النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
باب ١٠ / ح ٦٧٢١ - ٦٧٢٢
كتاب كفارات الأيمان
قال العلماء: في قوله: ((ما أنا حَمَلتُكم ولكنَّ اللهَ حَمَلَكم)) المعنى بذلك: إزالة الِنّة عنهم
وإضافةُ النِّعمة لمالكِها الأصليّ، ولم يَرِد أنَّه لا صُنعَ له أصلاً في حَمَلهم، لأنَّه لو أراد ذلك ما
قال بعد ذلك: ((لا أحلِفُ على يمينٍ فأرَى غيرَها خيراً منها، إلّا أتيتُ الذي هو خيرٌ
وكَفَّرتُ)).
وقال المازَرِيُّ: معنى قوله: ((إنَّ اللهَ حَمَلَكم)): إنَّ الله أعطاني ما خَلْتُكم عليه، ولولا
ذلك لم يكن عندي ما حَلتُكم عليه.
وقيل: يحتمل أنَّه كان نَسِيَ يمينَه والناسي لا يُضاف إليه الفِعل، ويَرُدُّه التَّصريحُ بقولِه:
((والله ما نَسيتُها)) وهي عند مسلم (١٦٤٩/ ٣) كما بيَّنته.
وقيل: المراد بالنَّفي عنه والإثباتِ لله الإشارةُ إلى ما تَفَضَّلَ الله به من الغَنيمة المذكورة،
لأنَّها لم تكن بتَسَبُّبٍ من النبيِّ وَّه ولا كان مُتَطَلِّعاً إليها، ولا مُنتَظِراً لها، فكان المعنى: ما أنا
حَلَتْكُمْ لِعَدَمِ ذلك أوَّلاً، ولكنَّ الله حَمَلَكم بما ساقَه إلينا من هذه الغَنيمةِ.
قوله: ((تَابَعَه حَمّد بن زيد، عن أيوبَ، عن أبي قِلابةَ والقاسم بن عاصم الكُلَيييّ)) قال
الكِرْمانيُّ: إنَّما أتى بلفظ تابَعَه أوّلاً وِ (حدَّثنا)) ثانياً وثالثاً، إشارةً إلى أنَّ الأخيرَينِ حَدَّثاه
بالاستقلال والأوَّل مع غيره، قال: والأوَّل يحتمل التَّعليق بخِلافهما.
قلت: لم يظهر لي معنى قوله: مع غيره، وقوله: يحتمل التَّعليق، يَسْتَلِزِم أنَّه يحتمل عَدَم
التَّعليق، وليس كذلك، بل هو في حُكم التَّعليق لأنَّ البخاريّ لم يُدرِك حَمَّداً، وقد وصَلَ المصنّف
مُتَابَعة حمّاد بن زيد في فرض الخُمُس (٣١٣٣)، ثمَّ إِنَّ هذه المتابعة وَقَعَت في الرّواية عن القاسم
فقط، ولكن زاد حَمَّدٌ ذِكْرَ أبي قِلابةَ مضموماً إلى القاسم.
قوله: ((حدَّثْنَا قُتَيبة حدَّثنا عبد الوهّاب)» هو ابنُ عبد المجيدِ الثَّقفيّ.
قوله: ((بهذا)) أي: بجميع الحديث، وقد أشرت إلى أنَّ رواية حَمَّد وعبد الوهّاب مُتَّفِقَتان في
السّياق، وقد ساقَ رواية قُتَيبة هذه في ((باب لا تَحِلِفوا بآبائكم)) (٦٦٤٩) تامّةً، وقد ساقَها
أيضاً في أواخر كتاب التَّوحيد (٧٥٥٥) عن عبد الله بن عبد الوهّاب الحَجَبيِّ عن الثَّقفيّ،

٢٨٢
باب ١٠ / ح ٦٧٢١ - ٦٧٢٢
فتح الباري بشرح البخاري
وليس بعد الباب الذي ساقَها فيه من البخاريّ سوى بابينٍ فقط.
قوله: ((حدَّثنا أبو مَعْمَر)) تقدَّم سياق روايته في كتاب الذَّبائح (٥٥١٨)، وقد بيَّنت ما في
هذه الرِّوايات من التَّخالف مُفَصَّلاً.
وفي الحديث غير ما تقدَّم: ترجيحُ الحِنث في اليمين إذا كان خيراً من التَّمادي، وأنَّ تَعَمُّد
الِحِنث في مِثل ذلك يكون طاعةً لا معصيةً، وجواز الحَلِف من غير استحلاف لِتأكيدِ الخبر
ولو كان مُستَقْبَلاً، وهو يقتضي المبالَغة في ترجيح الحِنث بشرطِه المذكور.
وفيه تَطييبُ قلوبِ الأتباعِ، وفيه الاستثناءُ بـ((إن شاء الله)) تَبَرُّكاً، فإن قَصَدَ بها حِلَّ
اليمين صَحَّ بشرطِه المتقدِّم.
قوله: «حدَّثنا محمّد بن عبد الله)) هو محمّد بن یحیی بن عبد الله بن خالد بن فارس بن
ذُؤَيب الذُّهْلِيُّ، الحافظ المشهور فيما جَزَمَ به المِّيُّ، وقال: نَسَبَه إلى جَدِّه(١).
وقال أبو عليّ الجيَّانيّ: لم أرَه منسوباً في شيء من الرِّوايات(٢).
قلت: وقد روى البخاريّ في بَدْء الخلق عن محمَّد بن عبد الله المخرَميّ عن محمَّد بن
عبد الله بن أبي الثّلج وهما من هذه الطّبقة، وروى أيضاً في عِدّة مواضع عن محمّد بن
عبد الله بن حَوشَبٍ ومحمّد بن عبد الله بن نُمَير ومحمّد بن عبد الله الرَّقاشيِّ، وهم أعلى من
طبقة المَخْرَميّ ومَن معه، ورَوى أيضاً بواسطةٍ تارةً وبغير واسطةٍ أُخرى عن محمَّد بن
عبد الله الأنصاريّ، وهو أعلى من طبقة ابن نُمَير ومَن ذُكِرَ معه، فقد ثَبَتَ هذا الحديث
بعينِه من روايته عن ابن عَوْن شيخ عثمانَ بنِ عمرَ شيخٍ محمَّد بن عبد الله المذكورِ في هذا الباب،
(١) قال المزِّيُّ في ترجمته من ((تهذيب الكمال)): روى عنه البخاريُّ في مواضع من ((الصحيح)) فتارةً يقول:
حدّثنا محمد، فلا ينسبه، وتارةً يقول: حدّثنا محمد بن عبد الله، فينسبه إلى جدِّه، وتارةً يقول: حدثنا محمد
ابن خالد، فينسبه إلى جدِّ أبيه، ولم يقل في موضع منها: حدّثنا محمد بن يحيى.
(٢) والسبب في ذلك كما ذكر الصَّفدي في ((الوافي بالوفيات)) ٥/ ١٢٣ وغيرُه: أنَّ البخاريَّ لمّا دخل نيسابور
شغب عليه محمد الذُّهلي في مسألة خلق اللفظ، وكان قد سمع منه، ولم يُمكنه تركُ الرِّواية عنه، وروى عنه
في غير موضع في قريب من ثلاثين موضعاً ولم يُصرِّح باسمه فيقول: حدّثنا محمد ولا يزيد عليه، ويقول:
محمد بن عبد الله فينسبه إلى جدِّه، وينسبه أيضاً إلى جدِّ أبيه.

٢٨٣
باب ١٠ / ح ٦٧٢١ - ٦٧٢٢
كتاب كفارات الأيمان
فعلى هذا لم يَتَعيَّن مَن هو شيخ البخاريّ في هذا الحديث.
وابن عَوْن: هو عبد الله البصريّ المشهور.
وقوله في آخر الحديث: ((تابَعَه أشهَل)) بالمعجَمة وزن أحمر ((عن ابن عَون)) وَقَعَت
روايته موصولة عند أبي عَوَانة (٥٩٤١) والحاكم(١) والبيهقيِّ (٣٦/١٠و١٠٠) من طريق
أبي قِلابةَ الرَّقاشِيِّ: حدَّثنا محمَّد بن عبد الله الأنصاريّ وأشهَل بن حاتم قالا: أنبأنا ابن
عَوْن به.
قولُهُ: ((وتابَعَه يونس وسِماك بن عَطيَّة وسِماك بن حَرْب وُميدٌ/ وقَتَادةُ ومنصور وهشام ٦١٥/١١
والرَّبيع)) يريد أنَّ الثَّمانية تابَعوا ابن عَوْن فَرَووه عن الحسن، فالضَّمير في قوله أوَّلاً: تابَعَه
أشھَلُ لِعثمان بن عمر، والضَّمیر في قوله ثانياً: وتابعه یونس، وما بعده لعبد الله بن عَوْن
شیخ عثمان بن عمر.
ووَقَعَ في نُسخة من رواية أبي ذرٍّ: وحُميد عن قَتَادة، وهو خطأ والصَّواب: وحُميد وقَتَادة،
بالواو، وكذا وَقَعَ في رواية النَّسَفيِّ عن البخاريّ، وكذا في رواية مَن وصَلَ هذه المتابعات.
فأمَّا رواية يونس وهو ابن عُبيد فستأتي موصولة في كتاب الأحكام (٧١٤٧).
وأمَّا مُتَابَعَةُ سِماكِ بن عَطِيَّة فوصَلَها مسلم (١٦٥٢ و١٣/١٨٢٣) من طريق حمَّد بن زيد
عنه، وعن يونس جميعاً عن الحسن، وقال البزَّار: ما رواه عن سماك بن عَطيَّة إلّا حمّاد، ولا
روى سماك هذا عن الحسن إلّا هذا.
وأمَّا مُتَابَعة سِماك بن حَرْب فَوَصَلَها عبد الله بن أحمد في ((زياداته)) والطبرانيُّ في ((الكبير)) من
طريق حمّاد بن زيد عنه عن الحسن(٢).
(١) لم نقف عليه في مطبوع ((المستدرك)) من هذا الوجه، ولا عزاه له الحافظ في («إتحاف المهرة)) ١٠ / ٦٠٥، لكن رواية
البيهقي المذكورة أخرجها عن الحاكم.
(٢) رواية عبد الله بن أحمد في ((المسند)) برقم (٢٠٦٢٣) من طريق سماك بن عطية وليست من طريق سماك ابن
حرب. وهي كذلك عند الطبراني في ((الأوسط)) (٨٠٤٧) ولم نقف عليه في ((معاجمه)) من طريق سماك بن
حرب، وهو في ((مسند البزار)) (٢٢٧٩) من رواية سماك بن حرب عن الحسن.

٢٨٤
باب ١٠ / ح ٦٧٢١ - ٦٧٢٢
فتح الباري بشرح البخاري
وأمَّا مُتَابَعة حُميدٍ وهو الطّويل، ومنصور: هو ابن زاذانَ، فوصَلَها مسلم (١٦٥٢) من
طريق هُشَيمٍ عنهما، قال البزَّار وتَبِعَه الطبرانيُّ في ((الأوسط)): لم يَروِه عن منصور بن زاذانَ
إلّا هُشَيمٌ، ولا روى منصور هذا عن الحسن إلّا هذا الحديث.
قلت: ويحتمل أن يكون مُراد البخاريّ بمنصورٍ: منصور بن المعتمِر، وقد أخرجه النَّسائيُّ
(٣٧٩١) من طريقه من رواية جَرِير بن عبد الحميد عن منصور بن المعتمر عن الحسن، قال
البَزَّار أيضاً: لم يَروِ منصور بن المعتمِر عن الحسن إلّا هذا.
وأمَّا مُتَابَعة قَتَادة فوصَلَها مسلم (١٦٥٢) وأبو داود (٣٢٧٨) والنَّسائيُّ (٣٧٨٤) من
طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.
وأمَّا رواية هشام وهو ابن حسَّان فأخرجها أبو نُعَيم في ((المستخرَج على مسلم)) من
طريق حمّاد بن زيد عن هشام عن الحسن(١).
ووَقَعَ لنا في ((الغَيْلانيّات)) من وجه آخر عن هشام ومَطَر الورّاق جميعاً عن الحسن.
وهو عند أبي عوانة في «صحيحه» (٥٩٤٧) من هذا الوجه.
وأمَّا حديث الرَّبيع فقد جَزَمَ الدِّمياطيّ في ((حاشيته)) بأنَّه ابن مسلم، والذي يَغْلِب على
ظنّي أَّه ابن صُبَيح، فقد وَقَعَ لنا في ((الشّائيّات)) من رواية شَبَابَةَ عن الرَّبيع بن صَبِيحٍ
بوزنٍ عظيم عن الحسن.
وأخرجه أبو عَوَانة (٥٩١٦) من طريق الأسود بن عامر عن الرَّبيع بن صَبيح.
وأخرجه الطبرانيُّ من رواية مسلم بن إبراهيم حدَّثنا قُرّة بن خالد والمبارَك بن فضالة
والرَّبيع بن صَبيح قالوا: حدَّثنا الحسن به.
ووَقَعَ لنا من رواية الرَّبيع غير منسوب عن الحسن، أخرجه الحافظ يوسف بن خليل في
الجزء الذي جَمَعَ فيه طرق هذا الحديث من طريق وكيع عن الرَّبيع عن الحسن. وهذا يحتمل أن
(١) وهي عند مسلم (١٦٥٢) قرنها بيونس بن عبيد وسماك بن عطية في آخرين.

٢٨٥
باب ١٠ / ح ٦٧٢١ -٦٧٢٢
كتاب كفارات الأيمان
يكون هو الرَّبيع بن صَبيح المذكور، ويحتمل أن يكون الرَّبيع بن مسلم.
وقد روى هذا الحديث عن الحسن غيرُ مَن ذَكَرتُ جَرِيرُ بنُ حازِمِ، وتقدَّمَت روايته في
أوَّل كتاب الأيمان والنُّدور (٦٦٢٢).
وأخرجه مسلم (١٦٥٢) من رواية مُعتَمِر بن سليمان التَّيْميِّ عن أبيه عن الحسن.
ولمَّا أخرج طريق سِماك بن عَطيَّة قَرَتَها بيونُسَ بن عُبيد وهشام بن حسَّان، وقال: في
آخرینَ.
وأخرجه أبو عَوَانة من طريق عليّ بن زيد بن جُدْعان (٥٩٤٣) ومن طريق إسماعيل
ابن مسلم (٥٩٤٤) ومن طريق إسماعيل بن أبي خالد (٥٩٤٨) كلّهم عن الحسن.
وأخرجه الطبرانيُّ في ((المعجم الكبير)) عن نحو الأربعينَ من أصحاب الحسن، منهم
مَن لم يَتقدَّمِ ذِكرُه: يزيد بن إبراهيم، وأبو الأشهَب واسمه جعفر بن حَيّان، وثابتُ البُنانيُّ،
وحبيب بن الشَّهيد، وخُلَيد بن دَعلَج، وأبو عَمْرو بن العلاء، ومحمَّد بن نوحٍ، وعبد الرَّحمن
السَّاج، وعُرْفُطة، والمعلَّى بن زياد، وصَفوان بن سُلَیم، ومعاوية بن عبد الكريم، وزياد
مولى مُصعَب، وسَهل السَّرّاج، وشَبِيبُ بن شَيْبةَ، وعَمْرو بن عُبيد، وواصل بن عطاء،
ومحمّد بن عُقْبة، والأشعَث بن سَوّار، والأشعَث بن عبد الملك، والحسن بن دينار، والحسن بن
ذَكْوان، وسفيان بن حُسَين، والسَّرِيُّ بن يحيى، وأبو عَقيل الدَّورَقيّ، وعَبّاد بن راشد، وعَبّاد بن
كثير، فهؤلاءِ الأربعة وأربعونَ نفساً.
وقد خَرَّجَ طُرقَه الحافظ عبد القادِرِ الرُّهاويُّ في ((الأربعينَ/ البلدانيَّة)) له عن سبعة ٦١٦/١١
وعشرينَ نفساً من الرُّواة عن الحسن، فيهم ثَمَّن لم يَتقدَّم ذِكرُه: يحيى بن أبي كثير، وجَرِیر
ابن حازِم، وإسرائيل أبو موسى، ووائل بن داود، وعبد الله بن عَوْن، وقُرّة بن خالد، وأبو
عامر الخَزّاز(١)، وأبو عُبيدة الباجي، وخالد الحَذّاء، وعوف الأعرابيّ، وحَمَّاد بن يحيى(٢)،
(١) تحرَّف في (س) إلى: ((أبو خالد الجزار))، وأبو عامر الخزاز: هو صالح بن رُسْتم المُزني.
(٢) كذا في الأصلين، ووقع في (س): حماد بن نجيح.

٢٨٦
باب ١٠ / ح ٦٧٢١ -٦٧٢٢
فتح الباري بشرح البخاري
ويونس بن يزيد، ومَطَر الورّاق، وعليّ بن رِفاعة، ومسلم بن أبي الذَّيّال، والعَوّام بن
جويريةَ، وعُقَيل بن صبيح، وكثير بن زياد، وسَوَادةٌ(١) بن أبي العالية، ثمّ قال: رواه عن
الحسن العَدَد الكثير من أهل مَكّة والمدينة والبصرة والكوفة والشّام، ولعلَّهم يزيدونَ على
الخمسينَ.
ثمَّ خَرَّجَ طرقَه الحافظُ يوسف بن خليل عن أكثر من ستّينَ نفساً عن الحسن عن
عبد الرَّحمن بن سَمُرة، وسَرَدَ الحافظ أبو القاسم عبد الرَّحمن بن الحافظ أبي عبد الله بن
مَندَهْ في (تَذْكِرَتِه)) أسماء مَن رواه عن الحسن فبَلَغوا مئةً وثمانينَ نفساً وزيادة، ثمَّ قال: رواه
عن النبيّ ◌َّ مع عبد الرَّحمن بن سَمُرة: عبد الله بن عَمْرو، وأبو موسى، وأبو الدَّرداء،
وأبو هريرة، وأنس، وعَديّ بن حاتم، وعائشة، وأُمّ سَلَمة، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله
ابن عبّاس، وعبد الله بن عمر، وأبو سعيد الخدريُّ، وعمران بن حُصَین، انتهى.
ولمَّا أخرج التِّرمِذيّ (١٥٢٩) حديث عبد الرَّحمن بن سَمُرة قال: وفي الباب، فذكر الثَّانيَّة
المذكورينَ أوَّلاً وأهمَلَ خمسة، واستَدرَكَهم شيخنا في ((شرح التِّرمِذيّ)) إلّا ابن مسعود وابن
عمر، وزاد معاويةَ بن الحَكَم، وعَوفَ بن مالك الجُشَميَّ والد أبي الأحوص(٢)، وأُذَينة والد
عبد الرَّحمن، فكَمَّلوا ستّةَ عشرَ نفساً.
قلت: وأحاديث المذكورينَ كلّها فيما يَتَعلَّق باليمين، وليس في حديث أحد منهم: ((لا
تسأل الإمارةَ))، لكن سأذكر مَن روى معنى ذلك عن النبيّ وَلّ في كتاب الأحكام (٧١٤٦)
إن شاء الله تعالى.
ولم يَذكُر ابن مَندَهْ أنَّ أحداً رواه عن عبد الرَّحمن بن سَمُرة غير الحسن، لكن ذكر
عبدُ القادِرِ أنَّ محمَّد بن سِيرِين رواه عن عبد الرَّحمن، ثمَّ أسنَدَ من طريق أبي عامر الخَزّاز عن
(١) تحرف في (س) إلى: سودة.
(٢) كذا وقع للحافظ هنا، وهو ذهول، فعوف بن مالك هو أبو الأحوص نفسه، وهو تابعي، والحديث إنما
هو لأبيه مالك بن نَضْلة، فصواب العبارة: ومالك بن نضلة الجشمي والد أبي الأحوص. وحديثه هذا
محرَّج عند النسائي (٣٧٨٨) من رواية ابنه عوف عنه.

٢٨٧
باب ١٠ / ح ٦٧٢١ -٦٧٢٢
كتاب كفارات الأيمان
الحسن وابن سِيرِين أنَّ النبيَّ ◌ََّ قال لعبد الرَّحمن بن سَمُرة: ((لا تسأل الإمارةَ) الحديث،
وقال: غريبٌ ما كتبتُه إلّا من هذا الوجه، والمحفوظ رواية الحسن عن عبد الرّحمن. انتهى، وهذا
مع ما في سنده من ضعف ليس فيه التَّصريح برواية ابن سِيرِين عن عبد الرَّحمن.
وأخرجه يوسف بن خليل الحافظ من رواية عِكْرمة مولى ابن عبّاس عن عبد الرّحمن
ابن سَمُرة أورَدَه من ((المعجم الأوسط)) للطََّرانيّ، وهو في ترجمة محمَّد بن عليّ المروزيِّ
بسندِه إلى عِكْرمة قال: كان اسم عبد الرَّحمن بن سَمُرة عبد كلوب فسَمّه رسول الله وَهل
عبد الرَّحمن، فمرَّ به وهو يَتَوضَّأ فقال: ((تَعالَ يا عبد الرَّحمن لا تَطلُب الإمارةَ)) الحديث،
وهذا لم يُصرِّح فيه عِكْرمة بأنَّه حَمَلَه عن عبد الرَّحمن لكنَّه مُحْتَمَل، قال الطبرانيُّ: لم يَروِه عن
عِكْرمة إلّا عبد الرَّحمن بن كَيْسانَ، ولا عنه إلّا ابنه إسحاق، تفرَّد به أبو الدَّرداء عبد العزيز
ابن مُنیب.
قلت: عبد الله بن كَيْسانَ ضَعَّفَه أبو حاتم الرَّازيّ، وابنه إسحاق ليَّنه أبو أحمد الحاكم.
قوله: ((عن عبد الرَّحمن بن سَمُرة)) في رواية إبراهيم بن صَدَقةَ عن يونس بن عُبيد عن
الحسن: عن عبد الرَّحمن بن سَمُرة وكان غَزَا معه كابُلَ شَتْوةً أو شَتْوتَينِ(١)، أخرجه أبو
عَوَانة في ((صحیحه)) (٥٩٣٨).
وكذا لِلطَّبَرانيِّ من طريق أبي حمزة إسحاق بن الرَّبيع عن الحسن لكن بلفظ: غَزَونا مع
عبد الرّحمن بن سَمُرة، وأخرجه أيضاً من طريق عليّ بن زيد عن الحسن: حدَّثني عبد الرَّحمن
ابن سَمُرة، ومن طريق المبارَك بن فضالة عن الحسن: حدَّثنا عبد الرَّحمن.
قوله: ((لا تسأل الإمارةَ)) سيأتي شرحُه في الأحكام إن شاء الله تعالى.
قوله: «وإذا حَلَفْت علی یمینٍ» تقدَّم توجيهُه في الكلام على حديث أبي موسى قريباً في
قوله: ((لا أحلِفُ على يمين)) وقد اختُلِفَ فيما تَضَمَّنَه حديث عبد الرَّحمن بن سَمُرة: هل
لأحدِ الحُكمَينِ تَعلَّقٌّ بالآخرِ أو لا؟ فقيل: له به تَعلُّقٌ، وذلك أنَّ أحد الشِّقَّينِ / أن يُعطَى ٦١٧/١١
(١) تحرَّف في (س) إلى: ((كابل شنوءة أو شنوءتين)).

٢٨٨
باب ١٠ / ح ٦٧٢١-٦٧٢٢
فتح الباري بشرح البخاري
الإمارة من غير مسألة، فقد لا يكون له فيها أرَبٌّ فَيَمْتَنِعِ، فَيَلزَم فيَحلِفِ فَأُمِرَ أن يَنظُر ثمَّ
يفعل الذي هو أَوْلى، فإن كان في الجانب الذي حَلَفَ على تَركِه فيَحنَثُ ويُكفِّر، ويأتي مِثلَه
في الشِّقِّ الآخَرِ.
قوله: ((فرأيت غيرَها)) أي: غيرَ المحلوفِ عليه، وظاهر الكلام عَودُ الضَّمير على اليمين،
ولا يَصِحُّ عَودُه على اليمين بمعناها الحقيقيّ، بل بمعناها المجازيِّ كما تقدَّمَ، والمراد بالرُّؤية
هنا الاعتقاديَّة لا البَصرِيَّة.
قال عِيَاض: معناه: إذا ظَهَرَ له أنَّ الفِعلَ أو التَّركَ خيرٌ له في دُنياه أو آخِرَتِهِ، أو أوفَُ لمُرادِه
وشهوته ما لم یکن إثماً.
قلت: وقد وَقَعَ عند مسلم (١٥/١٦٥١) في حديث عَديٍّ بن حاتم: ((فرأى غيرَها
أنقَى لله فليأتِ التَّقوى)) وهو يُشعِرِ بقَصْرِ ذلك على ما فيه طاعةٌ.
ويَنقَسِمُ المأمورُ به أربعةَ أقسام: إن كان المحلوف عليه فِعلاً فكان التَّرك أوْلِى، أو كان
المحلوف عليه تركاً فكان الفِعل أَوْلى، أو كان كلٌّ مِنهما فِعلاً وتركاً لكن يَدخُل القسمانِ
الأخيرانِ في القسمَينِ الأوَّلَين، لأنَّ من لازِمِ فِعل أحد الشَّيئينِ أو تَركِه تَرِكُ الآخَرِ، أو
فِعلُه.
قوله: ((فاتْتِ الذي هو خيرٌ، وكَفِّر عن يمينك)) هكذا وَقَعَ لِلأكثر، ولِلكثير منهم: ((فكَفِّر عن
يَمينك وائتِ الذي هو خيرٌ))، وقد ذُكِرَ قبلُ مَن رواه بلفظ: «ثمَّ ائتِ الذي هو خير)).
ووَقَعَ في رواية عَمْرو بن شُعَيب عن أبيه عن جَدّه عند أبي داود: «فرأى غيرَها خيراً منها
فليَدَعْها، وليأتِ الذي هو خير، فإنَّ كفَّارَتَها تَركُها))، فأشارَ أبو داود إلى ضعفه وقال: الأحاديث
كلّها: ((فليُكفِّر عن يمينه)) إلّا شيئاً لا يُعبأُ به. كأنَّه يشير إلى حدیث يحيى بن عبيد الله عن أبيه عن
أبي هريرة رَفَعَه: ((مَن حَلَفَ فرأى غيرَها خيراً منها فليأتِ الذي هو خيرٌ، فهو كفَّارَتُه))(١)، ويحيى
ضعيفٌ جدّاً.
(١) أخرجه البيهقي ١٠/ ٣٤ وضعَّفه.

٢٨٩
باب ١٠ / ح ٦٧٢١ - ٦٧٢٢
كتاب كفارات الأيمان
وقد وَقَعَ في حديث عَديّ بن حاتم عند مسلم (١٦/١٦٥١) ما يُوهم ذلك، وأنَّه
أخرجه بلفظ: ((مَن حَلَفَ على يمينٍ فرأى غيرها خيراً منها، فليأتِ الذي هو خيرٌ ولَيَتْرُك
يمينَه)) هكذا أخرجه من وجهَينٍ ولم يَذكُر الكفَّارة. ولكن أخرجه من وجه آخرَ (١٦٥١/
١٧) بلفظ: ((فرأى خيراً منها فليُكفِّرها، وليأتِ الذي هو خير))، ومَداره في الطّرق كلّها
على عبد العزيز بن رُفَيع عن تَميم بن طَرَفة(١) عن عَديّ، والذي زاد ذلك حافظٌ فهو
المعتمد.
قال الشافعيّ: في الأمر بالكفَّارة مع تَعَمُّد الحنث دلالة على مشروعيَّة الكفَّارة في
اليمين الغَموس، لأنَّها يمين حانثة.
واستَدَلَّ به على أنَّ الحالف يجب عليه فِعل أيّ الأمرَينِ كان، أوْلى من المضيّ في حَلِفِه أو
الحِنث والكفَّارة، وانفَصَلَ عنه مَن قال: إنَّ الأمر فيه لِلنَّدْبِ بما مضى في قصَّة الأعرابيّ
الذي قال: والله لا أزيدُ على هذا ولا أنقُص، فقال: ((أفلَحَ إن صَدَقَ))(٢). فلم يأمره بالحِنثِ
والكفَّارة مع أنَّ حَلِفَه على تَرك الزّيادة مَرجوح بالنّسبة إلى فِعلِها.
خاتمة: اشتَمَلَ كتاب الأيمان والتُّدور والكفَّارة والملحقة به من الأحاديث المرفوعة على مئة
وسبعة وعشرينَ حديثاً، المعلَّق منها فيه وفيما مضى ستّة وعشرونَ، والبقيَّة موصولة، والمكرَّر
منها فیه وفیما مضى مئةٌ و خمسةَ عشرَ، والخالص اثنا عشرَ.
وافَقَه مسلم على تخريجها سوى حديث عائشة عن أبي بكر، وحديثها: ((مَن نَذَرَ أن يُطيع الله
فليُطِعِه))، وحديث ابن عبّاس في قصَّة أبي إسرائيل، وحديثه: ((أعوذ بعِزَّتِك))، وحديث عبد الله
ابن عَمْرو في اليمين الغموس، وحديث ابن عمر في نذرٍ وافَقَ یوم عید.
وفيه من الآثار عن الصحابة فمَن بعدَهم عشرةُ آثار. والله المستعان.
(١) تحرَّف في (س) إلى: طريفة.
(٢) سلف برقم (٤٦)، وهو عند مسلم (١١) من حديث طلحة بن عبيد الله

٢٩٠
فتح الباري بشرح البخاري

٢٩١
باب ١ / ح ٦٧٢٣
كتاب الفرائض
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كتاب الفرائض
٣/١٢
١ - باب قول الله تعالى:
﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِى أَوْلَدِكُمْ ﴾ إلى قوله:
﴿وَصِيَّةٌ مِّنَ اَللَّهُ وَاللَّهُ عَلِيٌ حَلِيٌ﴾ [النساء: ١١ - ١٢]
٦٧٢٣- حدَّثْنا قُتَيبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا سفيانُ، عن محمَّدِ بنِ المنكَدِرِ، سمعَ جابَرَ بنَ
عبدِ الله رضي الله عنهما، يقول: مَرِضْتُ، فعادَني رسولُ الله ◌َ﴿ وأبو بكرٍ وهما ماشیانٍ، فأتاني
وقد أُغْمِيَ عليَّ، فَتَوضَّأ رسولُ الله ◌ِّهِ فصَبَّ عليَّ وَضُوءَه، فأفَقْتُ فقلتُ: يا رسولَ الله،
كيفَ أصنَعُ في مالي؟ كيفَ أقضي في مالي؟ فلم يُحِيْنِي بشيءٍ، حتَّى نَزلتْ آيَةُ المَوارِيثِ.
قوله: ((كتابُ الفرائضِ)) جمعُ فريضةٍ كحديقةٍ وحدائقَ، والفريضةُ فَعِيلٌ بمعنى مفروضةٍ،
مأخوذةٌ من الفَرْض: وهو القَطْعُ، يقال: فَرَضتُ لِفلانٍ كذا، أي: قَطَعت له شيئاً من المال،
قاله الخطّابِيّ.
وقيل: هو من فَرْضِ القَوس: وهو الحَزّ الذي في طَرَفَيَه حيثُ يُوضَعِ الوَتَرُ لِيَئُبُتَ فيه
ويَلْزَمه ولا يَزول، وقيل: الثّاني خاصٌّ بفرائض الله: وهي ما ألزَمَ به عباده. وقال الرَّاغِب:
الفَرض: قطع الشَّيء الصُّلْب والتَّأثير فيه، وخُصَّتِ المواريث باسم الفرائض من قوله تعالى:
﴿نَصِيبًا مَّغْرُوضًا﴾ [النساء: ٧]، أي: مُقدَّراً أو معلوماً أو مقطوعاً عن غيرهم(١).
قوله: ((وقول الله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَدِ كُمْ﴾)) أفادَ السُّهَيلِيُّ أنَّ الحكمة في التَّعبير
بلفظ الفِعل المضارع لا بلفظ الفِعل الماضي كما في قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ﴾
(١) كذا في الأصلين و(س)، وفي ((المفردات في غريب القرآن)) للراغب ص ٦٣٠: ((مقطوعاً عنهم)) بدل: عن
غیرهم.

٢٩٢
باب ١ / ح ٦٧٢٣
فتح الباري بشرح البخاري
[الأنعام: ١٥٣] و﴿سُورَةُ أَنْزَلْنَهَا وَفَرَضْنَهَا﴾ [النور: ١] الإشارة إلى أنَّ هذه الآية ناسخة لِلوصيّة
المكتوبة عليهم كما سيأتي بيانه قريباً في ((باب ميراث الَّوج)) (٦٧٣٩).
قال: وأضافَ الفِعلَ إلى الاسم(١) المظهَر تنويهاً بالحُكم وتعظيماً له وقال: ﴿في
أَوْلَدِ كُمْ﴾ ولم يَقُل: بأولادِكم إشارةً إلى الأمر بالعَدلِ فيهم، ولذلك لم يَخُصَّ الوصيّة
٤/١٢ بالميراثِ، بل أتى باللَّفظِ عاماً وهو كقوله: ((لا أشهد على جَوْر))(٢)، وأضافَ الأولاد إليهم مع
أنَّه الذي أوصَى بهم إشارة إلى أنَّه أرحَمُ بهم من آبائهم.
قولُه: ((إلى قوله: ﴿وَصِيَّةٌ مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾)) كذا لأبي ذرٍّ، وأمَّا غيره فساقَ
الآية الأُولى وقال بعد قوله: ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ إلى قوله: ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾.
وذَكَر فيه حديث جابر: ((مَرِضتُ فعادَني النبيُّ ◌َ لَ فقلت: يا رسولَ الله، كيف أصنَع في
مالي؟ فلم يُحِبْنِي بشيءٍ حَتَّى نزلت آيةُ الميراث)) هكذا وَقَعَ في رواية قُتَيبةَ، وقد تقدَّم في تفسير
سورة النِّساء (٤٥٧٧) أنَّ مسلماً (١٦١٦ / ١٥) أخرجه عن عَمْرٍو الناقد عن سفيان - وهو ابن
عُيَيْنَةَ شيخ قُتَيَبة فيه - وزاد في آخره: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِىِ الْكَلَلَةِ ﴾ [النساء: ١٧٦]،
وبيَّنت هناك أنَّ هذه الزّيادة مُدَرَجَةٌ، وأنَّ الصَّواب ما أخرجه التِّرمِذيّ (٣٠١٥) من طريق يحيى
ابن آدم عن ابن عُبَينَةَ: حَتَّى نزلت: ﴿يُوصِيكُ اللَّهُ فِى أَوْلَدِكُمْ﴾.
وأمَّا قول البخاريّ في التَّرجمة: إلى ﴿وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ فأشارَ به إلى أنَّ مُراد جابر من
آية الميراث قوله: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَلَةً أَوِ أَمْرَأَةٌ﴾ [النساء: ١٢]، وقد سَبَقَ
في آخر تفسير النِّساء (٤٦٠٥) ما أخرجه النَّسائيُّ (ك٦٢٩١ و٧٤٧١) من وجه آخر عن
جابر: أنَّ ﴿يَسْتَقْتُونَكَ قُلِ اَللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى الْكَلَلَةِ﴾ نزلت فيه (٣)، وقد أشكَلَ ذلك
قديماً. قال ابن العربيّ بعد أن ذكر الرِّوايتَينِ في إحداهما: فنزلت ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ وفي أُخرى آية
(١) في (س): ((اسم)) بالتنكير، ولا يصحُّ في هذا السياق.
(٢) سلف برقم (٢٦٥٠) من حديث النعمان بن بشير.
(٣) وأخرجه بهذا السياق الإمام أحمد في ((المسند)) برقم (١٤٩٩٨)، وأبو داود برقم (٢٨٨٧) وهو حديث
صحیح.

٢٩٣
باب ٢ / ح ٦٧٢٤
كتاب الفرائض
المواريث: هذا تَعارُض لم يَتَّفِقِ بيانُه إلى الآن. ثمَّ أشارَ إلى ترجيح آية المواريث وتَوهيم
﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾، ويظهر أن يقال: إنَّ كلَّ من الآيتَينِ لمَّا كان فيها ذِكْر الكَلالة نزلت في
ذلك، لكنَّ الآية الأُولى لمَّا كانت الكَلالة فيها خاصّة بميراثِ الإخوة من الأُمّ - كما كان
ابن مسعود يقرأ: ((وله أخٌ أو أُختُ من أمٌ))، وكذا قرأ سعد بن أبي وقّاصٍ أخرجه البيهقيُّ
(٦/ ٢٢٣) بسندٍ صحيح - استَقْتَوْا عن ميراث غيرهم من الإخوة فنزلتِ الأخيرة،
فيَصِحّ أنَّ كلَّا من الآيتَينِ نزلَ في قصَّة جابر، لكنَّ المتعلِّق به من الآية الأُولى ما يَتَعلَّق
بالكَلالة.
وأمَّا سبب نزول أوَّلها فورَدَ من حديث جابر أيضاً في قصَّة ابتَي سعدٍ بن الرَّبيع ومَنع عَمِّهما
أن يَرِثا من أبيهما فنزلت: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ الآيةَ، فقال لِلِعَمِّ: ((أعطِ ابنَتَي سعد الثُّلْثَين))(١)، وقد
بَّنْت سياقه من وجه آخَر هناك، وبالله التَّوفيق.
قد وَقَعَ في بعض طرق حديث جابر المذكور في ((الصحيحين)): فقلت: يا رسول الله،
إنَّما يَرِثُنِي كَلالةً(٢).
وقوله: (فلم يُحِبني بشيءٍ) استُدِلَّ به على أنَّه ◌ِّهِ كان لا يَجْتَهِد، ورُدَّ بأنَّه لا يَلزَم من انتظاره
الوحيَ في هذه القصَّة الخاصّة عُمومُ ذلك في كلّ قصَّة، ولا سيَّما وهي في مسألة المواريث التي
غالبها لا تَجَالَ لِلرّأي فيه، سَلَّمنا أنَّه كان يُمكِنُهُ أن يَجْتَهِد فيها، لكن لعلَّه كان يَنْتَظِرِ الوحيَ أوَّلاً
فإن لم يَنْزِلِ اجْتَهَدَ، فلا يدلّ على نفي الاجتهاد مُطلَقاً.
٢ - باب تعليم الفرائض
وقال عُقْبةُ بنُ عامٍ: تَعلَّموا قبلَ الظَّانِّينَ، يعني: الَّذِينَ يتكلَّمونَ بالظَّنِّ.
٦٧٢٤ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا وُهَیبٌ، حدَّثنا ابنُ طاووسٍ، عن أبيه، عن أبي
(١) أخرجه الإمام أحمد في ((المسند)) (١٤٧٩٨)، وأبو داود (٢٨٩١)، والترمذي (٢٠٩٢)، وابن ماجه
(٢٧٢٠).
(٢) سلف برقم (١٩٤)، وأخرجه مسلم برقم (١٦١٦) (٨).

٢٩٤
باب ٢ / ح ٦٧٢٤
فتح الباري بشرح البخاري
هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((إيّاكم والظَّنَّ، فإنَّ الظَّنَّ أكذَبُ الحديثِ، ولا تَحَسَّسُوا، ولا
تَجَسَّسُوا، ولا تَبَاغَضوا، ولا تَدابَرُوا، وكُونوا عبادَ الله إخواناً)).
قوله: ((باب تعليم الفرائض. وقال عُقْبة بن عامر: تَعلَّموا قبلَ الظَّنِّينَ، يعني: الذينَ
يتكلَّمونَ بالظَّنِّ) هذا الأثر لم أظفَر به موصولاً(١)، وقوله: ((قبل الظّنّينَ)) فيه إشعار بأنَّ أهل
ذلك العصر كانوا يَقِفونَ عند النُّصوص ولا يَتَجاوزونَها، وإن نُقِلَ عن بعضهم الفَتوى
بالرَّأي فهو قليل بالنِّسبة، وفيه إنذارٌ بوقوع ما حَصَلَ من كَثْرة القائلينَ بالرَّأيٍ.
وقيل: مُراده قبل اندراس العلم وحُدوث مَن يتكلّم بمُقتَضَى ظنِّه غير مُستَنِد إلى
عِلم.
قال ابن المنيِّر: وإنَّما خَصَّ البخاريُّ قولَ عُقْبة بالفرائضِ لأنَّها أدخَلُ فيه من غيرها،
٥/١٢ لأنَّ الفرائض الغالبُ عليها التَّعَبُّد،/ وانحِسامُ(٢) وجوه الرَّأي والخوض فيها بالظَّنِّ لا
انضِباطَ له، بخِلَاف غيرها من أبواب العلم، فإنَّ للرّأي فيها مَجَالاً والانضباط فيها مُمكِن
غالباً. ويُؤخَذ من هذا التَّقرير مُناسَبة الحديث المرفوع للتَّرجمة.
وقيل: وجه المناسَبة أنَّ فيه إشارةً إلى أنَّ النَّهيَ عن العَمَل بالظَّنِّ يَتَضَمَّن الحَثّ على
العَمَل بالعلمِ وذلك فَرْعُ تَعلَّمِه، وعِلمُ الفرائض يُؤخَذ غالباً بطريق العلم كما تقدَّم
تقریرُه.
وقال الكِرْمانيُّ: يحتمل أن يقال: لمَّا كان في الحديث: (وكونوا عبادَ الله إخوانا)(٣)
يُؤْخَذ مِنه تَعلُّم الفرائض ليُعلَمَ الأخُ الوارثُ من غيره، وقد وَرَدَ في الحثّ على تَعلُّم
(١) وكذا فعل في ((تغليق التعليق)) ٢١٣/٥ ذكره دون أن يذكر مَن وصله، وهذا الأثر وقفنا عليه موصولاً
في الثامن من ((مسند عبد الله بن وهب)) برقم (١٩٦) قال: أخبرني سعيد بن أيوب، عن شرحبيل ابن
شريك، عن أبي عبد الرحمن الحُبلي، عن عقبة بن عامر الجُّهني قال؛ فذكره.
(٢) أي: قبل القَطْع والبَتّ فيه، وانحَسَم مطاوعٍ حَسَم: بَثَّ وقطع.
(٣) جزء من حديث سلف برقم (٦٠٦٤) و(٦٠٦٥) من حديث أبي هريرة وأنس رضي الله عنهما.

٢٩٥
باب ٢ / ح ٦٧٢٤
كتاب الفرائض
الفرائض حديث ليس على شرط المصنّف أخرجه أحمد (١) والتِّرمِذيّ (٢٠٩١) والنَّسائيُّ
(٦٣٠٦) وصَحَّحَه الحاكم (٣٣٣/٤) من حديث ابن مسعود رَفَعَه: (تَعلَّموا الفرائض
وعَلِّموها الناس فإنّ امرُؤٌ مقبوضٌ، وإنَّ العلم سَيُقْبَضُ حتَّى يختلف الاثنان في الفريضةِ،
فلا يَجِدان مَن يَفصِلُ بينهما)) ورواته موثَّقونَ، إلّا أنَّه اختُلِفَ فيه على عَوْف الأعرابيّ
اختلافاً كثيراً، فقال التِّرمِذيّ: إنَّه مُضطَرِبٌ والاختلاف عليه أنَّه جاء عنه من طريق ابن(٢)
مسعود، وجاء عنه من طريق أبي هريرة، وفي أسانيدها عنه أيضاً اختلاف، ولفظُه عند
التِّرمِذيّ من حديث أبي هريرة (٢٠٩١): ((تَعلَّموا الفرائض فإنَّها نصفُ العلم، وإنَّه أوَّل ما
يُنزَع من أمَّتي))(٣) وفي الباب عن أبي بَكْرة أخرجه الطبرانيُّ في ((الأوسط)) (٤٠٨٧) من
طريق راشدٍ الحِّانيّ عن عبد الرّحمن بن أبي بكر عن أبيه رَفَعَه: ((تَعلَّموا القرآن والفرائض
وعَلِّموه الناسَ، أوشَكَ أن يأتيَ على الناس زمانٌ يَخْتَصِمُ الرَّجلانِ في الفَريضة فلا تَجِدان
مَن يَفصِلُ بينَهما))، وراشدٌ مقبولٌ لكنَّ الراوي عنه مجهول.
وعن أبي سعيد الخُدْريِّ بلفظ: ((تَعلَّموا الفرائضَ وعَلِّموها الناسَ)) أخرجه الدَّارَ قُطنيُّ
(٤١٠٤) من طريق عَطيَّة وهو ضعيف، وأخرج الدَّارِميُّ (٢٨٩٢) عن عمر موقوفاً: ((تَعلَموا
الفرائض كما تَعلَّمونَ القرآن» وفي لفظ عنه (٢٨٩٣): ((تَعلَّموا الفرائض فإنَّا من دينكُم»
وعن ابن مسعود موقوفاً أيضاً (٢٩٠٠) ((مَن قرأ القرآن فليَتَعلَّم الفرائضَ)) ورجالها ثقات
إلّا أنَّ في أسانيدها انقطاعاً.
قال ابن الصَّلاح: لفظ النِّصف في هذا الحديث بمعنى أحد القسمَينِ وإن لم يَتَساويا،
وقد قال ابن عُيَينةَ إذ سُئلَ عن ذلك: إِنَّه يُبْتَلَى به كلُّ الناس. وقال غيرُه: لأنَّ لهم حالتَينِ؛
(١) لم نقف عليه في ((المسند))، وعزاه الهيثمي في ((المجمع)) ٢٢٣/٤ لأبي يعلى (٥٠٢٨) والبزار، وقال: وفي
إسناده من لم أعرفه.
(٢) تحرَّف في (س) إلى: أبي.
(٣) هذا اللفظ وقع عند ابن ماجه (٢٧١٩)، وأمّا لفظُه عند الترمذيّ فهو: ((تعلَّموا القرآنَ والفرائضَ
وعلِّموا الناسَ، فإنِّي مقبوضٌ)).

٢٩٦
باب ٣ / ح ٦٧٢٥ - ٦٧٣٠
فتح الباري بشرح البخاري
حالةً حياةٍ، وحالةَ موتٍ، والفرائضُ تتعلَّق بأحكام الموت، وقيل: لأنَّ الأحكام تُتَلقَّى من
النُّصوص ومن القياس، والفرائضُ لا تُتلقَّى إلّا من النُّصوص كما تقدَّم.
ثم ذكر حديث أبي هريرة: ((إيّاكم والظَّنَّ) الحديثَ، وقد تقدَّم من وجهٍ آخَر عن أبي
هريرة في ((باب ما يُنْهَى عن التَّحاسُد)) (٦٠٦٤) في أوائل كتاب الأدب، وتقدَّم شرحُه
مُستَوفَّى، وفيه بيان المراد بالظَّنِّ هنا وأنَّه الذي لا يَستَنِدُ إلى أصلِ، ويَدخُلُ فيه ظنُّ السّوءِ
بالمسلم.
وابنُ طاووسِ المذكورُ في السَّنَدِ: هو عبدُ الله.
٣- باب قول النبيِّ وَّ: ((لا نُورَث ما تَركْنا صدقةٌ))
٦٧٢٥ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا هشامٌ، أخبرنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن عُرْوةَ،
عن عائشةَ: أنَّ فاطمةَ والعبَّاسَ عليهما السَّلام أتيا أبا بَكْرٍ يَلْتَمِسان مِيراثَهما من رسولِ اللهِوَّه
وهما حينئذٍ يَطْلُبان أرضَيهما من فَدَكَ وسَهْمَهُما من خَییرَ.
٦٧٢٦ - فقال لهما أبو بكرٍ: سمعتُ رسولَ اللهِ ◌َّ يقول: ((لا نُورَثُ، ما تَرَكْنا صَدَقَةٌ، إنَّما
يأكلُ أَلُّ محمَّدٍ من هذا المال)) قال أبو بكرٍ: والله لا أدَعُ أمراً رأيتُ رسولَ الله ◌َ يَصنَعُه فيه إلّا
٦/١٢ صَنَعَتُهُ، قال: فَهَجَرَتْه/ فاطمةُ، فلمْ تُكلِّمْهُ حتَّى ماتت.
٦٧٢٧ - حدَّثنا إسماعيلُ بن أبانَ، أخبرنا ابنُ المبارَك عن يونُسَ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عروةَ،
عن عائشةَ، أنَّ النبيَّ ◌َّ قال: ((لا نوْرَثُ، ما تَرَكْنا صَدَقةٌ)).
٦٧٢٨ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني
مالكُ بنُ أوْسٍ بِنِ الحَدَثان، وكان محمَّدُ بنُ جُبَيِرِ بنِ مُطْعِمٍ ذَكَر لي من حديثِه ذلك، فانطَلَقْتُ
حتَّى دَخَلْتُ عليه فسألتُه، فقال: انطَلَقْتُ حتَّى أَدْخُلَ على عمرَ، فأناه حاجبُهُ يَرْفَأُ فقال: هل
لكَ في عُثْمانَ وعبدِ الرَّحمنِ والزُّبَيرِ وسعدٍ؟ قال: نعم، فأذِنَ لهم، ثمَّ قال: هل لكَ في عليٍّ
وعبَّاسٍ؟ قال: نعم.

٢٩٧
باب ٣ / ح ٦٧٢٥ - ٦٧٣٠
كتاب الفرائض
قال عبَّاسُ: يا أمِيرَ المؤمنينَ، اقضِ بيني وبينَ هذا، قال: أنشُدُكم بالله الذي بإذْنِه تقومُ
السماءُ والأرضُ، هل تعلمونَ أنَّ رسولَ اللهِوَ لَ قال: ((لا نُورَثُ، ما تَرَكْنا صَدَقَةٌ؟» يُرِيدُ
رسولُ الله ◌ََّ نفسَه، فقال الرَّهْطُ: قد قال ذلك، فأقبَلَ على عليٍّ وعبَّاسٍ، فقال: هل تعلمانِ أنَّ
رسولَ الله ◌ِ ﴾ قال ذلك؟ قالا: قد قال ذلك، قال عمرُ: فإنّي أُحدِّثُكم عن هذا الأمرِ، إنَّ الله قد
كان خَصَّ رسولَه ◌َّ في هذا الفَيءِ بشيءٍ لم يُعْطِه أحداً غيرَه، فقال عزَّ وجلّ: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى
رَسُولِهِ) إلى قوله: ﴿قَدِيرٌ﴾ [الحشر: ٧] فكانت خالصةً لِرسولِ الله وَّة، والله ما احتازَها
دونَكم ولا استَأَثَرَ بها عليكم، لقد أعطاكموه وبَثَّها فيكم، حتَّى بَقِيَ منها هذا المالُ، فكان
النبيُّ نَّه يُنفِقُ على أهلِه من هذا المال نَفَقةَ سَنَتِهِ، ثُمَّ يأخُذُ ما بَقِيَ فيجعلُهُ مَجْعَلَ مال الله، فعَمِلَ
بذاكَ رسولُ اللهِِّ حياتَهِ، أَنْشُدُكم بالله هل تعلمونَ ذلك؟ قالوا: نعم. ثمَّ قال لِعليٍّ وعبَّاسٍ:
أنْشُدُكما بالله، هل تعلمانِ ذلك؟ قالا: نعم، فَتَوَلَّى الله نبيَّهَ وَلَه، فقال أبو بكرٍ: أنا وِيُّ رسولِ الله ◌َِّه
فقَبَضَها فَعَمِلَ بما عَمِلَ به رسولُ اللهِّهِ، ثُمَّ تَوَلَى الله أبا بَكْرٍ، فقلتُ: أنا ولِيُّ ولِّ رسولِ الله ◌ِّ،
فقَبَضْتُها سنتَينٍ، أعمَلُ فيها ما عَمِلَ رسولُ اللهِ وَّهِ وأبو بكرٍ، ثمَّ جِئْتُماني وكَلِمَتُكما واحدةٌ
وأمرُكما جميعٌ، جِنْشَي تسألُنِي نَصِيبَكَ مِنِ ابنِ أخِيكَ، وأتاني هذا يَسْألُنِي نَصِيبَ امرأتِه من
أبِيها، فقلتُ: إن شئُما دَفَعْتُها إليكما بذلك، فتَلْتَمِسان منّي قضاءً غيرَ ذلك! فوالله الذي باذْنِه
تقومُ السماءُ والأرضُ، لا أقضي فيها قضاءً غيرَ ذلك حتَّى تقومَ الساعةُ، فإن عَجَزْتُما فادْفَعاها
إليّ، فأنا اكْفِيگماها.
٦٧٢٩ - حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ،
أَنَّ رسولَ الله ◌َّه قال: ((لا يَقْتَسِمُ ورَفَتَي دِيناراً، ما تَرَكْتُ بعدَ نَفَقةِ نسائي ومُؤْنَّةٍ عامِلي فهو
صَدَقةٌ)).
٦٧٣٠ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عن مالكٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ رضي الله ٧/١٢
عنها: أَنَّ أَزْوَاجَ النبيِّ وََّ حِينَ تُوفِّيَ رسولُ الله ◌َِّ أْ رَدْنَ أن يَبْعَثْنَ عُثْمانَ إلى أبي بكرٍ يَسْألُنَه مِيراثَهُنَّ،
فقالت عائشةُ: أليس قال رسولُ الله ◌َّةِ: ((لا نُورَثُ، ما تَرَكْنا صَدَقَةٌ))؟

٢٩٨
باب ٣ / ح ٦٧٢٥ - ٦٧٣٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب قول النبيّ ◌َّوَ لا نُورَث ما تَرَكْنا صَدَقةٌ)) هو بالرَّفع، أي: المتروك عَنّا صَدَقة.
وادَّعَى الشّيعةُ أنَّه بالنَّصبِ على أنَّ ((ما)) نافيةٌ، ورُدَّ عليهم بأنَّ الرِّواية ثابتة بالرَّفع، وعلى
التنُّلِ فيجوزُ النَّصبُ على تقدير حذفٍ تقديرُه: ما تَرَكنا مَبذولٌ صَدَقةً، قاله ابنُ مالكٍ،
وينبغي الإضرابُ عنه والوقوفُ مع ما ثَبَتَت به الرِّواية.
وذَكَر فيه أربعةً أحاديثَ:
أحدها: حديث أبي بكر في ذلك وقِصَّته مع فاطمة، وقد مضى في فَرْض الخُمُس
مشروحاً (٣٠٩٢) وسياقه أتمُّ ممّا هنا.
وقوله فيه: ((إنَّما يأكل ألُّ محمَّدٍ من هذا المال)) كذا وَقَعَ وظاهرُه الحَصْرُ وأنَّهم لا يأكلونَ إلّا من
هذا المال، وليس ذلك مُراداً، وإنَّما المراد العكسُ، وتوجيهُه أنَّ((مِنْ)) لِلتَّبعيضِ والتَّقدير: إنَّما
يأكل ألُّ محمَّدٍ بعضَ هذا المال، يعني: بقَدرِ حاجتهم وبقيّنُهُ لِلمصالحِ.
ثانيها: حديث عائشةَ بلفظ الترجمة، وأورده آخرَ الباب بزيادة فيه.
ثالثها: حديث عمر في قصَّة عليّ والعبَّاس مع عمر في مُنازَعَتِهِما في صَدَقة رسول الله وَّتِه
وفيه قولُ عمرَ لِعثمان وعبد الرَّحمن بن عَوْف وسعد بي أبي وقّاصٍ والزُّبَير بن العَوّام: هل
تَعلَمونَ أنَّ رسول الله وَّهِ قال: ((لا نُورَث ما تَرَكْنا صَدَقةٌ)) يريد نفسَه؟ فقالوا: قد قال
ذلك. وفيه أنَّه قال مِثْلَه لِعليٍّ ولِلعبَّاس فقالا كذلك، الحديثَ بطُولِهِ، وقد مضى مُطوَّلاً في
فَرْض الخُمُس (٣٠٩٤) وذِكرُ شرحِه هناك.
تنبيهات: الرَّاءُ من قوله: ((لا نُورَث)» بالفتح في الرِّواية، ولو رويَ بالكسر لَصَحَّ المعنى
أيضاً.
وقوله: ((فكانت خالصةً لِرسولِ الله ◌َِّ)) كذا لِلأكثر، وفي رواية أبي ذرِّ عن المُستَمْلي
والكُشْمِيهنيِّ خاصّةً.
وقوله: ((لقد أعطاكموه)) أي: المال. في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((أعطاكموها)) أي: الخالصةَ
له.

٢٩٩
باب ٣ / ح ٦٧٢٥ - ٦٧٣٠
كتاب الفرائض
وقوله: ((فوالله الذي بإذنِه)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ بحذفِ الجَلالة.
رابعها: حديث أبي هريرة.
و((إسماعيل)) شيخه: هو ابن أبي أُوَيسِ المدنيُّ ابن أُخت مالكٍ وقد أكثرَ عنه، وأمَّا إسماعيل
ابن أبانَ شيخه في الحديث الذي قبله بحديثٍ، فلا روايةً له عن مالكٍ.
قوله: ((لا يَقْتَسِمُ)) كذا لأبي ذرِّ عن غير الكُشْمِيهنيِّ ولِلباقينَ: ((لا يَقْسِمُ)) بحذفِ التاء
الثّانية، قال ابن التِّين: الرِّواية في ((الموطَّأ)) (٢/ ٩٩٣) وكذا قرأته في البخاريّ برفع الميم على
أنَّه خَبَر، والمعنى: ليس يَقْسِمُ، ورواه بعضُهم بالجزمِ كأنَّه نَهاهم إن خَلَّفَ شيئاً لا يُقْسَم
بعده، فلا تَعارُضَ بين هذا وما تقدَّم في الوصايا (٢٧٣٩) من حديث عَمْرو بن الحارث
الخُزَاعِيِّ: ((ما تَرَكَ رسول الله وَ لَه ديناراً ولا دِرْهماً)) ويحتمل أن يكون الخبر بمعنى النَّهي
فيَتَّحِد معنى الرِّوايتَين.
ويُستَفاد من رواية الرّفع أنَّه أخبر أنَّه لا يُخُلِّفُ شيئاً مَمَّا جَرَتِ العادةُ بقسمَتِهِ كالذَّهَبِ
والفِضّة، وأنَّ الذي يُخلِّفُه من غيرهما لا يُقْسَم أيضاً بطريق الإرث بل تُقسَم منافعُه لِمَن
و
ذُكِرَ.
قوله: ((وَرَثَتي)) أي: بالقوّة، لو كنت ممَّن يورَث، أو المراد لا يُقْسَم مالٌ تَرَكَه لجهة الإرث
فأتى بلفظ: ((وَرَثَتَي)) ليكونَ الحُكم مُعلَّلاً بما بِه الاشتقاق، وهو الإرث، فالمنفيُّ اقتِسامُهم
بالإرثِ عنه، قاله السُّبکيُّ الکبیر.
قوله: ((ما تَرَكْت بَعْد نَفَقة نسائي ومُؤْنة عامِلي فهو صَدَقةٌ)) تقدَّم الكلام على المراد بقولِه:
((عاملي)) في أوائل فرض الخُمُس (٣٠٩٦) مع شرح الحديث، وحَكَيتُ فيه ثلاثة أقوال، ثمَّ
وجدتُ في ((الخصائص)) لابنِ دِحيةَ حكايةَ قولٍ رابع: أنَّ المراد خادِمُه، وعَبَّرَ عن العامل على
الصَّدَقة بالعاملِ على النَّخل وزاد أيضاً، وقيل: الأجير.
ويَتَحَصَّل من المجموع خمسةُ أقوال: الخليفة والصّانع والناظر والخادِمِ وحافِرٍ قَبْرِه عليه ٨/١٢
الصلاة والسَّلام، وهذا إن كان المراد بالخادِمِ الجِنِسَ، وإلّا فإن كان الضَّمير لِلنَّخْلِ فَنَّحِد

٣٠٠
باب ٣ / ح ٦٧٢٥ - ٦٧٣٠
فتح الباري بشرح البخاري
مع الصّانع أو الناظر، وقد تَرجَمَ المصنِّف عليه في أواخر الوصايا ((باب نَفَقة فَيِّم الوَقْف»
(٢٧٧٦) وفيه إشارة إلى ترجيح ◌َمْلِ العامِلِ على الناظر.
ومَّا يُسأل عنه تخصيص النِّساء بالنَّفَقة والمؤنة بالعاملِ، وهل بينهما مُغايرة؟ وقد
أجابَ عنه السُّبكيُّ الكبير بأنَّ المؤنة في اللُّغة: القيامُ بالكِفاية، والإنفاقُ: بَذْلُ القُوتِ، قال:
وهذا يقتضي أنَّ النَّفَقة دونَ المؤنة، والسِّرُّ في التَّخصيص المذكور الإشارة إلى أنَّ أزواجه وَِّ لمَّا
اختَرَنَ اللهَ ورسولَه والدَّارَ الآخِرَةَ كان لا بدَّ لهنَّ من القُوت فاقتَصَرَ على ما يدلّ عليه،
والعامل لمَّا كان في صُورة الأجير فيحتاج إلى ما يَكفيه اقتَصَرَ على ما يدلّ علیه، انتهى
مُلخَّصاً.
ويُؤيِّده قولُ أبي بكر الصِّدّيق: إنَّ حِرفَتي كانت تكفي عائلَتي فاشتَغَلت عن ذلك بأمرٍ
المسلمينَ، فجَعَلوا له قَدْر كِفایتِهِ (١).
ثمَّ قال السُّبكيُّ: لا يُعتَرَض بأنَّ عمرَ كان فضَّلَ عائشةَ في العطاء، لأَنَّه عَلَّلَ ذلك بمزيدٍ
حُبِّ رسولِ اللهِ ◌ّلها. قلت: وهذا ليس ممََّ بَدَأ به لأنَّ قسمةَ عمرَ كانت من الفُتوح.
وأمَّا ما يَتَعلَّق بحديثِ الباب ففيما يَتَعَلَّق بما خَلَّفَه النبيُّ نَّهِ وأنَّه يَبْدَأْ مِنه بما ذُكِرَ، وأفادَ
رَحِمَهَ الله أنَّه يَدخُل في لفظ: (نَفَقة نسائي)): كِسوتُهُنَّ وسائرُ اللَّوازِمِ، وهو كما قال، ومن ثَمَّ
استَمرَّتِ المساكن التي كُنَّ فيها قبلَ وفاته وَ ل# كلّ واحدةٍ باسم التي كانت فيه، وقد تقدَّم
تقريرُ ذلك في أوَّل فَرْض الخُمُس (٣٠٩٦)، وإذا انضَمَّ قولُه: ((إنَّ الذي نُخَلِّفُه صَدَقةٌ)) إلى
أنَّ آلَه تَحُرُمُ عليهم الصَّدَقَةُ تَحقَّقَ قولُه: ((لا نورث)).
وفي قول عمر: (يريد نفسَه)) إشارة إلى أنَّ النُّون في قوله: ((نورَث)) للمتكلِّم خاصّةً لا
للجمع، وأمَّا ما اشتَهَرَ في كُتُبِ أهلِ الأُصولِ وغيرهم بلفظ: ((نحنُ مُعاشرَ الأنبياء لا نورث))،
فقد أنكَرَه جماعة من الأئمَّة(٢)، وهو كذلك بالنِّسبة لخصوصٍ لفظ ((نحن)).
(١) سلف برقم (٢٠٧٠).
(٢) ومنهم ابن عديّ كما في ((الكامل في ضعفاء الرجال)) له ٨٦/٢.