النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
باب ٢٥/ح ٦٩٠٥ -٦٩٠٨
كتاب الديات
٦٩٠٨ - قال: انتِ بمن يَشهَدُ مَعَكَ على هذا، فقال محمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ: أنا أشهَدُ على النبيِّ وَّلـ
بمِثْلِ هذا.
٦٩٠٨°م- حدَّثْنا محمّدُ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا محمَّدُ بنُ سابقٍ، حدَّثنا زائدةُ، حدَّثنا هشامُ بنُ
عُرْوةَ، عن أبيه، أنَّه سمعَ المغِيرةَ بنَ شُعْبَةَ يُحدِّثُ عن عمرَ: أَنَّه استشارَهم في إملاص المرأةِ،
مِثْلَه.
الحديث الثاني: قوله: (حدّثنا ۇُھیب)) هو ابن خالد، وصرَّحَ أبو داود(١) في روايته عن موسی
ابن إسماعيل شيخ البخاريّ فیه به.
قوله: ((عن (٢) هشام)) هو ابن عُرْوة، وصَرَّحَ به الإسماعيليّ من طريق عَفّان عن وُهَيب
به.
قوله: ((عن أبيه، عن المغيرة)) في رواية الإسماعيليّ من طريق ابن جُرَيج: حدَّثني هشام
ابن عُرْوة عن أبيه أنَّه حدَّثه، عن المغيرة بن شُعْبة أنَّه حدَّثه.
قال أبو داود عَقِب رواية وُهَيب (٤٥٧١): رواه حمّاد بن زيد وحَمَّاد بن سَلَمة عن هشام
عن أبيه: أنَّ عمر، يعني: لم يَذكُر المغيرة في السَّند. قلت: وهي رواية عُبيد الله بن موسى
التي تَلي حديث الباب، وساقَ الإسماعيليّ من طريق حَمَّاد بن زيد وعبد الله بن المبارك
وعَبْدة(٣)، کلّهم عن هشام نحوه.
وخالَفَ الجميعَ وكيعٌ(٤) فقال: عن هشام عن أبيه عن المسور بن تَخَرَمةَ: أنَّ عمر استشارَ
الناس في إملاص المرأة فقال المغيرة، أخرجه مسلم (١٦٨٣).
(١) لم نقف على تقييد وهيب في شيء من نسخ أبي داود الخطية التي بأيدينا، ولا في النسخة التي بخط الحافظ
نفسه!
(٢) كذا وقع في الأصلین و(س) بالعنعنة، مع أنَّ في الیونینیة دون حكاية خلاف أنه بصيغة: حدثنا!
(٣) تحرف في (س) إلى: عبيدة.
(٤) ووافقه عَبْدة بن سليمان عند الطبراني ١٩/ (٥٠٩)، وقد ذكره الدار قطني في ((العلل)) (١٢٦٤) فيمن
وافق وكيعاً على ذكر المسور.

١٤٢
باب ٢٥/ح ٦٩٠٥ - ٦٩٠٨
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((عن عمر : أنَّه استشارَهم)) في رواية الإسماعيليّ من طريق سفيان بن عُيَينةً عن
هشام عن أبيه عن المغيرة: أنَّ عمر.
قوله: ((في إملاص المرأة)) في رواية المصنّف في الاعتصام (٧٣١٧) من طريق أبي معاوية
عن هشام عن أبيه عن المغيرة: سألَ عمر بن الخطّاب عن(١) إملاص المرأة - وهي التي يُضرَبُ
بطنُها فتُلقي جَنِينها(٢) - فقال: أيّكم سمعَ من النبيّ وَّ فيه شيئاً؟ وهذا التَّفسير أخصُّ من
قول أهل اللُّغة: إنَّ الإملاص: أن تُزلِقه المرأة قبل الولادة، أي: قبلَ حينِ الولادة، هكذا
نَقَلَه أبو داود في ((السُّنَن)) عن أبي عُبيد، وهو كذلك في ((الغريب)) له، وقال الخليل: أملَصَت
المرأة والناقة: إذا رَمَت ولدها، وقال ابن القَطّعِ: أملَصَت الحامل: ألقَتْ ولدها، ووَقَعَ في
بعض الرِّوايات: ((مِلاص)) بغير ألِفٍ، كأنَّه اسم فعل الولد، فحُذِفَ المضاف وأُقيم المضاف إليه
مقامه، أو اسم لتلك الولادة کالخداج.
ووَقَعَ عند الإسماعيليّ من رواية ابن جُرَيج عن هشام المشار إليها: قال هشام: المِلاص:
الجنينُ، وهذا يَتَخَرَّج أيضاً على الحذف. وقال صاحب ((البارع)): الإملاص: الإسقاط، وإذا
قَبَضتَ على شيء فسَقَطَ من يَدك، تقول: أملَصَ من يَدي إملاصاً ومَلِصَ مَلَصاً، ووَقَعَ في
رواية عُبيد الله بن موسى التي تَلي حديث الباب: أنَّ عمر نَشَدَ الناس: مَن سمعَ النبيّ
قَضَى في السِّقْط؟
قوله: ((فقال المغيرة)) كذا في رواية عُبيد الله بن موسى، وفي رواية ابن عُيَينَةَ: فقامَ المغيرة
ابن شُعْبة، فقال: أنا يا أميرَ المؤمنين. وفيه تجريد، وكان السّياقُ يقتضي أن يقول: فقلت،
وقد وَقَعَ في رواية أبي معاوية المذكورة (٧٣١٧): فقلت: أنا.
قوله: ((فَضَى النبيّ ◌َّه بالغُرّةِ: عبدٍ أو أمةٍ)» كذا/ في رواية عَفّان عن ◌ُهيب، باللّام، وهو
٢٥١/١٢
(١) تحرَّف في (س) إلى: في.
(٢) كذا في الأصلين و(س)، مع أنَّ لفظ الرواية دون حكاية خلاف في الیونینیة: جنیناً، و کذلك جاء عندنا
في النسخة الخطية التي برواية الهرويّ.

١٤٣
باب ٢٥/ح ٦٩٠٥-٦٩٠٨
كتاب الديات
يُؤيِّد رواية التَّنوين، وسائر الرّوايات: بغُرّةٍ، ومنها رواية أبي معاوية بلفظ: سمعت النبيّ
يقول: ((فيه(١) غُرّة: عبدٌ أو أمةٌ)).
قوله: ((فشَهِدَ محمَّد بن مَسْلَمَةَ: أَنَّه شَهِدَ النبيَّنَّلِ قَضَى به)) كذا في رواية وُهَيب مختصراً،
وفي رواية ابن عُيَينَةَ: فقال عمر: مَن يَشْهَد مَعَك؟ فقامَ محمَّد بن مسلمة(٢) فشَهِدَ بذلك،
وفي رواية وكيع: فقال: ائْتِنِي بمَن يَشْهَد مَعَك، فجاء محمَّد بن مَسلَمةَ فشَهِدَ له، وفي رواية
أبي معاوية: فقال: لا تَبَرَح حتَّى تجيء بالمَخرَج ممّا قلتَ، قال: فخَرَجتُ فوجَدتُ محمَّد
ابن مَسلَمةَ، فجئتُ به، فشَهِدَ معي: أنَّه سمعَ النبيّ ◌ِ ﴿ قَضَى به.
قوله: ((حدَّثنا عُبيد الله بن موسى، عن هشام)) هو ابن عُرْوة، وهذا في حُكم الثَّلاثيّات،
لأنَّ هشاماً تابعيّ كما سَبَقَ تقريره في رواية عُبيد الله بن موسى أيضاً عن الأعمَش في أوَّل
الدّيات (٦٨٦٤).
قوله: ((عن أبيه: أنَّ عمر)) هذا صورته الإرسالُ، لكن تَبَيَّن من الرِّواية السابقة واللّاحقة أنَّ
عُرْوة حَمَلَه عن المغيرة، وإن لم يُصرَّح به في هذه الرِّواية.
وفي عُدول البخاريّ عن رواية وكيع إشارة إلى ترجيح رواية مَن قال فيه: عن عُرْوة
عن المغيرة، وهم الأكثر.
قوله: ((فقال المغيرة)) كذا لأبي ذرٍّ، وهو الأوجَهُ، ولغيره: وقال المغيرة، بالواو.
قوله: (ائتِ بَمَن يَشهَد)) كذا للأكثر بصيغة فعل الأمر من الإتيان، وحُذِفَت عند بعضهم
الباءُ من قوله: ((بمَن))، ووَقَعَ في رواية أبي ذرِّ عن غير الكُشمِيهنيّ: بألِفٍ ممدودة ثمَّ نون ثمَّ
مُثنّاة، بصيغة استفهام المخاطَب على إرادة الاستثبات، أي: آنْتَ تَشْهَد؟ ثمَّ استَفْهَمَه ثانياً:
مَن يَشهَد مَعَك؟
قوله في الطريق الثالثة: ((حدَّثنا محمَّد بن عبد الله)) هو محمَّد بن يحيى بن عبد الله الذُّهْلِيُّ،
(١) تحرَّف في (س) إلى: فيها.
(٢) قوله: ((بن مسلمة)) سقط من (س).

١٤٤
باب ٢٥/ح ٦٩٠٥-٦٩٠٨
فتح الباري بشرح البخاري
نَسَبَه إلى جَدِّه، وقد أخرجه أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) من طريق ابن خُزَيمةَ عن محمَّد بن
يحيى عن محمَّد بن سابق، وكلام الإسماعيليّ يُشعِر بأنَّ البخاريّ أخرجه عن محمَّد بن سابق
نفسه بلا واسطة.
قوله: ((أَنَّه استشارَهم في إملاص المرأة، مِثْله)» يعني: مِثل رواية وُهَيب.
قال ابن دقيق العيد: الحديث أصلٌ في إثبات دية الجنين، وأنَّ الواجب فيه غُرّة: إمّا عبد
وإمّا أمة، وذلك إذا ألقَتْه ميِّاً بسببِ الجِناية، وتَصرَّفَ الفقهاء بالتَّقييدِ في سِنّ الغُرّة، وليس
ذلك من مُقْتَضى الحديث كما تقدَّمَ. واستشارةُ عمرَ في ذلك أصلٌ في سؤال الإمام عن الحكم إذا
كان لا يَعلَمِه، أو كان عنده شَكٌّ، أو أراد الاستثباتَ.
وفيه أنَّ الوقائع الخاصّة قد تَخْفَى على الأكابِرِ، ويَعلَمها مَن دونَهم، وفي ذلك رَدٌّ على
المقَلِّد إذا استُدِلَّ عليه بخَبَرِ يُخالفه، فيُجيب: لو كان صحيحاً لَعَلِمَه فلان مثلاً، فإِنَّ ذلك
إذا جازَ خَفاؤُه عن مِثل عمر فخَفاؤُه عمَّن بعده أجوز.
وقد تَعلَّقَ بقولِ عمر: لَتأتيَنَّ بِمَن يَشْهَد مَعَك، مَن يرى اعتبار العَدَد في الرِّواية، ويَشتَرِط
أنَّه لا يُقبَلُ أقلُّ من اثنَينِ كما في غالب الشَّهادات، وهو ضعيف كما قال ابن دقيق العيد، فإنَّه قد
ثَبَتَ قَبُول الفَرد في عِدّة مَواطِن، وطلبُ العَدَد في صورة جُزئيَّة لا يدلّ على اعتباره في كلّ
واقعة، لجوازِ المانع الخاصّ بتلكَ الصّورة، أو وجود سبب يقتضي التثبّت وزيادة الاستظهار،
ولا سيَّما إذا قامت قَرِينة، وقريبٌ من هذا قصَّةُ عمر مع أبي موسى في الاستئذان.
قلت: وقد تقدَّم شرحها مُستَوفَّى في كتاب الاستئذان (٦٢٤٥)، وبَسطُ هذه المسألة
أيضاً هناك، وتأتي أيضاً في باب إجازة خبر الواحد من كتاب الأحكام(١)، وقد صَرَّحَ عمر
في قصَّة أبي موسى بأنَّه أراد الاستثبات.
وقوله: في إملاص المرأة، أصرَحُ في وجوب الانفصال ميّاً من قوله في حديث أبي هريرة:
قَضَى في الجنين.
(١) بل في كتاب التمني، والباب المذكور هو ترجمة الأحاديث (٧٢٤٦ - ٧٢٦٠).

١٤٥
باب ٢٥/ح ٦٩٠٥-٦٩٠٨
كتاب الديات
وقد شَرَطَ الفقهاء في وجوب الغُرّة انفصال الجنين ميِّئاً بسببِ الجِناية، فلو انفَصَلَ حَيّاً
ثمَّ ماتَ وجَبَ فيه القَوَد أو الدّية كاملة، ولو ماتت الأُمّ ولم يَنفَصِل الجنين لم يجب شيء
عند الشافعيَّة لعَدَمِ تَيقَنِ وجود الجَنين، وعلى هذا هل المعتبر نفس الانفصال أو تَحَقُّق
حصول الجنين؟ فيه وجهان: أصحُّهما: الثّاني، ويظهر أثرُه فيما لو قُدَّت نصفَينِ أو شُقَّ بطنُها
فشُوهِدَ الْجَنين، وما (١) إذا خَرَجَ رأس الجنين مثلاً بعدَما ضُرِبَ/ وماتت الأَمّ ولم يَنفَصِل، ٢٥٢/١٢
قال ابن دقيق العيد: ويحتاج مَن قال ذلك إلى تأويل الرِّواية، وحَمْلِها على أنَّه انفَصَلَ وإن لم
یکن في اللّفظ ما یدلّ عليه.
قلت: وَقَعَ في حديث ابن عبّاس عند أبي داود: فأسقَطَت غلاماً قد نَبَتَ شَعره ميِّناً،
فهذا صريح في الانفِصال، ووَقَعَ مجموع ذلك في حديث الزُّهْريّ، ففي رواية عبد الرّحمن
ابن خالد بن مُسافر الماضية في الطِّبّ (٥٧٥٨): فأصاب بطنها وهي حامل فقتلت ولدَها
في بطنها، وفي رواية مالك في هذا الباب: فطَرَحَت جنينها.
واستُدِلَّ به على أنَّ الحُكم المذكور خاصّ بولدِ الحُرّة، لأنَّ القصَّة ورَدَت في ذلك.
وقوله: في إملاص المرأة، وإن كان فيه عموم لكنَّ الراويَ ذكر أنَّه شَهِدَ واقعة مخصوصة،
وقد تَصرَّفَ الفقهاء في ذلك، فقال الشافعيَّة: الواجب في جَنين الأمة عُشر قيمة أُمّه، كما
أنَّ الواجب في جَنين الحُرّة عُشر ديَتها، وعلى أنَّ الحُكم المذكور خاصٌّ بمَن يُحكم بإسلامه، ولا
يَتعرَّض لجَنِينٍ محكوم بتَهُوُّدِه أو تَنَصُّره، ومن الفقهاء مَن قاسَه على الجنين المحكوم بإسلامه
تَبَعاً وليس هذا من الحديث.
وفيه أنَّ القتل المذكور لا يجري مَجَرَى العَمْد، والله أعلم.
واستُدِلَّ به على ذَمِّ السَّجع في الكلام، ومحلّ الكراهة إذا كان ظاهرَ التكَلَّف، وكذا لو
كان مُنسَجِماً لكنَّه في إبطال حَقّ أو تحقيق باطل، فأمَّا لو كان مُنسَجِماً وهو حَقّ أو في مُباح
فلا كراهة، بل ربَّما كان في بعضه ما يُستَحَبّ، مِثل أن يكون فيه إذعانُ مخالفٍ للطّاعة، كما
(١) تحرَّف في (س) إلى: وأما.

١٤٦
باب ٢٦/ح ٦٩٠٩ - ٦٩١٠
فتح الباري بشرح البخاري
وَقَعَ لِمِثْل القاضي الفاضل(١) في بعض رَسائله، أو إقلاع عن معصية كما وَقَعَ لِمِثْل أبي الفَرَج
ابن الجَوْزيّ في بعض مَواعِظه، وعلى هذا يُحمَل ما جاء عن النبيّ ◌ََّ، وكذا عن غيره من
السَّلَف الصالح، والذي يظهر لي أنَّ الذي جاء من ذلك عن النبيّ وٍَّ لم يكن عن قصدٍ إلى
التَّسجيع، وإِنَّما جاء اتِّفاقاً لِعِظَمِ بَلاغته، وأمَّا مَن بعده فقد يكون كذلك، وقد یکون عن قصد
وهو الغالب، ومراتبهم في ذلك مُتَفاوتة جدّاً، والله أعلم.
٢٦ - باب جنين المرأة، وأنّ العقل على الوالد وَعَصَبةِ الوالِدِ، لا على الولدِ
٦٩٠٩ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، حدَّثنا اللَّيثُ، عن ابنِ شِهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيّبِ،
عن أبي هريرةَ: أنَّ رسولَ الله وَِّ قَضَى في جَنِينِ امرأةٍ من بني لِحْيان بِغُرّةٍ: عبدٍ أو أمةٍ، ثمَّ إنَّ
المرأةَ التي قَضَى عليها بالغُرَّةِ تُوُفِّيَت، فَقَضَى رسولُ اللهِ وَّهِ أَنَّ مِيراثَها لَبَنِيها وزَوْجِها، وأنَّ
العَقْلَ على عَصَبَتِها.
٦٩١٠ - حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، حدَّثنا ابنُ وَهْب، أخبَرني يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ، عن
ابنِ المسيّبٍ وأبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، أَنَّ أبا هريرةَ ◌ّه قال: اقْتَتَتِ امرأتان من هُذَيلٍ، فَرَمَت
إحداهما الأُخرى بحجرٍ فقَتَلَتْها وما في بَطْنِها، فاختَصَموا إلى النبيِّ وَِّ، فَقَضَى أَنَّ دِيةَ جَنِينِها
غُرّةٌ: عبدٌ أو وليدةٌ، وقَضَى أنَّ دِيةَ المرأةِ على عاقِلَتِها.
قوله: ((باب جَنين المرأة، وأنَّ العَقْل على الوالد وعَصَبة الوالد، لا على الولد)» ذكر فيه حديث أبي
هريرة المذكور في الباب الذي قبله مِن وجهَين، قال الإسماعيليّ: هكذا تَرَجَمَ أنَّ العقْل على
الوالد وعَصَبة الوالد، وليس في الخبر إيجاب العقل على الوالد، فإن أراد الوالدة التي كانت هي
الجانية فقد يكون الحُكم عليها، فإذا ماتت أو عاشَت فالعقل على عَصَبَتَها. انتهى، والمعتمد ما
قال ابن بَطّال: مُراده: أنَّ عَقْل المرأة المقتولة على والد القاتِلة وعَصَبَتَه.
قلت: / وأبوها وعَصَبة أبيها عَصَبَتُها، فطابَقَ لفظ الخبر الأوَّل في الباب، وأنَّ العقل على
عَصَبَتها، وبيَّنه لفظ الخبر الثّاني في الباب أيضاً: وقَضَى أنَّدية المرأة على عاقِلَتها، وإنَّما ذكره بلفظ
٢٥٣/١٢
(١) هو عبد الرحيم بن علي بن الحَسَن اللَّخْمي البَيْساني، له ترجمة في ((سير أعلام النبلاء)) ٣٣٨/٢١.

١٤٧
باب ٢٧/ ح ٦٩١١
كتاب الديات
الوالد للإشارة إلى ما وَرَدَ في بعض طرق القصَّة.
وقوله: ((لا على الولد)) قال ابن بَطّال: يريد أنَّ ولد المرأة إذا لم يكن من عَصَبَتَها لا يَعِقِل
عنها، لأَنَّ العقل على العَصَبة دونَ ذَوي الأرحام، ولذلك لا يَعِقِل الإخوةُ من الأُمّ. قال:
ومُقتَضى الخبر: أنَّ مَن يَرِثها لا يَعِقِل عنها إذا لم يكن من عَصَبَتَها، وهو مُتَّفَق عليه بين العلماء
كما قاله ابن المنذر. قلت: وقد ذكرت قبل هذا أنَّ في رواية أُسامة بن عُمَير: فقال أبوها: إنّما
يَعْقِلها بَنُوها، فقال النبيّ وَِّ: ((الدّيّةُ على العَصَبة))(١).
٢٧ - باب من استعان عبداً أو صبيّاً
وَيُذكَرُ أَنَّ أَمَّ سَلَمَةَ بَعَثَت إلى مُعلِّم الكُتّابِ: ابعَث إليَّ غِلْماناً يَنفُشونَ صوفاً، ولا تَبْعَث إليَّ
حُرّاً.
٦٩١١ - حدَّثنا عَمْرو بنُ زُرارةَ، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، عن عبدِ العزيزِ، عن أنسٍ، قال:
لمَّا قَدِمَ رسولُ اللهِوَِّ المدينةَ، أَخَذَ أبو طَلْحَةَ بَيَدي، فانطَلَقَ بي إلى رسولِ الله وَّةِ، فقال: يا
رسولَ الله، إنَّ أنساً غُلامٌ كَيِّسٌ، فَلْيَخْدُمْكَ، قال: فخَدَمْتُهُ في الحَضَرِ والسَّفَرِ، فوالله ما قال لي
لشيءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ صَنَعْتَ هذا هكذا؟ ولا لشيءٍ لم أصنَعْه: لمَ لم تَصْنَع هذا هكذا؟
قوله: ((باب مَن استَعانَ عبداً أو صبيّاً) كذا للأكثر بالنّون. وللنَّسَفيِّ والإسماعيليّ:
استَعارَ، بالرَّاء. قال الكِرْمانيُّ: ومُناسَبة الباب للكتابِ أنَّه لو هَلَكَ وَجَبَت قيمة العَبد أو
دية الحُرّ.
قوله: ((ويُذكَر أنَّ أمّ سَلَمة بَعَثَت إلى مُعلِّم الكُتّاب)) في رواية النَّسَفيّ: مُعلِّم كُتّاب، بالتَّنكيرِ.
قوله: ((ابعَثْ إليَّ غِلْماناً يَنفُشونَ)) هو بضمِّ الفاء وبالشّينِ المعجمة.
قوله: ((صوفاً، ولا تَبعَثْ إليَّ حُرّا) كذا للجُمهورِ، بكسر الهمزة وفتح اللّام الخفيفة بعدها ياء
ثقيلة، وذكره ابن بَطّال بلفظ: إلّا، بحرفِ الاستثناء وشَرَحَه على ذلك، وهو عكسُ معنى رواية
الجماعة.
(١) هذا لفظ رواية البيهقي ١٠٨/٨.

١٤٨
باب ٢٧/ح ٦٩١١
فتح الباري بشرح البخاري
وهذا الأثر وَصَلَه الثَّوْريّ في ((جامعه)) وعبد الرَّزّاق في ((مُصنَّفْه))(١) عنه(٢) عن محمَّد
ابن المنكَدِر عن أمّ سَلَمة، وكأنَّه مُنقَطِع بين ابن المنكَدِر وأُمّ سَلَمة، لذلك لم يجزم به.
ثمَّ ذكر حديثَ أنس في خِدمَتِه النبيَّ وَّهُ في الحَضَر والسَّفَر بالتماس أبي طلحة من
النبيّ وَّةِ، وإجابته له، وأبو طلحة كان زوجَ أمّ أنس وعن رأيها فعَلَ ذلك، وقد بيَّنت
ذلك في أواخر(٣) كتاب الوصايا (٢٧٦٨). قال ابن بَطّال: إنَّما اشتَرَطَت أمّ سَلَمة الحُرَّ
لأنَّ ◌ُمهور العلماء يقولون: مَن استعار حُرّاً لم يَبلُغ أو عبداً بغير إذن مولاه، فهَلَكا من
ذلك العمل، فهو ضامن لقيمة العَبد، وأمَّا دية الحُرّ فهي على عاقلَته.
قلت: وفي الفَرق من هذا التَّعليل نظَرٌّ، ونَقَلَ ابن التِّين ما قال ابن بَطّال، ثمَّ نَقَلَ عن
الذَّاوُوديّ أنَّه قال: يُحمَل فعل أمّ سَلَمة على أنَّهَا أمُّهم، قال: فعلى هذا لا فرقَ بين حُرّ
وعبد، ونَقلَ عن غيره أنَّهَا إِنَّما اشتَرَطَت أن لا يكون حُرّاً لأنَّهَا أمِّ لنا، فالُنا كمالها وعَبِيدُنا
كَعَبِيدِها، وأمَّا أولادُنا فاجتَبَتهم، وقال الكِرْمانيُّ: لعلَّ غَرَضها من مَنعِ بَعْث الحُرّ إكرام
الحُرّ(٤) وإيصال العِوض، لأنَّه على تقدير هلاكه في ذلك لا تَضمَنُه، بخِلَاف العَبد فإنَّ الضَّمان
عليها لو هَلَكَ به.
وفيه دليل على جواز استخدام الأحرار وأولاد الجيران فيما لا كبيرَ مَشَقّةٍ فيه، ولا يُاف
منه التَّلَف، كما في حديث الباب، وقد تقدَّمَت الإشارة إلى ذلك في أواخر الوصايا (٢٧٦٨).
(١) كذا عزاه الحافظ هنا لعبد الرزاق، وتقدم ذلك منه في ((تغليق التعليق)) ٢٥٦/٥، ولم نقف عليه في ((مصنف عبد
الرزاق))، وقد عزاه ابنُ المُلقِّن في ((التوضيح)) ٤٧١/٣١، وتبعه العيني في ((عمدة القاري)) ٦٩/٢٤ إلى وكيع
أنه أخرجه عن معمر عن سفيان عن ابن المنكدر عن أم سلمة، ويغلب على الظن أنَّ قول الحافظ هو الصواب،
لأنه يبعد أن يروي وكيع عن معمر - وهو ابن راشد - عن سفيان الثوري، وثلاثتهم في طبقة واحدة، لكن عبد
الرزاق يروي عن معمر عن الثوري، وعن الثوري مباشرة أيضاً.
(٢) أورد الحافظ هذا الأثر في ((تغليق التعليق)) ٢٥٥/٥- ٢٥٦، ونسبه لعبد الرزاق في ((مصنفه)) وساق
إسناده، فقال: عن معمر عن سفيان عن محمد بن المنكدر عن أم سلمة، فعبد الرزاق لم يروه عن الثوري
مباشرة، وإنما بواسطة معمر، وإن كانت روايته عن الثوري مباشرة معروفة.
(٣) في (س): أول، وهو خطأ.
(٤) كذا في الأصلين و(س)، والذي في مطبوع ((الكواكب الدراري) للكرماني: التزام الخير، بدل: إكرام الحرّ.

١٤٩
باب ٢٧/ح ٦٩١١
كتاب الديات
قوله: ((عن عبد العزيز)) هو ابن صُهَيب، وقد تقدَّم منسوباً في هذا الحديث بعينه في
کتاب الوصايا.
ومُناسَبة أثر أمّ سَلَمة لقصَّة أنس أنَّ في كلّ منهما استخدام الصَّغير بإذنٍ وليّه،/ وهو ٢٥٤/١٢
جارٍ على العُرْف السائغ في ذلك، وإنَّما خَصَّت أمُّ سَلَمَة العَبيدَ بذلك لأنَّ العُرْفِ جَرَى
بِرِضا السادة باستخدام عَبيدهم في الأمر اليسير الذي لا مَشَقّة فيه، بخلاف الأحرار، فلم
تَجِرِ العادة بالتَّصَرُّفِ فيهم بالِدمة كما يُتَصَّف في العبيد.
وأمَّا قصَّة أنس فإنَّه كان في كَفالة أمّه، فرأت له من المصلحة أن يَخْدُم النبيّ ◌َلّ لما في
ذلك من تحصيل النَّفْع العاجل والآجل، فأحضَرَتْه وكان زوجُها معها، فنُسبَ الإحضار
إليها تارة وإليه أُخرى، وهذا صَدَرَ من أمّ سُلَيم أوَّلَ ما قَدِمَ النبيّ ◌َهِ المدينة كما سَبَقَ في
((باب حُسن الخُلُق)) (٦٠٣٨) من كتاب الأدب واضحاً، وكانت لأبي طلحة في إحضار
أنس قصَّة أُخرى، وذلك عند إرادة النبيّ وَّهُ الخروجَ إلى خَيْبر كما أوضحتُ ذلك هنالك
أيضاً، وتقدَّم في كتاب المغازي (٢٨٩٣) قوله بَّ لأبي طلحة لمَّا أراد الخروج إلى خَيْبر:
((التَمِس لي غلاماً يخدُمُني))(١) فأحضَرَ له أنساً، وقد بيَّنْتُ وجه الجمع المذكور في كتاب
الأدب أيضاً.
قال الكِرْمانيُّ: مُناسَبة الحديث للتَّرجمة أنَّ الخدمة مُستَلزِمة للاستعانة.
وقوله في آخر الحديث: ((فما قال لي لشيءٍ صَنَعتُهُ: لَمَ صَنَعتَ هذا هكذا؟ ولا لشيءٍ لم
أصنَعه: لِمَ لم تَصنَعْ هذا هكذا؟)) كذا وَقَعَ بصيغةٍ واحدة في الإثبات والنَّفي، وهو في
الإثبات واضح، وأمَّا النَّفي فقال ابن التِّين: مُراده أنَّه لم يَلُمه في الشِّقّ الأوَّل على شيء فعَلَه
ناقصاً عن إرادته، تَجُّزاً عنه وحِلْماً، ولا لامَه في الشِّ الثّاني على تَرك شيء لم يفعله خَشْيَةً
من أنسٍ أن يُخْطِئ فيه لو فعَلَه، وإلى ذلك أشارَ بقولِه: هذا هكذا، لأنَّه كما صَفَحَ عنه فيما
فعَلَه ناقصاً عن إرادته، صَفَحَ عنه فيما لم يفعله خَشْيَةَ وقوع الخطأ منه، ولو فعَلَه ناقصاً عن
(١) تحرَّف في (أ) و(س) إلى: يخرج معي، وفي (ع) إلى: يحضر معي.

١٥٠
باب ٢٨/ح ٦٩١٢
فتح الباري بشرح البخاري
إرادته لَصَفَحَ عنه. انتهى ملخَّصاً، ولا يخفى تكلُّفُه.
وقد أخرجه الإسماعيليّ من طريق ابن جُرَيج قال: أخبرني إسماعيل، وهو ابن إبراهيم
المعروف بابنِ عُلِيَّة راويه في هذا الباب بلفظ: ولا لشيءٍ لم أفعَله، لمَ لم تَفْعَله؟ وهذا من
رواية الأكابِر عن الأصاغِرِ، فإنَّ ابن عُليَّة مشهور بالرِّواية عن ابن جُرَيج، فروى ابن
جُرَيج هنا عن تلميذه.
٢٨ - باب المعدِنُ جبارٌ، والِئر جُبارٌ
٦٩١٢ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، حدَّثنا اللَّيْثُ، حدَّثني ابنُ شِهابٍ، عن سعيدِ بنِ
المسيّبِ وأبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ◌َّم قال: «العَجْمَاءُ جَرْحُها
جُبارٌ، والبترُ جُبارٌ، والمعْدِنُ جُبارٌ، وفي الرِّكازِ الخُمُس)).
قوله: ((باب المعْدِن جُبارٌ، والبئر جُبارٌ)) كذا تَرجَمَ ببعضِ الخبر، وأفرَدَ بعضه بعده،
وتَرجَمَ في الزكاة لبَقيَّتِه، وقد تقدَّم في كتاب الشّرب (٢٣٥٥) من طريق أبي صالح عن
أبي هريرة بتمامه، وبَدَأ فيه بالمعدِنِ وثَنَّى بالبئر، وأورَدَه هنا من طريق اللَّيث: حدَّثني
ابن شِهاب، وهذا ممَّا سمعَه اللَّيث عن الزّهْريّ، وهو كثير الرِّواية عنه بواسطةٍ وبغير
واسطة.
قوله: ((عن سعيد بن المسيّب وأبي سَلَمة)) كذا جمعهما اللَّيِث ووافَقَه الأكثر، واقتَصَرَ
بعضهم على أبي سَلَمة، وتقدَّم في الزكاة (١٤٩٩) من رواية مالك عن ابن شهاب فقال:
عن سعيد بن المسيّب وعن أبي سَلَمة بن عبد الرَّحمن، وهذا قد يُظنّ أنَّه عن سعيد مُرسَلٌ
وعن أبي سَلَمة موصولٌ.
وقد أخرجه مسلم (٤٥/١٧١٠) والنَّسائيُّ (٢٤٩٦) من رواية يونس بن يزيد عن ابن
شهاب عن سعيد بن المسيّب وعُبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة. قال الدّارَ قُطنيُّ: المحفوظ عن
ابن شهاب: عن سعيد وأبي سَلَمة، وليس قولُ يونس بمدفوعٍ.
قلت: قد تابَعَه الأوزاعيُّ عن الزُّهْريّ في قوله: عن عُبيد الله، لكن قال: عن ابن عبّاس،

١٥١
باب ٢٨/ح ٦٩١٢
كتاب الديات
بَدَل أبي هريرة، وهو وهم من الراوي عنه يوسف بن خالد(١) كما نَبَّهَ عليه ابن عَديّ
(٣٥٨/١) (٢).
وقد روى سفيان بن حسين عن الزُّهْريّ عن سعيد وحدَه عن أبي هريرة شيئاً منه(٣).
وروى بعض الضُّعَفاء عن / عبد الرَّزاق عن مَعمَر عن الزُّهْريّ عن أنس بعضه، ذكره ابن ٢٥٥/١٢
عَديّ (٦/ ٢٨١) وهو غَلَط.
وأخرج مسلم (٤٦/١٧١٠) الحديث بتمامه من رواية الأسود بن العلاء عن أبي سَلَمة.
وقد رواه عن أبي هريرة جماعةٌ غیرُ مَن ذُكِرَ منهم: محمّد بن زياد كما في الباب الذي بعده،
وهَمَّام بن مُنبِّه أخرجه أحمدُ (٨٢٥٢) وأبو داود (٤٥٩٤) والنَّسائيُّ (ك٥٧٨٩).
قوله: ((العَجْمَاء)) بفتح المهمَلة وسكون الجيم وبالمدّ: تأنيث أعجَمَ، وهي البهيمة، ويقال
أيضاً لكلِّ حيوان غير الإنسان، ويُقال لمن لا يُفصِح، والمراد هنا الأوَّل.
قوله: (جُبار)) بضمِّ الجيم وتخفيف الموحَّدة: هو الهَدَر الذي لا شيء فيه، كذا أسنَدَه ابن
وهب عن ابن شِهاب، وعن مالك: ما لا دية فيه، أخرجه التِّرمِذيّ (٤)، وأصله أنَّ العرب تُسمّي
السَّيل جُباراً، أي: لا شيء فيه، وقال التِّرمِذيّ: فَسَّرَ بعضُ أهل العلم قالوا: العَجماء: الدّابَّة
المنفلتة من صاحبها، فما أصابت من انفلاتها فلا غُرْم على صاحبها، وقال أبو داود بعد تخريجه.
العَجْماء: التي تكون مُنفَلِتَةً لا يكون معها أحدٌ، وقد تكون بالنَّهار ولا تكون باللَّلِ.
ووَقَعَ عند ابن ماجَهْ (٢٦٧٥) في آخر حديث عُبادة بن الصّامت: والعَجماء: البَهيمة من
(١) كذا وقع في الأصلين و(س)، وهو خطأ، والصواب أيوب بن خالد، وهو الحرّاني، ولعلَّ الحافظ أراد أن
يذكره، فسبق قلمه فذكر يوسف بن خالد، وهو السَّمْتي، لشهرته، وهو متروك الحديث.
(٢) وهو أيضاً عند أبي عوانة في ((مستخرجه)) (٦٣٦٢).
(٣) أخرجه أبو داود (٤٥٩٢)، والنسائي في ((الكبرى)) (٥٧٥٦) بلفظ: ((الرِّجل جُبار))، وقال الشافعي فيما
نقله عنه البيهقي ٣٤٣/٨: هو غَلَطٌ، وقال أبو عوانة (٦٣٧١): لم يَقُلْه غيرُه، يعني سفيان بن حُسين،
وقال الدار قطني في ((سننه)) (٣٣٠٦): لم يتابع سفيان بن حسين عليه.
(٤) بإثر (١٣٧٧)، وهو ثابت في ((الموطأ)) أيضاً ٨٦٨/٢.

١٥٢
باب ٢٨/ح ٦٩١٢
فتح الباري بشرح البخاري
الأنعام وغيرها، والجُبار: هو الهَدَر الذي لا يُغرَم. كذا وَقَعَ التَّفْسير مُدرَجاً وكأنَّه من رواية
موسى بن عُقْبة. وذكر ابن العربيّ أنَّ بناءَ (جَ بَ رَ) للرَّفع والإهدار من باب السَّلْب، وهو
كثير، يأتي اسم الفعل والفاعل لسَلْبٍ معناه كما يأتي لإثبات معناه. وتَعقَّبَه شيخنا في ((شرح
التِّرمِذيّ)»: بأنَّه للرَّفع على بابه، لأنَّ إتلافات الآدميّ مضمونة مَقهُورٌ مُتِلِفُها على ضَمانها،
وهذا إتلاف قد ارتَفَعَ عن أن يُؤْخَذ به أحدٌ، وسيأتي بقيَّة ما يَتَعلَّق بالعَجماءِ في الباب
الذي يليه.
قوله: ((والبئر جُبار)) في رواية الأسود بن العلاء عند مسلم: ((والبئر جَرْحُها جُبار))، أمَّا
البئر فهي بكسر الموحّدة ثمَّ ياء ساكنة مَهموزة ويجوز تسهيلها، وهي مؤنَّثة وقد تُذكَّر على
معنى القَلِيب والطَّوِيّ، والجمعُ: أبوُرٌ وآبارٌ بالمدِّ والتَّخفيف، وبهمزَتَينِ بينهما موخَّدة
ساكنة.
قال أبو عُبيد: المراد بالبئرِ هنا: العاديةُ القديمة التي لا يُعلم لها مالكٌ، تكون في البادية
فیقع فيها إنسانٌ أو دابٌ، فلا شيء في ذلك على أحد.
وكذلك لو حَفَرَ بئراً في مِلكه أو في مَوات فوَقَعَ فيها إنسان أو غيره فتَلِفَ، فلا ضمان
إذا لم يكن منه تَسَبُّب إلى ذلك ولا تَغرير، وكذا لو استأجَرَ إنساناً لَيَحِفِر له البئرَ فانهارت
عليه فلا ضَمان، وأمَّا مَن حَفَرَ بئراً في طريق المسلمين وكذا في مِلك غيره بغير إذن فتَلِفَ بها
إنسان، فإنَّه يجب ضَمانه على عاقلة الحافر والكفَّارة في ماله، وإن تَلِفَ بها غير آدميّ وجَبَ
ضَمانه في مال الحافر، ويَلتَحِق بالبئرِ كلّ حُفرة على التَّفصيل المذكور.
والمراد بجَرْحِها: وهو بفتح الجيم لا غير، كما نَقَلَه في ((النِّهاية)) عن الأزهَريّ(١): ما تَحَصُل
بالواقع فيها من الجِراحة، وليست الجِراحة مخصوصةً بذلك، بل كلّ الإتلافات مُلحَقة بها،
قال عِيَاض وجماعة: إِنَّمَا عَبَّرَ بالجَرْح لأنَّه الأغلَب، أو هو مِثال نَبَّهَ به على ما عَداه، والحُكم
في جميع الإتلافات بها سواء، سواءٌ كان على نَفْس أو مال، ورواية الأكثر تتناول ذلك على بعض
(١) قاله الأزهري في ((تهذيب اللغة)) باب الحاء والجيم ٨٦/٤.

١٥٣
باب ٢٨/ ح ٦٩١٢
كتاب الديات
الآراء، ولكنَّ الرَّاجح أنَّ الذي يحتاج لتقديرٍ لا عموم فيه، قال ابن بَطّال: وخالَفَ الحنفيّة
في ذلك فضَمَّنوا حافر البئر مُطلَقاً قياساً على راكب الدّابَّة، ولا قياس مع النَّصّ.
قال ابن العربيّ: اتَّفَقَت الرِّوايات المشهورة على التلفّظ بالبئر، وجاءت رواية شاذّة
بلفظ: ((النار ◌ُبار))(١) بنونٍ وألف ساكنة قبل الرَّاء، ومعناه عندهم: أنَّ مَن استَوقَدَ ناراً ممَّا
يجوز له فتَعدَّت حتَّى أَتْلَفَت شيئاً فلا ضَمان عليه، قال: وقال بعضهم: صَخَّفَها بعضُهم
لأنَّ أهل اليمن يَكتُبُونَ النارَ بالياءِ لا بالألف، فظنَّ بعضهم البئرَ - بالموحدة - النارَ، بالنّونِ،
فرواها كذلك.
قلت: هذا التَّويل نَقَلَه ابن عبد البَرِّ(٢) وغيره عن يحيى بن مَعِين، وجَزَمَ بأنَّ مَعمَراً صَحَّفَه
حيثُ رواه عن همَّام عن أبي هريرة.
قال ابن عبد البَرّ: ولم يأت ابن مَعِين على قوله بدليلٍ، وليس بهذا تُرَدّ أحاديث الثّقات.
قلت: ولا يُعتَرَض على الحُفّاظ النَّقَّاد بالاحتمالات. ويُؤيِّد/ ما قال ابنُ مَعِين اتّفاق ٢٥٦/١٢
الحُفّاظ من أصحاب أبي هريرة على ذِكْر البئر دونَ النار(٣)، وقد ذكر مسلم أنَّ علامة
المنكر في حديث المحدِّث: أن يَعمِد إلى مشهور بكثرة الحديث والأصحاب، فيأتي عنه بما
ليس عندهم. وهذا من ذاكَ، ويُؤيِّده أيضاً أنَّه وَقَعَ عند أحمدَ (١٤٥٩٢) من حديث جابر
بلفظ: ((والجُبُّ جُبارٌ)) بجيم مضمومة وموحّدة ثقيلة، وهي البئر.
وقد اتَّفَقَ الحُفّاظ على تغليط سفيان بن حسين حيثُ روى عن الزُّهْريّ في حديث
الباب: ((الرّجل جُبار)) بكسر الرَّاء وسكون الجيم، وما ذاكَ إلّا أنَّ الزُّهْريّ مُكثِر من الحديث
والأصحاب، فتفرَّد سفيان عنه بهذا اللَّفظ، فعُدَّ مُنكَراً.
(١) أخرجها أبو داود (٤٥٩٤)، وابن ماجه (٢٦٧٦)، والنسائي في ((الكبرى)) (٥٧٥٧).
(٢) انظر («التمهيد)» ٢٧/٧.
(٣) على أنه لم ينفرد ابنُ معين بذلك، فقد روى الدار قطني في ((سننه)) الحديث (٣٣٠٧) وقال بإثره: قال
الرَّماديُّ: قال عبد الرزاق: قال معمر: لا أُراه إلّا وَهْماً. قلنا: هذا معمر نفسه يحتمل ذلك فماذا بعد
ذلك؟! ثم روى الدارقطني بعده (٣٣٠٨) عن أحمد بن حنبل قوله عن هذه الرواية: ليس بشيء، لم يكن
في الكتب، باطل ليس هو بصحيح. ثم روى عنه (٣٣٠٩) أنه قال نحو قول ابن معين من أنه مُصَحّفٌ.

١٥٤
باب ٢٩
فتح الباري بشرح البخاري
وقال الشافعيّ: لا يَصِحّ هذا. وقال الدّارَ قُطنيُّ: رواه عن أبي هريرة: سعيد بن المسيّب
وأبو سَلَمة ومعبيد الله بن عبد الله والأعرج وأبو صالح ومحمّد بن زیاد ومحمّد بن سِیرین فلم
يَذكُروها، وكذلك رواه أصحاب الزّهْريّ وهو المعروف.
نعم الحُكم الذي نَقَلَه ابن العربيّ صحيح، ويُمكِن أن يُتلقَّى من حيثُ المعنى من
الإلحاق بالعَجْماء، ويَلتَحِق به كلّ جَمَاد، فلو أنَّ شخصاً عَثَرَ فوَقَعَ رأسُه في جِدار فماتَ أو
انگسرَ، لم يجب على صاحب الجدار شيء.
قوله: ((والمَعْدِن جُبَار)) وَقَعَ في رواية الأسود بن العلاء عند مسلم (٤٦/١٧١٠): ((والمعدِن
جَرحها جُبار))، والحُكم فيه ما تقدَّم في البئر لكنَّ البئر مؤنَّثة والمعدِن مُذكَّر، فكأنَّه ذكره
بالتَّأنيثِ(١) للمُؤاخاة أو لمُلاحَظة أرض المعدِن، فلو حَفَرَ مَعِدِناً في مِلكه أو في مَوات فَوَقَعَ فيه
شخص فماتَ فدمه هَدَر، وكذا لو استأجَرَ أجيراً يعمل له فانهارَ عليه فماتَ، ويَلتَحِق بالبئرِ
والمعدِن في ذلك كلّ أجير على عمل، كمَن استُؤْجِرَ على صُعود نخلة فسَقَطَ منها فماتَ.
قوله: ((وفي الرِّكاز الخُمُس)» تقدَّم شرحه مُستَوَ في كتاب الزكاة (١٤٩٩).
٢٩ - باب العَجْماء جُبارٌ
وقال ابنُ سِيرِينَ: كانوا لا يُضَمِّنونَ منَ النَّفْحةِ، ويُضَمِّنونَ من رَدِّ العِنان.
وقال حَمَّدٌ: لا تُضْمَنُ النَّفْحةُ، إلّا أن يَنْخُسَ إنسانٌ الدّابَّةَ.
وقال شُرَيحٌ: لا تُضْمَنُ ما عاقَبَت، أن يَضِرِبَها فتَضرِبَ بِرِجْلِها.
وقال الحَكَمُ وحَمَّادٌ: إذا ساقَ المُكاري حماراً عليه امرأةٌ فتَخِرُّ، لا شيءَ عليه.
وقال الشَّعْبيُّ: إذا ساقَ دابّةً فأتعَبَها فهو ضامِنٌ لما أصابت، وإن كان خَلْفَها مُتَرَسِّلاً لم
يَضْمَنْ.
(١) كذا وقع للحافظ رحمه الله: ((جَرْحها)) بالتأنيث، مع أنَّ الذي في مطبوع ((صحيح مسلم)): ((جرحه))
بالتذكير، وكذلك هو في ((الجمع بين الصحيحين)) للحُميدي ٤٥/٣، وكذا في ((جامع الأصول)) لابن
الأثير (٧٧٩٣)، وعليه فلا حاجة إلى هذا التأويل الذي ذكره الحافظ.

١٥٥
باب ٢٩/ح ٦٩١٣
كتاب الديات
٦٩١٣ - حدَّثْنا مسلمٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن محمَّدٍ بنِ زيادٍ، عن أبي هريرةَ ، عن النبيِّ وَّ،
قال: ((العَجْمَاءُ عَقْلُها جُبارٌ، والبئرُ جُبارٌ، والمعْدِنُ جُبارٌ، وفي الرِّکازِ الخُمُس».
قوله: ((باب العَجْماء جُبار)) أفرَدَها بترجمةٍ لما فيها من التَّفاريع الزّائدة عن البئر والمعدِن،
وتقدَّمَت الإشارة إلى ذلك.
قوله: ((وقال ابن سِيرِينَ: كانوا لا يُضَمِّنونَ)) بالتَّشديد ((من النَّفْحة)) بفتح النُّون وسكون
الفاء ثمَّ حاء مُهمَلة، أي: الضَّرْبة بالرِّجل، يقال: نَفَحَت الدّابَّة: إذا ضَرَبَت بِرِجلِها، ونَفَحَ
بالمال: رَمَی به، ونَفَحَ عن فلان ونافَحَ: دَفَعَ ودافَعَ.
قوله: ((ويُضَمِّنونَ من رَدِّ العِنان)) بكسر المهمَلة ثمَّ نون خفيفة: هو ما يوضَع في فم
الدّابَّة ليُصرِّفها الرَّاكِب لما يختار، والمعنى: أنَّ الدّابَّة إذا كانت مَركوبة فَلَفَتَ الرَّاكِب ◌ِنانها
فأصابت برِجلِها شيئاً ضَمِنَه الرَّاكِب، وإذا ضَرَبَت بِرِجلِها من غير أن يكون له في ذلك
تَسَبُّب لم يَضْمَن. وهذا الأثر وَصَلَه سعيد بن منصور عن هُشَيم: حدَّثنا ابن عَوْن عن محمَّد
ابن سِيرِين، وهذا سند صحيح، وأسنَدَه ابن أبي شَيْبة (٩/ ٢٧١) من وجه آخر عن ابن
سِيرِين نحوه.
قوله: ((وقال حمّاد: لا تُضْمَنُ النَّفْحَةُ، إلّا أن يَنْخُس)) بنونٍ ومُعجَمة ثمَّ مُهمَلة، أي: يَطعُن.
قوله: ((إنسانٌ الدّابَّةَ)) هو / أعمُّ من أن يكون صاحبَها أو أجنبيّاً، وهذا الأثر وَصَلَ بعضَه ٢٥٧/١٢
ابن أبي شَيْبة (٩/ ٢٧١) من طريق شُعْبة: سألت الحَكَم عن رجل واقف على دابته، فضَرَبَت
بِرِجلِها؟ فقال: يَضمَن، وقال حَمَّاد: لا يَضمَن.
قوله: ((وقال شُريح)» هو ابن الحارث القاضي المشهور.
قوله: ((لا تُضمَن ما عاقَبَت)) أي: الدّابَةُ ((أن يَضرِبها فَتَضِرِبَ بِرِجْلِها)) وَصَلَه ابن أبي شَيْبةٍ(١)
من طريق محمّد بن سِيرِين عن شُرَيح قال: يَضمَن السائق والرَّاكِب ولا تُضمَن الدّابَّة إذا
(١) كذا نسبه الحافظ لابن أبي شيبة، ومن قبل ذلك نسبه إليه في ((تغليق التعليق)) ٢٧٥/٥، وهو وهمٌ منه رحمه الله،
لأنَّ لفظ رواية ابن أبي شيبة بالإسناد الذي ساقه في ((التغليق)) عن شُريح: أنه بَرَّأ من النَّفْحة. وأما اللفظ
الذي ذكره هنا فهو لعبد الرزاق في ((مصنفه)) (١٧٨٧٠) عن الثوري عن أبي حَصِينٍ عن شُريح.

١٥٦
باب ٢٩/ح ٦٩١٣
فتح الباري بشرح البخاري
عاقبت، قلت: وما عاقبت؟ قال: إذا ضَرَبها رجلٌ فأصابته. وأخرجه سعید بن منصور من
هذا الوجه وزاد: أو رأس إلّا أن يَضرِبها رجل فتُعاقبَه فلا ضَمان(١).
قوله: (وقال الحَكَم)) أي: ابن عُتَيبة، بمُثّةٍ وموخَّدة مُصغَّر، هو الكوفيّ أحد فُقَهائهم
((وحَّاد)) هو ابن أبي سليمان أحد فقهاء الكوفة أيضاً.
قوله: ((إذا ساقَ المُكارِي)) بكسر الرَّاء وبفتحِها أيضاً.
قوله: ((حماراً عليه امرأة فتَخِرُّ)) بالخاءِ المعجَمة، أي: تَسقُط.
قوله: «لا شيء علیه)) أي: لا ضمان.
قوله: ((وقال الشَّعْبيّ: إذا ساقَ دابّة فأتعَبَها فهو ضامِنٌ لما أصابت، وإن كان خَلْفَها
مُتَرَسِّلاً لم يَضْمَنْ)) وَصَلَه سعيد بن منصور وابن أبي شَيْبة (٢٥٩/٩) من طريق إسماعيل
ابن سالم عن عامر - وهو الشَّعْبيّ - قال: إذا ساقَ الرجل الدّابَّة وأتعَبَها فأصابت إنساناً
فهو ضامن، فإن كان خَلفها مُتَرَسِّلاً - أي: يَمشي على هِينَتَه - فليس عليه ضَمان فيما
أصابت.
قال ابن بَطّال: فَرَّقَ الحنفيَّة فيما أصابت الدّابَّة بَيَدِها أو رِجلها، فقالوا: لا يَضمَن ما
أصابت برِجلِها وذَنَبها، ولو كان بسببٍ، ويَضمَن ما أصابت بَيَدِها وفَمِها، فأشارَ البخاريّ
إلى الردّ بما نَقَلَه عن أئمّة أهل الكوفة ممَّا يُخالف ذلك. وقد احتَجَّ لهم الطَّحَاويُّ بأنَّه لا يُمكِن
التَّحَقُّظ من الرِّجل والذَّنَب بخِلَاف اليد والفَم، واحتَجَّ برواية سفيان بن حسين: ((الرِّجل
جُبار)) وقد غَلَّطَه الحُفّاظ، ولو صَحَّ فاليد أيضاً جُبار بالقياس على الرِّجل، وكلّ منهما مُقيّد بما
إذا لم يكن لمن هي معه مُباشَرةٌ ولا تَسَبُّبٌ.
ويحتمل أن يُقال: حديث: ((الرِّجْل جُبار)) مختصر من حديث: ((العَجْماء جُبار))، لأنَّها فرد
من أفراد العَجماء، وهم لا يقولون بتخصيصِ العموم بالمفهوم، فلا حُجّة لهم فيه.
(١) لفظه كما في ((تغليق التعليق)) ٢٥٧/٥: عن شريح أنه كان يُضمّن السائقَ والقائدَ والراكبَ ما أصابت
الدابة بيدٍ أو رجلٍ أو رأسٍ، إلّا أن يضربها رجلٌ فتُعاقبَه فلا ضمان.

١٥٧
باب ٢٩/ح ٦٩١٣
كتاب الديات
وقد وَقَعَ في حديث الباب زيادة: ((والرّجل جُبار)) أخرجه الدّارَ قُطنيُّ (٣٣١٢) من طريق
آدم عن شُعْبة، وقال: تفرَّد آدم عن شُعْبة بهذه الزّيادة، وهي وهم.
وعند الحنفيَّة خِلاف، فقال أكثرُهم: لا يَضمَن الرَّاكِب والقائد في الرِّجْل والذَّنَب، إلّا
إن أوقَفَها في الطَّريق، وأمَّا السائق فقيلَ: ضامن لما أصابت بيدِها أو رِجلها، لأنَّ النَّفحة
بمرأى عينه، فيُمكِنه الاحتراز عنها، والرَّاجح عندهم: لا يَضمَن النَّفحة وإن كان يراها،
إذ ليس على رِجلها ما يَمنَعها به، فلا يُمكِنِه التَّحَرُّز عنه، بخِلَاف الكَدْمُ(١) فإنَّه يَمنَعها باللِّجام،
وكذا قال الحنابلة.
قوله: ((حدَّثنا مسلم)) هو ابن إبراهيم، ومحمَّد بن زيادة (٢) هو الجُمَحِيُّ، والسَّند بصريّونَ.
قوله: ((عن أبي هريرة)) في رواية الإسماعيليّ من طريق عليّ بن الجَعْد عن شُعْبة عن محمَّد
ابن زياد سمعت أبا هريرة.
قوله: ((العَجْمَاء عَقْلُها جُبار)) في رواية حامد البَلْخِيّ(٣) عن أبي زيد عن شُعْبة: ((جَرْجُ
العَجماء جُبار))(٤) أخرجه الإسماعيليّ، ووَقَعَ في رواية الأسود بن العلاء عند مسلم
(٤٦/١٧١٠): ((العَجماء جَرْحُها جُبار))، وكذا في حديث كثير بن عبد الله المُزَنيِّ عند ابن
ماجَهْ (٢٦٧٤)، وفي حديث عُبادة بن الصّامت(٥) عنده (٢٦٧٥)، وقال شيخنا في ((شرح
(١) في (س): الفم، ولم تظهر الكلمة في (أ)، والمثبت من (ع)، وهو الأنسبُ، لأنه ذكر النفحةَ التي هي فِعْلُ
الرِّجْل، فيُناسبها ذكر الكَدْم الذي هو فِعْلُ الفَمِ، وهو العَضُّ بأدنى الفم.
(٢) تحرَّف في (س) هنا بعد سطرين إلى: زيادة.
(٣) كذا في (س)، وفي (أ): خالد البلخي، وسقط من (ع) عدة أسطر، هذا من جُملتها، ويغلب على ظننا
صوابُ ما في (س)، لأنَّ في هذه الطبقة حامد بن يحيى البلخي، يروي عن طبقة تلامذة شعبة، وأبو زيد
هذا: هو سعيد بن الربيع البصري، مشهور الرواية عن شعبة، والله أعلم.
(٤) وهذا أيضاً هو لفظ رواية مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة، وهو في
((الموطأ)) ٨٦٨/٢.
(٥) عجباً للحافظ كيف ذهل عن أنَّ هذا هو لفظ أكثر أصحاب ابن شهاب الزهري عنه عن أبي سلمة وابن
المسيب عن أبي هريرة، ومنهم الليث الذي تقدمت روايته برقم (٦٩١٢) وهو أيضاً لفظ همام بن منبه
عن أبي هريرة عند أحمد (٨٢٥٢) وغيره.

١٥٨
باب ٢٩/ح ٦٩١٣
فتح الباري بشرح البخاري
التِّرمِذيّ)): وليس ذِكْر الجَرح قَيداً، وإنَّما المراد به إتلافها بأيِّ وجه كان، سواء كان بجَرح
أو غيره، والمراد بالعقلِ الدّية، أي: لا دية فيما تُتِلِفُه.
وقد استَدَلَّ بهذا الإطلاق مَن قال: لا ضَمان فيما أتَلَفَت البَهيمة سواء كانت مُنْفَرِدة أو معها
أحد، سواء كان راكبها أو سائقها أو قائدها، وهو قول الظّاهريَّة، واستَئنَوا ما إذا كان الفعل
٢٥٨/١٢ منسوباً إليه بأن حملها على ذلك الفعل إذا كان راكباً، کان یلوي عِنانها فتُتلِف/ شيئاً برجلها مثلاً،
أو يَطعُنها، أو يَزْجُرها حين يَسوقها، أو يقودها حتَّى تُتِلِف ما مرَّت عليه، وأمَّا ما لا يُنْسَب إليه
فلا ضمان فيه.
وقال الشافعيَّة: إذا كان مع البَهيمة إنسان فإنَّه يَضمَن ما أتَلَفَته من نَفْس أو عُضو أو مال،
سواء كان سائقاً أو راكباً أو قائداً، سواء كان مالكاً أو أجيراً أو مُستأجِراً أو مُستَعيراً أو غاصباً،
وسواء أَتلَفَت بَيَدِها أو رِجلها أو ذَنَبها أو رأسها، وسواء كان ذلك ليلاً أو نهاراً، والحُجّة
في ذلك أنَّ الإتلاف لا فرق فيه بين العَمد وغيره، ومَن هو مع البهيمة حاكم عليها، فهي كالآلة
بيَدِهِ فِفِعلُها منسوب إليه، سواء ◌َلَها عليه أم لا، سواء عَلِم به أم لا .
وعن مالك كذلك، إلّا إن رَمَحَت بغير أن يفعل بها أحدٌ شيئاً تَرمَح بسببِهِ، وحكاه ابن
عبد البرِّ عن الجمهور.
وقد وَقَعَ في رواية جابر عند أحمدَ (١٤٥٩٢) والبزَّار(١) بلفظ: ((السائمةُ جُبار))، وفيه
إشعار بأنَّ المراد بالعَجماء: البَهيمة التي تَرعَى، لا كلّ بهيمة، لكنَّ المراد بالسائمة هنا التي
ليس معها أحد، لأنَّه الغالب على السائمة، وليس المراد بها التي لا تُعلَف كما في الزكاة، فإنَّه
ليس مقصوداً هنا.
واستُدِلَّ به على أنَّه لا فرق في إتلاف البَهيمة للزُّروع(٢) وغيرها في اللَيل والنَّهار، وهو قول
الحنفيّة والظّاهريَّة، وقال الجمهور: إنَّما يَسقُط الضَّمان إذا كان ذلك نهاراً، وأمَّا باللَّيلِ فإنَّ
(١) كما في ((كشف الأستار)) (٨٩٤).
(٢) في الأصلين: للزرع، والمثبت من (س) هو الصحيح، لقوله بعد ذلك: وغيرها، بتأنيث الضمير، وأما
الزرع فمذكّر.

١٥٩
باب ٢٩/ح ٦٩١٣
كتاب الديات
عليه حِفظَها، فإذا أتلَفَت بتقصيرِ منه وجَبَ عليه ضَمان ما أتلَفَت، ودليل هذا التَّخصيص
ما أخرجه الشافعيّ(١) وأبو داود (٣٥٧٠) والنَّسائيُّ (ك٥٧٥٣) وابن ماجَهْ(٢)، كلّهم من
رواية الأوزاعيّ، والنَّسائيُّ أيضاً (ك٥٧٥٢) وابنُ ماجَهْ (٢٣٣٢م) من رواية عبد الله بن
عيسى، والنَّسائيُّ أيضاً من رواية محمَّد بن مَسَرة (٣) وإسماعيل بن أُميَّة (ك٥٧٥٢) كلّهم عن
الزُّهْريّ عن حَرام بن مُحيِّصة الأنصاريّ عن البراء بن عازِب قال: كانت له ناقةٌ ضاريَةٌ فدَخَلَت
حائطاً فأفسَدَت فيه، فقَضَى رسول الله وَّةِ: أنَّ حِفظ الحوائط بالنَّهار على أهلها، وأنَّ حِفظ
الماشية بالَّيلِ على أهلها، وأنَّ على أهل المواشي ما أصابت ماشيَتُهم باللَّيلِ.
وأخرجه ابن ماجَهْ (٢٣٣٢) أيضاً من رواية اللَّيث عن الزُّهْريّ عن ابن مُيِّصة: أنَّ
ناقة للبراء، ولم يُسمِّ حَراماً، وأخرجه أبو داود (٣٥٦٩) من رواية مَعمَر عن الزُّهْريّ، فزاد
فيه رجلاً قال: عن حَرام بن مُحيِّصة عن أبيه، وكذا أخرجه مالك (٢/ ٧٤٧) والشافعيّ(٤)
عنه عن الزُّهْريّ عن حَرام بن سعد (٥) بن مُحيِّصة: أنَّ ناقة، وأخرجه الشافعيّ(٦) في رواية
المُزَنِيِّ في ((المختصر)) عنه عن سفيان عن الزُّهْريّ، فزاد مع حَرام سعيدَ بنَ المسيّبِ قالا:
إِنَّ ناقة للبراءِ.
وفيه اختلاف آخر، أخرجه البيهقيُّ (٧) من رواية ابن جُرَيج عن الزُّهْريّ عن أبي أمامةَ بن
سهل، فاختُلِفَ فيه على الزّهْريّ على ألوان، والمسنَد منها طريق حَرام عن البراء. وحَرام -
(١) في («مسنده)) ٢/ ١٠٧.
(٢) لم يخرجه ابن ماجه من رواية الأوزاعي.
(٣) رواية محمد بن ميسرة أخرجها النسائي في ((الكبرى)) (٥٥٧٥) لكن قال فيها: عن الزهري عن سعيد بن
المسيب عن البراء، فليست هي عن حرام بن مُحيِّصة عن البراء كما قال الحافظ رحمه الله.
(٤) في («مسنده)) ٢/ ١٠٧.
(٥) تحرَّف في (س) إلى: سعید.
(٦) وهو في ((السنن المأثورة)) للشافعي برواية الطحاوي عن خاله المزني عن الشافعي برقم (٥٢٥)، وهو أيضاً في
(«مسند أحمد)) (٢٣٦٩٤).
(٧) لم نقف عليه في شيء من كتب البيهقي التي بأيدينا مسنداً، لكن ذكره في ((معرفة السنن والآثار)) (١٧٥٨١)،
وقرأ سنده عبد الرزاق في («مصنفه)) (١٨٤٣٨) عن ابن جريج.

١٦٠
باب ٣٠/ح ٦٩١٤
فتح الباري بشرح البخاري
بمهملتين - اختُلِفَ هل هو ابن مُحيِّصة نفسه أو ابن سعد بن مُحيِّصة؟ قال ابن حَزْم: وهو
مع ذلك مجهول لم يَروِ عنه إلّ الزُّهْرِيّ ولم يوثّقه. قلت: وقد وثَّقه ابن سعد وابن حِبّان
لكن قال: إنَّه لم يسمع من البراء. انتهى، وعلى هذا فيحتمل أن يكون قول مَن قال فيه: عن
البراء، أي: عن قصَّة ناقة البراء، فتجتمع الرِّوايات، ولا يمتنع أن يكون للزُّهريِّ فيه ثلاثة
أشياخ.
وقد قال ابن عبد البرّ: هذا الحديث وإن كان مُرسَلاً فهو مشهور حدَّث به الثِّقات، وتَلَقّاه
فقهاء الحِجاز بالقَبُول، وأمَّا إشارة الطَّحَاويّ إلى أنَّه منسوخ بحديثِ الباب، فقد تَعقَّبوه بأنَّ
النَّسخ لا يَئُبُت بالاحتمال مع الجهل بالتاريخ، وأقوى من ذلك قول الشافعيّ: أخَذنا بحديثٍ
البراء لتُبُوتِه ومَعرِفة رجاله، ولا يُخالفه حديث: ((العَجماء جُبار))، لأَ نَّه من العامّ المراد به الخاصّ،
فلمَّا قال: ((العَجماء جُبار)) وقَضَى فيما أفسَدَت العَجماء بشيءٍ في حال دونَ حال، دَلَّ ذلك على أنَّ
ما أصابت العجماء من جرح وغيره في حالٍ جُبارٌ، وفي حالٍ غیرُ جُبار.
ثمَّ يُقضَى على الحنفيَّة أنَّهم لم يَستَمِّوا على الأخذ بعمومِه في تَضمين الرَّاكِب، مُتَمسِّكينَ
بحديث: ((الرِّجل جُبار)) مع ضعف راويه كما تقدَّمَ.
٢٥٩/١٢
وتَعقَّبَ بعضهم على الشافعيَّة قولهم: إنَّه لو جَرَت عادةُ قومٍ إرسالَ المواشي ليلاً وحَبْسها/
نهاراً انعَكَسَ الحُكم على الأصحّ، وأجابوا بأنَّهم اتَّبَعوا المعنى في ذلك، ونَظيره القَسْم الواجب
للمرأة لو كان يَكتَسِب ليلاً ويأوي إلى أهله نهاراً، لانعَكَسَ الحُكم في حَقّه، مع أنَّ عِمَادَ القَسْمِ
اللَّل، نعم لو اضطَرَبَت العادة في بعض البلاد فكان بعضهم يُرسِلها ليلاً وبعضهم يُرسِلها
نهاراً، فالظّاهر أنَّه يُقضَى بما دَلَّ عليه الحديث.
٣٠ - باب إِثم مَن قتل ذِمّاً بغير حُرمٍ
٦٩١٤ - حذَّثنا قيسُ بنُ حفصٍ، حدَّثنا عبدُ الواحدِ، حدَّثنا الحسنُ، حدَّثنا مجاهدٌ، عن
عبدِ الله بنِ عَمِرٍو، عن النبيِّ وَ ◌ّ قال: ((مَن قَتَلَ نفساً مُعاهَدةً، لم يَرَحْ رائحةَ الجنَّةِ، وإنَّ رِيحَها
ليُوجَدُ من مَسِيرةٍ أربعینَ عاماً».