النص المفهرس

صفحات 541-560

٥٤١
باب ٢٢ / ح ٦٨١٦
كتاب الحدود
قوله: ((فلمَّا شَهِدَ على نَفْسِه أربعَ/ شهاداتٍ)) في رواية أبي ذرٍّ: ((أربع مرَّات))، وفي رواية ١٢٣/١٢
بُرَيدةَ المذكورةِ: حتَّى إذا كانت الرَّابِعة قال: ((فِمَ أُطَهِّرُك؟))، وفي حديث جابر بن سَمُرة
من طريق أبي عَوَانة عن سِماك: فشَهِدَ على نفسه أربع شهادات، أخرجه مسلم، وأخرجه
(١٨/١٦٩٢) من طريق شُعْبة عن سِماك قال: فَرَدَّه مرَّتَينِ، وفي أُخرى (١٦٩٢): مرَّتَينِ أو
ثلاثاً. قال شُعْبة: قال سِماك: فذكرته لسعيد بن جُبَير فقال: إنَّه رَدَّه أربع مرَّات.
ووَقَعَ في حديث أبي سعيد عند مسلم أيضاً (١٦٩٤): فاعتَرَفَ بالزِّنى ثلاث مرَّات.
والجمع بينهما: أمَّا رواية مرَّنَينِ، فتُحمَل على أنَّه اعتَرَفَ مَرَّتَينِ في يوم، ومَرَّتَينِ في يومٍ
آخَر، لما يُشعِر به قولُ بُرَيدة: فلمَّا كان من الغَد. فاقتَصَرَ الراوي على إحداهُما، أو مُراده اعتَرَفَ
مرَّتَيْنِ في يومينٍ، فيكون من ضرب اثنَينٍ في اثنين.
وقد وَقَعَ عند أبي داود (٤٤٢٦) من طريق إسرائيل عن سماك عن سعيد بن جُبَير عن ابن
عَبَّاس: جاء ماعِز بن مالك إلى النبيّ ◌َِّ فاعتَرَفَ بالزِّنى مَرَّتَيْنِ فطَرَدَه، ثمَّ جاء فاعتَرَفَ بالزِّنى
مرَّتَيْنِ. وأمَّا رواية الثلاث فكأنَّ المرادَ الاقتصارُ على المّات التي رَدَّه فيها، وأمَّا الرَّابِعة فإنَّه لم
يَرُدَّه، بل استَثَبَتَ فيه وسألَ عن عَقْله.
لكن وَقَعَ في حديث أبي هريرة عند أبي داود (٤٤٢٨) من طريق عبد الرَّحمن بن
الصّامت ما يدلّ على أنَّ الاستثبات فيه إنَّمَا وَقَعَ بعد الرَّابِعة، ولفظه: جاء الأسلَميُّ فشَهِدَ
على نفسه أنَّه أصاب امرأة حَراماً أربع مرَّات، كلّ ذلك يُعرِض عنه رسولُ الله ◌َِّ، فَأقبَلَ
في الخامسة فقال: ((تَدري ما الزِّنى))(١) إلى آخره، والمراد بالخامسة: الصِّفةُ التي وَقَعَت منه
عند السُّؤالِ والاستثباتِ، لأنَّ صِفَة الإعراض وَقَعَت أربعَ مرَّات، وصِفَةُ الإقبال عليه
للسُّؤال وَقَعَت بعدَها.
قوله: (فقال: أبِكَ جنونٌ؟ قال: لا)) في رواية شُعَيب في الطَّلاق (٥٢٧١): ((وهل بك جُنونٌ»،
وفي حديث بُرَيدة: فسألَ: ((أبِه جُنونٌ؟)) فأُخبِرَ بأنَّه ليس بمَجنونٍ. وفي لفظ: فأرسَلَ إلى قومه
(١) تحرَّف في (س) إلى: الزاني.

٥٤٢
باب ٢٢ / ح ٦٨١٦
فتح الباري بشرح البخاري
فقالوا: ما نَعلَمُه إلّا وَفِيَّ العقلِ من صالحينا. وفي حديث أبي سعيد: ثمَّ سألَ قومه فقالوا:
ما نعلم به بأساً، إلّا أنَّه أصاب شيئاً يرى أنَّه لا يَخرُج منه إلّا أن يُقام فيه الحدُّ لله. وفي
مُرسَل سعيد: بَعَثَ إلى أهله فقال: ((أشتَكَى، أبِهِ جِنّة؟)) فقالوا: يا رسول الله إنَّه لَصحيح،
ويُجمَع بينهما بأنَّه سألَه ثمَّ سألَ عنه احتياطاً، فإنَّ فائدة سؤاله أنَّه لو ادَّعَى الجنونَ، لَكان في
ذلك دَفْعٌ لإقامة الحدّ عليه حتَّى يظهرَ خِلَافُ دَعواهُ، فلمَّا أجابَ بأنَّه لا جنونَ به، سألَ
عنه لاحتمال أن يكون كذلك، ولا يُعتَدّ بقولِه.
وعند أبي داود (٤٤١٩) من طريق نُعَيم بن هَزّال قال: كان ماعِز بن مالك يتيماً في
حِجْر أبي، فأصاب جاريةً من الحميّ، فقال له أبي: ائْتِ رسولَ اللهِ وَ لَ فأخبِرْهُ بما صَنَعتَ
لعلَّه يَسْتَغْفِر لك، ورَجاء أن يكون له ◌َخَرَجٌ. فَذَكَر الحديثَ.
فقال عياض: فائدة سؤاله: ((أبِكَ جنون؟)) استبراءَ(١) لحالِه واستبعادَ أن يُلِحّ عاقلٌ
بالاعتراف بما يقتضي إهلاكه، أو لعلَّه يَرجِع عن قوله، أو لأنَّه سمعَه وحدَه، أو ليُثِمّ إقرارَه
أربعاً عند مَن يَشتَرِطُه، وأمَّا سؤالُه قومَه عنه بعد ذلك فمُبالَغَةٌ في الاستثبات، وتَعقَّبَ
بعضُ الشُّرَاح قولَه: أو لأنَّه سمعَه وحده، بأنَّه كلامٌ ساقطٌ، لأنَّه وَقَعَ في نفس الخبر أنَّ
ذلك كان بمَحضَرِ الصحابة في المسجد.
قلت: ويُردّ بوجهٍ آخر: وهو أنَّ انِفِرادَه وَ لَه بسماع إقرار المُقِرِّ كافٍ في الحُكم عليه
بعلمه اتفاقاً، إذ لا ينطق عن الهوى، بخلاف غیرِه ففیه احتمال.
قوله: ((قال: فهل أَحْصَنْتَ؟)) أي: تزوَّجت، هذا معناه جَزماً هنا، لافتِراق الحُكم في حَدِّ
مَنْ تَزوَّجَ ومَن لم يَتزوَّجِ.
قوله: ((قال: نعم)) زاد في حديث بُرَيدةَ قبلَ هذا: ((أَشَرِبت خَمراً؟)) قال: لا(٢)، وفيه:
فقامَ رجل فاستَنْكَّهَه فلم يَجِد منه ريحاً. وزاد في حديث ابن عبّاس الآتي قريباً (٦٨٢٤): ((لعلَّك
(١) المثبت من الأصلين، ووقع في (س): ستراً.
(٢) ليس في حديث بريدة جوابُ ماعِزِ للنبي وَّ بقوله: لا، وإنما فيه بعد سؤال النبي ◌َّ مباشرة: فقام رجلٌ
فاستَنْكَهَه.

٥٤٣
باب ٢٢ / ح ٦٨١٦
كتاب الحدود
قَبَّلت أو غَمَزت - بمُعجَمَةٍ وزاي - أو نَظَرْتَ)) - أي: فأطلَقْتَ على كلّ ذلك زِنّى ولكنَّه لا
حَدَّ في ذلك - قال: لا.
وفي حديث نُعَيم: فقال: ((هل ضاجَعتَها؟)) قال: نعم، قال: ((فهل باشَرتَها؟)) قال: نعم،
قال: ((هل جامَعتَها؟)) قال: نعم.
وفي حديث ابن عبَّاس / المذكور: فقال: ((أنِكْتَها؟)) لا يَكْني، بفتح التَّحتانيَّة وسكون الكاف ١٢٤/١٢
من الكناية، أي: أنَّه ذكر هذا اللَّفظ صريحاً، ولم يَكْنِ عنه بلفظٍ آخَر كالجماع، ويحتمل أن يُجمَع
بأنَّه ذُكِرَ بعد ذِكْر الجماع: بأنَّ الجِماع قد يُحمَل على مُجرَّد الاجتماع.
وفي حديث أبي هريرة المذكورِ: ((أنِكْتَها؟)) قال: نعم. قال: ((حتَّى دَخَلَ ذلك مِنك في
ذلك منها؟)) قال: نعم، قال: ((كما يَغِيبُ الِرْوَدُ في المُكْحُلَةِ والرِّشاءُ في البئرِ؟)) قال: نعم.
قال: (تَدري ما الزِّنى)) قال: نعم؟ أتيت منها حَراماً ما يأتي الرجلُ من امرأته حلالاً، قال:
((فما تُريدُ بهذا القولِ؟)) قال: تُطَهِّرني، فأمَرَ به فرُجِمَ، وقبلَه عند النَّسائيِّ (ك٧١٦٢) هنا:
((هل أدخَلتَه وأخرَجته؟)) قال: نعم.
قوله: ((قال ابن شِهاب)) هو موصولٌ بالسَّنَدِ المذكور.
قوله: ((فأخبَرَني مَن سمعَ جابَرَ بنَ عبدِ الله)) صَرَّحَ يونس (٥٢٧٠) ومَعمَر (٦٨٢٠) في
روايتهما بأنَّه أبو سَلَمة بن عبد الرَّحمن، فكأنَّ الحديث كان عند أبي سَلَمة عن أبي هريرة كما
عند سعيد بن المسيّب، وعنده زیادٌ علیه: عن جابر.
قوله: ((فكُنتُ فيمَن رَجَه، فَرَجَمْناه بالمُصَلَّى)) في رواية مَعمَر (٦٨٢٠): فأمَرَ به فُرُجِمَ
بالمصَلَّى. وفي حديث أبي سعيد(١): فما أو تَقْناه ولا حَفَرنا له، قال: فَرَمَيناه بالعِظام والمدَرِ والخَزَّفِ.
بفتح المعجَمة والزّاي وبالفاءِ: وهي الآنية التي تُتَّخَذ من الطِين المَشْويّ، وكأنَّ المراد: ما تَكَسَّرَ
منها.
قوله: ((فلمَّا أَذْلَقَتْهُ)) بِذالٍ مُعجَمة وفتح اللّام بعدها قافٌ، أي: أقلَقَتْهُ وزنُه ومعناه.
(١) عند مسلم برقم (١٦٩٤) (٢٠).

٥٤٤
باب ٢٢ / ح ٦٨١٦
فتح الباري بشرح البخاري
قال أهل اللُّغة: الذَّلَق - بالتَّحريكِ -: القَلَق، وممَّن ذَكَره الجَوْهريّ، وقال في «النِّهاية»:
أَذَلَقَتْهُ: بَلَغَت منه الْجَهْدَ حتَّى قَلِقَ، يقال: أذلَقَه الشَّيءُ: أجهَدَه.
وقال النَّوويّ: معنى أذْلَقَتْهُ الحجارةُ: أصابتْهُ بحَدِّها. ومنه: انذَلَقَ: صارَ له حَدٌّ يَقطَع.
قوله: ((هَرَبَ)) في رواية ابن مُسافر (٦٨٢٥)(١): جَمَزَ، بجيمٍ وميمٍ مفتوحَتَينِ ثُمَّ زايٍ،
أي: وَثَبَ مُسرِعاً وليس بالشَّديدِ العَدْوِ، بل كالقَفْزِ. ووَقَعَ في حديث أبي سعيد: فاشتَدَّ
واشْتَدَدْنا(٢) خَلفَه.
قوله: (فأدْرَكْناه بالحَرّةِ، فَرَتَجْنَاهُ)) زاد مَعمَرٌ في روايته: حتَّى ماتَ(٣). وفي حديث أبي
سعيد: حتَّى أتى عُرْضَ - بضمٌّ أوَّله، أي: جانبَ - الحَّةِ، فَرَمَيناه بجَلاميد الحرّة حتَّى
سَگَتَ.
وعند التِّرمِذيّ (١٤٢٨) من طريق محمّد بن عَمْرو عن أبي سَلَمة عن أبي هريرة في
قصَّة ماعِز: فلمَّا وجَدَ مَسَّ الحجارة فرَّ يَشتَدّ، حتَّى مَّ برجلٍ معه لَحْيُ جَمَلٍ فِضَرَبَه بِهِ(٤)
وضَرَبَه الناس حتَّى ماتَ. وعند أبي داود (٤٤١٩) والنَّسائيِّ (ك ٧٢٣٤) من رواية يزيد بن
نُعَيم بن هَزّال عن أبيه في هذه القصَّة: فوجَدَ مَسَّ الحجارة فخَرَجَ يَشتَدّ، فلَفيَه عبد الله بن
أُنيس وقد عَجَزَ أصحابه، فنَزَعَ له بوَظِيفِ بعيرٍ فَرَماه فقَتَلَه.
وهذا ظاهره يُخالف ظاهر رواية أبي هريرة: أنَّهم ضَرَبوه معه، لكن يُجمَع بأنَّ قوله في
هذا : فقَتَلَه، أي: كان سبباً في قتله، وقد وَقَعَ في رواية للطََّرانيِّ (٥٣١/٢٢) في هذه القصَّة:
فضَرَبَ ساقَه فصَرَعَه، وَرَجَموه حتَّى قَتَلوه.
والوَظِيفُ بمُعجَمٍ وزن عَظيم: خُفُّ البعيرِ، وقيل: مُستَدَقّ الذِّراع والساق من الإبل
(١) وكذا وقع في رواية يونس بن يزيد في حديث جابر (٥٢٧٠)، وفي رواية شعيب بن أبي حمزة في حديث
أبي هريرة (٥٢٧٢).
(٢) تحرَّف في (س) إلى: ((وأسند لنا)).
(٣) وكذلك جاء في رواية شعيب بن أبي حمزة السالفة برقم (٥٢٧٢).
(٤) لفظة ((به)) أثبتناها من (أ) وسقطت من (ع) و(س).

٥٤٥
باب ٢٢ / ح ٦٨١٦
كتاب الحدود
وغيرها، وفي حديث أبي هريرة عند النَّسائيِّ (ك ٧١٦٢): فانتهى إلى أصل شَجَرة فَتَوَسَّدَ يمينَه
حتَّى قُتِلَ. وللنّسائيِّ من طريق أبي مالك عن رجل من أصحاب رسول الله بَّه: فذهبوا به إلى
حائط يَبْلُغْ صَدرَه(١) فذهب يَئِب، فَماه رجل فأصاب أصلَ أُذُنه، فصُرِعَ فقَتَلَه.
وفي هذا الحديث من الفوائد: مَنقَبةٌ عظيمةٌ لماعِزِ بن مالك المذكورِ؛ لأنَّه استَمرَّ على
طلب إقامة الحدّ عليه مع تَوبَته ليَتِمَّ تطهيرُه، ولم يَرجِع عن إقراره مع أنَّ الطَّبع البشريّ
يقتضي أنَّه لا يَستَمِّرُ على الإقرار بما يقتضي إزهاقَ نفسِه، فجاهَدَ نفسَه على ذلك وقَويَ
عليها، وأقَرَّ من غير اضطِرار إلى إقامة ذلك عليه بالشَّهادة، مع وضوح الطَّريق إلى سَلامَته من
القتل بالتَّوبة، ولا يقال: لعلَّه لم يعلم أنَّ الحدّ بعد أن يُرفَع للإمام يَرتَفِع بالرُّجوع، لأنّا نقول:
كان له طريقٌ أن يُبِزَ أمرَه في صُورة الاستفتاء، فيَعلمَ ما يخفى عليه من أحكام المسألة،
ويبني على ما يُجاب به، ويَعِدِلَ عن الإقرار إلى ذلك.
ويُؤْخَذ من قِصّتِهِ: أنَّه يُستَحَبّ لِمَن وَقَعَ في مِثْل قِصَّتِهِ/ أن يَتوب إلى الله تعالى، ويَستُر نفسَه ١٢٥/١٢
ولا يَذْكُر ذلك لأحدٍ، كما أشارَ به أبو بكر وعمر على ماعِز، وأنَّ مَن الطَّلَعَ على ذلك يَستُرُ
عليه بما ذَكَرنا ولا يَفضَحه، ولا يَرفَعه إلى الإمام كما قال ◌َّه في هذه القصَّة: «لو سَتَرته بثوبِك
لكان خيراً لك))، وبهذا جَزَمَ الشافعيّ رضي الله عنه فقال: أُحِبُّ لمن أصاب ذَنباً فسَتَرَه الله
عليه أن يَستُره على نفسه ويَتوب، واحتَجَّ بقصّة ماعِز مع أبي بكر وعمر.
وقال ابن العربيّ: هذا كلّه في غير المجاهر، فأمَّا إذا كان مُتَظاهراً بالفاحشة مجاهراً، فإنّي
أُحِبّ مُكاشَفَته والتَّريح به ليَنزَجِر هو وغیرُه.
وقد استُشكِلَ استحبابُ السَّتر مع ما وَقَعَ من الثَّناء على ماعِز والغامديَّة، وأجابَ
شيخنا ((في شرح التِّرمِذيّ)) بأنَّ الغامديَّة كان ظَهَرَ بها الحَبَلُ مع كونها غيرَ ذاتِ زوجٍ،
فتَعذَّرَ الاستتار للاطِّلاع على ما يُشعِر بالفاحشة، ومن ثَمَّ قَيَّدَ بعضُهم ترجيحَ الاستتار
حيثُ لا يكون هناك ما يُشعِر بضِدِّه، وإن وُجِدَ فالرَّفعُ إلى الإمام ليُقيمَ عليه الحدَّ أفضلُ.
(١) كذا وقع هنا، ولفظُه في ((الكبرى)) للنسائي (٧١٦٣): فذهبوا به إلى مكانٍ يبلُغ صدرَه إلى حائط.

٥٤٦
باب ٢٢ / ح ٦٨١٦
فتح الباري بشرح البخاري
انتهى، والذي يظهر أنَّ السَّتر مُستَحَبٌّ والرَّفعَ لقصدِ المبالَغة في التطهير أحَبُّ، والعلم
عند الله تعالی.
وفيه التثبّت في إزهاق نَفْسِ المسلم، والمبالَغة في صيانته لِمَا وَقَعَ في هذه القصَّة من ترديده
والإيماء إليه بالرُّجوع، والإشارة إلى قَبُول دَعواه إن ادَّعَى إكراهاً أو خطأً في معنى الزِّنى،
أو مُباشَرة دونَ الفَرج مثلاً، أو غير ذلك.
وفيه مشروعيَّة الإقرار بفعلِ الفاحشة عند الإمام وفي المسجد، والتَّصريحُ فيه بما يُستَحَى
من التلفُّظ به من أنواع الرَّفَث في القول، من أجْل الحاجة الملجِئة لذلك.
وفيه نِداءُ الكبير بالصَّوتِ العاليَ وإعراضُ الإمام عمَّن أقَرَّ بأمرٍ مُحْتَمَل لإقامة الحدّ،
لاحتمال أن يُفسِّرَه بما لا يُوجِب حَدّاً أو يَرجِعَ، واستفسارُه عن شُروط ذلك، ليُرقِّبَ
عليه مُقتَضاه، وأنَّ إقرارَ المجنون لاغ، والتَّعريضَ للمُقِرِّ بأن يَرجِعَ، وأنَّه إذا رَجَعَ قُبِلَ،
قال ابن العربيّ: وجاء عن مالكٍ روايةٌ: أنَّه لا أثرَ لِرُجوعِه، وحديث النبيِّ وَّ أحقُّ أن
يُتَبَع.
وفيه أنَّه يُستَحَبّ لِمَن وَقَعَ في معصية ونَدِمَ أن يُبادِرِ إلى الثَّوبة منها، ولا يُحْبِرَ بها أحداً،
ويَستَِرِ بسِتِرِ الله، وإن اتَّفَقَ أنَّه يُحِبِرِ أحداً، فيُستَحَبّ أن يأمره بالتَّوبة وسَترِ ذلك عن الناس،
کما جری لماعٍ مع أبي بكر ثمَّ عمر.
وقد أخرج قِصَّته معهما في ((الموطَّأ)) (٢/ ٢٨٠) عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيّب
مُرسَلة، ووَصَلَه أبو داود (٤٤١٩) وغيرُه(١) من رواية يزيد بن نُعَيم بن هَزّال عن أبيه.
وفي القصَّة: أنَّ النبيَّ نَِّ قال لهَزّالٍ: (لو سَتَرَتَه بثويِك لكان خيراً لك))، وفي ((الموطَّ))
(٢/ ٨٢١) عن يحيى بن سعيد: ذكرت هذا الحديثَ في مَجَلِس فيه يزيد بن نُعَيم فقال: هَزّالٌ
جَدّي(٢) وهذا الحديث حَقٌّ.
(١) كأحمد (٢١٨٩٠)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧٢٣٤ و٧٢٣٥).
(٢) في (س): ((جدّي جدّي)) مكرّراً، والذي في الأصلين هو الموافق لروايات ((الموطأ)).

٥٤٧
باب ٢٢ / ح ٦٨١٦
كتاب الحدود
قال الباجيّ: المعنى: خيراً لك ممّا أمَرته به من إظهار أمره، وكان سَترُه بأن يأمرَه بالتَّوبة
والكِتمان كما أمَرَه أبو بكر وعمرُ، وذِكْرُ الثَّوبِ مُبالَغةً، أي: لو لم تَجِد السَّبيل إلى سَتره إلّا
بِرِدائك ممَّنْ عَلِمَ أمرَه، كان أفضلَ ممَّا أشرتَ به عليه من الإظهار.
واستُدِلَّ به على اشتراط تَكرير الإقرار بالزِّنى أربعاً، لظاهرٍ قوله: فلمَّا شَهِدَ على نفسه
أربع شهادات. فإنَّ فيه إشعاراً بأنَّ العَدَد هو العِلّة في تأخير إقامة الحدّ عليه، وإلّا لَأمَرَ
بَرَجِمِه في أوَّل مرَّة، ولأنَّ في حديث ابن عبّاس: قال لماعِزِ: ((قد شَهِدت على نفسك أربع
شهادات، اذهبوا به فارُوه))(١)، وقد تقدَّم ما يُؤيِّده ويُؤيِّد القياسَ على عَدَد شُهود الزِّنى
دونَ غيره من الحدود، وهو قول الكوفيّينَ والرَّاجح عند الحنابلة، وزاد ابن أبي ليلى
فاشترطَ أن تَتَعَدَّد مَجَالسُ الإقرار، وهي روايةٌ عن الحنفيَّة، وتَمسَّكوا بصورة الواقعة، لكنَّ
الرِّوايات فيها اختَلَفَت.
والذي يظهر أنَّ المجالس تَعَدَّدَت لكن لا بعَدَدِ الإقرار، فأكثرُ ما نُقِلَ في ذلك أنَّه أَقَرَّ
مرَّتَيْنِ، ثمَّ عادَ من الغَد فأقَرَّ مَرَّتَينِ كما تقدَّم بيانُه من عند مسلم، وتأوَّلَ الجمهور بأنَّ ذلك
وَقَعَ في قصَّة ماعِز، وهي واقعةُ حالٍ، فجازَ أن يكون لزيادة الاستثبات، ويُؤيِّد هذا
الجوابَ ما تقدَّم في سياق حديث أبي هريرة،/ وما وَقَعَ عند مسلم (٢٢/١٦٩٥) في قصَّة ١٢٦/١٢
الغامديَّة حيثُ قالت لمَّ جاءت: طَهِّرني، فقال: ((وَيْحَكِ، ارجعي فاستغفري)) قالت:
أراكَ تريد أن تُرَدِّدَني كما رَذَّدت ماعِزاً، إنَّهَا حُبلَى من الزِّنى. فلم يُؤَخِّر إقامة الحدّ عليها إلّا
لكَونِها حُبُلَى، فلمَّا وضَعَت أمَرَ بَرَجِها ولم يَسْتَفْسِرِ ها مرَّةً أُخرى، ولا اعتَبَرَ تَكرِيرَ إقرارِها ولا
تعدُّد المجالسِ.
وكذا وَقَعَ في قصَّة العَسيفِ حيثُ قال: ((واغدُ يا أُنيس إلى امرأة هذا، فإن اعتَرَفَت
فارجُها)) وفيه: فغَدا عليها فاعتَرَفَت فَرَجَها، ولم يَذكُر تعدُّد الاعترافِ ولا المجالسِ، وسيأتي
قريباً مع شرحه مُستَوقَّى (٦٨٢٧ و٦٨٢٨).
(١) هذه رواية حديث ابن عباس رضي الله عنهما عند أبي داود (٤٤٢٦)، ونحوه عند النسائي في ((الكبرى))
(٧١٤٠).

٥٤٨
باب ٢٢ / ح ٦٨١٦
فتح الباري بشرح البخاري
وأجابوا عن القياس المذكور بأنَّ القتلَ لا يُقبَل فيه إلّا شاهدان بخِلَاف سائر الأموال،
فيُقبَل فيها شاهدٌ وامرأتان، فكان قياس ذلك أن يُشتَرَط الإقرارُ بالقتل مرَّتَين، وقد اتَّفَقوا
أنَّه یکفيَ فیه مرَّةً.
فإن قلت: والاستدلال بمُجرَّدٍ عَدَمِ الذِّكر في قصَّة العَسيف وغيرِه فيه نظرٌ، فإنَّ عَدَمَ
الذِّكر لا يدلّ على عَدَم الوقوع، فإذا ثَبَتَ كَون العَدَد شرطاً، فالسُّكوت عن ذِكْره يحتمل
أن يكون لعِلمٍ المأمور به.
وأمَّا قول الغامديَّة: تريد أن تُرَدِّدَني كما رَدَّدت ماعِزاً، فيُمكِنِ التَّمَسُّك به، لكن
أجابَ الطِّييُّ بأنَّ قولها: إنَّها حُبلَى من الزِّنى فيه إشارة إلى أنَّ حالَهَا مُغايرةٌ لحال ماعٍِ،
لأنَّهما - وإن اشتَرَكا في الزِّنى - لكنَّ العِلّة غيرُ جامعةٍ؛ لأنَّ ماعِزاً كان مُتمكِّناً من الرُّجوع
عن إقراره بخِلافها، فكأنَّها قالت: أنا غيرُ مُتمكِّنةٍ من الإنكار بعد الإقرار لظُهورِ الحَمل
بها بخِلَافه. وتُعقّبَ بأنَّه كان يُمكِنِها أن تَدَّعيَ إكراهاً أو خطأً أو شُبهةً.
وفيه: أنَّ الإمام لا يُشتَرَط أن يَبْدَأ بالرَّجمِ فِيمَن أقَرَّ وإن كان ذلك مُستَحَبّاً؛ لأنَّ الإمام إذا
بَدَأ مع كَونِهِ مأموراً بالتثُبُّتِ والاحتياطِ فيه، كان ذلك أدعى إلى الَّجر عن التَّساهُل في الحُكم،
وإلى الخَضّ على التثُبُّت في الحُكم، ولهذا يَبْدَأ الشُّهود إذا تَبَتَ الرَّجمُ بالبيِّنَة.
وفيه: جوازُ تَفويض الإمام إقامةَ الحدّ لغيره، واستُدِلَّ به على أنَّه لا يُشتَرَط الحَفْرُ للمَرجومِ؛
لأنَّه لم يُذكَر في حديث الباب، بل وَقَعَ التَّصريح في حديث أبي سعيد عند مسلم (١٦٩٤) فقال:
فما حَفَرنا له ولا أوثَقناه، ولكن وَقَعَ في حديث بُرَيدة عنده (١٦٩٥): فحفرَ له حفیرة. ويُمكِن
الجمع بأنَّ المنفيَّ حَفيرةٌ لا يُمكِنِه الوُثوبُ منها والمثبَتُ عكسُه، أو أنَّهم في أوَّل الأمر لم يَحِفِروا له،
ثمَّ لمَّا فَرَّ فأدرَكوه حَفَروا له حَفيرةً، فانتَصَبَ لهم فيها حتَّى فَرَغوا منه.
وعند الشافعيَّة: لا يُحُفَر للرجلِ، وفي وجه: يَتَخَيَّرُ الإمامُ، وهو أرجَحُ لُبوتِه في قصَّة
ماعٍِ، فالمثبِتُ مُقدَّمٌ على النافي، وقد جُمعَ بينهما بما دلَّ على وجود حَفْرٍ في الجملة، وفي المرأة
أوجُهُ، ثالثها: الأصحّ: إن ثَبَتَ زِناها بالبيِّنة استُحِبَّ لا بالإقرار، وعن الأئمَّة الثلاثة في
المشهور عنهم: لا يُحفَر، وقال أبو يوسف وأبو ثور: يُحِفَر للرجلِ وللمرأة.

٥٤٩
باب ٢٢ / ح ٦٨١٦
كتاب الحدود
وفيه: جوازُ تَلقين المُقِرِّ بما يُوجِب الحدَّ ما يَدفَع به عنه الحدَّ، وأنَّ الحدّ لا يَجِبُ إلّا
بالإقرار الصَّريح، ومن ثَمَّ شُرِطَ على مَن شَهِدَ بالزِّنى أن يقول: رأيتُهُ أولَجَ ذَكَرَه في فَرْجِها،
أو ما أشبهَ ذلك، ولا يكفي أن يقول: أشهد أنَّه زَنَى، وثَبَتَ عن جماعةٍ من الصَّحابة تَلقينُ
المُقِرِّ بالحدِّ كما أخرجه مالك (٨٢٣/٢) عن عُمر، وابن أبي شَيْبة (٢٣/١٠) عن أبي الدَّرداء،
وعن عليّ في قصَّة شُراحةً(١)، ومنهم مَن خَصَّ التَّلقين بمَن يُظنّ به أنَّه يَجَهَل حُكم الزّنى،
وهو قول أبي ثَور، وعند المالكيَّة: يُسَنَى تَلقين المشتَهِر بانتهاكِ الحُرُّمات، ويجوز تَلقين مَن
عَداه، وليس ذلك بشرطٍ.
وفيه تَرك سَجْنٍ مَن اعتَرَفَ بالزِّنى في مُدّة الاستثبات، وفي الحامل حتَّى تَضَعَ، وقيل:
إنَّ المدينة لم يكن بها حينئذٍ سِجنٌ، وإنَّما كان يُسَلَّمُ كلُّ جانٍ لوليِّه، وقال ابن العربيّ: إنَّما لم
يأمر بسجنِه ولا التَّوكيل به؛ لأنَّ رُجوعه مقبول، فلا فائدة في ذلك مع جواز الإعراض
عنه إذا رَجَعَ.
ويُؤخَذ من قوله: ((هل أحصَنت؟)) وجوب الاستفسار عن الحال التي تختلف الأحكام
باختلافها.
وفيه أنَّ إقرار السَّكران لا أثرَ له، يُؤخَذ من قوله: ((استَنْكِهُوه)) والذينَ اعتَبَروه قالوا:
إِنَّ عَقْلَه زالَ بمعصيَتِهِ، ولا دلالة / في قصَّة ماعِزِ لاحتمال تَقَدُّمها على تحريم الخمر، أو أنَّ سُكره ١٢٧/١٢
وَقَعَ عن غير معصية.
وفيه أنَّ المِقِرّ بالزِّنى إذا أقَرَّ يُترَك، فإن صَرَّحَ بالرُّجوع فذاكَ، وإلّ اتُّبَعَ ورُجِمَ، وهو
قول الشافعيّ وأحمدَ، ودلالته من قصَّة ماعِزٍ ظاهرةٌ، وقد وَقَعَ في حديث نُعَيم بن هَزّال:
((هَلّا تَرَكْتُموه لعلَّه يَتوب، فيَتوب الله عليه)) أخرجه أبو داود (٤٤١٩)، وصَخَّحَه الحاكم
وحَسَّنَه (٣٦٣/٤)، وللتِّرمِذيِّ (١٤٢٨) نحوه من حديث أبي هريرة، وصَحَّحَه الحاكم
أيضاً (٤/ ٣٦٣)، وعند أبي داود (٤٤٣٤) من حديث بُرَيدة قال: كنّا أصحاب رسول الله
نَتَحدَّث أنَّ ماعِزاً والغامديَّةَ لو رَجَعًا لم يَطْلُبهما.
(١) تقدَّم تخريجها عند شرح الحديث (٦٨١٢).

٥٥٠
باب ٢٢ / ح ٦٨١٦
فتح الباري بشرح البخاري
وعند المالكيَّة في المشهور: لا يُترَكُ إذا هَرَبَ، وقيل: يُشتَرَط أن يُؤْخَذ على الفَور فإن لم
يُؤْخَذ تُرِكَ. وعن ابن عُيَينَةَ: إن أُخِذَ في الحال كُمِّلَ عليه الحدُّ وإن أُخِذَ بعد أيام تُرِكَ. وعن
أَشْهَبَ: إن ذَكَر عُذراً يُقبَل تُرِكَ وإلّا فلا، ونَقَلَه القَعنبيُّ عن مالك، وحكى اللَّخْمِيُّ (١) عنه
قولَينِ فيمَن رَجَعَ إلى شُبهةٍ، ومنهم مَن قَيَّدَه بما بعد إقراره عند الحاكم، واحتَجّوا بأنَّ
الذينَ رَجَوه حتَّى ماتَ بعد أن هَرَبَ لم يُلزَموا بديَتِه، فلو شُرِعَ تَرْكُه لَوَجَبَت عليهم الدِّیةُ،
والجواب أنَّه لم يُصرِّح بالرُّجوع، ولم يَقُل أحدٌ: إنَّ حَدَّ الرَّجم يَسقُط بمُجرَّدِ الهَرَب، وقد
عَبَّرَ في حديث بُرَيدة بقولِه: ((لعلَّه يَتوبُ)).
واستُدِلَّ به على الاكتفاء بالرَّجمِ في حَدِّ مَن أُحصِنَ من غير جلد، وقد تقدَّم البحث
فيه، وأنَّ المصَلَّى إذا لم يكن وقفاً لا يَثبُت له حُكم المسجد، وسيأتي البحث فيه بعد بابینِ
(٦٨٢٠).
وأنَّ المرجوم في الحدّ لا تُشرَع الصلاة عليه إذا ماتَ بالحدِّ، ويأتي البحث فيه أيضاً قريباً
(٦٨٢٠).
وأنَّ مَن وُجِدَ منه ريحُ الخمر وجَبَ عليه الحدّ من جهة استِنْكاهِ ماعِزٍ بعد أن قال له:
((أشَرِبتَ خَمراً؟)).
قال القُرطُبيّ: وهو قول مالك والشافعيِّ، كذا قال، وقال المازَرِيّ: استَدَلَّ به بعضهم
على أنَّ طلاق السَّكران لا يقع، وتَعقَّبَه عياض بأنَّه لا يَلزَم من دَرء الحدّ به أنَّه لا يقع
طلاقُه، لوجودِ تُهمَته على ما يُظهِره من عَدَمِ العقل، قال: ولم يُخْتَلَف في غير الطافح أنَّ
طلاقه لازِمٌ، قال: ومذهبنا التِزامُه بجميع أحكام الصَّحيح، لأنَّه أدخَلَ ذلك على نفسه،
وهو حقيقة مذهب الشافعيِّ، واستَنَى مَن أُكره ومَن شَرِبَ ما ظنَّ أنَّه غير مُسكِرٍ، ووافَقَه
بعض مُتأخّري المالكيَّة.
(١) تحرَّف في (س) إلى: الكجي، واللخميّ هو أبو الحسن علي بن محمد الرَّبَعَيّ، له تعليق كبير على ((المدونة)) سماهُ
(التبصرة)). انظر ترجمته في ((ترتيب المدارك)) للقاضي عياض ١٠٩/٨.

٥٥١
باب ٢٣ / ح ٦٨١٧-٦٨١٨
كتاب الحدود
وقال النَّوويّ: الصَّحيح عندنا صِحّة إقرار السَّكران ونُفوذ أقواله فيما له وعليه، قال:
والسُّؤال عن شُربِه الخمرَ محمولٌ عندنا على أنَّه لو كان سكراناً لم يُقَم عليه الحدُّ، كذا أطلقَ فَألزَمَ
التَّنَاقُضَ، وليس كذلك، فإنَّ مُراده لم يُقَم عليه الحدّ لوجودِ الشُّبهة كما تقدَّم من كلام عياض.
قلت: وقد مَضَى ما يَتَعلَّق بذلك في كتاب الطَّلاق(١)، ومن المذاهب الظَّريفة فيه قول اللَّيث:
يُعمَل بأفعاله ولا يُعمَل بأقواله، لأَنَّه يَلتَذّ بفعلِه ويَشفي غَيظه ولا يَفقَه أكثرَ ما يقول، وقد قال
تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُواْ الضَّلَوْةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣].
٢٣ - باب للعاهِرِ الحَجَرُ
٦٨١٧ - حدَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا اللَّيثُ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ رضي الله
عنها، قالت: اختَصَمَ سَعْدٌ وابنُ زَمْعةَ، فقال النبيُّ بِّهِ: «هو لكَ يا عبدُ بنَ زَمْعةَ، الولدُ
للْفِراش، واحتَجِبي منه يا سَوْدُ)).
زادَ لنا قُتَيةٌ، عن اللَّيثِ: ((ولِلْعاهِرِ الحَجَرُ)).
٦٨١٨ - حدَّثْنا آدمُ، حدَّثْنَا شُعْبَةُ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ زیادٍ، قال: سمعتُ أبا هريرةَ، قال النبيُّ
صَلَىاللّه.
وسام
(الولدُ للْفِراش، وللعاهر الحجرُ»./
١٢٨/١٢
قوله: ((باب للعاهِرِ الحَجَرُ)) ذَكَر فيه حديث عائشة في قصَّة ابنٍ وَليدةِ زَمعةً، وقد تقدَّم
شرحه مُستَوفَّى في أواخر الفرائض (٦٧٤٩ و ٦٧٦٥).
أورَدَه عن أبي الوليد عن اللَّيث، وفيه: ((الولدُ للِفِراش)»، وقال بعدَه: زاد قُتَيبة عن اللَّيث:
((وللعاهرِ الحَجَرُ))، وفي رواية أبي ذرٍّ: زادَنا، وقال في البُيوع (٢٢١٨): حدَّثنا قُتَيَبة، فذَكَره
بتَمَامِه.
وذكر هنا حديث أبي هريرة بالجملَتَينِ المذكورتَين، وقد أورَدَه في كتاب القَدَر(٢) من
وَجْهٍ آخرَ مُقْتَصِراً على الجملة الأُولى، وفي ترجمته هنا إشارةٌ إلى أنَّه يُرجّح قولَ مَن أوَّلَ
(١) تحت باب ((الطلاق في الإغلاق والكره والسكران والمجنون)) ورقمه (١١).
(٢) بل في الفرائض (٦٧٥٠).

٥٥٢
باب ٢٤ / ح ٦٨١٩
فتح الباري بشرح البخاري
الحَجَرَ هنا بأنَّه الحَجَرُ الذي يُرجَم به الزّاني، وقد تقدَّم ما فيه، والمراد منه أنَّ الرَّجم
مشروعٌ للزّاني بشَرطِه، لا أنَّ على كلِّ مَن زَنَى الرَّجمَ.
٢٤ - باب الرّجم في البلاط
٦٨١٩ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ عُثْمَانَ، حدَّثْنا خالدُ بنُ مَلَدٍ، عن سليمانَ، حذَّثني عبدُ الله بنُ
دِينارٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، قال: أَتِيَ رسولُ الله ◌َّ بِيهوديٍّ ويهوديَّةٍ قد أحدثا جميعاً،
فقال لهم: ((ما تَجِدونَ في كتابكُم؟» قالوا: إنَّ أحبارَنا أحدثوا تَحمِيمَ الوَجْه والتَّجْبِيةَ، قال
عبدُ الله بنُ سَلَامٍ: ادْعُهم يا رسولَ الله بالتَّوْراةِ، فَأَتِيَ بها، فَوَضَعَ أحدُهم ◌َدِه على آيةِ الرَّجْمِ،
وجَعَلَ يَقْرَأُ ما قبلَها وما بعدَها، فقال له ابنُ سَلامٍ: ارفَعِ يدَكَ، فإذا آيَةُ الرَّجْمِ تحتَ يَدَه، فأمَرّ
بهما رسولُ الله وَِّ فُرُجِما، قال ابنُ عمَرَ: فُرُجِما عندَ البَلاطِ، فرأيتُ اليهوديّ أحنَى عليها.
قوله: ((باب الرَّجْم في البَلاط)) في رواية المُستَمْلي: بالبَلاطِ، بالموخَّدة بَدَل: في، فَفَهِمَ
منه بعضُهم أنَّه يريد أنَّ الآلة التي يُرجَم بها تجوز بكلِّ شيء حتَّى بالبَلاطِ، وهو بفتح الموحّدة
وتخفيف(١) اللّام: ما تُفرَش به الدُّور من حجارة وآجُرٍّ وغير ذلك، وفيه بُعدٌ، والأوْلى أنَّ
الباءَ ظَرفيَّة ودَلَّ على ذلك رواية غير المُستَمْلِي.
والمراد بالبلاطِ هنا: موضعٌ معروفٌ عند باب المسجد النبويّ كان مفروشاً بالبلاط،
ويُؤيِّد ذلك قولُه في هذا المتن: فُرُجِما عند البَلاط، وقيل: المراد بالبلاطِ: الأرضُ الصُّلبة
سواءٌ كانت مَفروشةً أم لا، وَرَجَّحَه بعضُهم والرَّاجح خِلافه.
قال أبو عُبيد البكريّ: البلاط بالمدينة: ما بين المسجد والسُّوق، وفي ((الموطَّأ)) (١/ ٨١)
عن عَمِّه أبي سُهَيل بن مالك بن أبي عامر عن أبيه: كنَّا نَسمَع قراءة عمر بن الخطّاب ونحنُ
عند دار أبي جَهْم بالبلاطِ.
وقد استَشكَلَ ابن بَطّال هذه التَّرجمةَ فقال: البلاط وغيرُه(٢) في ذلك سواءٌ.
(١) تحرَّف في (س) إلى: وفتح.
(٢) يعني: وغيره من الأمكنة، كما وقع في ((شرح ابن بطّال)) ٨/ ٤٣٧.

٥٥٣
باب ٢٤ / ح ٦٨١٩
كتاب الحدود
وأجابَ ابن المنّيِّر بأنَّه أراد أن يُنَبِّه على أنَّ الرَّجم لا يَخْتَصّ بمكانٍ مُعيَّن، للأمرِ بالرَّجمِ
بالمصَلَّى تارةً وبالبلاطِ أُخرى، قال: ويحتمل أنَّه أراد أن يُنبِّه على أنَّه لا يُشتَرَط الحفرُ للمَرَجُومِ
لأَنَّ البَلاط لا يَتَأَتَى الْحَفرُ فيه، وبهذا جَزَمَ ابن القَيِّم وقال: أراد رَدَّ رواية بشير بن المهاجِر عن
ابن(١) بُرَيدة عن أبيه: أنَّ النبيَّ ◌َّهِ أَمَرَ فخُفِرَت لماعِزِ بن مالك حُفرة فُرُجِمَ فيها، أخرجه مسلم
(٢٣/١٦٩٥) قال: وهو وهمٌ سَرَى من قصَّة الغامديَّة إلى قصّة ماعِز.
قلت: ويحتمل أن يكون أراد أن يُنبِّه على أنَّ المكان الذي يُجاوِر المسجد لا يُعطَى حُكم
المسجد في الاحترام، لأنَّ البَلاط المشار إليه موضعٌ كان مُجَاوِراً للمسجدِ النبويّ كما تقدَّم،
ومع ذلك أمَرَ بالرَّجمِ عنده، وقد وَقَعَ في حديث ابن عبّاس عند أحمدَ (٢٣٦٨) والحاكم
(٤ / ٣٦٥): أمَرَ رسول الله وَّ بَرَجمِ اليهودِيَّينِ عند بابِ المسجدِ.
قوله: ((حدَّثنا محمَّد بن عُثْمان))/ زاد أبو ذَرٍّ: ابن كَرامةَ.
١٢٩/١٢
قوله: ((عن سليمان)) هو ابن بلال، وهو غريبٌ عنه(٢)، ضاقَ على الإسماعيليّ ◌َرَجُه،
فأخرجه عن عبد الله بن جعفر المدينيّ أحد الضُّعَفاء، ولو وَقَعَ له(٣) عن سليمان بن بلال لم
يَعدِل عنه، وكذا ضاقَ على أبي نُعَيم فلم يَستَخِرِجه بل أورَدَه بسندِه عن البخاريّ، وخالد
ابن تَخَلَد أكثرَ البخاريّ عنه بواسطةٍ وبغير واسطة، وقد تقدَّم له في الرِّقاق (٦٥٠٢) عن
محمَّد بن عثمان بن كرامة عن خالد بن تَخَلَد حديث، وتقدَّم في العلم (٦٢) والهِبة (١٦١٩)
والمناقب (٣٧١٧) وغيرها عِدّة أحاديث، وكذا يأتي في التَّعبير والاعتصام(٤) عن خالد بن
تَلَد بغير واسطة.
وقوله في المتن: ((قد أحدثا)) أي: فعَلا أمراً فاحشاً.
وقوله: ((أحدثوا)) أي: ابتَكَروا.
(١) تحرَّف في (س) إلى: أبي.
(٢) قوله: ((عنه)) سقط من (س).
(٣) قوله: ((له)) سقط من (س).
(٤) بل في التمنّ (٧٢٣١)، وفي التوحيد (٧٣٧٩).

٥٥٤
باب ٢٤ / ح ٦٨١٩
فتح الباري بشرح البخاري
وقوله: (تَحميم الوجه)) أي: يُصَبّ عليه ماء حارّ مخلوط بالرَّمادِ، والمراد تَسخيم (١)
الوجه بالحُمَمِ (٢) وهو الفَحْم.
وقوله: ((والتَّجبيه)) بفتح المثنّة وسكون الجيم وكسر الموحَّدة، بعدها ياءٌ آخِرُ الحروف
ساكنةٌ، ثمَّ هاءٌ أصليَّةٌ: من جَبَهت الرَّجُلَ: إذا قابَلتَه بما يَكرَه من الإغلاظ في القول أو
الفعل، قاله ثابتٌ في ((الدَّلائل)) وسَبَقَه الْحَرْبيّ، وقال غيره: هو بوزنٍ تَذكِرة، ومعناه:
الإركاب معكوساً(٣)، وقال عياض: فُسِّرَ التَّجبيه في الحديث بأنَّهما يُجُلَدان، وتُحَمَّم وُجُوههما
ويُحُمَلان على دابّة مُخَالَفاً بين وجوههما، قال الحَرْبيّ: كذا فَسَّرَه الزُّهْريّ.
قلت: غَلِطَ مَن ضَبَطَه هنا بالنّونِ بَدَل الموخَّدة، ثمَّ فَسَّرَه بأن يُحمَل الزّانيان على بعير
أو حِمار ويُخالَف بين وجوههما، والمعتمَد ما قال أبو عُبيد (٤): التَّجبيه: أن يَضَعِ اليَدَينِ على
الرُّكَبَتَينِ وهو قائمٌ فيصير كالرَّاكِعِ، وكذا أن يَنكَبّ على وجهه باركاً كالساجد، وقال
الفارابيّ: جَبّى بفتح الجيم وتشديد الموخَّدة: قامَ قيام الرَّاكِع وهو عُرْيانٌ. والذي بالنّونِ
بعد الجيم إنَّما جاء في قوله: فرأيت اليهوديَّ يُجاني عليها، وسيأتي، ووقع هنا (٥): فرأيتُ
اليهوديّ أحَنَى عليها. وقد ضُبِطَت بالحاءِ المهمَلة ثمَّ نونٍ بلفظ الفعل الماضي، أي: أكَبَّ
عليها، يقال: أحنَتِ المرأةُ على ولدِها حُنُوّاً وحَنَت بمعنَى، وضُبِطَت بالجيم والنُّون، فعند
(١) وقع في ((عمدة القاري) ٢٩٤/٢٣: ((وهو تسجيمه)) بالجيم، أي: تسويده بالفحم. وقوله ((بالجيم)) لعله
سهوٌ منه، فلم يُنقل ذلك عن أحد من أهل اللغة، ولا ذكره أصحاب الشروح، والصواب ما وقع عند
الحافظ هنا.
(٢) كذا في الأصلين، ومثله في ((عمدة القاري)) ٢٩٤/٢٣ وقال: ((بضمِّ الحاء المهملة وفتح الميم المخفّفة)) وتحرّف
في (س) إلى: ((بالحميم)»، والحميم: الماء الحارّ، ولا يصحُّ هنا.
(٣) كذا في (أ)، ومثله في ((عمدة القاري)) ٣٩٤/٢٣، و((إرشاد الساري)) ٢١٢/١٠، وسقط من (ع)،
وتحرّف في (س) إلى ((منكوساً).
(٤) تحرَّف في (أ) و(س) إلى: أبو عبيدة وإنما هو كلام أبي عبيد القاسم بن سلام في ((الغريب)) ٧٦/٤. وجاء
على الصواب في (ع).
(٥) قوله «مجاني عليها، وسيأتي، ووقع هنا)) سقط من (س).

٥٥٥
باب ٢٥ / ح ٦٨٢٠
كتاب الحدود
الأَصِيلِيّ بالهمز وعند أبي ذرِّ بلا همز(١)، وهو بمعنى الذي بالمهمَلة.
قال ابن القَطّع: جَنأ على الشَّيء: حَتَى ظَهرَه عليه. وقال الأصمعيّ: أجنا التُّرْسَ: جعله
مُجناً، أي: مُحْدَوْدِياً، وقال عياض: الصَّحيح في هذا ما قاله أبو عُبيد، يعني بالجيم والهمز،
والله أعلم.
وسيأتي مزيد لهذا في شرح حديث رَجْمٍ (٢) اليهوديَّينِ في «باب أحكام الذِّمّة)) (٦٨٤١).
٢٥ - باب الرَّجْم بالمُصلّى
٦٨٢٠ - حدَّثَنا محمودٌ، حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، أخبرنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن أبي سَلَمةَ،
عن جابر: أنَّ رجلاً من أسلَمَ جاء النبيَّ ◌َّ فَاعْتَرَفَ بالزِّنِى، فأعرَضَ عنه النبيُّ ◌َّهَ حَتَّى شَهِدَ
على نفسِه أربعَ مَّاتٍ، قال له النبيُّ وَّهِ: ((أَبِكَ جنونٌ؟)) قال: لا قال: ((آحْصَنْتَ؟)) قال: نعم،
فأمَرَ به فُرُجِمَ بالمصَلَّى، فلمَّا أذْلَقَتْه الحجارةُ فَّ، فَأُدْرِكَ فُرُجِمَ حتَّى ماتَ، فقال له النبيُّ ◌َّلـ
خیراً، وصَلّى عليه.
لم يَقُل يونسُ وابنُ جُرَيج، عن الزُّهْريِّ: فصَلَّى عليه.
سُئل أبو عبد الله: فصلّى عليه، يصحُّ؟ قال: رواه مَعمرٌ، قيلَ له: رواهُ غير مَعمرٍ؟ قال: لا.
قوله: ((باب الرَّجْم بالمصَلَّى)) أي: عنده، والمراد المكان الذي كان يُصَلّى عنده العيد والجنائز،
وهو من ناحية بَقيع الغَرْقَد، وقد وَقَعَ في حديث أبي سعيد عند مسلم (١٦٩٤ / ٢٠): فأمَرَنا
أن نَرجُمَه، فانطَلَقنا به إلى بَقيع الغَرقَد. وفَهمَ بعضهم كَعياضٍ من قوله: ((بالمصَلَّ)) أنَّ
الرَّجم وَقَعَ داخلَه، وقال: يُستَفاد منه أنَّ المصَلَّى لا يَثْبُت له حُكمُ / المسجد، إذ لو ثَبَتَ له ١٣٠/١٢
ذلك لاجتُنِبَ الرَّجمُ فيه لأنَّه لا يُؤْمَن التَّلويثُ من المرجُوم، خِلَافاً لما حكاه الدَّارِمِيُّ: أنَّ
المصَلَّى يَتْبُت له حُكم المسجد ولو لم يوقَف.
(١) هذا مخالفٌ لما وقع في اليونينية، ففي هامشها أن رواية أبي ذرّ (أحنى)) بالهمز وبالحاء المهملة، وقال القسطلاني في
((إرشاد الساري)) ١٢/١٠: ولأبي ذرّ: ((أحنى)) بالحاء المهملة مقصوراً!
(٢) قوله: ((رجم)) سقط من (س).

٥٥٦
باب ٢٥ / ح ٦٨٢٠
فتح الباري بشرح البخاري
وتُعقّبَ بأنَّ المراد أنَّ الرَّجم وَقَعَ عنده لا فيه كما تقدَّم في البلاط، وأنَّ في حديث ابن عبّاس:
أنَّ النبيَّ ◌َّهِ رَجَمَ اليهودَينِ عند باب المسجد (١)، وفي رواية موسى بن عُقْبة: أَّهما رُجِما قريباً من
موضع الجنائز قُرب المسجد (٣)، وبأنَّه ثَبَتَ في حديث أمّ عَطيَّة(٣) الأمرُ بخروجِ النِّساء حتَّى
الخُيّض في العيد إلى المصَلَّى، وهو ظاهرٌ في المراد، والله أعلم.
وقال النَّوويّ: ذكر الدَّارِمِيُّ من أصحابنا أنَّ مُصَلَّى العيد وغيرِه إذا لم يكن مسجداً يكون في
ثُبُوت حُكم المسجد له وجهان: أصحُّهما: لا، وقال البخاريّ وغيره: في رَجم هذا بالمصَلَّى دليلٌ
على أنَّ مُصَلَّى الجنائز والأعياد إذا لم يُوقَف مسجداً لا يثبت له حُكم المسجد، إذلو كان له حُكم
المسجد لاجتُنِبَ فيه ما يُجْتَنَب في المسجد. قلت: وهو كلام عياض بعَينِه، وليس للبخاريِّ منه
سوى التَّرجمة.
قوله: ((حدَّثنا محمود)» في رواية غير أبي ذرٍّ: حدَّثني، وللنَّسَفيِّ: محمود بن غَيْلان، وهو
المروزيُّ، وقد أكثر البخاريّ عنه.
قوله: ((أخبَرَنا مَعْمَر)) في رواية إسحاق بن راهويه في ((مُسنَده)) عن عبد الرَّزّاق: أخبرنا
مَعمَر وابن جُرَيج، وكذا أخرجه مسلم (١٦/١٦٩١) عن إسحاقَ.
قوله: ((فاعْتَرَفَ بالزِّنى)) زاد في رواية إسحاق: فأعرَضَ عنه، أعادَها مرَّتَين.
قوله: ((فأمَرَ به فُرُجِمَ بالمصَلَّى)) ليس في رواية يونس: بالمصَلَّى، وقد تقدَّمَت في ((باب
رَجم المحصَن)) (٦٨١٤) (٤)، وسيأتي (٦٨٢٥) في رواية عبد الرَّحمن بن خالد بلفظ: كنت
فيمَن رَجَه فَرَجَمناه بالمصَلَّى.
(١) أخرجه أحمد في «مسنده)) (٢٣٦٨)، والطبراني في «الكبير)) (١٠٨٢٠)، والحاكم ٣٦٥/٤.
(٢) سلف برقم (١٣٢٩).
(٣) سلف برقم (٣٢٤)، وأخرجه مسلم (٨٩٠).
(٤) لكن سلفت ليونس رواية في الطلاق فيها: ((فأمر به أن يُرجم بالمصلّى)) كما في رواية معمر هنا، وكذلك في
رواية عقيل المتقدمة برقم (٦٨١٦)، وهذا يعني أن ذِكْر ((المصلّ)) لم ينفرد به معمر وعبد الرحمن بن خالد
عن الزهريّ کما یُوهم کلامُ الحافظ هنا، وإنما وقع عند كل مَن رواه عنه.

٥٥٧
باب ٢٥ / ح ٦٨٢٠
كتاب الحدود
قوله: ((فقال له النبيّ ◌ََّ خيراً)) أي: ذَكَرِه بجَميلٍ. ووَقَعَ في حديث أبي سعيد عند مسلم
(٢٠/١٦٩٤): فما استَغْفَرَ له ولا سَبَّه. وفي حديث بُرَيدة عنده (٢٢/١٦٩٥): فكان الناس
فيه فِرِقَتَين: قائلٌ يقول: لقد هَلَكَ لقد أحاطت به خطيئْتُهُ، وقائلٌ يقول: ما تَوبةٌ أفضلَ من
تَوبة ماعِزٍ، فَبِثوا ثلاثاً(١)، ثمَّ جاء رسول الله وَّه فقال: ((استَغفِروا لماعِزِ بن مالك))، وفي
حديث بُرَيدة أيضاً: (لقد تابَ تَوبةً لو قُسِمَت على أُمَّةٍ لَوسِعَتهم))، وفي حديث أبي هريرة عند
النَّسائيِّ (ك ٧١٦٢): «لقد رأيتُه بين أنهار الجنَّة يَنْغَمِسُ، قال: يعني يَتَنَعَّم)) كذا في الأصل،
وفي حديث جابر عند أبي عَوَانة (٦٢٦٧): «لقد (٢) رأيته يَتَخَضخَض في أنهار الجنَّة))، وفي
حديث اللَّجْلاج عند أبي داود (٤٤٣٥) والنَّسائيِّ (ك ٧١٤٦ ٧١٤٧): «ولا تَقُل له: خَبِيثٌ، لهو
عند الله أطيَبُ من ريح المسك))، وفي حديث أبي الفِيْل(٣) عند التِّرمِذيّ: ((لا تَشْتُمْهُ))، وفي
حديث أبي ذرٍّ عند أحمدَ (٢١٥٥٤): «قد غُفِرَ له وأُدخِلَ الجنَّة)).
قوله: ((وصَلَّى عليه)) هكذا وَقَعَ هنا عن محمود بن غَيْلان عن عبد الرَّزّاق، وخالَفَه محمَّد
ابن يحيى الذُّهْلِيُّ وجماعة عن عبد الرَّزّاق، فقالوا في آخره: ولم يُصَلِّ عليه. قال المنذريُّ في
حاشية ((السُّنَن)): رواه ثمانية أنفُس عن عبد الرَّزّاق فلم يَذكُروا قوله: ((وصَلَّى عليه)).
قلت: قد أخرجه أحمدُ في «مُسنَده)) (١٤٤٦٢) عن عبد الرَّزّاق، ومسلم (١٦/١٦٩١) عن
إسحاق بن راهويه، وأبو داود (٤٤٣٠) عن محمَّد بن المتوكّل العَسقَلانيّ، وابن حِبّان (٣٠٩٤)
من طريقه، زاد أبو داود: والحسن بن عليّ الخَلّال، والتِّرمِذيّ (١٤٢٩) عن الحسن بن عليّ
المذكور، والنَّسائيُّ (١٩٥٦) وابن الجارود (٨١٣) عن محمّد بن يحيى الذَّهْلِيّ، زاد النَّسائيُّ:
(١) لفظ الرواية عند مسلم: ((فلبثوا بذلك يومين أو ثلاثة)) على الشَّكِّ.
(٢) تحرَّف في (س): إلى ((فقد)).
(٣) تحرَّف في (س) إلى: ((الفيض))، وأبو الفيل هذا: هو الخزاعيّ، لا يُعرف إلا بهذه الكنية، ذكره ابن أبي حاتم في
(الجرح والتعديل)) ٩/ ٤٢٥ وذكر له هذا الحديث، ونقل ابن عديّ في ((الكامل)) ٥/ ٣٧٠ عن البخاري قوله: لا
يعرف أبو الفيل إلّا بحديث الرَّجم. قلنا: وحديثه هذا أخرجه الترمذي في ((العلل الكبير)) (٤١٢) وقال: سألت
محمّداً عن هذا الحديث فقال: لا أعلم أحداً رواه عن سماك بن حرب غير الوليد بن أبي ثور، قلت له: أبو الفيل،
له صحبة؟ قال: لا أدري، ولا أعرف له غير هذا الحديث الواحد.

٥٥٨
باب ٢٥ / ح ٦٨٢٠
فتح الباري بشرح البخاري
محمَّد (١) بن رافع (ك٧١٣٨) ونوح بن حبيب (١٩٥٦)، والإسماعيليّ والدّارَقُطنيّ (٣٢٤٠)
من طريق أحمد بن منصور الرَّماديّ. زاد الإسماعيليّ: ومحمَّد بن عبد الملك بن زَنجَويه،
وأخرجه أبو عَوَانة (٦٢٦٥) عن اللَّبَريّ ومحمَّد بن مُهِلَّ الصَّنعانيّ(٢)، فهؤلاءِ أكثرُ من عشرة
أنفُس خالَفوا محموداً، منهم مَن سَكَتَ عن الزّيادة ومنهم مَن صَرَّحَ بَنفْيِها.
قوله: (ولم يَقُلْ يونسُ وابنُ جُرَيج عن الزُّهْريِّ: وصَلَّى عليه)) أمَّا رواية يونس فوصَلَها
المؤلِّف رَحِمَه الله كما تقدَّم في ((باب رَجم المحصَن)) (٦٨١٤)، ولفظُه: فأمَرَ به فرُجِمَ وكان
قد أَحصَنَ.
وأمَّا رواية ابن جُرَيج فوصَلَها مسلم (١٦/١٦٩١) مقرونةً برواية مَعمَر، ولم يَسُقِ المَثْنَ،
وساقه إسحاقُ شیخُ مسلم في «مُسنده)، وأبو نُعیم من طريقه، فلم يذكر فيه: وصَلَّى عليه.
١٣١/١٢
قوله: ((سُئلَ أبو عبد الله: / فصَلَّى عليه، يَصِحّ؟ قال: رواه مَعْمَر، قيل له: رواه غيرُ مَعْمَر؟
قال: لا)) وَقَعَ هذا الكلام في رواية المُستَمْلي وحده عن الفِرَبريّ. وأبو عبد الله: هو البخاريّ،
وقد اعتُرِضَ عليه في جَزِمِه بأنَّ مَعمَراً روى هذه الزّيادة، مع أنَّ المنفَرِد بها إنَّما هو محمود
ابن غَيْلان عن عبد الرَّزّاق، وقد خالَفَه العَدَدُ الكثيرُ من الْحُفّاظ فصَرَّحوا بأنَّه لم يُصَلِّ عليه،
لكن ظَهَرَ لي أنَّ البخاريّ قَوِيَت عنده رواية محمود بالشَّواهد، فقد أخرج عبد الرَّزّاق أيضاً
(١٣٣٣٩) وهو في ((السُّنَن)) لأبي قُرَة من وجهٍ آخر عن أبي أُمامةَ بن سهل بن حُنَيف في قصَّة
ماعِزِ قال: فقيلَ: يا رسول الله، أَتُصَلّي عليه؟ قال: ((لا)). قال: فلمَّا كان من الغَد قال: ((صَلُّوا على
صاحِبِكُم)، فصَلَّى عليه رسول الله وَّهِ والناسُ. فهذا الخبر يجمع الاختلافَ، فَتُحمَل رواية
النَّفي على أنَّه لم يُصَلِّ عليه حين رُجِمَ، ورواية الإثبات على أنَّه وَ لَه صَلَّى عليه في اليوم
الثّاني، وكذا طريق الجمع لما أخرجه أبو داود (٣١٨٦) عن بُريدة(٣): أنَّ النبيَّ ◌َّ لم يأمرْ
(١) في (س): ((ومحمد)) بالواو معطوفاً على النسائي، ولا يصحُّ.
(٢) تحرَّف في (س) إلى: ((الصغاني))، وإنما هو الصنعاني نسبة إلى صنعاء.
(٣) هذا سبق قلم من الحافظ رحمه الله، لأنَّ الحديث لأبي بَرْزة الأسلمي، لا لبُريدة، ومنشأ الوهم أنَّ بريدة
روی أيضاً حدیث رجم ماعزٍ، عند مسلم وغيره، وهو أسلميٌّ كذلك.

٥٥٩
باب ٢٥ / ح ٦٨٢٠
كتاب الحدود
بالصَّلاة على ماعِزٍ ولم يَنهَ عن الصَّلاة عليه.
ويَتَأيَّد بما أخرجه مسلم (١٦٩٦) من حديث عِمران بن حُصَينٍ في قصَّة الْجُهَنِيَّة التي
زَنَتِ ورُجِمَت: أنَّ النبيَّ ◌َ صَلَّى عليها، فقال له عمرُ: أَتُصَلّي عليها وقد زَنَت؟ فقال: ((لقد
تابَت تَوبة لو قُسِمَت بين سبعينَ لَوسِعَتهم)).
وحكى المنذِرِيُّ قولَ مَن حَلَ الصلاة في الخبر على الدُّعاء، ثمَّ قال: في قصَّة الجُهَنَّة
دلالةٌ على تَوهين هذا الاحتمال، قال: وكذا أجابَ النَّوويُّ فقال: إنَّه فاسدٌ، لأنَّ التَّأويل لا
يُصار إليه إلّا عند الاضطِرار إليه ولا اضطِرارَ هنا.
وقال ابن العربيّ: لم يَثْبُت أنَّ النبيَّ ◌َّهِ صَلَّى على ماعِزٍ، قال: وأجابَ مَن مَنَعَ عن
صلاته على الغامديَّة لكَونِها عَرَفَت حُكمَ الحدّ وماعِزٌ إنَّما جاء مُستَقهماً، قال: وهو جوابٌ
واهٍ، وقيل: لأنَّ قَتَله غَضَباً لله، وصلاتُه رحمةٌ فَتَنَافَيا، قال: وهذا فاسدٌ لأنَّ الغضب انتهى،
قال: ومحلّ الرَّحمة باقٍ، قال: والجوابُ المرضيُّ أنَّ الإمام حيثُ تَرَكَ الصَّلاةَ على المحدود كان
رَدعاً لغيره. قلت: وتمامُه أن يقال: وحيثُ صَلَّى عليه يكون هناك قَرِينَةٌ لا يُحتاج معها إلى
الرَّدْع، فيَختلف حينئذٍ باختلاف الأشخاص.
وقد اختَلَفَ أهل العلم في هذه المسألة: فقال مالكٌ: يأمر الإمام بالرَّجم ولا يَتَولّاه
بنفسِه ولا يُرفَع عنه حتَّى يموتَ، ويُحُلَّى بينه وبين أهله يُغَسِّلُونَه ويُصَلّونَ عليه ولا يُصَلّي
عليه الإمامُ، رَدْعاً لأهلِ المعاصي إذا عَلموا أنَّه مَّن لا يُصَلَّى عليه، ولئلّا يَجِتَرِئ الناس على
مِثل فِعْله.
وعن بعض المالكيَّة: يجوز للإمام أن يُصَلَّ عليه، وبه قال الجمهور، والمعروفُ عن
مالكٍ: أنَّه يَكرَه للإمام وأهلِ الفَضْلِ الصلاةُ على المرجُوم، وهو قول أحمدَ.
وعن الشافعيِّ: لا يُكرَه، وهو قولُ الجمهور.
وعن الزُّهْريِّ: لا يُصَلَّى على المَرْجُوم ولا على قاتلِ نفسِه، وعن قَتَادة: لا يُصَلَّى على
المولود من الزّنى.

٥٦٠
باب ٢٦ / ح ٦٨٢١ - ٦٨٢٢
فتح الباري بشرح البخاري
وأطلقَ عياض فقال: لم يختلف العلماء في الصلاة على أهل الفِسْقِ والمعاصي والمقتولينَ في
الحدود، وإن كَرِهَ بعضُهم ذلك لأهلِ الفضل إلّا ما ذهب إليه أبو حنيفة في المحاربينَ، وما ذهب
إليه الحسنُ في الميّتة من نِفاس الزِّنى، وما ذهب إليه الزُّهْرِيّ وقَتَادة، قال: وحديثُ الباب في
قصَّة الغامديَّة حُجّةٌ للجُمهور، والله أعلم.
٢٦ - باب من أصاب ذَنْباً دُون الحدِّ فأخبرَ الإمامَ، فلا عقوبةَ عليه بعدَ الّوبة،
إذا جاء مُستَقتياً
قال عطاءٌ: لم يُعاقبُهُ النبيُّ أَلُّؤ.
وقال ابنُ جُرَيج: لم يُعاقبِ الذي جامَعَ في رمضانَ.
وَلم يُعاقب عمرُ صاحبَ الظَّبِّي.
وفِيه: عن أبي عثمانَ، عن ابن مسعودٍ، عن النبيِّ ◌َّ.
٦٨٢١ - حدَّثنا قُتَبةُ، حدَّثنا اللَّيثُ، عن ابنِ شِهابٍ، عن مُميدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي
١٣٢/١٢ هريرةَ/: أنَّ رجلاً وقَعَ بامرأتِه في رمضانَ، فاستَفْتَى رسولَ الله ◌َّةِ، فقال: «هل تَجِدُ رَقَبَةً؟))
قال: لا، قال: ((هل تَستطيعُ صيامَ شَهْرَينٍ؟)) قال: لا، قال: ((فأطْعِم ◌ِتِينَ مِسْكيناً)).
٦٨٢٢ - وقال اللَّيثُ: عن عَمْرِو بنِ الحارثِ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ القاسمِ، عن محمَّدِ بنِ
جعفرِ بنِ الزُّبَيرِ، عن عَبّادِ بنِ عبدِ الله بنِ الزُّبَيرِ، عن عائشةَ: أتى رجلٌ النبيَّ وَّه في المسجدِ
قال: احتَرَقْتُ! قال: ((مِمَّ ذاكَ؟)) قال: وقَعْتُ بامرأتي في رمضانَ، قال له: ((تَصَدَّق)) قال: ما
عندي شيءٌ، فجَلَسَ وأتاهُ إنسانٌ يَسُوقُ حِماراً ومعه طعامٌ - فقال عبدُ الرَّحمنِ: ما أدري ما
هو؟ - إلى النبيِّ وَّه فقال: ((أينَ المحْتَرِقُ؟» فقال: ها أنا ذا، قال: ((خُذْ هذا فَتَصَدَّقْ به)) قال:
على أحوَجَ منّي؟ ما الأهلي طعامٌ، قال: ((فَكُلُوهُ)).
قال أبو عبدِ الله: الحديثُ الأوَّلُ أبيَنُ، قولُه: «أَطْعِمْ أهلَكَ)).
قوله: ((باب مَن أصاب ذَنْباً دونَ الحدِّ فأخبر الإمامَ، فلا عُقوبةَ عليه بَعْد التَّوْبة، إذا جاء
مُسْتَفْتياً)) كذا للأكثرِ بفاءِ ساكنة بعدها مُثنّةٌ مكسورةٌ، ثمَّ ياءٌ آخِرِ الحروفِ: من الاستفتاء،