ في ((الأُمّ)) كلاماً حاصله أنَّ في
حديث ابن البَيْلَمَانيّ أنَّ ذلك كان في قصَّة المستأمَن الذي قتله عَمْرو بن أُميَّة، قال: فعلى هذا لو
ثَبَتَ لكان منسوخاً، لأنَّ حديث: ((لا يُقتَل مسلم بكافٍ)) خَطَبَ به النبيّ ◌َّ يوم الفتح كما في
رواية عَمْرو بن شُعَيب(٢)، وقصَّة عَمْرو بن أُميَّة متقدِّمة على ذلك بزمانٍ.
قلت: ومن هنا يَتَّجِهُ صِحّة التَّأويل الذي تقدَّم عن الشافعيّ، فإنَّ خُطبة يوم الفتح كانت
بسببِ القتيل الذي قتلتْه خُزاعة وكان له عهد، فخَطَبَ النبيّ وَِّ، فقال: ((لو قتلتُ مُؤمِناً
بكافرٍ لَقتلتُهُ به))، وقال: ((لا يُقتَلِ مُؤْمِن بكافٍ، ولا ذو عهد في عهده)(٣) فأشارَ بحُكمِ الأوَّل إلى
(١) ومن طريق أبي عُبيد أخرجه البيهقي ٣١/٨، ورواية الشافعي لهذا الخبر ليست عن أبي يحيى مباشرة، وإن كان
يروي عنه في العادة مباشرة، وإنما رواه الشافعي عن محمد بن الحسن الشيباني عنه.
(٢) أخرجه أحمد في ((مسنده)) (٦٦٩٢) و(٧٠١٢)، وهو أيضاً عند أبي داود (٢٧٥١)، وابن ماجه (٢١٥٩)،
والترمذي (١٤١٣)، لكن دون ذکر زمن الحدیث.
(٣) كذ جمع الحافظ رحمه الله بين الحديثين، وإنما الأول أخرجه البزار (٣٥٩٤)، والطبراني ١٨/ (٢٠٩) من حديث
عمران بن حصين، والثاني تقدم تخريج الحافظ له عن علي بن أبي طالب وغيره، وإنما جمعهما الحافظ لاتحاد
زمنهما، یعني عند فتح مكة.

١٦٩
باب ٣٢/ح ٦٩١٦-٦٩١٧
كتاب الديات
تَرك اقتصاصه من الخُزَاعِيّ بالمعاهَدِ الذي قتله. وبالحُكم الثّاني إلى النّهي عن الإقدام على ما
فَعَلَه القاتل المذكور، والله أعلم.
ومن حُجَجِهم: قطع المسلم بسَرِقة مالِ الذِّمّيّ، قالوا: والنَّس أعظَمُ حُرْمة، وأجابَ
ابن بَطّال بأنَّه قياس حسن لولا النَّصّ. وأجابَ غيره: بأنَّ القطع حَقٌّ لله، ومن ثَمَّ لو أُعيدَت
السَّرِقة بعينها لم يَسقُط الحدّ ولو عَفا، والقتل بخلاف ذلك. وأيضاً القِصاص يُشعِر بالمساواة
ولا مُساواة للكافرِ والمسلم، والقطع لا تُشتَرَط فيه المساواة.
٣٢- باب إذا لَطم المسلم يهوديّاً عند الغضب
رواه أبو هريرةَ، عن النبيِّ ێّ.
٦٩١٦ - حدَّثنا أبو نُعَيم، حذَّثنا سفيانُ، عن عَمرِو بنِ يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيدٍ، عن ٢٦٣/١٢
النبيِّ وَّهِ، قال: ((لا تُخِيِّروا بينَ الأنبياءِ)).
٦٩١٧ - وحدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسفَ، حذَّثنا سفيانُ، عن عمرو بنِ یحیی المازِّ، عن أبيه، عن
أبي سعيدِ الخُذريِّ، قال: جاء رجلٌ منَ اليهودِ إلى رَسُولِ الله ◌ََّ، قد لُطِمَ وجهُه، فقال: يا
محمَّدُ، إنَّ رجلاً من أصحابكَ منَ الأنصار لَطَمَ وجهي، فقال: ((ادعوه))، فَدَعَوْه، قال: «أَلَطَمْتَ
وجهَه؟)) قال: يا رسولَ الله، إنّ مَرَرْتُ باليهودِ، فسمعتُه يقول: والذي اصطَفَى موسى على
البشرِ، قال: فقلتُ: أعَلَى محمَّدٍ! قال: فأخَذَتْنِي غَضْبَةٌ، فَلَطَمْتُه، قال: ((لا تُخُيِّروني من بينِ
الأنبياءِ، فإنَّ الناسَ يَصْعَقونَ يومَ القيامةِ، فأكونُ أوَّلَ مَن يُفِيقُ، فإذا أنا بموسى آخِذٌ بقائمةٍ من
قوائمِ العَرْشِ، فلا أدري أفاقَ قبلي أم جُوزِيَ بِصَعْقِةِ الطَّور)).
قوله: ((باب إذا لَطَمَ المسلم يهوديّاً عند الغضب» أي: لم يجب عليه قِصاص، كما لو كان
من أهل الدِّمّة، وكأنَّه رَمَزَ بذلك إلى أنَّ المخالفَ يرى القِصاصَ في اللَّطْمة، فلمَّا لم يَقْتَصَّ
النبيُّ وَّ للدِّيِّ من المسلم دلَّ على أنَّه لا تجري القِصاص، لكن ليس كلّ الکوفیّينَ یری
القِصاص في اللَّطمة، فيَخَصّ الإيراد بمَن يقول منهم بذلك.
قوله: ((رواه أبو هريرة عن النبيّ ◌َليّ)) تقدَّم موصولاً مع شرحه في قصَّة موسى من أحاديث

١٧٠
باب ٣٢/ح ٦٩١٦- ٦٩١٧
فتح الباري بشرح البخاري
الأنبياء (٣٤٠٨)، وفي بعض طرقه كما بيَّنْتُه هناك: فقال اليهوديّ: إنَّ لي ذِمّةً وعهداً.
قوله: ((حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا سُفْيان، عن عَمْرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد، عن
النبيّ وَّةِ، قال: لا تُخُيِّروا بين الأنبياء. وحدَّثنا محمَّد بن يوسف، حدَّثنا سُفْيان، عن عَمْرو بن
يحيى المازِنيّ، عن أبيه، عن أبي سعيد الخُذريِّ، قال: جاء رجل من اليهود إلى رسول الله وَلآ قد
لُطِمَ وَجْهُه)) الحديث، كذا اقتَصَرَ في السَّند الأوَّل على بعض المتن، وساقَه تامّاً بالسَّنِدِ الثّاني،
وكان سفيان - وهو الثَّوْريّ - يُحدِّث به تامّاً ومختصراً، فقد أخرجه الإسماعيليّ من رواية
عبد الرَّحمن بن مَهديّ عن سفيان بلفظ: ((لا تُخُيِّروا بين الأنبياء)) وزاد: ((فإنَّ الله بَعَثَهم كما
بَعَثَني)) قال الإسماعيليّ: لم يَزِد على ذلك، ورواه يحيى القَطّان عن سفيان تامّاً. قلت: وليس
فيه: ((فإنَّ الله بَعَثَهم كما بَعَثَني)).
قوله: ((جاء رجل)) تقدَّم القول في اسمه وفي اسم الذي لَطَمَه في قصَّة موسى.
قوله: (لَطَمَ وَجْهِي)) في رواية السَّرَخْسِيّ: قد لَطَمَ وجهي.
قوله: ((فقال: أَلَطَمْت وَجْهَه؟)) كذا للأكثر بهمزة الاستفهام، وفي رواية الكُشمِيهنيّ:
(لِمَ لَطَمت؟)).
قوله: ((أم جُوزيَ)) في رواية الكُشمِيهنيّ: ((جُزْيَ)) بغير واو، والأوَّلُ أَولى.
وفي الحديث استِعداء الذَّمّيّ على المسلم، ورفعه إلى الحاكم، وسماع الحاكم دَعواه،
وتَعْلِيمُ(١) مَن لم يَعِرِف الحُكم ما خَفِيَ عليه منه، والاكتفاء بذلك في حَقّ المسلم، وأنَّ الدِّمّيّ إذا
أقدَمَ من القول على ما لا علم له به جازَ للمسلم المعروف بالعلمِ تَعزيرُه على ذلك، وتقدَّمَت
سائر فوائده في قصّة موسى عليه السلام.
خاتمة: اشتَمَلَ كتاب الدّيات والقصاص من الأحاديث المرفوعة على أربعة وخمسين
حديثاً. المعلَّق منها وما في معناها من المتابعات سبعة أحاديث والباقي موصول. المكَرَّر منها فيه
وفيما مضى أربعونَ، والخالص منها أربعة عشرَ حديثاً. وافَقَه مسلم على تخريجها سوى حديث
(١) تحرَّف في (س) إلى: وتعلم.

١٧١
باب ٣٢/ح ٦٩١٧
كتاب الديات
ابن عمر: إنَّ من وَرَطات الأُمور، وحديثِ ابن عبّاس: / «أبغَضُ الناس إلى الله ثلاث: مُلحِد ٢٦٤/١٢
فِي الحَرَم)) الحديث، وحديث أنس: ((لو اطَّلَعَ عليك))، وحديث ابن عبّاس: «هذه وهذه
سواء))، وحديث أبي قِلَابةَ المرسَل: ما قتل أحداً قَطُّ إلّا في إحدى ثلاث، وحديثه المرسل:
دَخَلَ عليه نَفَر من الأنصار، الحديث في القَسامة.
وفيه من الآثار عن الصحابة فمَن بعدهم ثمانية وعشرونَ أثراً، بعضها موصول وسائرها
مُعلَّق، والله سبحانه وتعالى أعلم.

١٧٢
فتح الباري بشرح البخاري

١٧٣
باب ١/ح ٦٩١٨-٦٩٢٠
كتاب استتابة المرتدين
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كتاب استتابة المرتدين
والمعاندين. وقتالهم
قوله: ((بسم الله الرحمن الرحيم. كتاب استِتابة المرتَدّينَ والمعاندينَ وقتالهم)) كذا في رواية
الفِرَبْريّ، وسَقَطَ لفظ: ((كتاب)) من رواية المُسْتَمْلِي، وأمَّا النَّسَفيّ فقال: ((كتاب المرتدِّينَ)) ثمَّ
بسمَلَ، ثمَّ قال: ((باب استتابة المرتدِّينَ والمعاندينَ وقتالهم وإثم مَن أشرَكَ ... )) إلى آخره.
وقوله: ((والمعانِدينَ)) كذا للأكثر بالنّون، وفي رواية الجُرجانيّ: بالهاءِ بَدَل النُّون، والأوَّل
الصَّواب.
١ - باب إثم من أشرك بالله وعقوبته في الدّنيا والآخرة
قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، و﴿لَيِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ
وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥].
٦٩١٨ - حدّثنا قُتَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن الأعمَشِ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقمةَ، عن
عبدِ الله ◌َ﴾، قال: لَما نزلت هذه الآيةُ: ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيَمَنَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾ [الأنعام: ٨٢]
شَقَّ ذلك على أصحاب رسُولِ الله ◌َله وقالوا: أيُّنًا لم يَلْبِس إيمانَه بظُلْم؟ فقال رسولُ الله ◌َّ:
((إنَّه ليس بذاكَ، ألا تَسْمَعونَ إلى قولِ لُقْمَانَ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾)).
٦٩١٩- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا بِشرُ بنُ المفضَّلِ، حذَّثنا الجُرَيرِيُّ. وحذَّثني قيسُ بنُ
حفصٍ، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، أخبرنا سعيدٌ الجُرَيرِيُّ، حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ أبي بَكْرَ،
عن أبيه ◌ُ، قال: قال النبيُّ وَّهِ: ((أكبرُ الكبائرِ: الإشراكُ بالله، وعُقوقُ الوالدينِ، وشهادةُ الزُّورِ،
وشهادةُ الزُّورِ - ثلاثاً - أو قولُ الزُّورِ) فما زالَ يُكرِّرُها حتَّى قلنا: لَيْتَهَ سَكَتَ.
٦٩٢٠- حدَّثنا محمَّدُ بنُ الحُسينِ بنِ إبراهيمَ، أخبرنا عُبيدُ الله بنُ مُوسى، أخبرنا شَيْبانُ،

١٧٤
باب ١/ح ٦٩١٨-٦٩٢١
فتح الباري بشرح البخاري
عن فِراسٍ، عن الشَّعْبِيِّ، عن عبدِ الله بنِ عَمٍو رضي الله عنهما، قال: جاء أعرابٌّ إلى النبيِّ وَالِيّ
فقال: يا رسولَ الله، ما الكبائر؟ قال: ((الإشراكُ بالله))، قال: ثمَّ ماذا؟ قال: ((ثمَّ عُقوقُ الوالدَينِ)»،
قال: ثمَّ ماذا؟ قال: ((اليَمِينُ الغَمُوس))، قلتُ: وما اليَمِينُ الغَمُوس؟ قال: ((الذي يَقْتَطِعُ مالَ امِرِئٍ
مسلم هو فیھا کاذبٌ)).
٢٦٥/١٢
٦٩٢١ - حدَّثنا خَلَّادُ بنُ يحيى، حدَّثنا سفيانُ، عن منصورٍ والأعمَشِ، عن أبي وائلٍ، عن
ابنِ مسعودٍ عَّ، قال: قال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، أَنُواخَذُ بما عَمِلْنا في الجاهليَّةِ؟ قال: «مَن أحسنَ في
الإسلامِ لم يُؤَاخَذ بما عَمِلَ في الجاهليَّةِ، ومَن أساءَ في الإسلام أُخِذَ بالأوَّلِ والآخِرِ)).
قوله: ((باب إثم مَن أشَرَكَ بالله تعالى وعُقوبَته في الدُّنيا والآخرة. قال الله عزَّ وجلَّ :
﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ و﴿لَيْنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾)) في
رواية القابسيّ بعد قوله: وقتالهم: وإثم مَن أشرَكَ ... إلى آخره، وحَذَفَ لفظ: ((باب)).
والواو في قوله: و﴿لَبِنْ أَشْرَكْتَ﴾ لعطفِ آية على آية، والتَّقدير: وقال: ﴿لَبِنْ أَشْرَكْتَ﴾، لأنَّه
في التِّلاوة بلا واو.
قال ابن بَطّال: الآية الأولى دالّة على أنَّه لا إثم أعظَمُ من الشِّرك، وأصل الظُّلم وضعُ
الشَّيء في غير موضعه، فالمشرِك أصلُ مَن وضعَ الشَّيء في غير موضعه، لأنَّه جَعَلَ لمن
أخرجه من العَدَم إلى الوجود مُساوياً، فنَسَبَ النِّعمة إلى غير المنعِم بها، والآية الثّانية
خُوطِبَ بها النبيّ ◌ََّ، والمراد غيره، والإحباط المذكور مُقيَّ بالموتِ على الشِّرك لقولِه
تعالى: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧].
وذکر فیه أربعة أحاديث:
الحديث الأول: حديث ابن مسعود في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوَأْ
إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾، وقد مضى شرحه في كتاب الإيمان في أوائل الكتاب (٣٢)، وأشرتُ هناك
إلى ما وَقَعَ في أحاديث الأنبياء (٣٣٦٠) في قصَّة إبراهيم عليه السلام من طريق حفص بن
غياث عن الأعمَش بهذا الإسناد والمتن، وفي آخره: ((ليس كما تقولون، ﴿لَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَنَهُم
يِظُلْمٍ﴾: بشِركٍ)) الحديث.

١٧٥
باب ١/ح ٦٩١٨ -٦٩٢١
كتاب استتابة المرتدين
وقد أرسلَ التَّفسیرَ المذکورَ بعضُ رواته، فعند ابن مردویه من طریق عیسی بن یونس
عن الأعمَش مختصراً، ولفظه: عن النبيّ وَّه في قوله: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ إِيمَانَهُم
يِظُلْمٍ﴾ قال: بشِركٍ. ومن طريق أبي أحمدَ الزُّبَيريّ عن سفيان الثَّوْريّ عن الأعمَش مِثله
سواء(١).
وقد أخرجه الطَّبَريُّ (٢٥٦/٧) من طريق منصور عن إبراهيم في قوله: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُواْ
إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ﴾ قال: لم يَخْلِطوه بشِركٍ. هكذا أورَدَه موقوفاً على إبراهيم، ومن وجه آخر
عن علقمة مثله (٢٥٦/٧).
وأخرج (٢٥٦/٧) من طريق الأسود بن هلال عن أبي بكر الصِّدّيق مِثله، موقوفاً عليه،
وعن عمر (٢٥٧/٧): أنَّه قرأ هذه الآية ففَزَعَ، فسألَ أُبيّ بن كعب فقال: إنَّما هو: ولم يَلِسوا
إيمانهم بشركٍ.
ومن طريق زيد بن صُوحان (٧/ ٢٥٦) أنَّه قال لسلمان: آيَةٌ قد بَلَغَت منِّ كلَّ مَبلَغٍ،
فذكرها فقال سلمان: هو الشِّرك، فسُرَّ زيد بذلك، وأورَدَ من طريق جماعة من الصحابة
ومن التابعین مِثل ذلك.
ثمَّ أورد عن عكرمة (٢٥٩/٧) قولاً آخر: أنّها خاصّة بمَن لم يُهاچِر، ومن وجه آخر عن
عليّ (٧/ ٢٥٩) أنَّه قال: هذه الآية لإبراهيم خاصّة، ليست لهذه الأُمّة. وسندهما ضعيف.
وصَوَّبَ الطَّبَرِيُّ القولَ الأوَّل، وأنَّها على العموم لجميع المؤمنينَ.
قال الطِِّيُّ رَدّاً على مَن زَعَمَ أنَّ لفظ اللَّبْس يأبى تفسير الظُّلم هنا بالشّركِ، مُعتَلًا بأنَّ
الَّبس الخَلْط، ولا يَصِحّ هنا، لأنَّ الكفر والإيمان لا يَجْتَمِعان، فأجابَ: بأنَّ المراد بالذينَ آمنوا
أعمُّ من المؤمن الخالص وغيره، واحتَجَّ بأنَّ اسم الإشارة الواقع خَبَراً للموصولِ مع صِلَته
(١) لكن أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره)) ١٣٣٣/٤ عن عمر بن شبّة عن أبي أحمد الزبيري موصولاً! وأخرجه
الطبري أيضاً ٧/ ٢٥٥ و٢٥٦ من طرق عن الأعمش موصولاً، وكذا أخرجه موصولاً الهيثم بن كُليب
الشاشي في «مسنده)) (٣٣٧) عن شعبة عن الأعمش. ورواه معمر عند عبد الرزاق في «تفسيره)) ١/ ٢١٣،
والطبري ٧/ ٢٥٨ عن الأعمش: أنَّ ابن مسعود قال، فأسقط ذكر إبراهيم النخعي وعلقمة بن قيس.

١٧٦
باب ١/ح ٦٩١٨-٦٩٢١
فتح الباري بشرح البخاري
يقتضي أنَّ ما بعده ثابت لمن قبله لاكتِسابِهِ ما ذُكِرَ من الصِّفة، ولا ريب أنَّ الأمن المذكور
ثانياً هو المذكور أوَّلاً، فيجب أن يكون الظُّلم عَينَ الشِّرك، لأنَّه تقدَّم قوله: ﴿وَكَيْفَ
أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أَحَقُّ بِآلْأَمْنِ﴾ [الأنعام: ٨١] قال: وأمَّا معنى
اللَّيْس، فلَبْسُ الإيمان بالظُّلمِ: أن يُصدِّقَ بوجودِ الله ويَخْلِط به عبادةَ غيره، ويُؤيِّده قوله
تعالى: ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِالَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] وعُرِفَ بذلك مُناسَبة
٢٦٦/١٢ ذِكْرها في أبواب المرتَدّ، وكذلك الآية التي صَدَّرَ بها، وأمَّا الآية الأُخرى/ فقالوا: هي قضيَّة
شرطيَّة، ولا تَستَلِزِم الوقوع، وقيل: الخِطاب له والمراد الأُمّة، والله أعلم.
الحديث الثاني: حديث أبي بَكْرة في أكبرِ الكبائر، وقد مضى شرحه في الشَّهادات (٢٦٥٤)،
وفي عُقوق الوالدينِ من كتاب الأدب (٥٩٧٦).
الحديث الثالث: حديث عبد الله بن عمرو في ذِكْر الكبائر أيضاً، وقد تقدَّم شرحه في «باب
اليمين الغَمُوس)) من كتاب الأيمان والنُّذُور (٦٦٧٥).
قوله: ((جاء أعرابيّ)) لم أقِفْ على اسمه.
قوله: ((قلت: وما اليمين الغَمُوس؟)) السائل عن ذلك قد بيَّتُه عند شرح الحديث المذكور.
ومحمَّد بن الحسين بن إبراهيم في أوَّل السَّند: هو المعروف بابنِ إِشْكابَ أخو عليّ، وهو
من أقران البخاريّ، ولكنَّه سمعَ قبله قليلاً وماتَ بعده. وعُبيد الله بن موسى شيخه هو
من كِبار شيوخ البخاريّ المشهورينَ، وقد أكثرَ عنه بلا واسطة، وأقرَبُ ذلك ما تقدَّم في
أواخر الدّيات في («باب جَنين المرأة)) (٦٩٠٧)، ورُبَّما روى عنه بواسطةٍ كَهذا.
الحديث الرابع: حديث ابن مسعود.
قوله: «سفیان» هو الثوري.
قوله: ((قال رجل)) لم أقف على اسمه.
قوله: ((ومن أساء في الإسلام أُخِذ بالأول والآخِر)) قال الخطابي: ظاهرُه خلاف ما أجمعت

١٧٧
باب ١/ح ٦٩١٨-٦٩٢١
كتاب استتابة المرتدين
عليه الأمة أن الإسلام يَحُبُّ ما قبله(١)، وقال تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ
لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] قال: ووجه هذا الحديث: أن الكافر إذا أسلم لم يؤاخذ بما
مضى، فان أساء في الإسلام غايةَ الإساءةَ ورَكِب أشدَّ المعاصي، وهو مستمر على الإسلام،
فإنه إنما يُؤَاخِذُ بما جَنَاه من المعصية في الإسلام، ويُبكَّت بما كان منه في الكُفر، كأن يقالَ له:
ألستَ فعلتَ كذا وأنت كافر، فهلَّا منعك إسلامُك عن مُعاوَدة مثله؟! انتهى ملخصاً.
وحاصله: أنه أوَّلَ المؤاخذةَ في الأول بالتبكيت، وفي الآخِرِ بالعقوبة. والأَولى قولُ
غيره: إن المراد بالإساءة الكفر، لأنه غاية الإساءة وأشدُّ المعاصي، فإذا ارتدَّ ومات على
كفره، كان كمن لم يُسلِم، فيعاقبُ علی جمیع ما قدَّمه. وإلى ذلك أشار البخاري بإيراد هذا
الحديث بعد حديث ((أكبر الكبائر الشرك))، وأورد كلًّا في أبواب المرتدين.
ونقل ابن بطّال عن المهلَّب قال: معنى حديث الباب: من أحسن في الإسلام بالتمادي
على محافظته، والقيام بشرائطه لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام، أي:
في عقْدِه بترْك التوحيد، أُخِذ بكلِّ ما أسلَفَه، قال ابن بطال: فعرضتُه على جماعة من العلماء
فقالوا: لا معنى لهذا الحديث غير هذا، ولا تكون الإساءة هنا إلا الكفر، للإجماع على أن
المسلم لا يؤاخَذُ بما عمل في الجاهلية.
قلت: وبه جزم المحِبّ الطَّبري، ونقل ابن التِّين عن الداووديّ: معنى ((مَن أحسن)):
مات على الإسلام، و((من أساء)): مات على غير الإسلام. وعن أبي عبد الملك البُوْنيّ: معنى
((من أحسن في الإسلام)): أي أسلم إسلاماً صحيحاً لا نفاق فيه ولا شكَّ، و((من أساء في
الإسلام))، أي: أسلم رياءً وسُمْعة. وبهذا جَزَمَ القرطبي.
ولغيره: معنى الإحسان: الإخلاص حين دخل فيه، ودوامه عليه إلى موته، والإساءة بضد
ذلك، فإنه قال: إن لم يُخْلِص إسلامَه كان منافقاً، فلاينهدِم عنه ما عمِل في الجاهلية، فيُضاف
(١) وقد ورد فيه حديث مرفوع أخرجه مسلم (١٢١) من حديث عمرو بن العاص، بلفظ: ((الإسلام يَهَدِم
ما كان قبله)).

١٧٨
باب ١/ ح ٦٩٢١
فتح الباري بشرح البخاري
نِفاقُه المتأخّر إلى كفره الماضي، فيعاقب على جميع ذلك.
قلت: وحاصلُه: أنَّ الخطَّابي حمل قوله: في الإسلام على صفةٍ خارجةٍ عن ماهيّة
الإسلام، وحَمَله غيرُه على صفةٍ في نفس الإسلام، وهو أوجَهُ.
تنبيه: حديث ابن مسعود هذا يقابِل حديث أبي سعيد الماضي في كتاب الإيمان معلقاً
(٤١) عن مالك، فإن ظاهرَ هذا أن مَن ارتكب المعاصيَ بعد أن أسلَمَ يُكتَبُ عليه ما عمِلَه
من المعاصي قبل أن يُسلِم، وظاهر ذلك أنَّ من عمل الحسنات بعد أن أسلم يُكتَب له ما
عمله من الخيرات قبل أن يُسلِم، وقد مضى القول في توجيه الثاني عند شرحه، ويُحتمل أن
يجيء هنا بعضُ ما ذُكر هناك، كقول من قال: إنَّ معنى كتابة ما عمله من الخير في الكفر:
أنه كان سبباً لعمله الخيرَ في الإسلام.
٢٦٧/١٢
ثم وجدت في ((كتاب السنة)) لعبد العزيز بن جعفر - وهو من رؤوس / الحنابلة - ما يدفع
دعوة الخطابي وابن بطّال الإجماع الذي نقلاه، وهو ما نَقَل عن الميمُونيّ عن أحمد، أنه قال: بلغني أن
أبا حنيفة يقول: إنَّ مَن أسلم لا يؤاخذ بما كان في الجاهلية، ثم ردَّ عليه بحديث ابن مسعود، فقيه
أنَّ الذنوب التي كان الكافر يفعلها في جاهليته إذا أصرَّ عليها في الإسلام، فإنه يؤاخذ بها، لأنه
بإصراره لا يكون تاب منها، وإنما تاب من الكفر، فلا يسقط عنه ذنب تلك المعصية لإصراره
عليها، وإلى هذا ذهب الحليمي من الشافعية، وتأول بعض الحنابلة قوله: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ
إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّاقَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] على أنَّ المراد ما سلف مما انتهوا عنه.
قال: والاختلافُ في هذه المسألة مبنيٌّ على أن التوبةَ هي النَّدم على الذنْب مع الإفْلاع عنه،
والعزم على عدم العَوْد إليه، والكافر إذا تاب من الكفر، ولم يَعزِم على عدم العَوْد إلى الفاحشة لا
يكون تائباً منها، فلا تسقط عنه المطالَبةُ بها، والجواب عن الجمهور: أنَّ هذا خاصٌّ بالمسلم، وأما
الكافر فإنه يكون بإسلامه كيومَ ولَدتْه أمُّه، والأخبار دالَّة على ذلك، كحديث أسامة لمَا أنكر
عليه النبيُّ ◌ََّ قتَلَ الذي قال: لا إله إلّا الله، حتى قال في آخره: حتى تمنّيتُ أنني كنتُ أسلمْتُ
يومئذٍ(١).
(١) سلف برقم (٤٢٦٩) و(٦٨٧٢)، وأخرجه مسلم (٩٦).

١٧٩
باب ٢
كتاب استتابة المرتدين
٢- باب حُكم المرتدّ والمرتدّة، واستتابتهم
وقال ابن عمر والزّهريّ وإبراهيم: تقتل المرتدّة
وقال الله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِى اَللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَنِهِمْ وَشَهِدُوَ أْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌ ؟
إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ إلى آخرها [آل عمران: ٨٦ - ٩٠] وقال: ﴿يَكَأَيُّهَا
اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِبِقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ يَرُدُوكُمْ بَعْدَ إِيَمَنِّكُمْ كَفِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٠]
وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَمَنُواْ تُمَّكَفَرُواْ﴾ إلى ﴿سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٣٧] وقال: ﴿مَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن
دِينِ، فَسَوْفَ يَأْتِىِ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] وقال: ﴿وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾
إلى: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾، ﴿لَاجَرَمَ﴾ [النحل: ١٠٦-١٠٩] يقول حقّاً: ﴿أَنَّهُمْ
فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ إلى: ﴿لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [١٠٩-١١٠] وقال: ﴿وَلَا يَزَالُونَ
يُقَائِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ أَسْتَطَعُوا﴾ إلى قوله: ﴿وَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ
فِيهَا خَلِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧].
٢٦٨/١٢
قوله: ((باب حكم المرتَدّ والمُرتَدَّة)) أي: هل هما سواء أم لا؟
قوله: ((واستِابتهم)) كذا لأبي ذرٍّ، وفي رواية القابسي: واستتابتهما، وحُذِفَ للباقين، لكنهم
ذكروها كأبي ذر بعد ذكر الآثار عن ابن عمر وغيره. وتوجيه الأولى: أنه جمع على إرادة الجنس.
قال ابن المنذر: قال الجمهور: تقتل المرتدَّة، وقال عليّ: تُسترقُّ، وقال عمر بن عبد العزيز:
تُباع بأرضٍ أخرى، وقال الثوري: تُحبَس ولا تُقتَل، وأسنده عن ابن عباس(١)، قال: وهو
قول عطاء، وقال أبو حنيفة: تحبس الحُرَّة، ويُؤمَر مولى الأمَّةِ أن يُحبِرِها.
قوله: ((وقال ابن عمر والزُّهْري وإبراهيم)) يعنى: النَّخعي ((تُقتَل المرتَدَّةُ))، أما قول ابن
عمر، فنسبه مُغَلْطاي إلى تخريج ابن أبي شيبة(٢).
(١) سيخرجه الحافظ قريباً.
(٢) أخرج ابنُ أبي شيبة ١٠/ ١٣٥ بإسناد صحيح عن ابن عمر: أنَّ جارية لحفصة سَحَرَتْها، ووَجَدوا سحرها،
واعترفت، فأمرت عبد الرحمن بن زيد فقتلها، فبلغ ذلك عثمان فأنكره، واشتدَّ عليه، فأتاهُ ابن عمر =

١٨٠
باب ٢
فتح الباري بشرح البخاري
وأما قول الزُّهري وإبراهيم، فوصله عبد الرزاق (١٨٧٢٥) عن مَعْمر عن الزُّهْري في
المرأة تكفُرُ بعد إسلامها، قال: تُستتابُ، فإن تابَتْ وإلّا قُتِلَتْ. وعن معمر عن سعيد بن
أبي عروبة عن أبي مَعْشَر عن إبراهيم مثله (١٨٧٢٦). وأخرجه ابن أبي شيبة (١٤١/١٠)
من وجه آخر عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم.
وأخرج سعيد بن منصور عن هشيم عن عُبيدة بن مُعتِّبٍ عن إبراهيم، قال: إذا ارتَدَّ
الرجلُ أو المرأةُ عن الإسلام استُثِيبا، فإن تابا تُرِكا، وإن أبيا قُتِلا. وأخرج ابن أبي شيبة
(١٠/ ١٤٠) عن حفص عن عُبيدة عن إبراهيم: لا تُقْتَل، والأول أقوى، فإنَّ عُبيدة ضعيفٌ،
وقد اختلف نقلُه عن إبراهیم.
ومقابل قول هؤلاء حديث ابن عباس: لا تُقتَلُ النِّساء إذا هُنَّ ارتَدَدْنَ، رواه أبو حنيفة عن
عاصم عن أبي رَزِين عن ابن عباس، أخرجه ابن أبي شيبة (١٣٩/١٠ -١٤٠) والدار قطني
(٣٤٥٥-٣٤٥٩)(١)، وخالفه جماعة من الحفّاظ في لفظ المتن.
وأخرج الدار قطني (٣٢١٥) عن ابن المنكدر عن جابر: أنَّ امرأةً ارتدَّتْ فأمر النبي
صَلىالله
وَسَّكم
بقتلها، وهو يُعكِّرُ على ما نَقَلَه ابن الطَّلَّاع في ((الأحكام)»: أنه لم يُنقَل عن النبيِّ وَّه أنه قَتَلَ
مُرَّدةً.
قوله: ((وقال الله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِى اُللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَنِمْ وَشَهِدُوْأَنَّ الرَّسُولَ
حَقٌ ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ إلى آخرها)) كذا لأبي ذَرٍّ، وساقَ الآيةَ إلى
﴿الضَّالُونَ﴾، وفي رواية القابسيّ بعد قوله: ﴿حَقٌ﴾: إلى قوله (٢): ﴿لَّنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ
وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّالُونَ﴾ [آل عمران: ٩٠]، وفي رواية النَّسَفِيّ: ﴿كَيْفَ يَهْدِى اَللَّهُ قَوْمًاً
كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَنِهِمْ﴾ الآيتين إلى قوله: ﴿كَفِينَ﴾، كذا عنده، وكأنه وقع عنده خَلْطُ هذه
= فأخبره أنها سَحَرَتْها ووجَدوا سِحْرها واعترفت به، فكأنَّ عثمان إنما أنكر ذلك لأنها قتلت بغير إذنه. وقد
احتجَّ أحمد بن حنبل بهذا على قتل المرتدة فيما نقله عنه الخلال في ((أحكام أهل الملل)) (١٣٥٧).
(١) وأخرجه أيضاً عبد الرزاق (١٨٧٣١)، وأبو نعيم في ((مسند أبي حنيفة)) ص ١٩٠، والبيهقي ٢٠٣/٨.
(٢) قوله: ((﴿حَقٌ﴾ إلى قوله)) سقط من (س).