النص المفهرس

صفحات 621-640

٦٢١
باب ٣٣ / ح ٦٨٣٤
كتاب الحدود
نَفْي، وتُعقّبَ بأَنَّه يُحتاج إلى ثُبُوت التاريخ، وبأنَّ العكس أقرَبُ فإنَّ آية الجلد مُطلَقةٌ في
حَقّ كلّ زانٍ، فخُصَّ منها في حديث عُبادة الثَّيِّب(١)، ولا يَلزَم من خُلوّ آيَة النّور عن النَّفي عَدَمُ
مشروعيَّته كما لم يَلزَم من خُلوِّها من الرَّجم ذلك، ومن الحُجَج القويّة أنَّ قصَّة العَسيف كانت
بعد آية النّور لأنَّها كانت في قصَّة الإفكِ، وهي مُتَقَدِّمة على قصَّة العَسيف، لأنَّ أبا هريرة
حَضَرَها، وإنَّما هاجَرَ بعد قصَّة الإفك بزمانٍ.
٣٣ - باب نَفْي أهل المعاصي والمختَّينَ
٦٨٣٤ - حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا هشامٌ، حدَّثنا يحيى، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ
رضي الله عنهما، قال: لَعن النبيُّ وَ ◌ّهِ المخَنَّفِينَ منَ الرِّجال، والمتَرَجِّلات منَ النِّساءِ، وقال:
((أخرِجوهم من بُيُوتِكُمْ)) وأخرَجَ فلاناً، وأخرَجَ عُمَرُ فلاناً.
قوله: ((باب نَفْي أهل المعاصي والمخَتََّينَ)) كأنَّه أراد الردّ على مَن أنكَرَ النَّفيَ على غير
المحارِبِ، فبيَّ أنَّه ثابتٌ من فعل النبيّ ◌َ ◌ّهِ ومَن بعده في حَقّ غير المحارب، وإذا ثَبَتَ في
حَقِّ مَن لم تقع منه كبيرةٌ، فوقوعُه فيمَن أتى كبيرة بطريق الأولى، وقد تقدَّم ضبط المخَنَّث
في (باب ما يَنْهَى من دخول المتشَبِّهينَ بالنِّساءِ على المرأة )) في أواخر النِّكاح(٢).
قوله: ((هشام) هو الدَّستوائيّ، ويحيى: هو ابن أبي كثير، وقد تقدَّم بيان الاختلاف على هشام
في سَنَده في كتاب اللِّباس في ((باب إخراج المتشَبِّينَ بالنِّساءِ من البيوت)) مع بقيَّة شَرْحِه(٣).
١
قوله: ((وأخرج عمرُ فلانا) سَقَطَ لفظ ((عمرَ)) من رواية غير أبي ذرٍّ، وقد أخرج أبو داود
(٤٩٣٠) الحديث عن مسلم بن إبراهيم شيخ البخاريّ، فيه بعد قوله: ((وقال: أخرجوهم من
بيوتكم، وأخرجوا فلاناً وفلاناً: يعني: المخَِّينَ))، وتقدَّم في اللِّباس (٥٨٨٦) عن معاذ بن فضالة
عن هشام کرواية أبي ذرِّ هنا، وكذا عند أحمد (٢١٢٣) عن يزيد بن هارون وغيره عن هشام،
وذكرت هناك اسمَ مَن نَّفاه النبيُّ وَلِّ من المدينة، ولَم أذكُر اسم الذي نَفاه عمر.
(١) يعني قوله وَّهِ: ((والثَّيِّبُ بالَّيِّبِ: جَلْدُ مئةٍ والرَّجمُ)).
(٢) في سياق شرحه للحديث رقم (٥٢٣٥).
(٣) في شرحه للحديث رقم (٥٨٨٦).

٦٢٢
باب ٣٣ / ح ٦٨٣٤
فتح الباري بشرح البخاري
ثمَّ وقَفت في ((كتاب المُغَرَّبِينَ)) لأبي الحسن المدائني من طريق الوليد بن سعيد قال:
سمعَ عمرُ قوماً يقولون: أبو ذُؤَيب أحسنُ أهل المدينة، فدَعَا به فقال: أنتَ لَعَمري،
١٦٠/١٢ فاخرُج عن المدينة فقال: / إن كنت مُخرِجِي(١) فإلى البصرة حيثُ أخرَجت ابنَ عَمِّي(٢)
نَصرَ بنَ حَجّاجٍ، وذكر قصَّة نَصر بن حَجّاج وهي مشهورة، وساقَ قصَّة جَعدة السُّلَمَيّ،
وأَنَّه كان يَخْرُج مع النِّساء إلى البقيع ويَتَحدَّث إليهنَّ حتَّى كَتَبَ بعضُ الغُزاة إلى عمرَ يَشكو
ذلك فأخرجه. وعن مَسلَمةَ بن محارب عن إسماعيل بن مسلم: أنَّ أُميَّة بن يزيد الأسَديَّ
ومولى مُزَينة كانا يَحَتَكِران الطَّعام بالمدينة فأخرجها عمر، ثمَّ ذكر عِدّة قِصَص لمُبهَم
ومُعيَّنٍ، فيُمكِن التَّسير في هذه القصّة ببعضِ هؤلاء.
قال ابن بَطّال: أشارَ البخاريّ بإيرادِ هذه التَّرجمة عَقِب ترجمة الزّاني إلى أنَّ النَّفي إذا
شُرِعَ في حَقِّ مَن أتى معصيةً لا حَدَّ فيها، فلَأَن يُشرَع في حَقِّ مَن أتى ما فيه حَدٌّ أوْلى، فتَأكَّد
السُّنّة الثّابِتَة بالقياس فَيُرَدُّ(٣) به على مَن عارَضَ السُّنّة بالقياس، فإذا تَعارَضَ القياسان بَقِيَتِ
السُّنّة بلا مُعارضٍ.
واستُدِلَّ به على أنَّ المراد بالمخَِّينَ المتشَبِّهونَ بالنِّساءِ لا مَن يُؤْتَى، فإنَّ ذلك حَدُّه الرَّجمُ،
ومَن وجَبَ رَجُمُهُ لا يُنْفَى، وتُعقّبَ بأنَّ حَدَّه مُخْتَلَفٌ فيه، والأكثر أنَّ حُكمه حُكم الزّاني، فإن
ثَبَتَ عليه جُلِدَ ونُفيَ، لأَنَّه لا يُتصوَّر فيه الإحصانُ، وإن كان يَتَشَبَّه فقط نُفَيَ فقط.
وقيل: إنَّ في التَّرجمة إشارةً إلى ضعف القول الصّائر إلى رَجْم الفاعل والمفعول به، وأنَّ
هذا الحديث الصَّحيح لم يأتِ فيه إلّ النَّفيُ، وفي هذا نظر لأَنَّه لم يَثبت عن أحد ثمّن أخرجهم
النبيّ ◌َ﴿ أَنَّه كان يُؤْتَى، وقد أخرج أبو داود (٤٩٢٨) من طريق أبي هاشم عن أبي هريرة:
أنَّ رسول الله وَّهِ أُتِيَ بِمُخَنَّثٍ قد خَضَّبَ يَدَيه ورِجلَيه فقال: ((ما بالُ هذا؟)) قيل: يَتَشَبَّه
(١) في (س): ((تخرجني)).
(٢) في (س): ((يا عمر)) بدل ((ابن عمّي)) وهو تحريف، والمثبت من الأصلين، ومثله وقع في ((الطبقات الكبرى))
لابن سعد ٢٨٥/٣، وعنده «أبو ذئب)) بدل («أبو ذؤيب)).
(٣) في (س): ((لِيُرَدّ)).

٦٢٣
باب ٣٤ / ح ٦٨٣٥ -٦٨٣٦
كتاب الحدود
بالنِّساء، فأمَرَ به فنُفَيَ إلى النَّقيع(١)، يعني: بالنُّون، والله أعلم.
٣٤ - باب مَنْ أمرَ غيرَ الإمام بإقامة الحدّ غائباً عنه
٦٨٣٥، و٦٨٣٦ - حدَّثنا عاصمُ بنُ عليٍّ، حدَّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ، عن الزُّهْريِّ، عن
عُبيدِ الله، عن أبي هريرةَ وزيدِ بنِ خالٍ: أنَّ رجلاً منَ الأعراب جاء إلى النبيِّ ◌َّ وهو جالسٌ،
فقال: يا رسولَ الله، اقضٍ بكتاب الله، فقامَ خَصْمُه، فقال: صَدَقَ، اقضٍ له یا رسولَ الله بكتاب الله،
إنَّ ابني كان عَسِيفاً على هذا فزَنَى بامرأتِهِ، فأخبَرَوني أنَّ على ابني الرَّجْمَ، فافتَدَيتُ بمئةٍ منَ الغنمِ
ووَلِيدَةٍ ثُمَّ سألتُ أهلَ العِلْمِ، فَزَعَموا أنَّ ما على ابني جَلْدُ مثّةٍ وَتَغْرِيبُ عامِ، فقال: ((والذي نفسي
بَيَدِه لأقضِيَنَّ بينَكُما بكتاب الله، أمَّا الغنمُ والوليدةُ فَرَدٌّ عليكَ، وعلى ابنِكَ جَلْدُ مئةٍ وتَغْرِيبُ عامِ،
وأمّا أنتَ يا أُنيسُ فاغدُ على امرأةِ هذا فارجمْها)» فغَدا أُنْيسٌ فَرَجَمَها.
قوله: ((باب مَن أمَرَ غيرَ الإمام بإقامةِ الحدّ غائباً عنه)) قال الكِرْمانيُّ: في هذا التَّركيب قَلَقٌ،
وكان الأوْلى أن يُبدِلَ لفظَ: ((غيرَ)) بالضَّمير فيقول: مَن أمَرَه الإمام، إلى آخره.
وقال ابن بَطّال: قد تَرجَمَ بعدُ، يعني: في آخر أبواب الحدود ((هل يأمرُ الإمام رجلاً فيَضرِب
الحدّ غائباً عنه))(٢)، ومعنى التَّرجمَتَيْنِ واحدٌ، كذا قال، ويظهر لي أنَّ بينهما تَغايراً من جهة أنَّ قوله
في الأوَّل: غائباً عنه حالٌ من المأمور وهو الذي يُقيم الحدّ، وفي الآخر حالٌّ من الذي يُقام عليه
الحدّ.
ثم ذكر حديث أبي هريرة وزيد بن خالد في قصَّة العَسيف، وقد مَضَى شرحُه مُستَوفَی قريباً
(٦٨٢٧ , ٦٨٢٨).
وقوله في هذه الرِّواية: ((فقامَ خَصمه فقال: صَدَقَ، اقضِ له يا رسول الله بكتاب الله،
إِنَّ ابني)) قال الكِرْمانيُّ: القائل هو الأعرابيّ لا خَصمُه، لأنَّه وَقَعَ في كتاب المُلح (٢٦٩٥
و٢٦٩٦): جاء أعرابيّ فقال: يا رسول الله، اقضِ بيننا بكتابِ الله، فقامَ خَصمُه وقال: صَدَقَ
(١) في إسناده مجهولان وقال المنذري في ((الترغيب والترهيب)) ١٠٦/٣: وفي متنه نكارة.
(٢) هو الباب رقم (٤٦) قبل الحديث رقم (٦٨٥٩).

٦٢٤
باب ٣٥
فتح الباري بشرح البخاري
اقضٍ بيننا بكتابِ الله، فقال الأعرابيّ: إنَّ ابني كان عَسيفاً. قلت: بل الذي قال: اقضٍ بيننا:
١٦١/١٢ هو والد/ العَسيف، ففي الرِّواية الماضية قريباً في باب الاعتراف بالزّنى (٦٨٢٧ و٦٨٢٨): فقامَ
خَصمه وكان أفقَهَ منه فقال: اقضِ بيننا بكتابِ الله وأذن لي ... إلى آخره، هذه رواية سفيان بن
عُيَيْنَةَ ووافَقَه الجمهور، فتقدَّمَت رواية مالكٍ في الأيمان والنُّذور (٦٦٣٣ و٦٦٣٤) وروايةٌ
اللَّيث في الشُّروط (٢٣١٤ و٢٣١٥)، وتأتي رواية صالح بن كَيْسانَ (٧٢٥٨ و٧٢٥٩)، وشُعَيب
ابن أبي حمزة في خَبَر الواحد (٧٢٦٠) (١)، وكذا أخرجه مسلم (١٦٩٧ و١٦٩٨) من رواية
اللَّيث وصالح بن كَيْسانَ ومَعمَر وساقَه على لفظ اللَّيث.
ومع ذلك فالاختلاف في هذا على ابن أبي ذِئْب، فإنَّه رواه عن الزُّهْريّ هنا وفي الصُلح
(٢٦٩٥ و٢٦٩٦)، فالراوي له في الصُّلح عن ابن أبي ذِئْب آدمُ بن أبي إياس، وهُنا عاصم
ابن عليّ، وقد أخرجه الإسماعيليّ من طريق يزيد بن هارون عن ابن أبي ذِئْب فوافَقَ عاصمَ
ابن عليّ وهذا هو المعتمد، وإنَّ قوله في رواية آدم: فقال الأعرابيّ، زيادةٌ إلّا إن كان كلّ من
الخَصمَينِ مُتَّصِفاً بهذا الوصف، وليس ذلك ببعيدٍ، والله أعلم.
٣٥- باب قول الله تعالی
﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ﴾ [النساء: ٢٥].
﴿غَيْرَ مُسَفِحَتٍ﴾: زَوَانٍ، ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ﴾: أخِلّاء.
قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَن يَنَكِحَ الْمُحْصَنَتِ
اُلْمُؤْمِنَتِ﴾ الآية)) كذا لأبي ذرٍّ وساقَ في رواية كَرِيمة إلى قوله: ﴿وَاَللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾، قال
الواحديّ قُرِئَ: ﴿اَلْمُحْصَنَتِ﴾ في القرآن بكسر الصّاد وفتحِها إلّا في قوله تعالى:
﴿وَالْمُحْصَنَثُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] فبالفتح جَزماً، وقُرِئَ ﴿فَإِذَآ
أُحْصِنَ﴾ بالضَّمِّ وبالفتح، فبالضَّمِّ معناه: التَّزويج، وبالفتح معناه: الإسلام.
وقال غيره: اختُلِفَ في إحصان الأَمة، فقال الأكثر: إحصائُها التَّزويج، وقيل: العِتْقُ، وعن
(١) من رواية أبي هريرة ﴾ وحده دون ذکر زید بن خالد.

٦٢٥
باب ٣٥
كتاب الحدود
ابن عبّاس وطائفة: إحصانها التَّزويج، ونَصَرَه أبو عُبيد وإسماعيل القاضي واحتَجَّ له بأنَّه
تقدَّم في الآية قوله تعالى: ﴿مِّن فَنَيَتِّكُمُ الْمُؤْمِنَتِ﴾ فَيَبَعُد أن يقول بعده: فإذا أسلَمنَ،
قال: فإن كان المراد التّزويجَ كان مفهومه أنَّها قبل أن تَتزوَّج لا يجب عليها الحدّ إذا زَنَت،
وقد أخَذَ به ابن عبّاس فقال: لا حَدَّ على الأَمة إذا زَنَت قبل أن تَتزوَّج، وبه قال جماعة من
التابعين، وهو قول أبي عُبيد القاسم بن سَلّام، وهو وجهٌ للشّافعيَّة، واحتَجَّ بما أخرجه
الطبرانيُّ(١) من حديث ابن عبّاس: (ليس على الأَمة حَدٌّ حتَّى تُحُصَن)) وسنده حَسَنٌ، لكنِ
اختُلِفَ في رَفْعه ووَقْفه والأرجَح وقفُه، وبذلك جَزَمَ ابن خُزَيمةَ وغيرُه.
وادَّعَى ابن شاهين في ((الناسخ والمنسوخ)) أنَّه منسوخ بحديثِ الباب، وتُعقّبَ بأنَّ
النَّسخ يحتاج إلى التاريخ وهو لم يُعلَم، وقد عارَضَه حديث عليٍّ: «أقيمُوا الحدودَ على أرِقّائكم
مَن أُحصِنَ منهم ومَن لم يُحصَن))(٢) واختُلِفَ أيضاً في رَفْعِه ووَقْفِه، والرَّاجح أنَّه موقوف،
لكنَّ سياقه في مسلم (١٧٠٥) يدلّ على رفعه فالتَّمَسُّك به أقوى، وإذا حُلَ الإحصان في
الحديث على التَّزويج، وفي الآية على الإسلام حَصَلَ الجمع، وقد بيَّنتِ السُّنّة أنَّها إذا زَنَت
قبلَ الإحصان تُجَد.
. وقال غيره: التَّقيد بالإحصان يفيد أنَّ الحُكم في حَقِّها الجلد لا الرَّجم، فأُخِذَ حُكم ◌ِناها
بعد الإحصان من الكتاب، وحُكم زِناها قبل الإحصان من السُّنّة، والحكمةُ فيه أنَّ الرَّجم
لا يَتَنَصَّف فاستَمرَّ حُكم الجلد في حَقِّها.
قال البيهقيُّ: ويحتمل أن يكون نُصَّ على الجلد في أكمَلِ حالَيها ليُستَدَلَّ به على سُقوط
الرَّجم عنها لا على إرادة إسقاط الجلد عنها إذا لم تَتزوَّج، وقد بيَّنتِ السُّنّة أنَّ عليها الجلد
وإن/لم تُحِصَن.
قوله: (﴿غَيْرَ مُسَفِحَتٍ﴾: زَوَاني، ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾: أخِلّاء)) بفتح الهمزة وكسر
١٦٢/١٢٠
(١) وهو في ((الأوسط)) (٤٧٨) و(٣٨٣٤).
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده)) (١٣٤١) ومسلم (١٧٠٥) والترمذي (١٤٤١).

٦٢٦
باب ٣٥م / ح ٦٨٣٧ -٦٨٣٨
فتح الباري بشرح البخاري
المعجَمة والتَّشديد جمعُ خَليلٍ، وهذا التَّسير ثَبَتَ في رواية المُستَمْلي وحده، وقد أخرجه
ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس ◌ِمِثْلَه.
والمسافحاتُ: جمع مُسافِحَةٍ، مأخوذٌ من السِّفاح، وهو من أسماء الزِّنى. والأخدانُ: جمعُ
خِدْنٍ بكسر أوَّله وسكون ثانيه وهو الخَدِيْنُ، والمراد به الصّاحب، قال الرَّاغِب: وأكثرُ ما
يُستَعمَل فيمَن يُصاحب غيرَه بشَهوةٍ، وأمَّا قول الشّاعر في المدح: خَدين المعالي(١)، فهو استعارة.
قلت: والنُّكنة فيه أنَّه جعله يَشتَهي مَعاليَ الأُمورِ كما يَشتَهي غيرُهُ الصّورةَ الجميلةَ
فجعله خَديناً لها. وقال غيرُه: الحَدِينُ: الخليلُ في السّرّ.
٣٥°م- باب إذا زَنَتِ الأَمُ
٦٨٣٧، ٦٨٣٨ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُبيدِ الله بنِ
عبدِ الله، عن أبي هريرةَ وزيدِ بنِ خالدٍ رضي الله عنهما: أنَّ رسولَ الله وَّ سُئلَ عن الأَمةِ إذا
زَنَت ولم تُحْصَنْ؟ قال: ((إذا زَنَت فاجْلِدُوها، ثمَّ إن زَنَت فاجْلِدُوها، ثمَّ إن زَنَت فاجْلِدُوها،
ثَمَّ بِيعُوها ولو بضَغِيرٍ)).
قال ابنُ شِهابٍ: لا أدري بعدَ الثّالثةِ، أو الرَّابعةِ.
قوله: ((باب إذا زَنَتِ الأَمةُ)) أي: ما يكون حُكمها؟ وسَقَطَت هذه التَّرجمة للأصِيلِيّ، وجَرَى
على ذلك ابن بَطّال وصارَ الحديث المذكور فيها حديثَ الباب المذكور قبلها، ولكنْ صَرَّحَ
الإسماعيليّ بأنَّ الباب الذي قبلها لا حديثَ فيه، وقد تقدَّم الجواب عن نَظيره وأنَّه إمّا أن يكون
أخلَى بياضاً في المسوّدة فسَدَّه النُّاخِ بعده، وإمّا أن يكون اكتَفَى بالآية وتأويلها عنِ الحديثِ
المرفوع، وهذا هو الأقرب؛ لكثرة وجودمِثلِه في الكتاب.
قوله: ((عن أبي هريرة وزيدٍ بن خالد)) سَبَقَ الَّنبيهُ في شرح قصَّة العَسيف (٦٨٢٧ و٦٨٢٨)
(١) كذا وقع في الأصلين و(س)، مع أنَّ الذي في مطبوع ((المفردات)) للراغب: ((خَدِينُ العُلى)»، وهو الظاهر،
فقد جاء في بيتٍ لأبي تمام، کما في ((ديوانه)) ص٢٦:
خَدِينُ العُلى أبقى له البَذْلُ والنُّهَى عَواقِبَ من عُرفٍ كَفَتْهُ العَواقِبا

٦٢٧
باب ٣٥م / ح ٦٨٣٨
كتاب الحدود
على أنَّ الزُّبَيدِيّ ويونس زادا معاً في روايتهما لهذا الحديث عن الزُّهْرِيّ شِبْلَ بن خُلَيْدٍ(١) أو
ابنَ حامد، وتقدَّم بيانه مُفَصَّلاً.
قوله: ((سُئلَ عن الأَمةِ)) في رواية حُميد بن عبد الرَّحمن عن أبي هريرة (٢): أتى رجلٌ
النبيَّ ◌َّه فقال: إنَّ جاريَتي زَنَت فَتَبَيَّ زِناها، قال: ((اجلِدْها)) ولم أَقِفْ على اسم هذا
الرجل.
قوله: ((إذا زَنَت ولَم تُحْصَن)) تقدَّم القول في المراد بهذا الإحصان، قال ابن بَطّال: زَعَمَ
مَن قال: لا جَلْدَ عليها قبل التَّزويج بأنَّه لم يَقُل في هذا الحديث: ولَم تُحصَن، غيرَ مالكِ،
وليس كما زَعَموا فقد رواه يحيى بن سعيد الأنصاريّ عن ابن شهاب كما قال مالك، وكذا
رواه طائفة عن ابن عُیینةً عنه.
قلت: رواية يحيى بن سعيد أخرجها النَّسائيُّ (ك ٧٢١٧) ورواية ابن عُيَينةَ تقدَّمَت في
البيوع (٢٥٥٥ و٢٥٥٦) ليس فيها: ((ولَم ◌ُحصَن)) وزادَها النَّسائيُّ (ك ٧٢٢٠) في روايته
عن الحارث بن مِسْكين عن ابن عُيَينةَ بلفظ: سُئلَ عن الأَمة تَزني قبل أن تُحصَن، وكذا عند
ابن ماجَهْ (٢٥٦٥) عن أبي بكر بن أبي شَيْبة ومحمَّد بن الصَّبّاح كلاهما عن ابن عُبَينةَ، وقد
رواه عن ابن شِهاب أيضاً صالح بن كَيْسانَ كما قال مالكٌ، وتقدَّمت روايته في کتاب
البيوع (٢٢٣٢ و٢٢٣٣) في ((باب بيع المدَبَّر)) وكذا أخرجها(٣) مسلم (١٧٠٤/٣٣) والنَّسائيُّ
(ك ٧٢١٨)، ووَقَعَ في رواية سعيد المقبريِّ عن أبيه عن أبي هريرة هناك (٢٢٣٤) بدونها،
وسيأتي قريباً أيضاً (٦٨٣٩)، وعلى تقدير أنَّ مالكاً تفرَّد بها فهو من الحُفّاظ وزيادته مقبولة،
وقد سَبَقَ الجواب عن مفهومها.
قوله: ((قال: إن زَنَت فاجْلِدُوها)» قيل: أعادَ الزّنى في الجواب غير مُقيّد بالإحصان للتَّنبيه على
أَنَّه لا أثر له، وأنَّ موجِبَ الحدّ في الأَمة مُطلَق الزِّنى، ومعنى: ((اجلِدوها)) الحدّ اللّائقَ بها المبيَّن
(١) تحرَّف في (س) إلى: خليل.
(٢) رواية حُميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ﴾ أخرجها النسائي في ((الكبرى)) (٧٢١٥) و(٧٢١٦).
(٣) تحرّف في (س) إلى: ((أخرجهما)).

٦٢٨
باب ٣٥م / ح ٦٨٣٨
فتح الباري بشرح البخاري
في الآية وهو نصف ما على الحُرّة، وقد وَقَعَ في رواية أُخرى عن أبي هريرة (٢٢٣٤):
١٦٣/١٢ ((فليَجلِدها الحدّ)) والخِطابُ/ في ((اجلِدوها)) لمن يَملِك الأَمة، فاستُدِلَّ به على أنَّ السَّيِّد يُقيم
الحدّ على مَن يَملِكُه من جارية وعبد، أمَّا الجارية فبالنَّصِّ، وأمَّا العَبد فبالإلحاق.
وقد اختَلَفَ السَّلَف فيمَن يُقيم الحدود على الأرِّاء: فقالت طائفة: لا يُقيمها إلّا الإمام أو
مَن يأذَن له وهو قول الحنفيَّة، وعن الأوزاعيِّ والثَّوْريِّ: لا يُقيم السَّيِّد إلّا حَدّ الزّنى، واحتَجَّ
الطَّحاويُّ بما أورَدَه من طريق مسلم بن يسار قال: كان أبو عبد الله رجل من الصحابة يقول:
الزكاة والحدود والفَيء والجمعة إلى السُّلطان.
قال الطَّحاويُّ: لا نَعلَم له مخالفاً من الصحابة. وتَعقَّبَه ابن حَزْم فقال: بل خالَفَه اثنا
عشرَ نفساً من الصحابة، وقال آخرونَ يُقيمها السَّيِّد ولو لم يأذَن له الإمام وهو قول
الشافعيّ، وأخرج عبد الرَّزّاق (١٣٦١٠) بسندٍ صحيح عن ابن عمر: في الأَمة إذا زَنَت
ولا زوجَ لها يَحُدُّها سَيِّدُها، فإن كانت ذات زوج فأمرُها إلى الإمام. وبه قال مالكٌ، إلّا إن
كان زوجها عبداً لسَيِّدِها فأمرُها إلى السَّيِّد، واستَئنَى مالكٌ القطع في السَّرِقة، وهو وجهٌ
للشّافعيَّة وفي آخر يُستَنَى حَدُّ الشُّرب.
واحتُجَّ للمالكيَّة بأنَّ في القَطْعِ مُثْلَةً فلا يُؤْمَنُ السَّيِّد أن يريد أن يُمَثِّل بعبده، فيُخشَى
أن يَتَّصِل الأمر بمَن يَعْتَقِد أنَّه يَعْتِقِ بذلك فيَدَّعي عليه السَّرِقة لئلّا يَعْتِقِ فُمنَع من
مُبَاشَرَته القطعَ سَدّاً للذَّريعة، وأخَذَ بعض المالكيَّة من هذا التَّعليل اختصاصَ ذلك بما إذا
كان مُستَنَدُ السَّرِقة عِلمَ السَّيِّد أو الإقرار، بخِلَاف ما لو ثَبَتَت بالبيِّنَة فإنَّه يجوز للسَّيِّدِ
لفَقدِ العِلّة المذكورة، وحُجّة الجمهور حديث عليٍّ المشار إليه قبل وهو عند مسلم (١٧٠٥)
والثلاثة(١)، وعند الشافعيَّة خِلَاف في اشتِراط أهليَّة السَّيِّد لذلك، وتَسَّكَ مَن لم يَشتَرِط
بأنَّ سبيلَه سبيلُ الاستصلاح فلا يَفتَقِر للأهليَّة.
وقال ابن حَزْم: يُقيمه السَّيِّد إلّا إن كان كافراً، واحتَجَّ بأنَهم لا يُقرّونَ إلّا بالصَّغَارِ(٢)
(١) أخرجه أبو داود (٤٤٧٣)، والترمذي (١٤٤١)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧٢٢٨).
(٢) تحرَّف في الأصلين إلى: بالصغائر، وجاء على الصواب في (س)، وكذا نقل الصنعاني في ((سبل السلام))

٦٢٩
باب ٣٥م/ ح ٦٨٣٨
كتاب الحدود
وفي تسليطه على إقامة الحدّ مُنافاةٌ لذلك.
وقال ابن العربيّ: في قول مالكٍ إن كانت الأَمة ذاتَ زوج لم يَحُدّها الإمام من أجل أنَّ
للزَّوجِ تَعلُّقاً بالفَرج في حِفظه عن النَّسَب الباطِل والماء الفاسد، لكنَّ حديث النبيّ ◌َّ
أوْلى أن يُتَّبَع، يعني: حديث عليّ المذكور الدّالّ على التَّعميم في ذات الَّوج وغيرها. وقد
وَقَعَ في بعض طرقه: ((مَن أُحصِنَ منهم ومَن لم يُحصَن))(١).
قوله: ((ثمَّ بيعُوها ولو بضَفيِرٍ)) بفتح الضّاد المعجَمة غير المُشالَة ثمَّ فاء، أي: المَضْفور
فَعِيل بمعنى مفعول، زاد يونس وابن أخي الزُّهْريّ والزُّبَيديّ ويحيى بن سعيد كلّهم عن ابن
شِهاب عند النَّسائيّ(٢): ((والضَّفيُر: الحَبْلُ)) وهكذا أخرجه عن قُتَيبة عن مالك (ك ٧٢١٩)
وزادَها عَّار بن أبي فَرْوة عن محمَّد بن مسلم وهو ابن شِهاب الزّهْريّ عند النَّسائيِّ
(ك ٧٢٢٥) وابن ماجَهْ (٢٥٦٦)، لكن خالَفَ في الإسناد فقال: إنَّ محمَّد بن مسلم حدَّثه
أنَّ عُرْوة وعَمْرَة حَدَّثاه(٣) أنَّ عائشة حدَّثته أنَّ رسول اللهِوَ ◌ّه قال: ((إذا زَنَتِ الأَمة فاجلِدُوها»
وقال في آخره: ((ولو بضَفيِرٍ، والضَّغيرُ: الحَبْلُ)) وقوله: ((والصَّفيرُ: الحبل)) مُدرَج في هذا
الحديث من قول الزُّهْريّ على ما بيَّن في رواية القَعنبيّ عن مالك عند مسلم (١٧٠٣/ ٣٢)
وأبي داود (٤٤٦٩) فقال في آخره: قال ابن شِهاب: والضَّغيرُ: الحَبْلُ، وكذلك ذكره
الدّارَ قُطنيُّ في ((الموطَّت)) منسوباً لجميع مَن روى الموطَّأ إلّا ابن مَهديّ فإنَّ ظاهر سياقه أنَّه
أدرَجَه أيضاً، ومنهم مَن لم يَذكُر قوله: والضَّفيرُ: الحَبْل کما في رواية الباب.
قوله: ((قال ابن شِهاب)) هو موصول بالسَّنَدِ المذكور.
قوله: ((لا أدْري بَعْد الثّالثة أو الرَّابِعة)» لم يُخْتَلَف في رواية مالك في هذا، وكذا في رواية
صالح بن كَيْسانَ وابن عُبَينَةَ، وكذا في رواية يونس والزُّبَيديِّ (ك ٧٢٢١ و٧٢٢٣) عن الزُّهْرِيِّ
٤١٥/٢ هذه العبارة على الصواب.
(١) عند مسلم (١٧٠٥) وغيره.
(٢) في ((السنن الكبرى)) بالأرقام التالية على الترتيب المذكور (٧٢٢١) و(٧٢٢٢) و(٧٢٢٣) و(٧٢١٧).
(٣) وفي رواية أخرى عنده لعمار بن أبي فروة (٧٢٢٤) قال فيها: عن محمد بن مسلم الزهري، عن عروة، عن
عمرة، عن عائشة.

٦٣٠
باب ٣٠م / ح ٦٨٣٨
فتح الباري بشرح البخاري
عند النَّسائيّ، وكذا في رواية مَعمَر عند مسلم (٣٣/١٧٠٤) وأدرَجَه في رواية يحيى بن
سعيد عند النَّسائيِّ ولفظه: ((ثمَّ إن زَنَت فاجلِدوها، ثمَّ بيعوها ولو بضَفيرٍ بعد الثّالثة أو
الرَّابِعة)) ولَم يَقُل: قال ابن شهاب، وعن قُتَيبة عن مالك كذلك، وأُدرِجَ أيضاً في رواية عمار بن
أبي فَرْوة عن الزُّهْريّ في حديث عائشة عند النَّسائيِّ(١)، والصَّواب التَّفصيل.
١٦٤/١٢
وأمَّا الشكّ / في الثّالثة أو الرَّابِعة فوَقَعَ في روايةٍ أبي صالح عن أبي هريرة عند التِّرمِذيّ
(١٤٤٠): ((فليَجلِدها ثلاثاً، فإن عادت فليَيِعها)) ونحوه في مُرسَل ◌ِكْرمة عند أبي قُرَة
بلفظ: ((وإذا زَنَتِ الرَّابِعة فبيعوها)»، ووَقَعَ في رواية سعيد المقبريِّ المذكورة في الباب الذي
يليه: ((ثُمَّ إِن زَنَتِ الثّالثة فليَيِعْها».
ومُحُصَّل الاختلاف هل يَجلِدها في الرَّابِعة قبل البيع أو يبيعها بلا جَلٍ؟ والرَّاجح
الأوَّل، ويكون سُكوت مَن سَكَتَ عنه للعِلم بأنَّ الحَدَّ(٢) لا يُترَك ولا يقوم البيع مقامه،
ويُمكِن الجمع بأنَّ البيع يقع بعد المرّة الثّالثة في الجلد لأنَّه المحقّق فيُلغَى الشكّ، والاعتماد
على الثلاث في كثير من الأُمور المشروعة.
وقوله: ((ولو بضَفيرٍ)) أي: حَبل مَضْفورٍ، ووَقَعَ في رواية المقبُرَيِّ(٣): ((ولو بحَبلٍ من
شَعَرٍ)) وأصلُ الضَّفر: نَسج الشَّعر وإدخال بعضه في بعض، ومنه ضَفائر شَعر الرَّأس
للمرأة والرجل، قيل: لا يكون مَضفوراً إلّا إن كان من ثلاث، وقيل: شرطُه أن يكون عَريضاً
وفيه نظرٌ.
وفي الحديث: أنَّ الزّنى عَيب يُردُّ به الرَّقيقُ للأمرِ بالخَطِّ من قيمة المرقوق إذا وُجِدَ منه
الزِّنى، كذا جَزَمَ به النَّوويّ تَبَعاً لغيره، وتَوقَّفَ فيه ابن دقيق العيد لجوازٍ أن يكون المقصود
الأمرَ بالبيع، ولو انحَطَّتِ القيمة فيكون ذلك مُتعلِّقاً بأمرٍ وجوديّ لا إخباراً عن حُكم شَرعيّ،
إذ ليس في الخبر تصريحٌ بالأمرِ من حَطِّ القيمة.
(١) لم يقع ذلك مُدرجاً في رواية عمار بن أبي فروة! وإنما المدرج تفسير الضفير بالحبل كما قدَّمه الحافظ قريباً.
(٢) في (س): ((الجلد)) بدل ((الحد)).
(٣) سلفت برقم (٢١٥٢) و(٢٢٣٤)، وستأتي في الباب التالي برقم (٦٨٣٩)، وهي عند مسلم برقم (١٧٠٣).

٦٣١
باب ٣٥م / ح ٦٨٣٨
كتاب الحدود
وفيه أنَّ مَن زَنَى فأُقيم عليه الحدّ ثمَّ عادَ أُعيدَ عليه، بخِلَاف مَن زَنَى مِراراً، فإنَّه يُكتَفَى
فيه بإقامة الحدّ عليه مرَّة واحدة على الرَّاجح.
وفيه الزَّجر عن مُخَالَطة الفُسّاق ومُعاشَرَتهم ولو كانوا من الألزام إذا تَكَرَّرَ زَجْرُهم ولَم
يَرتَدِعوا، ويقع الزَّجر بإقامة الحدّ فيما شُرِعَ فيه الحدّ وبالتَّعزير فيما لا حَدَّفيه.
وفيه جواز عطف الأمر المقتَضي للنَّبِ على الأمر المقتَضي للوجوبِ؛ لأنَّ الأمر بالجلدِ
واجبٌ والأمر بالبيع مندوبٌ عند الجمهور خِلَافاً لأبي ثَور وأهل الظّاهر، واذَّعَی بعض
الشافعيَّة أنَّ سبب صَرف الأمر عن الوجوب أنَّه منسوخ، وثمّن حكاه ابن الرِّفعة في المطلَب
ويحتاج إلى ثُبُوت.
وقال ابن بَطّال: ◌َلَ الفقهاء الأمر بالبيع على الحَضّ على مُبَاعَدَةٍ(١) مَن تَكَرَّرَ منه الزِّنى
لئلّا يُظنّ بالسَّيِّدِ الرِّضا بذلك، ولما في ذلك من الوسيلة إلى تكثير أولاد الزّنى، قال: وحَمَلَه
بعضهم على الوجوب، ولا سَلَفَ له من الأُمّة، فلا يُشْتَغَلُ(٢) به، وقد ثَبَتَ النَّهي عن إضاعة
المال فكيف يجب بيع الأَمة ذات القيمة بحَبلِ من شَعر لا قيمة له؟ فدَلَّ على أنَّ المراد الزَّجر
عن مُعاشرة مَن تَكَرَّرَ منه ذلك.
وتُعقّب بأنَّه لا دلالة فیه علی بیع الثَّمین بالحقیر، وإن كان بعضُهم قد استدلَّ به على جواز بيع
المطلَقِ التَّصَرُّفِ ماَلَه بدون قيمِهِ ولو كان بما يُتَغْابَنِ بِمِثْلِهِ إلّا أنَّ قوله: ((ولو بحَبلِ من شَعر)) لا
يُراد به ظاهره، وإِنَّمَا ذُكِرَ للمُبالَغة كما وَقَعَ في حديث: ((مَن بَنَى الله مسجداً ولو كَمَفحَصٍ قَطاة)»(٣)
على أحد الأجوبة، لأنَّ قَدْرَ المَفْحَص لا يَسَع أن يكون مسجداً حقيقة، فلو وَقَعَ ذلك في عين
مملوكة لِمَحجورٍ فلا يبيعها وليُّه إلّا بالقيمة، ويحتمل أن يَطَّرِد لأنَّ عَيب الزِّنى تَنقُص به القيمة
عند كلّ أحد، فيكون بيعها بالنَّقْصان بيعاً بَثَمَنِ المثل؛ نَبَّهَ عليه القاضي عياض ومَنْ تَبِعَه.
(١) تحرَّف في (س) إلى: ((مساعدة)).
(٢) يعني: لا يُلتفت إليه لشُذوذه، وتحرَّف في (س) إلى: ((يُستقل)).
(٣) أخرجه ابن ماجه (٧٣٨) من حديث جابر بن عبد الله بسند صحيح.

٦٣٢
باب ٣٥م / ح ٦٨٣٨
فتح الباري بشرح البخاري
وقال ابن العربيّ: المراد من الحديث الإسراعُ بالبيع وإمضاؤُه ولا يُتَرَبَّصُ به طلبُ الرَّاغِب
في الزّيادة، وليس المراد بيعه بقيمة الحبل حقيقة.
وفيه أنَّه يجب على البائع أن يُعلم المشتَريَ بعَيبِ السِّلعة، لأنَّ قيمتها إِنَّمَا تَنقُص مع العلم
بالعَيبِ، حكاه ابن دقيق العيد، وتَعقَّبَه بأنَّ العَيب لو لم يُعلَم لمْ تَنقُصِ القيمةُ، فلا يَتَوقَّف على
الإعلام.
واستُشكِلَ الأمر ببيع الرَّقيق إذا زَنَى مع أنَّ كلّ مُؤمِن مأمور أن يرى لأخيه ما يرى لنفسِه،
ومن لازِم البيع أن يوافق أخاه المؤمن على أن يَقتَنَيَ ما لا يَرضَى اقتناءَه لنفسِه.
وأُجِيبَ بأنَّ السَّبَب الذي باعَه لأجلِه ليس مُحُقَّق الوقوع عند المشتَري لجوازِ أن يَرَدِع
الرَّقيق إذا علم أنَّه متى عادَ أُخرِجَ، فإنَّ الإخراج من الوطن المألوف شاقٌ، ولجوازٍ أن يقعَ
١٦٥/١٢ الإعفاف عند المشتَري بنفسِه أو بغيره، قال/ ابن العربيّ: يُرجَى عند تَبديل المحَلّ تَبديل الحال،
ومن المعلوم أنَّ للمُجاورة تأثيراً في الطاعة وفي المعصية.
قال النَّوويّ: وفيه أنَّ الزّاني إذا حُدَّ ثمَّ زَنَى لَزِمَه حَدٌّ آخر ثمَّ كذلك أبداً، فإذا زَنَى مرَّات
ولَم يُحدّ فلا يَلِزَمه إلَّ حَدٌّ واحدٌ.
قلت: من قوله: فإذا زَنَى، ابتداءُ كلام قاله لتَكميلِ الفائدة، وإلّا فليس في الحدیث ما
يدلّ عليه إثباتاً ولا نفياً بخِلَاف الشِّقّ الأوَّل فإنَّه ظاهر.
وفيه إشارة إلى أنَّ العُقوبة في التَّعزيرات إذا لم يُفِد مقصودُها من الزَّجر لا يُفعَل لأنَّ إقامة
الحدّ واجبة، فلمَّا تَكَرَّرَ ذلك ولَم يُفِد عَدَلَ إلى تَرك شرط إقامته على السَّيِّد وهو المِلك،
ولذلك قال: ((بيعوها)) ولَم يَقُل: اجلِدوها كلَّما زَنَت، ذكره ابن دقيق العيد، وقال: قد تَعرَّضَ
إمام الحرمَينِ لشيءٍ من ذلك فقال: إذا علم المعَزِّر في أنَّ التَّأديب لا يَحَصُل إلّا بالضَّربِ المبرِّح
فليَترُكه لأنَّ المبرِّح يُهلِك وليس له الإهلاك، وغير المبرِّح لا يفيد.
قال الرّافعيّ: وهو مَبنيّ على أنَّ الإمام لا يجب عليه تَعزير مَن يَسْتَحِقّ التَّعزيرَ، فإن قلنا:

٦٣٣
باب ٣٦ / ح ٦٨٣٩
كتاب الحدود
يجبُ؛ التَحَقَ بالحدِّ، فليُعزِّره بغير المبرِّح وإن لم يَنزَجِر.
وفيه أنَّ السَّيِّدِ يُقيم الحدّ على عبده وإن لم يَستأذِن السُّلطانَ، وسيأتي البحث فيه بعد
ثلاثة أبواب(١).
٣٦ - باب لا يُرَّب على الأَمة إذا زَنَت ولا تُنفى
٦٨٣٩- حدّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن سعيدِ المقبُريِّ، عن أبيه، عن أبي
هريرةَ، أَنَّه سمعَه يقول: قال النبيُّ ◌ََّ: ((إذا زَنَتِ الأَمَةُ فَتَبيَّن زِناها فلْيَجْلِدْها ولا يُثَرِّب، ثمَّ
إن زَنَت فلْيَجْلِذْها ولا يُثَرِّب، ثمَّ إن زَنَتِ الثّالثةَ فَلْيَبِعْها ولو بحَبْلٍ من شَعَرٍ)).
تَابَعَه إسماعيلُ بنُ أُميَّةً، عن سعيدٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ◌َثّ.
قوله: ((باب لا يُثَرَّب على الأَمَّة إذا زَنَت ولا تُنْفَى)) أمَّا الَّتْرِيب بمُثنَاةٍ ثمَّ مُتلَّة ثمَّ موخَّدة: فهو
التَّعنيف وَزْنَه ومعناه. وقد جاء بلفظ: ((ولا يُعَنِّفُها)) في رواية عُبيد الله العمريِّ عن سعيد المقبريِّ
عند النَّسائيِّ (ك ٧٢٠٨)، وأمَّا النَّفي فاسْتَنَبَطوه من قوله: ((فلسَِعْهَا)) لأنَّ المقصود من النَّفي
الإبعاد عن الوطن الذي وَقَعَت فيه المعصية وهو حاصلٌ بالبيع.
وقال ابن بَطّال: وجه الدّلالة أنَّه قال: ((فليَجلِدْها)) وقال: ((فليَبِعْها)» فدَلَّ على سُقوط
النَّفي لأنَّ الذي يُنْفَى لا يُقدَر على تسليمه إلّا بعد مُدّة فأشبَهَ الآبِقَ. قلت: وفيه نظرٌ لجوازٍ
أن يَتَسَلَّمه المشتَري مَسلوب المنفعة مُدّة النَّفي، أو يَتَّفِقِ بيعُه لمن يَتَوجَّه إلى المكان الذي
يَصدُق عليه وجود النَّفي.
وقال ابن العربيّ: تُستَثَنَى الأَمة لُبُوتِ حَقّ السَّيِّد فيُقدَّم على حَقِّ الله، وإنَّما لم يَسقُط
الحدّ لأنَّه الأصلُ والنَّفيُ فرِعٌ. قلت: وتمامُه أن يقال: رُوعَيَ حَقّ السَّيِّد فيه أيضاً بتَركِ
الرَّجم لأنَّه فَوَّتَ المنفَعةَ من أصلِها بخِلَاف الجَلد، واستَمرَّ نفي العَبد إذ لا حَقَّ للسَّيِّدِ في
الاستمتاع به، واستَدَلَّ مَن استَئِنَى نفي الرَّقيق بأنَّه لا وطنَ له، وفي نفيه قطعُ حَقّ السَّيِّد
(١) في شرحه للحديث (٦٨٤٤).

٦٣٤
باب ٣٦ / ح ٦٨٣٩
فتح الباري بشرح البخاري
لأنَّ عُموم الأمر بنفي الزّاني عارَضَه عُموم نَهي المرأة عن السَّفَر بغير المحرَم، وهذا خاصّ
بالإماءِ من الرَّقيقِ دونَ الذُّكور، وبه احتَجَّ مَن قال: لا يُشرَع نفي النِّساء مُطلَقاً كما تقدَّم في
((باب البِكران يُجِلَدان ويُنفَيان)) (٦٨٣١). واختَلَفَ مَن قال بنفي الرَّقيق، فالصَّحيح نصف
سنة، وفي وجهٍ ضعيفٍ عند الشافعيَّة: سنة كاملة، وفي ثالث: لا نفي على رقيق، وهو قول
الأئمّة الثلاثة والأكثر.
قوله: ((إذا زَنَتِ الأَمة فتَّن زِناها)) أي: ظَهَرَ، وشَرَطَ بعضهم أن يظهر بالبيِّنَة مراعاة للفظ
تَبيَّن، وقيل: يُكَتَفَى في ذلك بعِلمِ السَّيِّد.
قوله: ((فلْيَجْلِذْها)) أي: الحدّ الواجب عليها المعروف من صريح الآية: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى
الْمُحْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] ووَقَعَ في رواية النَّسائيِّ (ك ٧٢٠٥) من طريق
الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة: ((فلیجلدها بكتاب الله)).
قوله: ((ولا يُثُرِّب)»/ أي: لا يجمع عليها العقوبة بالجلدِ وبالتَّعيير، وقيل: المراد لا يَقْتَنِعِ
بالتَّوبيخِ دونَ الجلد، وفي رواية سعيد عن أبي هريرة عند عبد الرَّزّاق (١٣٥٩٧): ((ولا
يُعيِّرها ولا يُقنِّدها».
١٦٦/١٢
قال ابن بَطّال: يُؤخَذ منه أنَّ كلّ مَن أُقيم عليه الحدّ لا يُعزَّر بالتَّعنيفِ واللَّوم، وإنَّما
يَلِيق ذلك بمَن صَدَرَ منه قبل أن يُرفَع إلى الإمام للتَّحذير والتَّخويف، فإذا رُفِعَ وأُقيم عليه
الحدّ گفاه.
قلت: وقد تقدَّم قريباً تَهِيُّهُ وَل﴿ عن سَبِّ الذي أُقيم عليه حَدُّ الخمر وقال: ((لا تكونوا
أعواناً للشيطان على أخيكُم))(١).
قوله: ((تابَعَه إسماعيل بن أَميَّة عن سعيد عن أبي هريرة)) يريد في المتن لا في السَّنَد، لأنَّه
نَقَصَ منه قوله: عن أبيه، ورواية إسماعيل وَصَلَها النَّسائيُّ (ك ٧٢١٤) من طريقٍ بِشْر
ابن المفضَّل عن إسماعيل بن أُميَّة ولفظه مِثل اللَّيث، إلّا أنَّه قال: «فإن عادت فَزَنَت
(١) سلف برقم (٦٧٨١) بلفظ: ((لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم)) من حديث أبي هريرة ـ

٦٣٥
باب ٣٧ / ح ٦٨٤٠
كتاب الحدود
فَلَيَبِعْها)) والباقي سواء، ووافَقَ اللَّيثَ على زيادة قوله: ((عن أبيه)) محمَّدُ بن إسحاق
أخرجه مسلم (٣١/١٧٠٣) وأبو داود (٤٤٧١) والنَّسائيُّ (ك٧٢٠٦)، ووافَقَ إسماعيلَ
على حذفه عُبيدُ الله بن عمر العُمَريُّ عندهم(١) وأيوبُ بن موسى عند مسلم (٣١/١٧٠٣)
والنَّسائيِّ (ك٧٢٠٩) ومحمَّدُ بن عَجْلان (ك٧٢١١) وعبدُ الرَّحمن بن إسحاق عند النَّسائيّ
(ك٧٢١٣)، ووَقَعَ في رواية عبد الرَّحمن المذكور عن سعيد: سمعتُ أبا هريرة، ولإسماعيل
فيه شيخ آخر رواه محمَّد بن عبد الرّحمن بن أبي ليلى عنه عن الزُّهْريّ عن مُميد عن أبي
هريرة، أخرجه النَّسائيُّ (ك٧٢١٥) وقال: إنَّه خطأُ والصَّواب الأوَّل، ووَقَعَ في رواية حُميد
هذه بلفظٍ آخر قال: أتى النبيَّ وَلَّ رجلٌ فقال: جاريَتِي زَنَت فَتَبيَّن زِناها، قال: «اجلِدْها
خمسين)) الحديث.
٣٧- باب أحكام أهل الذّة وإحصائِهِم إذا زَنَوا ورُفعوا إلى الإمام
٦٨٤٠- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا عبدُ الواحدِ، حدَّثنا الشَّيبانيُّ: سألتُ
عبد الله ابنَ أبي أوْلَى عن الرَّجْمِ؟ فقال: رَجَمَ النبيُّ ◌َّةِ، فقلتُ: أقبلَ النُّورِ أم بعدَه؟ قال: لا
أذرِي.
تابَعَه عليُّ بنُ مُسْهِرٍ وخالدُ بنُ عبدِ الله والمحارِيُّ وعَبِيدةُ بنُ مُميدٍ، عن الشَّيبانيِّ.
وقال بعضُهمُ: المائدةِ، والأوَّلُ أصحّ.
قوله: ((باب أحكام أهل الذِّمّة)) أي: اليهود والنَّصارَى وسائر مَن تُؤخَذ منه الجِزية.
قوله: ((وإحصائهم إذا زَنَوْا)) يعني: خِلَافاً لمن قال: إنَّ من شُروط الإحصان الإسلام.
قوله: ((ورُفِعوا إلى الإمام)) أي: سواء جاؤوا إلى حاكم المسلمينَ ليُحكِّموه أو رَفَعَهم
إليه غيرُهم مُستَعدِياً (٢) عليهم خِلَافاً لمن قَيَّدَ ذلك بالشِّقِّ الأوَّل، كالحنفيَّة، وسأذكر ذلك
مبسوطاً.
(١) عند مسلم (١٧٠٣) (٣١)، وأبي داود (٤٤٧٠)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧٢٠٨).
(٢) تحرَّف في (س) إلى: متعدياً.

٦٣٦
باب ٣٧ / ح ٦٨٤٠
فتح الباري بشرح البخاري
وذکر فیه حدیثین:
الحديث الأوّل: قوله: ((عبد الواحد)) هو ابن زياد، والشَّيبانيّ: هو أبو إسحاق سليمان.
قوله: ((عن الرَّجْم)) أي: رَجم مَن ثَبَتَ أنَّه زَنَى وهو مُحصَن.
١٦٧/١٢
قوله: ((فقال: رَجَمَ النبيُّ ◌َِ﴿) كذا أطلقَ، فقال/ الكِرْمانيُّ: مُطابَقَته للتَّرجمة من حيثُ
الإطلاق. قلت: والذي ظَهَرَ لي أنَّه جَرَى على عادته في الإشارة إلى ما وَرَدَ في بعض طرق
الحديث، وهو ما أخرجه أحمدُ (١٩١٢٦) والإسماعيليّ والطبرانيُّ من طريق هُشَيم عن الشَّيبانيّ
قال: قلت [لعبد الله بن أبي أوفى](١) هل رَجَمَ النبيّ ◌ِ لّ؟ فقال: نعم رَجَمَ يهوديّاً ويهوديَّة،
وسیاق أحمد مختصر.
قوله: ((أقبلَ النّور؟)) أي: سورة النّور، والمراد بالقبليّة: التُّزول.
((قوله أم بَعْد))؟ في رواية الكُشْمِيهنيّ: أم بعده.
قوله: ((لا أدري)) فيه أنَّ الصحابيّ الجليل قد تَّخَفَى عليه بعض الأُمور الواضحة، وأنَّ
الجواب من الفاضل بلا أدري لا عيبَ عليه فيه، بل يدلّ على تَحرِّيه وتَبُّتُه فيُمْدَح به.
قوله: ((تابَعَه عليُّ بنُ مُسْهِرٍ)) قلت: وَصَلَها ابن أبي شَيْبة (٧٥/١٠) عنه عن الشَّيبانيِّ قال:
قلت لعبد الله بن أبي أوفَى، فذكر مِثْلَه بلفظ: قلت: بعد سورة النّور(٢).
قوله: ((وخالد بن عبد الله)) أي: الطَّحّان وهي عند المؤلّف في ((باب رَجُم المحصَن)) (٦٨١٣)
وقد تقدَّم لفظُه.
قوله: ((والمُحَاربيّ)) يعني: عبد الرّحمن بن محمَّد الكوفيّ.
قوله: ((وعَبيدة)) بفتح أوَّله، وأبوه حُميد بالتَّصغير، ومُتَابَعَته وَصَلَها الإسماعيليّ من
(١) ما بين المعقوفين سقط من الأصلين و(س)، وأثبتناهُ من الرواية، وبدونه لا يستقيم الكلام، لأنه
يُوهِم عَوْدَ الضمير في ((قلت)) على هشيم وأن المسؤول هو الشَّيباني، وقد أورده الحافظ موضحاً في
«التغلیق)) ٢٤٠/٥.
(٢) فات الحافظ رحمه الله أنَّ هذه المتابعة وصلها أيضاً مسلم (١٧٠٢) (٢٩).

٦٣٧
باب ٣٧ / ح ٦٨٤١
كتاب الحدود
رواية أبي ثور وأحمد بن مَنيع قالا: حدَّثنا عَبِيدة بن حُميد، وجَرِير: هو ابن عبد الله عن
الشَّيبانيِّ ولفظه: قلت: قبل النّور أو بعدها؟
قوله: ((وقال بعضُهم)) أي: بعض المُسمَّينَ(١) وهو عَبيدة، فإنَّ لفظه في ((مُسنَد أحمدَ بن
مَنيع)) ومن طريقه الإسماعيليّ: فقلت: بعد سورة المائدة أو قبلها؟ كذا وَقَعَ في رواية هُشَیم
التي أشرت إليها قبلُ.
قوله: ((والأوَّل أصحُّ)) أي: في ذِكْر النّور. قلت: ولعلَّ مَن ذكره تَوهَّمَ من ذِكْر اليهوديّ
واليهوديّة أنَّ المراد سورة المائدة؛ لأنَّ فيها الآية التي نزلت بسببٍ سؤال اليهود عن حُكم
اللَّذَينِ زَنَيا منهم.
الحديث الثاني:
٦٨٤١ - حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الله، حدَّثني مالكٌ، عن نافع، عن عبدِ الله بنِ عمرَ رضي الله
عنهما، أنَّه قال: إنَّ اليهودَ جاؤوا إلى رسولِ الله وَِّ، فَذَكَروا له أنَّ رجلاً منهم وامرأةً زَنَيا، فقال لهم
رسولُ الله ◌َّ: ((ما تَجِدُونَ في التّوراةِ في شأنِ الرَّجْمِ؟» فقالوا: نَفْضَحُهم ويُجْلَدونَ، قال عبدُ الله بنُ
سَلَامٍ: كَذَبْتُم، إنَّ فيها الرَّجْمَ، فَأَتَوْا بالتَّوْراةِ فَشَروها، فَوَضَعَ أحدُهم يدَه على آيَةِ الرَّجْمِ، فقرأ ما
قبلَها وما بعدها، فقال له عبدُ الله بنُ سَلَامٍ: ارفَعْ يدَكَ، فَرَفَعَ يدَه فإذا فيها آيةُ الرَّجْمِ، قالوا: صَدَقَ یا
محمَّدُ فيها آيَةُ الرَّجْمِ، فأمَرَ بهما رسولُ الله ◌ِ لَ هُرُجِما، فرأيتُ الرجلَ يَخْني على المرأةِ يَقِيها الحجارةَ.
قوله: ((عن نافع)) في ((موطّأ) محمَّد بن الحسن (٦٩٤) وحده: حدَّثنا نافع، قاله الدّارَ قُطْنِيُّ
في ((الموطَّات)).
قوله: ((إنَّ اليهود جاؤوا إلى رسول الله وَ لَّ فَذَكَروا له أنَّ رجلاً منهم وامرأة زَنَا)) ذكر السُّھَيلِيّ
عن ابن العربيّ أنَّ اسم المرأة بُسْرةَ بضمِّ الموحّدة وسكون المهمَلة ولم يُسمِّ الرجل، وذكر أبو داود
(٤٤٥٠) السَّبَب في ذلك من طريق الزُّهْريّ: سمعت رجلاً من مُزَينة مَمَّن يَتَّبِعُ (٢) العلم، وكان
(١) في (س): ((المسلمين)) وهو تحريف.
(٢) في (س): ((تبع)).

٦٣٨
باب ٣٧ / ح ٦٨٤١
فتح الباري بشرح البخاري
عند سعيد بن المسيّب يُحدِّث عن أبي هريرة قال: زَنَى رجل من اليهود بامرأةٍ، فقال بعضهم
لبعضٍ: اذهبوا بنا إلى هذا النبيّ فإنَّه بُعِثَ بالنَّخفيفِ، فإن أفتانا بقُتيا دونَ الرَّجم قَبِلناها
واحتَجَجنا بها عند الله، وقلنا: فُتيا نبيٍّ من أنبيائك. قال فأتوا النبيَّ وَّ وهو جالس في المسجد في
أصحابه فقالوا: يا أبا القاسم، ما تَرَى في رجل وامرأة زَنَيا منهم.
ونَقَلَ ابن العربيّ عن الطََّريّ والثَّعلَبيّ عن المفسِّرِينَ قالوا: انطَلَقَ قوم من قُرَيظة
والنَّضير، منهم كعب بن الأشرف وكعب بن أسَد وسعيد بن عَمْرو ومالك بن الصَّيف وکِنانة
ابن أبي الحُقَيق وشاس بن قيس ويوسف بن عازورا، فسألوا النبيّ وَّة، وكان رجل وامرأة
من أشراف أهل خَيْبَرَ زَنَيا واسمُ المرأة بُسْرةَ، وكانت خَيبَر حينئذٍ حَرباً، فقال لهم: اسألوه،
فنزلَ جِبْريل على النبيّ ◌َّ فقال: اجعَل بينك وبينهم ابن صُوريّا، فذكر القصَّة مُطوَّلة،
ولفظ الطَّبَريّ (٦/ ٢٣٢) من طريق الزّهْريّ المذكورة: إنَّ أحبار اليهود اجتَمَعوا في بيت
المدراس، وقد زَنَى رجل منهم بعد إحصانه بامرأةٍ منهم قد أُحصِنَت، فذكر القصّة وفيها: فقال:
اخرجوا إلى عبد الله بن صوريّا الأعور. قال ابنُ إسحاق: ويقال: إنَّهم أخرجوا معه أبا ياسر بن
أحطَبَ ووَهْبَ بن يهودا، فخَلا النبيّ ◌ََّ، بابنِ صُوريّا، فذكر الحديث.
ووَقَعَ عند مسلم (١٧٠٠) من حديث البراء: مَُّّ على النبيّ ◌َّهِ بيهوديٌّ مُحَمَّاً مَجَلوداً.
فدَعاهم فقال: ((هكذا تَجِدونَ حَدَّ الزّاني في كتابكُم؟» قالوا: نعم، وهذا يُخالف الأوَّل من
حيثُ إنَّ فيه أنَّهم ابتَدَؤوا السُّؤال قبل إقامة الحدّ، وفي هذا أنَّهم أقاموا الحدّ قبل السُّؤال،
١٦٨/١٢ ويُمكِن / الجمع بالتعدُّدِ بأن يكون الذينَ سألوا عنهما غيرَ الذي جَلَدوه، ويحتمل أن يكون
بادَروا فجَلَدوه، ثمَّ بَدَا لهم فسألوا، فاتَّفَقَ المرور بالمجلودِ في حال سؤالهم عن ذلك، فأمَرَهم
بإحضارهما فوَقَعَ ما وَقَعَ والعلم عند الله.
ويُؤيِّد الجمعَ ما وَقَعَ عند الطبرانيّ (١١٨٧٥/١١) من حديث ابن عبَّاس: أنَّ رَهطاً
من اليهود أتوا النبيّ وَله ومعهم امرأة فقالوا: يا محمَّد ما أُنزِلَ عليك في الزِّنى؟ فيُنَّجَه أنَّهم
جَلَدوا الرجل، ثمَّ بَدالهم أن يسألوا عن الحُكم، فأحضروا المرأة وذَكَروا القصَّة والسُّؤال،

٦٣٩
باب ٣٧ / ح ٦٨٤١
كتاب الحدود
ووَقَعَ في رواية عُبيد الله العمريِّ عن نافع عن ابن عمر: أنَّ النبيَّ ◌َّهِ أَتِيَ بيهوديٍّ ويهودِيَّة زَنَيا (١)
ونحوه في رواية عبد الله بن دينار عن ابن عمر الماضية قريباً (٦٨١٩) ولفظُه: أحدثا. وفي حديث
عبد الله بن الحارث عند البزَّار (٣٧٨٨): أنَّ اليهود أتوا بيهوديَّنِ زَنَيا وقد أُحصِنا.
قوله: ((ما تَجِدونَ في التَّوْراة في شأن الرَّجْم؟)) قال الباجيّ: يحتمل أن يكون علم بالوحي أنَّ
حُكم الرَّجم فيها ثابت على ما شُرِعَ لم يَلحَقه تَبديلٌ، ويحتمل أن يكون علم ذلك بإخبار عبد الله
ابن سَلام وغيره ممّن أسلَمَ منهم على وجه حَصَلَ له به العلم بصِحّة نَقلهم، ويحتمل أن يكون
إنَّما سألهم عن ذلك لَيَعلَم ما عندهم فيه، ثمَّ يَسْتَعْلِمُ(٢) صِحّة ذلك من قِبَل الله تعالى.
قوله: ((فقالوا: نَفْضَحهم)) بفتح أوَّله وثالثه من الفضيحة.
قوله: ((وُجِلَدونَ)) وَقَعَ بيان الفضيحة في رواية أيوب عن نافع الآتية في التَّوحيد (٧٥٤٣)
بلفظ: قالوا: نُسَخِّم وجوههما، ونُخزيهما. وفي رواية عُبيد الله(٣) بن عمر: قالوا نُسوِّد وجوههما
ونُحَمِّمهما، ونُخالف بين وجوههما. ويُطاف بهما. وفي رواية عبد الله بن دينار: أنَّ أحبارَنا
أحدَثوا تحميمَ الوجه والتَّجبيه(٤)، وفي حديث أبي هريرة: يُحُمَّم ويُحُبَّه ويُجَلَد(٥).
والتَّجبيه: أن يُحِمَل الزّانيان على حِمار وتُقابَل أقفيتُهما ويُطاف بهما، وقد تقدَّم في ((باب
الرَّجم بالبَلاطِ)) (٦٨١٩) النَّقل عن إبراهيم الحَرْبيّ: أنَّه جَزَمَ بأنَّ تفسير التَّجبيه من قول
الزُّهْريّ، فكأنَّه أُدرج في الخبر، لأنَّ أصل الحديث من روايته.
وقال المنذريُّ: يُشبِه أن يكون أصله الهمز، وأنَّه التَّجبِئة: وهي الرَّدع والزّجر، يقال:
جَبَّته تجبيتاً، أي: رَدَعتُه، والتَّجبية: أن يُنكِّس رأسَه، فيحتمل أن يكون مَن فُعِلَ به ذلك
يُنكِّس رأسه استحياءً فسُمّيَ ذلك الفعلِ تَجبيةً.
(١) مسلم (١٦٩٩) (٢٦).
(٢) تحرَّف في (س) إلى: يتعلم.
(٣) تحرَّف في (ع) و(س) إلى: ((عبد الله)) مكبّراً، ورواية عُبيد الله عند مسلم برقم (١٦٩٩).
(٤) سلفت (٦٨١٩).
(٥) أخرجه أبو داود (٤٤٥٠) كما أشار الحافظ ابن حجر.

٦٤٠
باب ٣٧ / ح ٦٨٤١
فتح الباري بشرح البخاري
ويحتمل أن يكون من الجَبْهِ: وهو الاستقبال بالمكروه، وأصله من إصابة الجبهة، تقول:
جَبَهْتُه: إذا أصبتَ جَبْهتَه، كرأَسْتُه: إذا أصبتَ رأسَه. وقال الباجيّ: ظاهر الأمر أنَّهم قَصَدوا
في جوابهم تحريف حُكْم التَّوراة والكذب على النبيِّ، إمّا رجاءَ أن يَحِكُم بينهم بغير ما أنزلَ
الله، وإمّا لأنَّهم قَصَدوا بتحكيمِه التَّخفيفَ عن الزّانيَينِ واعتَقَدوا أنَّ ذلك يُخْرِجُهم عنَّا
وَجَبَ عليهم، أو قَصَدوا اختبار أمره، لأنَّه من المقرّر أنَّ مَن كان نبيّاً لا يُقِرّ على باطل،
فَظَهَرَ بتوفيق الله نبيّه کَذِبُهم وصِدقُه ولله الحمد.
قوله: ((قال عبد الله بن سَلَامٍ: كَذَبْتُم، إنَّ فيها الرَّجْم)) في رواية أيوب وعُبيد الله بن عمر(١):
قال: ((فأَتوا بالتَّوراة، فاتلوها إن كنتُم صادِقِينَ)».
قوله: ((فَأَتَوا)) بصيغة الفعل الماضي، وفي رواية أيوب: فجاؤوا، وزاد عُبيد الله (٢) بن عمر:
بها فقَرَؤوها، وفي رواية زيد بن أسلَمَ (٣): فأتى بها فَتَزَعَ الوِسادة من تحته، فوضَعَ الَّوراة عليها ثمَّ
قال: آمَنت بك ويمَن أَنزَلَك. وفي حديث البراء عند مسلم (١٧٠٠): فدَعا رجلاً من عُلَمائهم
فقال: ((أنشُدُك بالله))(٤)، وفي حديث جابر عند أبي داود (٤٤٥٢): فقال: ((ائتوني بأعلمٍ رجلَينٍ
منكم)، فأُتيَ بابنَي (٥) صُوريّا.
زاد الطَّبراني(٦) (١١٨٧٥) في حديث ابن عبّاس: ((ائتوني برجلَينِ من عُلَماء بني إسرائيل))
فأتوه برجلَينِ أحدهما شابّ، والآخر شيخ قد سَقَطَ حاجباه على عينيه من الكِبَر. ولابنِ أبي
حاتم (١١٣٦/٤) من طريق مجاهد: أنَّ اليهود استَفتَوا رسول الله وَله في الزّانيَينِ فأفتاهم
بالرَّجم، فأنكَروه، فأمَرَهم أن يأتوا بأحبارهم فناشَدَهم، فكَتَموه إلّا رجلاً من أصاغِرهم
(١) رواية أيوب عند أحمد (٤٤٩٨)، ورواية عبيد الله عند مسلم (١٦٩٩).
(٢) تحرَّف في (س) إلى: عبد الله، مكبراً.
(٣) أخرجها أبو داود برقم (٤٤٤٩).
(٤) زاد بعده في (س) ((وبمن أنزله))، ولم تَرِدْ في الأصلين، فهي مقحمة، ولفظ الحديث عند مسلم: ((أنشدك
بالله الذي أنزل التوراة على موسی)).
(٥) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: بابن، بالإفراد، وسياق الرواية يقتضي التثنية.
(٦) تحرف في (س) إلى: ((الطبري)).