النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
باب ٢٢/ح ٦٨٩٨
كتاب الديات
قوله: ((فَوَجَدوا أحدَهم قتيلاً)) في رواية بشر بن المفضَّل: فأتى مُحيِّصة إلى عبد الله بن
سهل وهو يَتَشَخَّط في دمه قتيلاً - أي: يَضطَرِب فيَتَمَرَّغ في دمه - فدَفَنَه، وفي رواية
اللَّيث: ثم إذا(١) مُحيِّصة يَجِدُ عبد الله بن سهل قتيلاً فدَفَنَه، وفي رواية سليمان بن بلال:
فُوُجِدَ عبدُ الله بن سهل مقتولاً في شَرَبة(٢)، فدَفَنَه صاحبه، وفي رواية أبي ليلى: فأُخبر
مُحْيِّصةُ أنَّ عبد الله قُتِلَ وطُرِحَ في فَقير، بفاءِ مفتوحة ثمَّ قاف مكسورة، أي: حَفِيرة(٣).
قوله: ((فقالوا للَّذِينَ (٤) وُجِدَ فيهم: قد قَتَلْتُم صاحبنا، قالوا: ما قَتَلْنا ولا عَلِمْنا قاتلاً) في
رواية أبي ليلى: فأتى مُحيِّصة يهودَ، فقال: أنتم والله قَتَلتُموه، قالوا: ما قتلناه والله.
قوله: ((فانطَلَقوا إلى رسول الله وَلِ﴾)) في رواية حَمَّاد بن زيد: فجاء عبدُ الرَّحمن بن سهل
وحُويِّصة ومُخيِّصة ابنا مسعود إلى النبيّ وَِّ، فَتَكلَّموا في أمر صاحبهم، وفي رواية سليمان
ابن بلال: فأتى (٥) أخو المقتول عبدُ الرَّحمن ومُحيِّصة وحُويِّصة، فَذَكَروا لرسولِ الله ◌ِيه
شأنَ عبد الله حيثُ قُتِلَ، وفي رواية اللَّيث: ثمَّ أقبَلَ مُحيِّصة إلى النبيّ ◌َّ هو وحُوِّصة
وعبد الرَّحمن بن سهل، زاد أبو ليلى في روايته: وهو - أي: حُويِّصة - أكبرُ منه، أي: من
مُحيِّصة.
قوله: ((فقال: الكُبْرَ الكُبْرَ)) بضمِّ الكاف وسكون الموخَّدة وبالنَّصبِ فيهما على الإغراء،
زاد في رواية يحيى بن سعيد: فبَدَأ عبدُ الرَّحمن يتكلّم وكان أصغَرَ القوم، زاد حمّاد بن زيد
(١) تحرَّف في (س) إلى: فإذا.
(٢) تصحف في (ع) و(س) إلى: سربه، والشَّرَبة بفتح الراء: حوض يكون في أصل النخلة وحولهًا يُملأ ماءً
لتشربه.
(٣) وقع في الأصلين بعدها عبارة: قوله: أوعين، هو شكٌّ من الراوي، وفي رواية محمد بن إسحاق: فُچِد في
عين قد كُسَرت عنقُه وطُرح فيها. وهذه العبارة ليست في رواية الباب، وإنما هي في رواية أبي ليلى بن
عبد الله الآتية برقم (٧١٩٢)، فموضعها اللائق بها ثمة.
(٤) كذا وقع في الأصلين و(س)، مع أنَّ الذي في اليونينية دون حكاية خلاف بين رواه البخاري: ((وقالوا
للذي))، قال العيني: هذا مثل قوله تعالى: ﴿وَخُضْتُمْ كَلَّذِى خَاضُواْ﴾ [التوبة: ٦٩]، قاله في ((عمدة
القارئ)) ٥٩/٢٤.
(٥) كذا في الأصلين و(س): فأتى، مع أنَّ الرواية عند جميع من خرَّجه من طريق سليمان: فمشى.

١٠٢
باب ٢٢/ح ٦٨٩٨
فتح الباري بشرح البخاري
عن يحيى عند مسلم (١٦٦٩ /٢): في أمر أخيه، وفي رواية بِشْر(١): وهو أحدَثُ القوم، وفي
٢٣٤/١٢ رواية اللَّيث: فذهب عبد الرَّحمن يتكلَّم فقال: ((كَبِّرِ الكُبرَ)) الأولى أمرٌ والأُخرى/ كالأوَّل،
ومثله في رواية حمَّد بن زيد وزاد: أو قال: ((يَبدَأ الأكبر))(٢)، وفي رواية بشر بن المفضَّل:
((كَبِّ كَبِّ)) بتكرار الأمر، وكذا في رواية أبي ليلى، وزاد: يريد السِّنَّ، وفي رواية اللَّيث:
فسَكَتَ وتَكلَّمَ صاحباه، وفي رواية بشر: فتكلَّما.
قوله: («تَأْتُونَ بالبيِّنّةِ على مَن قَتَلَه؟ قالوا: ما لنا بيِّنة)) كذا في رواية سعيد بن عُبيد، ولم يقع
في رواية يحيى بن سعيد الأنصاريّ ولا في رواية أبي قِلَابةَ الآتية في الحديث الذي بعده للبيِّنة
ذِكْرٌ، وإنَّما قال يحيى في رواية: ((أتحلِفونَ وتَستَحِقّونَ قاتلكم أو صاحبَكُم؟» هذه رواية
بشر بن المفضَّل عنه، وفي رواية حمّاد عنه: ((أُتستحقّونَ قاتلكم-أو صاحبكم - بأيمان خمسين
منكم؟))، وفي روايته(٣) عند مسلم (٢/١٦٦٩): ((يُقْسِم خمسونَ منكم على رجل منهم فيُدفَع
بُرُمَّتِهِ؟))، وفي رواية سليمان بن بلال: ((َحَلِفُونَ خمسين يميناً وتَستَحِقُونَ؟)).
وفي رواية ابن عُيَينةً عن يحيى عند أبي داود(٤): ((تُبرِّتكم يهود بخمسين يميناً يحلفون؟»،
فبَدَأ بالمدَّعَى عليهم(٥)، لكن قال أبو داود: إنَّه وهم، كذا جَزَمَ بذلك، وقد قال الشافعيّ:
كان ابن عُيَينةَ لا يُثِبِتُ أقَدَّمَ النبيُّ نَّهِ الأنصارَ في الأيمان أو اليهودَ؟ فيقال له: إنَّ في هذا
الحديث أنَّه قَدَّمَ الأنصار فيقول: هو ذاكَ، ورُبَّما حدَّث به كذلك ولم یشُكّ. وفي رواية أبي
ليلى: فقال لحويِّصةَ ومُحيِّصة وعبد الرَّحمن: ((أتحلِفونَ وتَستَحِقّونَ دَم صاحبكُم؟)) فقالوا:
(١) تحرَّف في (س) إلى: بشير. وبشر هو ابن المفضّل الذي تقدمت روايته برقم (٣١٧٣).
(٢) كذا في الأصلين و(س): ((يبدأ الأكبر)) مع أنَّ الرواية عند جميع من خرَّجه من هذه الطريق: ((ليبدأ الأكبر))
بصيغة الأمر الصريحة.
(٣) تحرَّف في (س) إلى: رواية.
(٤) لم يُسند أبو داود رواية ابن عيينة، هذه التي قدم فيها ذكر اليهود، وإنما أوردها بإثر الحديث (٤٥٢٠)،
وقد أسندها البيهقي ١١٩/٨.
(٥) لكن رواه الشافعي في ((مسنده)) ١١٤/٢، وأحمد (١٦٠٩١)، والحميدي في ((مسنده)) (٤٠٣) وغيرهم،
كلهم رووه عن ابن عيينة بالابتداء بالمدَّعِين وهم الأنصار.

١٠٣
باب ٢٢/ح ٦٨٩٨
كتاب الديات
لا. وفي رواية أبي قِلَابةَ: فأرسَلَ إلى اليهود فدعاهم، فقال: ((آنتم قتلتُم هذا؟)) فقالوا: لا،
فقال: ((أترضَونَ نَفْلَ خمسين من اليهود: ما قتلوه؟)) ونَفْل بفتح النُّون وسكون الفاء يأتي
شرحه. وزاد يحيى بن سعيد: كيف نَحِلِف ولم نَشهَد ولم نَرَ؟! وفي رواية حمّاد عنه: أمرٌ لم
نَرَه! وفي رواية سليمان: ما شَهِدنا ولا حَضَرنا!
قوله: ((قال: فَيَحلِفونَ، قالوا: لا نَرْضَى بأيمان اليهود)» وفي رواية أبي ليلى: فقالوا: ليسوا
بمسلمين، وفي رواية يحيى بن سعيد: ((فُتُبرِّئكم يهود بخمسين يميناً؟)) - أي: يُخُلِّصونكم من
الأيمان بأن يَحِلِفُوا هم، فإذا حَلَفوا انتهت الخصومة فلم يَجِبْ عليهم شيء، وخَلَصتُم أنتم
من الأيمان - قالوا: كيف نأخُذ بأيمان قوم كفَّار؟ وفي رواية اللَّيث: نَقبَل، بَدَل: نأخُذ، وفي
رواية أبي قِلَابةَ: ما يُبالُونَ أن يقتلونا أجمعينَ ثمَّ يَلِفُونَ، كذا في رواية سعيد بن عُبيد لم یذكُر
عَرْض الأيمان على المدَّعِين، كما لم يقع في رواية يحيى بن سعيد طلب البيِّنة أوَّلاً.
وطريق الجمع أن يقال: حَفِظَ أحدُهم ما لم يحفظ الآخر، فيُحمَل على أنَّه طلبَ البَيِّنة أوَّلاً
فلم تكن لهم بيِّنة، فعَرَضَ عليهم الأَيْمان فامتَنَعوا، فعَرَضَ عليهم تَحليف المدَّعَى عليهم
فأبوا.
وأمَّا قول بعضهم: إنَّ ذِكْر البيّنة وهم، لأنَّه وََّ قد علم أنَّ خَيْبر حينئذٍ لم يكن بها أحد
من المسلمين، فدَعوى نفي العلم مردودةٌ، فإنَّه وإن سُلِّمَ أنَّه لم يَسكُن مع اليهود فيها أحدٌ
من المسلمين، لكن في نفس القصّة أنَّ جماعة من المسلمين خَرَجوا يَمتارونَ تَمراً، فيجوز أن
تکون طائفةٌ أُخری خرجوا لِثلِ ذلك، وإن لم یکن في نفس الأمر كذلك.
وقد وجَدنا لطلبِ البَيِّنّة في هذه القصَّة شاهداً من وجه آخر، أخرجه النَّسائيُّ (٤٧٢٠) من
طريق عبيد الله (١) بن الأخنَس عن عَمْرو بن شُعَيب عن أبيه عن جَدّه: أنَّ ابن مُحيِّصة الأصغَر
أصبَحَ قتيلاً على أبواب خَيْبر، فقال رسول الله وََّ: ((أقِم شاهدَينِ على مَن قتله، أدفَعْه إليك
بُرُمَّتِهِ؟» قال: يا رسول الله، أنَّى أُصيبُ شاهدين، وإنَّما أصبَحَ قتيلاً على أبوابهم؟ قال: ((فَتَحِلِفُ
(١) تحرَّف في (ع) و (س) إلى: عبد الله مكبّراً، وإنما هو عُبيد الله مصغراً.

١٠٤
باب ٢٢/ح ٦٨٩٨
فتح الباري بشرح البخاري
خمسين قَسَامةً؟)) قال: فكيف أحلِف على ما لا أعلم؟ قال: ((تَستَحِلِفُ خمسين منهم؟))
قال: كيف وهم يهودُ؟ وهذا سَنَدٌ حسن(١)، وهو نَصِّ في الحَمْلِ الذي ذكرتُه، فَتَعيَّنَ المصيرُ
إلیه.
وقد أخرج أبو داود أيضاً (٤٥٢٤) من طريق عباية بن رِفاعة عن جَدّه رافع بن
خَدِيج، قال: أصبَحَ رجلٌ من الأنصار بخَيْبر مقتولاً، فانطَلَقَ أولياؤه إلى النبيّ ◌َّ فقال:
((شاهدان يَشْهَدان على قتل صاحبكم)) قال: لم يكن ثَمَّ أحد من المسلمين، وإنَّما هم اليهود،
وقد يَجْتَرِئونَ على أعظَمَ من هذا.
٢٣٥/١٢
قوله: ((فكَرِهَ رسول الله وَ ﴿ أَن يُطَلَّ)) بضمّ أوَّله وفتح الطاء وتشديد/ اللّام، أي: يُهدَر.
قوله: «فوداه مئةً» في رواية الگُشمهنيّ: بمئةٍ، ووقع في رواية أبي ليلى: فوَداه من عنده،
وفي رواية يحيى بن سعيد (٢): فعَقَلَه النبيّ وَِّ من عنده، أي: أعطَى ديته، وفي رواية حمّاد
ابن زيد: مِن قِبَله، بكسر القاف وفتح الموحّدة، أي: من جِهَته، وفي رواية اللَّيث عنه: فلمَّا
رأى ذلك النبيُّ وَّهِ أُعطَى عَقْلَه.
قوله: (من إبل الصَّدَقة)) زَعَمَ بعضُهم أنَّه غَلَطٌ من سعيد بن عُبيد، لتصريحِ يحيى بن
سعيد بقولِه: من عنده، وجَمَعَ بعضهم بين الرِّوايتَينِ باحتمال أن يكون اشتراها من إبل
الصَّدَقة بمالٍ دَفَعَه من عنده، أو المراد بقوله: من عنده، أي: مِن بيت المال المُرصَد
للمصالح، وأَطْلَقَ عليه صَدَقَةً باعتبار الانتفاع به مجّاناً، لما في ذلك من قطع المنازَعة وإصلاح
ذات البین.
وقد ◌َمَلَه بعضهم على ظاهره، فحكى القاضي عِيَاض عن بعض العلماء جواز صَرف
الزكاة في المصالح العامّة، واستَدَلَّ بهذا الحديث وغيره.
(١) في (س): وهذا السند صحيح حسن، والمثبت من الأصلين، وهو الذي نقله عن الحافظ الشوكانيُّ في
((نيل الأوطار)) ٧/ ٤٢، والحسنُ بن أحمد الرباعي في ((فتح الغفار)) (٤٧٧٤).
(٢) هذه رواية بِشْر بن المفضَّل عنه، وقد تقدمت برقم (٣١٧٣).

١٠٥
باب ٢٢/ح ٦٨٩٨
كتاب الديات
قلت: وتقدَّم شيء من ذلك في كتاب الزكاة (١) في الكلام على حديث أبي لاسٍ قال:
◌َلَنا النبيُّ ◌َِّ على إبلٍ من إبلِ الصَّدَقة في الحجّ، وعلى هذا فالمراد بالعِندَّة كَونُها تحت
أمره وحُكمه، وللاحترازِ مِن جَعْلَ دِيَته على اليهود أو غيرهم.
قال القُرطُبيّ في ((المفهم)): فعل وَِّ ذلك على مُقْتَضى كَرَمه وحُسن سياسَته، وجَلْباً
للمَصلَحة ودرءاً للمَفسَدة، على سبيل التَّأليف، ولا سيَّما عند تَعذَّر الوصول إلى استيفاء
الحقّ، ورواية مَن قال: من عنده، أصحُّ من رواية مَن قال: من إبل الصَّدَقة، وقد قيل: إنَّها
غَلَط، والأولى أن لا يُغلَّط الراوي ما أمكنَ، فيحتمل أوجُهاً، منها ... فذكر ما تقدَّم، وزاد:
أن يكون تَسَلَّفَ ذلك من إبل الصَّدَقة ليَدفَعه من مال الفَيء، أو أنَّ أولياء القتيل كانوا
مُستَحِقّينَ للصَّدَقة فأعطاهم، أو أعطاهم ذلك من سهم المؤلّفة استثلافاً لهم واستجلاباً
لليهودِ. انتھی.
وزاد أبو ليلى في روايته: قال سهل: فرَكَضَتني ناقة، وفي رواية حمّاد بن زيد عن يحيى:
فأدركتُ(٢) ناقةً من تلك الإبل، فدَخَلَت مِرْبَداً لهم، فَرَكَضَتني بِرِجلِها، وفي رواية
سليمان(٣) بن بلال(٤): لقد رَكَضَتني ناقةٌ من تلك الفرائض بالمِربَد، (٥) وفي رواية محمَّد بن
إسحاق: فوالله ما أنسَى ناقةٌ بكرةً منها حمراء ضَرَبَتني وأنا أحوزُها.
وفي حديث الباب من الفوائد مشروعيَّة القَسامة، قال القاضي عِيَاض: هذا الحديث
أصلٌ من أُصول الشَّرع، وقاعدةٌ من قواعد الأحكام، ورُكنٌ من أركان مصالح العباد،
وبه أخَذَ كافّة الأئمّة والسَّلَف من الصحابة والتابعين وعُلَماء الأُمّة وفقهاء الأمصار، من
الحِجازيّينَ والشّاميّينَ والكوفيّينَ، وإن اختَلَفوا في صورة الأخْذ به، ورُويَ التَّوقُّف عن
(١) بين يدي الحديث (١٤٦٨).
(٢) تحرَّفت في (س) إلى: أدركته.
(٣) تحرَّف في (س) إلى: شيبان.
(٤) بل في رواية هشيم بن بشير عند مسلم برقم (١٦٦٩) (٤).
(٥) إذا أطلق رواية سليمان بن بلال أرادها عند مسلم (١٦٦٩) (٣) كما سلف أول الباب، ولكن هي عنده
من غير هذا الطريق برقم (١٦٦٩) (٤) من طريق هشيم عن يحيى بن سعيد.

١٠٦
باب ٢٢/ح ٦٨٩٨
فتح الباري بشرح البخاري
الأخذ به عن طائفة، فلم يَرْوا القَسامة، ولا أثبتُوا بها في الشَّرع حُكماً، وهذا مذهب الحَكَم
ابن عُتَيبة وأبي قِلَابَةَ وسالم بن عبد الله وسليمان بن يسار وقَتَادة ومسلم بن خالد وإبراهيم
ابن عُليَّة، وإلیه ینحو البخاريّ، ورُويَ عن عمر بن عبد العزيز باختلافٍ عنه.
قلت: وهذا يُنافي ما صَدَّرَ به كلامه أنَّ كافّة الأئمّة أخذوا بها، وقد تقدَّم النَّقل عمَّن لم
يَقُل بمشروعيَّتِها في أوَّل الباب، وفيهم مَن لم يذكُره القاضي.
قال: واختَلَفَ قولُ مالك في مشروعيَّة القَسامة في قتل الخطأ، واختَلَفَ القائلونَ بها في
العَمْد هل يجب بها القَوَد أو الدّية؟ فمذهب مُعظَم الحِجازّينَ: إيجاب القَوَد إذا كَمَلَت
شُروطها، وهو قول الزُّهْريّ ورَبيعة وأبي الزِّناد ومالك واللَّيث والأوزاعيّ، والشافعيّ في
أحد قولَيه، وأحمد وإسحاق وأبي نَور وداود، ورويَ ذلك عن بعض الصحابة كابنِ الزُّبَير،
واختُلِفَ عن عمر بن عبد العزيز. وقال أبو الزِّناد: قتلنا بالقَسامة والصحابةُ مُتَوافِرونَ،
إنّي لَأْرَى أنَّهم ألف رجل فما اختَلَفَ منهم اثنان.
قلت: إنَّما نَقَلَ ذلك أبو الزِّناد عن خارجة بن زيد بن ثابت، كما أخرجه سعيد بن
منصور والبيهقيُّ (١٢٧/٨) من رواية عبد الرَّحمن بن أبي الزناد عن أبيه، وإلّا فأبو الزِّناد
لا يَتْبُت أنَّه رأى عشرينَ من الصحابة فضلاً عن ألف.
٢٣٦/١٢
ثمَّ/ قال القاضي: وحُجَّتهم حديث الباب - يعني من رواية يحيى بن سعيد التي أشرت
إليها - قال: فإنَّ مَجَيئه من طرق صِحاح لا تُدفَع، وفيه تبدئة المدَّعِين، ثمَّ رَدُّها حين أبَوْا
على المدَّعى عليهم، واحتَجّوا بحديثٍ أبي هريرة: ((البيِّنة على المدَّعِي، واليمين على المدَّعَى
عليه إلّا القَسامة))(١)، وِقَول مالك: أجمَعَت الأئمّة في القديم والحديث على أنَّ المدَّعِينَ يَبدَؤُونَ
في القَسامة. وبأن جَنْبة (٢) المدّعي إذا قويَت بشهادةٍ أو شُبهة صارت اليمينُ له، وهاهُنا الشُّبهة
(١) أخرجه أبو علي الطُّوسي في ((مختصر الأحكام)) (١٢٤١)، وابن المقرئ في ((معجمه)) (٦١٦)، وابن عدي
٣١٠/٦، والدار قطني (٣١٩١) و(٣١٩٢)، والبيهقي ١٢٣/٨، وابن عبد البر في ((التمهيد)) ٢٠٤/٢٣ من
حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وأخرجه ابن عدي ٦/ ٣١٠، والدار قطني (٣١٩٠) و(٤٥٠٧) من
حديث أبي هريرة، ومدار الحديثين على مسلم بن خالد الزنجي، وهو ضعيف منكر الحديث.
(٢) أي: ناحية.

١٠٧
باب ٢٢/ح ٦٨٩٨
كتاب الديات
قويّة، وقالوا: هذه سُنّة بحِيالها وأصلٌ قائمٌ برأسِه، لحياة الناس ورَدْع المعتَدين، وخالَفَت
الدَّعاوى في الأموال فهي على ما وَرَدَ فيها، وكلّ أصل يُتَّبَع ويُستَعمَل، ولا تُطرَح سُنّةٌ
لسُنّةٍ، وأجابوا عن رواية سعيد بن عُبيد - يعني المذكورة في حديث هذا الباب - بقولِ
أهل الحديث: إنَّه وهم من راويه، أسقَطَ من السِّياق تبدئة المدَّعينَ باليمين لكَونِه لم يذكُر
فيه رَدَّ اليمين، واشتَمَلَت رواية يحيى بن سعيد على زيادةٍ من ثقةٍ حافظٍ فوجَبَ قَبُولها، وهي
تقضي على مَن لم يعرِفها. قلت: وسيأتي مزیدُ بیان لذلك.
قال القُرطُبيّ: الأصل في الدَّعاوى أنَّ اليمين على المدَّعَى عليه، وحُكم القَسَامة أصلٌ
بنفسِه لتَعذُّرِ إقامة البيّنة على القتل فيها غالباً، فإنَّ القاصد للقتل يَقصِد الخَلْوة ويَتَرَصَّد
الغَفْلة، وتأيَّدَت بذلك الرِّواية الصَّحيحة المتَّفَق عليها، وبَقِيَ ما عَدا القَسامة على الأصل،
ثمَّ ليس ذلك خروجاً عن الأصل بالكلّيَّة، بل لأنَّ المدَّعَى عليه إنَّما كان القولُ قولَه لقوّة
جانبه، بشهادة الأصل له بالبراءة ممّ ادُّعيَ عليه، وهو موجود في القَسامة في جانب المدَّعِي
لقوّة جانبه باللَّوْثِ(١) الذي يُقوِّي دَعواه.
قال عِيَاض: وذهب مَن قال بالدّية إلى تقديم المدَّعَى عليهم في اليمين، إلّا الشافعيّ
وأحمد، فقالا بقولِ الجمهور: يُبدَأ بالمدَّعِين، ورَدُّها إن أبَوْا على المدَّعَى عليهم.
وقال بعكسِه أهل الكوفة وكثير من أهل البصرة وبعض أهل المدينة والأوزاعيُّ، فقال:
يُستَحلَف من أهل القرية خمسون رجلاً خمسين يميناً: ما قتلناه ولا عِلِمْنا مَن قتله، فإن
حَلَفوا بَرِئوا، وإن نَقَصَت قَسامَتهم عن عَدَد أو نُكُولٍ، حَلَفَ المدَّعونَ على رجل واحدٍ
واستَحقّوا، فإن نَقَصَت قَسامَتهم عادت(٢) دِيةً، وقال عثمان البَتّيّ من فقهاء البصرة: ثمَّ
يُبْدَأ بالمدَّعَى عليهم بالأَيْمان، فإن حَلَفوا فلا شيء عليهم، وقال الكوفيّونَ: إذا حَلَفوا
وَ جَبَت عليهم الدّية، وجاء ذلك عن عمر.
قال: واتَّفَقوا كلّهم على أنَّها لا تجب بمُجرَّدٍ دَعوى الأولياء حتَّى يَقتَرِن بها شُبهة يَغلِب على
(١) اللَّوْث بفتح اللام وإسكان الواو: هو قرينةٌ تقوّي جانب المدَّعي وتُغلِّب على الظن صِدْقَه.
(٢) تحرَّف في (س) إلى: قاده.

١٠٨
باب ٢٢/ح ٦٨٩٨
فتح الباري بشرح البخاري
الظَّنّ الْحُكم بها، واختلفوا في تصوير الشُّبهة على سبعة أوجُه، فذكرها، وملخَّصُها:
الأوَّل: أن يقول المريض: دَمي عند فلان، أو ما أشبهَ ذلك، ولو لم يكن به أثرٌ أو جُرْح،
فإنَّ ذلك يُوجِب القَسامة عند مالك واللَّيث، ولم يَقُل به غيرهما، واشتَرَطَ بعض المالكيَّة
الأثر أو الجُرح، واحتُجَّ لمالكِ بقصَّة بقرة بني إسرائيل، قال: ووجه الدّلالة منها أنَّ الرجل
حَبِيَ فأخبر بقاتِلِه، وتُعقِّبَ بخَفاءِ الدّلالة منها، وقد بالَغَ ابن حَزْم في رَدِّ ذلك، واحتَجّوا
بأنَّ القاتل يَتَطَلَّب حالةَ غَفْلة الناس، فتَتَعذَّر البيّنة، فلو لم يُعمَل بقولِ المضروب لَأدَّى
ذلك إلى إهدار دمه، لأنَّها حالة يُتَحرَّى فيها اجتناب الكذب ويُتزوَّد فيها من البِرّ والتَّقوى،
وهذا إنَّما يَتَأَتَى في حال المحتَضَر.
الثانية: أن یشھَد مَن لا یکمُل النِّصاب بشهادته کالواحدِ أو جماعة غیر عُدول، قال بها
المذكوران، ووافَقَهما الشافعيّ ومَن تَبِعَه.
الثّالثة: أن يَشْهَد عَدلان بالضَّربِ ثمَّ يعيش بعده أياماً، ثمَّ يموت منه من غير تَخْلُّل
إفاقة، فقال المذكوران: تجب فيه القَسامة. وقال الشافعيّ: بل يجب القصاص بتلكَ الشَّهادة.
الرَّابعة: أن يُوجَد مقتول وعنده أو بالقُربِ منه مَن بيدِه آلة القتل، وعليه أثر الدَّم مثلاً،
ولا يُوجَد غيره، فتُشرَع فيه القَسامة عند مالك والشافعيّ، ويَلتَحِق به أن تَفتَّرِق جماعة عن
قتیل.
٢٣٧/١٢
الخامسة: أن يَقتَتِل طائفتان فيُوجَد بينهما قتيل، ففیه القَسامة عند الجمهور، وفي رواية
عن مالك: تَّخْتَصّ القَسامة بالطائفة التي ليس هو منها، إلّا إن كان/ من غيرهما فعلى
الطائفتين.
السادسة: المقتول في الزَّحمة، وقد تقدَّم بيان الاختلاف فيه في باب مُفرَد(١).
السابعة: أن يُوجَد قتيل في محلّة أو قبيلة، فهذا يوجِب القَسامة عند الثَّوْريّ والأوزاعيِّ وأبي
حنيفة وأتباعهم، ولا يوجِب القَسامة عندهم سوى هذه الصّورة، وشرطها عندهم - إلّا
(١) عند الحديث (٦٨٩٠).

١٠٩
باب ٢٢/ح ٦٨٩٨
كتاب الديات
الحنفيَّة -: أن يُوجَد بالقتيل أثر، وقال داودُ: لا تُجرَى القَسامة إلّا في العَمد على أهل مَدينة
أو قرية كبيرة، وهم أعداء للمقتول.
وذهب الجمهور إلى أنَّه لا قَسامة فيه، بل هو هَدَر لأنَّه قد يُقتَل ويُلقَى في المحَلّة لِيُتَّهَموا،
وبه قال الشافعيّ، وهو رواية عن أحمدَ، إلّا أن يكون في مِثل القصّة التي في حديث الباب،
فَتَنَّجِهُ فيها القَسامة لوجودِ العَدَاوة. ولم تَرَ الحنفيّة ومَن وافَقَهم لَوْئاً يوجِب القَسامة إلّا
هذه الصّورة. وحُجّة الجمهور القياس على هذه الواقعة، والجامع أن يَقتَرِن بالدَّعوى شيء
يدلّ على صِدق المدَّعِي فِيُقْسَم معه ويَستَحِقٌ.
وقال ابن قُدامةَ: ذهب الحنفيَّة إلى أنَّ القتيل إذا وُجِدَ في مَحَلَّةٍ فاذَّعَى وليّه على خمسين
نفساً من مَوضع قتلِه، فحَلَفوا خمسين يميناً: ما قتلناه ولا علمنا له قاتلاً، فإن لم يَجِد خمسين
كَرَّرَ الأيمان على مَن وُجدَ، وتجب الدّية على بقيّة أهل الخِطّة، ومَن لم يَحِلِف من المدَّعَى
عليهم حُبِسَ حتَّى يَلِف أو يُقِرَّ، واستَدَلّوا بأثرٍ عمر: أنَّه أحلَفَ خمسين نفساً خمسين يميناً
وقَضَى بالدّية عليهم، وتُعقِّبَ باحتمال أن يكونوا أقَرّوا بالخطأ وأنكروا العَمد، وبأنَّ الحنفيَّة
لا يعملونَ بِخَرِ الواحد إذا خالَفَ الأُصول ولو كان مرفوعاً، فكيف احتَجّوا بها خالَفَ
الأُصول بخَبَرٍ واحدٍ موقوف، وأوجَبوا اليمين على غير المدَّعَى عليه؟
واستُدِلَّ به على القَوَد في القَسامة، لقولِه: ((فتَستَحِقّونَ قاتلَكم))، وفي الرِّواية الأُخرى:
(دَمَ صاحبكم))، قال ابن دقيق العيد: الاستدلال بالرِّواية التي فيها: ((فيُدفَع بُرُمَّتِه)) أقوى
من الاستدلال بقولِه: ((دَم صاحبكم))، لأنَّ قوله: ((يُدفَع برُمَّتِه)) لفظ مُستَعمَل في دفع
القاتل للأولياءِ للقتل، ولو أنَّ الواجب الدّية لَبَعُدَ استعمال هذا اللَّفظ، وهو في استعماله في
تسليم القاتل أظهَر، والاستدلال بقولِه: ((دَم صاحبكم)) أظهَرُ من الاستدلال بقولِه:
((قاتلَكم)) أو ((صاحبَكم)) لأنَّ هذا اللَّفظ لا بدَّ فيه من إضمار، فيحتمل أن يُضمَر: دية
صاحبكم احتمالاً ظاهراً، وأمَّا بعد التَّصريح بالدّم(١) فيحتاج إلى تأويل اللَّفظ بإضمار: بَدَل
(١) تحرَّف في (س) إلى: الدية.

١١٠
باب ٢٢/ح ٦٨٩٨
فتح الباري بشرح البخاري
دَم صاحبكم، والإضمار على خِلاف الأصل، ولو احتِيجَ إلى إضمار لكان حَمله على ما يقتضي
إراقة الدَّم أقرَب.
وأمَّا مَن قال: يحتمل أن يكون قوله: ((دَم صاحبكم)) هو القتيل لا القاتل، فيَرُدّه
قوله: ((دَم صاحبكم أو قاتلكم)). وتُعقّبَ بأنَّ القصّة واحدة اختَلَفَت ألفاظ الرُّواة فيها
على ما تقدَّم بيانه، فلا يَستَقيم الاستدلال بلفظٍ منها لعَدَم تَحَقُّق أنَّه اللَّفظ الصّادر من
النبيّ څۇ.
واسْتَدَلَّ مَن قال بالقَوَدِ أيضاً بما أخرجه مسلم (١٦٧٠) والنَّسائيُّ (٤٧٠٨) من طريق
الزُّهْريّ عن سليمان بن يسار وأبي سَلَمة بن عبد الرّحمن عن أُناس من أصحاب رسول الله وَلَه
أنَّ القَسامة كانت في الجاهليَّة، وأقَرَّها النبيّ ◌ِ لَّ على ما كانت عليه في (١) الجاهليَّة، وقَضَی
بها بين ناس من الأنصار في قتيل ادَّعَوه على يهود خَيْبر. وهذا يَتَوقَّف على ثُبُوت أنَهم كانوا
في الجاهليّة يقتلونَ في القَسامة.
وعند أبي داود (٤٥٢٥) من طريق عبد الرَّحمن بن بُجَيدٍ - بموخَّدةٍ وجيم مُصغَّر -
قال: إنَّ سهلاً - يعني: ابن أبي حَثْمة - أوهم(٢) في الحدیث، إنَّ رسول الله گَتَبَ إلى يهود:
((إِنَّه قد وُجِدَ بين أظهُرِكم قتيل فَدُوه))(٣) فكَتَبوا يَحِلِفُونَ: ما قتلناه ولا علمنا قاتلاً، قال:
فَوَدَاه من عنده. وهذا رَدَّ الشافعيّ بأنَّه مُرسَل.
ويعارض ذلك ما أخرجه ابن مَندَهْ في ((الصحابة))(٤) من طريق مكحول حدَّثْنِي عَمْرو
ابن أبي ◌ُزاعة: أنَّ قُتِلَ فيهم قتيل على عهد رسول الله بَّهَ، فجَعَلَ القَسامة على خُزاعة:
بالله ما قتلنا ولا علمنا قاتلاً، فحَلَفَ كلّ منهم عن نفسه وغَرِمَ الدّية. وعَمْرو مُخْتَلَف في
صُحبته.
(١) تحرَّف في (س) إلى: من.
(٢) تحرف في (س) إلى: وهِم، وإنما هو أوهَمَ، ومعناه أسقَطَ، أي: أسقط في الحديث بعض حروفه.
(٣) يعني ادفعوا ديته.
(٤) وعنه أخرجه أبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (٥١١٧).

١١١
باب ٢٢/ح ٦٨٩٨
كتاب الديات
وأخرج ابن أبي شَيْبة(١) بسندٍ جيّدً إلى إبراهيم النَّخَعيِّ قال: كانت القَسامة في الجاهليّة:
إذا وُجِدَ القتيل بين / ظَهرَي قوم أقسَمَ منهم خمسون خمسين يميناً: ما قتلنا ولا علمنا، فإن ٢٣٨/١٢
عَجَزَت الأيمان رُدَّت عليهم، ثمَّ عَقَلوا.
وتَسَّكَ مَن قال: لا يجب فيها إلّا الدّية بما أخرجهِ الثَّوْريّ في «جامعه» وابن أبي شَيْبة
(٣٨١/٩-٣٨٢) وسعيد بن منصور بسندٍ صحيح إلى الشَّعْبيّ قال: وُجِدَ قتيل بين حَيَّنِ
من العرب، فقال عمر: قِيسوا ما بينهما، فأيّهما وجَدتُوه إليه أقرَبَ فأحلِفوهم خمسين يميناً
وأغرِموهم الدّية.
وأخرجه الشافعيّ (٧/ ١٤) عن سفيان بن عُيَينةَ عن منصور عن الشَّعْبِيّ: أنَّ عمر
كَتَبَ في قتيل وُجِدَ بين خَيْوان(٢) ووادِعَةَ(٣): أن يُقاسَ ما بين القَريَتَين، فإلى أيّهما كان أقرَبَ
أُخرِجَ إليه منهم خمسونَ رجلاً، حتَّى يُوافُوه مكّة فأدخَلهم الحِجْرَ فأحلَفَهم، ثمَّ قَضَى
عليهم الدّية، فقال: حَقَنَت أيمانكم دِماءَكم، ولا يُطلَّ دَمُ رجل مسلم. قال الشافعيّ: إنَّما
أخَذَه الشَّعْبيّ عن الحارث الأعور، والحارث غير مقبول(٤). انتهى.
(١) بل أخرجه بهذا اللفظ ابن حزم في ((المحلى)) ٨٦/١١، وأما ابن أبي شيبة ٩/ ٣٨٠ فلفظ روايته: إذا وُجد
قتيل في حيٍّ أُخِذَ منهم خمسون رجلاً فيهم المدّعَى عليه، وإن كانوا أقل من خمسين رُدَّت عليهم الأيمان
الأول فالأول. قلنا كذا قاله تفقهاً، ولم يذكر الجاهلية.
(٢) تحرف في (س) إلى: خيران، بالراء بدل الواو.
(٣) في (أ) وحدها: ووداعة، بتقديم الدال، وقد قيل ذلك أيضاً في اسم الحيّ المذكور، ولكنه بتقديم الألف أشهر
وأعرف، انظر ((الاشتقاق)) لابن دريد ص ٤٢٥، و((الأنساب)) للسمعاني في نسبتي الوادعي والوداعي و((معرفة
السنن والآثار)) للبيهقي (١٥٦٧٨) و(١٥٦٨٠) و(١٥٦٨١).
(٤) كذا نقل الحافظ كلام الإمام الشافعي، وسكت عنه كالمقرِّ له مع أنَّ الحارث الذي يروي عنه الشعبي هذا الخبر
هو الحارث بن الأزمع الوادعي الهَمْداني، وليس الحارث الأعور، كما حققه ابن التركماني في ((الجوهر النقي))
١٢٤/٨، على أنَّه روي هذا الخبر من غير طريق الشعبي، فقد أخرج محمد بن خلف الملقب بوكيع في ((أخبار
القضاة» ١٩٣/٢ -١٩٤ بسند حسن من رواية عبد الله بن شُبْرمة قاضي الكوفة: أنَّ قتيلاً أصيب في وادعة من
هَمْدان، ولا يُعلم له قاتل، فكتب فيه شريح بن الحارث إلى عمر بن الخطاب، فكتب عمر: أن خذْ من وادعة
خمسین رجلاً، ثم استحلِفهم بالله ما قتلوه ولا یعلمون له قاتلاً، ففعل ذلك، ففعلوا، فکتب إلیه شریح: إنهم قد
حَلفوا، فكتب إليه عمر: بهذا برئوا من الدم، فما الذي يُخرجهم من العَقْل؟ ضَعْ عليهم عقلَه.

١١٢
باب ٢٢/ح ٦٨٩٨
فتح الباري بشرح البخاري
وله شاهد مرفوع من حديث أبي سعيد عند أحمد (١١٣٤١): أنَّ قتيلاً وُجِدَ بين حَيَّنِ، فأمَرَ
النبيّ وَّ أَن يُقاسَ إلى أيّهما أقرَبُ، فألقَى دِيته على الأقرب، ولكن سنده ضعيف.
وقال عبد الرَّزّاق في ((مُصنَّفْه)) (١٨٢٧٦): قلت لعُبيدِ الله بن عمر العُمَريّ: أعلِمتَ
أَنَّ رسول الله ◌َِّ أقادَ بالقَسامة؟ قال: لا، قلت: فأبو بكر؟ قال: لا، قلت: فعمر؟ قال: لا،
قلت: فلمَ تَجَتَرِئونَ عليها؟ فسَكَتَ.
وأخرج البيهقيُّ (١٢٩/٨) من طريق القاسم بن عبد الرَّحمن: أنَّ عمر قال: القَسامة
تُوجِب العقل ولا تُسقِط الدَّم(١).
واستُلِلّ به للحنفيةِ على جواز سماع الدَّعوى في القتل على غير مُعيَّن، لأنَّ الأنصار ادَّعَوا
على اليهود أنَّهم قتلوا صاحبهم وسمعَ النبيّ ◌َّ دَعواهم.
ورُدَّ بأنَّ الذي ذكره الأنصار أوَّلاً ليس على صورة الدَّعوى بين الخَصمَين، لأنَّمِن شرطها
إذا لم يَحَضُر المدَّعَى عليه أن يَتَعَذَّرَ حضورُه، سَلَّمنا، ولكنَّ النّبِيّ ◌َّ قد بيَّن لهم أنَّ الدَّعوى إنَّما
تكون على واحد، لقولِه: «تُقسِمونَ على رجل منهم فيُدفَع إليكم بُرُمَّتِه)).
واستُدِلَّ بقولِه: ((على رجل منهم)) على أنَّ القَسامة إنَّما تكون على رجل واحد، وهو قول
أحمدَ ومشهور قول مالك، وقال الجمهور: يُشتَرَط أن تكون على مُعيَّن سواء كان واحداً أو
أكثرَ، واختَلَفوا هل يَخْتَصّ القتل بواحدٍ أو يُقتَل الكلّ؟ وقد تقدَّم البحث فيه، وقال أشهَبُ: لهم
أن يَحِلِفوا على جماعة، ويختارون واحداً للقتل، ويُسجَن الباقونَ عاماً ويُضرَبونَ مئة مئة، وهو
قولٌ لم يُسبَق إليه.
وفيه أنَّ الخَلِف في القَسامة لا يكون إلّا مع الجزم بالقاتل، والطَّريق إلى ذلك المشاهَدة أو
إخبار مَن يُوثَق به مع القَرِينة الدّالَّة على ذلك، وفيه أنَّ مَن تَوجَّهَت عليه اليمين فنَكَلَ عنها لا
يُقضَى عليه حتَّى يُردَّ اليمينُ على الآخر، وهو المشهور عند الجمهور، وعند أحمدَ والحنفيّة:
يُقضَی علیه دونَ رَدِّ الیمین.
(١) قال البيهقي: وهذا منقطع وعنده بدل قوله: ولا تسقط الدم: ولا تشيط الدم.

١١٣
باب ٢٢/ح ٦٨٩٨
كتاب الديات
وفيه أنَّ أيمان القَسامة خمسونَ يميناً، واختُلِفَ في عَدَد الحالفينَ: فقال الشافعيّ: لا
يجب الحقّ حتَّى يُقسِم الورَثة خمسين يميناً، سواء قَلّوا أم كَثُروا، فلو كانوا(١) بعَدَدِ الأيمان
حَلَفَ كلّ واحد منهم يميناً، وإن كانوا أقلَّ أو نَكَلَ بعضهم رُدَّت الأيمان على الباقين، فإن
لم يكن إلّ واحدٍ حَلَفَ خمسين يميناً واستَحقّ، حتَّى لو كان مَن يَرِث بالفَرْضِ والتَّعصيب
أو بالنَّسَبِ والولاء، حَلَفَ واستَحقَّ، وقال مالك: إن كان وليّ الدَّم واحداً ضُمَّ إليه آخرُ
من العَصَبة، ولا يُستَعان بغيرهم، وإن كان الأولياء أكثرَ حَلَفَ منهم خمسونَ، وقال اللَّيث:
لم أسمع أحداً يقول: إنَّها تَنزِل عن ثلاثة أنفُس، وقال الزّهْريّ عن سعيد بن المسيّب: أوَّل
مَن نَقَصَ القَسامة عن خمسين معاوية. قال الزُّهْريّ: وقَضَى به عبد الملِك ثمَّ رَدَّه عمر بن
عبد العزيز إلى الأمر الأوَّل.
واستُدِلَّ به على تقديم الأسَنّ في الأمر المِهِمّ إذا كانت فيه أهليَّة ذلك، لا ما إذا كان
عَرِيّاً عن ذلك، وعلى ذلك يُحِمَل الأمر بتقديم الأكبر في حديث الباب، إمّا لأنَّ وليّ الدَّم لم
يكن مُتأهّلاً فأقامَ الحاكم قريبه مقامَه في الدَّعوى، وإمّا لغير ذلك.
وفيه التَّنيس والتَّسلية لأولياءِ المقتول لا أنَّه حُكْمٌ على الغائبين، لأنَّه لم يَتقدَّم صورة
دَعوى على غائب، وإِنَّمَا وَقَعَ الإخبار بما وَقَعَ، فذكر لهم قصَّة الحُكم على التَّقديرين،/ ومن ٢٣٩/١٢
ثَمَّ کَتَبَ إلی الیهود بعد أن دارَ بینھم الکلام المذکور.
ويُؤخَذ منه أنَّ مُجرَّد الدَّعوى لا توجِب إحضار المدَّعَى عليه، لأنَّ في إحضاره مَشغَلة
عن أشغاله، وتضييعاً لماله من غير مُوجِبٍ ثابتٍ لذلك، أمَّا لو ظَهَرَ ما يُقوِّي الدَّعوى من
شُبهة ظاهرة، فهل يَسُوع استحضارُ الخَصم أو لا؟ مَحَلّ نظر، والرَّاجح أنَّ ذلك يختلف
بالقُربِ والبُعد وشِدّة الضَّرَر وخِفَّته.
وفيه الاكتفاء بالمكاتبة وبخَبَرِ الواحد مع إمكان المشافهة. وفيه أنَّ الیمین قبل توجيهها من
الحاكم لا أثر لها، لقولِ اليهود في جوابهم: والله ما قتلنا. وفي قولهم: لا نَرضَى بأيمان اليهود،
استبعاد لصِدقِهم لما عَرَفوه من إقدامهم على الكذب وجَراءَتهم على الأيمان الفاحِرة.
(١) تحرَّف في (س) إلى: كان.

١١٤
باب ٢٢/ح ٦٨٩٨
فتح الباري بشرح البخاري
واستُدِلَّ به على أنَّ الدَّعوى في القَسامة لا بدَّ فيها من عَدَاوة أو لَوْثٍ، واختُلِفَ في سماع
هذه الدَّعوى ولو لم تُوجِب القَسامة: فعن أحمدَ روايتان، وبسماعِها قال الشافعيّ لعمومٍ
حديث: ((اليمين على المدَّعَى عليه)) بعد قوله: ((لو يُعطَى الناسُ بدَعْواهم لادَّعَى قوم دِماء
قومٍ وأموالهم))(١)، ولأنَّهَا دَعوى في حَقّ آدميّ فتُسمَع ويُستَحلَف، وقد يُقِرّ فيَئْبُت الحقّ في
قتله ولا يُقبَل رُجوعُه عنه، فلو نَكَلَ رُدَّت على المدَّعِي واستَحقَّ القَوَد في العَمْد، والدّيةَ في
الخطأ، وعن الحنفيَّة: لا تُرَدّ اليمين، وهي رواية عن أحمدَ.
واستُدِلَّ به على أنَّ المدَّعينَ والمدَّعَى عليهم إذا نَكَلوا عن اليمين وَجَبَت الدّية في بيت
المال، وقد تقدّم ما فيه قريباً.
واستدِلَّ به على أنَّ مَن يَحِلِف في القَسامة لا يُشتَرَط أن يكون رجلاً ولا بالغاً، لإطلاق
قوله: ((خمسين منكم))، وبه قال رَبيعة والثَّوْرِيُّ واللَّيث والأوزاعيُّ وأحمد، وقال مالك: لا
مَدخَل للنِّساءِ في القَسامة، لأنَّ المطلوب في القَسامة القتل ولا يُسمَع من النِّساء. وقال الشافعيّ:
لا تحلِف في القسامة إلّا الوارث البالغ، لأنَّها یمین في دعوی حُكمِيَّة، فكانت گَسائِرِ الأيمان
ولا فرقَ في ذلك بين الرجل والمرأة.
واختُلِفَ في القَسامة: هل هي معقولة المعنى فيُقاسَ عليها أو لا؟ والتَّحقيق أنَّها معقولة
المعنى، لكنَّه خَفيّ، ومع ذلك فلا يُقاس عليها، لأنَّها لا نظير لها في الأحكام، وإذا قلنا: إنَّ
المبدَأ فيها أيمان المدَّعي، فقد خَرَجَت عن سَنَن القياس، وشرط القياس: أن لا يكون مَعدولاً به
عن سَنَن القياس، كَشهادة خُزَيمةَ(٢).
تنبيه: نَبَّهَ ابن المنَيِّر في ((الحاشية)) على النُّكتة في كَون البخاريّ لم يُورِد في هذا الباب الطَّرِيقَ
الدّالَّة على تَحليف المدَّعي، وهي ممّاً خالَفَت فيه القَسامةُ بقيّة الحقوق، فقال: مذهب البخاريّ
تضعيف القَسامة، فلهذا صَدَّرَ الباب بالأحاديثِ الدّالَّة على أنَّ اليمين في جانب المدَّعَى
(١) تقدم عن ابن عباس (٤٥٥٢)، وأخرجه مسلم (١٧١١). واللفظ المذكور هو لفظ أبي عوانة (٦٠٠٦) تماماً.
(٢) يعني إذ جعل النبيُّ پټ شهادته شهادة رجلین، كما تقدم برقم (٤٧٨٤) من حديث زيد بن ثابت، وانظر
قصته عند أبي داود (٣٦٠٧)، والنسائي (٤٦٤٧).

١١٥
باب ٢٢/ح ٦٨٩٩
كتاب الديات
عليه، وأورَدَ طريق سعيد بن عُبيد، وهو جارٍ على القواعد، وإلزام المدَّعي البيِّنَةَ ليس من
خصوصيَّة القَسامة في شيء، ثمَّ ذكر حديث القَسامة الدّالّ على خروجها عن القواعد بطريق
العَرَض في كتاب الموادَعة والجِزية، فِراراً من أن يَذكرها هنا، فَيَغْلَطَ المستَدِلّ بها على اعتقاد
البخاريّ. قال: وهذا الإخفاء مع صِحّة القصد ليس من قبيل كتمان العلم.
قلت: الذي يظهر لي أنَّ البخاريّ لا يُضَعِّف القَسامة من حيثُ هي، بل يوافق الشافعيّ
في أنَّه لا قَود فيها، ويُخالفه في أنَّ الذي يَحِلِف فيها هو المدَّعي، بل يرى أنَّ الرّوايات اختَلَفَت
في ذلك في قصَّة الأنصار ويهود خَيْبر، فيُردّ المختلِف إلى المتَّفَق عليه من أنَّ اليمين على المدَّعَى
عليه، فمن ثَمَّ أورَدَ رواية سعيد بن عُبيد في ((باب القَسامة))، وطريق يحيى بن سعيد في باب
آخر، وليس في شيء من ذلك تضعيف أصل القَسامة، والله أعلم.
واذَّعَى بعضهم أنَّ قوله: ((تَحِلِفونَ وتَستَحِقُونَ؟» استفهام إنكار واستعظام للجمع بين
الأمرَين. وتُعقّبَ بأَهم لم يَبدَؤوا بطلبٍ اليمين حتَّى يَصِحَّ الإنكار عليهم، وإنَّما هو استفهام
تقریر وتشریع.
٦٨٩٩- حذَّثنا قُتَيةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا أبو بِشْرِ إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ الأسَدِيُّ، حدَّثنا
الحجّاجُ بنُ أبي عثمانَ، حدَّثني أبو رَجاءٍ - من آلِ أبي قِلَابَةَ - حذَّثني أبو قِلَابةَ: أَنَّ عمرَ بنَ
عبدِ العزيزِ أبرزَ سَرِيرَه يوماً للنّاسِ، ثمَّ أذِنَ لهم فدخلُوا، فقال: ما تقولون في القَسامةِ؟ قال:
نقولُ: القَسامةُ القَوَدُ بها حَقٌّ، وقد أقادَت بها الخلفاءُ، قال لي: ما تقولُ يا أبا قِلَابَةَ؟ ونَصَبَتِي
للنّاسِ، فقلتُ: يا أميرَ المؤمنينَ، عندَكَ رُؤوسُ الأجنادِ، وأشرافُ العربِ، أرأيتَ لو أنَّ خمسينَ
منهم شَهِدوا على رجلٍ تُحْصَنٍ بدمشقَ: أنَّه قد زَنَى ولم يَرَوْه، أكنتَ تَرُه؟ قال: لا، قلتُ:
أرأيتَ لو أنَّ خمسينَ منهم شَهِدوا على رجلٍ بحِمْصَ: أنَّه سَرَقَ، أكنتَ تَقْطَعُه ولم يَرَوْه؟ قال:
لا، قلتُ: فوالله ما قَتَلَ رسولُ اللهِ وَِّ أحداً قَطُّ، إلّ في إحدى ثلاثٍ خِصالٍ: رجلٌ قَتَلَ
بِجَرِيرةٍ نفسِه فقُتِلَ، أو رجلٌ زَنَى بعدَ إحصانٍ، أو رجلٌ حارَبَ اللهَ ورسولَه وارتَدَّ عن
الإسلامِ، فقال القومُ: أوَليس قدِ حدَّث أنسُ بنُ مالكِ: أنَّ رسولَ الله ◌ِوَ ل﴿ قَطَعَ في السَّرَّقِ،
وسَمَرَ الأعيُنَ، ثمَّ نَبَذَهم في الشمس؟ فقلتُ: أنا أُحدِّثُكم حديثَ أنسٍ، حدَّثني أنسٌ: أنَّ نَفَراً

١١٦
باب ٢٢/ح ٦٨٩٩
فتح الباري بشرح البخاري
من عُكْلٍ ثمانيةً قَدِموا على رسولِ اللهِ وَّهِ فبايَعوه على الإسلام، فاستَوْخُوا الأرضَ، فسَقِمَت
أجسامُهم، فشَكَوْا ذلك إلى رسولِ الله وَّةِ، قال: ((أفَلا تَخْرُجونَ مع راعِينا في إبلِهِ، فَتُصِيبونَ
من أبوالها وألبانها؟)) قالوا: بلى، فخَرَجوا، فشَرِبوا من أبوالها وألبانها، فصَحُوا فقتلوا راعيَ
رسولِ اللهَوَّهِ وَأَطَرَدُوا النَّعَمَ، فَلَغَ ذلك رسولَ الله ◌َِّ، فأرسَلَ في آثارهم فَأَدْرِكوا، فچِيءَ
بهم، فأمَرَ بهم فقُطُّعَت أيديهم وأرجُلُهم، وسَمَرَ أعيُنَهم، ثمَّ نَبَذَهم في الشمس حتَّى ماتوا.
قلتُ: وأيُّ شيءٍ أشدُّ مَمَّا صَنَعَ هؤلاءِ؟ ارتَدُّوا عن الإسلام، وقَتَلُوا، وسَرَقوا.
فقال عَنْبَسةُ بنُ سعيدٍ: والله إن سمعتُ كاليوم قَطُّ! فقلتُ: أثرُدُّ عليَّ حديثي يا عَنْبَسة؟
قال: لا، ولكن جِئْتَ بالحديثِ على وجهِه، والله لا يزالُ هذا الجُندُ بخيرٍ ما عاشَ هذا الشيخُ
بینَ اظُرِهم.
قلتُ: وقد كان في هذا سُنّةٌ من رسولِ الله ◌َّةِ: دَخَلَ عليه نَفَرٌ منَ الأنصار فَتَحدَّثُوا عندَه،
فخَرَجَ رجلٌ منهم بينَ أيدِيهم فقُتِلَ، فخَرَجوا بعدَه، فإذا هم بصاحبِهِم يَتَشَخَّطُ في الدَّمِ،
فرجعوا إلى رسولِ اللهِ وَّه، فقالوا: يا رسولَ الله، صاحبُنا كان تَحَدَّث مَعَنا، فخَرَجَ بينَ أيدِينا،
فإذا نحنُ به يَتَشَخَّطُ في الدَّم، فخَرَجَ رسولُ اللهِ وَّةِ، فقال: ((بمَن تَظُنّونَ - أو تُرَوْنَ - قَتَلَه؟»
قالوا: نُرَى أنَّ اليهودَ قتله، فأرسَلَ إلى اليهودِ فَدَعاهم، فقال: ((آنتُم قَتَلتُم هذا؟)) قالوا: لا، قال:
(أَتْرْضَوْنَ نَفَلَ خمسينَ منَ اليهودِ: ما قَتَلوه؟)) فقالوا: ما يُبالُونَ أن يقتُلونا أجمَعِينَ ثمَّ يُنفِّلُون،
قال: ((أفَتَسْتَحِقُونَ الدِّيَةَ بأيمان خمسينَ منكم؟)) قالوا: ما كنَّا لِنَحْلِفَ، فَوَدَاه من عندِه.
قلتُ: وقد كانت هُذَيلٌ خَلَعوا خَلِيعاً لهم في الجاهليّةِ، فطُرِقَ أهلُ بيتٍ منَ اليَمَنِ
بالبَطْحاءِ، فانتبَةَ له رجلٌ منهم فحَذَفَه بالسَّيفِ فقَتَلَه، فجاءت هُذَيْلٌ فأخَذُوا اليَمَانيَّ، فَرَفَعوه
إلى عمرَ بالَمَّوْسِمِ، وقالوا: قَتَلَ صاحبنا، فقال: إنَّهم قد خَلَعُوه، فقال: يُقْسِمُ خمسونَ من هُذَيلٍ:
ما خَلَعوه، قال: فأقسَمَ منهم تسعةٌ وأربعونَ رجلاً، وقَدِمَ رجلٌ منهم منَ الشَّام، فسألوه أن
يُقْسِمَ، فافتَدَى يَمِينَه منهم بألفِ دِرْهَم، فأدخَلوا مكانه رجلاً آخَرَ، فَدَفَعَه إلى أخي المقتولِ،
فقُرِنَت ◌َدُه بَيَدِهِ، قال: فانطَلَقًا والخمسونَ الَّذِينَ أقسَمُوا، حتَّى إذا كانوا بِنَخْلَةَ، أَخَذَتْهمُ السماءُ،
فدخلوا في غارِ في الجبلِ، فانهَجَمَ الغارُ على الخمسينَ الَّذِينَ أقسموا، فماتوا جميعاً، وأُفْلِتَ القَرِينان،

١١٧
باب ٢٢/ح ٦٨٩٩
كتاب الديات
واتَّبَعَهما حجرٌّ فَكَسَرَ رِجْلَ أخي المقتولِ، فعاشَ حَوْلاً ثمَّ ماتَ.
قلتُ: وقد كان عبدُ الملِك بنُ مروانَ أقادَ رجلاً بالقَسامةِ، ثمَّ نَدِمَ بَعْدُ ما صَنَعَ، فأمَرَ
بالخمسينَ الَّذِينَ أقسَمُوا، فمُحُوا مِنَ الدِّيوان، وسَيَّرَهم إلى الشَّامِ.
قوله: ((أبو بِشْر إسماعيل بن إبراهيم الأسَديُ)) بفتح السّين المهمَلة المعروف بابنٍ عُلَيَّة،
واسم جَدّه مِقسَم وهو الثَّقة المشهور، وهو منسوب إلى بني أسد بن خُزَيمةَ لأنَّ أصله من
مَواليهم، والحجّاج بن أبي عثمان: هو / المعروف بالصَّوافّ، واسم أبي عثمان: مَيسَرة، وقيل: ٢٤٠/١٢
سالم، وكُنية الحجّاج: أبو الصَّلت، ويقال غير ذلك، وهو بصريّ أيضاً، وهو مولى بني
كِنْدة، وأبو رَجاء: اسمه سليمان، وهو مولى أبي قِلَابَةَ عبد الله بن زيد الجَرْميّ، ووَقَعَ هنا:
من آل أبي قِلَابةَ، وفيه تَجُّز فإنَّه منهم باعتبار الولاء لا بالأصالة، وقد أخرجه أحمدُ (١٢٩٣٦)
فقال: حدَّثنا إسماعيل بن إبراهيم حدَّثنا حَجّاج عن أبي رَجَاء مولى أبي قِلَابةَ، وكذا عند
مسلم (١٦٧١/ ١٠) عن أبي بكر بن أبي شَيْبة ومحمَّد بن الصَّبّاح، وكذا عند الإسماعيليّ من
رواية أبي بكر وعثمان ابنَي أبي شَيْبة، كلّهم عن إسماعيل.
قوله: ((أنَّ عمر بن عبد العزيز)) يعني: الخليفة المشهور («أبرَزَ سريره)) أي: أظهَرَه، وكان
ذلك في زمن خِلَافَته وهو بالشّامّ، والمراد بالسّرير: ما جَرَت عادة الخلفاء بالاختصاص
بالجلوسِ عليه، والمراد أنَّه أخرجه إلى ظاهر الدّار لا إلى الشّارع، ولذلك قال: أذِنَ للنّاس،
ووَقَعَ عند مسلم (١٦٧١ / ١٢) من طريق عبد الله بن عَوْن عن أبي رَجَاء عن أبي قِلَابةَ: كنتُ
خَلْف(١) عمر بن عبد العزيز.
قوله: ((ما تقولون في القَسامة؟» زاد أحمدُ بن حَرْب عن إسماعيل ابن عُلِيَّة عند أبي
نُعَيم في ((المستخرَج)): فأضَبَّ الناسُ، أي: سَكَتوا مُطْرِقين، يقال: أضَبّوا: إذا سَكَتوا،
وأضَبّوا: إذا تَكلَّموا، وأصل أضَبَّ: أضمَرَ ما في قلبه، ويقال: أضَبَّ على الشَّيء: لَزِمَه،
والاسم: الضَّبّ، كالحيوان المشهور، ويحتمل أن يكون المراد أنَّهم علموا رأي عمر بن
(١) كذا في الأصلين و(س)، مع أنَّ لفظ الرواية: كنت جالساً خلْف. وفات الحافظ رحمه الله أنه من هذا
الطريق عند البخاري أيضاً، وقد تقدم برقم (٤٦١٠).

١١٨
باب ٢٢/ح ٦٨٩٩
فتح الباري بشرح البخاري
عبد العزيز في إنكار القَسامة، فلمَّا سألهم سَكَتوا مُضمِرينَ مُخَالَفَتَه، ثمَّ تَكلَّمَ بعضُهم بما
عنده في ذلك، كما وَقَعَ في هذه الرِّواية: قالوا: نقول: القَسامة القَوَد بها حَقّ وقد أقادَت
بها الخلفاء، وأرادوا بذلك ما تقدَّم نَقلُه عن معاوية وعن عبد الله بن الزُّبَير، وكذا جاء
عن عبد الملك بن مروان وعن أبيه مروان(١)، لكنَّ عبد الملك أقادَ بها ثمَّ نَدِمَ، كما ذكره
أبو قِلَابةَ بعد ذلك. وفي رواية حمّاد بن زيد عن أيوب وحَجّاج الصَّاف(٢) عن أبي رَجَاء:
أنَّ عمر بن عبد العزيز استَشارَ الناسَ في القَسَامة، فقال قوم: هي حَقٌّ، قَضَى بها
رسول الله وَّهِ، وقَضَى بها الخلفاء، أخرجه أبو عَوَانة في ((صحيحه)) (٦١١٩) وأصله عند
الشَّيخَينِ من طريقه(٣).
قوله: «قال لي: ما تقول؟)» (٤) في رواية أحمدَ بن حَرْب: فقال لي: ما تقول يا أبا قِلَابةَ؟
قوله: ((ونَصَبَني للنّاسِ)) أي: أبرَزَني لمُناظَرَتِهِم، أو لكَونِه كان خَلف السَّرير فأمَرَه أن
يظهر، وفي رواية أبي عَوَانة: وأبو قِلَابَةَ خَلف السَّرير قاعد فالتَفَتَ إليه فقال: ما تقول يا أبا
قِلَابةَ؟
قوله: ((عندك رُؤوس الأجناد)) بفتح الهمزة وسكون الجیم بعدها نون: جمع جُند، وهي
في الأصل الأنصار والأعوان، ثمَّ اشتَهَرَ في المقاتِلة، وكان عمر قَسَّمَ الشّام بعد موت أبي
عُبيدة ومُعاذ على أربعة أُمراء، مع كلّ أمير جُندٌ، فكان كلٌّ من فِلَسطينَ ودِمَشق وحِمِص
وقِنَّرِينَ يُسمَّى جُنداً باسم الجُند الذي نزلوها، وقيل: كان الرَّابع الأُرْدُنّ، وإنّما أُفِدَت
قِنَّسرينُ بعد ذلك، وقد تقدَّم شيء من هذا في الطِّبّ (٥٧٢٩) في شرح حديث الطاعون:
لمَّا خَرَجَ عمر إلى الشّام فَلَقيَه ◌ُمراء الأجناد.
(١) عبارة: ((وعن أبيه مروان)) أثبتناها من (أ) وحدها، وقد قدَّم الحافظ ذكر الأثر الدال على عمل مروان
وابنه بذلك من رواية سعيد بن المسيب قبيل شرح الأول في هذا الباب.
(٢) تحرَّف في مطبوع ((أبي عوانة)) إلى: أيوب عن حجاج.
(٣) بل هو بهذا اللفظ المذكور بعينه عند البخاري (٤١٩٣) فكان الأولى العزو إليه، وترك ذكر أبي عوانة.
(٤) كذا وقع للحافظ رحمه الله، مع أنَّ الذي في اليونينية دون حكاية خلاف بين رواه البخاري: ما تقول يا أبا
قلابة، فلعلَّ قوله: يا أبا قلابة، سقط من نسخة الحافظ، والله أعلم.

١١٩
باب ٢٢/ح ٦٨٩٩
كتاب الديات
ولابنٍ ماجَهْ (٤٥٥) وصَحَّحَه ابن خُزَيمةَ(١) (٦٦٥) من طريق أبي صالح الأشعَريّ
عن أبي عبد الله الأشعَريّ في غَسل الأعقاب: قال أبو صالح: فقلت لأبي عبد الله: مَن
حدَّثك؟ قال: أُمراء الأجناد: خالد بن الوليد ويزيد بن أبي سفيان وشُرَحْبيل ابن حَسَنة
وعَمْرو بن العاص.
قوله: ((وأشراف العرب)) في رواية أحمدَ بن حَرْب: وأشراف الناس.
قوله: ((أرأيت لو أنَّ خمسينَ)) إلى آخره، وَقَعَ في رواية حمّاد: شَهِدَ عندك أربعة من أهل
حِمِص على رجل من أهل دِمَشق، وزاد بعد قوله: أكنت تَقطَعه؟ قال: لا، قال: يا أمير
المؤمنينَ، هذا أعظَمُ من ذلك.
قوله: ((فوالله ما قَلَ رسولُ الله ◌َِّ أحداً قَطُّ)) في رواية حمّاد: لا والله، لا أعلمُ رسولَ الله وَّ
قتل أحداً من أهل الصلاة. وهو موافق لحديثِ ابن مسعود الماضي مرفوعاً في أوَّل الدّيات
(٦٨٧٨): ((لا يَحِلّ دَم امرِئٍ مسلم)).
قوله: «إلّا في إحدى» في روایة أحمد بن حَرْب: إلّا بإحدى.
قوله: ((بجَرِيرةٍ نفسه)) أي: بچِنایتِها.
قوله: ((فقال القوم: أوليس قد حدَّث أنس؟)) عند مسلم(٢) (١٢/١٦٧١) من طريق ابن ٢٤١/١٢
عَوْن: فقال عَنْبَسة: قد حدَّثنا أنس بكذا، وفي رواية حمّاد المذكورة: فقال عَنْبَسة بن سعيد:
فأين حديثُ أنس بن مالك في العُكْلِيِّينَ؟ كذا في هذه الرِّواية، وتقدَّم في الطَّهارة وغيرها
(٢٣٣) بلفظ: العُرَنّين، وأوضحت أنَّ بعضهم كان من عُكْل وبعضهم كان من عُرَينَةَ،
ونَبَتَ كذلك في کثیر من الطُّرق.
وعَنْبَسة المذكور، بفتح المهمَلة وسكون النُّون وفتح الموحَّدة بعدها سين مُهمَلة: هو
الأُمَويّ أخو عَمْرو بن سعيد المعروف بالأشْدَق، واسم جَدّه: العاص بن سعيد بن العاص
(١) وهذا لفظه.
(٢) قدمنا أنه أيضاً عند البخاري (٤٦١٠).

١٢٠
باب ٢٢/ح ٦٨٩٩
فتح الباري بشرح البخاري
ابن أُمَيَّة، وكان عَنْبَسة من خيار أهل بيته، وكان عبد الملك بن مروان بعد أن قتلَ أخاه عَمْرو
ابن سعيد ◌ُكرِمه، وله رواية وأخبار مع الحجّاج بن يوسف، ووثَّقْه ابن مَعِين وغيره.
قوله: (أنا أُحدِّثكم حديث أنس، حدَّثني أنس)» في رواية أحمد بن حرب: فإنّاي حدث
أنسٍ.
قوله: ((فبایَعوا)» (١) في رواية أحمد بن حَرْب: فبايعوه.
قوله: ((أجسامهم)) في رواية أحمدَ بن حَرْب: أجسادهم.
قوله: ((أبوالها وألبانِها)» في رواية أحمدَ بن حَرْب: من رِسْلها، وهو بكسر الرَّاء وسكون
المهمَلة: اللَّبَن، وبفتحَتَين: المال من الإبل والغنم، وقيل: بل الإبل خاصّة إذا أُرسِلَت إلى
الماء تُسمَّی رَسَلاً.
قوله: ((ثُمَّ نَبَذَهم)) بنونٍ وموخَّدة مفتوحَتَينِ ثمَّ ذال مُعجَمة، أي: طَرَحَهم.
قوله: ((قلت: وأيّ شيء أشدُّ ممَّ صَنَعَ هؤلاءِ؟ ارتَدّوا عن الإسلام، وقَتَلوا وسَرَقوا)» في رواية
حمّاد(٢): قال أبو قِلَابَةَ: فهؤلاءِ سَرَقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله.
قوله: «فقال عنبسة) هو المذکور قبلُ.
قوله: ((إن سمعتُ كاليوم قَطَّ!)) إن بالتَّخفيفِ وكسر الهمزة بمعنى ((ما)) النافية، وحُذِفَ
مفعول سمعتُ، والتَّقدير: ما سمعتُ قبلَ اليوم مِثْلَ ما سمعتُ مِنك اليوم، وفي رواية
حمّاد: فقال عَنْبَسة: يا قوم، ما رأيت كاليومٍ قَطّ! ووَقَعَ في رواية ابن عَوْن(٣): قال
أبو قِلَابَةَ: فلمَّا فَرَغت قال عَنْبَسة: سبحان الله!
قوله: ((أترُدُّ عليَّ حديثي يا عَنْبَسة؟)) في رواية ابن عَوْن: فقلت: أتَّهُمُني يا عَنبَسة؟ وكذا
في رواية حَمَّد، كأنَّ أبا قِلَابةَ فَهِمَ من كلام عَنْبَسةً إنكارَ ما حدَّث به.
(١) كذا وقع للحافظ، مع أنَّ الذي في الیونینیة دون حكاية خلاف: فبايعوه، کرواية أحمد بن حرب.
(٢) عند أبي عوانة (٦١١٩).
(٣) عند مسلم (١٦٧١) (١٢).