النص المفهرس
صفحات 641-660
٦٤١ باب ٣٧ / ح ٦٨٤١ كتاب الحدود أعورَ فقال: كذَبوك يا رسول الله إنّه (١) في التّوراة. قوله: «فأتوا بالتَّوْراةِ فَتَشَروها، فوضَعَ أحدُهم يده على آية الرَّجْم، فقرأ ما قبلها وما / بَعْدها)) ١٦٩/١٢ ونحوه في رواية عبد الله بن دينار. وفي رواية عُبيد الله بن عمر: فوضَعَ الفَتَى الذي يقرأ يده على آية الرَّجم فقرأ ما بين يَدَيها وما وراءَها. وفي رواية أيوب: فقالوا لرجلٍ ممَّن يَرضَونَ: يا أعورُ اقرأ. فقرأ، حتَّى انتهى إلى موضع منها فوضَعَ يده عليه، واسم هذا الرجل عبد الله بن صُوریًا كما تقدَّمَ. وقد وَقَعَ عند النَّقّاش في «تفسيره)): أنَّه أسلَمَ، لكن ذكر مَكّيٍّ في «تفسيره)»: أنَّه ارتَدَّ بعد أن أسلَمَ، كذا ذكر القُرطُبيّ، ثمَّ وجَدته عند الطََّريّ (٢٣٢/٦) بالسَّنَدِ المتقدِّم في الحديث الماضي أنَّ النبيَّ وََّ لمَّا ناشَدَه قال: يا رسول الله، إنَّهم لَيعلمونَ أنَّك نبيّ مُرسَل ولكنَّهم يَحِسُدونَك، وقال في آخر الحديث: ثمَّ كفرَ بعد ذلك ابن صُوريّا ونزلت فيه: ﴿يَّأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُّنِكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِ اَلْكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١] الآية. قوله: ((فقال له عبد الله بن سَلام: ارفَع يَدك، فَفَعَ يَدَه، فإذا فيها آیةُ الرَّجْم)» في رواية عبد الله بن دينار: فإذا آيَة الَّجم تحت يده. ووَقَعَ في حديث البراء: فحَدُّه الرَّجم، ولكنَّه كَثُرَ في أشرافنا فكنّاً إذا أخَذنا الشَّريف تَرَكناه وإذا أخَذنا الضَّعيفَ (٢) أقَمنا عليه الحدّ، فقلنا: تَعالَوا فلنَجتَمِع على شيء نُقيمه على الشَّريف والوضيع، فجَعَلنا التَّحميم والجلد مكان الرَّجم. ووَقَعَ بيان ما في التَّوراة من آية الرَّجم في رواية أبي هريرة: المحصَن والمحصَنة إذا زَنَيا فقامَت عليهما البَيِّنَة رُجِما، وإن كانت المرأة حُبلَى تُرُبِّصَ بها حتَّى تَضَع ما في بطنها(٣). وفي حديث جابر عند أبي داود (٤٤٥٢): قالا: نَجِد في التَّوراة إذا شَهِدَ أربعة أنَّهم رأوا ذكره في فرجها مِثل المِيْل في المُكْحُلة رُجِما، زاد البزَّار(٤) من هذا الوجه: فإن وجَدوا الرجل مع المرأة في بيت أو في ثوبها أو على بطنها فهي رِيْبةٌ وفيها عُقوبة، قال: (( فما مَنَعَكُما أن (١) قوله: ((إنه)) سقط من (س). (٢) في (س): ((الوضيع))، وما أثبتناه من (أ) و(ع) كما في ((صحيح مسلم)) (١٧٠٠). (٣) لم نقف عليه بهذا اللفظ في شيء من المصادر، والظاهر أنَّ الحافظ كان وقف عليه ثم ذهل عنه فبيَّض له. (٤) كما في ((كشف الأستار)) (١٥٥٨). ٦٤٢ باب ٣٧ / ح ٦٨٤١ فتح الباري بشرح البخاري تَرُجُموهما؟)) قالا: ذهب سُلطاننا فكَرهنا القتل. وفي حديث أبي هريرة: «فما أوَّل ما ارتَخَصتُم أمرَ الله؟)) قال: زَنَى ذو قَرابة من الملِك فأخَّرَ عنه الرَّجم، ثمَّ زَنَى رجل شريف فأرادوا رَجمه فحالَ قومُه دونَه وقالوا: ابدأ بصاحبِك، فاصطَلَحوا على هذه العُقوبة. وفي حديث ابن عبّاس عند الطبرانيّ (١١٨٧٥): إنّا كنَّا شَبَيَةً وكان في نسائنا حُسنُ وجهٍ، فكَثُرَ فينا، فلم نَقُم له فِصِرْنا نَجلِد، والله أعلم. قوله: ((فأمَرَ بهما رسولُ اللهِوََّ، فُرُجِما)) زاد في حديث أبي هريرة(١): فقال النبيّ ◌َّ:((فإنّي أحكم بما في التَّوراة)) وفي حديث البراء (٢): ((اللهمَّ إنّ أوَّل مَن أُحبي أمرَك إذ أماتُوه). ووَقَعَ في حديث جابر(٣) من الزّيادة أيضاً: فدعا رسول الله وَ له بالشُّهود، فجاء أربعة فشَهِدوا أنَّهم رأوا ذَكَرَه في فَرْجِها مِثل المِيْل في المُكْحُلة، فأمَرَ بهما فُرُچِما. قوله: ((فرأيت الرجل يَجْني)) كذا في رواية أبي ذرِّ عن السَّرَخْسيّ بالحاءِ المهمَلة بعدها نونٌ مكسورة ثمَّ تحتانيَّة ساكنة، وعن المُستَمْلي والكُشْمِيهنيّ: بجيمٍ ونون مفتوحة ثمَّ همزة، وهو الذي قال ابن دقيق العيد: إنَّه الرَّاجح في الرِّواية، وفي رواية أيوب: ((يُجانى))(٤) بضمٍّ أوَّله وجيم مَهموز. وقال ابن عبد البَرّ: وَقَعَ في رواية يحيى بن يحيى كالسَّرَخْسِّ والصَّواب: ((يَني)) أي: يَميلُ. وُجُملة ما حَصَلَ لنا من الاختلاف في ضبط هذه اللَّفظة عشرة أوجُه: الأوَّلان والثّالث: بضمِّ أوَّله والجيم وكسر النُّون وبالهمزة، الرّابع: كالأوَّل إلّا أنَّه بالموخَّدة بَدَل النّون، الخامس: كالثّاني إلّا أنَّه بواوٍ بَدَل التَّحتانيَّة، السادس: كالأوَّل إلّا أنَّه بالجيم، السابع: بضمٌّ أوَّله وفتح المهمَلة وتشديد النّون، الثّامن: (يُجاني)) بالنّونِ، التاسع: مِثله لكن بالحاء، العاشر: مِثله لكنَّه بالفاءِ بَدَلَ النُّون وبالجيم أيضاً. ورأيت في ((الزُّهْريّات)) للذُّهليِّ بخَطِّ الضّياء في هذا الحديث من طريق (١) عند أبي داود (٤٤٥٠). (٢) عند مسلم (١٧٠٠). (٣) عند أبي داود (٤٤٥٢). (٤) ستأتي برقم (٧٥٤٣). ٦٤٣ باب ٣٧ / ح ٦٨٤١ كتاب الحدود مَعمَر عن الزُّهْريّ: ((يُجافي) بجيمٍ وفاءٍ بغير همٍ وعلى الفاء صَحَّ صحَّ. قوله: ((يَقِيها)) بفتح أوَّله ثمَّ قاف تفسيرٌ لقوله: ((يَجني))، وفي رواية عُبيد الله بن عمر(١): فلقد رأيته يَقيها من الحجارة بنفسِه، ولابنٍ ماجَهْ (٢٥٥٦) من هذا الوجه: ((يَستُرها)). وفي حديث ابن عبّاس عند الطبرانيّ(٢): فلمَّا وجَدَ مَسَّ الحجارة قامَ على صاحبَتَه يَجني عليها يَقيها الحجارة/ حتّى قُتِلا جمیعاً، فكان ذلك ممّا صَنَعَ الله لرسوله في تحقيق الزِّنی منهما. ١٧٠/١٢ وفي هذا الحديث من الفوائد وجوب الحدّ على الكافر الذِّمّيّ إذا زَنَى، وهو قول الجمهور، وفيه خِلَاف عند الشافعيَّة، وقد ذَهِلَ ابن عبد البَرِّ فنَقَلَ الاتِّفاق على أنَّ شرط الإحصان الموجِب للرَّجمِ الإسلامُ، ورُدَّ عليه بأنَّ الشافعيَّة وأحمدَ لا يَشتَرِطان ذلك، ويُؤيِّد مذهبَهما وقوعُ التَّصريح بأنَّ اليهوديَّينِ اللَّذَينِ رُجِما كانا قد أُحصِنا كما تقدَّم نَقله، وقال المالكيَّة ومُعظَم الحنفيَّة ورَبيعة شيخ مالك: شرط الإحصان الإسلامُ، وأجابوا عن حديث الباب بأنَّه وَّهِ إِنَّا رَجَمهما بحُكمِ التَّوراة وليس هو من حُكم الإسلام في شيء، وإنَّما هو من باب تنفيذ الحُكم عليهم بما في كتابهم، فإنَّ في التَّوراة الرَّجم على المحصَن وغير المحصَن، قالوا: وكان ذلك أوَّل دخول النبيّ وَّر المدينةَ، وكان مأموراً باتِّباع حُكم التَّوراة والعمل بها حتَّى يُنسَخ ذلك في شَرعه، فَرَجَمَ اليهوديَّينِ على ذلك الحُكم، ثمَّ نُسِخَ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأَلَّتِى يَأْتِينَ الْفَحِشَةَ مِن نِسَابِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ﴾ [النساء: ١٥] إلى قوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]، ثمَّ نُسِخَ ذلك بالتَّفرقة بین مَن أُحصِنَ ومَن لم يُحصَن کما تقدَّم. انتهى. وفي دَعوى الرَّجم على مَن لم يُحصَن نَظَرِّ، لما تقدَّم من رواية الطَّبَريّ وغيره، وقال مالك: إِنََّا رَجَمَ اليهودِيَّينِ لأنَّ اليهود يومئذٍ لم يكن لهم ذِمّة فَتَحاكموا إليه، وتَعقَّبَه الطَّحاويّ بأنَّه لو لم يكن واجباً ما فعلَه، قال: وإذا أقامَ الحدّ على مَن لا ذِمّة له فلأنْ يُقيمَه على مَن له ذِمّة أولى. (١) عند مسلم (١٦٩٩) (٢٦). (٢) وكذا عزاه الهيثمي في ((المجمع)) ٢٧١/٦ لأحمد والطبراني، وهو عند أحمد في ((المسند)) (٢٣٦٨)، ولم نقف عليه عند الطبراني. ٦٤٤ باب ٣٧ / ح ٦٨٤١ فتح الباري بشرح البخاري وقال المازَرِيّ: يُعتَرَض على جواب مالك بكَونِهِ رَجَمَ المرأة وهو يقول: لا تُقتَل المرأة إلّا إن أجابَ أنَّ ذلك كان قبل النَّهي عن قتل النِّساء. وأيَّدَ القُرطُبيّ أنَّهما كانا حَربِّينِ بما أخرجه الطَّبَرِيُّ كما تقدَّمَ، ولا حُجّة فيه لأنَّ مُنقَطِع، قال القُرطُبيّ: ويُعكِّر عليه أن مجيئهم سائلينَ يوجِب لهم عهداً كما لو دخلوا لغَرَضٍ كَتجارةٍ أو رسالة أو نحو ذلك، فإنَّهم في أمان إلى أن يُردّوا إلى مأمَنهم. قلت: ولَم يَنفَصِل عن هذا إلّا أن يقول: إنَّ السائل عن ذلك ليس هو صاحبَ الواقعة. وقال النَّوويّ: دَعوى أنَّهما كان حَربِيَّينِ باطِلةٌ بل كانا من أهل العهد، كذا قال، وسَلَّمَ بعض المالكيَّة أنَّهما كانا من أهل العهد، واعتَذَر(١) بأنَّ الحاكم مُخُيَّر إذا تَحَاكَمَ إليه أهل الذِّمّة بين أن يَحكم فيهم بحُكمِ الله، وبين أن يُعرِض عنهم على ظاهر الآية، فاختارَ وَّ في هذه الواقعة أن يحكم بينهم، وتُعقِّبَ بأنَّ ذلك لا يَستَقيم على مذهب مالك، لأنَّ شرط الإحصان عنده الإسلامُ وهما كانا كافرين. وانفَصَلَ ابن العربيّ عن ذلك بأنَهما كانا مُحُكِّمَينِ له في الظّاهِرِ، وُخْتَبِرَينِ ما عنده في الباطِن: هل هو نبيٌّ حَقّ أو مُسامحٌ في الحقّ؟ وهذا لا يَرفَع الإشكالَ ولا يَخْلُص عن الإيراد. ثمَّ قال ابن العربيّ: في الحديث أنَّ الإسلام ليس شرطاً في الإحصان، والجواب بأنَّه إنَّما رَجَمهما لإقامة الحُجّة على اليهود فيما حَكَّموه فيه من حُكم التَّوراة فيه نظرٌ، لأنَّه كيف يُقيم الحُجّة عليهم بما لا يراه في شَرعه مع قوله: ﴿ وَأَنِ أَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]، قال: وأُجيبَ بأنَّ سياق القصَّة يقتضي ما قلناه، ومن ثَمَّ استَدعَى شُهودَهم ليُقيم الحُجّة عليهم منهم، إلى أن قال: والحقّ أحقُّ أن يُتَّبَع ولو جاؤوني ◌َكَمت عليهم بالرَّجمِ ولَم أعتَبِرٍ الإسلام في الإحصان. وقال ابن عبد البَرّ: حَدّ الزّاني حَقٌّ من حقوق الله وعلى الحاكم إقامته، وقد كان لليهودِ حاكم وهو الذي حَكَمَ رسول الله وَّه فيهما. وقولُ بعضِهم: إنَّ الزّانِيَينِ حَكَّمَاهَ دَعوى مردودةٌ، (١) في (س): ((واحتجَ)). ٦٤٥ باب ٣٧ / ح ٦٨٤١ كتاب الحدود واعتُرِضَ بأنَّ التَّحكيم لا يكون إلّا لغير الحاكم، وأمَّ النبيّ وَّ فحُكمه بطريق الولاية لا بطريق التَّحكيم، وأجابَ الحنفيَّة عن رَجم اليهوديَّينِ بأنَّه وَقَعَ بحُكمِ التَّوراة، ورَدَّه الخطَّبيُّ لأَنَّ الله قال: ﴿ وَأَنِ أَعْكُمْ بَيْنَهُم بِمَآ أَنَزَلَ اللَّهُ﴾ وإنَّما جاءه القوم سائلينَ عن الحُكم عنده كما دَلَّت عليه الرِّواية المذكورة، فأشارَ عليهم بما كَتَموه من حُكم التَّوراة، ولا جائز أن يكون حُكم الإسلام عنده مخالفاً لذلك، لأنَّه لا يجوز الحكم بالمنسوخ، فدلَّ على أنَّه/ إنَّما ١٧١/١٢ حَگمَ بالناسخ. وأمَّا قوله في حديث أبي هريرة: ((فإنّ أحكم بما في التَّوراة))(١) ففي سنده رجل مُبهَم، ومع ذلك فلو ثَبَتَ لكان معناه: لإقامة الحُجّة عليهم، وهو موافقٌ لشريعتي(٢)، قلت: ويُؤيِّده أنَّ الرَّجم جاء ناسخاً للجَلِدِ كما تقدَّم تقريره، ولَم يَقُل أحد: إنَّ الرَّجم شُرِعَ ثمّ نُسِخَ بالجَلِدِ ثمَّ نُسِخَ الْجَلد بالرَّجم، وإذا كان حُكم الرَّجم باقياً مُنذُ شُرِعَ فما حَكَمَ عليهما بالرَّجمِ بِمُجرَّدٍ حُكم التَّوراة، بل بشَرعِه الذي استَمرَّ حُكم التَّوراة عليه ولَم يُقدَّر أنَّهم بَدَّلوه فيما بَدَّلوا، وأمَّا ما تقدَّم من أنَّ النبيَّ نَّهِ رَجَمهما أوَّل ما قَدِمَ المدينة لقولِه في بعض طرق القصَّة: لمَّا قَدِمَ النبيّ ◌َّ المدينة أتاه اليهود، فالجواب أنَّه لا يَلِزَم من ذلك الفَور، ففي بعض طرقه الصَّحيحة كما تقدَّم: أنَّهم تَحاكموا إليه وهو في المسجد بين أصحابه، والمسجد لم يَكمُل بناؤه إلّا بعد مُدّة من دخوله وَ لِّ المدينة فبَطَلَ الفَور، وأيضاً ففي حديث عبد الله بن الحارث بن جَزء(٣): أنَّه حَضَرَ ذلك، وعبد الله إنَّمَا قَدِمَ مع أبيه مسلماً بعد فتح مَكّة، وقد تقدَّم حديث ابن عبّاس وفيه ما يُشعِر بأنَّه شاهَدَ ذلك. وفيه أنَّ المرأة إذا أُقيم عليها الحدّ تكون قاعِدةً، هكذا استَدَلَّ به الطَّحاويّ، وقد تقدَّم أنَهم اختَلَفوا في الحفر للمَرجومة، فمَن يرى أنَّه يُحِفَر لها تكون في الغالب قاعِدةً في الحُفرة واختلافهم في إقامة الحدّ عليها قاعِدةً أو قائمةً إنَّما هو في الجلد، ففي الاستدلال بصورة الجلد (١) عند أبي داود برقم (٤٤٥٠). (٢) في (س): ((لشريعته)). (٣) عند البزار (٣٧٨٨). ٦٤٦ باب ٣٧ / ح ٦٨٤١ فتح الباري بشرح البخاري على صورة الرَّجم(١) نظرٌ لا يَخْفَى. وفيه قَبُول شهادة أهل الذِّمّة بعضهم على بعض، وزَعَمَ ابن العربيّ أنَّ معنى قوله في حديث جابر: فدَعا بالشُّهودِ، أي: شُهود الإسلام على اعترافهما، وقوله: فَرَجَمهما بشهادة الشُّهود، أي: البَيِّنة على اعترافهما، ورُدَّ هذا التَّأويل بقولِه في نفس الحديث: إنَّهم رأوا ذكره في فرجها كالمِيْلِ في المُكْحُلة، وهو صريح في أنَّ الشَّهادة بالمشاهَدة لا بالاعتراف. وقال القُرطُبيّ: الجمهور على أنَّ الكافر لا تُقبَل شهادته على مسلم ولا على كافر لا في حَدّ ولا في غيره، ولا فرق بين السَّفَر والحَضَر في ذلك، وقَبِلَ شهادتَهم جماعةٌ من التابعين وبعض الفقهاء إذا لم يُوجَد مسلم، واستَنَى أحمدُ حالةَ السَّفَر إذا لم يُوجَد مسلمٌ. وأجابَ القُرطُبيّ عن الجمهور عن واقعة اليهود بأنَّه ◌َلِّ نَفَّذَ عليهم ما علم أنَّه حُكم التَّوراة، وألزَمَهم العملَ به إظهاراً لتحريفهم كتابَهم وتغييرهم حُكمَه، أو كان ذلك خاصّاً بهذه الواقعة كذا قال، والثّاني مردودٌ، وقال النَّوويّ: الظّاهر أنَّه رَجَمهما بالاعتراف، فإن ثَبَتَ حدیثُ جابر فلعلَّ الشُّهود كانوا مسلمينَ وإلّا فلا عِبرة بشهادِتِهِم، ويَتَعيَّن أنَّهما أقَرًا بالزِّنى. قلت: لم يَتْبُت أنَّهم كانوا مسلمينَ، ويحتمل أن يكون الشُّهود أخبَروا بذلك لسؤال بقيّة اليهود لهم، فسمعَ النبيّ ◌َّ﴿ كلامهم ولَم يَحكم فيهم إلّا مُستَنِداً لما أطلَعَه الله تعالى، فحَگَمَ في ذلك بالوحي وألزَمَهم الحُجّة بينهم، كما قال تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف: ٢٦] أو(٢) أنَّ شُهودهم شَهِدوا عليهم عند أحبارهم بما ذُكِرَ، فلمَّا رَفَعوا الأمر إلى النبيّ وََّ اسْتَعَلَمَ القصَّة على وجهها، فذكر كلُّ مَن حَضَرَه من الزُّواة ما حَفِظَه في ذلك، ولم يكن مُستَنَد حُكم النبيّ وَ لِ﴿ إِلّا ما أطلَعَه الله عليه. واستَدَلَّ به بعض المالكيَّة على أنَّ المجلود ◌ُجُلَد قائماً إن كان رجلاً والمرأة قاعِدةً، لقولٍ (١) في (أ) و(ع): ((ففي الاستدلال بصورة الرَّجم على صورة الجلد)) بتقديم الرَّجم على الجلد، والمثبت من (س) وهو الصواب. (٢) وقع في (س): ((وأنّ))، والمثبت من الأصلين هو الصحيح، لتغاير ما بين الاحتمالين. ٦٤٧ باب ٣٧ / ح ٦٨٤١ كتاب الحدود ابن عمر: رأيت الرجل يَقيها الحجارة، فدَلَّ على أنَّه كان قائماً وهي قاعِدة، وتُعقِّبَ بأنّها(١) واقعة عَين فلا دلالة فيه على أنَّ قيام الرجل كان بطريق الحُكم عليه بذلك، واستُلِلَّ به على رَجم المحصَن، وقد تقدَّم البحث فيه مُستَوقَّى (٦٨١٢)، وعلى الاقتصار على الرَّجم ولا يُضَمّ إليه الجلد، وقد تقدَّم الخِلاف فيه في باب مُفرَد، وكذا احتَجَّ به بعضهم، ولو احتُجَ به لِعَكْسِه لكَانَ أقرَبَ، لأَنَّ في حديث البراء عند مسلم أنَّ الزّاني جُلِدَ أوَّلاً ثمَّ رُجِمَ كما تقدَّمَ، لكن يُمكِن الانفصال بأنَّ الجلد الذي وَقَعَ له لم يكن بحُكمِ حاكم. وفيه أنَّ أنكِحة الكفّار صحيحة لأنَّ ثُبوت الإحصان فرع ثُبُوت صِحّة النِّكاح. وفيه أنَّ الكفَّار مُخاطَبونَ بفُروع الشَّريعة، وفي أخذه من هذه القصّة بُعدٌ./ ١٧٢/١٢ وفيه أنَّ اليهود كانوا يَنسُبونَ إلى التَّوراة ما ليس فيها، ولو لم يكن ممّا أقدموا على تَبديله وإلّا لكان في الجواب حَيدة عن السُّؤال، لأنَّه سأَلَهُم(٢) عمَّا يَجِدونَ في الثَّوراة فعَدَلوا عن ذلك لما يفعلونَه، وأوهَموا أنَّ فعلهم موافقٌ لما في التَّوراة فأكذَبَهم عبد الله بن سَلام. وقد استَدَلَّ به بعضهم على أنَهم لم يُسقِطوا شيئاً من ألفاظها كما يأتي تقريره في كتاب التَّوحيد (٧٥٤٣)، والاستدلالُ به لذلك غيرُ واضح، لاحتمال خُصوص ذلك بهذه الواقعة فلا يدلّ على التَّعميم، وكذا مَن استَدَلَّ به على أنَّ التَّوراة التي أُحِضِرَت حينئذٍ كانت كلّها صحيحة سالمة من التَّديل، لأنَّه يَطْرُقه هذا الاحتمال بعينِه ولا يَرُدّه قولُه: ((آمَنت بك وبمَن أَنزَلَكِ))(٣)، لأنَّ المراد أصل التَّوراة. وفيه اكتِفاء الحاكم بتَرُمانٍ واحد موثوقٍ به، وسيأتي بسطه في كتاب الأحكام (٧١٩٥). واستُدِلَّ به على أنَّ شَرع مَن قبلنا شَرعُ لنا، إذا ثَبَتَ ذلك لنا بدلیلٍ قرآن أو حديث صحيح، ما لم يَتْبُتِ نَسخه بشَريعة نبيِّنا أو نبيّهم أو شريعتهم، وعلى هذا فُيُحمَل ما وَقَعَ في هذه القصّة (١) في (س): «بأنه». (٢) في (س): ((سأل)). (٣) وقع هذا من قوله گلله في سياق حديث أخرجه أبو داود (٤٤٤٩) بإسناد حسن من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. ٦٤٨ باب ٣٨ / ح ٦٨٤٢ - ٦٨٤٣ فتح الباري بشرح البخاري على أنَّ النبيَّ ◌َّه علم أنَّ هذا الحُكم لم يُنسَخ من الثَّوراة أصلاً. ٣٨ - باب إذا رمى امرأته أو امرأة غيره بالزّنى عند الحاكم والناس، هل على الحاكم أن يبعث إليها فيسألها عمّا رُميتْ به؟ ٦٨٤٢، ٦٨٤٣ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُبيدِ الله ابنِ عبدِ الله بنِ عُتْبَةَ بنِ مسعودٍ، عن أبي هريرةَ وزيدِ بنِ خالدٍ أنَّهما أخبَرَاهِ: أنَّ رجلَينِ اختَصَما إلى رسولِ الله ◌ََّ، فقال أحدُهما: اقضِ بينَنا بكتاب الله، وقال الآخَرُ - وهو أفقَهُھما -: أجَل یا رسولَ الله، فاقضٍ بينَنا بكتاب الله، وأذَن لي أن أتكلَّمَ، قال: ((تَكلَّم)) قال: إنَّ ابني كان عَسِيفاً على هذا - قال مالكٌ: والعَسِيفُ الأجِيرُ - فَزَنَى بامرأتِهِ، فأخبَروني أنَّ على ابني الرَّجْمَ، فافتَدَيتُ منه بمئةِ شاةٍ وبجاريةٍ لي، ثمَّ إنّي سألتُ أهلَ العِلْمِ، فأخبَرَوني أنَّ ما على ابني جَلْدُ مئةٍ وتَغرِيبُ عامٍ، وإنَّما الرَّجْمُ على امرأتِهِ، فقال رسولُ الله وَّهِ: ((أما والذي نفسي بيده، لأقضِيَنَّ بينكُما بكتاب الله، أمَّا غَنَمُكَ وجاريَتُكَ فَرَدٌّ عليكَ)). وَجَلَدَ ابنَه مئةً وغَرَّبَه عاماً، وأمَرَ أُنيساً الأسلَمِيَّ أن يأتيَ امرأةَ الآخَرِ: «فإنِ اعْتَرَفَت فارُها)» فاعْتَرَفَت فَرَجَمَها. قوله: ((باب إذا رَمَى امرأتَه أو امرأةً غيرِه بالزّنى عند الحاكم والناسِ، هل على الحاكم أن يَبْعَث إليها فَيَسْألها عَّ رُمَيَت به؟)) ذكر فيه قصَّة العَسيف، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى (٦٨٢٧ و٦٨٢٨)، والحُكم المذكور ظاهر فيمَن قَذَفَ امرأةً غيره، وأمَّا مَن قَذَفَ امرأته، فكأنَّه أخَذَه من كَون زوج المرأة كان حاضراً ولَم يُنكِرِ ذلك، وأشارَ بقولِه: هل على الإمام؟ إلى الخِلاف في ذلك، والجمهور على أنَّ ذلك بحَسَبِ ما يراه الإمام. قال النَّوويّ: الأصحّ عندنا وجوبُه والحُجّة فيه بَعْثُ أُنيسٍ إلى المرأة، وتُعقِّبَ بأنَّه فعلٌ وَقَعَ في واقعة حالٍ لا دلالة فيه على الوجوب، لاحتمال أن يكون سببَ البَعث ما وَقَعَ بين زوجها وبين والد العَسيف من الخِصام والمصالحة على الحدّ، واشتِهار القصَّة حتَّى صَرَّحَ والد العَسيف بما صَرَّحَ به ولَم يُنكِرِ عليه زوجُها، فالإرسال إلى هذه يَخْتَصّ بمَن كان على مِثل حالها من التُّهمة القويَّة بالفُجور، وإنَّما عُلِّقَ على اعترافها، لأنَّ حَدّ الزّنى لا يَثبُت في ٦٤٩ باب ٣٩ / ح ٦٨٤٤-٦٨٤٥ كتاب الحدود مِثلها إلّا بالإقرار لتَعذَّرِ إقامة البيِّنة على ذلك، وقد/ تقدَّم شرحُ الحديثِ مُستَوفَى، وذكرت ١٧٣/١٢ ما قيلَ من الحكمة في إرسال أُنيس إلى المرأة المذكورة. وفي «الموطَّأ)) (٨٢٣/٢): أنَّ عمر أتاه رجل فأخبَرَه أنَّه وجَدَ مع امرأته رجلاً فَبَعَثَ إليها أبا واقدٍ فسألهما عمّ قال زوجُها وأعلمَها أنَّه لا يُؤخَذ بقولِه فاعتَرَفَت، فأمَرَ بها عمر فُرُجِمَت. قال ابن بَطّال: أجْمَعَ العلماء على أنَّ مَن قَذَفَ امرأته أو امرأة غيره بالزِّنى فلم يأتِ على ذلك بيِّةٍ أَنَّ عليه الحدّ، إلّا إن أقَرَّ المقذوفُ، فلهذا يجب على الإمام أن يَبعَث إلى المرأة يسألها عن ذلك، ولو لم تَعتَرِف المرأة في قصَّة العَسيف لَوجَبَ على والد العَسيف حَدّ القَذف. وثمَّ يَتَفَرَّع عن ذلك لو اعتَرَفَ رجل بأَنَّه زَنَى بامرأةٍ مُعيَنة فأنكَرَتْ، هل يجب عليه حَدّ الزِّنى وحَدّ القَذف أو حَدّ القَذف فقط؟ قال بالأوَّل مالك، وبالثاني أبو حنيفة. وقال الشافعيّ وصاحبا أبي حنيفة: مَن أقَرَّ منهما فإنَّما عليه حَدُّ الزّنى فقط، والحُجّة فيه أنَّه إن كان صَدَقَ في نفس الأمر فلا حَدَّ عليه لقَذِفِها، وإن كان كذَبَ فليس بزانٍ، وإنَّما يجب عليه حَدّ الزِّنى، لأنَّ كلّ مَن أقَرَّ على نفسه وعلى غيره لَزِمَه ما أقَرَّ به على نفسه، وهو مُدَّع فيما أقَرَّ به على غيره، فيُؤاخذ یإقراره على نفسه دون غیره. ٣٩ - باب من أدّب أهلَه أو غيرَه دون السّلطانِ وقال أبو سعيدٍ: عن النبيِّ وَّهِ: ((إذا صَلَّى فأرادَ أحدٌ أن يَمُرَّ بينَ يَدَيه فَلْيَدْفَعْه، فإن أَبَى فلْيقاتلْهُ)) وفَعَلَه أبو سعيدٍ. ٦٨٤٤- حدَّثنا إسماعيلُ، حذَّثني مالكٌ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ القاسمِ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: جاء أبو بكرٍ عَلُ ورسولُ الله ◌َّه واضحٌ رأسَه على فَخِذي، فقال: حَبَسْتِ رسولَ الله ◌َِه والناسَ وليسوا على ماءٍ، فعاتَبَني وجَعَلَ يَطْعُنُ بَيَدِه في خاصرَتي، ولا يَمْنَعُنِي مِنَ النَّحَرُّكِ إلّا مكانُ رسولِ الله ◌َِّ، فَأَنزَلَ الله آيةَ التيمُّمِ. ٦٨٤٥ - حدَّثْنا يحيى بنُ سليمانَ، حدَّثْني ابنُ وَهْب، أخبرني عَمْرٌو: أنَّ عبد الرّحمنِ بنَ القاسمِ حذَّثه، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: أقبَلَ أبو بكرٍ فَلَكَزَنِي لَكْزةً شديدةً، وقال: حَبَسْتِ الناسَ في ٦٥٠ باب ٣٩ / ح ٦٨٤٤ - ٦٨٤٥ فتح الباري بشرح البخاري قِلادةٍ! فبي الموتُ لِمكانِ رسولِ اللهِ وَلِّ وقد أوْ جَعَنِي، نحوَه. لَكَزَ ووَكَزَ واحدٌ. قوله: ((باب مَن أدَّبَ أهلَه أو غيرَه دونَ السُّلْطانِ)) أي: دونَ إذنه له في ذلك. هذه التَّرجمة معقودة لبيان الخِلاف: هل يحتاج مَن وجَبَ عليه الحدُّ من الأرِقّاء إلى أن يَستأذِن سَيِّدُه الإمامَ في إقامة الحدّ عليه، أو له أن يُقيم ذلك بغير مَشورة؟ وقد تقدَّم بيانُه في ((باب إذا زَنَتِ الأَمة))(١) (٦٨٣٧ و ٦٨٣٨). قوله: ((وقال أبو سعيد عن النبيّ ◌َّ: إذا صَلَّى فأرادَ أحد أن يَمُرّ بين يَدَيهِ فَلْيَدْفَعْه، فإن أَبَى فَلْيقاتلْه، وفَعَلَه أبو سعيد)) هذا مختصر من الحديث الذي تقدَّم موصولاً في ((باب يَرُدُّ المصَلّي مَنْ مَرَّ بِينَ يَدَيه)»(٢) ولفظه: ((فإن أراد أحَدٌ(٣) أن يَجتاز بين يَدَيه فليَدِفَعْهُ، فإن أَبَى فليقاتِلْهُ فإنَّما هو شيطان))، أخرجه من طريق أبي صالح عن أبي سعيد. وأمَّا قوله: ((وفَعَلَه أبو سعيد)) فهو في الباب المذكور بلفظ: رأيت أبا سعيد يُصَلّي فأراد شابٌّ أن يَجتاز بين يَدَيهِ فَدَفَع أبو سعيد في صَدره، القِصَّةَ، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى هناك، والغرض منه أنَّ الخبر وَرَدَ بالإذنِ للمُصَلّي أن يُؤَدِّ المجتاز بالدَّفع، ولا يحتاج في ذلك إلى ١٧٤/١٢ إذن الحاكم، وفَعَلَه أبو سعيد/ الخُدْرِيُّ ولَم يُنكِرِ عليه مروانُ، بل استَفْهَمَه عن السَّبَب، فلمَّا ذَگره له أقرَّه على ذلك. ثمَّ ذكر حديث عائشة في سبب نزول آية التيمُّم من وجهَينِ: عن عبد الرّحمن بن القاسم عن أبيه عنها، وقد تقدَّمَت طريق مالكٍ في تفسير سورة المائدة (٤٦٠٧)، وطريق عَمْرو بن الحارث عَقِبها (٤٦٠٨). قوله: (لَكَزَ ووكَزَ واحدٌ)) أي: بمعنَى واحد، ثَبَتَ هذا في رواية المُستَمْلي، وهو من كلام أبي عبيدة قال: الوَكْزُ في الصَّدر بِجُمْعِ الكَفّ، وَلَهَزَهُ مِثْلُه، وهو اللَّكز. (١) عند الحديثين (٦٨٣٧) و(٦٨٣٨). (٢) الحديث رقم (٥٠٩). (٣) قوله: ((أحد)) سقط من (س). ٦٥١ باب ٤٠ / ح ٦٨٤٦ كتاب الحدود قال ابن بَطّال: في هذَينِ الحديثَينِ دلالة على جواز تأديب الرجل أهله وغيرَ أهله بحضرة السُّلطان، ولو لم يأذن له إذا كان ذلك في حَقّ. وفي معنى تأديبُ الأهل تأديب الرَّقيق، وقد تقدَّمَتِ الإشارة إليه في ((باب لا تَثريب على الأَمة)) (٦٨٣٩). ٤٠ - باب من رأى مع امرأتِه رجلاً فقَتَله ٦٨٤٦- حدَّثنا موسى، حدَّثنا أبو عَوَانَةَ، حدَّثنا عبدُ الملِك، عن ورّادٍ كاتبِ المغِيرةِ، عن المغِيرةِ، قال: قال سَعْدُ بنُ عُبادةَ: لو رأيتُ رجلاً معَ امرأتي لَضَرَبتُه بالسَّيفِ غيرَ مُصْفَحٍ، فَبَلَغَ ذلك النبيَّ وَّةِ، فقال: ((أَتَعْجَبونَ من غيرةِ سعدٍ! لَأنا أغيَّرُ منه، واللهُ أغيَرُ مِنِّي)). [طرفه في: ٧٤١٦] قوله: ((باب مَن رَأى مع امرأتِه رجلاً فقَلَه)) كذا أطلقَ ولَم يُبيِّن الحُكمَ، وقد اختُلِفَ فيه: فقال الجمهور: عليه القَوَدُ، وقال أحمدُ وإسحاقُ: إن أقامَ بيِّنة أنَّه وَجَدَه مع امرأته هُدِرَ دَمُه. وقال الشافعيّ: يَسَعه فيما بينه وبين الله قَتْلُ الرجل إن كان ثَيِّاً وعلمَ أنَّه نالَ منها ما يوجِبُ الغُسلَ، ولكن لا يَسقُط عنه القَوَدُ في ظاهر الحُكم. وقد أخرج عبد الرَّزّاق (١٧٩٢١) بسندٍ صحيح إلى هانئ بن حِزَامٍ: أنَّ رجلاً وجَدَ مع امرأته رجلاً فقَتَلَهما، فكَتَبَ عمرُ كتاباً في العَلانية أن يُقِدُوه به، وكتاباً في السِّرِّ أن يُعطوه الدِّيّةَ. وقال ابن المنذر: جاءتِ الأخبار عن عمر في ذلك مُخْتلِفَةً، وعامّةُ أسانيدها مُنقَطِعة، وقد ثَبَتَ عن عليٍّ أنَّه سُئلَ عن رجل قتل رجلاً وَجَدَه مع امرأته فقال: إن لم يأتِ بأربعة ◌ُشُهَداء وإلّا فليُعْطَ(١) بِرُمَّتِهِ، قال الشافعيّ: وبهذا نأخذ، ولا نعلمُ لعليٍّ مخالفاً في ذلك. قوله: ((حدَّثنا موسى)) هو ابن إسماعيل، وعبد الملك: هو ابن عُمَير، ووَرّاد: هو كاتب المغيرة بن شُعْبة، وثَبَتَ كذلك لغیر أبي ذرِّ. (١) في (س): ((فليغط)) بالغين المعجمة، وهو تصحيف، وهذا الأثر أخرجه مالك في ((الموطأ)) ٢/ ٧٣٧، وعبد الرزاق في ((المصنف)) (١٧٩١٥)، وابن المنذر في ((الأوسط)) (٩٣٤٩). ٦٥٢ باب ٤١ / ح ٦٨٤٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((قال سَعْد بن عُبادةَ» هو الأنصاريّ سَيِّد الخَزْرَچ. قوله: «لو رأيتُ رجلاً مع امرأتي لَضَرَبْته بالسَّيفِ» كذا في هذه الرِّواية بالجزم، وفي حديث أبي هريرة عند مسلم (١٥/١٤٩٨): أنَّ سعد بن عبادة قال: يا رسول الله، أرأيت إن وجَدت مع امرأتي رجلاً أُمهِلُ حتَّى آتَيَ بأربعة شُهَداء، الحديث، وله من وجه آخر (١٦/١٤٩٨): فقال سعد: گلّا والذي بعثك بالحقّ، إن كنت لأُعاچِلُه بالسّیفِ قبل ذلك، ولأبي داود (٤٥٣٢) من هذا الوجه: أنَّ سعد بن عبادة قال: يا رسول الله، الرجل يَجِد مع أهله رجلاً فيقتله؟ قال: ((لا)) قال: بلى والذي أكرَمَك بالحقِّ. وأخرج الطبرانيّ(١) من حديث عُبادة بن الصّامت: لمَّا نزلت آية الرَّجم قال النبيّ ◌َّ. ((إنَّ الله قد جَعَلَ لهنَّ سبيلاً)) الحديث، وفيه: فقال أُناس لسعدِ بن عُبادة: يا أبا ثابت قد نزلتِ الحدود، أرأيت لو وجدت مع امرأتك رجلاً كيف كنت صانعاً؟ قال: كنت ضاربَه بالسَّيفِ حتَّى يَسكُنا، فأنا أذهَب وأجمَع أربعة؟ فإلى ذلك قد قَضَى الخائبُ حاجتَه فأنطَلِقِ، وأقولُ: رأيت فلاناً فيَجلِدوني ولا يقبلونَ لي شهادة أبداً، فَذَكَروا ذلك لرسولِ الله ◌ِ﴾ فقال: ((كَفَى بالسَّيفِ شاهداً)) ثمَّ قال: ((لولا أنّ أخاف أن يتتابع فيها السَّكران والغَيْرانُ)) وقد تقدَّم شرح هذا الحديث في ((باب الغَيرة)) في أواخر كتاب النكاح (٢)، ويأتي الكلام على قوله: ((والله أغيَرُ مِنِّي)) في كتاب التَّوحيد (٧٤١٦). وفي الحديث أنَّ الأحكام الشَّرعيَّة لا تُعارض بالرَّأي. ١٧٥/١٢ ٤١- باب ما جاء في التَّعريض ٦٨٤٧ - حدَّثنا إسماعيلُ، حدَّثني مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيّبِ، عن أبي هريرةَ ﴾: أنَّ رسولَ الله ◌َِّ جاءه أعرابٌّ، فقال: يا رسولَ الله، إنَّ امرأتي ولدَت غلاماً أسوَدَ، فقال: ((هل لكَ من إبلِ؟)) قال: نعم، قال: ((ما ألوانُها؟)) قال: حُمْرٌّ، قال: ((فيها من أَوْرَقَ؟)) (١) مسند عُبادة سقط برُمّته من مطبوع ((معجم الطبراني الكبير)) لفقدان كثير من أصوله، والحديث أيضاً عند ابن ماجه (٢٦٠٦)، وكذا عند أبي داود (٤٤١٧) في رواية ابن الأعرابي، كما بيناه في طبعتنا. (٢) قبل الحديث رقم (٥٢٢٠). ٦٥٣ باب ٤١ / ح ٦٨٤٧ كتاب الحدود قال: نعم، قال: ((فَأَنَّى كان ذلك؟)) قال: أُراه عِرْقٌ نَزَعَه، قال: ((فلعلَّ ابنَكَ هذا نَزَعَه عِرْقٌ)). قوله: ((باب ما جاء في التَّعْريض)) بعينٍ مُهمَلة وضاد مُعجَمة، قال الرَّاغِب: هو كلام له وجهان ظاهرٌ وباطِنٌّ، فيقصِد قائله الباطِن ويُظهِر إرادة الظّاهر، وتقدَّم شيء من الكلام فيه في (باب التَّعريض بنفي الولد)) من كتاب اللِّعان (٥٣٠٥) في شرح حديث أبي هريرة في قصَّة الأعرابيّ الذي قال: إنَّ امرأتي ولدت غلاماً أسودَ، الحديث، وذكرت هناك ما قيل في اسمه وبيان الاختلاف في حُكم التَّعريض، وأنَّ الشافعيّ اسْتَدَلَّ بهذا الحديث على أنَّ التَّعريض بالقَذفِ لا يُعطَى حُكم التَّصريح، فتَبِعَه البخاريّ حيثُ أورَدَ هذا الحديث في الموضعَينِ، وقد وَقَعَ في آخر رواية مَعمَر (١) التي أشرت إليها هناك: ولَم يُرَخِّص له في الانتفاء منه، وقول الزُّهْريّ: إنَّما تكون الملاعَنة إذا قال: رأيت الفاحشة. قال ابن بَطّال: احتَجَّ الشافعيّ بأنَّ التَّعريض في خِطْبة المعتَدَّة جائز مع تحريم التَّصريح بخِطبَتِها، فدَلَّ على افتراق حُكمها، قال: وأجابَ القاضي إسماعيل بأنَّ التَّعريض بالخِطبة جائز، لأَنَّ النِّكاح لا يكون إلّا بين اثنين، فإذا صَرَّحَ بالخِطبة وَقَعَ عليه الجواب بالإيجابِ أو الوعد فمُنِعَ، وإذا عَرَّضَ فأفهَمَ أنَّ المرأة من حاجته لم يَحَتَجْ إلى جواب، والتَّعريضُ بالقَذفِ يقع من الواحد ولا يَفتَقِر إلى جواب، فهو قاذِفٌ من غير أن يُخْفيَه عن أحدٍ فقامَ مقام الصَّريح، كذا فُرُقَ. ويُعكِّر عليه أنَّ الحدّ يُدفَع بالشُّبهة والتَّعريض يحتمل الأمرَينِ، بل عَدَم القَذف فيه هو الظّاهر وإلّا لما كان تعريضاً، ومَن لم يَقُل بالحدِّ في التَّعريض يقول بالتَّأديبِ فيه، لأنَّ في التَّعريض أذَى المسلم، وقد أجمعوا على تأديب مَن وُجِدَ مع امرأة أجنبيّة في بيت والباب مُقْفَلٌ(٢) عليهما، وقد ثَبَتَ عن إبراهيم النَّخَعيِّ أنَّه قال: في التَّعريض عُقوبة. وقال عبد الرَّزّاق (١٣٧٠٢): أخبرنا ابن جُرَيج قلت لعطاءٍ: فالتَّعريضُ؟ قال: ليس فيه حَدّ، قال عطاء وعَمْرو بن دينار: فيه نَكالٌ. (١) أخرجها مسلم (١٥٠٠) (١٩). (٢) وقع في (س): «مُغلَق)) وهما بمعنَى. ٦٥٤ باب ٤٢ / ح ٦٨٤٨ - ٦٨٥٠ فتح الباري بشرح البخاري ونَقَلَ ابن التِّين عن الدَّاوُوديّ أنَّه قال: تبويب البخاريّ غير مُعتَدِل، قال: ولو قال: ما جاء في ذِكْر ما يقع في النُّفوس عندَما يرى ما يُنكِرِه لكان صواباً. قلت: ولو سَكَتَ عن هذا لكان هو الصَّواب، قال ابن التِّين: وقد انفَصَلَ المالكيَّة عن حديث الباب بأنَّ الأعرابيّ إنَّما جاء مُستَفتياً، ولم يُرِد بتَعريضِه قَذْفاً. وحاصلُه أنَّ القَذْف في التَّعريض إنَّما يَئُبُت على مَن عُرِفَ من إرادته القَذْفُ، وهذا يُقوِّي أن لا حَدَّ في التَّعريض لتَعذَّرِ الاطِّلاع على الإرادة، والله سبحانه وتعالى أعلم. ٤٢- بابٌ كم التّعزير والأدب ٦٨٤٨ - حدّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، حدَّثنا اللَّثُ، حدَّثنی یزیدُ بنُ أبي حبيبٍ، عن بُگیر ابنِ عبدِ الله، عن سليمانَ بنِ يَسارٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ جابِرِ بنِ عبدِ الله، عن أبي بُرْدً أُ، ١٧٦/١٢ قال: كان النبيُّ وَ لَه يقول: / «لا يُحِلَدُ فوقَ عَشْرِ جَلَداتٍ، إلّا في حَدٍّ من حُدودِ الله)). [طرفاه في: ٦٨٤٩، ٦٨٥٠] ٦٨٤٩- حدَّثْنا عَمْرو بنُ عليٍّ، حدَّثنا فُضَيلُ بنُ سليمانَ، حدَّثنا مسلمُ بنُ أبي مريمَ، حذَّثني عبدُ الرَّحمنِ بنُ جابرٍ، عَمَّن سمعَ النبيَّ وََّ، قال: ((لا عُقوبةَ فوقَ عَشْرِ ضَرَباتٍ، إلا في حدٍّ من حُدودِ الله)). ٦٨٥٠ - حدَّثنا يحيى بنُ سليمانَ، حذَّثني ابنُ وَهْب، أخبرني عَمْرٌو، أنَّ بُكَيراً حدَّثه قال: بينما أنا جالسٌ عندَ سليمانَ بنِ يَسارٍ، إذ جاء عبدُ الرّحمنِ بنُ جابٍ، فحدَّث سليمانَ بنَ يَسارٍ، ثمَّ أقبَلَ علينا سليمانُ بنُ يَسارٍ، فقال: حدَّثني عبدُ الرّحمنِ بنُ جابٍ: أَنَّ أباه حدَّثه، أنَّه سمعَ أبا بُرْدَ الأنصاريَّ، قال: سمعتُ النبيّ ◌َّه يقول: ((لا تَجْلِدوا فوقَ عَشَرةٍ أسواطٍ، إلا في حَدٍّ من حُدودِ الله)). قوله: ((بابٌّ)) بالتَّنوين ((كم التَّعْزِيرُ والأدبُ)) التَّعزيرُ مصدر عَزَّرَه، وهو مأخوذ من العَزْر: وهو الردُّ والمَنْعُ، واستُعمِلَ في الدَّفع عن الشَّخص كَدفْع أعدائه عنه ومَنْعِهم من إضراره، ومنه: ﴿وَءَامَنتُم بِرُسُلِيٍ وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ [المائدة: ١٢]، وگَدفعِه عن إتيان القبيح، ومنه عَزَّرَه القاضي، أي: أدَّبَه لئلّا يعود إلى القبيح. ويكون بالقولِ وبالفعلِ بحَسَبٍ ما يَلِيق به، والمراد ٦٥٥ باب ٤٢ / ح ٦٨٥٠ كتاب الحدود بالأدبِ في التَّرجمة: التَّأديب، وعَطَفَه على التَّعزير، لأنَّ التَّعزير يكون بسبب المعصية، والتّأديب أَعَمُّ منه، ومنه: تأديبُ الولِدِ وتأديبُ المعلِّم، وأورَدَ الكَمّيَّة بلفظ الاستفهام إشارةً إلى الاختلاف فيها کما سأذكره، وقد ذکر في الباب أربعة أحاديث. الأول: قوله: ((عن بُكَير بن عبد الله)) يعني: ابن الأشَجّ. قوله: ((عن سليمان بن يسار، عن عبد الرَّحمن)) في رواية عَمْرو بن الحارث الآتية في الباب، أنَّ بُكَيراً حدَّثه قال: بينما أنا جالس عند سليمان بن يَسار إذ جاء عبد الرَّحمن بن جابر فحدَّث سليمانَ ابن يَسار، ثمَّ أقبَلَ علینا سليمانُ فقال: حدَّثني عبد الرَّحمن./ ١٧٧/١٢ قوله: ((عن عبد الرّحمن بن جابر بن عبد الله)) في رواية الأَصِيلِيّ عن أبي أحمدَ الجُرجانيّ: عن عبد الرَّحمن عن جابر، ثمَّ خَطَّ على قولِهِ: ((عن جابٍ)) فصارَ عن عبد الرَّحمنِ عن أبي بُرْدة وهو صواب، وأصوبُ منه رواية الجمهور بلفظ: ((ابن)) بدل ((عن)). قوله: ((عن أبي بُرْدة)) في رواية عليّ بن إسماعيل بن حَمَّاد عنِ عَمْرو بن عليّ شيخ البخاريّ فيه بسندِه إلى عبد الرَّحمن بن جابر قال: حدَّثني رجل من الأنصار، قال أبو حفص - يعني عَمْرو بن عليّ المذكور -: هو أبو بُرْدة بن نيار، أخرجه أبو نُعَيم، وفي رواية عَمْرو بن الحارث حدَّثني عبد الرَّحمن بن جابر: أنَّ أباه حدَّثه أنَّه سمعَ أبا بُرْدة الأنصاريّ، ووَقَعَ في الطَّريق الثّانية من رواية فُضَيلٍ بن سليمان عن مسلم بن أبي مريم: حدَّثني عبد الرَّحمن بن جابر عمَّن سمعَ النبيّ ێ﴾، وقد سمّاه حفص بن ميسرةً، وهو أوتُ من فُضَیلِ بن سليمان، فقال فيه: عن مسلم بن أبي مريم عن عبد الرَّحمن بن جابر عن أبيه، أخرجه الإسماعيليّ. قلت: قد رواه يحيى بن أيوب عن مسلم بن أبي مريم مثل رواية فُضَيلٍ، أخرجه أبو نُعَيم في ((المستخرَج))، قال الإسماعيليّ: ورواه إسحاق بن راهويه عن عبد الرَّزّاق عن ابن جُرَيج عن مسلم بن أبي مريم عن عبد الرّحمن بن جابر عن رجل من الأنصار. قلت: وهذا لا يُعيِّن أحدَ التَّفسيرَين، فإنَّ كلَّ من جابر وأبي بُرْدة أنصاريّ، قال ٦٥٦ باب ٤٢ / ح ٦٨٥٠ فتح الباري بشرح البخاري الإسماعيليّ: لم يُدخِلِ اللَّيْثُ عن يزيدَ بين عبد الرَّحمن وأبي بُرْدة أحداً، وقد وافَقَه سعيد بن أبي(١) أيوب عن يزيد ثمَّ ساقه من روايته كذلك. وحاصل الاختلاف هل هو عن صحابيّ مُبهَم أو مُسَمَّى؟ الرَّاجح الثّاني، ثمَّ الرَّاجح أنَّه أبو بُرْدة بن نِيار، وهل بين عبد الرَّحمن وأبي بُرْدة واسطة وهو جابر أو لا؟ الرَّاجح الثّاني أيضاً. وقد ذكر الدّارَ قُطْنِيُّ في ((العِلَل)) الاختلاف فيه ثمَّ قال: القول قول اللَّيث ومَن تابَعَه، وخالَفَ ذلك في كتابٍ ((التَبُّع)) فقال: القول قول عَمْرو بن الحارث وقد تابَعَه أُسامة بن زيد. قلت: ولَم يَقدَح هذا الاختلاف عند(٢) الشَّيخَينِ في صِحّة الحديث، فإنَّه كيفما دار يدور على ثقة، ويحتمل أن يكون عبد الرَّحمن وَقَعَ له فيه ما وَقَعَ لِبُكَير بن الأَشَجّ في تحديث عبد الرَّحمن بن جابر لسليمان بحَضرة بُكَير، ثمَّ تحديث سليمان بُكَيراً به عن عبد الرَّحمن، أو أنَّ عبد الرَّحمن سمعَ أبا بُرْدة لمَّا حدَّث به أباه وثَبَّتَه فيه أبوه فحدَّث به تارةً بواسطة أبيه وتارةً بغير واسطة. وادَّعَى الأَصِيلِيّ أنَّ الحديث مُضطَرِبٌ فلا يُحْتَجّ به لاضطِرابِهِ، وتُعقِّبَ بأنَّ عبد الرّحمن ثقة وقد صَرَّحَ بسماعِه، وإبهام الصحابيّ لا يَضُرّ، وقد اتَّفَقَ الشَّيخان على تصحيحه وهما العُمدة في التَّصحيح، وقد وجَدت له شاهداً بسندٍ قويّ، لكنَّه مُرسَل أخرجه الحارث بن أبي أُسامة من رواية عبد الله بن أبي بكر بن الحارث بن هشام رَفَعَه: ((لا يَحِلّ أن يُجُلَد فوق عشرة أسواط إلّا في حَدّ))، وله شاهد آخر عن أبي هريرة عند ابن ماجه (٢٦٠٢) ستأتي الإشارة إليه. قوله: ((لا يُجْلَد) بضمٌّ أوَّله بصيغة النَّفي، ولبعضِهم بالجزم، ويُؤيِّده ما وَقَعَ في الرّواية التي بعدها بصيغة النَّهي: ((لا تَجِلِدوا)). قوله: ((فوق عَشَرة أسواطٍ)) في رواية يحيى بن أيوبَ وحفص بن مَيسَرة: «فوقَ عشِرِ جَلَدات))، وفي رواية عليّ بن إسماعيل بن حَمَّاد المشار إليها: ((لا عُقوبة فوق عشر ضَرَبات)). (١) لفظة ((أبي)) سقطت من (س). (٢) تحرَّف في (س) إلى: عن. ٦٥٧ باب ٤٢ / ح ٦٨٥٠ كتاب الحدود قوله: ((إلّا في حَدّ من حُدود الله)) ظاهره أنَّ المراد بالحدِّ: ما وَرَدَ فيه من الشّارعِ عَدَد من الجلد أو الضَّرب مخصوصٌ أو عُقوبة مخصوصةٌ، والمتَّفَق عليه من ذلك: أصْلُ الزِّنى، والسَّرِقة، وشُرب المسكِر، والحِرابة، والقَذف بالزّنى، والقتل، والقِصاص في النَّفس والأطراف، والقتل في الارتداد، واختُلِفَ في تسمية الأخيرَينِ حَدّاً، واختُلِفَ في أشياء كثيرة يَسْتَحِقّ مُرتَكِبها العُقوبةَ، هل تُسمَّى عُقوبَتُه حَدّاً أو لا؟ وهي: جَحْد العاريةِ، واللِّواط، وإتيان البهيمة، وتَحميلُ المرأةِ الفَحْلَ من البَهائم عليها، والسِّحاق، وأكل الدَّم والميتة في حال الاختيار ولحم الخنزير، وكذا/ السِّحر، والقَذف بشُربِ الخمر، وتَرك الصلاة ١٧٨/١٢ تَكاسُلاً، والفِطْر في رمضان، والتَّعريض بالزِّنى. وذهب بعضهم إلى أنَّ المراد بالحدِّ في حديث الباب: حَقُّ الله، قال ابن دقيق العيد: بَلَغَنِي أَنَّ بعض العَصْرِيّينَ قَرَّرَ هذا المعنى بأنَّ تخصيص الحدّ بالمقدَّرات المقدَّم ذِكرُها أمرٌ اصطلاحيّ من الفقهاء، وأنَّ عُرف الشَّرع أوَّلَ الأمر كان يُطلِقِ الحدَّ على كلّ معصية كَبُرَت أو صَغُرَت، وتَعقَّبَه ابن دقيق العيد: بأَنَّه خروج عن الظّهر ويحتاج إلى نَقل، والأصل عَدمُه، قال: ويَرِدُ عليه أَنَّا إذا أجَزنا في كلّ حَقّ من حقوق الله أن يُزاد على العشر لم يَبَقَ لنا شيءٍ يَخْتَصّ المنعُ به، لأنَّ ما عَدا المُحرَّماتِ(١) التي لا يجوز فيها الزّيادة هو ما ليس بمُحرَّم، وأصل التَّعزير أنَّه لا يُشرَع فيما ليس بمُحرَّمِ فلا يَبقَى لخُصوصِ الزّيادة معنَى. قلت: والعَصْريُّ المشار إليه أظنّه ابن تَيميَّةَ، وقد تَقَلَّدَ صاحبه ابن القَيِّم المقالة المذكورة، فقال: الصَّواب في الجواب أنَّ المراد بالحدودِ هنا: الحقوق التي هي أوامر الله ونواهيه، وهي المراد بقولِه: ﴿وَمَن يَنَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الَّلِمُونَ﴾ [البقرة : ٢٢٩]، وفي أُخرى: ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١]، وقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]، وقال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, وَيَتَعَذَّ حُدُ ودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا﴾ [النساء: ١٤]، قال: فلا يُزاد على العشر في التَّأديبات التي لا تتعلَّق بمعصيةٍ كَتأديبِ الأب ولدَه الصَّغير. (١) كذا في (أ) و(ع) ووقع في (س): ((الحرمات)) وسياق الكلام يدلُّ على صحّة ما أثبتنا. ١ ٦٥٨ باب ٤٢ / ح ٦٨٥٠ فتح الباري بشرح البخاري قلت: ويحتمل أن يُفرَّق بين مراتب المعاصي، فما وَرَدَ فیه تقدیرٌ لا يُزاد عليه وهو المستَثنَى في الأصل، وما لم يَرِد فيه تقدير فإن كان كبيرة جازَتِ الزّيادة فيه، وأُطلِقَ عليه اسم الحدّ كما في الآيات المشار إليها والتَحَقَ بالمستَثنَى، وإن كان صغيرةً فهو المقصود بمَنع الزّيادة، فهذا يَدِفَع إيراد الشَّيخ تَقيّ الدّين على العَصْريّ المذكور إن كان ذلك مُراده، وقد أخرج ابن ماجَهْ (٢٦٠٢) من حديث أبي هريرة بالتَّعزير بلفظ: ((لا تُعَزِّروا فوقَ عشرة أسواط))(١) وقد اختَلَفَ السَّلَف في مَدلول هذا الحديث فأخَذَ بظاهره اللَّيث وأحمدُ في المشهور عنه وإسحاق وبعض الشافعيَّة. وقال مالكٌ والشافعيّ وصاحبا أبي حنيفة: تَّجوز الزّيادة على العشر، ثمَّ اختَلَفوا، فقال الشافعيّ: لا يَبلُغ أدنَى الحدود، وهل الاعتبار بحَدِّ الحُرّ أو العَبد؟ قولان، وفي قول أو وجهٍ: يُستَنْبَط كلُّ تَعزير من جِنس حَدِّه ولا يُجاوِزه، وهو مُقْتَضَى قول الأوزاعيِّ: لا يَبلُغ به الحدّ، ولَم يُفَصِّل، وقال الباقونَ: هو إلى رأي الإمام بالغاً ما بَلَغَ وهو اختيار أبي ثَور، وعن عمر أنَّ كَتَبَ إلى أبي موسى: لا تَجِد في التَّعزير أكثرَ من عشرينَ، وعن عثمان: ثلاثينَ، وعن عمر: أنَّه بَلَغَ بالسَّوطِ مئة وكذا عن ابن مسعود، وعن مالك وأبي ثَور وعطاء: لا يُعزَّر إلّا مَن تَكَرَّرَ بَغْيُهُ(٢)، ومَن وَقَعَ منه مرَّة واحدة معصيةٌ لا حَدَّ فيها فلا يُعزَّر، وعن أبي حنيفة: لا يَبلُغ أربعينَ، وعن ابن أبي ليلى وأبي يوسف: لا يُزاد على خمس وتسعينَ جَلدة، وفي رواية عن مالك وأبي يوسف: لا يَبلُغ ثمانينَ. وأجابوا عن الحديث بأجوبةٍ منها ما تقدَّمَ، ومنها: قَصْرُه على الجلد، وأمَّا الضَّرب بالعصا مثلاً وباليَدٍ فَتَجوز الزّيادة، لكن لا يُحاوِز أدنَى الحدود، وهذا رأي الإصطَخريّ من الشافعيَّة، وكأنَّه لم يَقِف على الرّواية الواردة بلفظ الضَّرب. ومنها: أنَّه منسوخ دلَّ على نسخه إجماع الصحابة، ورُدً بأنّه قال به بعض التابعين، وهو قول اللَّيث بن سعد أحد فقهاء الأمصار. (١) إسناده ضعيف جدّاً، في إسناده عباد بن كثير الثقفي، وهو متروك الحديث. (٢) تحرَّف في (س) إلى: منه. ٦٥٩ باب ٤٢ / ح ٦٨٥١ كتاب الحدود ومنها: مُعارضة الحديث بما هو أقوى منه، وهو الإجماع على أنَّ التَّعزير يُخالف الحَدَّ، وحديث الباب يقتضي تحديدَه بالعشرِ فما دونها، فيصير مِثْلَ الحدّ، وبالإجماع على أنَّ التَّعزير مَوكولٌ إلى رأي الإمام فيما يَرجِع إلى التَّشديد والتَّخفيف، لا من حيثُ العَدَدُ؛ لأنَّ التَّعزير شُرِعَ للرَّدع ففي الناس مَن يَردَعُه الكلامُ، ومنهم مَن لا يَردَعُه الضَّربُ الشَّديد، فلذلك كان تَعزير كلّ أحد بحَسَبِهِ. وتُعَقِّبَ بأنَّ الحدّ لا يُزاد فيه، ولا يُنقَص فاختَلَفا، وبأنَّ التَّخفيف والتَّشديد مُسَلَّمٌ لكن مع مُراعاة العَدَد المذكور، وبأنَّ الرَّدع لا يُراعَى في الأفراد بدليلٍ أنَّ من الناس مَن لا يَرِدَعُه الحدُّ، ومع ذلك لا يُجمَع عندهم/ بين الحدّ والتَّعزير، فلو نُظِرَ إلى كلِّ فردٍ لَقيلَ بالزّيادة على الحدّ ١٧٩/١٢ أو الجمع بين الحدّ والتَّعزير، ونَقَلَ القُرطُبيّ أنَّ الجمهور قالوا بما دَلَّ عليه حديث الباب، وعَكَسَه النَّوويّ وهو المعتمَد، فإنَّه لا يُعرَف القول به عن أحد من الصحابة، واعتَذَرَ الدَّارُوديّ فقال: لم يَبلُغ مالكاً هذا الحديثُ فكان يرى العُقوبة بقَدرِ الذَّنب، وهو يقتضي أنَّه لو بَلَغَه ما عَدَلَ عنه فیجب على مَن بَلَغَه أن يأخذ به. الحَديثُ الثاني: ٦٨٥١- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهابٍ، حدَّثنا أبو سَلَمَةَ، أنَّ أبا هريرةَ ﴾ قال: نَهَى رسولُ اللهِ وَّهِ عن الوِصال، فقال له رجالٌ منَ المسلمينَ: فإِنَّكَ يا رسولَ الله تواصل؟ فقال رسولُ اللهِ وَّةَ: ((أَيْكم مِثْلي؟ إنّ أبِيتُ يُطْعِمُني رَبِّ ويَسْقِينِ)) فلمَّا أَبُوْا أن يَنتَهوا عن الوِصال واصَلَ بهم يوماً، ثمَّ يوماً، ثمَّ رَأْوًا الهلالَ، فقال: «لو تَأْخَّرَ لَزِدْتُكُم)» كالمنَكِّل بهم حينَ أبَوْا. تابَعَه شُعَيبٌ ويحيى بنُ سعيدٍ ويونسُ، عن الزُّهْريِّ. وقال عبدُ الرَّحمنِ بنُ خالٍ: عن ابنِ شِهابٍ، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَّد. حديث النَّهي عن الوِصال، والغرض منه قوله: فواصَلَ بهم كالمنَكِّلِ بهم، قال ابن بَطّال عن المهلَّب: فيه أنَّ التَّعزير مَوكولٌ إلى رأي الإمام لقولِه: ((لو امتَدَّ الشَّهرُ لَزِدْتُ))، فدَلَّ على ٦٦٠ باب ٤٢ / ح ٦٨٥٢ فتح الباري بشرح البخاري أنَّ للإمام أن يزيد في التَّعزير ما يراه، وهو كما قال، لكن لا يعارض الحديثَ المذكورَ، لأنَّه وَرَدَ في عَدَد من الضَّرب أو الجلد فيَتَعلَّق بشيءٍ مَحَسوس، وهذا يَتَعلَّق بشيءٍ متروك وهو الإمساك عن المفطرات، والألَمُ فيه يَرجِع إلى التَّجويع والتَّعطيش، وتأثيرهما في الأشخاص مُتَفَاوِتٌ جدّاً. والظاهر أنَّ الذينَ واصَلَ بهم كان لهم اقتدارٌ على ذلك في الجملة، فأشارَ إلى أنَّ ذلك لو تَادَى حتَّى يَنْتَهيَ إلى عَجزهم عنه لكان هو المؤثِّر في زَجرهم، ويُستفاد منه أنَّ المراد من التَّعزير ما يَحَصُل به الرَّدع، وذلك مُمكِن في العَشْر بأن يختلف الحالُ في صِفَة الجلد أو الضَّرب تخفيفاً وتشديداً، والله أعلم. نعم يُستَفاد منه جواز التَّعزير بالتَّجويع ونحوه من الأُمور المعنَويَّة. قوله: «تابَعَه شُعَيب ويحيى بن سعيد ويونس عن الزُّهْريّ، وقال عبد الرحمن بن خالد بن مُسافر عن ابن شهاب: عن سعيد بن المسيّب)) أي: تابَعوا عُقَيلاً في قوله: عن أبي سَلَمة، وخالَفَهم عبد الرَّحمن بن خالد فقال: سعيد بن المسيّب. قلت: فأمَّا مُتابَعة شُعَيب فوصَلَها المؤلِّف في كتاب الصيام (١٩٦٥)، وأمَّا مُتَابَعة يحيى ابن سعيد وهو الأنصاريّ فوصَلَها الذُّهْليُّ في ((الزُّهْریّات)» وأمَّا مُتابعة یونس وهو ابن یزید فوصَلَها مسلم (١١٠٣/ ٥٧) من طريق ابن وهب عنه، وأمَّا رواية عبد الرَّحمن بنِ خالد فسيأتي الكلام عليها في كتاب الأحكام(١). وذكر الإسماعيليّ أنَّ أبا صالح رواه عن اللَّيث عن عبد الرّحمن المذكور، فجَمَعَ فيه بين سعید وأبي سلمة، قال: وكذا رواه عبد الرحمن بن نَمِر عن الزُّهْريّ بسندِه إلیه كذلك. انتھی، وقد تقدَّم شرح هذا الحديث في كتاب الصيام(٢). الحديث الثالث: ٦٨٥٢ - حدَّثني عيَّاشُ بنُ الوليدِ، حدَّثنا عبدُ الأعلى، حدَّثْنَا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن سالمٍ، (١) عند الحدیث رقم (٧٢٤٢). (٢) في شرحه للحديث رقم (١٩٦٥).