النص المفهرس
صفحات 521-540
٥٢١ باب ٢٠ / ح ٦٨٠٨ كتاب الحدود ووَقَعَت في الأدب(١) من طريق جَرِير عن الأعمَش، وساقَ إلى قوله: ﴿يَلْقَ أَثَامًا } ولم يقع ذلك في رواية جَرِير عن منصور كما بيَّنْه مسلم (١٤١/٨٦)، وأخرجه التِّرمِذيّ (٣١٨٣) من طريق شُعْبة، والنَّسائيُّ (ك ٧٠٨٧) من طريق مالك بن مِغْوَلٍ، كلاهما عن واصلِ الأحدَبِ، وساقَه إلى قوله تعالى: ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ، مُهَانًا﴾(٢) [الفرقان: ٦٩]. ووَقَعَ لغير أبي ذرِّ بحذفِ الواو في قوله: ((وقول الله)). قوله: ﴿ وَلَ نَقْرَبُواْ الزِنَّ إِنَّهُ, كَانَ فَاحِشَةٌ﴾ زاد في رواية النَّسَفيّ: إلى آخر الآية، والمشهور في الزِّنى القَصْرُ، وجاء المدُّ في بعض اللُّغات. وذَكَر في الباب أربعةً أحاديث: الحديث الأول: ٦٨٠٨ - حدَّثَنَا داودُ بنُ شَبِيبٍ، حدَّثْنَا هَمَّامٌ، عن قَتَادَةَ، أخبرنا أنسٌ، قال: لأُحدِّثَنَّكم حديثاً لا يُحدِّئُكُموهُ أحدٌ بَعْدي، سمعتُه منَ النبيِّ وَّةِ، سمعتُ النبيَّ ◌َّ يقول: ((لا تقومُ الساعةُ - وإمّا قال: من أشراطِ الساعةِ - أن/ يُرْفَعَ العِلْمُ، ويَظْهَرَ الجَهْلُ، ويُشْرَبَ الخمرُ، ويَظْهَرَ الزُّنى، ويَقِلَّ الرِّجالُ، ويَكْثُرَ النِّساءُ، حتَّى يكونَ للْخمسينَ امرأةَ القَيِّمُ الواحدُ». ١١٤/١٢ قوله: ((حدَّثنا)» في رواية غير أبي ذرِّ والنَّسَفيّ: أخبرنا. قوله: «داود بن شبيب» بِمُعجمٍ وموخَّدة وزن عظیم: هو الباهليّ، يُكْنی أبا سليمان، بصريٌّ صَدوقٌ، قاله أبو حاتم، وقال البخاريّ: ماتَ سنة اثنتَينٍ وعشرينَ. قلت: ولم يُخرِّج / عنه إلّا في هذا الحديث هنا فقط، وقد تقدَّم في العلم (٨١) من طريق ١١٥/١٢ شُعْبة عن قَتَادة بزيادةٍ في أوَّله، وتقدَّم شرحه في كتاب العلم (٨٠). والغَرَضُ منه قولُه فيه: ((ويظهر الزِّنى)) أي: يَشيع ويَشْتَهِر بحيثُ لا يُتَكانَم به لكَثْرة مَن يَتَعاطاه، وقد تقدَّم سَبَبُ قول أنسٍ: لا يُحدِّئُكُموه أحدٌ بعدي. (١) بل في الديات (٦٨٦١)، وفي التوحيد (٧٥٣٢). (٢) كذا ساقه الترمذي، أما النسائي فساقه إلى قوله: ﴿يَلْقَ أَنَامًا﴾. ٥٢٢ باب ٢٠ / ح ٦٨٠٩ فتح الباري بشرح البخاري الحديث الثاني: حديث ابن عبّاس: ((لا يَزني الزّاني)). ٦٨٠٩- حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، أخبرنا إسحاقُ بنُ يوسُفَ، أخبرنا الفُضَيلُ بنُ غَزْوانَ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: قال رسولُ الله ◌َّ: ((لا يَزْنِي العبدُ حينَ يَزْني وهو مُؤْمِنٌ، ولا يَسْرِقُ حينَ يَسْرِقُ وهو مُؤْمِنٌ، ولا يَشْرَبُ حينَ يَشْرَبُ وهو مُؤْمِنٌ، ولا يقتلُ وهو مُؤْمِنٌ)). قال عِكْرمةُ: قلتُ لابنِ عبَّاسٍ: كيفَ يُنْزَعُ الإيمانُ مِنْه؟ قال: هكذا - وشَبَّكَ بينَ أصابعِهِ، ثمَّ أخرَجَها فإن تابَ عادَ إليه هكذا، وشَبَّكَ بينَ أصابعِهِ. وقد تقدَّم شرحُه مُستَوفَّى في شرح حديث أبي هريرة في أوَّل الحدود (٦٧٧٢)، وقولُ ابن جَرِير: إنَّ بعضهم رواه بصيغة النَّهي: ((لا يَزْنِيَنَّ مُؤمِن))، وإنَّ بعضَهم حَمَلَه على المسْتَحِلّ، وساقه بسنده عن ابن عبّاس. وإسحاق بن يوسف المذكور في السَّنَد: هو الواسطيُّ المعروف بالأزْرَق، والفُضَيلُ بفاءٍ ومُعجَمةٍ مُصغَّر، وأبوه غَزْوان بغَينِ مُعجَمة ثمَّ زاي ساكنةٍ بوزنٍ شعبان. وقوله فيه: ((قال عِكْرمة ... )) إلى آخره، هو موصول بالسَّنَدِ المذكور. وقوله: ((وشَبَّكَ بين أصابعه)) في رواية الإسماعيليّ من طريق إسماعيل بن هُودٍ الواسطيّ عن خالد الذي أخرجه البخاريّ من طريقه وقال: هكذا، فوَصَفَ صِفَةً لا أحفَظها. وقد قَدَّمت الكلام على الصِّفة المذكورة هُناكَ. قال التِّرمِذيّ بعد تخريج حديث أبي هريرةَ، وحكاية تأويل ((لا يَزني الزّاني وهو مُؤمِن)): لا نعلم أحداً كَفَّرَ أحداً بالزِّنى والسَّرِقة والشُّرب. يعني: مَمَّن يُعتَدُّبخِلَافه، قال: ((وقد رُويَ عن أبي جعفر - يعني: الباقر - أنَّه قال في هذا: خَرَجَ من الإيمان إلى الإسلام(١). يعني: أنَّه جَعَلَ الإيمانَ أخصَّ من الإسلام، فإذا خَرَجَ من الإيمان بَقِيَ في الإسلام وهذا يوافق قول الجمهور: إنَّ المراد بالإيمان هنا كمالُه لا أصلُه، والله أعلم. (١) قوله هذا بعد الحديثين (٢٦٢٥) و(٢٦٢٦). ٥٢٣ باب ٢٠ / ح ٦٨١٠ - ٦٨١١ كتاب الحدود الحديث الثالث: حديث أبي هريرة في ذلك. ٦٨١٠ - حدَّثْنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن الأعمَشِ، عن ذَكْوانَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال النبيُّ ◌َّ: ((لا يَزْنِي الزّاني حينَ يَزْني وهو مُؤْمِنٌ، ولا يَسْرِقُ حينَ يَسْرِقُ وهو مُؤْمِنٌ، ولا يَشْرَبُ حينَ يَشْرَبُها وهو مُؤْمِنٌ، والتَّوْبةُ مَعْروضةٌ بَعْدُ». قد مَضَى الكلام عليه (٦٧٧٢)، وعلى قوله في آخره: ((والتَّوبةُ معروضةٌ بعدُ». الحديث الرابع: حديث عبد الله: هو ابن مسعود. ٦٨١١ - حدَّثْنَا عَمْرو بنُ عليٍّ، حدَّثنا يحيى، حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثني منصورٌ وسليمانُ، عن أبي وائلٍ، عن أبي مَيسَرةَ، عن عبدِ الله ﴾، قال: قلتُ: يا رسولَ الله، أيُّ الذَّنْبِ أعظَمُ؟ قال: ((أن تَجْعَلَ له نِدّاً وهو خَلَقَكَ)) قلتُ: ثمَّ أَيُّ؟ قال: ((أن تَقْتُلَ ولدَكَ أَجْلَ أن يَطْعَمَ مَعَكَ)) قلتُ: ثمَّ أيُّ؟ قال: ((أن تُزانيَ حَلِيلَةَ جارِكَ)). قال يحيى: وحدَّثنا سفيانُ، حدَّثني واصلٌ، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ الله، قلتُ: يا رسولَ الله، مِثْلَه. قال عَمْرٌو: فَذَكَرْتُه لعبدِ الرَّحمنِ، وكان حدَّثنا، عن سفيانَ، عن الأعمَشِ ومنصورٍ وواصلٍ، عن أبي وائلٍ، عن أبي مَيسَرةَ، قال: دَعْهُ دَعْهُ. قوله: ((عَمْرو بن عليّ)) هو الفَلّاس، ويحيى هو: ابن سعيد القَطّان، وسفيان: هو الثَّوْريّ، ومنصور: هو ابن المعتمِر، وسليمان: هو الأعمش، وأبو وائل: هو شَقِيق، وأبو مَيسَرة: هو عَمْرو بن شُرَحبيل، وواصلٌ المذكور في السَّنَد الثّاني: هو ابن حَيّان بمُهمَلةٍ وتحتانيَّة ثقيلة، هو المعروف بالأحدَب، ورجال السَّنَد من سفيان فصاعِداً كوفيّونَ. وقوله: ((قال عَمْرٌو)) هو ابن عليٍّ المذكور ((فَذَكَرْتُه لعبدِ الرَّحمن)) يعني: ابن مَهديّ ((وكان حذَّثنا)) هكذا ذكره البخاريّ عن عَمْرو بن عليّ، قَدَّمَ رواية يحيى على رواية عبد الرَّحمن وعَقَّبَها بالفاءِ، وقال الهيثَم بن خَلَف فيما أخرجه الإسماعيليّ عنه: عن عَمْرو بن عليّ حدَّثنا عبد الرَّحمن بن مَهديّ، فساقَ روايتَه وحَذَفَ ذِكْرَ واصلٍ من السَّنَد، ثمّ قال: وقال عبد الرَّحمن ٥٢٤ باب ٢٠ / ح ٦٨١١ فتح الباري بشرح البخاري مرَّةً: عن سفيانَ عن منصورٍ والأعمَش وواصلٍ، قال: فقلت لعبد الرَّحمن: حدَّثنا يحيى بن سعيد، فذَكَره مُفَصَّلاً، فقال عبد الرَّحمن: دَعْهُ. والحاصل أنَّ الثَّوْريَّ حدَّث بهذا الحديث عن ثلاثة أنفُسٍ حَدَّثوه به عن أبي وائل، فأمَّا الأعمَش ومنصورٌ فأدخَلا بين أبي وائل وبين ابن مسعود أبا مَيسَرة، وأمَّا واصِلٌ فحَذَفَه، فضَبَطَه يحيى القَطّان عن سفيان هكذا مُفَصَّلاً، وأمَّا عبد الرَّحمن فحدَّث به أوَّلاً بغير تفصيلٍ، فحَمَلَ رواية واصلٍ على رواية منصورٍ والأعمَشِ، فجَمَعَ الثلاثةَ وأدخَلَ أبا مَيَسَرة في السَّنَد، فلمَّا ذكر له عَمْرو بن عليّ: أنَّ يحيى فضَّلَه كأنَّه تَرَدَّدَ فيه، فاقتَصَرَ على التَّحديث به عن سفيان عن منصور والأعمَش حَسْبُ، وتَرَكَ طريقَ واصلٍ، وهذا معنى قوله: ((فقال: دَعْهُ دَعْهُ)) أي: اترُكْهُ، والضَّميرُ الطَّريق التي اختُلِفَ فيها وهي رواية واصلٍ، وقد زاد الهَيثَم بن خَلَف في روايته بعد قوله: دَعْهُ: فلم یذكُر فیه واصلاً بعد ذلك، فعُرِفَ أنَّ معنى قوله: دَعْهُ، أي: اتُرُكِ السَّنَد الذي ليس فيه ذِكْرُ أبي مَيسَرة. وقال الكِرْمانيُّ: حاصلُه أنَّ أبا وائل - وإن كان قد روى كثيراً عن عبد الله - فإنَّ هذا الحديث لم يَروِهِ عنه، قال: وليس المراد بذلك الطَّعنُ عليه، لكن ظَهَرَ له ترجيحُ ١١٦/١٢ الرِّواية بإسقاطِ الواسطة لموافقة الأكثرينَ، كذا قال، والذي يظهر / ما قَدَّمته أنَّه تَرَكَه من أجل التردُّد فيه، لأنَّ ذِكْر أبي مَيسَرة إن كان في أصل رواية واصلٍ، فَتَحديثُه به بُدُونِه يَسْتَلِزِم أنَّه طَعنٌ فيه بالتَّدليسِ أو بقِّة الضَّبط، وإن لم يكن في روايته في الأصل، فيكون زاد في السَّنَد ما لم يَسمعْهُ، فاكتَفَى برواية الحديث عمَّن لا تَرَدُّدَ عنده فيه، وسَكَتَ عن غيره، وقد كان عبد الرَّحمن حدَّث به مرَّةً عن سفيانَ عن واصلٍ وحدَه بزيادة أبي مَيسَرة. كذلك أخرجه التِّرمِذيّ (٣١٨٢) والنَّسائيُّ (٤٠١٣) لكنَّ الِّرمِذيّ بعد أن ساقَه بلفظ واصلِ عَطَفَ عليه بالسَّنَّدِ المذكور طريق سفيان عن الأعمَش ومنصور (٣١٨٢) قال: بِمِثلِه، وكأنَّ ذلك كان في أوَّل الأمر. ٥٢٥ باب ٢٠ / ح ٦٨١١ كتاب الحدود وذَكَر الخطيبُ هذا السَّنَدَ مِثالاً لنوع من أنواع مُدرَج الإسناد، وذكر فيه أنَّ محمّد بن كثير وافَقَ عبد الرَّحمن على روايته الأولى عن سفيان، فيصير الحديث عن الثلاثة بغير تفصيل(١). قلت: وقد أخرجه البخاريّ في الأدب (٦٠٠١) عن محمَّد بن كثير لكنِ اقْتَصَرَ مِنَ السَّنَد على منصور، وأخرجه أبو داود (٢٣١٠) عن محمَّد بن كثير فضَمَّ الأعمَشَ إلى منصور(٢)، وأخرجه الخطيب(٣) من طريق الطبرانيّ عن أبي مسلم الكَثِّي(٤) عن معاذ بن المشَّى ويوسف القاضي، ومن طريق أبي العبَّاس البِرْتي(٥)، ثلاثتهم عن محمّد بن كثير عن سفيان عن الثلاثة، وكذا أخرجه أبو نُعَيم في ((المستخرَجِ)) عن الطبرانيّ، وفيه ما تقدَّمَ، وذكر الخطيب الاختلاف فيه على منصور وعلى الأعمَش في ذِكْر أبي مَيسَرة وحذفه، ولم يُخْتَلَف فيه على واصلٍ في إسقاطِهِ من غير روايةٍ سفيان. قلت: وقد أخرجه الثِّرمِذيّ (٣١٨٣) والنَّسائيُّ من رواية شُعْبة عن واصل بحذفٍ أبي مَيَسَرةٍ(٢)، لكن قال التِّرمِذيّ: رواية منصور أصحُّ، يعني بإثبات أبي مَيسَرة، وذكر الدّارَ قُطْنيُّ(٧) الاختلاف فيه وقال: رواه الحسن بن عُبيد الله عن أبي وائل عن عبد الله كقولٍ واصلٍ، ونُقِلَ عن الحافظ أبي بكر النَّيسابوريّ أنَّه قال: يُشبِهِ أن يكون الثَّوْرِيُّ ◌َمَعَ بين الثلاثةِ لمَّا حدَّث به ابنَ مَهديّ ومحمَّدَ بنَ كثيرٍ، وفَصَّلَه لمَّا حدَّث به غيرَهما، يعني فيكون الإدراجُ من سفيانَ لا من عبد الرَّحمن، والعلمُ عند الله تعالى. وقد تقدَّم الكلام على شيءٍ من (١) انظر ((الفصل للوصل المدرَج في النقل)) للخطيب البغدادي ٢/ ٨٤٠. (٢) بل اقتصر عند أبي داود على منصور وحده كالبخاري. (٣) في ((الفصل للوصل)) ٢/ ٢٨٠. (٤) كذا في (أ) كما في ((الفصل للوصل))، وتحرف في (ع) و(س) إلى: الليثي، وهو ابن إبراهيم بن عبد الله بن مسلم أبو مسلم الكشي ويقال: الكجي، روى عنه سليمان بن أحمد الطبراني، له ترجمة في ((تاريخ بغداد)» ٦/ ١٢٠، و((التقييد)) لابن نقطة (٢١٤)، و((سير أعلام النبلاء)) ٤٢٣/١٣. (٥) أبو العبّاس البِرْتي: هو أحمد بن محمد بن عيسى البِرْني، وقد تحرَّف في (س) إلى: البرقي. (٦) رواية شعبة عند النسائي (٤٠١٥) إنما هي عن عاصم وليست عن واصل، وقال بإثره: هذا خطأ، والصواب هو واصل. انظر ((تحفة الأشراف)) (٩٣١١) و(٩٤٨٠). (٧) في ((العلل)) ٢٢٠/٥-٢٢٣. ٥٢٦ باب ٢٠ / ح ٦٨١١ فتح الباري بشرح البخاري هذا في تفسير سورة الفُرقان (٤٧٦١). قوله: ((أَيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ؟» هذه رواية الأكثر، ووَقَعَ في رواية عاصم عن أبي وائل عن عبد الله: ((أعظَمُ الذُّنوب عند الله)) أخرجها الحارث(١)، وفي رواية مُسدّد الماضية في كتاب الأدب(٢): ((أيّ الذَّنب عند الله أكبرُ؟))، وفي رواية أبي عبيدة بن مَعْن عن الأعمَش: ((أيّ الذُّنوب أكبرُ عند الله؟)) (٣)، وفي رواية الأعمَش عند أحمدَ (٣٦١٢) وغيره: ((أيُّ الذَّنب أكبر؟))، وفي رواية الحسن بن عُبيد الله عن أبي وائل: ((أكبرُ الكبائر))(٤). قال ابن بَطّال عن المهلَّب: يجوز أن يكون بعض الذُّنوب أعظَمَ من بعض من الذَّنبينِ المذكورَينِ في هذا الحديث بعد الشّرك، لأنَّه لا خِلَاف بين الأُمّة أنَّ اللَّواطَ أعظَمُ إثماً من الزِّنى، فكأنَّه وَّهِ إِنَّمَا قَصَدَ بالأعظَم هنا ما تَكثُرُ مواقَعَتُه، ويظهر الاحتياجُ إلى بيانه في الوقت، كما وَقَعَ في حَقِّ وَفْدِ عبد القيس، حيثُ اقْتَصَرَ في مَنهيّتهم على ما يَتَعلَّق بالأشرِبة لِفُشُوِّها في بلادهم. قلت: وفيما قاله نَظَرٌ من أوجُهٍ: أحدُها: ما نَقَلَه من الإجماع، ولعلَّه لا يَقدِر أن يأتيَ بنَقلٍ صحيحٍ صريحٍ بما ادَّعاه عن إمام واحدٍ، بل المنقول عن جماعة عكسُه فإنَّ الحدّ عند الجمهور، والرَّاجحُ من الأقوال إنَّما (١) ومن طريقه أخرجه الخطيب في ((الفصل للوصل)) ٢/ ٨٣٧. (٢) بل في التفسير برقم (٤٧٦١). (٣) أخرجها الخطيب في ((الفصل للوصل)) ٢/ ٢٨٦، لكن لفظه في المطبوع منه: ((أي الذنب أكبر عند الله؟))، أما لفظ ((أي الذنوب أكبر)) فأخرجه الطحاوي في ((شرح المشكل)) (٨٣٣٨) من طريق سفيان عن الأعمش بإسناد الخطيب، وأخرجه ابن المنذر في ((الأوسط)) (٩١١٥)، والشاشي في ((مسنده)) (٤٨٦) من طريقين عن الأعمش عن أبي وائل، عن ابن مسعود، ليس فيه عمرو بن شرحبيل، وهو موجود في إسناد الخطيب. (٤) أخرجها أبو بكر القاسم بن زكريا المعروف بالمطرِّز في ((فوائده)) ص٢١١، ومن طريقه أخرجها الخطيب في «الفصل للوصل» ٨٣٢/٢، وذكرها الدار قطني في ((أطراف الغرائب)) ١٦١/٤ وقال: تفرّد به أبو خالد الأحمر عن الحسن بن عبيد الله عن أبي وائل. ٥٢٧ باب ٢٠ / ح ٦٨١١ كتاب الحدود ثَبَتَ فيه بالقياس على الزِّنى، والمَقِيسُ عليه أعظَمُ من المَقِيس أو مُساوِيهِ، والخبرُ الوارد في قتل الفاعل والمفعول به أو رَجمِهما ضعيفٌ(١). وأمَّا ثانياً: فما من مَفسَدة فيه إلّا ويُوجَد مِثْلُها في الزِّنى وأشدُّ، ولو لم يكن إلّا ما قُيِّد به في الحديث المذكور، فإنَّ المفسَدة فيه شديدةٌ جدّاً، ولا يَتأَتَّى مِثلها في الذَّنب الآخر، وعلى التنزّل فلا يزيدُ. وأمَّا ثالثاً: ففيه مُصادَمةٌ للنَّصِّ الصَّريح على الأعظَميَّة من غير ضَرُورة إلى ذلك. وأمَّا رابِعاً: فالذي مَثَّلَ به من قصَّة الأشرِبة ليس فيه إلّا أنَّه اقتَصَرَ لهم على بعض المناهي، وليس فيه تصريحٌ ولا إشارةٌ بالحَصرِ في الذي اقتَصَرَ عليه، والذي يظهر أنَّ كلَّ من الثلاثة على / ترتيبها في العِظَم، ولو جازَ أن يكون فيما لم يَذكُره شيءٌ يَنَّصِف بكَونِهِ أعظَمَ منها، لَمَا طابَقَ الجوابُ السُّؤَالَ، نعم يجوز أن يكون فيما لم يَذكُر شيءٌ يُساوي ما ذُكِرَ، فيكون التَّقدير في المرتبة الثّانية مثلاً بعد القتل الموصوف ما يكون في الفُحش مِثلَه أو نحوَه، لكن يَستَلِزِم أن يكون فيما لم يُذكَر في المرتبة الثّانية شيءٌ هو أعظَمُ مَمَّا ذُكِرَ في المرتبة الثّالثة، ولا محذورَ في ذلك، وأمَّا ما مَضَى في كتاب الأدب (٥٩٧٦) من عَدِّ عُقوق الوالدينِ في أكبرِ الكبائر، لكنَّها ذُكِرَت بالواو فيجوز أن تكون رُتبةًّ رابِعةً، وهي أكبرُ مَّا دونَها. ١١٧/١٢ قوله: ((حَليلةَ جارِك)) بفتح الحاء المهمَلة وزن عَظيمة، أي: التي يَحِلَّ له وَطؤُها، وقيل: التي تَحُلُّ معه في فراش واحد. وقوله: ((أَجْلَ أن يَطعَم مَعَك)) بفتح اللام، أي: من أَجْلِ، فحَذَفَ الجارَّ فانتَصَب، وذكرَ الأكل لأنَّه كان الأغلَبَ من حال العرب، وسيأتي الكلام على بقيَّة شرح هذا الحديث في كتاب التَّوحيد (٧٥٣٢) إن شاء الله تعالی. (١) أخرجه أحمد في ((المسند)) برقم (٢٧٣٢)، وأبو داود (٤٤٦٢)؛ والترمذي (١٤٥٦)، وابن ماجه (٢٥٦١) بإسناد ضعيف من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. ٥٢٨ باب ٢٠ / ح ٦٨١١ فتح الباري بشرح البخاري ٢١ - باب رَجْمِ المُحْصَنِ وقال الحسنُ: مَن زَنَی بُخْتِهِ فحَدُّهُ حَدُّ الزّاني. قوله: (باب رَجْمِ المُحْصَن)) هو بفتح الصّاد المهمَلة: من الإحصان، ويأتي بمعنى العِفّة والتَّزويج والإسلام والحُرّيَّة، لأنَّ كلَّا منها يَمنَع المكلَّفَ من عمل الفاحشةِ. قال ابن القَطّاع: رجل مُحصِنٌ بكسر الصّاد على القياس وبفتحِها على غير قياس(١). قلت: يُمكِن تخريجه على القياس، وهو أنَّ المراد هنا: مَن له زوجة عَقَدَ عليها ودَخَلَ بها وأصابها، فكأنَّ الذي زَوَّجَها له أو حَمَلَه على التَّزويج بها ولو كانت نفسَه، أحصَنَه، أي: جعله في حِصن من العِفّة أو مَنَعَه من عمل الفاحشة. وقال الرَّاغِب: يقال للمُتزوِّجة: مُحُصَنة، أي: أنَّ زوجَها أحصَنَها، ويقال: امرأة مُحصِن بالكسر: إذا تُصوِّرَ حِصنُها من نفسها، وبالفتح: إذا تُصوِّرَ حِصنُها من غيرها(٢). ووَقَعَ هنا قبلَ الباب عند ابن بَطّال: ((كتاب الرَّجم)) ولم يقع في الرّوايات المعتمَدة. قال ابن المنذر: أجَمَعوا على أنَّه لا يكون الإحصان بالنِّكاح الفاسِدِ ولا الشُّبهةِ، وخالَفَهم أبو ثَور فقال: يكون مُحصَناً، واحتَجَّ بأنَّ النِّكاح الفاسدَ يُعطَى أحكامَ الصَّحيحِ في تقدير المَهْرِ ووجوبِ العِدّة ولُحُوقِ الولدِ وتحريم الرَّبيبة، وأُجيبَ بعُمومٍ: ((ادرَؤوا الحدود))(٣). قال: وأجمعوا على أنَّه لا يكون بمُجرَّدِ العَقد مُحُصَناً، واختَلَفوا إذا دَخَلَ بها وادَّعَى أَنَّه لم يُصِبها، قال: حتَّى تقومَ البيَِّةُ، أو يُوجَد منه إقرارٌ، أو يُعلم له منها وَلدٌ، وعن بعض المالكيَّة: (١) تحرَّف في (أ) إلى: ولم يفتحها على غير القياس. (٢) لكن نقل الجوهريّ وغيره عن ثعلب: كلَّ امرأةٍ عفيفةٍ مُحصَنَة ومُحْصِنة، وكلُّ امرأةٍ متزوِّجة مُحصَنة لا غير. انظر («الصحاح)) و ((لسان العرب)) و ((المفردات)» للراغب (حصن). (٣) يعني حديث: ((ادرؤوا الحدودَ عن المسلمين ما استطعتُم)) أخرجه من حديث عائشة رضي الله عنها الترمذي برقم (١٤٢٤)، وضعَّف إسناده الحافظ في ((التلخيص الحبير)) ٥٦/٤. ونقل فيه قول الترمذي: أصحُّ ما فيه الموقوف عن ابن مسعود ﴾، وقال: رواه ابن حزم في كتاب ((الإيصال)) عن عمر موقوفاً عليه بإسناد صحيح. قلنا: ورواية ابن مسعود أخرجها مُسدَّد في ((مسنده)) كما في ((المطالب العالية» (١٨٥٧). ٥٢٩ باب ٢١ كتاب الحدود إذا زَنَى أحد الَّوجَينِ واختَلَفا في الوطء، لم يُصدَّق الزّاني، ولو لم يَمضِ لهما إلّا ليلة، / وأمَّا ١١٨/١٢ قبل الزِّنى فلا يكون مُحصَناً، ولو أقامَ معها ما أقامَ. واختَلَفُوا إذا تزوَّجَ الحُرّ أمةً هل تُحصِنُه؟ فقال الأكثرُ: نعم، وعن عطاءٍ والحسنِ وقَتَادَةَ والثَّوْرِيِّ والكوفيّينَ وأحمدَ وإسحاقَ: لا. واختَلَفوا إذا تزوَّجَ كتابيَّة، فقال إبراهيمُ وطاووسٌٌ والشَّعْبيّ: لا تُحصِنُه، وعن الحسن: لا تُحصِنُهُ حتَّى يَطَأها في الإسلام، أخرجهما ابن أبي شَيْبة. وعن جابر بن زيد وابن المسيّب: تُحصِنه، وبه قال عطاء وسعيد بن ◌ُبیر. وقال ابن بَطّال: أجمَعَ الصحابة وأئمّة الأمصار على أنَّ المحصَن إذا زَنَى عامداً عالماً مُتَاراً فعَلَيهِ الرَّجمُ، ودَفَعَ ذلك الخوارجُ وبعضُ المعتَزِلة، واعتَلّوا بأنَّ الرَّجم لم يُذكَر في القرآن، وحكاه ابن العربيّ عن طائفة من أهل المغرب لَقِيَهم وهم من بقايا الخوارج. واحتَجَّ الجمهور بأنَّ النبيَّ ◌َّهِ رَجَمَ، وكذلك الأئمَّة بعدَه، ولذلك أشارَ عليّ ﴾ه بقولِه في أوَّل أحاديث الباب: ورَجَمْتُها بسُنّة رسول الله وَّه، وثَبَتَ في ((صحيح مسلم)) عن عُبادة: أنَّ النبيَّ وَِّ قال: ((خُذوا عنِّي، قد جَعَلَ الله لهنَّ سبيلاً: الثَّيِّب بالثَيِّبِ الرَّجم))(١)، وسيأتي في ((باب رَجم الحُبلَى من الزِّنى)) (٦٨٣٠) من حديث عمر: أنَّه خَطَبَ فقال: إنَّ الله بَعَثَ محمَّداً بالحقِّ، وأَنزَلَ عليه القرآن، فكان ممَّا أَنزَلَ آيَةُ الرَّجم، ويأتي الكلام عليه هناك مُستَوفَى إن شاء الله تعالى. قوله: ((وقال الحسَنُ)) هو البصريُّ، كذا للأكثر، وللكُشْمِيهنيّ وحده: وقال منصورٌ، بَدَل الحسَنِ، وَزَيَّقوه. قوله: ((مَن زَنَى بِأُخْتِهِ فحَدُّه حَدُّ الزّاني)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: الزِّنى، وَصَلَه ابن أبي شَيْبة (١٠٤/١٠) عن حفص بن غياث قال: سألَت عَمراً: ما كان الحسَنُ يقول فيمَن تزوَّجَ ذات مَحَرَم وهو يَعلَم؟ قال: عليه الحَدُّ. وأخرج ابن أبي شَيْبة (١٠٥/١٠) من طريق (١) لفظه في (صحيح مسلم)) (١٦٩٠): ((الثّيِّبُ بالثَِّب جَلْدُ مئةٍ، والرَّجمُ)». ٥٣٠ باب ٢١ فتح الباري بشرح البخاري جابر بن زيد - وهو أبو الشَّعثاء التابعيّ المشهور - فيمَن أتى ذات مَحَرَم منه، قال: تُضرَب عُنُقُه. ووجه الدّلالة من حديث عليٍّ أنَّه قال: رَجَتُها بسُنّة رسول الله، فإنَّه لم يُفرِّق بين ما إذا كان الزِّنى بمَحَرَمٍ أو بغير تَحَرَمٍ. وأشارَ البخاريّ إلى ضَعْف الخيرِ الذي وَرَدَ في قَتْلِ مَن زَنَى بذات مَحَرَم، وهو ما رواه صالحُ بنُ راشدٍ قال: أُتيَ الحجّاجُ برجلٍ قد اغتَصَبَ أُختَه على نفسها، فقال: سَلُوا مَن هنا من أصحاب رسولِ الله وَ له، فقال عبد الله بن المطَرِّف: سمعت رسول الله وَّو يقول: ((مَن تَخَطَّى الْحُرمَتَينِ فخُطّوا وسَطَه بالسَّيفِ)) قال: فَكَتَبوا إلى ابن عبّاس فكَتَبَ إليهم بمِثِهِ، ذَكَرَه ابن أبي حاتم في ((العِلَل))، (٢٠٦/٤) ونَقَلَ عن أبيه: أنَّهِ رُويَ عن مُطَرِّف بن عبد الله ابن الشِّخّير من قوله، قال: ولا أدري أهو هذا أو لا؟ يشير إلى تجويز أن يكون الراوي غَلِطَ في قوله: عبد الله بن مُطَرِّف، وفي قوله: سَمِعتُ. وإنَّما هو مُطَرِّف بن عبد الله ولا صُحْبةَ له، وقال ابن عبد البَرّ: يقولون: إنَّ الراوي غَلِطَ فيه. وأثرُ مُطَرِّف الذي أشارَ إليه أبو حاتم أخرجه ابن أبي شَيْبة(١) من طريق بكر بن عبد الله المُزَني (٢) قال: أُتيَ الحجّاجُ برجلٍ قد وَقَعَ على ابنَتِهِ، وعنده مُطَرِّف بن عبد الله بن الشِّخّير وأبو بُرْدة، فقال أحدهما: اضرِب عُنُقَه، فضُرِبَت عُنُقُه. قلت: والراوي عن صالح بن راشد ضعيفٌ(٣)، وهو رِفْدَةُ بكسر الرَّاء وسُكون الفاءِ. ويوضِّحُ ضَعْفَه قولُه: فكَتَبوا إلى ابن عبّاس، وابنُ عبَّاس ماتَ قبل أن يَلِيَ الحجّاجُ الإمارةَ (١) كذا عزاهُ الحافظُ بهذا اللفظ لابن أبي شيبة، وكذلك عزاه إليه في ((الإصابة)» ٢٣٨/٤، ولم نقف عليه في ((المصنف)» ولا في («مسنده) بهذا اللفظ، وإنما جاء في ((المصنف)) ١٠/ ١٠٥ بلفظ: فقال له عبد الله بن مطرِّف - لا مطرِّف بن عبد الله بن الشخير، كما وقع هنا - وأبو بردة: ستر الله هذه الأمة، أحب البلاء ما ستر الإسلام. اقتله، قال: صدقتها، فأمر به فقُتِل. وقد جاء باللفظ الذي ذكره الحافظ بذكر عبد الله بن مطرِّف على الصواب عند ابن قانع في ((معجم الصحابة)) ١٠٨/٢. (٢) تحرَّف في (س) إلى: ((المِزْي)). (٣) يعني في الأثر عند ابن أبي حاتم في ((العلل)) ٢٠٥/٤، ٢٠٦. ٥٣١ باب ٢١ / ح ٦٨١٢ كتاب الحدود بأكثرَ من خمس سنين، ولكن له طريق أُخرى إلى ابن عبّاس، أخرجها الطَّحاويُّ وضَعَّفَ راويَهَا، وأشهَرُ حديث في الباب حديث البراء: لَقيت خالي ومعه الرَّاية فقال: بَعَثَني رسول الله وَلَه إلى رجل تزوَّجَ امرأةَ أبيه: أن أَضرِبَ عُنُقَه، أخرجه أحمدُ (١٨٥٥٧) وأصحاب ((السُّنَن)) (١)، وفي سَنَده اختلافٌ كثيرٌ. وله شاهدٌ من طريق معاوية بن قُرَّةً(٢) عن أبيه، أخرجه ابن ماجَهْ (٢٦٠٨) والدّارَ قُطنيّ (٣٤٥٣)، وقد قال بظاهره أحمدُ. وَلَه الجمهور على مَن استَحلَّ ذلك بعد العلم بتحريمِه بقَرِينة الأمر بأخذِ مالِه وقسمَتِهِ. ثمَّ ذکر في الباب ثلاثة أحاديث: الحديث الأول: ٦٨١٢ - حدَّثْنا آدمُ، حدَّثْنَا شُعْبةُ، حَدَّنَا سَلَمَةُ بنُ كُهَيلِ، قال: سمعتُ الشَّعْبيَّ، عن عليّ حينَ رَجَمَ المرأةَ يومَ الجُمُعةِ، وقال: قد رَجَمْتُها بسُنّةِ رسولِ الله وََّ. قوله: ((حدَّثنا سَلَمة بن كُهَيل)) في رواية عليّ بن الجَعْد عن شُعْبة: عن سَلَمة ومُجالد، أخرجه الإسماعيليّ. وذكر الدّارَ قُطنيُّ / أنَّ قَعنَب بن مُحَرَّر (٣) رواه عن وَهْب بن جَرِير عن ١١٩/١٢ شُعْبة: عن سَلَمة عن مجالد، وهو غَلَط، والصَّواب: سَلَمة ومجالد. قوله: ((سمعت الشَّعْبِيّ، عن عليّ)) أي: يُحدِّث عن عليّ، قد طَعَنَ بعضهم كالحازميّ في هذا الإسناد بأنَّ الشَّعبيَّ لم يَسمعُهُ من عليٍّ، قال الإسماعيليّ: رواه عصام بن يوسف عن شُعْبة فقال: عن سَلَمة عن الشَّعبيِّ عن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى عن عليّ، وكذا ذكر الدّارَ قُطنيُّ عن حُسَين بن محمَّد عن شُعْبة، ووَقَعَ في رواية قَعنَب المذكورة: عن الشَّعبيّ عن أبيه عن عليّ، وجَزَمَ الدّارَقُطْنِيُّ بأنَّ الزيادة في الإسنادَينِ وَهْمٌ، وبأنَّ الشَّعبيَّ سمعَ هذا الحديث من عليّ، قال: ولم يَسمعْ عنه غيرَه. (١) الترمذي (١٣٦٢)، وابن ماجه (٢٦٠٧)، والنسائي (٣٣٣١). (٢) تحرَّف في (أ) و(ع) و(س) إلى: ((مرّة)) بالميم. (٣) تصخَّف في (س) إلى: ((محرز)) بالزاي في آخره بدل الراء. ٥٣٢ باب ٢١ / ح ٦٨١٢ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((حين رَجَمَ المرأة يومَ الجمعة)) في رواية عليّ بن الجَعْد: أنَّ عليّاً أُتيَ بامرأةٍ زَنَت فَضَرَبَهَا يوم الخَميس ورَجَمَها يومَ الجمعة. وكذا عند النَّسائيِّ (ك ٧١٠٢) من طريق بَهَز بن أسَد عن شُعْبة، والدّارَقُطنيّ (٣٢٣٣) من طريق أبي حَصينٍ - بفتح أوَّله - عن الشَّعبيّ قال: أُتيَ عليٌّ بِشُراحةَ - وهي بضمِّ الشّين المعجَمة وتخفيف الرَّاء ثمَّ حاءٌ مُهمَلة - الهَمدائنَّة - بسكونِ الميم - وقد فجَرَت، فَرَدَّها حتَّى وَلَدَت وقال: ائتوني بأقرَبِ النِّساء منها، فأعطاها الولدَ ثمَّ رَجَها. ومن طريق حُصَينٍ - بالتَّصغير - (٣٢٣٢) عن الشَّعبيّ قال: أُتيَ عليٌّ بمَولاةٍ لسعيدِ بن قيس فجَرَت. وفي لفظ: وهي حُبلَی - فضَرَبَهَا مئة ثمَّ رَجَمَها. وذكر ابن عبد البَرِّ: أنَّ في ((تفسير سُنَيدِ بن داود)) من طريق أُخرى إلى الشَّعبيّ قال: أُتيَ عليّ بشُراحةَ فقال لها: لعلَّ رجلاً استَكرَهَك؟ قالت: لا، قال: فلعلَّه أتاك وأنتِ نائمة؟ قالت: لا. قال: لعلَّ زوجَكِ من عدوِّنا؟ قالت: لا. فأمَرَ بها فحُبِسَت، فلمَّا وضَعَت أخرجها يوم الخميس فجَلَدَها مئة ثمَّ رَدَّها إلى الحَبس، فلمَّا كان يومُ الجمعة حَفَرَ لهَا وَرَجَهَا (١). ولعبد الرَّزّاق (١٣٣٥٠) من وجهٍ آخَرَ عن الشَّعبيِّ: أنَّ عليّاً لمَّا وضَعَت أمَرَ لها بحُفرةٍ في السُّوق ثمَّ قال: إنَّ أَوْلى الناس أن يَرجُم الإمامُ إذا كان الاعترافُ، فإن كان بالشُّهود(٢) فالشُّهود، ثمَّ رَماها. قوله: ((رََمْتها بسُنّةِ رسولِ الله)) زاد عليّ بن الجَعْد: وجَلَدتها بكتاب الله، زاد إسماعيل ابن سالم في أوَّله عن الشَّعبيّ: قيلَ لعليٍّ: جمعتَ حَدَّينٍ، فَذَكَره (٣). وفي رواية عبد الرَّزّاق (١٣٣٥٦): أجلِدُها بالقرآن وأرجُها بالسُّنّة، قال الشَّعبيّ: وقال أُبيّ بن كعب مثل ذلك. قال الحازميّ: ذهب أحمدُ وإسحاق وداودُ وابن المنذر إلى أنَّ الزّانيَ المحصَن يُجْلَد ثمَّ يُرجَم، وقال الجمهور - وهي رواية عن أحمدَ أيضاً -: لا يُجمَع بينهما، وذَكَروا أنَّ حديث عُبادة منسوخ - (١) وبالسياق المذكور وزيادة أخرجه البيهقي في ((الكبرى)) ٨/ ٢٢٠ من طريق الأجلح عن الشعبي، به. (٢) في (ع) و(س): الشهود. (٣) رواية إسماعيل بن سالم أخرجها أحمد في ((المسند)) برقم (٩٤١)، وأبو يعلى في ((مسنده)) (٢٩٠)، والدار قطني في (السنن)) (٣٢٢٩)، وروايته في قصة رجل لا امرأة، وفيه: جمعتَ عليه حدَّين. وإسناده صحيح. ٥٣٣ باب ٢١ / ح ٦٨١٢ كتاب الحدود يعني الذي أخرجه مسلم (١٦٩٠) بلفظ: «الثَّيِّب بالثَّيِّبِ جَلدُ مئةٍ والرَّجمُ، والبِكْرُ بالبِكْرِ جَلدُ مئّةٍ والنَّفَيُ)) - والناسخ له ما ثَبَتَ في قصَّة ماعِزِ: أنَّ النبيَّ ◌َّ رَجَمَه(١)، ولم يُذكَر الجلد. قال الشافعيّ: فدَلَّتِ السُّنّة على أنَّ الجَلد ثابتٌ على البِكْر وساقطٌ عن الثَّيِّب. والدَّليل على أنَّ قصَّة ماعِزِ مُتَراخيةٌ عن حديث عُبادة: أنَّ حديثَ عُبادة ناسخٌ لما شُرِعَ أوَّلاً من حَبس الزّاني في البيوت، فُسِخَ الحَبَسُ بالجَلِدِ وزِيْدَ الشَّيِّبُ الرَّجمَ، وذلك صريحٌ في حديث عُبادة، ثمَّ نُسِخَ الجلد في حَقّ الثَّيِّب، وذلك مأخوذٌ من الاقتصار في قصَّة ماعِز على الرَّجم، وكذا(٢) في قصَّة الغامديَّة والجُّهَنَّة واليهودِيَّينِ لم يُذكَر الجلد مع الرَّجم. وقال ابن المنذر: عارَضَ بعضُهم الشافعيَّ، فقال: الجلد ثابتٌ في كتاب الله، والرَّجمُ ثابِتٌ بسُنّة رسول الله كما قال عليٌّ، وقد تَبَتَ الجمع بينهما في حديث عُبادة، وعَمِلَ به عليّ ووافَقَهُ أُبيُّ، وليس في قصَّة ماعِز ومَن ذُكِرَ معه تصريحٌ بسُقوطِ الجَلد عن المرجوم، لاحتمال أن يكون تُرِكَ ذِكْره لوُضوِه، ولكَونِه الأصلَ فلا يُردُّ ما وَقَعَ النَّصریحُ به بالاحتمال، وقد احتَجَّ الشافعيّ بنَظير هذا حين عُورِضَ في إيجابِهِ العمرةَ بأنَّ النبيَّ وََّ أَمَرَ مَن سألَه أن يَحُجّ على أبيه، ولم يَذْكُر العمرة، فأجابَ الشافعيّ بأنَّ السُّكوت عن ذلك لا يدلّ على سقوطه، قال: فکذا ينبغي أن ◌ُجاب هنا. قلت: وبهذا ألزَمَ الطَّحاويُّ أيضاً الشافعيَّةَ، ولهم أن يَنفَصِلوا بأنَّ(٣) في بعض طُرقه: ((حُجَّ عن أبيك واعتَمِر)) كما تقدَّم بيانه في كتاب الحجّ / (١٥١٣)، فالَّقصير في تَرك ذِكْر ١٢٠/١٢ العمرة من بعض الرُّواة، وأمَّا قصَّة ماعِز فجاءت من طرق مُتَنَوِّعة بأسانيد مُخْتَلِفة، لم يُذكَر في شيءٍ منها أنَّه جَلَدَ، وكذلك الغامديَّة والجُّهَنَّة وغيرهما، وقال في ماعِز: ((اذهبوا فار ◌ُوه))، وكذا في حَقِّ غيره ولم يَذْكُرِ الجَلد، فدَلَّ تَركُ ذِكْره على عَدَم وقوعِه، ودَلَّ عَدَمُ وُقوعِه على عَدَمِ وجوبِهِ. (١) ستأتي قصّة ماعز قريباً برقم (٦٨١٥). (٢) في (س): ((وذلك)) وهو تحريف. (٣) تحرَّف في (أ) و(س) إلى: ((لكن))، والمثبت من (ع) هو الصواب. ٥٣٤ باب ٢١ / ح ٦٨١٣ فتح الباري بشرح البخاري ومن المذاهب المستَغرَبة ما حكاه ابن المنذر وابن حَزْم عن أُبيّ بن كعب، زاد ابنُ حَزم: وأبي ذرِّ، وابن عبد البَرِّ عن مسروق: أنَّ الجمع بين الجلد والرَّجم خاصٍّ بالشَّيخ والشَّيخة، وأمَّا الشّابّ فُيُجلَد إن لم يُحْصَن ويُرجَم إن أُحصِنَ فقط، وحُجَّتُهم في ذلك حديث: ((الشَّيخ والشَّيخة إذا زَنَيا فارُجُوهما البَّةَ)) كما سيأتي بيانه في الكلام على حديث عمر في («باب رَجم الحُبلَى من الزِّنى)) (٦٨٣٠). وقال عياض: شَذَّت فِرقةٌ من أهل الحديث فقالت: الجمع على الشَّيخ الثَّيِّ دونَ الشّابّ، ولا أصلَ له، وقال النَّوويّ: هو مذهبٌ باطِلٌ، كذا قالا(١)، ونَفْيُ أصلِهِ ووصفُه بالبُطْلان إن كان المراد به طريقَه فليس بجيِّدٍ لأَنَّه ثابتٌ، كما سأُبِيِّنُه في ((باب البِكْران يُجِلَدان)) (٦٨٣١)، وإن كان المرادُ دليلَه ففيه نَظَرِّ أيضاً، لأنَّ الآية ورَدَت بلفظ: ((الشَّيخ))، ففَهمَ هؤلاءِ من تخصيص الشَّيخ بذلك أنَّ الشّابّ أعذَرُ منه في الجملة، فهو معنًى مُناسب، وفيه جمعٌ بين الأدلّة، فكيف يُوصَف بالبُطْلان؟ واستُدِلَّ به على جواز نسخ التِّلاوة دونَ الحُكم. وخالَفَ في ذلك بعض المعتَزِلة، واعتَلَّ بأنَّ التِّلاوة مع حُكمِها كالعِلْمِ مع العالِمِيَّةِ فلا يَنفَكّان. وأُجِيبَ بالمنع فإنَّ العالِمِيَّةِ لا تُنافي قيام العلم بالذّات، سَلَّمنا، لكنَّ التِّلاوة أمارةُ الحُكم فيدلّ وجودها على ثُبُوته، ولا دلالة من ◌ُجُرَّدها على وجوب الدَّوام، فلا يَلزَم من انتفاء الأمارة في طَرَفِ الدَّوام انتفاءُ ما دَلَّت عليه، فإذا نُسِخَتِ التِّلاوةُ لم يَنْتَفِ المدلولُ، و کذلك بالعكس. الحديث الثاني: ٦٨١٣ - حذَّثني إسحاقُ، حدَّثنا خالدٌ، عن الشَّيبانيِّ: سألتُ عبدَ الله بنَ أبي أوْقَى: هل رَجَمَ رسولُ الله ◌ََّ؟ قال: نعم، قلتُ: قبلَ سُورةِ النُّورِ أَمْ بَعْدُ؟ قال: لا أدْرِي. [طرفه في: ٦٨٤٠] (١) تحرَّف في (س) إلى: قاله. وإنما هو بضمير التثنية لعياض والنووي. ٥٣٥ باب ٢١ / ح ٦٨١٤ كتاب الحدود قوله: ((حدَّثني)) في رواية أبي ذرٍّ: حدَّثنا إسحاق، وهو ابن شاهين الواسطيّ، و((خالدٌ)) هو ابن عبد الله الطّحان، و ((الشّیباني)) هو أبو إسحاق سلیمان مشهور بگنیتِه. قوله: ((قبلَ سُورةِ النُّور أم بَعْدُ؟)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: أم بعدَها؟ وفائدة هذا السُّؤال أنَّ الرَّجِمَ إن كان وَقَعَ قَبْلَ سُورةِ النُّورِ، فَيُمكِن أن يُدَّعَى نَسخُه بالتَّنصيصِ فيها على أنَّ حَدَّ الزّاني الجلد، وإن كان وَقَعَ بعدها، فيُمكِن أن يُستَدَلّ به على نَسخ الجَلد في حَقّ المحصَن، لكن يَرِد عليه أنَّه من نسخ الكتاب بالسُّنّة، وفيه خِلَافُ. وأُجيبَ بأنَّ الممنوع نَسْخُ الكتابِ بالسُّنّةِ إذا جاءت من طريق الآحاد، وأمَّا السُّنّة المشهورة فلا، وأيضاً فلا نَسْخَ وإنَّما هو مُخَصَّصٌ بغير المحصَن. قوله: ((لا أدري)) يأتي بيانُه بعد أبوابٍ (٦٨٤٠)، وقد قامَ الدَّليل على أنَّ الرَّجمَ وَقَعَ بعد سورة النّور؛ لأنَّ نزولها كان في قصَّة الإفك. واختُلِفَ هل كان سنةَ أربع أو خمس أو ستّ؟ على ما تقدَّم بيانه، والرَّجمُ كان بعد ذلك فقد حَضَرَه أبو هريرة، وإنَّما أسلَمَ سنةَ سبعٍ، وابن عبّاس إنَّما جاء مع أمّه إلى المدينة سنةَ تِسعِ. الحديث الثالث: ٦٨١٤- حدَّثنا محمَّدُ بنُ مُقاتلٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: حذَّثني أبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله الأنصاريِّ: أنَّ رجلاً من أسْلَمَ أتى رسولَ الله وََّ، فحدَّثه أنَّه قد زَنَى، فشَهِدَ على نفسِه أربعَ شهاداتٍ، فأمَرَ به رسولُ الله ◌ِه فرُچِمَ، وكان قد أُحْصِنَ. قوله: ((حدَّثْنا)) في رواية أبي ذرٍّ: أخبرنا، و ((عبد الله)) هو ابن المبارك، و ((يونس)) هو ابن يزيد. قوله: ((حدَّثني أبو سَلَمة)) في رواية أبي ذرٍّ : أخبرني. قوله: ((أنَّ رجلاً من أسلَمَ)) أي: من بني أسلَمَ القبيلة المشهورة، واسم هذا الرجل ماعِز ابن مالك كما سيأتي مُسَمَّى عن ابن عبّاس بعد سبعة أبواب (٦٨٢٤). ٥٣٦ باب ٢٢ / ح ٦٨١٥ - ٦٨١٦ فتح الباري بشرح البخاري ٢٢ - باب لا يُرجَم المجنونُ والمجنونةُ وقال عليٌّ ﴾ لعمرَ ﴾: أما علمتَ أنَّ القَلَمَ رُفِعَ عن المجْنونِ حتَّى يُفِيقَ، وعن الصَّبِيِّ حتَّى يُدْرِكَ، وعن النائمِ حتَّى يَستَقِظَ؟ ٦٨١٥ - حدّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهابٍ، عن أبي سَلَمةَ وسعيدِ بنِ المسيّبِ، عن أبي هريرةَ﴾، قال: أتى رجلٌ رسولَ الله وَلِّ وهو في المسجدِ، فناداهُ ١٢١/١٢ فقال: يا رسولَ الله، إنّ / زَنَيتُ، فأعرَضَ عنه حتَّى رَدَّدَ عليه أربعَ مرَّاتٍ، فلمَّا شَهِدَ على نفسِه أربعَ شهاداتٍ، دَعاه النبيُّ وََّ، فقال: ((أبِكَ جنونٌ؟)) قال: لا، قال: ((فَهَل أحصَنْتَ؟)) قال: نعم، فقال النبيُّ ◌َالَ: ((اذهَبُوا به فارُجُوهُ)). ٦٨١٦ - قال ابنُ شِهابٍ: فأخبرني مَن سمعَ جابرَ بنَ عبدِ الله، قال: فَكنتُ فيمَن رَجَمَه، فَرَجْنَاه بالمُصَلَّى، فلمَّا أذْلَقَتْه الحجارةُ هَرَبَ، فأدْرَ كْناه بالحَرّةِ فَرَجْنَاهُ. قوله: ((باب لا يُرْجَمِ المَجْنونُ والَجْنونةُ)) أي: إذا وَقَعَ في الزِّنى في حال الجنون، وهو إجماعٌ، واختُلِفَ فيما إذا وَقَعَ في حال الصِّحّة، ثمَّ طَرأ الجنونُ، هل يُؤَخَّر إلى الإفاقة؟ قال الجمهور: لا، لأنَّه يُراد به التَّلَف فلا معنى للتَّأخير، بخِلَاف مَن يُجُلَد فإنَّه يُقصد به الإيلامُ، فِيُؤَخَّر حتَّى يُفِيقَ. قوله: ((وقال عليٌّ ﴾ العُمرَ ﴾: أمَّا علمْت ... )) إلى آخره، تقدَّم بيان مَن وَصَلَه في ((باب الطَّلاق في الإغلاق))(١)، وأنَّ أبا داودَ وابن حِبّان والنَّسائيَّ أخرَجوه مرفوعاً، ورَجَّحَ النَّسائيُّ الموقوف، ومع ذلك فهو مرفوعٌ حُكماً. وفي أوَّل الأثر المذكور قصَّةٌ تُناسب هذه التَّرجمةَ، وهو عن ابن عبّاس: أُتيَ عمرُ - أي: بمَجنونةٍ - قد زَنَت وهي حُبَلَى فأراد أن يَرجُمَها، فقال له عليٌّ: أما بَلَغَك أنَّ القَلم قد رُفِعَ عن ثلاثة؟ فذَكَره، هذا لفظ عليّ بن الجَعْد الموقوف في ((الفوائد الجَعْديّات)) (٧٦٣)، ولفظ الحديث المرفوع: عن ابن عبّاس: مرَّ عليٌّ بن أبي طالب بمجنونة بني فلان قد زَنَت، فأمَرَ عمر (١) هو الباب رقم (١١) من هذا الكتاب. ٥٣٧ باب ٢٢ / ح ٦٨١٦ كتاب الحدود بَرَجِها، فرَدَّها عليّ وقال لعمرَ: أما تَذكُر أنَّ رسول الله وَّه قال: ((رُفِعَ القَلمُ عن ثلاثةٍ: عن المجنون المغلوب على عَقْلِه، وعن الصَّبيِّ حتَّى يَحَتَلمَ، وعن النائم حتَّى يَستَيَقِظَ))؟ قال: صَدَقت، فخَلَّى عنها. هذه رواية جَرِير بن حازم عن الأعمش عن أبي ظَبْيانَ عن ابن عباس عند (١) أبي داود (٤٤٠١)، وسندها مُتَّصِل، لكن أعَلَّه النَّسائيُّ (ك٧٣٠٣) بأنَّ جَرِير بن حازم حدَّث بمِصرَ بأحاديثَ غَلِطَ فيها. وفي رواية جَرِير بن عبد الحميد عن الأعمَش (٤٣٩٩) بسندِه: أُتيَ عمر بمجنونةٍ قد زَنَت، فاستَشارَ فيها الناس فأمَرَ بها عمر أن تُرجَم، فمرَّ بها عليّ بن أبي طالب فقال: ارجِعوا بها، ثمَّ أتاه فقال: أما علمت أنَّ القَلم قد رُفِعَ، فذَكَر الحديثَ، وفي آخره: قال: بلى، قال: فما بالُ هذه تُرجَم؟ فأرسَلَها، فجَعَلَ يُكبِّ. ومن طريق وكيع عن الأعمَش (٤٤٠٠) نحوه أخرجها أبو داود موقوفاً من الطَّريقَينِ وَرَجَّحَه النَّسائيّ(٢). ورواه عطاء بن السائب عن أبي ظَبْيانَ عن عليّ بدون ذِكْر ابن عبّاس، وفي آخره: فجَعَلَ عمر يُكبِّ(٣)، أخرجه أبو داود (٤٤٠٢) والنَّسائيُّ (ك٧٣٠٤) بلفظ قال: أُتيَ عمر بامرأةٍ، فذكر نحوه وفيه: فخَلَّى عليٌّ سبيلها، فقال عمر: ادعُ لي عليّاً، فأتاه فقال: يا أمير المؤمنينَ إنَّ رسول الله ﴿ ﴿ قال: ((رُفِعَ القَلم)) فذكره لكن بلفظ: ((وعن المَعْتُوهِ حتَّى يَبرأ))، وهذه مَعتوهة بني فلان لعلَّ الذي أتاها وهي في بَلائها. ولأبي داود (٤٤٠٣) من طريق أبي الضُّحَى عن عليّ مرفوعاً نحوه، لكن قال: ((وعن الخَرِف)) بفتح الخاء المعجَمة وكسر الرَّاء بعدها فاءٌ، ومن طريق حمّاد بن أبي سليمان عن إبراهيم النَّخَعيِّ عن الأسود عن عائشة (٤٣٩٨) مرفوعاً: ((رُفِعَ القَلم عن ثلاثة)) فذكره بلفظ: ((وعن (١) قوله: ((عباس عند)) سقط من (س). (٢) بإثر الحديث (٧٣٠٥) من ((السنن الكبرى)). (٣) قوله: ((فجعل عمر يكبّ)) إنما وقع في رواية وكيع عن الأعمش عند أبي داود (٤٤٠٠) وليس في رواية عطاء. ٥٣٨ باب ٢٢ / ح ٦٨١٦ فتح الباري بشرح البخاري المبتَلَى حَتَّى يَبرأ)) وهذه طرق يَقْوى بعضُها ببعضٍ، وقد أطنَبَ النَّسائيُّ في تخريجها، ثمَّ قال: لا يَصِحّ منها شيء، والموقوف(١) أوْلى بالصَّواب. قلت: وللمرفوع شاهدٌ من حديث أبي إدريس الخولانيّ: أخبرني غير واحد من الصحابة منهم شدَّاد بن أوس وثوبان أنَّ رسول الله وَّه قال: «رُفِعَ القَلم في الحدّ عن الصَّغير حتَّى يَكْبُرَ، وعن النائم حتَّى يَستَيقِظَ، وعن المجنون حتَّى يُفِيقَ، وعن المَعْتُوهِ الهالِكِ)) أخرجه الطبرانيّ (٧١٥٦). وقد أخَذَ الفقهاء بمُقتَضَى هذه الأحاديث، لكن ذكر ابن حِبّان أنَّ المرادَ برَفْعِ القَلم تَرْكُ كتابة الشّ عنهم دونَ الخير. وقال شيخنا في ((شرح التِّرمِذيّ)): هو ظاهرٌ في الصبيّ دونَ المجنونِ والنائمِ، لأنَّهما في ١٢٢/١٢ حَيِّزْ مَن / ليس قابِلاً لصِحّة العبادة منه لزوال الشُّعور. وحكى ابن العربيّ أنَّ بعض الفقهاء سُئلَ عن إسلام الصبيِّ، فقال: لا يَصِحُ، واستَدَلَّ بهذا الحديث، فعُورِضَ بأنَّ الذي ارتَفَعَ عنه قَلم المؤاخَذة، وأمَّا قَلَمُ الثَّوابِ فلا، لقولِه للمرأة لمَّا سألَته: ألهذا حَجّ؟ قال: ((نعم)(٢)، ولقوله: ((مُروهم بالصلاة)(٣) فإذا جَرَى له فَلم الثَّواب فكلمة الإسلام أجَلُّ أنواع الثَّواب، فكيف يقال: إنَّهَا تقع لَغواً ويُعتَدُّ بحَجِّه وصلاتِه؟ واستُدِلَّ بقولِه: ((حتَّى يَحَتَلم)) على أنَّه لا يُؤْاخَذ قبلَ ذلك، واحتَجَّ مَن قال: يُؤاخَذ قبل ذلك بالرِّدّة، وكذا مَن قال من المالكيَّة: يُقام الحدّ على المُراهِقِ، ويُعتبَرَ طلاقُه لقولِه في (١) تحرَّف في (أ) إلى: والمعروف، وفي (س) إلى: المرفوع. (٢) أخرجه أحمد في ((المسند)) (٢١٨٦)، ومسلم (١٣٣٦) وأبو داود (١٧٣٦)، والنسائي (٢٦٤٥) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. (٣) أخرجه أحمد في ((المسند)) (٦٦٨٩)، وأبو داود (٤٩٥) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما بلفظ ((مروا صبيانكم بالصلاة إذا بلغوا سبعاً، واضربوهم عليها إذا بلغوا عشراً، وفرِّقوا بينهم في المضاجع)). وأخرجه بنحوه أحمد (١٥٣٣٩)، وأبو داود (٤٩٤)، والترمذي (٤٠٧) من حديث سَبْرة بن معبد الجهني. ٥٣٩ باب ٢٢ / ح ٦٨١٦ كتاب الحدود الطَّريق الأُخرى: ((حَتَّى يَكبُرَ)) والأُخرى: ((حتَّى يَشِبَّ))(١). وتَعقَّبَه ابن العربيّ بأنَّ الرِّواية بلفظ: ((حتَّى يَحَتَلَمَ)) هي العلامة المحقَّقة، فيَتَعَّن اعتبارُها وحَلُ باقي الرِّوايات عليها. قوله: «عن عُقیل)) هو ابن خالد. قوله: ((عن أبي سَلَمة وسعيد بن المسيّب)) هذه رواية يحيى بن بُكَير عن اللَّيث، ووافَقَه شُعَيب بن اللَّيث عن أبيه عند مسلم (١٦/١٦٩١)، وسيأتي بعد ستّة أبواب (٦٨٢٥) من رواية سعيد بن عُفَير عن اللَّيث عن عبد الرَّحمن بن خالد عن ابن شِهاب، وجَمَعَهُمَا(٢) مسلم (١٦/١٦٩١) فوصَلَ رواية عُقَيل وعَلَّقَ رواية عبد الرّحمن، فقال بعد رواية اللَّيث عن عُقَيل: ورواه اللَّيث أيضاً عن عبد الرّحمن بن خالد. قلت: ورواه مَعمَر ويونس وابن جُرَيج عن ابن شِهاب عن أبي سَلَمة وحده عن جابر، وجَمَعَ مسلم هذه الطّرق، وأحالَ بلفظها على رواية عُقَيل، وسيأتي للبخاريِّ بعد بابينِ (٦٨٢٠) من رواية مَعمَر، وعَلَّقَ طَرَفاً منه ليونسَ وابن جُرَيج، ووصَلَ رواية يونس قبل هذا، وأمَّا رواية ابن جُرَيج فوصَلَها مسلم (١٦/١٦٩١) عن إسحاق بن راهَوَيه عن عبد الرَّزّاق عن مَعمَر وابن جُرَيج معاً، ووَقَعَت لنا بعُلوّ في ((مُستَخرَج أبي نُعَيم)) من رواية الطبرانيّ عن الدَّبَرِي(٣) عن عبد الرَّزّاق عن ابن جُرَیج وحده. قوله: ((أتى رجلٌ)) زاد ابن مُسافِرٍ(٤) في روايته: منَ الناسِ، وفي رواية شُعَيب بن اللَّيث: من المسلمينَ، وفي رواية يونس (٥٢٧٠) ومَعمَر (٦٨٢٠): أنَّ رجلاً من أسلَمَ، وفي حديث (١) الرواية الأولى أخرجها أبو داود (٤٣٩٨)، وابن ماجه (٢٠٤١)، والنسائي (٣٤٣٢) من حديث عائشة، وخرَّجها الحافظُ قريباً من حديث شداد بن أوس وثوبان من عِند الطبراني، والثانية أخرجها أحمد في («المسند» (٩٥٦)، والترمذي (١٤٢٣)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧٣٠٦) من طريق همّام عن قتادة عن الحسن عن عليٍّ ◌ُه، ورجاله ثقات إلا أن الحسن لم يسمع من عليّ. (٢) تحرَّف في (س) إلى: ((وجمعها)) بالإفراد. (٣) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: الفربري. (٤) وهو عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، وروايته ستأتي برقم (٦٨٢٥). ٥٤٠ باب ٢٢ / ح ٦٨١٦ فتح الباري بشرح البخاري جابر بن سَمُرة عند مسلم (١٦٩٢ / ١٧): رأيت ماعز بن مالك الأسلميّ حين جيءَ به رسول الله وَل﴿، الحديثَ، وفيه: رجلٌ قَصيرٌ أعضَلُ، ليس عليه رِداءٌ، وفي لفظٍ: ذو عَضَلاتٍ(١)، بفتح المهمَلة ثمَّ المعجَمة. قال أبو عبيدة: العَضَلة: ما اجتَمَعَ من اللَّحم في أعلى باطِن الساق، وقال الأصمعيّ: كُلّ عَصَبة مع لحم فهي عَضَلة، وقال ابن القَطّاع: العَضَلة: لحم الساق والذِّراع وكلّ لَحمةٍ مُستَديرة في البَدَن، والأعضَل: الشَّديدُ الخَلْقِ، ومنه: أعضَلَ الأمرُ: إذا اشتَدَّ، لكن دَلَّتِ الرّواية الأُخرى على أنَّ المراد به هنا: كثيرُ العَضَلاتِ. قوله: ((فأعْرَضَ عنه)) زاد ابن مُسافِرٍ: فَتَنَخَّى لشِقٌّ وَجْهِ رسول الله بِّهِ الذي أعرَضَ قِبَلَه، بكسر القاف وفتح الموحّدة، وفي رواية شُعَيب: فتَنَخَّى تِلقاءَ وجْهِه، أي: انتَقَلَ من الناحية التي كان فيها إلى الناحية التي يَستَقْبِل بها وجهَ النبيِّ وَّهِ. وتِلقاءَ منصوبٌ على الظَّرفيَّة، وأصلُه مصدَرٌ أُقيمَ مقامَ الظَّرفِ، أي: مكانَ تِلقاء، فحُذِفَ مكان قِبَلَ، وليس من المصادِر تِفعال - بكسر أوَّله - إلّا هذا وتِبْيان، وسائرها بفتح أوَّله، وأمَّا الأسماء بهذا الوزن فكثيرة. قوله: ((حتَّى رَدَّدَ» في رواية الكُشْمِيهنيّ: حتَّى رَدَّ، بدالٍ واحدة، وفي رواية شُعَيب بن اللَّيث : حَتَّى ثَنَى ذلك عليه، وهو بمثلَّثةٍ بعدها نون خفيفة، أي: كَرَّرَ، وفي حدیث بُرَیدة عند مسلم (١٦٩٥/ ٢٢): قال: ((وَيْحَكَ، ارجِعْ فاستَغْفِرِ اللهَ وَتُبْ إلیه»، فرَجَعَ غیرَ بعیدٍ ثمَّ جاء فقال: يا رسول الله طَهِّرني، وفي لفظٍ (١٦٩٥/ ٢٣): فلمَّا كان من الغَد أتاه. ووَقَعَ في مُرسَل سعيد بن المسيّب عند مالك (٢/ ٨٢٠) والنَّسائيِّ (ك٧١٤١) من رواية يحيى ابن سعيد الأنصاريّ عن سعيد: أنَّ رجلاً من أسلَمَ قال لأبي بكر الصِّدّيق: إنَّ الأَخِرَ(٢) زَنَى، قال: فُتُب إلى الله واستَتِرِ بسِتِرِ الله. ثمَّ أتى عمر كذلك فأتى رسول الله وَّ فأعرَضَ عنه ثلاث مرَّات، حتَّى إذا أكثرَ عليه بَعَثَ إلى أهله. (١) عند مسلم (١٦٩٢) (١٧)، ووقع في رواية عند أحمد في ((المسند)) (٢٠٩٨٣)، ومسلم (١٦٩٢) (١٨) بلفظ: «بر جُلٍ قصيرٍ، أشعث، ذي عضلات)). (٢) يعني: الأبعَد المتأخّر عن الخير. وانظر ما سلف برقم (٥٢٧١).