النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
باب ١٣ -١٤/ح ٦٨٨٥
كتاب الديات
الذِّمّيّ بما ذُكِرَ قبلها، وجَعَلَ في قتل المؤمنِ خطأًّ الدّيةَ والكفَّارةَ، ولم يَذكُر ذلك في قتل
الكافر، فتَمسَّكَ به مَن قال: لا يجب في قتل الكافر ولو كان ذِمّيّاً شيءٌ، وأَيَّدَه بقولِه: ﴿وَلَنْ
يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١].
وإسحاق في أوَّل السَّند، قال أبو عليّ الجيَّانيّ: لم أجِده منسوباً، ويُشبِهِ أن يكون ابنَ
منصورٍ. قلت: ولا يَبعُد أن يكونَ ابنَ راهویه، فإنّہ کثیرُ الرِّوایة عن حبّان بن هلالٍ شیخِ
إسحاقَ هنا.
قوله فيه: ((فجيءَ باليهوديِّ فاعتَرَفَ)) في رواية هُدْبة عن همَّامٍ: فَأَتيَ به النبيُّ ◌َّ، فلم
يزَل به حتَّى أقَرَّ، أخرجه الإسماعيليّ(١).
وفي حديث أنس في قصَّة اليهوديّ حُجّة للجُمهورِ في أنَّه لا يُشتَرَطُ في الإقرار بالقتل
أن يَتْكَرَّر، وهو مأخوذ من إطلاق قوله: فأُخِذَ اليهوديُّ فاعتَرَفَ(٢)، فإنَّه لم يَذكُر فيه عَدَداً
والأصل عَدمُه، وذهب الكوفيّونَ إلى اشتراط تكرار الإقرار بالقتل مرَّتَين، قياساً على اشتراط
تَكرار الإقرار بالزِّنى أربعاً تَبَعاً لعَدَدِ الشُّهود في الموضعين.
١٣ - باب قتل الرّجل بالمرأة
٦٨٨٥ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتَادةَ، عن أنس بن مالكٍ ﴾:/ ٢١٤/١٢
أنَّ النبيَّ ◌َّ قَثَلَ بهودياً بجاريةٍ قَتَلَها على أوْضاحٍ لها.
قوله: ((باب قَتْل الرجل بالمرأةِ)) ذكر فيه حديث أنس في قصَّة اليهوديّ والجارية باختصارٍ،
وقد تقدَّم شرحُه مُستَوَفَّى قريباً (٦٨٧٦). ووجه الدّلالة منه واضح، ولَمَّحَ به إلى الردّ على مَن
مَنعَ، کما سأُبِّنه في الباب الذي بعده.
١٤ - باب القصاص بين الرّجال والنّساء في الجِراحات
وقال أهلُ العِلِمِ: يُقتَلُ الرجلُ بالمرأةِ.
(١) فات الحافظ رحمه الله أنه تقدَّم قريباً بهذا اللفظ برقم (٦٨٧٦) من رواية حجاج بن مِنْهال عن همام.
(٢) هذا لفظ الرواية المتقدمة برقم (٢٤١٣).

٦٢
باب ١٤/ح ٦٨٨٦
فتح الباري بشرح البخاري
وَيُذكَرُ عن عمرَ: تُقادُ المرأةُ منَ الرجلِ في كلِّ عَمْدٍ يَبلُغُ نفسَه فما دونَها منَ الجِراح.
وَبِهِ قال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وإبراهيمُ، وأبو الزِّنادِ عن أصحابه.
وَجَرَحَت أُختُ الرُّبَيِّعِ إنساناً، فقال النبيُّ وَّ: ((القِصَاصَ)).
٦٨٨٦ - حدَّثْنا عَمْرو بنُ عليٍّ بن بَحْرٍ، حدَّثنا يحيى، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا موسى بنُ أبي
عائشةَ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: لَدَدْنا النبيَّ ◌َلّ في مرضه،
فقال: ((لا تَلُّدُّوني)) فقلنا: كراهيةَ المريضِ الدَّواءَ، فلمَّا أفاقَ قال: ((لا يَبقَى أحدٌ منكم إلّا لَُّّ
غيرُ العِبَّاسِ، فإنَّه لم يَشهَدْكم)).
قوله: ((باب القِصاص بين الرِّجال والنِّساء في الجِراحات)) قال ابن المنذر: أجمعوا على أنَّ
الرجلَ يُقتَل بالمرأة والمرأةَ بالرجل، إلّا رواية عن عليّ وعن الحسن وعطاء، وخالَفَ الحنفيَّة
فيما دونَ النَّفْس، واحتَجَّ بعضهم بأنَّ اليد الصَّحيحة لا تُقطَع باليَدِ الشَّلّاء، بخِلَاف
النَّفْس، فإنَّ النَّفس الصَّحيحة تُقاد بالمريضة اتِّفاقاً، وأجابَ ابن القَصّار بأنَّ اليد الشَّلّاء في
حُكم الميّتة والحيُّ لا يُقاد بالميِّت، وقال ابن المنذر: لمَّا أجمعوا على القِصاص في النَّفْس
واختَلَفوا فيما دونها، وجَبَ رَدُّ المختلَف إلى المنَّفَقِ.
قوله: ((وقال أهل العِلم: يُقْتَل الرجل بالمرأةِ)) المراد الجمهور، أو أطلقَ إشارة إلى وَهَاء
الطَّريق إلى عليّ، أو إلى أنَّه من نُدرة المخالِف.
قوله: ((ويُذكَر عن عمر: تُقاد المرأة من الرجل في كلّ عَمْدٍ يَبلُغ نفسَه فما دونها من الجِراح))
وَصَلَه سعيد بن منصور(١) من طريق النَّخَعيِّ قال: كان فيما جاء به عُرْوة البارِقِيّ إلى شُرَيحِ
من عند عمرَ قال: جُرْح الرِّجال والنِّساء سواء، وسنده صحيحٌ إن كان النَّخَعيُّ سمعَه من
شُرَيح، وقد أخرجه ابن أبي شَيْبة (٩/ ٣٠٠) من وجه آخر فقال: عن إبراهيم عن شُرَيح قال:
أتاني عُرْوة، فذكره، ومعنى قوله: تُقاد: يُقْتَصّ منها إذا قتلت الرجلَ، ويُقطَع عُضوُها
الذي تقطعه منه، وبالعكس.
(١) ومن طريقه أخرجه البيهقي ٨/ ٩٧.

٦٣
باب ١٤/ ح ٦٨٨٦
كتاب الديات
قوله: ((وبِه قال عمر بن عبد العزيز، وإبراهيم، وأبو الزِّناد عن أصحابه)) أخرجه ابن أبي شَيْبة
(٩/ ٢٩٧ و٢٩٧-٢٩٨) من طريق الثَّوْريّ عن جعفر بن بُرْقان عن عمر بن عبد العزيز، وعن
مُغيرة عن إبراهيم النَّخَعيِّ قالا: القِصاص بين الرجل والمرأة في العَمْد سواء، وأخرج الأثْرَم من
هذا الوجه عن عمر بن عبد العزيز قال: القصاص فيما بين المرأة والرجل حتَّى في النَّفْس.
وأخرج البيهقيُّ (٨/ ٤٠) من طريق عبد الرّحمن بن أبي الزّناد عن أبيه قال: كلّ مَن
أدرَكتُ من فُقَهائنا - وذكر السَّبعةَ في مَشيخةٍ سواهم أهلِ فقهِ وفضلٍ ودينٍ - وقال: ورُبَّما
اختَلَفوا في الشَّيء، فأخَذنا بقولِ أكثرهم وأفضلِهم رأياً أنَّهم كانوا يقولون: المرأة تُقاد من
الرجل عَيناً بعَينٍ وأُذُناً بأُذُنٍ، وكلّ شيء من الجِراح على ذلك، وإنْ قَتَلها قُتِلَ بها.
قوله: ((وجَرَحَت أُخت الرُّبَيِّع إنساناً، فقال النبيّ وَّ: القِصاصَ)) كذا لهم، ووَقَعَ للنَّسَفيّ:
((كتابُ الله القِصاص))، والمعتمَد ما عند الجماعة، وهو بالنَّصبِ على الإغراء.
قال أبو ذَرّ: كذا وَقَعَ هنا، والصَّواب: الرُّبَيِّع بنت النَّضْر عمّة أنس.
وقال الكِرْمانيُّ: قيل: إنَّ/ الصَّواب: وجَرَحَت الرُّبِيِّع، بحذفِ لفظة: أُخت، فإنَّه الموافق لما ٢١٥/١٢
تقدَّم في البقرة (٤٥٠٠) من وجه آخر عن أنس: أنَّ الرُّبَيِّع بنت النَّضر عَمَّتَه كَسَرَت ثَنِيَّة
جارية، فقال رسول الله وَلي: ((كتاب الله القِصاص)). قال: إلّا أن يقال: إنَّ هذه امرأة أُخرى،
لكنَّه لم يُنقَل عن أحد. كذا قال، وقد ذكر جماعة أنَّهما قِصَّتان.
والمذكور هنا طَرَف من حديث أخرجه مسلم (١٦٧٥) من طريق حمّاد بن سَلَمة عن
ثابت عن أنس: أنَّ أُخت الرُّبَيِّع أمّ حارثة جَرَحَت إنساناً، فاختَصَموا إلى النبيّ وَّ، فقال:
((القِصاص القِصاص))، فقالت أمّ الرَّبيع: يا رسول الله، أيُقتَصُ من فلانة؟ والله لا يُقْتَصُ
منها، فقال: ((سبحان الله يا أمّ الرَبَيِّع، القِصاص كتاب الله!)) فما زالَت حتَّى قَبِلوا الدّية،
فقال: ((إنَّ من عباد الله مَن لو أقسَمَ على الله لَأَبِرَّه)).
والحَدَث المشار إليه في سورة البقرة مختصر من حديث طويل ساقَه البخاريّ في الصُّلح
(٢٧٠٣) بتمامه من طريق حُميد عن أنس، وفيه: فقال أنس بن النَّضر: أتُكسَرُ ثَنَّةُ الرُّبَيِّع یا

٦٤
باب ١٤/ح ٦٨٨٦
فتح الباري بشرح البخاري
رسول الله؟! لا والذي بَعَثَك بالحقِّ لا تُكسَر ثَنِيَّتها، قال: ((يا أنس، كتاب الله القصاص)»،
فَرَضِيَ القوم وعَفَوا فقال: ((إنَّ من عباد الله مَن لو أقسَمَ على الله لَأَبَرَّه))، وسيأتي بعد أربعة
أبواب أيضاً باختصارٍ.
قال النَّوويّ: قال العلماء: المعروف رواية البخاريّ، ويُحتمل أن تكونا قِصَّتَين.
قلت: وجَزَمَ ابن حَزْم بأنَّهما قِصَّتان صحيحَتان وَقَعَتا لامرأةٍ واحدة: إحداهما: أنَّها
جَرَحَت إنساناً فَقُضِيَ عليها بالضَّمان، والأُخرى: أنَّهَا كَسَرَت ثَنَّة جارية فقُضِيَ عليها
بالقِصاص، وحَلَفَت أمُّها في الأولى وأخوها في الثّانية.
وقال البيهقيُّ بعد أن أورَدَ الرِّوايتَين: ظاهر الخبرَينِ يدلّ على أنَّهما قِصَّتان، فإن قُبِلَ
هذا الجمعُ، وإلّا فثابتٌ أحفَظُ من حُميد.
قلت: في القِصَّتَينِ مُغايَراتٌ: منها هل الجانيةُ الرُّبَيِّع أو أُختها، وهل الجِناية كسرُ الثَّنيَّة
أو الجِراحة، وهل الحالف أمّ الرُّبَيِّع أو أخوها أنس بن النَّضر؟
وأمَّا ما وَقَعَ في أوَّل الجِنايات عند البيهقيِّ(١) من وجه آخر عن حُميد عن أنس قال:
لَطَمَتِ الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ جاريةً فكَسَرَت ثَنيَّتَها، فهو غَلَطُ في ذِكْر أبيها، والمحفوظ: أنَّها
بنت النَّضر عمّة أنس، كما وَقَعَ الَّصريح به في صحيح البخاريّ.
وفي الحديث أنَّ كلّ مَن وجَبَ له القِصاص في النَّفْس أو دونها، فعَفا على مالٍ تَراضَوْا
به، جاز.
قوله: ((يحيى)) هو القَطّان، وسفيان: هو الثَّوْريّ.
قوله: (لَدَدْنا النبيَّ وَّلَ في مرضه، فقال: لا تَلُدّوني)) تقدَّم شرحه في الوفاة النبويَّة
(٤٤٥٨)، والمراد منه هنا: ((لا يَبقَى أحدٌ منكم إلّا لُدَّ))، فإنَّ فيه إشارةً إلى مشروعيَّة الاقتصاص
(١) أورده البيهقي ولم يُسنده، ولم نقف عليه مسنداً بذكر الربيّع بنت معوِّد في شيء من المصادر التي بأيدينا.
والظاهر أنَّ ما وقع عند البيهقي سبق قلم، لأنه لما أسنده بعد ذلك ٦٤/٨ عن حميد عن أنس، قال:
الرُّبِيِّع بنت النضر.

٦٥
باب ١٥/ح ٦٨٨٧-٦٨٨٩
كتاب الديات
من المرأة بما جَنَتْه على الرجل، لأنَّ الذينَ لَدّوه كانوا رجالاً ونساء، وقد وَرَدَ التَّصريح في
بعض طرقه بأنَّهم لَدّوا ميمونةً وهي صائمةٌ من أجل عموم الأمر، كما مضى في الوفاة النبويَّة من
و جھین.
قوله: ((إلّ العبّاس، فإنَّه لم يَشهَدكم)) تقدَّم بيانه أيضاً في الوفاة النبويَّة قبلُ.
وفي الحديث أنَّ صاحب الحقّ يَستَئني من غُرَمائه مَن شاءَ، فَيَعفو عنه ويَقْتَصّ من
الباقين، وفيه نظر، لقوله: ((لم يَشهَدكم)»، وفيه أخذُ الجماعة بالواحد.
قال الخطَّبيُّ: وفيه حُجّة لمن رأى القِصاص في اللَّطمة ونحوها، واعتَلَّ مَن لم يَرَ ذلك بأنَّ
اللَّطِم يَتَعذَّر ضبطُه وتقديره، بحيثُ لا يزيد ولا يَنقُص، وأمَّا اللَّدود، فاحتملَ أن يكون
قِصاصاً، واحتملَ أن یکون مُعاقبة على مُالَفة أمره، فعُوقِبوا من چِنس چِنایتهم.
وفيه أنَّ الشُّرَكاء في الجِناية يُقتَصّ من كلّ واحد منهم إذا كانت أفعالهم لا تَتَمَيَّز،
بخِلاف الجِناية في المال لأنَّها تَتَبَعَّض، إذ لو اشتَرَكَ جماعة في سَرِقة رُبع دينار لم يُقطَعوا
اتّفاقاً، وسيأتي بیان ذلك بعد ستّة أبواب (٦٨٩٦).
١٥ - باب مَن أخذَ حقّه أو اقتصّ دون السّلطان
٦٨٨٧- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، حدَّثنا أبو الزِّنادِ، أنَّ الأعرَجَ حدَّثه، أنَّه سمعَ
أبا هريرةَ يقول: / إِنَّه سمعَ رسولَ الله وَّ يقول: «نحنُ الآخِرِونَ السابقونَ يومَ القيامةِ)).
٢١٦/١٢
٦٨٨٨ - وبإسنادِهِ: ((لَوِ الطَّلَعَ في بيتِكَ أحدٌ، ولم تَأْذَن له، حَذَفْتَه بحَصاةٍ، ففَقَأتَ عينَه، ما
کان علیكَ من ◌ُناحٍ)).
[طرفه في: ٦٩٠٢]
٦٨٨٩ - حدَّثنا مُسلَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن مُميدٍ: أنَّ رجلاً اطْلَعَ في بيتِ النبيِّ وَّهِ، فِسَدَّدَ
إليه مِشْقَصاً. فَقلتُ: مَن حدَّثكَ؟ قال: أنسُ بنُ مالكٍ.
قوله: ((باب مَن أخَذَ حَقّ)) أي: من جهة غريمه بغير حُكم حاكم ((أو اقتَصَّ)) أي: إذا وجَبَ

٦٦
باب ١٥/ح ٦٨٨٧-٦٨٨٩
فتح الباري بشرح البخاري
له على أحد قِصاص في نفس أو طَرَف، هل يُشتَرَط أن يَرفَع أمرَه إلى الحاكم أو يجوز أن
يَستوفيَه دونَ الحاكم؟ وهو المراد بالسُّلطان في التَّرجمة.
قال ابن بَطّال: اتَّفَقَ أئمَّة الفَتوى على أنَّه لا يجوز لأحدٍ أن يَقتَصّ من حَقّه دونَ السُّلطان.
قال: وإنَّما اختَلَفوا فيمَن أقامَ الحدّ على عبده كما تقدَّم تفصيله. قال: وأمَّا أخذ الحقّ، فإنَّه
يجوز عندهم أن يأخُذ حَقَّه من المال خاصّةً إذا جَحَدَه إيّاه ولا بيِّنة له عليه، كما سيأتي
تقریره قريباً.
ثمَّ أجابَ عن حديث الباب بأنَّه خَرَجَ على التَّغليظ والزَّجر عن الاطّلاع على عَورات
الناس. انتھی.
قلت: فأمَّا تَقْلُ الاتِّفاق، فكأنَّه استَنَدَ فيه إلى ما أخرجه إسماعيل القاضي(١) في ((نسخة
أبي الزّناد)) عن الفقهاء الذينَ يُنتَهى إلى قولهم، ومنه: لا ينبغي لأحدٍ أن يُقيم شيئاً من
الحدود دونَ السُّلطان، إلّا أنَّ للرجلِ أن يُقيم حَدَّ الزّنى على عبده. وهذا إنَّما هو اتّفاق أهل
المدينة في زمن أبي الزِّناد.
وأمَّا الجواب، فإن أراد أنَّه لا يُعمَل بظاهرِ الخبر فهو مَحَلّ النِّراع.
قوله: ((أنَّه سمعَ أبا هريرة يقول: إنَّه سمعَ رسول الله وَ لَّ يقول: نحنُ الآخِرونَ السابقونَ
يومَ القيامة)) كذا لأبي ذرٍّ، وسَقَطَ: ((يوم القيامة)) للباقينَ.
قوله: ((وبإسنادِهِ: لو اطْلَعَ ... )) إلى آخره، هو المراد في هذهِ التَّرجمة، والأوَّل ذكره لكَونِه
أوَّل حديث في ((نسخة شُعَيب عن أبي الزِّناد))، ومن ثَمَّ لم يَسُقِ الحديثَ بتمامه هنا، بل اقتَصَرَ
على أوَّله إشارةً إلى ذلك، وساقَه بتمامه في كتاب الجمعة (٨٧٦)، ولم يَطَّرِد للبخاريِّ صنیعٌ
في ذلك، واطَّرَدَ صنيعُ مسلم في ((نسخة همَّام)) بأن يَسوق السَّند ثمَّ يقول: فذكر أحاديث منها،
ثمَّ يَذْكُر الحديث الذي يُريده، وقد أشرت إلى ذلك في كتاب الرِّقاق(٢).
(١) ومن طريقه أخرجه البيهقي ٢٤٥/٨.
(٢) بل في أحاديث الأنبياء عند شرح الحديث (٣٤٢٦).

٦٧
باب ١٥/ ح ٦٨٨٧-٦٨٨٩
كتاب الديات
وجَوَّزَ الكِرْمانيُّ أنَّ الراوي سمعَ الحديثَينِ في نَسَقٍ واحد فجمعهما، فاستَمَرَّ مَن بعده
على ذلك. قلت: وهذا يحتاج إلى تكملة، وهو أنَّ البخاريّ اختَصَرَ الأوَّل، لأَنَّه لا يحتاج إليه
هنا.
قوله: (لو اطَّلَعَ)) الفاعل مُؤَخَّر، وهو ((أحدٌ)).
قوله: ((ولم تَأْذَن له)) احتراز ممَّن اطَّلَعَ بإذنٍ.
قوله: ((حَذَفْته بحَصاٍ)) كذا هنا بغير فاء، وأخرجه الطبرانيُّ(١) عن أحمدَ بن عبد الوهّاب
ابن نَجْدة عن أبي اليَمَانِ شيخ البخاريّ فيه، بلفظ: ((فحَذَفته)) وهو الأُولى، والأوَّل جائز،
وسيأتي بعد سبعة أبواب (٦٩٠٢) من رواية سفيان بن عُيَينةَ عن أبي الزِّناد بلفظ: ((لو أنَّ
امرأً اطَّلَعَ عليك بغير إذن، فحَذَفته)).
وقوله: ((حَذَفته)) هنا بالحاءِ المهمَلة عند أبي ذرِّ والقابِسيّ، وعند غيرهما بالخاءِ المعجَمة،
وهو أوجَهُ، لأنه الرَّمي بحَصاةٍ أو نَواة ونحوهما، إمّا بين الإبهام والسَّابة وإمّا بين
السَّبّابَتَين، وجَزَمَ النَّوويّ بأنَّه في مسلم بالمعجَمة، وسيأتي في رواية سفيان المشار إليها
بالمهملة.
وقال القُرطُبيّ: الرِّواية بالمهمَلة خطأ، لأنَّ في نفس الخبر أنَّه الرَّمي بالحَصَى، وهو
بالمعجَمةِ جَزْماً.
قلت: ولا مانع من استعمال المهمَلة في ذلك مجازاً . .
قوله: ((ففَقَأْتَ عينَه)) بِقافٍ ثمَّ همزة ساكنة، أي: شَقَقتَ عينَه، قال ابن القَطّاع: فقَأ
عينه: أطفأ ضوءها./
قوله: ((جُناح)) أي: إثم أو مُؤاخَذة.
قوله: ((يحيى)) هو القَطّان، وحُميدٌ: هو الطَّويل.
(١) ليس في المطبوع من ((الكبير)) مسند أبي هريرة، وهو عنده في ((الأوسط)) (٦٢٢٣) عن محمد بن علي بن الصائغ،
قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، قال: حدثنا عبد الله، عن جده، عن أبي هريرة فذكره.
٢١٧/١٢

٦٨
باب ١٥/ح ٦٨٨٧ -٦٨٨٩
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((أنَّ رجلاً) هذا ظاهره الإرسال، لأنَّ ◌ُميداً لم يُدرِكِ القصَّةَ، لكن بيَّن في آخر
الحديث أنَّه موصول. وسيأتي بعد سبعة أبواب (٦٩٠٠) من وجه آخر عن أنس، ويُذكر فيه ما
قیل في تسمية الرجل المذكور.
قوله: ((فسَدَّدَ إليه)) بِدالَيْنِ مُهمَلَتَين، الأولى ثقيلة قبلها سين مُهمَلة، أي: صَوَّبَ، وزنه
ومعناه، والتَّصويب: توجيه السَّهم إلى المِرْماة، وكذلك التَّسديد، ومنه البيت المشهور:
أُعِلِّمُه الرِّمايةَ كلَّ يوم فلمَّا استَدَّ ساعدُه رَمَاني
وقد حُكيَ فيه الإعجام، ويُرجِّحُ كَونَه بالمهمَلة إسنادُه إلى التَّعليم، لأنَّه الذي في قُدرة
المعلِّم، بخِلَاف الشِّدّة بمعنى القوّة، فإنَّه لا قُدرةَ للمُعلِّم على اجتلابها.
ووَقَعَ في رواية أبي ذرِّ عن السَّرَخْسِيّ، وفي رواية كَرِيمة عن الكُشمِيهنيّ بالشّينِ المعجَمة،
والأوَّل أولى، فقد أخرجه أحمدُ (١٢٠٥٥) عن محمّد بن أبي عَديّ عن حُميد بلفظ: فأهوى إليه،
أي: أمالَ إلیه.
قوله: ((مِشْقَصاً)) تقدَّم ضبطُه وتفسيره في كتاب الاستئذان (٦٢٤٢) في الكلام على رواية
عُبيد الله بن أبي بكر بن أنس عن أنس، وسياقُه أتمّ، ووَقَعَ هنا في رواية حُميد مختصراً أيضاً.
وقد أخرجه أحمدُ (١٢٢٥٧) عن يحيى القَطّان شيخ شيخ البخاريّ فيه، فزاد في آخره:
حتَّى أَخَرَ رأسَه، بتشديد الخاء المعجَمة، أي: أخرجها من المكان الذي اطَّلَعَ فيه، وفاعل
((أَخَرَ)) هو الرجل، ويُحتمل أن يكون المِشقَصَ، وأسنَدَ الفعل إليه مجازاً، ويُحتمل أن يكون
النبيَّ وَّةِ، لكَونِهِ السَّبب في ذلك، والأوَّل أظهَر، فقد أخرجه أحمدُ أيضاً (١٢٨٢٩) عن
سهل بن يوسف عن محُميد بلفظ: فأخرج الرجلُ رأسه، وعنده في رواية ابن أبي عَديّ التي
أشرتُ إليها: فتأخّرَ الرجل.
قوله: ((فقلت: مَن حدَّثك؟)) القائل هو يحيى القَطّان، والمقُول له: هو حُميد، وجوابه بقولِه:
أنس بن مالك، يقتضي أنَّه سمعَه منه بغير واسطة، وهذا من المتون التي سمعَها حُميد من أنس،
وقد قيل: إنَّه لم يسمع منه سوى خمسة أحاديث، والبقيَّة سمعَها من أصحابه عنه، كثابتٍ

٦٩
باب ١٦/ح ٦٨٩٠
كتاب الديات
وقَتَادة، فكان يُدَلِّسُها، فيرويها عن أنس بلا واسطة، والحقّ أنَّه سمعَ منه أضعاف ذلك، وقد
أكثرَ البخاريّ من تخريج حديث حُميد عن أنس، بخِلَاف مسلم فلم يُخُرِّج منها إلّا القليل لهذه
العِلّة، لكنَّ البخاريّ لا يُرِّج من حديثه إلّا مَا صَرَّحَ فيه بالتَّحديث، أو ما قامَ مقام التَّصريح
ولو باللُّزوم، كما لو كان من رواية شُعْبة عنه، فإنَّ شُعْبة لا يَحمِل عن شيوخه إلّا ما عَرَفَ أنَّهم
سمعوه من شيوخهم، وقد أوضحتُ ذلك في ترجمة حُميد في مُقَدِّمة هذا الشَّرح، ولله الحمد.
١٦ - باب إذا مات في الزِّحام أو قُتل به
٦٨٩٠ - أخبرنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، حدثنا أبو أُسامةَ، قال: هشامٌ أخبرنا، عن أبيه، عن
عائشةَ، قالت: لمَّا كان يومُ أُحُدٍ هُزِمَ المشركونَ، فصاحَ إبليسُ: أي عبادَ الله، أُخراكم، فَرَجَعَت
أُولاهُم، فاجتَلَدَت هي وأُخراهم، فتَظَرَ حُذَيفةُ، فإذا هو بأبيه اليَمَان، فقال: أيْ عبادَ الله، أبي أبي!
قالت: فوالله ما احْتَجَزوا حتَّى قَتَلوه، قال حُذَيفةُ: غَفَرَ الله لكم.
٦٨٩٠°م- قال عُرْوةُ: فما زالَت في ◌ُذَيفةَ منه بقيّة خيْرِ، حتَّى لَحِقَ بالله.
قوله: ((باب إذا ماتَ في الزِّحام أو قُتِلَ به)) كذا لابنِ بَطّال، وسَقَطَ (به)) من رواية الأكثر.
وأورَدَ البخاريّ التَّرجمة مَورِدَ الاستفهام، ولم يَجِزِم بالحُكمِ كما جَزَمَ به في الذي بعده، لوجودِ
الاختلاف في هذا الحُكم، وذكر فيه/ حديث عائشة في قصَّة قتل اليَمَان والد حُذيفة، وقد ٢١٨/١٢
تقدَّم الكلام عليه قريباً (٦٨٨٣).
قال ابن بَطّال: اختلفَ على عُمر وعلي (١): هل تجبُ دِيَتُه في بيت المال أو لا؟ وبه قال
إسحاق، أي: بالوجوب، وتوجيهه أنَّه مسلم ماتَ بفعلِ قوم من المسلمين، فوَجَبَت دِيَتُه
في بيت مال المسلمين.
(١) كذا وقعت العبارة في الأصلين مشوشة وغير واضحة المعنى، لعدم معرفة مرجع الضمير في قوله: ((وبه))،
ولأنَّ ظاهر العبارة يُوهِم أن الاختلاف المذكور كان بين عُمر وعليّ، وليس الأمر كذلك، كما يظهر واضحاً
من كلام ابن بطال في ((شرحه)) ٥١٨/٨، إذ يقول: اختلف العلماء فيمن مات في الزحام ولا يُدْرى مَن
قتله، فقالت طائفة: ديته في بيت المال، رُوي ذلك عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، وبه قال
إسحاق ... فالظاهر أنَّ ما وقع هنا سقط وتقديم وتأخير من صنيع بعض النسّاخ، والله أعلم.

٧٠
باب ١٦/ ٦٨٩٠
فتح الباري بشرح البخاري
قلت: ولعلَّ حُجَّته ما وَرَدَ في بعض طرق قصَّة حُذَيفة، وهو ما أخرجه أبو العبّاس
السَّاجِ (١) في ((تاريخه)) من طريق ◌ِكْرمة: أنَّ والد حُذَيفة قُتِلَ يوم أُحُد قتله(٢) بعض المسلمين
وهو يَظُنّ أنَّه من المشركين، فودَاه رسولُ اللهِ وَّه ورجاله ثقات مع إرساله، وقد تقدَّم له
شاهد مُرسَل أيضاً في ((باب العفو عن الخطأ)) (٦٨٨٣).
وروى مُسدّد في ((مُسنَده))(٣) من طريق يزيد بن مَذكُور: أنَّ رجلاً زُحِمَ يوم الجمعة،
فماتَ فوداه عليّ من بيت المال.
وفي المسألة مذاهب أُخرى، منها قول الحسن البصريّ: إنَّ دَيَته تجب على جميع مَن حَضَرَ،
وهو أخصُّ من الذي قبله، وتوجيهُه أنَّه ماتَ بفعلِهم، فلا يَتَعدّاهم إلى غيرهم.
ومنها قول الشافعيّ ومَن تَّبِعَه: إنَّه يُقَال لوليِّه: ادَّعِ على مَن شِئتَ واحلِف، فإن حَلَفت
اسْتَحْقَقْتَ الدّيةَ، وإن نَكَلتَ حَلَفَ المَدَّعَى عليه على النَّفي وسَقَطَت المطالَبة، وتوجيهُه أنَّ الدَّمَ
لا يجب إلّا بِالطَّلَب.
ومنها قول مالك: دمه هَدَر، وتوجيهُه أنَّه إذا لم يُعلم قاتلُه بعينِهِ استَحالَ أن يُؤخَذ به
أحدٌ، وقد تقدَّمَت الإشارة إلى الرَّاجح من هذه المذاهب في ((باب العفو عن الخطأ)).
قوله: ((قال: هشام أخبرنا)) من تقديم اسم الراوي على الصّيغة، وهو جائز، وهشام المذكور:
هو ابن عُرْوة بن الزُّبَيرِ.
قوله: ((فَنَظَرَ حُذَيفة، فإذا هو بأبيه اليَمَان)) تقدَّم شرح قِصَّته في غزوة أُحُد (٤٠٦٥).
وقوله: ((قال عُرْوة)) هو موصول بالسَّندِ المذكور.
وقوله: ((فما زالَت في حُذَيفة منه)) أي: من ذلك الفعل، وهو العفو، و((من)) سبيَّةٌ، وتقدَّم
القول فيه أيضاً.
(١) ومن طريقه أخرجه أبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (٢٢٩٧).
(٢) لفظة ((قتله)) سقطت من (س).
(٣) كما في ((المطالب العالية)) (١٩٠٧)، وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة ٩/ ٣٩٤.

٧١
باب ١٧/ح ٦٨٩١
كتاب الديات
١٧ - باب إذا قتل نفسه خطأً فلا دية له
٦٨٩١ - حدَّثنا المكِّيُّ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا يزيدُ بنُ أبي عُبيدٍ، عن سَلَمَةَ، قال: خَرَجْنا مع
النبيِّ ◌َّه إلى خَيبرَ، فقال رجلٌ منهم: أسمِعْنا يا عامرُ من هُنَّاتِك، فحَدَا بهم، فقال النبيُّ ◌َّ:
((مَنِ السائقُ؟)) قالوا: عامرٌ، فقال: ((رَحِمَه الله)) فقالوا: يا رسولَ الله، هَلَّا أمتَعْتَنا به؟ فَأُصِيبَ
صَبِيحَةَ ليلِهِ، فقال القومُ: حَبِطَ عملُهُ، قتلَ نفسَه، فلمَّا رَجَعْتُ وهم يَتَحَدَّثونَ أنَّ عامراً حَبِطَ
عملُهُ، فجئتُ إلى النبيِّ وَّةِ، فقلتُ: يا رَسُولَ الله، فداكَ أبي وأُمّي، زَعَموا أنَّ عامراً حَبِطَ
عملُه؟ فقال: ((كَذَبَ مَن قالها، إنَّ له لأجرَينِ اثْنَينٍ، إِنَّه لَجَاهِدٌ مجاهِدٌ، وأيُّ قَتلِ يزيدُه عليه؟».
قوله: ((إذا قتل نفسَه خطأً، فلا دية له)) قال الإسماعيلي: قلت: ولا إذا قتلها عمداً، يعني: أنه لا
مفهوم لقوله: ((خطأً)) والذي يظهر أن البخاري إنما قيَّد بالخطأ، لأنه محلٌّ الخلاف.
قال ابن بطال: قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق: تجب دِيتُه على عاقلته، فإن عاش فهي
له علیھم، وإن مات فھي لورثته.
وقال الجمهور: لا يجبُ في ذلك شيءٌ، وقصة عامر هذه حجة لهم، إذ لم يُنقل أن النبي
صَلىالله
أوجب في هذه القصة له شيئاً، ولو وجب لَبيَّنها، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وقد
أجمعوا على أنه لو قَطَعَ طَرَفاً من أطرافه عمداً، أو خطأً، لا يجبُ فيه شيء.
قوله: ((عن سَلَمة)) هو ابن الأكوع.
قوله: ((من هُنَّاتِكَ)) بضمٍّ أوَّله وتشديد التَّحتانيَّة بعد النّون، ووَقَعَ في رواية المُستَمْلي
بحذفِ التَّحتانيَّة، وقد تقدَّم ضبطه في كتاب المغازي (٤١٩٦). وعامر: هو ابن الأكوع،
فهو أخو سَلَمة، وقيل: عمّه.
قال ابن بَطّال: / لم يُذكَر في هذه الطَّريق صِفَة قتل عامر نفسه، وقد تقدَّم بيانه في كتاب ٢١٩/١٢
الأدب (٦١٤٨) ففيه: وكان سيف عامر قصيراً، فتناولَ به يهوديّاً لِيَضرِبَه، فَرَجَعَ ذُبابُه،
فأصاب رُکبَتَه.
قلت: ونَقَلَ بعض الشُّاح عن الإسماعيليّ أنَّه قال: ليس في رواية مَكّيّ شيخ البخاريّ

٧٢
باب ١٧/ح ٦٨٩١
فتح الباري بشرح البخاري
فيه: أنَّه ارتَدَّ عليه سيفُه فقَتَلَه، والباب مُتَرجَم بمَن قتَل نفسه. وظنَّ أنَّ الإسماعيليّ تَعقَّبَ
ذلك على البخاريّ وليس كما ظنَّ، وإنَّما ساقَ الحديث بلفظ: فارتَدَّ عليه سيفه، ثمَّ نَبَّهَ على
أنَّ هذه اللَّفظة لم تقع في رواية البخاريّ هنا، فأشارَ إلى أنَّه عَدَلَ هنا عن رواية مَكّيّ بن
إبراهيم لهذه النُّكتة، فيكون أَولی لوُضوحِه.
ويُجاب بأنَّ البخاريّ يَعتَمِد هذه الطَّريق كثيراً، فيُتَرجِم بالُكم، ويكون قد أورَدَ ما
يدلّ عليه صريحاً في مكان آخر، فلا يجب أن يُعيده فيُورِده من طريق أُخرى ليس فيها دلالة
أصلاً، أو فيها دلالة خَفيَّة، كلّ ذلك للفرار من التكرار لغير فائدة، وليَبعَث الناظر فيه على
تَنْبُّع الطُّرق والاستكثار منها، ليتمكَّن من الاستنباط ومن الجزم بأحدِ المحتَمَلَينِ مثلاً، وقد
عُرِفَ ذلك بالاستقراءِ من صنيع البخاريّ، فلا معنى للاعتراض به عليه، وقد ذكرت ذلك
مِراراً، وإنَّما أُنْبِّه على ذلك إذا بَعُدَ العهدُ به.
وقد تقدَّم في الدَّعَوات (٦٣٢١) من وجه آخر عن يزيد بن أبي عُبيد شيخ مَكّيّ فيه بلفظ:
فلمَّا تَصافَّ القومُ أُصيبَ عامر بقائمة سيفه فماتَ.
وقد اعتَرَضَ عليه الكِرْمانيُّ فقال: قوله في التّرجمة: فلا دیة له، لا وجه له هنا، وإنَّما موضعه
اللّائق به التَرجمة السابقة: إذا ماتَ في الزِّحام فلا دية له على المزاحِمين، لظُهورِ أنَّ قاتل نفسه لا
دية له، قال: ولعلَّه من تَصرُّف النَّقَلة بالتَّقديمِ والتَّأخير عن نسخة الأصل. ثمَّ قال: وقال
الظّاهريَّة: دية مَن قتل نفسه على عاقلَته، فلعلَّ البخاريّ أراد رَدَّ هذا القول.
قلت: نعم أراد البخاريّ رَدَّ هذا القولِ، لكن على قائله قبلَ الظّاهريَّة، وهو الأوزاعيُّ
كما قَدَّمتُه، وما أظنّ مذهب الظّاهريَّة انتَشَرَ عند تَصنيف البخاريّ كتابَه، فإِنَّه صَنَّفَ كتابه
في حُدود العشرينَ ومتَين، وكان داودُ بن عليّ الأصبهانيّ رأسُهم في ذلك الوقت طالباً، وكان
سِتُّه يومئذٍ دونَ العشرین.
وأمَّا قول الكِرْمانيّ بأنَّ قول البخاريّ: فلا دية له، يَلِيق بترجمة: مَن ماتَ في الزِّحام،
فهو صحيح، لكنَّه في ترجمة مَن قتل نفسه أليَقُ، لأنَّ الِخِلَاف فيمَن ماتَ في الزِّحام قويّ، فمن

٧٣
باب ١٨/ح ٦٨٩٢ - ٦٨٩٣
كتاب الديات
ثَمَّ لم يَجِزِم في التَّرجمة بنفي الدّية، بخِلَاف مَن قتل نفسه فإنَّ الخِلاف فيه ضعيف، فجَزَمَ فيه
بالنَّفي، وهو من محاسن تَصرُّف البخاريّ، فظَهَرَ أنَّ النَّقَلة لم يُخالفوا تَصرُّفه، وبالله التَّوفيق.
قوله: ((وأيُّ قَتْل يزيدُه عليه؟)) في رواية المُستَمْلي وكذا في رواية النَّسَفيّ: ((وأيّ قتيل))،
وصَوَّبَهَا ابن بَطّال وكذا عِيَاض، وليست الرِّواية الأُخرى خطأً مَخْضاً، بل يُمكِن رَدُّها إلى معنى
الأُخرى، والله أعلم.
١٨ - باب إذا عضّ يدَ رجلٍ فوقعت ثناياهُ
٦٨٩٢ - حدَّثْنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبةُ، حدَّثْنَا قَتَادةُ، قال: سمعتُ زُرارةَ بنَ أوْنَى، عن عِمْرانَ
ابنِ حُصَينٍ: أَنَّ رجلاً عَضَّ يَدَ رجلٍ، فَتَزَعَ يدَه من فِيهِ، فَوَقَعَت ثَنَّنَاه، فاختَصَمُوا إلى النبيِّ وَّ،
فقال: ((يَعَضُّ أحدُكم أخاه كما يَعَضُّ الفَحْل؟! لا دِيةَ له)).
٦٨٩٣ - حدّثنا أبو عاصم، عن ابنِ جُرَيج، عن عطاءٍ، عن صَفْوانَ بنِ يَعْلى، عن أبيه، قال:
خَرَجْتُ في غزوةٍ، فعَضَّ رجلٌ، فانتَزَعَ ثَنِيَّتَه، فأبطَلَها النبيُّ ◌ِلّ ..
قوله: ((باب إذا عَضَّ يدَ رجل فوَقَعَت ثَناياه)) أي: هل يَلزَمه فيه شيء أو لا؟
ذکر فیه حدیثین:
الحديث الأول:/ قوله: ((عن(١) زُرارة)) بضمِّ الزّاي المعجَمة ثمَّ مُهمَلتَينِ الأولى خفيفة ٢٢٠/١٢
بينهما ألف بغير همز: هو العامريّ، ووَفَعَ عند الإسماعيليّ في رواية عليّ بن الجَعْد عن شُعْبة:
أخبرني فَتَادةُ أنَّه سمعَ زُرَارة.
قوله: ((أنَّ رجلاً عَضَّ يدَ رجل)) في رواية محمَّد بن جعفر عن شُعْبة عند مسلم
(١٨/١٦٧٣) بهذا السَّند عن عمران قال: قاتَلَ يَعْلى بن أُميَّة رجلاً فعَضَّ أحدُهما
صاحبه، الحديث، قال شُعْبة: وعن قَتَادة عن عطاء - هو ابن أبي رباح - عن ابن يَعْلى -
(١) كذا وقع للحافظ رحمه الله أنَّ رواية قتادة عن زرارة هنا بالعنعنة! مع أنَّ الذي في اليونينية دون ذكر
خلاف أنه قال: سمعت زرارة، وكذلك أخرجه البيهقي ٣٣٦/٨ من طريق جعفر بن محمد القَلَانسي
عن آدم بن أبي إياس شيخ البخاري هنا، فقال في روايته: سمعت زرارة.

٧٤
باب ١٨/ح ٦٨٩٢ - ٦٨٩٣
فتح الباري بشرح البخاري
يعني صفوان - عن يَعْلى بن أُميَّة قال، مِثله.
وكذا أخرجه النَّسائيُّ (٤٧٧٠) من طريق عبد الله بن المبارك عن شُعْبة بهذا السَّند، فقال في
روايته: بمثلِ الذي قبله، يعني حدیث عمران بن حُصَین.
قلت: ولشُعْبةَ فيه سند آخر إلى يَعْلى أخرجه النَّسائيُّ (٤٧٦٣ و٤٧٦٤) من طريق ابن أبي
عَديّ وعُبيد بن عَقِيل، كلاهما عن شُعْبة عن الحَكَم عن مجاهد عن يَعْلى، ووَقَعَ في رواية
عُبيد بن عَقِيلِ: أنَّ رجلاً من بني تَيم قاتَلَ رجلاً فعَضَّ يَده.
ويُستَفاد من هذه الرِّواية تعيين أحد الرجلينِ المبهَمَينِ وأنَّه يَعْلى بن أُميَّة، وقد روى
يَعْلى هذه القصَّة، وهي الحديث الثّاني في الباب، فبيَّن في بعض طرقه أنَّ أحدهما كان أجيراً
له، ولفظه في الجهاد (٢٩٧٣): غَزَوت مع رسول الله وَلّ، فذكر الحديث، وفيه: فاستأجرتُ
أجيراً، فقاتَلَ رجلاً فعَضَّ أحدُهما الآخَرَ، فَعُرِفَ أنَّ الرجلينِ المبهَمَين: يَعْلى وأجيرُه، وأنَّ
يَعْلِى أبهَمَ نفسه، لكن عَيِّنَه عمران بن حُصَين، ولم أقِف على تسمية أجيره.
وأمَّا تمييز العاضِّ من المعضوض فوَقَعَ بيانه في غزوة تَبُوك من المغازي (٤٤١٧) من
طريق محمَّد بن بكر عن ابن جُرَيج في حديث يَعْلى: قال عطاء: فلقد أخبرني صفوان بن يَعْلى
أيّهما عَضَّ الآخر فَنَسيته. فنظُنُّ أنَّه مُستَمِرّ على الإبهام، لكن وَقَعَ عند مسلم (١٦٧٤)
والنَّسائيِّ (٤٧٧١) من طريق بُدَيل بن مَيسَرة عن عطاء، بلفظ: أنَّ أجيراً ليَعْلى عَضَّ رجلٌ
ذِراعَه، وأخرجه النَّسائيُّ أيضاً (٤٧٦٨) عن إسحاق بن إبراهيم عن سفيان، بلفظ: فقاتَلَ
أجيري رجلاً فعَضَّه الآخرُ، ويُؤيِّده ما أخرجه النَّسائيُّ (٤٧٦٥) من طريق صفوان بن عبد الله
عن عَمَّيه سَلَمة بن أُميَّة ويَعْلى بن أُميَّة قالا: خرجنا مع رسول الله وَ لَه في غزوة تَبُوكُ ومَعَنا
صاحبٌ لنا، فقاتل رجلاً من المسلمين، فعَضَّ الرجلُ ذِراعه.
ويُؤيِّده أيضاً رواية عُبيد بن عَقِيل التي ذكرتها من عند النَّسائيِّ (٤٧٦٤) بلفظ: أنَّ رجلاً
من بني تَيم عَضَّ، فإنَّ يَعْلى تَميميّ، وأمَّا أجيره فإنَّه لم يقع التَّصريح بأنَّه تَيميّ، وأخرج
النَّسائيُّ أيضاً (٤٧٧٢) من رواية محمَّد بن مسلم الزُّهْريّ عن صفوان بن يَعْلى عن أبيه نحو

٧٥
باب ١٨/ح ٦٨٩٢ - ٦٨٩٣
كتاب الديات
رواية سَلَمة، ولفظه: فقاتَلَ رجلاً فعَضَّ الرجلُ ذِراعَه فأوجَعَه، وعُرِفَ بهذا أنَّ العاضَّ هو
يَعْلى بن أُميَّة، ولعلَّ هذا هو السِّرُّ في إبهامِه نفسَه.
وقد أنكَرَ القُرطُبيّ أن يكون يَعْلى هو العاضّ، فقال: يظهر من هذه الرِّواية أنَّ يَعْلى هو
الذي قاتَلَ الأجير، وفي الرّواية الأُخرى: أنَّ أجيراً ليَعْلى عَضَّ يد رجل، وهذا هو الأَولى
والأليق، إذ لا يَلِيق ذلك الفعل بيَعْلی مع جَلالَته وفضله.
قلت: لم يقع في شيء من الطّرق أنَّ الأجير هو العاضّ، وإنَّما التَبَسَ عليه أنَّ في بعض طرقه
عند مسلم كما بيَّنته: أنَّ أجيراً ليَعْلى عَضَّ رجلٌ ذِراعَه، فجوِّزَ أن يكون العاضّ غير يَعْلِى،
وأمَّا استبعاده أن يقعَ ذلك من يَعْلِى مع جَلالَته، فلا معنى له مع ثُبُوت النَّصريح به في الخبر
الصَّحیح، فيُحمل علی أن یکون ذلك صَدَرَ منه في أوائل إسلامه، فلا استبعاد.
وقال النَّوويّ: وأمَّا قوله - يعني في الرِّواية الأولى -: إنَّ يَعْلى هو المعضوض، وفي الرِّواية
الثّانية والثّالثة: أنَّ المعضوض هو أجير يَعْلى لا يَعْلى، فقال الحُفّاظ: الصَّحيح المعروف أنَّ
المعضوضَ أجيرُ يَعْلى لا يَعْلى. قال: ويحتمل أنَّهما قضيَّتان جَرَتا ليَعْلى ولأجيره في وقت أو
وقتَين، وتَعقَّبَه شيخنا في ((شرح التِّرمِذيّ)) بأنَّه ليس في رواية مسلم، ولا رواية غيره في
الكتب السِّة ولا غيرها: أنَّ يَعْلى هو المعضوض لا صريحاً ولا إشارة، وقال شيخنا: فيَنَعيَّن
على هذا أنَّ يَعْلى هو العاضّ، والله أعلم. قلت: وإنَّما تَرَدَّدَ/ عِيَاض وغيره في العاضّ: هل ٢٢١/١٢
هو يَعْلى أو آخر أجنبيّ؟ كما قَدَّمتُه من كلام القُرطُبيّ، والله أعلم.
قوله: ((فَزَعَ يده مِن فيه)) في رواية الكُشْمِيْهنيّ، وكذا في حديث يَعْلى الماضي في الجهاد
(٢٩٧٣): من فمه، وفي رواية هشام عن قتادة(١) عند مسلم (١٩/١٦٧٣): عَضَّ ذِراعَ
رجل فجَذَبَه، وفي حديث يَعْلى الماضي في الإجارة (٢٢٦٥): فعَضَّ إصبَع صاحبه، فانتَزَعَ
إصبعه.
وفي الجمع بين الذِّراعِ والإصبَعِ عُسْرٌ، ويَبَعُد الحَمْلِ على تعدُّد القصَّة لاتِّحادِ المخرَج، لأنَّ
(١) في (س): عروة، وهو خطأ.

٧٦
باب ١٨/ح ٦٨٩٢ - ٦٨٩٣
فتح الباري بشرح البخاري
مَدارها على عطاء عن صفوان بن يَعْلى عن أبيه، فوَقَعَ في رواية إسماعيل ابن عُلَيَّة عن ابن
جُرَيج عنه: إصبعه، وهذه في البخاريّ (٢٢٦٥)، ولم يَسُق مسلم لفظها (٢٣/١٦٧٤)، وفي
رواية بُدَيل بن مَيسَرة عن عطاء عند مسلم (١٦٧٤ / ٢٠) وكذا في رواية الزُّهْريّ عن صفوان
عند النَّسائيِّ (٤٧٧٢): ذِراعَه، ووافَقَه سفيان بن عُيَينَةَ عن ابن جُرَيج في رواية إسحاق بن
راهويه عنه، فالذي يَتَرَجَّحِ الذِّراعِ، وقد وَقَعَ أيضاً في حديث سَلَمة بن أُميَّة عند النَّسائيِّ
(٤٧٦٥) مِثل ذلك، وانفِراد ابن عُليَّة عن ابن جُرَيج بلفظ الإصبَع لا يُقاوِم هذه الرِّوايات
المتعاضدة على الذِّراع، والله أعلم.
قوله: ((فَوَقَعَت ثَنَّتاه)) كذا للأكثر بالتَّنية، وللكُشمِيهنيّ: ثَناياه، بصيغة الجمع، وفي
رواية هشام المذكورة: فسَقَطَت ثَنَّته، بالإفراد، وكذا له(١) في رواية ابن سیرِین عن عِمران،
وكذا في رواية سَلَمة بن أُميَّة بلفظ: فجَذَبَ صاحبُهُ يدَه فَطَرَحَ ثَنَّتَه(٢).
وقد تَتَرَجَّح رواية التَّئنية لأنَّه يُمكِن حَملُ الرّواية التي بصيغة الجمع عليها على رأي
مَن يُحيز في الاثنينِ صيغة الجمع، ورَدُّ الرِّواية التي بالإفرادِ إليها على إرادة الجِنس، لكن
وَقَعَ في رواية محمَّد بن بكر (٣): فانتَزَعَ إحدى ثَنَّتَيه، فهذه أصرَحُ في الوَحْدة، وقول مَن
يقول في هذا بالحَمْلِ على التعدُّد بعيدٌ أيضاً لاتِّحادِ المخرَج، ووَقَعَ في رواية الإسماعيليّ:
فنَدَرَت ثَنيَّتُه.
قوله: ((فاختَصَموا إلى النبيّ وَّ)) كذا في هذا الموضع، والمراد يَعْلِى وأجيره ومَن انضَمَّ
إليهما مَمَّن يَلوذ بهما أو بأحدِهما، وفي رواية هشام: فُرُفِعَ إلى النبيّ ◌ََّ، وفي رواية ابن
سِيرِين: فاستَعْدَى عليه، وفي حديث يَعْلى: فانطَلَقَ، هذه رواية ابن عُليَّة، وفي رواية سفيان:
(١) أي لمسلم (١٦٧٣) (٢١). لكن الرواية عنده: ثنيَّتُه أو ثناياهُ، على الشكّ. وقد جاء في رواية ابن سيرين
بالإفراد جزماً عند أحمد (١٩٨٦٢)، والطبراني ١٨/ (٤٤٤).
(٢) عند النسائي (٤٧٦٥)، لكن بلفظ ((فجذبها من فيه فطرح ثنيته)).
(٣) يعني عن ابن جُريج، وروايته عند البخاري (٤٤١٧)، وكذا في رواية أبي أسامة عن ابن جُريج عند
مسلم (١٦٧٤) (٢٣).

٧٧
باب ١٨/ح ٦٨٩٢ - ٦٨٩٣
كتاب الديات
فأتى، وفي رواية محمَّد بن بكر عن ابن جُرَيج في المغازي: فأتّيا.
قوله: ((فقال: يَعَضُّ)) بفتح أوَّله والعين المهمَلة بعدها ضاد مُعجَمة ثقيلة، وفي رواية
مسلم: (يَعمِدُ أحدكم إلى أخيه فيَعَضُّه))، وأصل عَضَّ: عَضِضَ بكسر الأولى، يَعضَضُ
بفتحِها، فأُدْغِمَت.
قوله: ((كما يَعَضُّ الفَحْلُ)) وفي حديث سَلَمة: ((كعضاض(١) الفَحل)) أي: الذَّكَر من الإبل،
ويُطلَق على غيره من ذُكور الدَّوابّ، ووَقَعَ في الرِّواية التي في الجهاد، وكذا في حديث
هشام(٢): ((ويَقضَمُها))، بسكونِ القاف وفتح الضّاد المعجَمة على الأفصَح ((كما يَقضَمُ الفَحِلُ)»
من القَضْم، وهو الأكل بأطراف الأسنان، والخَضْم بالخاءِ المعجَمة بَدَل القاف: الأكل بأقصاها
وبأدنَى الأضراس، ويُطلَق على الدَّقّ والكسر، ولا يكون إلّا في الشّيء الصُّلْب، حكاه صاحب
(«الواعي (٣) في اللُّغة)).
قوله: ((لا دِيةَ له)) في رواية الكُشمِيهنيّ: ((لا دِيةَ لك))، ووَقَعَ في رواية هشام(٤): فأبطَلَه
وقال: ((أردت أن تأكل لحمَه))، وفي حديث سَلَمة: ((ثُمَّ يأتي يَلتَمِس العَقْلَ، لا عَقْلَ لها)»
فأبطَلَها. وفي رواية ابن سِيرِين: فقال: ((ما تأمُرني؟ أتأمُرُني أن آمُره أن يَدَعِ يدَه في فيك
تَقضَمُها قَضْمَ الفَحل، ادفَع يَدك حتَّى يَقضَمَها ثمَّ انزِعها)»، كذا لمسلمٍ، وعند أبي نُعَيم في
((المستخرَج)) من الوجه الذي أخرجه مسلم: ((إن شِئت أمَرْناه فعَضَّ يَدك، ثمَّ انتَزِعها
أنتَ))، وفي حديث يَعْلى بن أُمَيَّة(٥): فأهدَرَها، وفي هذا الباب: فأبطَلَها، وهي رواية
الإسماعيليّ.
(١) هذا لفظه عند ابن ماجه (٢٦٥٦)، وأما عند أحمد (١٧٩٥٣) والنسائي (٤٧٦٥) فلفظه: ((عضيض)).
(٢) أي: في حديث هشام عن قتادة عن بُديل عن عطاء بن أبي رباح عن صفوان بن يعلى، وهو عند مسلم
(١٦٧٤) (٢١) وليس حديث هشام عن قتادة عن زرارة الذي قدَّم الحافظ التنبيه على بعض ألفاظه،
وهو عند مسلم (١٦٧٣).
(٣) تحرَّف في (س) إلى: الراعي، وكتاب ((الواعي)) لعبد الحق الإشبيلي.
(٤) يعني حديثه عن قتادة عن زرارة عند عمران.
(٥) هذا لفظ روايته عند البخاري في الجهاد (٢٩٧٦).

٧٨
باب ١٨/ح ٦٨٩٢ - ٦٨٩٣
فتح الباري بشرح البخاري
الحديث الثاني: قوله: ((حدَّثنا أبو عاصم، عن ابن جُرَيج)) كذا وَقَعَ له هنا بعُلِّ درجة،
وتقدَّم له في الإجارة والجهاد والمغازي من طريق ابن جُرَيج بنزولٍ، لكنَّ سياقه فيها أتمُّ
ممَّاً هنا.
قوله: ((عن عطاء)) هو ابن أبي رَباح ((عن صَفْوان بن يَعْلِى)) وفي رواية ابن عُلِيَّة في
الإجارة: أخبرني عطاء، وفي رواية محمَّد بن بكر في المغازي: سمعت عطاء أخبرني صفوان
٢٢٢/١٢ ابن يَعْلى بن أُميَّة، وكذا لمسلم من طريق أبي / أُسامة عن ابن جُرَيج.
قوله: ((عن أبيه)) في رواية ابن عُليَّة: عن يَعْلى بن أُميَّة، وفي رواية حَجّاج بن محمَّد عند
أبي نُعَيم في ((المستخرَج)): أخبرني صفوان بن يَعْلى بن أُميَّة أنَّه سمعَ يَعْلى، وأخرجه مسلم
(١٨/١٦٧٣) من طريق شُعْبة عن قَتَادة عن عطاء عن ابن يَعْلى عن أبيه، ومن طريق همَّام
عن عطاء كذلك (٢٢/١٦٧٤)، وهي عند البخاريّ (١٨٤٧ و١٨٤٨) في الحجّ مختصرة
مضمومة إلى حديث الذي سألَ عن العمرة.
ومن طريق(١) هشام الدَّستُوائيّ عن قَتَادة، وفيها مُخالَفة لرواية شُعْبةٍ من وجهَين:
أحدهما: أنَّه أدخَلَ بين قَتَادة وعطاءٍ: بُدَيل بن مَيسَرة، والآخر: أنَّه أرسَلَه، ولفظه: عن صفوان
ابن يَعْلى: أنَّ أجيراً لَيَعْلى بن مُنْيَة عَضَّ رجلٌ ذِراعَه.
وقد اعتَرَضَ الدّارَقُطنيُّ على مسلم في تخريجه هذه الطَّريقَ، وتخريجه طريقَ محمَّد بن
سِيرِين عن عمران، وهو لم يسمع منه، وأجابَ النَّوويّ بما حاصلُه: أنَّ المتابعات يُغْتَفَر فيها
ما لا يُغتَفَر في الأُصول، وهو كما قال.
ومُنية التي نُسِبَ إليها يَعْلى هنا: هي أمُّه، وقيل: جَدَّتُه، والأوَّل المعتمَد، وأبوه كما تقدَّم
في الرّوايات الأخرى: أُميَّة بن أبي عبيدة (٢) بن هَمَّام بن الحارث التَّميميّ الخَنْظَلِيّ، أسلَمَ يوم
الفتح وشَهِدَ مع النبيّ وََّ ما بعدها كَحُنَينٍ والطائف وتَبوك.
(١) رجع الكلام هنا إلى مسلم، وهذه الطريق عنده برقم (١٦٧٤) (٢٠).
(٢) تحرف في الأصلين إلى: عُبيد، وجاء على الصواب في (س)، إذهو الموافق لما في مصادر ترجمته، وأورده ابن ماكولا
في «الإكمال)» ٦/ ٤٦ في باب عُبَيدة وعَبِيدة.

٧٩
باب ١٨/ح ٦٨٩٢ -٦٨٩٣
كتاب الديات
ومُنية أمُّه، بضمِّ الميم وسكون النُّون بعدها تحتانيَّة: هي بنت جابر، عمّة عُتْبةَ بن غَزْوانَ،
وقيل: أُخته، وذكر عِيَاض أنَّ بعض رواة مسلم صَحَّفَها، فقال: مُنبِه، بفَتَح النُّون وتشديد
الموحّدة، وهو تصحيف، وأغرَبَ ابن وضّاح فقال: مُنية، بسكونِ النُّون: أمُّه، وبفتحِها ثمَّ
موحّدة: أبوه، ولم يوافقه أحدٌ على ذلك.
قوله: ((خَرَجْتُ في غزوة)» في رواية الگُشمِيهنيّ: في غزاة، وثَبَتَ في رواية سفيان (٢٩٧٣)
أنَّها غزوة تَبُوك، ومثله في رواية ابن عُليَّة (٢٢٦٥) بلفظ: جيش العُسرة، وبه جَزَمَ غير
واحد من الشُّاح، وتَعقَّبَه بعض مَن لَقِيناه بأنَّ في ((باب مَن أحرَمَ جاهلاً وعليه قميص))
(١٨٤٧ و١٨٤٨) من كتاب الحجّ في البخاريّ من حديث يَعْلى: كنت مع النبيّ وَّ، فأتاه
رجل عليه جُبّة بها أثر صُفْرة، فذكر الحديث، وفيه: فقال: ((اصنَع في عُمْرَتك ما تَصنَع في
حَجَّتك)). وعَضَّ رجلٌ يَدَ رجل، فانتَزَعَ ثَنَّتَه، فأبطَّلَه النبيّ ◌َِّ. فهذا يقتضي أن يكون ذلك في
سَفَر كان فيه الإحرام بالعمرة.
قلت: وليس ذلك صريحاً في هذا الحديث، بل هو محمول على أنَّ الراوي سمعَ الحديثَين،
فأورَدَهما معاً عاطِفاً لأحدِهما على الآخر بالواو التي لا تقتضي التَّرتيبَ، وعَجَبٌ مَمَّن
يتكلَّم على (١) الحديث، فيَرُدُّ ما فيه صريحاً بالأمرِ المحتَمَل، وما سبب ذلك إلّا إيثار الرَّاحة
بتَركِ تَتَبُّع طرق الحديث، فإنَّهَا طريق تُوصِل إلى الوقوف على المراد غالباً.
قوله: ((فَعَضَّ رجلٌ، فانتَزَعَ ثَنَّته)) كذا وَقَعَ عنده هنا بهذا الاختصار المُجحِف، وقد
بَّنه الإسماعيليّ من طريق يحيى القَطّن عن ابن جُرَيج، ولفظه: قاتَلَ رجلٌ آخرَ، فعَضَّ يدَه،
فانتَزَعَ يده، فانتَدَرَت ثَنَّتُه. وقد بيَّنت اختلاف طرقه في الذي قبله.
وقد أخَذَ بظاهرِ هذه القصَّة الجمهورُ فقالوا: لا يَلزَمُ المعضوضَ قِصاصٌ ولا ديةٌ، لأنَّه
في حُكم الصّائل.
واحتَجّوا أيضاً بالإجماع على أنَّ مَن شَهَرَ على آخر سِلاحاً ليقتله، فدَفَعَ عن نفسه فقَتَلَ
(١) تحرَّف في (س) إلى: عن.

٨٠
باب ١٨/ح ٦٨٩٢ - ٦٨٩٣
فتح الباري بشرح البخاري
الشّاهرَ، أنَّه لا شيء عليه، فكذا لا يَضمَن سِنَّه بدفعِه إيّاه عنها. قالوا: ولو جَرَحَه المعضوض في
موضع آخر لم يَلزَمه شيء، وشرط الإهدار أن يَتألَّ المعضوض، وأن لا يُمكِنِه تخليص يده
بغير ذلك من ضربٍ في شِدقَيه أو فكِّ لِلَحْيَيْهِ (١) ليُرسِلها، ومهما أمكَنَ النَّخليص بدون
ذلك فعَدَلَ عنه إلى الأثقَل لم يُهدَر. وعند الشافعيَّة وجه أنَّه يُهدَر على الإطلاق، ووَجْهُ أنَّه
لو دَفَعَه في ذلك ضَمِنَ.
وعن مالك روايتان: أشهَرُهما: يجب الضَّمان، وأجابوا عن هذا الحديث باحتمال أن يكون
سبب الإنذار شِدّة العَضّ لا النَّزع، فيكون سُقوط ثَنيَّة العاضّ بفعلِه لا بفعلِ المعضوض،
إذ لو كان من فعل صاحب اليد لَأمكَنَه أن يُخُلِّص يده من غير قَلْع، ولا يجوز الدَّفْع بالأثقَلِ مع
إمكان الأخَفّ.
وقال بعض المالكيَّة: العاضّ قَصَدَ العُضوَ نفسَه، والذي / استُحِقَّ في إتلاف ذلك العُضو
غيرُ ما فعل به، فوجَبَ أن يكون كلٍّ منهما ضامناً ما جَنَاه على الآخر، كمَن فَلَعَ عين رجل
فقطَعَ الآخرُ يَده.
٢٢٣/١٢
وتُعقِّبَ بأنَّه قياس في مُقابِل النّصّ فهو فاسد.
وقال بعضهم: لعلَّ أسنانه كانت تَتَحرَّك فسَقَطَت عَقِب النَّزع. وسياق هذا الحديث
يدفع هذا الاحتمال.
وتَسَّكَ بعضهم بأنَّها واقعة عَين ولا عموم لها، وتُعقِّبَ بأنَّ البخاريّ أخرج في
الإجارة (٢٢٦٦) عَقِب حديث يَعْلى هذا من طريق أبي بكر الصِّدّيق ◌َّ أنَّه وَقَعَ عنده مِثلُ
ما وَقَعَ عند النبِّ وَّةِ، وَقَضَى فيه بمِثِلِه، وما تقدَّم من التَّقييد(٢) ليس في الحديث، وإنَّما أُخِذَ
من القواعد الكلّيَّة، وكذا إلحاق عُضو آخرَ غيرِ الفَم به، فإنَّ النَّصّ إنَّما وَرَدَ في صورة
مخصوصة. نَبَّه علی ذلك ابن دقيق العيد.
(١) تصحف في (س) إلى: لحيته. واللحيان، بفتح اللام: عظما الفَكّ.
(٢) يعني إمكان الدفْع بغير هذا الطريق.