النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١ باب ٥ / ح ٦٧٨١ كتاب الحدود اسمُه عبدَ الله، وكان يُلقَّبُ حِماراً، وكان يُضْحِكُ رسولَ الله وَّةِ، وكان النبيُّ ◌َّل قد جَلَدَه في الشَّراب، فأَتِيَ به يوماً، فأمَرَ به فجُلِدَ، فقال رجلٌ منَ القوم: اللهمَّ الْعَنْهُ، ما أكثرَ ما يُؤْنَى به! فقال النبيُّ ◌َ: ((لا تَلْعَنوه، فوالله ما علمْتُ إِنَّه يُحِبُّ الله ورسوله)». ٦٧٨١ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله بنِ جعفرٍ، حدَّثنا أنسُ بنُ عِياضٍ، حدَّثنا ابنُ الهادِ، عن محمَّدٍ ابن إبراهيمَ، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ، قال: أَتِيَ النبيُّ نَّهَ بِسَكْرَانَ، فَأَمَرَ بضَرْبِهِ، فِمِنّا مَن يَضْرِبُهُ بَيَدِهِ، ومِنّا مَن يَضْرِبُهُ بنَعْلِهِ، ومِنّا مَن يَضْرِبُه بثوبِهِ، فلمَّا انصَرَفَ قال رجلٌ: ما له أخزاه الله؟! فقال رسولُ الله ◌َ ال: ((لا تكونوا عَوْنَ الشَّبطان على أخِيكُم)». قوله: ((باب ما يُكْرَه من لَعْنِ شاربِ الخمرِ، وأَنَّه ليس بخارج من الِلَّة)) يشير إلى طريق الجمع بين ما تَضَمَّنَه حديث الباب من النَّهي عن لَعْنِهِ، وما تَضَمَّنَه حديثُ الباب الأوَّل (٦٧٧٢): ((لا يَشرَب الخمرَ وهو مُؤمِنٌ))، وأنَّ المراد به نفيُ / كمال الإيمان ٧٦/١٢ لا أنَّه يَخْرُجُ عن الإيمان جُملةً، وعَبَّرَ بالكراهة هنا إشارةً إلى أنَّ النَّهيَ للتَّزيه في حَقّ مَن يَسْتَحِقّ اللَّنَ إذا قَصَدَ به اللَّعِنُ مَحْضَ السَّبِّ، لا إذا قَصَدَ معناه الأصليّ، وهو الإبعادُ عن رحمة الله، فأمَّا إذا قَصَدَه فيَحرُمُ، ولا سيّما في حَقٌّ مَن لا يَستَحِقّ اللَّعنَ كَهذا الذي يُحِبُّ اللهَ ورسولَه، ولا سيَّما مع إقامة الحدّ عليه، بل يُندَبُ الدُّعاءُ له بالتَّوبة والمغفرة، کما تقدَّم تقریرُه في الباب الذي قبله في الكلام على حديث أبي هريرة ثاني حديثَي الباب، وبسببِ هذا التَّفصيل عَدَلَ عن قوله في التَّرجمة: كراهية لَعن شارب الخمر، إلى قوله: ما يُكرَه من، فأشارَ بذلك إلى التَّفصيل، وعلى هذا التَّقرير فلا حُجّة فيه لمنع لَعْنِ الفاسِقِ المعَيَّنِ مُطلَقاً. وقيل: إنَّ المنعَ خاصٍّ بما يقعُ فِي حَضرة النبِّ ◌َِّ، لئلّا يَتَوهَّمَ الشّاربُ عندِ عَدَم الإنكار أنَّه مُستَحِقٌّ لذلك، فُرُبَّمَا أوقَعَ الشَّيطانُ في قلبِهِ ما يتمكَّنُ به من فَتْنِهِ، وإلى ذلك الإشارةُ بقولِه في حديث أبي هريرة: ((لا تكونوا عَونَ الشَّيطان على أخيكُم))، وقيل: المنعِ مُطلَقاً في حَقِّ مَن أُقيم عليه الحدّ، لأنَّ الحذَّ قد كَفَّرَ عنه الذَّنبَ المذكورَ، وقيل: المنعُ مُطلَقاً في حَقِّ ذي الزَّة، والجوازُ مُطلَقاً في حَقِّ المجاهرينَ. ٤٤٢ باب ٥ / ح ٦٧٨١ فتح الباري بشرح البخاري وصَوَّبَ ابن المنيِّر أنَّ المنعَ مُطلَقاً في حَقِّ المعَيَّن، والجواز في حَقِّ غير المعَيَّنِ، لأنَّه في حَقِّ غير المعَيَّنِ زَجرٌ عن تعاطي ذلك الفعلِ، وفي حَقِّ المعَيَّنِ أَذَّى له وسَبٌّ، وقد ثَبَتَ النَّهيُ عن أذَى المسلم، واحتَجَّ مَن أجازَ لَعنَ المعَيَّن بأنَّ النبيَّ وَّهِ إِنَّمَا لَعَنَ مَن يَسْتَحِقٌ اللَّعنَ فِيَستَوي المعَيَّنُ وغيرُه، وتُعقِّبَ بأَنَّه إنَّما يَستَحِقِ اللَّعنَ بوصفِ الإبهام، ولو كان لَعَنَه قبلَ الحدِّ جائزاً لاستَمرَّ بعد الحدّ، كما لا يَسقُط التَّغريب بالجلد، وأيضاً فنَصيبُ غير المعَيَّن من ذلك يسيرٌ جدّاً، والله أعلم. قال النَّوويّ في ((الأذكار)): وأمَّا الدُّعاء على إنسان بعَينِهِ ممَّن اتَّصَفَ بشيءٍ من المعاصي فظاهرُ الحديثِ أَنَّه لا يَجِرُم، وأشارَ الغَزاليّ إلى تَحريمه، وقال في ((باب الدُّعاء على الظَّلَمة)) بعد أن أو رَدَ أحاديثَ صحيحةً في الجواز، قال الغَزاليّ: وفي معنى اللَّعن الدُّعاءُ على الإنسان بالسُّوءِ، حتَّى على الظّالم،مثل: لا أصحّ الله چِسْمَه، وكلَّ ذلك مذمومٌ. انتهى. والأَولِى حَملُ كلام الغَزاليٌّ على الأوَّل، وأمَّا الأحاديث فتَدُلّ على الجواز، كما ذَكَره النَّوويّ في قوله وَيهِ للَّذي قال له: «كُل بيمينك)) فقال: لا أستطيع فقال: ((لا استَطَعت))(١)، فيه دليلٌ على جوازِ الدُّعاءِ على مَن خالَفَ الحُكمَ الشَّرعيَّ، ومالَ هنا إلى الجواز قبل إقامة الحدّ، والمنع بعد إقامته، وصَنيعُ البخاريِّ يقتضي لَعنَ المتَّصِفِ بذلك من غير أن يُعيَّنَ باسمِهِ، فيَجمَع بين المصلَحَتَين، لأنَّ لَعنَ المعَيَّنِ والدُّعاء عليه قد تَحِمِله على التَّمادي أو يُقَنِّطُه من قَبُول التَّوبة، بخِلَاف ما إذا صُرفَ ذلك إلى المنَّصِف، فإنَّ فيه زجراً وردعاً عن ارتكاب ذلك، وباعِثاً لفاعلِه على الإقلاع عنه، ويُقوِّيه النَّهيُ عن الَّتريب على الأَمةِ إذا جُلِدَت على الزِّنى كما سيأتي قريباً. واحتَجَّ شيخُنا الإمام البُلْقِينِيّ على جواز لَعْنِ المعَيَّن بالحديث الوارد في المرأة إذا دَعاها زوجها إلى فِراشه فأَبَتْ، لَعَنَتها الملائكةُ حتَّى تُصبح، وهو في ((الصَّحيح))(٢)، وقد تَوقَّفَ فيه (١) أخرجه مسلم (٢٠٢١) (١٠٧) من حديث سلمة بن الأكوع ﴾. (٢) سلف برقم (٥١٩٣)، وأخرجه مسلم برقم (١٤٣٦) من حديث أبي هريرة . ٤٤٣ باب ٥ / ح ٦٧٨١ كتاب الحدود بعضُ مَن لَقيناه بأنَّ اللّاعِنَ لها الملائكةُ، فَيَتَوقَّف الاستدلالُ به على جواز التَّأْسّي بهم، وعلى التَّسليم فليس في الخبر تَسميتُها، والذي قاله شيخُنا أقوى، فإنَّ الملَكَ معصومُ والتَّأَسّي بالمعصومِ مشروع، والبحثُ في جوازُ لَعنِ المعَيَّن وهو الموجود. قوله: ((أنَّ رجلاً كان على عَهْد النبيِّ وَّكان اسمُه عبدَ الله، وكان يُلقَّب ◌ِماراً)) ذَكَر الواقديُّ في غزوة خَيْبر من («مغازيه)) عن عبد الحميد بن جعفر عن أبيه قال: ووُجِدَ في حِصْنِ الصَّعْبِ بن مُعاذٍ، فذَكَر ما وُجِدَ من الثّيابِ وغيرها، إلى أن قال: وزِقاق خَر فأُريقَت، وشَرِبَ يومئذٍ من تلكَ الخمرِ رجلٌ يقال له: عبدُ الله الحِمارُ. وهو باسم الحيوان المشهور، وقد وَقَعَ في حديث الباب أنَّ الأوَّلَ اسمُه والثّاني لَقَبُّه. وجَوَّزَ ابنُ عبد البَرّ أنَّه ابنُ النُّعَيمان المبهم في حديث عُقْبة بن الحارث، فقال في ترجمة النُّعَيمان: كان رجلاً صالحاً وكان له ابنٌّ انهَمَكَ في الشَّرابِ / فجَلَدَه النبيُّ وَلَّ، فعلى هذا يكون ٧٧/١٢ كلٌّ من الثُّعَيمان وولدِه عبدِ الله جُلِدَ في الشُّرب، وقوَّى هذا عنده بما أخرجه الزُّبَير بن بكّار في ((الفُكَاهَةِ(١) من حديث محمَّد بن عَمْرو بن حَزْم قال: كان بالمدينة رجل يُصيب الشَّرابَ، فكان يُؤتَى به النبيُّ ◌َّهَ فَيَضِرِبُهُ بنَعِلِه، ويأمر أصحابَه فيَضرِبونَه بنِعالهم ويَحَثُونَ عليه التُّرابَ، فلمَّا كَثُرَ ذلك منه قال له رجلٌ: لَعَنَك الله، فقال له رسول الله وَّه: ((لا تَفْعَل، فإنَّه يُحِبُّ اللهَ ورسوله)». وحديث عُقْبةٍ(٢) اختَلَفَ ألفاظُ ناقِلِيه: هل الشّارب التُّعَيمانُ أو ابنُ النُّعَيمان؟ والرَّاجح التُّعَيمانُ فهو غير المذكور هنا، لأنَّ قصَّة عبد الله كانت في خَيْبرَ فهي سابِقةٌ على قصَّة النُّعَيمان، فإنَّ عُقْبة بن الحارث من مُسلِمَةِ الفتح، والفتحُ كان بعد خَيْبر بنحوِ من عشرينَ شهراً، والأشبَهُ أنَّه المذكور في حديث عبد الرّحمن بن أزهَرَ (٣) لأنَّ عُقْبة بن الحارث ممَّن شَهِدَها (١) كتاب ((الفكاهة والمزاح))، وتحرَّف في (س) إلى: ((الفاكهة))، ومن طريقه أخرجه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ٦٢/ ١٤٥ وفيه اللفظ المذكور، ولكن وقع عنده كما عند ابن عبد البر في ((الاستيعاب)): محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه. (٢) السالف برقم (٦٧٧٤). (٣) أخرجه أحمد في ((المسند)) (١٦٨١٠)، وأبو داود (٤٤٨٩)، والنسائي في ((الكبرى)) (٥٢٦٢). ٤٤٤ باب ٥ / ح ٦٧٨١ فتح الباري بشرح البخاري من مُسلِمَة الفتح، لكن في حديثه؛ أنَّ النُّعَيمانَ ضُرِبَ في البيت، وفي حديث عبد الرَّحمن بن أزهَر: أنَّه أُتيَ به والنبيُّ وَّهِ عند رَحْلِ خالِدٍ بن الوليد، ويُمكِنُ الجمعُ بأنَّه أطلقَ على رَحْلِ خالدٍ بيتاً، فكأنَّه كان بيتاً من شَعَرٍ، فإن كان كذلك فهو الذي في حديث أبي هريرة (٦٧٧٧)، لأنَّ في كلِّ منهما: أنَّ النبيَّ ◌َِّ قال لأصحابِهِ: ((بَكُِّوه)) كما تقدَّمَ(١). قوله: ((وكان يُضْحِكُ رسولَ الله ◌ِ﴾﴾ أي: يقول بحَضرَتِه أو يفعلُ ما يَضحَكُ منه، وقد أخرج أبو يَعْلى (١٧٦ و١٧٧) من طريق هشام بن سعد عن زيد بن أسلَمَ بسندِ الباب: أنَّ رجلاً كان يُلقَّب حِماراً، وكان يُهدي لرسولِ اللهِوَِّ العُكّةَ من السَّمِنِ والعَسَلِ، فإذا جاء صاحبُهُ يَتَقاضاه جاء به إلى النبيّ ◌َّهِ فقال: أَعْطِ هذا مَتَاعَه، فما يزيدُ النبيُّ وَّهِ أَن يَتَبَسَّم ويأمرَ به فيُعطَى. ووَقَعَ في حديث محمَّد بن عَمْرو بن حَزْمٍ بعدَ قولِهِ: ((يُحِبُّ اللهَ ورسوله)) قال: وكان لا يَدخُلُ إلى المدينة طُرُفةٌ(٢) إلّا اشتَرَى منها، ثمَّ جاء فقال: يا رسولَ الله، هذا أَهْدَيْتُه لك، فإذا جاء صاحبُهُ يَطلُبُ ثَمَنَه، جاءَ به فقال: أَعْطِ هذا الثَّمَنَ، فيقول: ((أَلْمْ تُهدِه إليَّ؟)) فيقول: ليس عندي، فيَضحَك ويأمر لصاحبِهِ بِثَمَنِهِ. وهذا ممَّا يُقوِّي أنَّ صاحبَ التَّرجمةِ والنُّعَيمانَ واحدٌ، والله أعلم. قوله: ((قد جَلَدَه في الشَّراب)) أي: بسَببٍ شُرِبِهِ الشَّرابَ المُسكِرَ، و((كان)) فيه مُضمَرةٌ، أي: كان قد جَلَدَه، ووَقَعَ في رواية مَعمَر عن زيد بن أسلَمَ بسَنِدِه هذا عند عبد الرَّزاق: أُتيَ برجلٍ قد شَرِبَ الخمرَ فحُدَّ، ثمَّ أُتي به فحُدَّ، ثمَّ أُتي به فحُدَّ، ثمَّ أُتي به فحُدَّ أربعَ مرَّاتٍ (٣). (١) سلف وأن ذكره عند شرحه للحديث رقم (٦٧٧٧)، وعزاه هناك للشافعي، وهو في ((الأم)) ١٩٥/٦، وأخرجه أبو داود (٤٤٧٨). (٢) والطُّْفة: كلُّ ما يُستَطرف؛ أي: يُستَملح. ((المصباح المنير)) (طرف). (٣) لفظه في ((المصنف)) (١٣٥٥٢): أُتيَ بابن النُّعمان إلى النبيِّ وَلَّ مِراراً، أكثر من أربع مرات ... ، وبرقم (١٧٠٨٢): ((مراراً أربعاً أو خمساً)). ٤٤٥ باب ٥ / ح ٦٧٨١ كتاب الحدود قوله: ((فأُتي به يوماً)) فذَكَر سفيان اليوم الذي أُتيَ به فيه، والشَّراب الذي شَرِبَه من عند الواقديّ، ووَقَعَ في روايته: وكان قد أُتيَ به في الخمر مِراراً. قوله: ((فأمُرَ به فَجُلِدَ)) في رواية الواقديّ: فأمَرَ به فخُفِقَ بالنِّعال، وعلى هذا فقوله: فجُلِدَ، أي: ضُرِبَ ضرباً أصاب جِلْدَه، وقد يُؤْخَذ منه أنَّه المذكورَ في حديث أنسٍ في الباب الأوَّل. قوله: ((قال رجلٌ من القوم)) لم أرَ هذا الرجل مُسمَّى، وقد وَقَعَ في رواية مَعمَر المذكورة(١): فقال رجل عند النبيّ ◌َِّ، ثمَّ رأيته مُسمَّى في رواية الواقديِّ، فعنده: فقال عمرُ. قوله: ((ما أكثرَ ما يُؤْنَى به!)) في رواية الواقديّ: ما يُضرَب، وفي رواية مَعمَر: ما أكثرَ ما يَشْرَب! وما أكثرَ ما يُحَد. قوله: ((لا تَلْعَنوه) في رواية الواقديّ: ((لا تَفْعَل يا عمرُ»، وهذا قد يَتَمسَّك به مَن يَدَّعي اتحادَ القِصَّتَين، وهو بعيدٌ لما بيَّنته من اختلاف الوقتَين، ويُمكِنُ الجمعُ بأنَّ ذلك وَقَعَ للنُّعَيمان ولابنِ النُّعَيمان، وأَنَّه اسمُه عبدُ الله ولَقَبه حِمار، والله أعلم. قوله: ((فوالله ما علمْتُ إِنَّه يُحِبُّ اللهَ ورسولَه)) كذا للأكثرِ بكسر الهمزة ويجوز على رواية ابن السَّكَن الفتحُ والكسرُ، وقال بعضهم: الرِّواية بفتح الهمزة، على أنَّ ((ما)) نافيةٌ مُجِيل "المعنى إلى ضِدِّه، وأغرَبَ بعضُ شُرّاح ((المصابيح)) فقال: ((ما)) موصولةٌ و((أنَّ) مع اسمِها وخَبَرَها سَدَّتِ مَسَدَّ مفعولَي ((علمتُ))، لكَونِهِ مُشتَمِلاً على المنسوبِ والمنسوب إليه، والضَّمير في ((أنَّه)) يعود إلى الموصول، والموصولُ مع صِلَتِهِ خَبَرُ مُبتَدَأِ محذوفٍ، تقدیرُه: هو الذي علمتُ، والجملة في / جوابِ القَسَم، قال الطِّييُّ: وفيه تَعَشُّفٌ. ٧٨/١٢ وقال صاحب ((المطالع)): ((ما)) موصولةٌ و((إِنَّه)) بكسر الهمزة مُبتَدَأٌ، وقيل: بفتحِها وهو مفعولُ ((علمتُ)). قال الطِّييُّ: فعلى هذا ((علمت)) بمعنى عَرَفت، و((إنَّه)) خبر الموصول. وقال أبو البَقَّاء في ((إعراب الجمع)): ((ما)) زائدةٌ، أي: فوالله علمتُ أنَّه، والهمزةُ على هذا مفتوحةٌ. قال: ويحتمل أن يكون المفعول محذوفاً، أي: ما علمتُ عليه أو فيه سوءاً، ثمَّ استأنَفَ فقال: (١) عند عبد الرزاق في ((مصنفه)) (١٣٥٥٢). ٤٤٦ باب ٥ / ح ٦٧٨١ فتح الباري بشرح البخاري ((إنَّه يُحِبُّ اللهَ ورسولَه)). ونُقِلَ عن رواية ابن السَّكَن: أنَّ التاء بالفتح للخِطابِ تقريراً، ويَصِحُ على هذا كسرُ الهمزة وفتحُها، والكسرُ على جوابِ القَسَمِ، والفتحُ معمولُ ((علمتُ))، وقيل: ((ما)) زائدةٌ للتَّأكيدِ، والتَّقدير: لقد علمتُ. قلت: وقد حكى في ((المطالع)): أنَّ في بعض الرِّوايات: ((فوالله لقد علمتُ))، وعلى هذا فالهمزةُ مفتوحةٌ، ويحتمل أن تكون ((ما)) مصدَريَّةً، وكُسِرَت ((إنَّ) لأنَّها جوابُ القَسَم. قال الطِّيبِيُّ: وجَعلُ ((ما)) نافيةٌ أَظهَرُ لاقتضاءِ القَسَمِ أن يَلْتَقِيَ بحرفِ النَّفي وبإِنَّ وباللّام، بخلاف الموصولة، ولأنَّ الجملة القَسَميَّة جيءَ بها مُؤكِّدةً لمعنى النَّهي (١) مُقرِّرةً للإنكار، ويُؤيِّده أنَّه وَقَعَ في ((شرح السُّنّة)) (٢٦٠٦): ((فوالله ما علمتُ إلّا أنَّه). قال: فمعنى الحَصر في هذه الرِّواية بمَنزِلة تاء الخِطاب في الرّواية الأُخرى، لإرادة مزيد الإنكار على المخاطَب. قلت: وقد وَقَعَ في رواية أبي ذرِّ عن الكُشْمِيهنيّ مِثل ما عَزاه لشرحِ السُّنّة، ووَقَعَ في رواية الإسماعيليّ من طريق أبي زُرْعة الرَّازيِّ عن يحيى بن بُكَير شيخ البخاريّ فيه: «فوالله ما علمتُ إنّه لَيُحِبّ اللهَ ورسوله))، ويَصِحّ معه أن تكون ((ما)) زائدة وأن تكون ظَرفيَّة، أي: مُدّة عِلمي، ووَقَعَ في رواية مَعمَر والواقديّ: ((فإنَّه يُحِبّ اللهَ ورسولَه))، وكذا في رواية محمَّد بن عَمْرو بن خَزْم، ولا إشكالَ فيها، لأنَّها جاءت تعليلاً لقوله: ((لا تَفْعَل يا عمرُ))، والله أعلم. وفي هذا الحديث من الفوائد: جواز التَّلقيب، وقد تقدَّم القولُ فيه في كتاب الأدب (٦٠٥١)، وهو محمولٌ هنا على أنَّه كان لا يَكرَهه، أو أنَّه ذُكِرَ به على سبيل التَّعريف، لكَثْرة مَن كان يُسَمَّى بعبد الله، أو أنَّه لمَّا تَكَرَّرَ منه الإقدامُ على الفعل المذكور نُسِبَ إلى البَلادة، فَأُطلِقَ عليه اسمُ مَن يَتَّصِفُ بها ليَرتَدِعَ بذلك. وفيه الردُّ على مَن زَعَمَ أنَّ مُرتَكِبَ الكبيرة كافرٌ، لِثُبُوتِ النَّهي عن لَعِنِهِ والأمرِ بالدُّعاءِ له. وفيه أن لا تَنافيَ بين ارتكاب النَّهي وثُبُوت محبّة الله ورسوله في قلب المرتَكِب، لأنَّه ◌ِلَه أخبر بأنَّ المذكورَ يُحِبُّ اللهَ ورسولَه مع وُجود ما صَدَرَ منه. وأنَّ مَن تَكَرَّرَت منه المعصيةُ (١) تحرَّفت في (س) إلى: ((النفي)). ٤٤٧ باب ٥ / ح ٦٧٨١ كتاب الحدود لا تُنَزَعُ منه مَحَبّةُ الله ورسوله، ويُؤخَذ منه تأكيدُ ما تقدَّم أنَّ نفيَ الإيمانِ عن شارب الخمرِ لا يُراد به زَوالُه بالكلّيَّة، بل نفيُ كمالِه كما تقدَّمَ، ويحتمل أن يكونَ استمرارُ ثُبوت محبّة الله ورسوله في قلب العاصي مُقَيَّداً بما إذا نَدِمَ على وقوع المعصيةِ، وأُقيمَ عليه الحدّ فكَفَّرَ عنه الذَّنبَ المذكورَ، بخِلَاف مَن لم يقع منه ذلك، فإنَّه يُشَى عليه بتكرار الذَّنبِ أن يُطبَع على قلبِه شيءٌ حتَّى يُسلَبَ منه ذلك، نسألُ اللهَ العفوَ والعافيةَ. وفيه ما يدلُّ على نَسخِ الأمرِ الواردِ بقتل شارب الخمرِ إذا تَكَرَّرَ منه إلى الرَّابِعة أو الخامسة، فقد ذَكَر ابنُ عبد البَرِّ: أنَّه أُتيَ به أكثرَ من خمسين مرَّة، والأمرُ المنسوخُ أخرجَه الشافعيُّ في رواية حَرمَلة عنه، وأبو داود (٤٤٨٤) وأحمدُ (٧٩١١) والنَّسائيُّ (٥٦٦٢) والدَّارِمِيُّ (٢١٠٥)، وابن المنذر(١)، وصَحَّحَه ابن حِبّان (٤٤٤٧)، كلَّهم من طريق أبي سَلَمة ابن عبد الرَّحمن عن أبي هريرة رَفَعَه: ((إذا سَكِرَ فاجْلِدُوه، ثمَّ إذا سَكِرَ فاجلِدُوه، ثمَّ إذا سَكِرَ فاجلِدُه، ثمَّ إذا سَكِرَ فاقتلوه) ولبعضِهم: ((فاضِرِبوا عُنُقَه)). وله من طريق أُخرى عن أبي هريرة أخرجها عبد الرّزّاق (١٣٥٤٩ و١٧٠٨١) وأحمدُ (٧٧٦٢) والتِّرمِذيّ تعليقاً(٢) والنَّسائيُّ (ك ٥٢٧٧) كلُّهم من رواية سُهَيل بن أبي صالح عن أبيه عنه بلفظ: ((إذا شَرِبوا فاجلِدُوهم ثلاثاً، فإذا شَرِبوا الرَّابِعةَ فاقتلوهم))، ورويَ عن عاصمٍ بن بَهَدَلَةَ عن أبي صالح: فقال أبو بكر بن عيَّاش عنه: عن أبي صالح/ عن أبي سعيد، كذا أخرجه ٧٩/١٢ ابنُ حِبّان (٤٤٤٥) من روایة عثمان بن أبي شيبة عن أبي بكر. وأخرجه التِّرمِذيّ (١٤٤٤) عن أبي كُرَيب عنه فقال: عن معاوية بَدَل: أبي سعيد، وهو المحفوظ. وكذا أخرجه أبو داودَ (٤٤٨٢) من رواية أبان العَطّار عنه، وتابَعَه الثَّوْريّ وشَيْبان بن عبد الرَّحمن وغيرهما عن عاصم، ولفظ الثَّوْريّ عن عاصم: ((ثمَّ إِن شَرِبَ الرَّابِعة فاضرِبوا (١) في ((الأوسط)) برقم (٩٢٦٣). (٢) بإثر الحديث رقم (١٤٤٤) من ((جامعه)). ٤٤٨ باب ٥ / ح ٦٧٨١ فتح الباري بشرح البخاري عُنُقُه))(١)، ووَقَعَ في رواية أبان عند أبي داود (٤٤٨٢): ((ثُمَّ إن شَرِبوا فاجلدوهم)) ثلاث مرَّات بعد الأولى، ثمَّ قال: ((إن شَرِبوا فاقتلوهم))، ثمَّ ساقَه أبو داود (٤٤٨٣) من طريق حُميدٍ بن يزيد عن نافع عن ابن عمر قال: وأحسَبُه قال في الخامسة: «ثمَّ إن شَرِبَها فاقتلوه)» قال: وكذا في حديث غُطَيف: في الخامسة، قال أبو داود: وفي رواية عمر بن أبي سَلَمة عن أبيه وسُهَيل بن أبي صالح عن أبيه كلاهما عن أبي هريرة: في الرَّابِعة، وكذا في رواية ابن أبي نُعم عن ابن عمر(٢)، وكذا في رواية عبد الله بن عَمْرو بن العاص والشَّريد، وفي رواية معاوية: («فإن عادَ في الثّالثة - أو الرَّابِعة - فاقتُلُوه)). وقال التِّرمِذيّ بعد تخريجه: وفي الباب عن أبي هريرة والشَّريد وشُرَحبيل بن أوس وأبي الرَّمْداء وجَرِیر وعبدِ الله بن عَمْرو. قلت: وقد ذكرتُ حديث أبي هريرةَ، وأمَّا حديث الشَّريد - وهو ابن أوس الثَّقفيّ - فأخرجه أحمد (١٩٤٦٠) والدَّارِميُّ (٢٣١٣) والطبرانيُّ (٧٢٤٤/١٧) وصَحَّحَه الحاكم (٤ / ٣٧٢) بلفظ: ((إذا شَرِبَ فاضرِبوه)) وقال في آخره: «ثمَّ إن عادَ الرَّابِعةَ فاقتُلُوه)). وأمَّا حديث شُرَحبيل - وهو الكنديّ - فأخرجه أحمدُ (١٨٠٥٣) والحاكم (٤/ ٣٧٣) والطبرانيُّ (٧/ ٧٢١٢) وابن مَندَهْ في ((المعرفة))، ورواته ثقاتٌ نحوَ رواية الذي قبله، وصَحَّحَه الحاکمُ (٤/ ٣٧٢) من وجهٍ آخر. وأمَّا حديث أبي الرَّمْداء، وهو بفتح الرَّاءِ وسكونِ الميم بعدَها دالٌ مُهمَلٌ وبالمدِّ، وقيل: بموحّدةٍ ثمَّ ذال مُعجَمة، وهو بَلَوِيٌّ (٣) نزلَ مِصر، فأخرجه الطبرانيُّ (٨٩٣/٢٢) وابن مَندَهْ، (١) روايتا سفيان الثوريّ وشيبان بن عبد الرّحمن عن عاصم بن أبي النَّجود أخرجهما أحمد في («المسند»، الأولى برقم (١٦٨٦٩)، والثانية برقم (١٦٩٢٦) وهي بلفظ: ((فإن عاد فاقتلوه)). (٢) رواية عمر بن أبي سلمة عن أبي عن أبيه أخرجها أحمد بن ((المسند)) برقم (١٠٧٢٩)، ورواية ابن أبي نُعم عن ابن عمر فهي عند النسائي برقم (٥٦٦١). وقد تحرَّف في (س) إلى: ((نعيم)) واسمه عبد الرحمن البَجَليّ الكوفي؛ یکنی أبا الحكم. وأمّا الروايات المذكورة بعدها فسيأتي تخريجها في سياق شرح الحافظ هنا قريباً. (٣) تحرَّفت في (س) إلى: ((بدريّ)). ٤٤٩ باب ٥ / ح ٦٧٨١ كتاب الحدود وفي سنده ابن لَهِيعة وفي سياق حديثه: أنَّ النبيَّ ◌َّهِ أَمَرَ بالذي شَرِبَ الخمر في الرَّابِعة أن تُضرَبَ عُنُقُه فضُرِبَت، فأفادَ أنَّ ذلك عُمِلَ به قبلَ النَّسْخِ، فإن ثَبَتَ كان فيه رَدٌّ على مَن زَعَمَ أنَّه لم يُعمَل به. وأمَّا حديث جَرِير فأخرجه الطبرانيُّ (٢٣٩٧/٢ و٢٣٩٨) والحاكم (٣٧١/٤) ولفظُه: ((مَن شَرِبَ الخمرَ فاجلِدُوه)) وقال فيه: «فإن عادَ في الرَّابِعة فاقتلوه)». وأمَّا حديث عبد الله بن عَمْرو بن العاص فأخرجه أحمدُ (٦٥٥٣) والحاكمُ (٤/ ٣٧٢) من وجهَينِ عنه، وفي كلّ منهما مقالٌّ(١)، ففي رواية شَهْر بن حَوشَبٍ عنه: «فإن شَرِبَهَا الرَّابِعةَ فاقتلوه)). قلت: ورُوِّيناه عن أبي سعيد أيضاً كما تقدَّم، وعن ابن عمر، وأخرجه النَّسائيُّ (٥٦٦١) والحاكم (٣٧١/٤) من رواية عبد الرَّحمن بن أبي نُعْم(٢) عن ابن عمر ونَفَرٍ من الصَّحابة بنحوِه، وأخرجه الطبرانيُّ (٦٦٢/١٨) موصولاً من طريق عياض بن غُطَيف عن أبيه، وفيه: في الخامسة، كما أشارَ إليه أبو داود، وأخرجه التِّرمِذيُّ تعليقاً (٣)، والبزَّار (٥٩٦٥)، والشافعيّ، والنَّسائيُّ (ك ٥٢٨٣ ٥٢٨٤) والحاكم (٣٧٣/٤) موصولاً من رواية محمّد بن المنكَدِر عن جابر، وأخرجه البيهقيُّ (٣١٤/٨) والخطيب في ((المبهَمات)) (ص٣٠٧) من وجهين آخرَينِ عن ابن المنكَدِر، وفي رواية الخطيب: ((جُلدَ)). وللحاكم (٣٧٢/٤ -٣٧٣) من طريق يزيد بن أبي كَبْشة سمعت رجلاً من الصحابة يُحدِّثُ عبد الملك بن مروان رَفَعَه بنحوِهِ: ((ثمَّ إن عادَ في الرَّابِعة فاقتلوه))، وأخرجه عبد الرَّزاق (١٧٠٨١) عن مَعمَر عن ابن المنكَدِر مُرسَلاً، وفيه: أُتيَ بابنِ النُّعَيمان بعد الرَّابِعة فجَلَدَه، وأخرجه الطَّحاويُّ (٣/ ١٦١) من رواية عَمْرو بن الحارث عن ابن المنكَدِر أنَّه بَلَغَه، وأخرجه (١) وله طريق أخرى، أخرجها أحمد في ((المسند)) برقم (٦٧٩١) من رواية قُرَّة بن خالد عن الحسن - وهو البصري- عن ابن عمرو. وفي آخره: «فإِنْ عاد فاقتلوه)) والحسن لم يسمع من ابن عمرو. (٢) تحرَّف في (س) إلى: ((نعيم))، وسلف تصويبه والتعريف باسمه قريباً. (٣) بإثر الحديث (٤ ١٤٤) من «جامعه)). ٤٥٠ باب ٥ / ح ٦٧٨١ فتح الباري بشرح البخاري الشافعيّ (٨٩/٢) وعبد الرَّزّاق (١٣٥٥٣) وأبو داود (٤٤٨٥) من رواية الزُّهْريِّ عن قَبيصةَ بن ذُؤَيب قال: قال رسول الله بِّ: ((مَن شَرِبَ الخمر فاجلِدوه)) إلى أن قال: ((ثُمَّ إذا شَرِبَ في الرَّابِعة فاقتلوه) قال: فأُتيَ برجلٍ قد شَرِبَ فجَلَدَه، ثمَّ أُتيَ به قد شَرِبَ فَلَدَه، ثمَّ أُتيَ به وقد شَرِبَ فجَلَدَه، ثمَّ أُتيَ به في الرَّابِعة قد شَرِبَ فجَلَدَه، فَرُفِعَ القتلُ عن الناس وكانت رُخصةً. وعَلَّقَه التِّرمِذيّ فقال: روى الزُّهْرِيّ. وأخرجه الخطيب في ((المبهَمات)) (ص٦ ٣٠) من طريق محمّد بن إسحاق عن الزُّهْريّ، ٨٠/١٢ وقال فيه: فأُتيَ برجلٍ من الأنصار يقال له: نُعَيمَانُ فَضَرَبَه أربعَ مرَّاتٍ، / فرأى المسلمونَ أنَّ القتلَ قد أُخرَ وأنَّ الضَّربَ قد وجَبَ، وقَبيصة بن ذُؤَيب من أولاد الصحابة، وُلِدَ في عهد النبيِّ وَّه ولم يَسمِعْ منه، ورجالُ هذا الحديث ثقاتٌ مع إرساله، لكنَّه أُعِلَّ بما أخرجه الطَّحاويُّ من طريق الأوزاعيِّ عن الزُّهْريِّ قال: بَلَغَني عن قَبِيصةَ. ويعارض ذلك روايةَ ابن وهب عن يونس عن الزُّهْريّ(١): أنَّ قَبيصةَ حدَّثه أنَّه بَلَغَه عن النبيّ ◌َّهِ. وهذا أصحُّ لأنَّ يونسَ أحفَظُ لرواية الزُّهْريّ من الأوزاعيّ، والظّاهر أنَّ الذي بَلَّغَ قبيصةَ ذلك صحابيٌّ، فيكون الحديث على شرط الصَّحيح لأنَّ إبهامَ الصحابيِّ لا يَضُرّ، وله شاهدٌ أخرجه عبد الرَّزّاق (١٧٠٨١) عن مَعمَر قال: حَدَّثت به ابن المنكَدِر فقال: تُرِكَ ذلك، قد أُتِيَ رسولُ اللهِوَِّ بِابنِ نُعَيمَانَ فَجَلَدَه ثلاثاً، ثمَّ أُتيَ به في الرَّابِعة فجَلَّدَه ولم يَزِده. ووَقَعَ عند النَّسائيِّ (ك ٥٢٨٣) من طريق محمّد بن إسحاق عن ابن المنكَدِر: عن جابر: فَأَتَيَ رسولُ الله ◌َّهِ برجلِ مِنّا قد شَرِبَ في الرَّابِعة فلمْ يَقتلْهُ. وأخرجه (ك ٥٢٨٤) من وجهٍ آخرَ عن محمَّد بن إسحاق بلفظ: «فإن عادَ الرَّابِعةَ فاضرِبوا عُنُقَه)) فضَرَبَه رسول الله وَلِّل أربع مرَّات، فرأى المسلمونَ أنَّ الحدَّ قد وَقَعَ، وأنَّ القتلَ قد رُفِعَ. قال الشافعيّ بعد تخريجِه: هذا ما لا اختلافَ فیه بین أهل العلم عَلِمتُه. وذكره أيضاً عن أبي الزُّبَيرِ مُرسَلاً، وقال: أحاديثُ القتلِ منسوخةٌ. (١) عند الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ١٦١/٣. ٤٥١ باب ٥ / ح ٦٧٨١ كتاب الحدود وأخرجه أيضاً من رواية ابن أبي ذِئْب حدَّثني ابن شِهاب: أُتيَ النبيُّ وَّ بشاربٍ فجَلَدَه ولم يَضرِب عُنُقَه، وقال التِّرمِذيّ: لا نعلم بينَ أهلِ العلمِ في هذا اختلافاً في القديم والحديث. قال: وسمعت محمَّداً يقول: حديثُ معاويةَ في هذا أصحُّ، وإنَّما كان هذا في أوَّل الأمر ثمَّ نُسِخَ بعدُ. وقال في ((العِلَل)) آخِرَ الكتاب: جميع ما في هذا الكتاب قد عَمِلَ به أهلُ العلمِ، إلّا هذا الحديث، وحديث الجمع بين الصَّلاَتَينِ في الحَضَر. وتَعقَّبَهَ النَّوويّ فسَلَّمَ قوله في حديث الباب دونَ الآخر، ومالَ الخطَّبيُّ إلى تأويل الحديث في الأمر بالقتل، فقال: قد يَرِدُ الأمر بالوعيدِ ولا يُراد به وقوع الفعل، وإنَّما قُصِدَ به الرَّدعُ والتَّحذيرُ، ثمَّ قال: ويحتمل أن يكون القتل في الخامسة كان واجباً، ثمَّ نُسِخَ بحصولِ الإجماع من الأُمّة على أنَّه لا يُقتَل. وأمَّا ابن المنذر فقال: كان العمل فيمَن شَرِبَ الخمر أن يُضرَب ويُنَكَّل به، ثمَّ نُسِخَ بالأمرِ بجَلِدِه، فإن تَكَرَّرَ ذلك أربعاً قُتِلَ، ثمَّ نُسِخَ ذلك بالأخبار الثّابِتة وبإجماع أهل العلم، إلّا مَن شَذَّ مَمَّن لا يُعَدُّ خِلَافاً. قلت: وكأنَّه أشارَ إلى بعض أهل الظّاهر، فقد نُقِلَ عن بعضهم، واستَمرَّ عليه ابن خَزْم منهم، واحتَجَّ له واذَّعَى أنْ لا إجماعَ، وأورَدَ من ((مُسنَدِ الحارثِ بن أبي أُسامة)) ما أخرجه هو (٣٦٦/١١) والإمام أحمدُ (٦٧٩١) من طريق الحسن البصريّ عن عبد الله بن عَمْرو أنَّه قال: ائتوني برجلٍ أُقيمَ عليه الحدُّ- يعني ثلاثاً - ثمَّ سَكِرَ فإن لم أقتُله فأنا كذّابٌ. وهذا مُنقَطِعٌ، لأنَّ الحسن لم يسمع من عبد الله بن عَمْرو كما جَزَمَ به ابن المَدِينِيّ وغيرُه، فلا حُجّةَ فيه، وإذا لم يَصِحَّ هذا عن عبد الله بنِ عَمْرو، لم يَبَقَ لمن رَدَّ الإجماعَ على تَرك القتل مُتَمسَّكُ، حَتَّى ولو ثَبَتَ عن عبد الله بن عَمْرو لكان عُذرُه أنَّه لم يَبلُغْهُ النَّسْخُ، وعُدَّ ذلك من نُزْرَةِ المخالفِ، وقد جاء عن عبد الله بن عَمْرو أشدُّ من الأوَّل، فأخرج سعيدُ بنُ منصورٍ (١) عنه بسندٍ لَيِّنٍ قال: لو رأيت أحداً يَشرَبُ الخمرَ واستَطَعت أن أقتُلَه لَقَتَلته. (١) في («تفسيره)) (٨٢٠)، وهو عند ابن سعد في ((الطبقات)) ٢٦٨/٤، والطبراني في «الكبير)) ١٣/ (١٤١٦١). ٤٥٢ باب ٦ / ح ٦٧٨٢ فتح الباري بشرح البخاري وأمَّا قول بعض مَن انتَصَرَ لابنِ حَزم فطَعَنَ في النَّسخِ: بأنَّ معاوية إنَّما أسلَمَ بعدَ الفتح، وليس في شيءٍ من أحاديثِ غيرِهِ الدّالَّةِ على نَسخِه التَّصريحُ بأنَّ ذلك مُتأخّرٌ عنه، فجوابُه أنَّ معاوية أسلَمَ قبلَ الفتحِ، وقيل: في الفتح، وقصَّةُ ابن النُّعَيمان كانت بعد ذلك، لأنَّ عُقْبة بن الحارث حَضَرَها إمّا بحُنَينٍ وإمّا بالمدينة، وهو إنَّما أسلَمَ في الفتح وحُنَين، وحضورُ عُقْبَةَ إلى المدينة كان بعدَ الفتحِ جَزماً، فَثَبَتَ ما نَفاه هذا القائل. وقد عَمِلَ بالناسخِ بعضُ الصحابة، فأخرج عبد الرَّزّاق في ((مُصنَّفِه)) (١٣٥٥٤) بسندٍ لَيِّنِ عن عمر بن الخطّاب: أنَّه جَلَدَ أبا مِحْجَن الثَّقْفيَّ في الخمرِ ثماني مِرارٍ، وأورَدَ نحو ذلك ٨١/١٢ عن / سعد بن أبي وقّاص، وأخرج حمّاد بن سَلَمة في ((مُصنَّفِه)) من طريق أُخرى رجالها ثقات: أنَّ عمر جَلَدَ أبا مِحْجَن في الخمرِ أربعَ مِرارِ، ثمَّ قال له: أنتَ خَليعٌ، فقال: أمَّا إذ خَلعتَنِي فلا أشرَبُها أبداً. قوله: ((حدَّثنا عليّ بن عبد الله بن جعفر)) هو المعروف بابنِ المدينيّ. قوله: ((أُتِيَّ النبيُّ ◌َّهِ بِسَكْرَانَ، فَأَمَرَ بضَرْبِهِ) وَقَعَ في رواية المُسْتَمْلِي: ((فقامَ لَيَضِرِبَه)) وهو تَصحيفٌ، فقد تقدَّم الحديث في الباب الذي قبله (٦٧٧٧) من وجه آخرَ عن أبي ضَمرةً على الصَّواب بلفظ: فقال: ((اضْرِبُوه). قال القُرطُبيّ: ظاهرُه يقتضي أنَّ السُّكرَ بمُجرَّدِهِ موجِبٌ للحَدِّ، لأنَّ الفاءَ للتَّعليلِ، كقوله: سَهى فسَجَدَ، ولم يُفَصِّل هل سَكِرَ من ماء عِنَبِ أو غيرِه؟ ولا هل شَرِبَ قليلاً أو كثيراً؟ ففيه حُجّةٌ للجُمهورِ على الكوفتّينَ في النَّفْرِقة، وقد مضى بيانُ ذلك في الأشربة (٥٥٧٩). ٦ - باب السارقِ حِينَ يَسْرقُ ٦٧٨٢ - حدَّثْنِي عَمْرو بنُ عليٍّ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ داودَ، حدَّثنا فُضَيلُ بنُ غَزْوانَ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، عن النبيِّ ◌ََّ، قال: ((لا يَزْنِ الزّاني حينَ يَزْني وهو مُؤْمِنٌ، ولا يَسْرِقُ حينَ يَسْرِقُ وهو مُؤْمِنٌ)). [طرفه في: ٦٨٠٩] ٤٥٣ باب ٧ / ح ٦٧٨٣ كتاب الحدود قوله: ((باب السارق حِینَ یَسْرِقُ)) ذکر فیه حديث ابن عبّاس نحوَ حديث أبي هريرة الماضي في أوَّل الحدود (٦٧٧٢) مُقْتَصِراً فيه على الزّنى والسَّرِقة، ولأبي ذَرِّ: ((ولا يَسِرِق السارقُ))، وسَقَطَ لفظ: ((السارق)) من رواية غيره، وكذا أخرجه الإسماعيليّ من رواية عَمْرو بن عليّ شيخ البخاريّ فيه، وأخرجه أيضاً من طريق إسحاقَ بنِ يوسفَ الأزرَقَ عن الفُضَيل بن غَزْوانَ بسنِدِه فيه: ((ولا يَشرَب الخمر حين يَشرَبها وهو مُؤمِنٌ، ولا يقتل وهو مُؤمِن))(١). قال ◌ِكْرمة: قلت لابنِ عبَّاس: كيف يُنْزَعُ منه الإيمانُ؟ قال: هكذا، فإن تابَ راجَعَه الإيمان. وقد تقدَّم بسطُ هذا في أوَّل كتاب الحدود(٢). ٧ - باب لَعْن السارِقِ إذا لم يُسمَّ ٦٧٨٣ - حدَّثنا عمرُ بنُ حَفصِ بنِ غِياثٍ، حدَّثني أبي، حدَّثنا الأعمَشُ، قال: سمعتُ أبا صالح، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ◌َ ◌ِّ قال: ((لَعنَ اللهُ السارقَ، يَسْرِقُ البَيضةَ فَتُقْطَعُ يَدُه، ويَسْرِقُ الحَبْلَ، فَتُقْطَعُ بَدُه)). قال الأعمَشُ: كانوا يَرَوْنَ أنَّه بَيْضُ الحديدِ، والحَبْلُ كانوا يَرَوْنَ أنَّه منها ما يُساوِي دَراهمَ. [طرفه في: ٦٧٩٩]. قوله: ((باب لَعْن السارق إذا لم يُسَمَّ)) أي: إذا لم يُعيَّن، إشارةً إلى الجمع بين النَّهي عن لَعنِ الشّاربِ المعَيَّن كما مضى تقريرُه (٦٧٨٠) وبين حديثٍ الباب. قال ابن بَطّال: معناه: لا ينبغي تعيينُ أهلِ المعاصي ومواجَهَتُهم باللَّعنِ، وإنَّما ينبغي أن يُلعَن في الجملة مَن فعل ذلك، ليكونَ رَدعاً لهم وزَجراً عن انتهاك شيءٍ منها، ولا يكون لمُعيَّنٍ لئلّاً يَقْنَط، قال: فإن كان هذا مُرادَ البخاريِّ فهو غير صحيح، لأَنَّه إِنَّا نَهَى عن لَعنِ الشّاربِ وقال: ((لا تُعينوا عليه الشَّيطانَ)) بعد إقامة الحدّ عليه. قلت: وقد تقدَّم تقرير ذلك قريباً. (١) طريق إسحاق بن يوسف هذه ستأتي برقم (٦٨٠٩) بهذا اللفظ. (٢) عند شرحه للحديث (٦٧٧٢). ٤٥٤ باب ٧ / ح ٦٧٨٣ فتح الباري بشرح البخاري وقال الدَّاوُوديّ: قوله في هذا الحديث: (لَعَنَ الله السارق)) يحتمل أن يكون خَبَرَاً ٨٢/١٢ ليَرتَدِعَ مَن سمعَه عن السَّرِقة، ويَحتملُ أن يكونَ دعاءً، قلت: ويحتمل أن لا يُرادَ/ به حقيقةٌ اللَّعنِ، بل التَّتغير فقط. وقال الطَّيُّ: لعلَّ هنا المرادَ باللَّعنِ الإهانةُ والخذلانُ، كأنَّه قيل: لمَّا استعملَ أعَّ شيءٍ في أحقَرِ شيءٍ خَذَلَه الله حتَّى قُطِعَ. وقال عياضٌ: جَوَّزَ بعضُهم لَعنَ المعَيَّنِ ما لم يُحدَّ لأنَّ الحدّ كَفَّارةٌ، قال: وليس هذا بسَديد لُبُوتِ النَّهي عن اللَّعن في الجملة، فحَملُه على المعَيَّنِ أولى، وقد قيلَ: إنَّ لَعنَ النبيِّ ◌َه لأهلِ المعاصي كان تَحذيراً لهم عنها قبلَ وُقوِها، فإذا فعَلوها اسْتَغْفَرَ لهم ودَعا لهم بالتَّوبة، وأمَّا مَن أغلَظَ له ولَعَنَه تأديباً على فعلِ فعَلَه، فقد دَخَلَ في عُموم شرطِهِ حيثُ قال: ((سألتُ رَبّ أن يجعل لَعْني له كفَّارةً ورحمةً»(١). قلت: وقد تقدَّم الكلام عليه فيما مَضَى (٢)، وبيَّنت هناك أنَّه مُقيّد بما إذا صَدَرَ في حَقّ مَن ليس لها بأهلِ، كما قُيِّدَ بذلك في ((صحيح مسلم)) (٩٥/٢٦٠٣). قوله: ((عن أبي هريرة)) في رواية محمَّد بن الحسين بن(٣) أبي الحُنَينِ عن عمرَ بنِ حفصٍ شیخ البخاريّ فيه: سمعت أبا هريرة، وكذا في رواية عبد الواحد بن زياد عن الأعمش عن أبي صالح: سمعت أبا هريرة، وسيأتي بعد سبعة أبوابٍ في (باب تَوبة السارق))(٤)، وقال ابن حَزْم: وقد سَلمَ من تَدليسِ الأعمَشِ. قلت: ولم يَنْفَرِد به الأعمَش، أخرجه أبو عَوَانة في ((صحيحه)) (٦٢٣٦) من رواية أبي بكر بن عيَّاش عن أبي حَصينٍ عن أبي صالح. (١) يُروى نحو هذا اللفظ من حديث عائشة رضي الله عنها أخرجه ابن راهويه في «مسنده)) (٧٩٣)، وهو في (صحيح مسلم)) (٢٦٠١) من حديث أبي هريرة ، بلفظ: «فأُما رجلٍ من المسلمين سَبْتُه أو لعتُه أو جلدتُه فاجعلها له زكاة ورحمة)». (٢) في سياق شرحه للحديث رقم (٦٣٦١). (٣) تحرف في (س) إلى: ((عن))، وهو أبو جعفر الخزّاز المعروف بالحنيني، قال الخطيب: صنّف مسنداً وحدَّث به. كان ثقة صدوقاً. انظر («تاريخ بغداد)) له ٢/ ٢٢٢. (٤) قبل باب توب السارق برقم (٦٧٩٩). ٤٥٥ باب ٧ / ح ٦٧٨٣ كتاب الحدود قوله: ((لَعَنَ الله السارق، يَسْرِق البيضةَ، فَتُقْطَع ◌َدُه)) في رواية عيسى بن يونس عن الأعمَش عند مسلم (١٦٨٧) والإسماعيليّ: ((إن سَرَقَ بيضةً قُطِعَت يَدُه، وإن سَرَقَ حَبلاً قُطِعَت يَدُه)). قوله: ((قال الأعْمَش)) هو موصولٌ بالإسناد المذكور. قوله: ((كانوا يَرَوْنَ)) بفتح أوَّله: من الرَّأي، وبضمِّه: من الظَّنّ. قوله: ((أنّه بیضُ الحدید» في رواية الگُشْمِيهنيّ: بَيَضَةُ الحديد. قوله: ((والحَبْل كانوا يَرَوْنَ أنَّه منها ما يُساوي دَراهمَ)) وَقَعَ لغير أبي ذرٍّ: يَسْوَى، وقد أنكَرَ بعضُهم صِحَّتَها، والحقُّ أنَّها جائزةٌ لكن بقِلّةٍ. قال الخطّبيُّ: تأويل الأعمَشِ هذا غيرُ مُطابِقٍ لمذهبِ الحديث وَخَرَج الكلام فيه، وذلك أنَّه ليس بالشّائع في الكلام أن يقال في مِثْلَ ما وَرَدَ فيه الحديث من اللَّومِ والتَّريب: أخزَى الله فلاناً، عَرَّضَ نفسَه للتَّلَفِ في مالٍ له قَدرٌ ومَزِيَّةٌ، وفي عَرَضٍ له قيمةٌ، إنَّما يُضرَبُ المثَلُ في مِثله بالشَّيءِ الذي لا وزنَ له ولا قیمةً، هذا حُكمُ العُرفِ الجاري فيمثله. وإنَّما وَجْهُ الحديثِ وتأويلُهُ ذَمُّ السَّرِقة وتَهجينُ أمرِها، وتَحذيرُ سُوءٍ مَغَبَّتِها فيما قَلَّ وكَثُرَ من المال، كأنَّه يقول: إنَّ سَرِقةَ الشَّيءِ اليسير الذي لا قيمةَ له كالبيضة المَذِرَةِ والحَبْلِ الْخَلَقِ الذي لا قيمةَ له إذا تَعاطاه، فاستَمَرَّت به العادةُ لم يَنْشِب(١) أن يُؤَدّيهُ ذلك إلى سَرِقة ما فوقَها، حتَّى يَبلُغْ قَدْرَ ما تُقطَعُ فيه اليَدُ فتُقطَعُ يَدُه، كأنَّه يقول: فليَحذَرْ هذا الفعلَ وليَتَوقَّهُ قبلَ أن تَمَلِكه العادةُ ويَمرُنَ عليها، ليَسلَمَ من سُوءٍ مَغَيَّتِهِ ووَخيمٍ عاقبَتِه. قلت: وسَبَقَ الخطَّبيَّ إلى ذلك أبو محمَّد بن قُتَيبة - فيما حكاه ابن بَطّال - فقال: احتَجَّ الخوارجُ بهذا الحديث على أنَّ القَطْعَ يَجِبُ في قليل الأشياءِ وكثيرِها، ولا حُجّة لهم فيه، وذلك أنَّ الآية لمَّا نزلت قال عليه الصَّلاة والسَّلام ذلك على ظاهرٍ ما نزلَ، ثمَّ أعلمَه اللهُ أنَّ القَطْعَ لا (١) أي لم يلبث، وتحرّف في (س) إلى: ((ييأس)). ٤٥٦ باب ٧ / ح ٦٧٨٣ فتح الباري بشرح البخاري يكون إلّا في رُبع دينارٍ، فكان بياناً لما أُجِلَ فوجَبَ المصيرُ إليه. قال: وأمَّا قولُ الأعمَشِ: إِنَّ البيضةَ في هذا الحديث بَيضةُ الحديدِ التي تُجعَلُ في الرّأسِ في الحربِ، وأنَّ الحَبْلَ من حِبال السُّفُنِ، فهذا تأويلٌ بعيدٌ لا يجوزُ عند مَن يَعِرِفُ صحيحَ كلام العربِ، لأنَّ كلّ واحدٍ من هذَينٍ يَبلُغُ دَنانيرَ كثيرةً، وهذا ليس موضعَ تكثيرٍ لِمَا سَرَقَه السارقُ، ولأنَّ من عادة العَربِ والعَجَمِ أن يقولوا: قَبَّحَ الله فلاناً عَرَّضَ نفسَه للضَّربِ في عِقْدِ جَوهرٍ، وتَعرَّضَ للعُقوبة بالغُلولِ في جِرابٍ مِسْكٍ، وإنَّما العادة في مِثل هذا أن يقال: لَعَنَه الله، تَعرَّضَ لقطع اليدِ في حبْلِ رتُّ أو في كُبه شعرٍ أو ◌ِداء خَلَقٍ، وكلُّ ما كان نحوَ ذلك كان ابلَغَ، انتھی. ورأيته في ((غريب الحديث)) لابنٍ قُتَيبة، وفيه: حَضَرت يحيى بن أكثَمَ بِمَكّة، قال: فرأيته يذهب إلى هذا التَّأويلِ، ويُعجَبُ به ويُبدِئ ويُعيد، قال: وهذا لا يجوزُ، فذكره، وقد ٨٣/١٢ تَعقَّبَه/ أبو بكر بن الأنباريّ فقال: ليس الذي طَعَنَ به ابن قُتَيبة على تأويل الخبر بشيءٍ، لأنَّ البيضةَ من السِّلاح ليست عَلَماً في كَثْرة الثَّمَن ونهايةً في غُلوّ القيمة، فتجري تَجَرَى العِقْدِ من الجوهرِ، والجِرابِ من المِسِكِ، اللَّذَينِ رُبَّا يُساويان الأُلُوفَ من الدَّنانير، بل البيضةُ من الحديد رُبَّما اشتُريَت بأقلَّ مَمَّا يَجِبُ فيه القَطعُ، وإنَّما مُراد الحديث أنَّ السارقَ يُعرِّضُ قطعَ يَدِه بما لا غِنَى له به، لأنَّ البيضةَ من السِّلاح لا يَستَغني بها أحدٌ، وحاصلُه أنَّ المراد بالخيرِ أنَّ السارق يَسِرِق الجَليلَ فُتُقطَعُ يَدُه، ويَسِرِقُ الحَقيرَ فَتُقطَع يَدُه، فكأنَّه تعجيزٌ له وتضعيفٌ لاختياره، لكَونِه باعَ يدَه بقليلِ الثَّمَن و کثیره. وقال المازَرِيّ: تأوَّلَ بعضُ الناس البيضةَ في الحديث بيضةَ الحديدِ، لأنَّه يُساوي نِصاب القَطْعِ، وَلَه بعضُهم على المبالَغة في التَّنبيه على عِظَمِ ما خَسِرَ وحَقْرِ ما حَصّلَ، وأراد من چِنس البَيضةِ والحَبْلِ ما يَبلُغ النِّصابَ. قال القُرطُبيّ: ونَظير حَملِه على المبالَغة ما حُلَ عليه قولُهُ وَّةِ: ((مَن بَنَى الله مسجداً ولو كَمَفْحَصِ قَطاٍ)(١) فإنَّ أحدَ ما قيل فيه: إنَّه أراد المبالَغةَ في ذلك، وإلّا فمِنَ المعلومِ أنَّ مَفْحَصَ (١) أخرجه ابن ماجه (٧٣٨) من حديث جابر بن عبد الله. ٤٥٧ باب ٧ / ح ٦٧٨٣ كتاب الحدود القَطاة - وهو قَدرُ ما تَحَضُنُ فيه بيضَها - لا يُتصوَّرُ أن يكونَ مسجداً، قال: ومنه «تَصَدَّقِنَ ولو بظلفٍ مُحُرَّق))(١) وهو ممّا لا يُتَصَدَّقُ به، ومثلُه کثیرٌ في كلامِهم. وقال عياضٌ: لا ينبغي أن يُلتَفَت لِمَا وَرَدَ أنَّ البيضةَ بيضةُ الحديد والحَبْلَ حَبلُ السُّفُن، لأنَّ مِثل ذلك له قيمةٌ وقَدْرٌ، فإنَّ سياقَ الكلام يقتضي ذَمَّ مَن أخَذَ القليلَ لا الكثيرَ، والخبرُ إِنَما وَرَدَ لتعظيمِ ما جَنَى على نفسه بما تَقِلُّ به قيمتُه لا بأكثرَ، والصَّواب تأويلُه على ما تقدَّم من تَقليل أمرِه وتَهجين فعلِه، وأنَّه إن لم يُقطَع في هذا القَدرِ جَرَّته عادتُه إلى ما هو أكثرُ منه. وأجابَ بعضُ مَن انتَصَرَ لتأويلِ الأعمَش: أنَّ النبيَّ وََّ قاله عند نزول الآية مُجُمَلةً قبلَ بيان نِصاب القَطْعِ، انتهى. وقد أخرج ابن أبي شَيْبة (٩/ ٤٧٠) عن حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمَّد عن أبيه عن عليّ: أنَّه قَطَعَ يد سارق في بيضة حديد ثَمَنُها رُبعُ دينارٍ، ورجاله ثقات مع انقطاعه، ولعلَّ هذا مُستَنَدُ التَّأويلِ الذي أشارَ إليه الأعمَش. وقال بعضُهم: البيضةُ في اللُّغة تُستَعمَلُ في المبالَغة في المدح وفي المبالَغة في الذَّمَ، فمِنَ الأَوَّل قولهم: فلانٌ بيضةُ البلدِ: إذا كان فرداً في العَظَمة، وكذا في الاحتقار، ومنه قولُ أُختِ عَمرو بن عبدٍ وُدِّلمَّا قَتَل عليّ أخاها يوم الخندق في مرثيَّتِها له: لكنَّ قاتلَه مَن لا يُعابُ به مَن كان يُدعَى قديماً بَيْضةَ البَلَدِ ومن الثّاني: قولُ الآخِرِ يَهجو قوماً: تأبَى قُضاعةُ أن تُبدِي لكم نَسَباً وابنانِزارٍ فأنْتُم بَيضَةُ الْبَلَدِ (٢) ويقال في المدح أيضاً: بيضةُ القومِ، أي: وَسَطهم، وبيضةُ السَّنام، أي: شَحْمته، فلما كانت (١) أخرجه أحمد في ((المسند) برقم (٢٧٤٥٠)، والنسائي (٢٥٦٥) من حديث حوّاء جدَّة عمرو بن معاذ الأنصاري بلفظ: ((ردُّوا السائلَ ولو بظِلْفٍ مُحَّقٍ)). (٢) البيت للشاعر الأموي عُبيد بن حصين بن معاوية بن جندل النميري، المعروف بالراعي التُّميري، وهو في «دیوانه)) ص٧٩. ٤٥٨ باب ٨ / ح ٦٧٨٤ فتح الباري بشرح البخاري البيضةُ تُستَعمَلُ في كلٍّ من الأمرَينِ حَسُنَ التَّمثيل بها، كأنَّه قال: يَسْرِق الجَليلَ والحَقيرَ فيُقْطَعُ، فُرُبَّ أنَّه عُذِرَ بالجَليلِ، فلا عُذرَ له بالحَقير. وأمَّا الحَبْلُ فأكثرُ ما يُستَعمَل في التَّحقير، كقولهم: ما تَرَكَ فلانٌ عِقالاً ولا ذَهَب من فلانٍ عِقالٌ، فكأنَّ المراد أنَّه إذا اعتادَ السَّرِقَةَ لم يَتَمَالَك مع غَلَبة العادة التَّمييزَ بين الجَليل والحقير، وأيضاً فالعارُ الذي يَلْزَمه بالقطع لا يُساوي ما حَصَلَ له ولو كان جَليلاً، وإلى هذا أشارَ القاضي عبد الوهّاب بقولِه: صيانةُ العُضوِ أغلاها وأرخَصَها صيانةُ المال فافهَمْ حِكمةَ الباري(١) ورَدَّ بذلك على قولِ المعَرّيّ: يَدِّ بخمسٍ مِئينَ عَسْجَدٍ وُدِيَتْ ما بالُهَا قُطِعَت في رُبعِ دينارٍ وسيأتي مزيدٌ لهذا في ((باب السَّرِقة)) (٦٧٨٩) إن شاء الله تعالى. ٨- بابٌّ الحدودُ كفّارةٌ ٨٤/١٢ ٦٧٨٤- حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسُفَ، حدَّثنا ابنُ عُبَينَةَ، عن الزُّهْريِّ، عن أبي إدْرِيسَ الخَوْلانيِّ، عن عُبادةَ بنِ الصّامِتِ ﴾، قال: كنَّا عندَ النبيِّ وَّه في تَجْلِسِ، فقال: «باِعُوني على أن لا تُشرِكوا بالله شيئاً، ولا تَسْرِقُوا، ولا تَزْنُوا - وقرأَ هذه الآيةَ كلَّها - فمَن وفَ منكم فأجْرُه على الله، ومَن أصاب من ذلك شيئاً فعُوقِبَ به، فهو كَفَّارَتُّه، ومَن أصاب من ذلك شيئاً فسَتَرَه اللهُ عليه، إن شاءَ غَفَرَ له، وإن شاءَ عَذَّبَه». قوله: ((بابٌّ الحدود كفَّارة)». قوله: ((حدَّثْنا محمَّد بن يوسُف)) لم أرَه منسوباً، ويحتمل أن يكون: هو البِيكَنديّ، ويحتمل أن (١) ويُروى عنه بيتٌ آخر وهو: عِزُّ الأمانةِ أغلاها وأرخَصَها ذُلُّ الخيانةِ فافْهَمْ حِكمةَ الباري وقوله: ((وأرخَصَها)) فعلٌ ماضٍ، وفاعله ((صيانة))، و((ذلُّ)) في البيت الآخر، وليس معطوفاً على ((أغلاها)). انظر ((منح الجليل شرح مختصر خليل)) لمحمد بن أحمد عليش المالكي ٩/ ٣٠٠. ٤٥٩ باب ٨ / ح ٦٧٨٤ كتاب الحدود يكون الفِرْيابيّ، وبه جَزَمَ أبو نُعَيم في ((المستخرَج))، وابن عُيَينةَ: هو سفيان. قوله: ((عن الزُّهْريّ) في رواية الحميديّ عن سفيان بن عُيَينَةَ: سمعت الزُّهْريّ، أخرجه أبو نُعَیم. وذگر حديث عبادة بن الصّامت وفيه: ((ومَن أصاب من ذلك شيئاً فعُوقِبَ به، فهو كفَّارةٌ))، وقد تقدَّم (١٨) أنَّ عندَ مسلمٍ (١٧٠٩/ ٤٣) من وجهٍ آخرَ: ((ومَن أتى منكم حَدّاً»، ولأحمدَ (٢١٨٦٦ و٢١٨٧٦) من حديث خُزيمةَ بن ثابت رَفَعَه: ((مَن أصاب ذَنباً أُقيمَ عليه حَدُّ ذلك الذَّنبِ، فهو كفَّارَتُه)) وسنده حسنٌ. وفي الباب عن جَرِیر بن عبد الله نحُه عند أبي الشّيخ، وفي حديث عَمْرو في شعيب عن أبيه عن جَدِّه عنده بسندٍ صحيحٍ إلیه نحو حديث عُبادة، وفيه: ((فمَن فعل من ذلك شيئاً فأُقيمَ عليه الحدُّ، فهو كَفَّارَتُه))، وعن ثابت ابن الضَّحّاك نحوه عند أبي الشَّيخ، وقد ذكرت شرحَ حديث الباب مُستَوفَّى في الباب العاشر من كتاب الإيمان (١٨) في أوَّل ((الصَّحیح)). وقد استَشكَلَ ابن بَطّل قوله: ((الحدود كفَّارة))، مع قوله في الحديث الآخر: ((ما أدري الحدود كفَّارة لأهلِها أو لا؟))(١) وأجابَ بأنَّ سندَ حديثِ عُبادة أصحّ، وأُجيبَ بأنَّ الثّاني كان قبلَ أن يُعلم بأنَّ الحدودَ كَفَّارَةٌ، ثمّ أُعلمَ، فقال الحديث الثّاني، وبهذا جَزَمَ ابن التِّين وهو المعتمَد. وقد أُجيبَ مَن تَوقَّفَ في ذلك لأجلِ أنَّ الأوَّل ـــ وهو التردُّد(٢) - من حديث أبي هريرة، وهو مُتأخّر الإسلام عن بيعة العَقَبة، والثّاني من حديث عُبادة بن الصّامت، وقد ذُكر في الخبر أنَّه مَمَّن بايعَ ليلةَ العَقَبة، وبيعةُ العَقَبة كانت قبلَ إسلام أبي هريرةَ بستٌّ سنین. (١) أخرجه البزار في («مسنده)) (٨٥٤١)، والحاكم في ((المستدرك)) (٢/ ٤٥١)، بإسناد ضعيف من حديث أبي هريرة﴾. قال البخاري في ((التاريخ الكبير)) ١/ ١٥٣: والأول أصحّ - يعني حديث عبادة - ولا يثبت هذا عن النبيِّ وَِّ، لأنَّ النبي ◌َّ قال: ((الحدود كفّارة)). (٢) عبارة ((وهو التردد)) وقعت في (س) بعد قوله: ((والثاني))، وهو خطأ، فالتردد إنما هو في حديث أبي هريرة وليس في حديث عبادة، أما في الأصلين فالجملة مطموسة في (أ) وساقطة من (ع)، والله أعلم. ٤٦٠ باب ٩ / ح ٦٧٨٥ فتح الباري بشرح البخاري وحاصل الجواب أنَّ البيعةَ المذكورةَ في حديث الباب كانت مُتأخّرة عن إسلام أبي هريرة، بدليلٍ أنَّ الآية المشار إليها في قوله: ((وقرأ الآية كلَّها)) هي قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا جَآءَكَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَيِّعْنَكَ عَلَى أَنْ لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢] إلى آخرها، وكان نزولها في فتح مَكّة وذلك بعد إسلام أبي هريرة بنحوِ سنتَين، وقَرَّرت ذلك تقريراً بيِّناً. وإنَّما وَقَعَ الإشكالُ من قوله هناك: إنَّ عُبادة بن الصّامت - وكان أحد النُّقَباء ليلة العَقَبة - قال: إنَّ النبيَّ ◌َ ◌ّه قال: ((بايِعُوني على أن لا تُشِرِكوا)) فإنَّه يُوهِم أنَّ ذلك كان ليلةَ العَقَبة، وليس كذلك، بل البيعةُ التي وَقَعَت في ليلة العَقَبة كانت على السَّمع والطاعة في العُسر واليُسر، والمنشَطِ والمكرَه ... إلى آخره، وهو من حديث عُبادة أيضاً كما أوضحته هُناكَ. قال ابن العربيّ: دَخَلَ في عُموم قوله المشرِكُ، أو هو مُستَثَنّى، فإنَّ المشرِك إذا عُوقِبَ على شِرْكه لم يكن ذلك كفَّارة له، بل زيادة في نَكاله، قلت: وهذا لا خِلَافَ فيه. قال: وأمَّا القتل فهو كفَّارة بالنّسبة إلى الوليّ المستَوفي للقِصاص في حَقِّ المقتول، لأنَّ القِصاص ليس بحَقِّ له، بل يَبقَى حَقُّ المقتولِ، فيُطالبُه به في الآخرة گَسائِرِ الحقوق. قلت: والذي قاله في مقامُ المَنْع، وقد نَقَلت في الكلام على قوله/ تعالى: ﴿ وَمَن يَقْتُلْ ٨٥/١٢ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] قولَ مَن قال: يَبقَى للمقتولِ حَقُّ التَّشَفّي، وهو أقرَبُ من إطلاق ابن العربيّ هنا. قال: وأمَّا السَّرِقة فتَتَوقَّف براءةُ السارقِ فيها على رَدِّ المسروقِ لمُستَحِقّه، وأمَّا الزِّنى فأطلقَ الجمهور أنَّه حَقّ الله، وهي غَفلةٌ، لأنَّ لآلِ المَزْنِيِّ بها في ذلك حَقّاً لما يَلَزَم منه من دُخول العارِ على أبيها وزوجِها وغيرهما. ومحصَّلُ ذلك أنَّ الكفَّارة تَخْتَصّ بحَقِّ الله تعالى دونَ حَقِّ الآدميِّ في جمیع ذلك. ٩- بابٌ ظهر المؤمن حِمَّی إلّا في حدٍّ أو حقٍّ ٦٧٨٥ - حذَّثني محمَّدُ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا عاصمُ بنُ عليٍّ، حدَّثنا عاصمُ بنُ محمَّدٍ، عن واقِدِ بنِ محمَّدٍ، سمعتُ أبي، قال عبدُ الله: قال رسولُ اللهِ وَ فِي حَجّةِ الوَداعِ: ((ألا أيُّ شهرٍ تَعلَمُونَه أعظَمُ