النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ باب ٨ / ح ٦٧٣٦ كتاب الفرائض واستَدَلَّ الطَّحاويُّ بحديثٍ ابن مسعود هذا على أنَّ المراد بحديثِ ابن عبَّاس: ((فما أبقَتِ الفرائض فلأَوْلَى رجلٍ ذَكَرٍ))(١) مَن يكون أقرَبَ العَصَبات إلى الميِّت، فلو كان هناك عَصَبة أقرب إلى الميّت، ولو كانت أُنثَى كان المال الباقي لها، ووجه الدّلالة منه أنَّ النبيَّ وَّل جَعَلَ الأَخَوات من قِبَلِ الأَبِ مع البنت عَصَبةً، فصِرنَ مع البنات في حُكم الذَّكور من قِبَل الإرث. وقال غيرُه: وجهُ كَون الولد المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنِ أُمْرُؤُأْ هَكَ لَيْسَ لَهُ، وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦] ذَكَراً: أنَّه الذي يَسْبِق إلى الوَهْم من قول القائل: قال ولدُ فلانٍ كذا، فأوَّل ما يقع في نفس السامع أنَّ المراد الذَّكَرُ، وإن كان الإناث أيضاً أولاداً بالحقيقة ولكن هو أمرٌ شائعٌ، وقد قال الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُ كُمْ فِتْنَةٌ ﴾ [التغابن: ١٥]، وقال: ﴿لَنْ تَنَفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَهُمْ﴾ [الممتحنة: ٣]، وقال حكايةَ عن الكافر الذي قال: ﴿لَأُوتَيَنَّ مَالَا وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧]، والمراد بالأولادِ والولد في هذه الآي: الذُّكور دونَ الإناث، لأنَّ العرب ما كانت تَتَكاثر بالبنات، فإذا حُمِلَ قوله تعالى: ﴿إِنِ أُمُّ هَكَ لَيْسَ لَهُ, وَلَّدٌ﴾ على الولد الذَّكَرِ لم يَمنَعِ الأُختَ الميراثَ مع البنت، وعلى تقدير أن يكون الولدُ في الآية أعَمَّ، فإنَّه مُحْتَمِلٌ لأن يُرادَ به العُمومُ على ظاهره، وأن يُراد به خُصوصُ الذَّكَرِ، فبيَّنَتِ السُّنّة الصَّحيحة أنَّ المراد به الذُّكورُ دونَ الإناث. قال ابن العربيّ: يُؤْخَذ من قصَّة أبي موسى وابن مسعود جوازُ العمل بالقياس قبلَ مَعرِفة الخبر، والرُّجوع إلى الخبر بعد مَعرِفَته، ونَقضُ الحُكمِ إذا خالَفَ النَّصَّ. قلت: ويُؤْخَذ من صَنيع أبي موسى أنَّه كان يرى العمل بالاجتهادِ قبل البحث عن النَّصّ، وهو لائقٌ بمَن يعمل بالعامِّ قبل البحث عن المخَصِّص، وقد نَقَلَ ابن الحاجب الإجماعَ على مَنع العمل بالعُمومِ قبل البحث عن المخَصِّص، وتُعقِّبَ بأنَّ أَبَويْ إسحاقَ الإسفراييني والشّيرازيّ حَكَيا الخِلاف، وقال أبو بكر الصَّيرَفيُّ وطائفةٌ: وهو المشهور، (١) سلف (٦٧٣٢) و(٦٧٣٥). ٣٢٢ باب ٩ / ح ٦٧٣٧ -٦٧٣٨ فتح الباري بشرح البخاري وعن الحنفيَّة: يجب الانقياد للعُمومِ في الحال، وقال ابن سُرَيج(١) وابن خَيْرانَ والقَفّال(٢): يجب البحث، قال أبو حامد: وكذا الخِلاف في الأمر والنَّهي المطلَق. ٩ - باب ميراث الجَدّ مع الأب والإخوة وقال أبو بكرٍ وابنُ عبَّاسٍ وابنُ الزُّبَيِ: الجَدُّ أبُ. وقرأ ابنُ عبّاسٍ: ﴿يَبَنِىّ ءَدَمَ ﴾ [الأعراف: ٢٦] ﴿ وَأَتَبَعْتُ مِلَّةَ ءَابَآءِىّ إِنْزَهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [يوسف: ٣٨]. وَلم يُذكَر أنَّ أحداً خالَفَ أبا بَكْرٍ في زمانه، وأصحابُ النبيِّ وَ ﴿ مُتَوافرونَ. وقال ابنُ عبَّاسٍ : يَرِثُّني ابنُ ابني دونَ إِخْوَتي، ولا أرِثُ أنا ابنَ ابنِي. وَيُذْكَرُ عن عمرَ وعليٍّ وابنٍ مسعودٍ وزيدٍ أقاوِيلٌ مُخْتَلِفَةٌ. ٦٧٣٧ - حدَّثْنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنَا وُهَيبٌ، عن ابنِ طاووسٍ، عن أبيه، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، عن النبيِّ وَّ، قال: ((ألِقُوا الفرائضَ بأهلِها، فما بَقِيَ فلأَوْلَى رجلٍ ذَكَرٍ)). ١٩/١٢ ٦٧٣٨ - حدَّثنا أبو مَعْمَرٍ، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، حدَّثنا أيوبُ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: أمَّ الذي قال رسولُ الله ◌َّةِ: (لو كنتُ مُتَّخِذاً من هذه الأُمَّةِ خليلاً، لاتَّخِذْتُه، ولكن خُلّةُ الإسلام أفضلُ - أو قال: خيرٌ -)) فإنَّه أنزَلَه أباً، أو قال: قَضاه أباً. قولُهُ: ((باب ميراث الجَدّ مع الأب والإخوة)) المراد بالجَدِّ هنا: مَن يكون من قِبَلِ الأب، والمراد بالإخوة: الأشِقّاء ومِنَ الأبِ، وقد انعَقَدَ الإجماع على أنَّ الجدّ لا يَرِث مع وجود الأبِ. (١) تصحفت في (س) إلى: ((شريح)) بالشين في أوله والحاء في آخره، وابن سُريج: هو أبو العباس أحمد بن عمر بن شريج البغدادي القاضي الشافعي، به انتشر المذهب الشافعيّ في العراق، وكان من أصحاب ابن خيران المذكور: وهو أبو عليّ الحسين بن صالح بن خيران البغدادي الشافعي، قال الذهبيَّ: كان أبو عليّ ابن خیران یُعاتب ابن سُريج على القضاء. هذا الأمر لم يكن في أصحابنا، إنما كان في أصحاب أبي حنيفة. توفي ابن سريج سنة ستّ وثلاث مئة. انظر: ((سير أعلام النبلاء)) ٢٠١/١٤ و٥٨/١٥. (٢) تحرَّف في (س) إلى: الفضال. والقَفّال: هو أبو بكر محمد بن إسماعيل الشاشيّ الشافعي، توفي سنة خمس وستين وثلاث مئة. انظر «سير أعلام النبلاء)» ١٦/ ٢٨٣. ٣٢٣ باب ٩ / ح ٦٧٣٧ -٦٧٣٨ كتاب الفرائض قوله: ((وقال أبو بكر وابن عبَّاس وابن الزُّبَير: الجَدُّ أبٌ)) أي: هو أبٌّ حقيقةً، لكن تَتَفاوت مراتبُه بحَسَبِ القُرب والبُعد، وقيل: المعنى: أنَّه يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الأبِ في الحُرْمة ووُجوهِ البِرّ، والمعروفُ عن المذكورينَ الأوَّلُ. قال يزيد بن هارون في كتاب ((الفرائض)) له: أخبرنا محمَّد بن سالم عن الشَّعبيّ: أنَّ أبا بكر وابن عبَّاس وابنَ الزُّبَيرِ كانوا يجعلونَ الجدَّ أباً يَرِث ما يَرِث، ويَحَجُب ما يَجُب. ومحمّد بن سالم ضعيفٌ، والشَّعبيُّ عن أبي بكر مُنقَطِع، وقد جاء من طُرقٍ أُخرى(١)، وإذا ◌ُملَ ما نَقَلَه الشَّعبيُّ على العُموم لَزِمَ منه خِلَاف ما أجمَعوا عليه في صورةٍ، وهي أمّ الأب إذا عَلَت تَسقُط بالأبِ ولا تَسقُط بالجدّ، واختُلِفَ في صورتَينِ: إحداهما: أنَّ بني العَلّات والأعيان (٢) يَسقُطونَ بالأبِ، ولا يَسقُطونَ بالجدِّ إلّا عند أبي حنيفةَ ومَن تابَعَه، والأُمّ مع الأب وأحدِ الزَّوجَينِ تأخُذ ثُلُثَ ما بَقِيَ، ومع الجدّ تأخُذ ثُلُثَ الجميع، إلّا عند أبي يوسف فقال: هو كالأب، وفي الإرث بالولاءِ صورة ثالثة فيها اختلاف أيضاً. فأمَّا قول أبي بكر وهو الصِّدّيق فوَصَلَه الدَّارِمِيُّ (٢٩٠٣) بسندٍ على شرطِ مسلمٍ عن أبي سعيد الخُدْريِّ: أنَّ أبا بكر الصِّدّيق جَعَلَ الجدّ أباً. وبسندٍ صحيح إلى أبي موسى أنَّ أبا بکر مثله (٢٩٠٤ و ٢٩٠٥). وبِسندٍ صحيحٍ أيضاً إلى عثمان بن عَفّان: أنَّ أبا بكر كان يجعل الجدّ أباً (٢٩٠٦)، وفي لفظٍ له (٢٩٠٨): أَّ جَعَلَ الجدّ أباً إذا لم يكن دُونه أبٌ. ويسندٍ صحيحٍ عن ابن عبَّاس (٢٩٠٩): أنَّ أبا بكر كان يجعل الجدَّ أباً. وقد أسنَدَهُ المصنّف في آخر الباب عن ابن عبّاس: أنَّ أبا بكر أنزَلَه أباً. وكذا مضى في (١) انظر في ذلك: ((المصنف)) لعبد الرزاق (١٩٠٤٩ -١٩٠٥٧)، وابن أبي شيبة ٢٨٨/١١-٢٩٠. (٢) وبنو العَلّات: هم بنو رجلٍ واحد من أُمّهاتٍ شتّى. مأخوذٌ من العَلَل: وهو الشُّرْب بعد الشُّرْبِ، لأنّ الأب لمّا تزوَّج مرَّةً بعد أخرى صار كأنه شرب مرَّةً بعد أخرى. وبنو الأعيان: الإخوة يكونون لأبٍ وأُمِّ ولهم إخوة لعلّات. وهذه الأُخوَّة تسمّى المُعاينة. انظر (الصحاح)) (عين)، و ((اللسان)» (علل). ٣٢٤ باب ٩ / ح ٦٧٣٧ -٦٧٣٨ فتح الباري بشرح البخاري المناقب (٣٦٥٨) موصولاً عن ابن الزُّبَيرِ: أنَّ أبا بكر أَنزَلَه أباً. وأمَّا قول ابن عبّاس فأخرجه محمّد بن نَصر المروزيُّ في كتاب الفرائض من طريق عَمْرو بن دينار عن عطاء عن ابن عبَّاس قال: الجدّ أبٌّ. وأخرج الدَّارِمِيُّ بسندٍ صحيحٍ عن طاووسٍ عنه أنَّه جَعَلَ الجدّ أباً. وأخرج يزيد بن هارون من طريق ليث عن طاووسٍ: أنَّ عثمان وابن عبّاس كانا يجعلان الجدّ أباً. وأمَّا قول ابن الزُّبَير فتقدَّم في المناقب (٣٦٥٨) موصولاً من طريق ابنِ أبي مُلَيكةَ قال: كَتَبَ أهل الكوفة إلى ابن الزُّبَير في الجدّ فقال: إنَّ أبا بكر أنَزَلَه أباً. وفيه دلالة على أنَّه أفتاهم بمِثلِ قول أبي بكر. وأخرج يزيد بن هارون من طريق سعيد بن جُبَير قال: كنت كاتباً لعبد الله بن عُتْبةَ فأتاه كتابُ ابن الزُّبَيرِ أنَّ أبا بكر جَعَلَ الجدّ أباً(١). قوله: ((وقرأ ابن عبّاس: يا بني آدمَ - واتَّبَعْت مِلّةَ آبائي إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ)) أمَّا احتجاج ابن عبّاس بقوله تعالى: ﴿وَنِىّءَادَمَ﴾ فَوَصَلَه محمَّد بن نَصر (٢) من طريق عبد الرّحمن ابن مَعقِل قال: جاء رجل إلى ابن عبّاس فقال له: كيف تقول في الجَدّ؟ قال: أيُّ أبٍ لك أكبرُ؟ فسَكَتَ، وكأنَّه عَيِيَ عن جوابه، فقلت أنا: آدمُ، فقال: أفَلا تَسمَع إلى قوله تعالى: ﴿يَنِىّ ءَادَمَ﴾، أخرجه الدَّارِميُّ (٢٩٢٤) من هذا الوجه. وأمَّا احتجاجُه بقوله تعالى: ﴿وَأَتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءَابَآءِىّ ﴾ [يوسف: ٣٨] فَوَصَلَه سعيد بن منصور (٥٠) من طريق عطاء عن ابن عبّاس قال: الجدّ أبٌّ، وقرأ ﴿ وَأَتَبَعْتُ مِلَّةَ ءَابَآءِىّ ﴾ الآيةَ، واحتَجَّ بعض مَن قال بذلك بقولِه ◌ِوَّهِ: ((أنا ابنُ عبدِ المطَّلِب))(٣) وإنَّما هو ابنُ ابنِهِ. قوله: ((ولم يُذكَر)) هو بضمٍّ أوَّلِه على البناءِ للمجهول. (١) وأثر سعيد بن جبير هذا أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٢٨٥/٦، وأحمد في ((المسند)) (١٦١٠٧) من طريق فرات بن عبد الله القزّاز عنه به. (٢) ووصله من طريقه البيهقي في ((الكبرى)) ٢٤٦/٦. (٣) سلف برقم (٢٨٦٤). ٣٢٥ باب ٩ / ح ٦٧٣٧ -٦٧٣٨ كتاب الفرائض قوله: ((إنَّ أحداً خالَفَ أبا بَكْر في زمانه وأصحابُ النبيِّ وَ ﴿ مُتَوافرونَ)) كأنَّه يريد بذلك ٢٠/١٢ تَقويةَ حُجّة القول المذكور، فإنَّ الإجماع السُّكوتيَّ حُجّةٌ، وهو حاصلٌ في هذا، وثمَّن جاء عنه التَّصريحُ بأنَّ الجدّ يَرِث ما كان يَرِث الأبُ عند عَدَم الأب غيرَ مَن سَمّه المصنّف: معاذٌ وأبو الدَّرداء وأبو موسى وأُبيُّبن كعب وعائشة وأبو هريرة. ونُقِلَ ذلك أيضاً عن عمرَ وعثمانَ وعليٍّ وابن مسعود على اختلافِ عنهم كما سيأتي، ومن التابعين عطاءٌ وطاووسٌ وعُبيد الله بن عبد الله بن عُتبةَ وأبو الشَّعثاء وشُرَيح والشَّعبيّ. ومن فقهاء الأمصارِ: عثمان البَتِّي(١) وأبو حنيفةَ وإسحاق بن راهويه وداود وأبو ثور والمُزَنيّ وابن سُرَيج. وذَهَب عمرُ وعليّ وزيد بن ثابت وابن مسعود إلى تَوريث الإخوة مع الجدّ لكنِ اختلفوا في کیفیّة ذلك كما سيأتي بیانُه. قوله: ((وقال ابن عبّاس: يَرِثُّني ابنُ ابني دونَ إِخْوتي، ولا أرِثُ أنا ابنَ ابني)) وَصَلَه سعيد ابن منصور (٤٦) من طريق عطاء عنه قال، فذكره. قال ابن عبد البَرّ: وجهُ قياس ابن عبّاس أنَّ ابنَ الابن لمَّا كان كالابنِ عند عَدَم الابن كان أبو الأب عند عَدَم الأب كالأب، وقد ذكر مَن وافَقَ ابنَ عبَّاس في هذا توجيهَ قياسِه المذكور من جهة أنَّهم أجمعوا على أنَّه كالأبٍ في الشَّهادة له وفي العِتق عليه، وأنَّه لا يُقتَصّ منه، وأنَّه ذو فَرْضٍ أو عاصِبٍ، وعلى أنَّ مَن تَرَكَ ابناً وأباً أنَّ للأبِ السُّدُسَ والباقي للابنِ، وكذا لو تَرَكَ جَدّة لأبيه وابناً، وعلى أنَّ الجدّ يَضرِب مع أصحاب الفُروض بالسُّدُسِ كما يَضرِب الأب سواء قيل بالعَوْلِ أم لا. واتَّفَقوا على أنَّ ابن الابن بمَنزِلة الابن في حَجْب الَّوج عن النِّصف والمرأةِ عن الزُّبُع والأُمّ (١) تحرَّف في (س) إلى: التيمي. وعثمان بن مسلم البَنّي، أبو عمرو البصري، من فقهاء البصرة. (تهذيب الكمال)) ١٩/ ٤٩٢. ٣٢٦ باب ٩ / ح ٦٧٣٧-٦٧٣٨ فتح الباري بشرح البخاري عن الثَّلث كالابنِ سواء، فلو أنَّ رجلاً تَرَكَ أُبَويه وابنَ ابنِهِ كان لكلٍّ من أبويه السُّدُسُ، وأنَّ مَن تَرَكَ أبا جَدِّه وعَمَّه: أنَّ المال لأبي جَدِّه دونَ عَمِّه، فينبغي أن يكون لوالدٍ أبيه دونَ إخوته، فيكون الجدّ أوْلى من أولاد أبيه كما أنَّ أباه أولى من أولاد أبيه. وعلى أنَّ الإخوة من الأُمّ لا ◌َرِثونَ مع الجدّ كما لا يَرِثونَ مع الأب، فحَجَبَهم الجدُّكما حَجَبَهم الأبُ، فينبغي أن يكون الجدّ كالأبٍ في حَجْب الإخوة. وكذا القول في بني الإخوة، ولو كانوا أشِقّاءَ. وقال السُّهَيلِيُّ: لم يَرَ زيد بن ثابت لاحتجاجٍ ابن عبّاس بقوله تعالى: ﴿يَبَنِىّ ءَادَمَ ﴾ ونحوِها ممَّا ذُكِرَ عنه حُجّة؛ لأنَّ ذلك ذُكِرَ في مقام النِّسبة والتَّعريف، فعَبَّرَ بالبُنّة ولو عَبَّرَ بالولادة لكان فيه مُتَعلَّق، ولكن بين التَّعبير بالولدِ والابن فرقٌ، ولذلك قال تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِيَ أَوْلَدِكُمْ﴾ ولم يَقُل: في أبنائكُم، ولفظ الولد يقع على الذَّكَر والأُنْتَى والواحد والجمع بخِلاف الابن، وأيضاً فلفظ الولد يَلِيق بالميراثِ بخِلاف الابن تقول: ابن فلان من الرَّضاعة، ولا تقول: ولده، وكذا كان مَن يَتَبَنَّى ولدَ غيرِه قال له: ابني وتَبَنّاه ولا يقول: ولدي ولا ولده، ومن ثَمَّ قال في آية التَّحريمِ: ﴿وَحَلَِّلُ أَبْنَابِكُمُ ﴾ إذ لو قال: وحَلائِلُ أولادِكم لم يَحَتَج إلى أن يقول: من ﴿مِنْ أَصْلَبِكُمْ﴾ لأنَّ الولد لا يكون إلّا من صُلْبٍ أو بطنٍ. قوله: ((ويُذكَر عن عمر وعليّ وابن مسعود وزيدٍ أقاويلُ مُخْتَلِفٌ)) سَقَطَ ذِكْر ((زيدٍ)) من شرح ابن بَطّل فلعلَّه من النُّسخة، وقد أخَذَ بقولِهِ جُمهور العلماء وتَسَّكوا بحديثٍ: ((أفَرَضُكم زيدٌ)) وهو حديثٌ حسنٌ أخرجه أحمد (١٢٩٠٤) وأصحاب ((السُّنَن))(١) وصَخَّحَه التِّرمِذيّ (٣٧٩٠ و٣٧٩١) وابن حِبّان (٧١٣١ و٧١٣٧ و٧٢٥٢) والحاكم (٤٢٢/٣ ٣٣٥/٤) من رواية أبي قلابةَ عن أنس وأعَلَّه بالإرسال، ورَجَّحَه الدّارَ قُطنيُّ والخطيب وغيرهما، وله مُتَابَعاتٌ (١) أخرجه ابن ماجه (١٥٤) و(١٥٥)، والترمذي (٣٧٩٠) و(٣٧٩١)، والنسائي في ((الكبرى)) (٨١٨٥) و(٨٢٢٩). ٣٢٧ باب ٩ / ح ٦٧٣٧ -٦٧٣٨ كتاب الفرائض وشواهدُ ذكرتُها في تخريج أحاديث الرَّافعيّ. فأمَّا عمرُ فأخرج الدَّارِميُّ (٢٩١٤) بسندٍ صحيحٍ عن الشَّعبيِّ قال: أوَّل جَدّ ورِثَ في الإسلام عمر فأخَذَ مالَه، فأتاه عليٌّ وزيدٌ - يعني: ابن ثابت - فقالا: ليس لك ذلك إِنَّما أنتَ كأحدِ الأَخَوينِ. وأخرج ابن أبي شَيْبة (١٤ / ٨١) من طريق عبد الرَّحمن بن غَنْمِ مِثْلَه دونَ قوله: ((فأتاه ... )) إلى آخره، لكن قال: فأراد عمر أن يجتازَ المالَ فقلت له: يا أميرَ المؤمنينَ، إِنَّهم شجرةٌ دونَك، يعني: بني أبيه. وأخرج الدّارَ قُطنيُّ / (٤١٤٠) بسندٍ قويٍّ عن زيد بن ثابت: أنَّ عمر أتاه؛ فذَكَر قصَّةً ٢١/١٢ فيها: أنَّ مَثَل الجدّ كمَثَلِ شجرة نَبَتَت على ساقٍ واحدٍ، فخَرَجَ منها غُصن ثمَّ خَرَجَ من الغُصنِ غُصن، فإن قَطَعت الغُصْنَ [الأوَّلَ] رَجَعَ الماء إلى الساق(١)، وإن قَطَعت الثّانيَ رَجَعَ الماء إلى الأوَّل، فخَطَبَ عمر الناس فقال: إنَّ زيداً قال في الجدّ قولاً وقد أمضيتُه. وأخرج الدَّارِميُّ (٢٩٣٠) من طريق إسماعيل بن أبي خالد قال: قال عمر(٢): خُذ من الجدّ ما اجتَمَعَ عليه الناس. وهذا مُنقَطِعٍ. وأخرج الدَّارِميُّ (٢٩١٥) من طريق عيسى الحَنّاط(٣) عن الشَّعبيّ قال: كان عمر يُقاسِم الجدّ مع الأخ والأخَوينِ، فإذا زادوا أعطاه الثّلث، وكان يُعطيه مع الولد السُّدُس. (١) كذا في الأصلين و(س)، ولعله تحريف، وصوابه ((الغُصْن)) كما في ((سنن الدارقطني))، و((سنن البيهقي)) ٦/ ٢٤٧، ووقع فيه: (يعني الثاني))، وجاء كذلك في ((تغليق التعليق)) للحافظ ٢١٦/٥، والحديث في ((مسند ابن وهب)) (١٧٦) الذي أخرجه الدار قطني من طريقه، وفيه: ((وإن قطعت الغصنَ الأوّل رجع الماءُ إلى الغصن الثاني)). (٢) كذا وقع في الأصلين و(س)، ومثله في ((تغليق التعليق)) للحافظ ٢١٥/٥، وهو تحريف قديم وقع في بعض نسخ الدارمي، كما أشار إلى ذلك محقق الكتاب حسين أسد في طبعته برقم (٢٩٧٢)، وصوابه ((عامر)): وهو الشعبيّ، وإسماعيل بن أبي خالد: هو أبو عبد الله الكوفي البَجَليّ معروف بالرواية عن عامٍ الشَّعبيّ، كما في (الصحيحين)) وغيرهما. وعلى هذا فالخبرُ إسنادُه إلى عامر الشعبيّ صحيح. (٣) تحرّف في الأصلين و(س) وبعض مطبوعات الدارمي إلى: ((الخيّاط)) بالخاء والياء، وعيسى الحنّاط: وهو ابن أبي عيسى الحناط الغفاريّ يروي عن الشعبيّ، وأحاديثه لا يُتابع عليها متناً ولا إسناداً، كما ذكر ابن عديّ، وقال الدار قطني: متروك الحديث. انظر ((تهذيب الكمال)) ١٨/٢٣. ٣٢٨ باب ٩ / ح ٦٧٣٧ -٦٧٣٨ فتح الباري بشرح البخاري وأخرج البيهقيُّ (٢٤٨/٦) بسندٍ صحيحٍ عن يونسَ بنِ يزيدَ عن الزُّهْريِّ: حدَّثني سعيد بن المسيّب وعُبيد الله بن عبد الله بن عُتبةَ وقَبيصة بن ذُؤَيب: أنَّ عمر قَضَى أنَّ الجَدَّ يُقاسم الإخوةَ للأبِ والأُمِّ، والإخوةَ للأبِ ما كانت المقاسَمة خيراً له من الثُّلث، فإن كَثُرَ الإخوة أُعطيَ الجدّ الثُّلُثَ. وأخرج يزيد بن هارون(١) في كتاب ((الفرائض)) عن هشام بن حسَّان عن محمَّد بن سِيرِين عن عُبيدة بن عَمْرو قال: إنّي لَأحفَظُ عن عمر في الجدّ مئة قضيّةٍ كلّها يَنقُضُ بعضُها بعضاً. وروّينا في الجزء الحادي عشرَ من ((فوائد أبي جعفر الرّزاز(٢) بسندٍ صحيحٍ إلى ابن عَوْن عن محمَّد بن سِيرِين: سألت عَبيدةَ عن الجَدِّ فقال: قد حَفِظت عن عمرَ في الجدّ مئةَ قضيَّةٍ مُخْتَلِفِةِ(٣). وقد استَبعَدَ بعضُهم هذا عن عمرَ، وتأوَّلَ البزَّار صاحب ((المسنَد)) قوله: ((قَضايا مُخْتَلِفة)) على اختلاف حال مَن يَرِثُ مع الجدّ كأن يكونَ أخٌ واحدٌ أو أكثرُ، أو أُخت واحدةٌ أو أكثرُ، ويَدفَع هذا التَّأويل ما تقدَّم من قول عَبيدة بن عَمْرو: يَنقُضُ بعضُها بعضاً، وسیأتي عن عمر أقوالٌ أُخرى. وأمَّا عليٌّ فأخرج ابن أبي شَيْبة (١١/ ٢٩٣) ومحمّد بن نَصر بسندٍ صحيح عن الشَّعبيّ: كَتَبَ ابن عبّاس إلى عليٍّ يسألُه عن ستّة إخوةٍ وجَدٍّ، فكَتَبَ إليه أن اجعَلْهُ كأحدِهم وامحُ کتابی. وأخرج الدَّارِمِيُّ (٢٩١٧) بسندٍ قويٍّ عن الشَّعبيِّ قال: كَتَبَ ابن عبّاس إلى عليّ - وابن (١) ومن طريقه أخرجه البيهقي في ((الكبرى)) ٢٤٥/٦، وقال الحافظ في ((تغليق التعليق)) ٢١٩/٥ بعد أن أورده: إسناد صحیح غریب جدًّا. (٢) تحرّف في (س) إلى: الرازي. وأبو جعفر الرزاز: هو محمد ابن عمرو النجدّي، سمع من عباس بن محمد الذُّوري ومَن في طبقته، وكان ثقة ثبتاً، توفي سنة ثلاث وثلاثين ومئة. انظر ((تاريخ بغداد)) للخطيب البغدادي ٤/ ٢٢٢. (٣) وأخرجه البيهقي ٢٤٥/٦ من طريق ابن عون عن ابن سيرين، وأخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٣١٨/١١ من طريق أيوب - وهو ابن أبي تميمة السختياني - عن ابن سيرين به. ٣٢٩ باب ٩ / ح ٦٧٣٧ - ٦٧٣٨ كتاب الفرائض عَبَّاسٍ بالبصرة - إنّ أُتْيت بجَدٍّ وستّة إخوة، فكَتَبَ إليه عليٍّ: أنْ أعطِ الجَدَّ سُبُعاً ولا تُعطِهِ أحداً بعدَه. وبسندٍ صحيح إلى عبد الله بن سَلَمة: أنَّ عليّاً كان يجعل الجدّ أخاً حتَّى يكون سادساً (٢٩١٩). ومن طريق الحسن البصريِّ (٢٩٢٠): أنَّ عليّاً كان يُشِرِكُ الجَدَّ مع الإخوة إلى السُّدُس. ومن طريق إبراهيم النَّخَعيِّ عن عليّ نحوه (٢٩٢٣). وأخرج ابن أبي شَيْبة (٢٩٣/١١) من وجهٍ آخرَ عن الشَّعبيّ عن عليّ: أنَّه أُتي في جَدِّ وستّة إخوة، فأعطَى الجدَّ السُّدُس. وأخرج يزيد بن هارون في ((الفرائض)) له عن محمّد بن سالم عن الشَّعبيّ عن عليّ نحوَه، ومحمّد بن سالم هذا فيه ضعفٌ، وسيأتي عن عليّ أقوالٌ أُخرى. وأخرج الطَّحاويُّ من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن الشَّعبيّ قال: حُدِّثت أنَّ عليّاً كان يُنزِلُ بني الإخوة مع الجدّ مَنزِلة آبائهم، ولم يكن أحد من الصحابة يفعلُه غيرُه، ومن طريق السَّرِيِّ بن يحيى عن الشَّعبيّ عن عليّ كقولِ الجماعة. وأمَّا عبد الله بن مسعود فأخرج الدَّارِميُّ (٢٩٢٧) بسندٍ صحيحٍ إلى أبي إسحاق السَّبيعيِّ قال: دَخَلت على شُرَيحِ وعنده عامر - يعني: الشَّعبيَّ - وعبد الرَّحمن بن عبد الله، أي: ابن مسعود في فريضة امرأةٍ مِنّا تُسمَّى العاليَةَ تَرَكَت زوجَها وأُمَّها وأخاها لأبيها وجَدَّها، فذكر قصَّةً، فيها: فأتيت عَبيدة بن عَمْرو - وكان يقال: ليس بالكوفة أعلمُ بفريضةٍ من عَبيدة والحارث الأعور - فسألته فقال: إن شِئْتُم نبّاتُكم بفريضة عبد الله بن مسعود في هذا، فجَعَلَ للَّوجِ ثلاثةَ أسهُمِ النِّصفَ، وللأُمّ تُلُثَ ما بَقِيَ وهو السُّدُسُ من رأس المال، وللأخِ سَھمٌ، وللجدِّسَھمٌ. وروّينا في كتاب ((الفرائض)) (٢٦) لسفيانَ الثَّوْريِّ من طريق النَّخَعيِّ قال: كان عمر وعبد الله يَكرَهان أن يُفضِّلا أمّاً على جَدٍّ. وأخرج سعيد بن منصور (٥٩) وأبو بكر بن أبي شَيْبة (٢٩٢/١١) بسندٍ واحدٍ صحيحٍ إلى عُبيد بن نَضلةَ، قال: كان عمر وابن مسعود يُقاسمان الجدّ مع / الإخوة ما بينه وبين أن يكون السُّدُسُ خيراً له من مُقاسَمة الإخوة. وأخرجه ٢٢/١٢ ٣٣٠ باب ٩ / ح ٦٧٣٧ - ٦٧٣٨ فتح الباري بشرح البخاري محمَّد ابن نَصر مِثله سواء، وزادَ: ثمَّ إنَّ عمر كَتَبَ إلى عبد الله: ما أرانا إلّا قد أجحَفنا بالجدّ، فإذا جاءك كتابي هذا فقاسم به مع الإخوة ما بينه وبين أن يكون الثُّلثُ خيراً له من مُقَاسَمَتِهِم، فأخَذَ بذلك عبد الله(١). وأخرج محمَّد بن نصر بسنٍ صحيحٍ إلى عبيدة بن عَمْرو قال: كان عليٌّ(٢) يُعطَى الجدّ مع الإخوة الثَّلث، وكان عمر يُعطيه السُّدُس، ثمَّ كَتَبَ عمر إلى عبد الله: إنّا نَخاف أن نكون قد أجحَفنا بالجدِّ فأعطِهِ الثُّلث، ثمَّ قَدِمَ عليٍّ هاهنا، يعني: الكوفةَ، فأعطاه السُّدُسَ، قال عَبيدة: فرأيُهما في الجماعة أحبُّ إليَّ من رأى أحدِهما في الفُرقة. ومن طريق عُبيد بن نُضَيلةَ: أنَّ عليّاً كان يُعطي الجَدَّ الثُّلثَ، ثمَّ تَحوَّلَ إلى السُّدُس، وأنَّ عبدَ الله كان يُعطيه السُّدُسَ، ثمّ تَحوَّلَ إلى الُّلث. وأمَّا زيد بن ثابت فأخرُج الدَّارِمِيُّ (٢٩٢٨) من طريق الحسن البصريّ قال: كان زيدٌ يُشِرِك الجَدَّ مع الإخوة إلى الثَّث. وأخرج البيهقيُّ (٢٤٧/٦) من طريق ابن وهب أخبرني عبد الرّحمن بن أبي الزناد قال: أخَذَ أبو الزّناد هذه الرّسالة من خارجة بن زيد بن ثابت، ومن كُبراء آلِ زيدِ بن ثابتٍ، فَذَكَر قصَّةً فيها: قال زيد بن ثابت: وكان رأيي أنَّ الإخوة أولى بميراثٍ أخيهم من الجدّ، وكان عمر يرى أنَّ الجدَّ أولى بميراثِ ابنِ ابنِه من إخوته. وأخرجه ابن حَزْم(٣) من طريق إسماعيل القاضي عن إسماعيل بن أبي أُوَيسٍ عن ابن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة بن زيد عن أبيه قال: كان رأيي أنَّ الإخوة أحقّ بميراثِ أخيهم من الجدّ، وكان أمير المؤمنينَ، يعني: عمر يُعطِيهم بالوجه الذي يراه على قَدر کَثْرة الإخوة وقِلَّتِهم. قلت: فاختَلَفَ النَّقل عن زيد، وأخرج عبد الرَّزّاق (١٩٠٦٣) من طريق إبراهيم قال: كان (١) وهو بهذه الزيادة عند سعيد بن منصور في ((سننه)) (٥٩)، وابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ١١/ ٢٩٢، ومن طريق محمد بن نصر أخرجه البيهقي في ((الكبرى)) ٢٤٩/٦. (٢) قوله: ((عليٌّ)) سقط من (س)، ومن طريق محمد بن نصر أخرجه البيهقي في ((الكبرى)) ٢٤٩/٦. (٣) في ((المحلّ)) ٢٨٣/٩. ٣٣١ باب ٩ / ح ٦٧٣٧ -٦٧٣٨ كتاب الفرائض زيد بن ثابت يُشرِك الجدَّ مع الإخوة إلى الثُّلث، فإذا بَلَغَ الثَّلثَ أعطاه إيّاه، والإخوة ما بَقِيَ، ويُقاسم الأخ للأبِ ثمَّ يَرُدُّ على أخيه ويُقاسم بالإخوة من الأب مع الإخوة الأشِقّاء ولا يُورِّث الإخوة للأبِ شيئاً، ولا يُعطي أخاً لأُمٌّ مع الجدّ شيئاً. قال ابن عبد البَرّ: تفرَّد زيدٌ من بين الصحابة في مُعادَلَتِهِ الجَدَّ بالإخوة للأبِ مع الإخوة الأشِقّاء، وخالَفَه كثير من الفقهاء القائلينَ بقولِه في الفرائض في ذلك، لأنَّ الإخوة من الأب لا يَرِثونَ مع الأشِقّاء فلا معنى لإدخالهم معهم، لأنَّه حَيفٌ على الجدّ في المقاسمة، وقد سألَ ابن عِبَّاس زيداً عن ذلك فقال: إنَّما أقول في ذلك برأيي كما تقول أنتَ برأيك. وقال الطَّحاويُّ: ذهب مالكٌ والشافعيُّ وأبو يوسف إلى قول زيد بن ثابت في الجدّ: إن كان معه إخوةٌ أشِقّاءُ قاسَمَهم ما دامَتِ المقاسَمة خيراً له من الثّلث، وإن كان الثُّلث خيراً له أعطاه إيّاه، ولا تَرِث الإخوةُ من الأب مع الجدّ شيئاً، ولا بنو الإخوة ولو كانوا أشِقّاءَ، وإذا كان مع الجدّ والإخوة أحد من أصحاب الفُروض بَدَأ بهم ثمَّ أعطَى الجدّ خيرَ الثلاثة من المقاسَمة ومن ثُلُث ما بَقِيَ ومن السُّدُس ولا يَنقُصُه من السُّدُسِ إلّا في الأكدَرِيَّة. قال: وروى هشام عن محمَّد بن الحسن أنَّه وقَفَ في الجدّ، قال أبو يوسف: وكان ابن أبي ليلى يأخذ في الجدّ بقولِ عليّ(١). ومذهبُ أحمدَ: أَنَّه كَواحدِ الإخوة، فإن كان الثُّلث أحَظَّ له أخَذَه وله مع ذي فَرْضٍ بعده الأحَظُّ من مُقَاسَمَةٍ، كأخٍ، أو ثُلُثُ الباقي، أو سُدُس الجميع. والأكدَريَّةُ المشار إليها تُسمَّى مُربَّعة الجماعة؛ لأنَّهم أجمعوا على أنَّها أربعةٌ، ولكنِ اختلفوا في قَسِْها: وهي زوجٌ، وأُمٌّ، وأُختٌ، وجَدٌّ، فلِزَّوجِ النَّصفُ، وللأُمَّ الثُّلثُ، وللجدِّ السُّدُس، وللأُختِ النِّصفُ، وتَصِحُّ من سبعةٍ وعشرينَ: للَّوجِ تِسعةٌ، وللأُمِّ ستّةٌ، وللأُختِ أربعةٌ، وللجَدِّ ثمانيةٌ، وقد نَظَمَها بعضُهم: (١) إلى هنا ينتهي كلام الإمام الطحاوي، نقله عنه الحافظ من ((مختصر اختلاف العلماء)) ٤ / ٤٦١-٤٦٢ بتصرف. ٣٣٢ باب ٩ / ح ٦٧٣٧ -٦٧٣٨ فتح الباري بشرح البخاري ما فرضُ أربعةٍ يوزَّعُ بينهم ميراثُ ميِّتِهِم بِفَرضٍ واقعٍ فِلٍواحدٍ ثُلُثُ الجميع وثُلُثُ ما يَبقَى لثانيهم بحُكمٍ جامعٍ ولِثالثٍ من بعدِ ذا ثُلُثُ الذي يَبقَى وما يَبقَى نَصيبُ الرَّابعِ ثم ذكر المصنِّف حديث ابن عبّاس: ((ألْحِقُوا الفرائضَ)) وقد تقدَّم شرحُه (٦٧٣٢)، ٢٣/١٢ ووجه تَعلُّقه بالمسألة أنَّه دَلَّ على أنَّ الذي يَبقَى بعد الفَرض يُصرَفُ لأقرب الناس للمَيِّتِ فكان الجدّ أقرَبَ فُقدَّم. قال ابن بَطّال: وقد احتَجَّ به مَن شَرِكَ بين الجدّ والأخ فإنَّه أقرب إلى الميّت بدليلِ أنَّه يَنْفَرِد بالولاء، ولأنَّه يقوم مقامَ الولد في حَجب الأُمّ من الثُّلث إلى السُّدُس، ولأنَّ الجدّ إنَّما يُدْلِي بالميِّتِ وهو ولد ابنه، والأخُ يُدلي بالميِّتِ وهو ولد أبيه، والابنُ أقوى من الأب، لأنَّ الابن يَنْفَرِد بالمال ويَرُدّ الأب إلى السُّدُس، ولا كذلك الأبُ، فَتَعصيب الأخ تَعصيبُ بُنوّةٍ، وتَعصيب الجدّ تَعصيبُ أُبَّةٍ، والبُنوّة أقوى من الأُبوّة في الإرث، ولأنَّ الأُخت فرضُها النِّصف إذا انفَرَدَت فلم يُسقِطْها الجَدُّ كالبنت، ولأنَّ الأخِ يُعَصِّبُ أُختَه بخِلَاف الجدّ فامتَنَعَ من قوّة تَعصيبِه عليه أن يَسقُطَ به. وقال السُّهَيليُّ: الجدُّ أصلٌ ولكنَّ الأخ في الميراث أقوى سبباً منه، لأنَّه يُدلي بولادة(١) الأب، فالولادةُ أقوى الأسباب في الميراث، فإن قال الجدّ: وأنا أيضاً وَلَدَتُ المِيِّتَ، قيل له: إِنَّمَا وَلدتَ والدَه، وأبوه ولدَ الإخوةَ فصارَ سَببُهم قويّاً، وولدُ الولد ليس ولداً إلّا بواسطةٍ، وإن شارَكَه في مُطلَق الولديَّة. ثم ذَكَر حديثَ ابن عبّاس أيضاً في فَضْل أبي بكر، وقد تقدَّم شرحُه مُستَوفَّى في المناقب (٣٦٥٦). وقوله: ((أفضلُ أو قال: خيرٌ)) شَكٍّ من الراوي، وكذا قوله: ((أنَزَلَه أباً، أو قال: قَضاهُ أباً). (١) تحرَّف في (س) إلى: بولاية. ٣٣٣ باب ١٠ / ح ٦٧٣٩ كتاب الفرائض ١٠ - بابٌ میراثُ الزَّوج مع الولد وغيره ٦٧٣٩ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ يوسُفَ، عن وَرْقاءَ، عن ابنِ أبي نَجِيح، عن عطاءٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: كان المالُ للوَلَدِ، وكانت الوَصِيَّةُ للوالدَينِ، فَنَسَخَ اللهُ من ذلك ما أحبَّ، فجَعَلَ للذَّكَرِ مِثلَ حَظِّ الأُنْثَيْنِ، وجَعَلَ للأبَوَينِ لكلِّ واحدٍ منهما السُّدُسُ، وجَعَلَ للْمَرْأةِ الثُّمُنَ والزُّبُعَ، وللزَّوْجِ الشَّطْرَ والُّبُعَ. قوله: ((بابٌ ميراثُ الزَّوْج مع الولدِ وغيرِه)) أي: من الوارثينَ فلا يَسقُط الَّوجُ بحالٍ، وإِنَّمَا يَحُطُّه الولدُ عن النِّصفِ إلى الرُّبع. ذكر فيه حديث ابن عبّاس: ((كان المال - أي: المخلَّفُ عن الميِّت - للولدِ والوصيّة للوالدَينِ)) الحديثَ، قد تقدَّم في الوصايا (٢٧٤٧) وذكرت شرحَه هناك مُستَوفَّى سنداً ومتناً، ولله الحمد. قال ابن المنّيِّر: استشهادُ البخاريِّ بحديثِ ابن عبّاس هذا مع أنَّ الدَّليل من الآية واضحٌ، إشارةً منه إلى تقرير سبب نزول الآية، وأنَّها على ظاهرها غير مُؤَوَّلة ولا منسوخةٍ. وأفادَ السُّهَيلِيُّ أنَّ في الآية التي نَسَخَتْها وهي: ﴿يُوصِيكُ اللَّهُ﴾ [النساء: ١١] إشارةً إلى استمرارها، فلذلك عَبَّرَ بالفعلِ الدّالّ على الدَّوام، بخِلَاف غيرِها من الآيات، حيثُ قال في الآية المنسوخةِ الحُكمِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾ الآيةَ [البقرة: ١٨٠]. قوله: ((وجَعَلَ للأبوينِ لكلِّ واحدٍ منهما السُّدُسَ)» أفادَ السُّهَيليُّ أنَّ الحكمة في إعطاء الوالدينِ ذلك والتَّسويةِ بينهما: ليَستَمِرّا فيه، فلا يُحِفُ بهما إِن كَثُرَتِ الأولاد مثلاً، وسوَّى بينَهما في ذلك مع وجود الولد أو الإخوة: لِمَا يَستَحِقّه كلٍّ منهما على الميّت من التَّربية ونحوِها، وفضَّل الأبَ على الأُمّ عند عَدَم الولدِ والإخوةِ، لِمَا للأبِ من الامتياز بالإنفاق والنُّصرة ونحوِ ذلك، وعُوِّضَت الأمُّ عن ذلك بأمرِ الولد بتفضيلِها على الأب في البِرّ في حال حياة الولد، انتهى مُلخَّصاً. ٣٣٤ باب ١١-١٢ / ح ٦٧٤٠ -٦٧٤١ فتح الباري بشرح البخاري وأخرج عبدُ بنُ مُيدٍ من طريق قَتَادة عن بعض أهل العلم: أنَّ الأبَ حَجَبَ الإخوةَ وأخَذَ سِهامَهم، لأنَّه يَتَولَّى إنكاحَهم والإنفاقَ عليهم دونَ الأُمِّ. ٢٤/١٢ ١١ - باب ميراث المرأة والزّوج مع الولد وغيره ٦٧٤٠- حذَّثنا قُتَبةُ، حدَّثنا اللَّيثُ، عن ابنِ شِهابٍ، عن ابنِ المسيّبِ، عن أبي هريرةَ أنَّه قال: قَضَى رسولُ اللهِ وَّهَ فِي جَنِينِ امرأةٍ من بني لَحْيانَ سَقَطَ ميّاً بِغُرَّةٍ: عَبدٍ أو أَمَةٍ، ثمَّ إِنَّ المرأةَ التي قَضَى عليها بالغُرَّةِ تُؤُفِّيَت، فقَضَى رسولُ اللهِوَّهِ بأنَّ مِيراثَها لَبَنِيها وزَوْجِها، وأنَّ العَقْلَ على عَصَبَتِها. قوله: ((باب ميراث المرأة والزّوْجِ مع الوالِدِ وغيرِه)) أي: من الوارثينَ فلا يَسقُط إرثُ واحدٍ منهما بحالٍ، بل يَحُطُّ الولدُ الزَّوجَ من النّصفِ إلى الرُّبُع، ويَحُطُّ المرأةَ من الرُّبُع إلى الثُّمُن. ذَكَر فيه حديث أبي هريرة في قصَّة المرأة التي ضَرَبَتِ الأُخرى فأسقَطَت جَنيناً، ثمَّ ماتتِ الضّاربةُ، فَقَضَى النبيُّ وَّهِ فِي الْجَنين بِغُرّةٍ، وأنَّ العَقْلَ على عَصَبة القاتلة، وأنَّ ميراثَ الضّاربة لِبَنيها وزوجِها، وسيأتي شرحُه مُستَوقَ في كتاب الدّيات (٦٩٠٤) إن شاء الله تعالى. ووجهُ الدّلالة منه على التَّرجمة ظاهرةٌ، لأنَّ ميراثَ الضّاربة لِبَنيها وزوجِها، لا لعَصَبَتِها الذينَ عَقَلوا عنها، فورِثَ الَّوج مع ولدِه، وكذا لو كان الأب هو المِيِّتَ لَورِثَتِ الأُمّ مع الأولاد، أشارَ إلى ذلك ابن المنيِرِ (١)، وكذا لو كانت هناك عَصَبةٌ بغير ولدٍ. ١٢ - باب ميراث الأخوات مع البنات عَصَبٌ ٦٧٤١ - حدَّثنا بِشرُ بنُ خالدٍ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ جعفرٍ، عن شُعْبةَ، عن سليمانَ عن إبراهيمَ، عن الأسوَدِ، قال: قَضَى فينا معاذُ بنُ جبلٍ على عَهْدِ رسولِ الله ◌ِّهِ: النِّصْفُ للابنةِ، والنِّصْفُ للأُخْتِ. ثُمَّ قال سليمانُ: قَضَى فينا، ولم يَذْكُر على عَهْدِ رسولِ الله ◌ِلّهِ. (١) تحرَّف في (س) إلى: ابن التين. ٣٣٥ باب ١٢ / ح ٦٧٤١ - ٦٧٤٢ كتاب الفرائض ٦٧٤٢ - حدَّثَنِي عَمْرو بنُ عبَّاسٍ، حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ، حدَّثنا سفيانُ، عن أبي قَيسِ، عن هُزَيلٍ، قال: قال عبدُ الله: لَأَقضِيَنَّ فيها بقضاءِ النبيِّ وَّهِ - أو قال: قال النبيُّ ◌َّ: ((للابنةِ النِّصْفُ، ولابنةِ الابنِ السُّدُسُ، وما بَقِيَ فللأُخْتٍ)). قوله: ((باب ميراث الأخَوات مع البنات عَصَبة)) قال ابن بَطّال: أجمعوا على أنَّ الأخَوات عَصَبةُ البنات، فيَرِثْنَ ما فَضَلَ عن البنات، فمَن لم يُحُلِّف إلّا بنتاً وأُختاً: فِلِلبنتِ النِّصفُ، وللُختِ النّصفُ الباقي على ما في حديث معاذ. وإن خَلَّفَ بنتَينِ وأُختاً فَلَهما الثُّلثان، وللأُختِ ما بَقِيَ، وإن خَلَّفَ بنتاً وأُختاً وبنتَ ابنٍ: فلِلبنتِ النِّصفُ، ولبنتِ الابن تكملةُ الثَّثَينِ، وللُختِ ما يَقِيَ على ما في حديث ابن مسعود، لأنَّ البنات لا يَرِثنَ أكثر من الثُّثَين، ولم يُخالف في شيء من ذلك إلّا ابن عبّاس، فإِنَّه كان يقول: للبنتِ النَّصفُ وما بَقِيَ للعَصَبة، وليس للأُختِ شيءٌ، وكذا للبنتَينِ الثُّلثان، وللبنتِ وبنتِ الابن كما مضى والباقي للعَصَبة، فإذا لم تكن عَصَبةٌ رُدَّ الفَضْلُ على البنت أو البنات. وقد تقدَّم البحث في ذلك (٦٧٣٤). قال: ولم يوافق ابنَ عبَّاسٍ على ذلك أحدٌ إلّا أهل الظّاهر. قال: وحُجّة الجماعة من جهة النَّظَرِ أنَّ عَدَم الولد في قوله تعالى: ﴿إِنِ آمُرُؤُاْ هَكَ لَيْسَ لَهُ, وَلَدٌ وَلَّهُ أُخْتُ﴾ [النساء: ١٧٦] إنَّمَا جُعِلَ شرطاً في فَرضِها الذي تَقاسَمَ به الورثة، لا في توريثها مُطلَقاً، فإذا عُدِمَ الشَّرط سَقَطَ الفَرضُ، ولم يَمنَع ذلك أن تَرِثَ بمعنَّى / آخر، كما ٢٥/١٢ شُرِطَ في ميراث الأخ من أُخته عند عَدَم الولد، بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَاَ إِن لَّمْ يَكُن ◌َّهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦]، وقد أجمعوا على أنَّه يَرِثها مع البنت، وهو كما جُعِلَ النِّصف في ميراث الَّوج شرطاً إذا لم يكن ولد، ولم يَمنَع ذلك أن يأخُذ النِّصف مع البنت، فيأخذ نصفَ النِّصفِ بالفَرضِ والنِّصفَ الآخَر بالتَّعصيبِ إن كان ابن عمّ مثلاً، فكذلك الأُختُ، والله أعلم. قوله: ((عن سليمان)) هو الأعمَشُ، وإبراهيمُ: هو النَّخَعيُّ، والأسود: هو ابن يزيد، وهو خال إبراهیم الراوي عنه. ٣٣٦ باب ١٢ / ح ٦٧٤١ - ٦٧٤٢ فتح الباري بشرح البخاري قوله: («ثمَّ قال سليمان: قَضَى فينا ولم يَذكُر على عَهْد رسول الله وَّ)) القائل ذلك: هو شُعْبة، وسليمان: هو الأعمَش، وهو موصولٌ بالسَّنَدِ المذكور. وحاصلُه أنَّ الأعمَش روى الحديث أوَّلاً بإثبات قوله: ((على عهدِ رسولِ اللهِ وَّ) فيكون مرفوعاً على الرَّاجح في المسألة، ومرَّةً بدونها فيكون موقوفاً، وقد أخرجه الإسماعيليّ عن القاسم بن زكريّا عن بشر بن خالد شيخ البخاريّ فيه مِثله، لكن قال: قال سليمان - بعدَ: قال القاسم -: وحدَّثنا محمَّد بن عبد الأعلى حدَّثنا خالد بسندِه بلفظ: قَضَى بذلك معاذٌّ فينا. قلت: وقد مضى في ((باب ميراث البنات)) (٦٧٣٤) من وجه آخر عن الأسود بن يزيد قال: أتانا معاذ بن جبل باليمن مُعلِّماً وأميراً، فسألناه عن رجل فذَكَره، وسياقهُ مُشعِرٌ بأنَّ ذلك كان في عهد النبيِّ وََّ، لأنَّ النبيَّ ◌َّلِ هو الذي أمَّرَه على اليمن، كما مضى صريحاً في كتاب الزكاة (١٣٩٥) وغيره(١)، وأخرجه أبو داود (٢٨٩٣) والدّارَ قُطْنيّ (٤١٠٨) من وجهٍ ثالثٍ عن الأسود: أنَّ معاذاً ورِثَ فذكره، وزاد: وهو باليمن ونبيّ الله وَّلِ يومَئذٍ حَيّ. وللدّارَ قُطنيِّ (٤١٠٦) من وجه آخر عن الأسود: قَدِمَ علينا معاذ حين بَعَثَه رسول الله ﴾ فذگره باختصارٍ. وهذا أصرُ ما وجدت في ذلك. قولُهُ: ((عبد الرّحمن)) هو ابن مَهديٍّ، وسفيان: هو الثَّوْريُّ، وأبو قيس: هو عبد الرَّحمن، وقد مضى ذِكرُه وشرحُ حديثِه قبلَ هذا بأربعة أبوابٍ (٦٧٣٦) من طريق شُعْبة عن أبي قيس، وفيه قصَّة أبي موسى، وجَزَمَ فيه بقولِه: لَأقضيَنَّ فيها بقضاءِ النبيّ ◌َّهِ. وأمَّا قولُه هنا: ((أو قال: قال النبيّ ◌ِّ) فهو شَكّ من بعض رُواته، وأكثر الرُّواة أثبتوا الزّيادة، ففي رواية وكيع وغيره عن سفيان عند النَّسائيِّ وغيره(٢): سأقضي فيها بما قَضَى (١) انظر جميع أطرافه عند الرقم (١٣٩٥). (٢) أخرجه من رواية وكيع عن سفيان أحمد في ((المسند)) (٣٦٩١)، وابن ماجه (٢٧٢١)، والنسائي في ((الكبرى)) (٦٢٩٤)، وهو عند أحمد (٤١٩٥)، وأبي داود (٢٨٩٠)، والترمذيّ (٢٠٩٣)، والنسائيّ في ((الكبرى)) (٦٢٩٥) من طرق عن أبي قيس الأوديّ بالزّيادة المذكورة. ٣٣٧ باب ١٣ -١٤ / ح ٦٧٤٣ - ٦٧٤٤ كتاب الفرائض رسولُ الله ◌َّهِ،و مُراده بالقضاءِ بالنّسبة إليه الفُتيا، فإنَّ ابنَ مسعود يومَئذٍ لم يكن قاضياً ولا أميراً. ١٣ - بابُ ميراثِ الأخواتِ والإخوةِ ٦٧٤٣- حدَّثنا عبدُ الله بنُ عُثْمَانَ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا شُعْبةُ، عن محمَّدِ بنِ المنكَدِرِ، قال: سمعتُ جابراً ، قال: دَخَلَ عليَّ النبيُّ ◌َّه وأنا مَرِيضٌ، فَدَعَا بَوَضُوءٍ فَتَوضَّأْ، ثمَّ نَضَحَ عليَّ من وَضُوئِهِ، فَأَفَقْتُ، فقلتُ: يا رسولَ الله، إنَّما لي أخَواتٌ، فَتَزِلَتْ آيةُ الفَرائضِ. قوله: ((بابُ ميراثُ الأَخَواتِ والإِخْوِ» ذَكَر فيه حديثَ جابرِ المذكورَ في أوَّل کتاب الفرائض (٦٧٢٣). والغَرَضُ منه قوله: ((إنَّما لي أخَواتٌ)) فإنَّه يقتضي أنَّه لم يكن له ولدٌ، واستنْبَطَ المصنّف الإخوةَ بطريق الأولى، وقَدَّمَ الأَخَواتِ في الذِّكرِ للتَّصريحِ بِنَّ في الحديث. وعبدُ الله المذكور في السَّند: هو ابن المبارك. قال ابن بطّال: أجمعوا على أنّ الإخوةَ الأشقّاءَ، أو منَ الأبِ لا يَرِثُون مع الابنِ وإن سَفَل، ولا مع الأبِ. واختلفوا فيهم مع الجدِّ على ما مَضتِ الإشارةُ إليه(١)، وما عدا ذلك: فللواحدةُ من الأخوات النِّصفُ، وللبتَينِ فصاعداً الثُّلثانِ، وللأخ الجميعُ، فما زاد، فبالقِسْمة السَّوِيَّةِ، وإن كانوا إخوةً رجالاً ونساءً فللذَّكَر مثلُ حظِّ الأُنثَينِ كما نصَّ عليه القرآنُ، ولم يقع/ في كلِّ ذلك اختلافٌ إلا في زوجٍ وأمِّ، وأُختَينٍ لأمّ وأخ شَقيقٍ، فقال الجمهور: يُشرِّكُ ٢٦/١٢ بينَهم، وكان علي وأبي وأبو موسى لا يُشرِّكُون الإخوةَ ولو كانوا أشقّاءَ مع الإخوةِ للأُمِّ، لأنهم عَصَبةٌ، وقد استَغرقَتِ الفرائضُ المالَ، وبذلك قال جمعٌ من الكُوفِّينَ. ١٤ - باب ﴿يَسْتَقْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِى الْكَلَلَةِ ﴾ [النساء: ١٧٦]. ٦٧٤٤- حدَّثْنَا عُبيدُ الله بنُ موسى، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ ظُه، قال: آخِرُ آية نزلت خاتمةُ سورةِ النِّساءِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِ الْكَلَلَةِ﴾. قوله: ((باب ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُقْتِيكُمْ فی اللَلَةِ ))) ذكر فيه حديث البراء من (١) في ((باب ميراث الجدِّ مع الأب والإخوة)) بين يدي الحديث (٦٧٣٧). ٣٣٨ باب ١٤ / ح ٦٧٤٤ فتح الباري بشرح البخاري طريق أبي إسحاقَ عنه: آخِرُ آيةٍ نزَلتْ خاتمةُ سُورةِ النِّساء: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِي الْكَلَةِ﴾، وأراد بذلك ما فيها من التَّنصيص على ميراثِ الإخوة، وقد أخرج أبو داود في «المراسيل)) (٣٧١) من وجهٍ آخرَ عن أبي إسحاق عن أبي سَلَمة بن عبد الرَّحمن: جاء رجل فقال: يا رسولَ الله ما الكَلالة؟ قال: (( مَن لم يَتَرُك ولداً ولا والداً فورَثَتُهُ كَلالٌ)). ووَقَعَ في (صحيح مسلم)) (٧٨/٥٦٧و٩/١٦١٧) عن عمر: أنَّه خَطَبَ ثمّ قال: إنّي لا أدَعُ بعدي شيئاً أهمَّ عندي من الكَلالة، وما راجَعت رسولَ الله ◌َِّ ما راجَعته في الكَلالة حتَّى طَعَنَ بِأُصبُعِه في صَدري فقال: (( ألا يَكفيكَ آيَةُ الصَّيفِ(١) التي في آخر سُورة النِّساءِ؟». وقد اختُلِفَ في تفسير الكَلالة، والجمهور على أنَّه مَن لا ولدَ له ولا والدَ، واختُلِفَ في بنتٍ وأُختٍ: هل تَرِثُ الأُختُ مع البنت؟ وكذا في الجَدِّ، هل يتنَزَّلُ مَنِزِلةَ الأبِ فلا تَرِثُ معه الإخوةُ؟ قال السُّهَيلِيُّ: الكَلالة: مِنَ الإكليل المحيط بالرّأس، لأنَّ الكَلالةَ وِراثة تَكلَّلَتِ العَصَبةَ، أي: أحاطَت بالميِّتِ من الطَّرَّفَين، وهي مصدرٌ كالقَرابة، وسُمّيَ أقرِباءُ المِيِّتِ كَلالةً بالمصدَرِ، كما يقال: هم قَرابَتُه، أي: ذَوُو قَرابة، وإن عَنَيت المصدَر قلت: وَرِثُوه عن كَلالة، وتُطلَق الكَلالة على الورَثة مَجَازاً(٢). قال: ولا يَصِحّ قول مَن قال: الكَلالة: المال ولا الميّت، إلّا على إرادة تفسيره معنّى من غير نظرٍ إلى حقيقة اللَّفظ. ثمَّ قال: ومن العَجَب أنَّ الكَلالة في الآية الأُولى من النِّساءِ لا يَرِثُ فيها الإخوةُ مع البنت، مع أنَّه لم يقع فيها النَّقييد (١) حيث أَنزل الله في الكلالة آيتين في سورة النساء، إحداهما في الشتاء وفيها إجمال وإبهام لا يكاد يتبيَّن هذا المعنى في ظاهرها، ثم أنزل الآية الأخرى في الصيف وهي في آخر سورة النساء وفيها من زيادة البيان ما ليس في آية الشتاء. فأحال السائل عليها ليستَبين المراد بالكلالة المذكورة فيها. قاله الخطابي في ((معالم السنن)» ٤/ ٩٣. (٢) ما نقله الحافظ هنا عن السُّهيلي هو أحد وجهين ذُكرا فيما أُخذت منه الكلالة، والوجه الآخر ذكره القرطبي في ((المفهم)) ١٧٨/٢ فقال: إنها مأخوذة من الكلال: وهو الإعياء، فكأنه يصل الميراث إلى الوارث بها عن بُعدٍ وإعياء. وقيل: كأنّ الرَّحِم كلَّت عن وارث قريب، وانظر ((المحيط في اللغة)) للصاحب بن عباد ٢/ ٢١. ٣٣٩ باب ١٥ / ح ٦٧٤٥ كتاب الفرائض بقولِه: ﴿لَيْسَ لَهُ، وَلَدٌ﴾، وقُيِّدَ به في الآية الثّانية مع أنَّ الأُخت فيها ورِثَت مع البنت، والحكمة فيها أنَّ الأُولى عُبِّرَ فيها بقوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ﴾ [النساء: ١٢] فإنَّ مُقتَضاه الإحاطةُ بجميع المال، فأَغْنى لفظُ يورَث عن القَيد، ومثلُه قولُه تعالى: ﴿ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَمْ يَكُن لََّا وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦]، أي: يُحيط بميراثِها. وأمَّا الآية الثّانية: فالمراد بالولدِ فيها الذَّكَرُ كما تقدَّم تقريرُه، ولم يُعبَّر فيها بلفظ: ((يُورَث))؛ فلذلك ورِثَتِ الأُختُ معَ البنتِ. وقال ابن المنّيِّر: الاستدلال بآية الكَلالة على أنَّ الأخَوات عَصَبة لطيفٌ جدّاً، وهو أنَّ العُرف في آيات الفرائض قد اطَّرَدَ على أنَّ الشَّرط المذكورَ فيما هو لِقِدار الفَرْضِ لا لأصلِ الميراث، فيُفهَم أنَّه إذا لم يُوجَد الشَّرطُ أن يَتغيَّرَ قَدرُ الميراث، فمن ذلك قوله: ﴿ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدْ فَإِنِ لَّمْ يَكُن لَّهُ, وَلَهٌ وَوَرِنَّهُ: أَبَوَاهُ فَلِّأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١]، فتَغيَّرَ القَدر ولم يَتغيَّر أصلُ الميراث، وكذا في الزَّوج وفي الزَّوجة، فقياس ذلك أن يَطَّرِد في الأُخت: فلَها النّصف إن لم يكن ولد، فإن كان ولد تَغيَّرَ القَدْرُ ولم يَتغيَّر أصلُ ٢٧/١٢ الإرث، وليس هناك قَدْر يَتغيَّر إليه إلّا التَّعصيب، ولا يَلزَم من ذلك أن تَرِثَ الأُخت مع الابن، لأنَّ خَرَجَ بالإجماع فيَبقَى ما عَداه على الأصل، والله أعلم. وقد تقدَّم الكلام في آخر ما نزلَ من القرآن في آخر تفسير سورة البقرة (٤٥٤٤). وقال الكِرْمانيُّ: اختُلِفَ في تعيين آخر ما نزلَ؛ فقال البراء هُنا: خاتمةُ سورة النِّساء. وقال ابن عبّاس كما تقدَّم في آخر سورة البقرة (٤٥٤٤): آية الرِّبا، وهذا اختلافٌ بين الصحابيَّينِ، ولم يَنقُل واحدٌ منهما ذلك عن النبيِّ وَّةِ، فِيُحمَل على أنَّ كلَّ منهما قال بظَنِه، وتُعقِّبَ بأنَّ الجمعَ أوْلى كما تقدَّم بيانُه هُناكَ. ١٥ - باب ابني عمّ: أحدُهما أخٌ للأمّ، والآخَرُ زوجٌ وقال عليٌّ: للزَّوْجِ النِّصْفُ، وللأخ منَ الأُمِّ السُّدُسُ، وما بَقِيَ بينَهما نِصْفانٍ. ٦٧٤٥ - حدَّثنا محمودٌ، أخبرنا عُبيدُ الله، عن إسرائيلَ، عن أبي حَصِينٍ، عن أبي صالحٍ، ٣٤٠ باب ١٥ / ح ٦٧٤٦ فتح الباري بشرح البخاري عن أبي هريرةَ عَّ، قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: «أنا أَوْلَى بالمؤمنينَ من أنفُسِهِم، فمَن ماتَ وتَرَكَ مالاً فمالُهُ لِمَوالِي العَصَبةِ، ومَن تَرَكَ كَلَّا أو ضَيَاعاً فأنا وَلِيُّه، فلأُدْعَى له)). الكَلُّ: العِيَالُ. ٦٧٤٦- حدَّثْنَا أُميَّةُ بنُ بسْطام، حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَبِعٍ، عن رَوْحٍ، عن عبدِ الله بنِ طاووسٍ، عن أبيه، عن ابنِ عبَّاسٍ، عن النبيِّ وَّةِ، قال: ((أَلْحِقوا الفَرائضَ بأهلِها، فما تَرَكَتِ الفرائضُ فِلاؤْلَى رُلٍ ذَكَرٍ». قوله: ((باب ابنَي عَمّ: أحدُهما أخٌ للأُمِّ، والآخَرِ زَوْجٌ)) صورتُها أنَّ رجلاً تزوَّجَ امرأةً فأتَتْ منه بابنٍ، ثمَّ تزوَّجَ أُخرى فأتَتْ منه بآخرَ، ثمَّ فارَقَ الثّانيةَ فتزوَّجَها أخوه فأتَتْ منه ببنتٍ، فهي أُختُ الثّاني لأُمِّه وابنةُ عَمِّه، فتزوَّجَت هذه البنتُ الابنَ الأوَّلَ وهو ابنُ عَمِّها، ثمَّ ماتتْ عن ابنَي عَمِّها. قوله: ((وقال عليٌّ: للزَّوْجِ النِّصْفُ، وللأخ من الأُمَ السُّدُسُ، وما بَقِيَ بينهما نِصْفان) وحاصلُه: أنَّ الَّوجَ يُعطَى النِّصفَ لكَونِهِ زَوْجاً، ويُعطَى الآخَرُ السُّدُسَ لكَونِه أخاً من أمّ، فَيَبقَى الثُّلثُ فِيُقْسَم بينهما بطريق العُصُوبِةِ، فَيَصِحُّ للأوَّلِ الثَّلثان بالفَرْضِ والتَّعصيبِ، وللآخرِ الثُّلث بالفَرضِ والتَّعصيب، وهذا الأثر وَصَلَه عن عليّ ﴾ سعيد بن منصور من طريق حَكيم بن عِقَال(١)، قال: أُتيَ شُرَيحٌ في امرأةٍ تَرَكَت ابنَي عَمِّها أحدُهما زوجُها، والآخرُ أخوها لأُمِّها، فجَعَلَ للَّوجِ النِّصفَ والباقيَ للأخ من الأُمّ، فأَتَوْا عليّاً فذَكَروا له ذلك، فأرسَلَ إلى شُرَيح فقال: ما فَضَيت أبِكتابِ الله أو بسُنّةٍ من رسولِ الله؟ فقال: بكتابِ الله، قال: أينَ؟ قال: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَاِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]، قال: فهل قال: للَّوجِ النِّصف وللأخِ ما بَقِيَ؟ ثمَّ أعطَى الَّوجِ النَّصف وللأخِ من الأُمّ (١) تصحف في (ع) إلى: عفال، بالعين المهملة والفاء، وفي (س) إلى: غفال، بالغين والفاء. وحكيم بن عقال: هو القرشي، مگّيّ، ذكره ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» ٢٠٦/٣ وقال: روى عن عائشة وابن عمر، روى عنه عطاء بن أبي رباح وحُميد بن هلال وقتادة. وذكره ابن حبان في ((الثقات)) ١٦١/٤.