النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ باب ٢٦ / ح ٦٦٩٢ - ٦٦٩٤ كتاب الأيمان والنذور قوله في آخر الباب: ((فنزلت: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَحَلَّ اَللَّهُ لَكَ﴾، ﴿إِن نَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ﴾ لعائشة وحفصة، ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَِهِ، حَدِيثًا﴾ لقولِه: بل شَرِبتُ عَسَلاً) قلت: أشكَلَ هذا السّياق على بعض مَن لم يُمارِس طريقة البخاريّ في الاختصار، وذلك أنَّ الحديث في الأصل عنده بتمامه كما تقدَّم (١)، فلمَّا أراد اختصاره هنا اقتَصَرَ مِنه على الكلمات التي تتعلَّق باليمين من الآيات، مُضيفاً لها تسمية مَن أُبهمَ فيها من آدميّ وغيره، فلمَّا ذكر: ﴿إِن نَنُوبَا﴾ فَسَّرَهما بعائشة وحفصة، ولمَّاً ذكر ((أسَرَّ حديثاً، فَسَّرَه بقولِه: ((لا، بل شَرِبت عَسَلاً)(٢). قوله: ((وقال إبراهيم بن موسى)) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره: قال لي إبراهيم بن موسى، وقد تقدَّم في التَّفسير (٤٩١٢) بلفظ: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ موسى. قوله: ((عن هشام)) هو ابن يوسف، وصَرَّحَ به في التَّفسير، وقد اختَصَرَ هنا بعض السَّنَد، ومُراده: أنَّ هشاماً رواه عن ابن جُرَيج بالسَّنَدِ المذكور والمتن إلى قوله: ((ولن أعود له))، فزاد: (وقد حَلَفت؛ فلا تُخبِرِي بذلكِ أحداً». ٢٦ - باب الوفاءِ بالنّذر وقولِ الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِلنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧] ٦٦٩٢ - حدَّثنا يحيى بنُ صالح، حدَّثنا فُلَيحُ بنُ سليمانَ، حدَّثنا سعيدُ بنُ الحارثِ: أنَّه سمعَ ابنَ عُمَرَ رضي الله عنهما يقول: أوَلم يُنْهَوْا عن النَّذْرِ؟ إنَّ النبيَّ ◌َّم- قال: ((إنَّ النَّذْرَ لا يُقدِّمُ شيئاً ولا يُؤَخِّرُ، وإِنَّا يُسْتَخْرَجُ بالنَّذْرِ منَ البَخِیلِ))./ ٥٧٦/١١ (١) وقع هنا بياض في أصول ((الفتح)) التي بين أيدينا. (٢) تقدم هذا الحديث بإسناده ومتنه في كتاب الطلاق (٥٢٦٧)، وكلام الحافظ رحمه الله على الحديث هناك ينقض ما قاله هنا، فكلامه هنا يُفهم منه أن قوله: ((لعائشة وحفصة)) بعد قوله تعالى: ﴿إِن نَنُباً إِلَى اللَّهِ﴾، وقوله ((لقوله: بل شربت عسلاً)) بعد قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِىُّ ... ﴾ الآية، إنما هو من صنع البخاري على طريقته في الاختصار، ولكنه هناك في الطلاق قرر أن هذه زيادات من أصل الحديث، وردَّ ما توهمه أولاً أن ذلك من ترجمة البخاري، لأنه وجده مذكوراً في آخر الحديث عند مسلم (١٤٧٤) (٢٠)، وقال: الصواب أنَّ ذلك من بقية حديث ابن عمير، يعني عن عائشة. قلنا: والذي يظهر أنه حرر المسألة فيما سبق في الطلاق ونسي أن يصوبها هنا، والله أعلم. ٢٠٢ باب ٢٦ / ح ٦٦٩٢ - ٦٦٩٤ فتح الباري بشرح البخاري ٦٦٩٣ - حدَّثْنَا خَلَادُ بنُ يحيى، حدَّثنا سفيانُ، عن منصورٍ، أخبرنا عبدُ الله بنُ مُرّةَ، عن عبدِ الله ابنِ عُمَرَ: نَهَى النبيُّ نَِّ عن النَّذْرِ، وقال: ((إنَّه لا يَرُدُّ شيئاً، ولكنَّه يُسْتَخْرَجُ به منَ الْبَخِيلِ)). ٦٦٩٤ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، حدَّثنا أبو الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال النبيُّ ◌َّ: (( لا يأتي ابنَ آدمَ النَّذْرُ بشيءٍ لم أكُن قَدَّرتُه، ولكن يُلْقِه النَّذْرُ إلى القَدَرِ قد قَدَّرتُه له، فیستَخْرِجُ الله به منَ البَخِيلِ، فُؤْتیني علیه ما لم یکن يُؤْتیني علیه من قبل)). قوله: ((باب الوفاء بالنَّذْرِ)) أي: حُكمُه أو فضلُه. قوله: ((وقولِ الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾)) يُؤخَذ مِنه أنَّ الوفاء به قُربةٌ؛ لِلنََّاءِ على فاعله، لكنَّ ذلك مخصوصُ بنَذرِ الطاعة، وقد أخرج الطَّبَرِيُّ(١) من طريق مجاهد في قوله تعالى: ﴿يُؤُونَ بِالنَّذْرِ﴾ قال: إذا نَذَروا في طاعة الله. قال القُرطُبِيّ: النَّذر من العُقود المأمورِ بالوفاءِ بها، المَثِيِّ على فاعلها، وأعلى أنواعِه: ما كان غيرَ مُعلَّقٍ على شيءٍ، كمَن يُعانَى من مرضٍ فقال: لله عليَّ أن أصومَ كذا أو أتصَدَّقَ بكذا شُكراً لله تعالى، ويليه المعلَّقُ على فِعل طاعة، كَإِن شَفَى الله مريضي صُمتُ كذا، أو صَلَّيت كذا، وما عَدا هذا من أنواعِه، كَنَذْرِ اللَّجاج، كمَن يَستَقِلُ عبدَه فيَنذِرُ أن يُعْتِقَه ليَتَخلَّص من صُحبَتِه، فلا يَقصِدُ القُربة بذلك، أو يَحِمِلُ على نفسه، فيَنذِر صلاةً كثيرة أو صوماً مَا يَشُقّ عليه فِعلُه ويَتَضَرَّر يُفِعِلِهِ، فإنَّ ذلك يُكرَه، وقد يَبلُغ بعضه التَّحريمَ. قوله: ((حدَّثنا يحيى بن صالح)) هو الوُحاظِيّ، بضمِّ الواو، وتخفيف الحاء المهمَلة، وبعد الألف ظاء مُعجَمة. قوله: ((سعيد بن الحارث)) هو الأنصاريّ. قوله: ((سمعت ابن عمر يقول: أوَلم يُنْهَوْا عن النَّذْر؟)) كذا فيه، وكأنَّه اختَصَرَ السُّؤال فاقتَصَرَ على الجواب، وقد بيَّنه الحاكم في (المستدرَك)) (٣٠٤/٤) من طريق المُعاَى بن سليمان، (١) أخرج الطبري في «تفسيره)) ٢٠٨/٢٩ بإسناده إلى مجاهد قال فيها: إذا نذروا في حق الله. وأخرج عن قتادة قال: ينذرون طاعة الله. وفي رواية أخرى عنه: بطاعة الله. ٢٠٣ باب ٢٦ / ح ٦٦٩٢ - ٦٦٩٤ كتاب الأيمان والنذور والإسماعيليُّ من طريق أبي عامر العَقَديِّ، ومن طريق أبي داود واللَّفظ له، قالا: حدَّثنا فُلَيحٌ عن سعيد بن الحارث قال: كنتُ عند ابن عمر، فأتاه مسعود بن عَمْرٍو أحدُ بني عَمْرو بن كعب، فقال: يا أبا عبد الرَّحمن، إنَّ ابني كان مع عمر بن عُبيد الله بن مَعمَر بأرضٍ فارس، فَوَقَعَ فيها وباءٌ وطاعونٌ شديدٌ، فجَعَلت على نفسي لَئِن سَلَّمَ الله ابني لَيَمشيَنَّ إلى بيتِ الله تعالى، فقَدِمَ علينا وهو مريضٌ، ثمَّ ماتَ، فما تقول؟ فقال ابن عمر: أوَلم تُنْهَوا عن النَّذر؟ إِنَّ النبيّ وَِّ ... فذكر الحديث المرفوع، وزادَ: أوفِ بنَذْرِك، وقال أبو عامر: فقلت: يا أبا عبد الرّحمن إِنَّمَا نَذَرتُ أن يَمشي ابني. فقال: أوفِ بنَذْرِك، قال سعيد ابنُ الحارث: فقلت له: أتعرِفُ سعيد بنَ المسيّب؟ قال: نعم. قلت له: اذهَب إليه ثمَّ أخبرني ما قال لك، قال: فأخبَرَني أنَّه قال له: امشٍ عن ابنك، قلت: يا أبا محمَّد وتَرَى ذلك مقبولاً؟ قال: نعم، أرأيتَ لو كان على ابنك دَينٌ لا قضاء له فقَضَيتَه، أكان ذلك مقبولاً؟ قال: نعم. قال: فهذا مِثل هذا. انتهى، وأبو عبد الرّحمن كُنيةُ عبد الله بن عمر، وأبو محمَّد كُنيةُ سعيد ابن المسيب. وأخرجه ابن حِبّان (٤٣٧٨) في النَّوع السادس والسِّينَ من القسم الثّالث، من طريق زيد بن أبي أُنيسةَ مُتابِعاً لِفُلَيح بن سليمان عن سعيد بن الحارث، فذكر نحوه بتمامه، ولکن لم يُسمِّ الرجلَ، وفيه: أنَّ ابن عمر لمَّا قال له: أوفِ بنَذْرِك، قال له الرجل: إِنَّمَا نَذَرتُ أن يَمشيَ ابني وإنَّ ابني قد ماتَ. فقال له: أوفٍ بنَذرِك، كَرَّرَ ذلك عليه ثلاثاً، فغَضِبَ عبد الله فقال: أوَلم تُنْهَوا عن النَّذر؟ سمعتُ رسول الله وَله ... ، فذكر الحديث المرفوع، قال سعيد: فلمَّا رأيتُ ذلك قلت له: انطَلِقٍ إلى سعيد بن المسيّب. وسياق الحاكم نحوه وأخصَرُ مِنه،/ ٥٧٧/١١ وقد وهمَ الحاكم في ((المستدرَك))، فإنَّ البخاريّ أخرجه كما تَرَى لكنِ اختَصَرَ القصَّة لِگَونِها موقوفةً. وهذا الفَرع غريب، وهو أن يَنذِر عن غيره فيَلَزَمَ الغيرَ الوفاءُ بذلك، ثمَّ إذا تَعذَّرَ لَزِمَ الناذِر! وقد كنتُ أستَشكِّلُ ذلك، ثمَّ ظَهَرَ لي أنَّ الابن أقَرَّ بذلك والتَزَمَ به، ثمَّ لمَّا ماتَ ٢٠٤ باب ٢٦ / ح ٦٦٩٢ -٦٦٩٤ فتح الباري بشرح البخاري أَمَرَه ابنُ عمر وسعيدٌ أن يفعل ذلك عن ابنه كما يفعل سائرَ القُرَب عنه، کالصومِ والحجّ والصَّدَقة، ويُحتمل أن يكون ذلك مُخْتَصّاً عندهما بما يقع من الوالد في حَقّ ولده، فيَنعَقِدُ لِوجوبٍ برّ الوالِد على الولد، بخِلَاف الأجنبيّ. وفي قول ابن عمر في هذه الرّواية: أوَلم تُنْهَوا عن النَّذْرِ، نظرٌّ، لأنَّ المرفوع الذي ذَكَره ليس فيه تصريحٌ بالنَّهي، لكن جاء عن ابنِ عمر التَّصريح، ففي الرِّواية التي بعدها من طريق عبد الله بن مُرّة - وهو الهَمْدانيُّ بسكونِ الميم - عن ابن عمر قال: نَهَى النبيُّ وَّ عن النَّذر. وفي لفظ لمسلم (٢/١٦٣٩) من هذا الوجه: أخَذَ رسول الله وَ ◌ّه يَنْهَى(١) عن النَّذْر. وجاء بصيغة النَّهي الصَّريحة في رواية العلاء بن عبد الرّحمن عن أبيه عن أبي هريرة عند مسلم (٥/١٦٤٠) بلفظ: ((لا تَنذِروا)). قوله: ((لا يُقدِّم شيئاً ولا يُؤَخِّر)) في رواية عبد الله بن مُرّة: ((لا يَرُدّ شيئاً)) وهي أعَمّ، ونحوها في حديث أبي هريرة: ((لا يأتي ابنَ آدم النَّذرُ بشيءٍ لم يكن قُدِّرَ له))، وفي رواية العلاء المشار إليها: ((فإنَّ النَّذر لا يُغني من القَدَر شيئاً))، وفي لفظ عنه (٦/١٦٤٠): ((لا يَرُدُّ القَدَر))، وفي حديث أبي هريرة عنده (١٦٤٠ /٧): ((لا يُقرِّبُ من ابن آدم شيئاً لم يكن الله قَدَّرَه له)). ومعاني هذه الألفاظ المختَلِفة مُتَقاربة، وفيها إشارة إلى تعليل النَّهي عن النَّذر. وقد اختَلَفَ العلماء في هذا النَّهي: فمنهم مَن حَمَلَه على ظاهره، ومنهم مَن تأوَّلَه؛ قال ابن الأثير في ((النِّهاية): تَكَرَّرَ النَّهي عن النَّذر في الحديث، وهو تأكيدٌ لأمره وتَحذيرٌ عن التَّهاوُن به بعد إيجابه، ولو كان معناه الزَّجرَ عنه حتَّى لا يُفعلَ، لكان في ذلك إبطال حُكمِه وإسقاط لُزوم الوفاء به، إذ كان بالنَّهي يصيرُ معصيةً فلا يَلزَم، وإنَّما وجه الحديث أنَّه قد أعلمَهم أنَّ ذلك أمرٌ لا يَجُرّ لهم في العاجل نَفعاً، ولا يَصِرِف عنهم ضُرّاً، ولا يُغيِّر قضاءً، فقال: لا تَنِذِروا على أنَّكم تُدرِكونَ بالنَّذرِ شيئاً لم يُقدِّره الله لكم، أو تَصرِ فوا به عنكم ما قَدَّرَه عليكم، فإذا نَذَرتُم فاخرُجوا بالوفاءِ، فإنَّ الذي نَذَرتُوه لازِمٌ لكم، انتهى كلامه. (١) في المطبوع من ((صحيح مسلم)): ينهانا. ٢٠٥ باب ٢٦ / ح ٦٦٩٢ - ٦٦٩٤ كتاب الأيمان والنذور ونَسَبَه بعض شُرّاح ((المصابيح)) لِلخَطّبيِّ، وأصلُه من كلام أبي عُبيدٍ فيما نَقَلَه ابن المنذر في كتابه ((الكبير))، فقال: كان أبو عُبيدٍ يقول: وجهُ النَّهي عن النَّذر والتَّشديد فيه ليس هو أن يكون مأثّماً، ولو كان كذلك ما أمَرَ الله أن يوفّى به ولا حَمِدَ فاعلَه، ولكنَّ وجهَه عندي تعظيمُ شأن النَّذر وتغليظُ أمره؛ لئلّا يُستَهانَ به، فيُفرَّط في الوفاء به ويُتَرَك القيام به. ثمّ استَدَلَّ بما وَرَدَ من الحَثّ على الوفاء به في الكتاب والسُّنّة. وإلى ذلك أشارَ المازَرِيُّ بقولِه: ذهب بعض علمائنا إلى أنَّ الغرض بهذا الحديث التَّحَفُّظ في النَّذر والحضُّ على الوفاء به. قال: وهذا عندي بعيدٌ من ظاهر الحديث، ويحتمل عندي أن يكون وجه الحديث أنَّ الناذِر يأتي بالقُربة مُستَثِقِلاً لها، لمَّا صارت عليه ضربةً لازِبٍ، وكلَّ مَلزومٍ فإنَّه لا يَنشَطُ لِلِفِعلِ نَشاطَ مُطلَق الاختيار، ويُحتمل أن يكون سببه أنَّ الناذِر لمَّا لم يَنذِرِ القُربة إلّا بشرطِ أن يُفعَل له ما يريد، صارَ كالمعاوضة التي تَفْدَحُ في نَّة المتقرِّب. قال: ويُشير إلى هذا التَّأويل قولُه: ((إنَّه لا يأتي بخيرٍ))(١)، وقولُه: ((إِنَّه لا يُقرِّبُ من ابن آدم شيئاً لم يكن الله قَدَّرَه له))(٢) وهذا كالنَّصِّ على هذا التَّعليل، انتهى. والاحتمال الأوَّل يَعُمّ أنواع النَّذر، والثّاني يَخُصّ نوع المجازاة. وزاد القاضي عياض: ويقال: إنَّ الإخبار بذلك وَقَعَ على سبيل الإعلام من أنَّه لا يُغالبُ القَدَرَ، ولا يأتي الخيرُ بسبِهِ، والنَّهي عن اعتقاد خِلَاف ذلك خَشْية أن يقع ذلك في ظنِّبعضٍٍ الجَهَلة. قال: ومُحصَّل مذهبٍ مالكِ: أنَّه مُباحٌ إلّا إذا كان مُؤَبَّداً؛ لِتَكَرُّره عليه في أوقات، فقد يَثْقُل عليه فِعلُه فيفعله بالتكلَّفِ من غير طِيب نفس، / وغير خالصِ النَّّة، فحينئذٍ يُكرَه. قال: ٥٧٨/١١ وهذا أحد مُتَمَلات قوله: ((لا يأتي بخيرٍ)) أي: إنَّ عُقباه لا تُحمَدُ وقد يَتَعذَّرُ الوفاءُ به، وقد یکون معناه: لا یکون سبباً لخيرٍ لم يُقدَّر، كما في الحديث. وبهذا الاحتمالِ الأخير صَدَّرَ ابنُ دَقيق العيد كلامَه، فقال: يُحتمل أن تكون الباء لِلسَّبَبيَّة، كأنَّه قال: لا يأتي بسببٍ خير في نفس الناذِرِ وطَبْعِهِ(٣) في طلبِ القُربة والطاعة من غير عِوضٍ (١) كما في حديث ابن عمر في رواية له عند مسلم (١٦٣٩) (٤). (٢) هي لفظة رواية مسلم (١٦٤٠) (٧) من حديث أبي هريرة. (٣) في (أ): ((وطمعه))، والمثبت من (س) وشرح ابن دقيق العيد على ((عمدة الأحكام)) ٢٦٧/٢. ٢٠٦ باب ٢٦ / ح ٦٦٩٢ - ٦٦٩٤ فتح الباري بشرح البخاري يَحَصُل له، وإن كان يَتَرتَّب عليه خيرٌ، وهو فِعلُ الطاعة التي نَذَرَها، لكن سبب ذلك الخير: حصولُ غَرَضِه. وقال النَّوويّ: معنى قوله: ((لا يأتي بخيرٍ)): أنَّه لا يَرُدُّ شيئاً من القَدَرِ، كما بيَّنْهِ الرِّواياتُ الأُخرى. تنبيه: قوله: ((لا يأتي)) كذا لِلأكثر، ووَقَعَ في بعض النُّسَخِ: ((لا يأتِ)) بغير ياء وليس بلحنٍ، لأنَّه قد سُمِعَ نَظيره من كلام العرب. وقال الخطَّبيُّ في ((الأعلام)): هذا بابٌ من العلم غريبٌ، وهو أن يُنْهَى عن فِعل شيءٍ حتَّى إذا فُعِلَ كان واجباً. وقد ذهب أكثر الشافعيَّة، ونَقَلَه أبو عليّ السِّنجيّ عن نَصِّ الشافعيّ: أنَّ النَّذْر مَكروه؛ لِثُبُوتِ النَّهي عنه. وكذا نُقِلَ عن المالكيَّة، وجَزَمَ به عنهم ابنُ دَقيق العيد، وأشارَ ابن العربيّ إلى الخِلاف عنهم والجزمِ عن الشافعيَّة بالكراهة، قال: واحتَجّوا بأنَّه ليس طاعةً مَحَضَة، لأَنَّه لم يُقْصَد به خالص القُربة، وإنَّما قَصَدَ أن يَنفَعَ نفسه أو يَدِفَعَ عنها ضَرَراً بما التَّزَمَه. وجَزَمَ الحَنابِلة بالكراهة، وعندهم روايةٌ في أنَّهَا كراهةُ تحريم، وتَوقَّفَ بعضهم في صِحَّتها. وقال التِّرمِذيّ - بعد أن تَرجَمَ كراهة النَّذر، وأورَدَ حديث أبي هريرة (١٥٣٨) ثمَّ قال: وفي الباب عن ابن عمر : العَمَلُ على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبيّ ◌َّ وغيرهم، كَرِهوا النَّذر، وقال ابن المبارك: معنى الكراهة في النَّذر: في الطاعة وفي المعصية، فإن نَذَرَ الرجل في الطاعة فوقَّى به فله فيه أجرٌ، ويُكرَه له النّذر. قال ابن دقيق العيد: وفيه إشكالٌ على القواعد، فإنَّها تقتضي أنَّ الوسيلة إلى الطاعة طاعةٌ، كما أنَّ الوسيلة إلى المعصية معصيةٌ، والنَّذرُ وسيلةٌ إلى التزام القُربة، فَيَلْزَم أن يكون قُربةً، إلّا أنَّ الحديث دلَّ على الكراهة. ثمَّ أشارَ إلى التَّعْرِقة بين نَذْر المجازاة فحَمَلَ النَّهي عليه، وبین نَذرٍ الابتداء فهو قُربٌ محضة. ٢٠٧ باب ٢٦ / ح ٦٦٩٢ - ٦٦٩٤ كتاب الأيمان والنذور وقال ابن أبي الدَّم(١) في ((شرح الوسيط)): القياسُ استحبابه، والمختارُ أنَّه خِلَاف الأولى وليس بمكروهٍ. كذا قال، ونوزِعَ بأنَّ خِلَاف الأولى: ما اندَرَجَ في عُموم نَهيٍ، والمكروه: ما نُهي عنه بخُصوصِه، وقد ثَبَتَ النَّهي عن النَّذر بخُصوصِه فيكون مكروهاً، وإنّي لَأتعجَّبُ ثَمَّن انطَلَقَ لسانُه بأنَّه ليس بمَكروهٍ مع ثُبُوتِ النهي (٢) الصَّريح عنه، فأقلَّ دَرَجاته أن يكون مكروهاً كراهةً تنزيه. ومَمَّن بَنَى على استحبابه: النَّويُّ في ((شرح المهذَّب)) فقال: إنَّ الأصحّ أنَّ التلفُّظ بالنَّذرِ في الصلاة لا يُبطِلها، لأنَّهَا مُناجاةٌ لله فأشبَةَ الدُّعاء. انتهى، وإذا ثَبَتَ النَّهي عن الشَّيء مُطلَقاً، فتركُ فِعله داخلَ الصلاة أولى، فكيف يكون مُستَحَبّاً؟ وأحسنُ ما يُحمَل عليه كلام هؤلاءِ نَذر التَّرُّر المحض، بأن يقول: لله عليَّ أن أفعل كذا، لا يُعلِّقَهُ(٣) على المجازاة. وقد ◌َلَ بعضُهم النَّهي على مَن عُلمَ من حاله عَدَم القيام بما التَزَمَه، حكاه شيخنا في ((شرح التِّرمِذيّ))، ولّا نَقَلَ ابنُ الرِّفعة عن أكثر الشافعيَّة كراهةَ النَّذر، وعن القاضي حُسَين والمتولّي بعده والغَزاليّ أنَّه مُستَحَبّ، لأنَّ الله أثْنَى على مَن وفَّى به، ولأَنَّه وسيلةٌ إلى القُربة فيكون قُربةً، قال: يُمكِن أن يُتوسَّط، فيقال: الذي دَلَّ الخبر على كَراهَته نَذرُ المجازاة، وأمَّا نَذْر التَّبِرُّر فهو قُربةٌ مَحَضة، لأنَّ لِلنّذِرِ فيه غَرَضاً صحيحاً، وهو أن يُتاب عليه ثواب الواجب، وهو فوق ثواب التطوُّع، انتھی. وجَزَمَ القُرطُبيّ في ((المفهم)) بحَملِ ما وَرَدَ في الأحاديث من النَّهي على نَذر المجازاة، فقال: هذا النَّهي محلّه أن يقول مثلاً: إن شَفَى الله مريضي فعليَّ صَدَقةٌ كذا، ووجهُ الكراهة (١) هو إبراهيم بن عبد الله بن عبد المنعم بن علي بن أبي الدم الهمداني الحموي الشافعي، كان إماماً في المذهب الشافعي، عالماً بالتاريخ، توفي سنة ٦٤٢هـ. انظر ((سير أعلام النبلاء)) ١٢٥/٢٣، و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة ٢/ ٩٩. (٢) لفظة ((النهي)) سقطت من (س). (٣) تحرفت في (س) إلى: أو لأفعلنه. ٢٠٨ باب ٢٦ / ح ٦٦٩٢ - ٦٦٩٤ فتح الباري بشرح البخاري أَنَّه لمَّ وقَفَ فِعلَ القُربة المذكور على حصول الغرض المذكور، ظَهَرَ أنَّه لم يَتَمَخَّض له نيَّة التَّقُّب إلى الله تعالى بما صَدَرَ مِنه، بل سَلَكَ فيها مَسلَك المعارضة، ويوضِّحه أنَّه لو لم يَشفِ ٥٧٩/١١ مريضَه، لم يَتَصَدَّق بما عَلَّقَه/ على شِفائه، وهذه حالة البخيل؛ فإنَّه لا يُخْرِج من ماله شيئاً إلّا بعِوضٍ عاجلٍ يزيد على ما أخرج غالباً. وهذا المعنى هو المشار إليه في الحديث بقولِه: ((وإنَّما يُستَخرَج به من البخيل ما لم يكن البخيلُ يُخْرِجه)(١) قال: وقد يَنضَمُّ إلى هذا اعتقاد جاهلٍ يَظُنّ أنَّ النَّذر يوجِب حصول ذلك الغرض، أو أنَّ الله يفعل معه ذلك الغرض لأجلِ ذلك النَّذر، وإليهما الإشارةُ بقولِه في الحديث أيضاً: ((فإنَّ النَّذر لا يَرُدّ من قَدَر الله شيئاً)، والحالة الأولى تُقارِب الكفر، والثّانية خطأُ صريح. قلت: بل تَقُرُب من الكفر أيضاً، ثمَّ نَقَلَ القُرطُبيّ عن العلماء حَمَ النَّهي الوارد في الخبر على الكراهة، وقال: الذي يظهر لي أَنَّه على التَّحريم في حَقّ مَن يُخَافُ عليه ذلك الاعتقادُ الفاسد، فيكون إقدامه على ذلك مُرَّماً، والكراهةُ في حَقّ مَن لم يَعتَقِد ذلك. انتهى، وهو تفصيلٌ حسنٌ، ويُؤيِّده قصَّة ابن عمر راوي الحديث في النَّهي عن النَّذر، فإنَّها في نَذر المجازاة. وقد أخرج الطَّبَريُّ (٢٠٨/٢٩) بسندٍ صحيح عن قَتَادة في قوله تعالى: ﴿يُوقُونَ بِلنَّذْرِ﴾ قال: كانوا يَنِذِرونَ طاعةَ الله من الصلاة والصيام والزكاة والحجّ والعمرة، وما افتُرِضَ عليهم، فسَّاهم الله أبراراً. وهذا صريحٌ في أنَّ الثََّاء وَقَعَ في غير نَذر المجازاة، وكأنَّ البخاريّ رَمَزَ في التَّرجمة إلى الجمع بين الآية والحديث بذلك. وقد يُشعِرِ التَّعبير بالبخيلِ: أنَّ المنهيّ عنه من النَّذر ما فيه مالٌ، فيكون أخصَّ من المجازاة، لكن قد يوصَف بالبُخلِ مَن تَكاسَلَ عن الطاعة، كما في الحديث المشهور: ((البخيل مَن ذُكِرتُ عنده فلم يُصَلِّ عليَّ)) أخرجه النَّسائيُّ (ك ٨٠٤٦ و٩٨٠٠-٩٨٠٢) وصَحَّحَه ابن حِبّان (٩٠٩)، أشارَ إلى ذلك شيخنا في ((شرح التِّرمِذيّ)). ثمَّ نَقَلَ القُرطُبيّ الاتّفاق على وجوب الوفاء بنَذْرِ المجازاة، لقولِهِوَّ: (مَن نَذَرَ أن يُطيع الله (١) هذا نحو لفظ رواية مسلم (١٦٤٠) (٧). ٢٠٩ باب ٢٦ / ح ٦٦٩٢ - ٦٦٩٤ كتاب الأيمان والنذور تعالى، فليُطِعِه))، ولم يُفرِّق بين المعلَّق وغيره. انتهى، والاتِّفاق الذي ذكره مسلّم، لكن في الاستدلال بالحديث المذكور لوجوبِ الوفاء بالنَّذرِ المعلَّق نظرٌ، وسيأتي شرحُه بعدَ بابٍ (٦٦٩٦). قوله: ((وإنَّما يُسْتَخْرَج بالنَّذْرِ من البخيل)) يأتي في حديث أبي هريرة الذي بعد بيانُ المرادِ بالاستخراجِ المذکورِ. قوله: ((من البخيل)) كذا في أكثر الرِّوايات، ووَقَعَ في رواية مسلم (٢/١٦٣٩) في حديث ابن عمر: ((من الشَّحيح)) وكذا لِلنَّسائيّ (٣٨٠٢، ٣٨٠٣)، وفي رواية ابن ماجَهْ (٢١٢٢): ((من اللَّئيم))، ومَدار الجميع على منصور بن المعتمِر عن عبد الله بن مُرّة، فالاختلاف في اللَّفظ المذكور من الرُّواة عن منصور، والمعاني مُتَقاربة، لأنَّ الشُّحّ أخصُّ، واللُّؤْمِ أعَمّ، قال الرَّاغِب: البُخل: إمساك ما يُقْتَنَى عمَّن يَسْتَحِقٌ، والشُّحّ: بُخلٌّ مع حِرصٍ، واللُّؤْم: فِعلُ ما يُلام عليه(١). قولُه في حديث أبي هريرة: ((لا يأتي ابنَ آدمَ النَّذْرُ بشيءٍ)) ابن آدم بالنَّصبِ مفعولٌ مُقدَّمٌ، والنَّذرُ، بالرَّفع هو الفاعل. قوله: ((لم أكُن قَدَّرْته)) هذا من الأحاديث القُدسيَّة لكن سَقَطَ مِنه التَّصريح بنِسَتِّه إلى الله عزَّ وجلَّ، وقد أخرجه أبو داود (٣٢٨٨) في رواية ابن العَبد عنه من رواية مالك، والنَّسائيُّ (٣٨٠٤) وابن ماجَهْ (٢١٢٣) من رواية سفيان الثَّوريِّ، كلاهما عن أبي الزّناد، وأخرجه مسلم (٧/١٦٤٠) من رواية عَمْرو بن أبي عمرو عن الأعرج، وتقدَّم في أواخر كتاب القَدَر (٦٦٠٩) من طريق همَّام عن أبي هريرة ولفظه: ((لم يكن قَدَّرته))، وفي رواية النَّسائيّ: ((لم أُقَدِّره عليه))، وفي رواية ابن ماجَهْ: ((إلّا ما قُدِّرَ له، ولكن يَغْلِبُهُ النَّذرُ فَأُقَدِّر له))، وفي رواية مالك: ((بشيءٍ لم يكن قُدِّرَ له، ولكن يُلقيه النَّذر إلى القَدَر قَدَّرته))، وفي (١) كذا نقل الحافظ رحمه الله عن الراغب في ((مفرداته)» في تعريف اللُّؤم، وهو ذهول وخلط منه، فإن ما نقله إنما هو في اللَّوم - بفتح اللام، وسكون الواو بغير همز - كما هو ظاهر، ولم يتعرض الراغب لبيان اللُّؤْم - بضم اللام والهمز-، ويمكن أن يقال فيه: هو أن يجتمع في الإنسان الشُّح ومهانةُ النفس ودناءة الآباء. ٢١٠ باب ٢٦ / ح ٦٦٩٢ - ٦٦٩٤ فتح الباري بشرح البخاري رواية مسلم: ((لم يكن الله قَدَّرَه له)). وكذا وَقَعَ الاختلافُ في قوله: ((فَيَستَخِرِج الله به من البخيل))، ففي رواية مالك: ((فُيُستَخرَجُ به)) على البناء لما لم يُسَمَّ فاعلُه، وكذا في رواية ابن ماجَهْ والنَّسائيِّ، وعنده(١): ((ولكنَّه شيء يُستَخرَج به من البخيل))، وفي رواية همَّام: ((ولكن يُلقيه النَّذر(٢) وقد قَدَّرته له، أَستَخرِج به من البخيل)، وفي رواية مسلم: ((ولكنَّ النَّذْر يوافق القَدَر، فيُخرَج بذلك من البخيل ما لم یکن البخیل یرید أن يُخْرِج». قوله: ((ولكن يُلْقيه النَّذْرُ إلى القَدَر)) تقدَّم البحث فيه في ((باب إلقاء العبد النَّذر إلى القَدَر)) ٥٨٠/١١ (٦٦٠٩)، وأنَّ هذه الرِّواية / مُطابقة لِلتَّرجمة المشار إليها. قال الكِرْمانيُّ: فإن قيل: القَدَر هو الذي يُلقيه إلى النَّذر، قلنا: تقدير النَّذر غير تقدير الإلقاء، فالأوَّل يُلحِتُه إلى النَّذر، والنَّذر(٣) يُلحِثُه إلى الإعطاء. قوله: ((فَيَسْتَخْرِج الله)) فيه التِفاتُ، ونَسَقُ الكلام أن يقال: فأستَخرِج، ليوافقَ قولَه أوَّلاً: (قَدَّرته)) وثانياً : ((فيُؤْتيني)). قوله: ((فُيُؤْتيني عليه ما لم يكن يؤتيني عليه من قبلُ)) كذا لِلأكثر، أي: يُعطيني، ووَقَعَ في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((يُؤِني)) بالجزمِ، ووُجِّهَت بأنَّهَا بَدَلٌ من قوله: ((يكن)) فجُزِمَت بـ(لم))، ووَقَعَ في رواية مالك: (يُؤتي)) في الموضعين، وفي رواية ابن ماجَهْ: «فيُيَسَّر عليه ما لم يكن يُسَّر عليه من قبلِ ذلك))، وفي رواية مسلم: ((فُيُخرَج بذلك من البخيل ما لم يكن البخيلُ يريد أن يُخِرِج)) وهذه أوضَحُ الرِّوايات. قال البَيْضاويّ: عادة الناس تعليق النَّذر على تحصيل مَنفَعةٍ أو دفع مَضَرّةٍ، فنُهي عنه لأَنَّه فِعلُ البُخَلاء، إذ السَّخِيُّ إذا أراد أن يَتَقَرَّب بادَرَ إليه، والبخيل لا تُطاوِعُه نفسه بإخراجٍ (١) تصحفت في (س) إلى: ((وعبدة))، ومعنى وعنده، أي: عند النسائي. (٢) ذكر الحافظ هناك أن هذه رواية الكشميهني، أما رواية الأكثر فهي ((القدر)) بدل ((النذر)). (٣) في الأصلين: والقدر، والمثبت من (س) وشرح الكرماني، وهو الوجه والله أعلم. ٢١١ باب ٢٦ / ح ٦٦٩٢ - ٦٦٩٤ كتاب الأيمان والنذور شيءٍ من يده إلّا في مُقَابَلة عِوضٍ يَستوفيهِ أوَّلاً، فيَلتَزِمُه في مُقابلة ما يَحِصُل له، وذلك لا يُغني من القَدَر شيئاً، فلا يَسوق إليه خيراً لم يُقدَّر له، ولا يَرُدّ عنه شَرّاً قُضِيَ عليه، لكنَّ النَّذر قد يوافق القَدَر فيُخرِج من البخيل ما لولاه لم يكن ليُخرِجَه. قال ابن العربيّ: فيه حُجّةٌ على وجوب الوفاء بما التَزَمَه الناذِرِ، لأنَّ الحديث نَصَّ على ذلك بقوله: ((يُستَخرَج به))، فإنَّه لو لم يَلزَمه إخراجه لمَا تَمَّ المراد من وصفِه بالبُخلِ من صُدُور النَّذر عنه، إذ لو كان مُخيَّراً في الوفاء به لاستَمرَّ - لِبُخلِه - على عَدَم الإخراج. وفي الحديث الردّ على القَدَريَّة، كما تقدَّم تقريره في الباب المشار إليه. وأمَّا ما أخرجه التِّرمِذيّ (٦٦٤) من حديث أنس: ((إنَّ الصَّدَقة تَدفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ)) فظاهرُه يعارضُ قوله: ((إنَّ النَّذر لا يَرُدُّ القَدَرَ))، ويُجمَع بينهما بأنَّ الصَّدَقة تكون سبباً لِدفع مِيّةٍ السُّوء، والأسباب مُقدَّرة كالمسبَّبات، وقد قال ◌َّ لمن سألَه عن الرُّقَى: هل تَرُدّ من قَدَرِ الله شيئاً؟ قال: ((هي من قَدَر الله)) أخرجه أبو داود والحاكم(١)، ونحوه قول عمر: نَفِرُّ من قَدَر الله إلى قَدَر الله، كما تقدَّم تقريره في كتاب الطِّبّ (٥٧٢٩)، ومثل ذلك مشروعيَّةُ الطِّبّ والنَّداوي. وقال ابن العربيّ: النَّذر شبيهٌ بالدُّعاءِ؛ فإنَّه لا يَرُدّ القَدَر ولكنَّه من القَدَر أيضاً، ومع ذلك فقد نُهي عن النَّذر ونُدِبَ إلى الدُّعاء، والسَّبَب فيه أنَّ الدُّعاء عبادةٌ عاجلةٌ، ويظهر به التَّوجُّه إلى الله والتَّضَرُّع له والخُضوع، وهذا بخِلَاف النَّذر، فإنَّ فيه تأخيرَ العبادة إلى حين الحصول، وتَركَ العَمَلِ إلى حين الضَّرورة، والله أعلم. (١) لم يخرجه أبو داود حسب النسخ والروايات التي بين أيدينا، أما الحاكم فقد أخرجه ٣٢/١ و١٩٩/٤ و٤٠٢ من حدیث حیکم بن حزام، وصححه. وأخرجه أحمد (١٥٤٧٢)، وابن ماجه (٣٤٣٧)، والترمذي (٢٠٦٥)، و(٢١٤٨)، والحاكم ٣٢/١ من حديث أبي خزامة، وإسناده ضعيف، كما بينا ذلك في هذه الكتب. ٢١٢ باب ٢٧ / ح ٦٦٩٥ فتح الباري بشرح البخاري وفي الحديث أنَّ كلّ شيءٍ يَبتَدُه المكلَّف من وجوه البِرّ أفضلُ مَمَا يَلتَزِمُه بالنَّذرِ، قاله الماورديّ. وفيه الحَتُّ على الإخلاص في عَمَل الخير، وذَمُّ الْبُخل، وأنَّ مَن اتَّبَعَ المأمورات واجتَنَبَ المنهيّات لا يُعَدُّ بخيلاً. تنبيه: قال ابن المنيِّر: مُناسَبة أحاديث الباب لِترجمة الوفاء بالنَّذرِ قوله: ((يُستَخرَج به من البخيل))، وإنَّما يُخْرِج البخيل ما تَعَّنَ عليه، إذ لو أخرج ما يَتَبَرَّع به لكان جَواداً. وقال الكِرْمانيُّ: يُؤخَذ معنى التَّرجمة من لفظ: ((يُستَخَرَج)). قلت: ويحتمل أن يكون البخاريُّ أشارَ إلى تخصيص النَّذر المنهيُّ عنه بنَذْرِ المعاوضَة واللَّجاج، بدليلِ الآية؛ فإنَّ الثَّناء الذي تَضَمَّتَه محمولٌ على نَذر القُربة، كما تقدَّم أوَّلَ الباب، فُيُجمَع بين الآية والحديث بتخصيصِ كلٍّ مِنهما بصورةٍ من صُوَر النَّذر، والله أعلم. ٢٧ - باب إثم من لا يفي بالنَّذر ٦٦٩٥- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن شُعْبةَ، قال: حدَّثني أبو جَمْرةَ، حدَّثنا زَهْدَمُ بنُ مُضرِّبٍ، قال: سمعتُ عِمْرانَ بنَ حُصَيٍ يُحدِّثُ، عن النبيِّ وَِّ، قال: ((خيرُكم قَرْني، ٥٨١/١١ ثمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم، ثمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم)) - قال عِمْرانُ:/ لا أدري ذكر ثِنتَينِ أو ثلاثاً بعدَ قَرْنِهِ -: ((ثمّ يَجِيءُ قومٌ يَنْذِرونَ ولا يَفُونَ، ويَخونونَ ولا يُؤْتَمنونَ، ويَشهَدونَ ولا يُسْتَشْهَدونَ، وَظْهَرُ فیھمُ السِّمَن)). قوله: ((بابُ إِثْمِ مَن لا يَفي بالنَّذْرِ)) كذا لأبي ذرٍّ، وسَقَطَ لغيره لفظ: إثم. ذكر فيه حديث عمران بن حُصَين في ((خير القُرون))، وفي سنده أبو جَمرة - وهو بالجيم والرَّاء - واسمه نَصْر بن عِمران، وزَهدَم - بمُعجَمةٍ أوَّلَه وزن جعفر - ابن مُضِّبٍ، بضمِّ الميم وفتح المعجَمة وتشديد الرَّاء المكسورة بعدها موحَّدة، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في الشَّهادات (٢٦٥١) وفي فضائل الصحابة (٣٦٥٠)، والغرض مِنْه هنا قوله: ((يَنْذَرونَ)) ٢١٣ باب ٢٨ / ح ٦٦٩٦ كتاب الأيمان والنذور بكسر الذّال، وبضمِّها، لُغَتان. قوله: ((ولا يَفُونَ)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((ولا يُوفونَ)) وهي رواية مسلم (٢١٤/٢٥٣٥)، وفي أُخرى له كالأولى، وهما لُغَتان أيضاً. قوله: ((ولا يُؤْ تَمنونَ)) أي: إنَّها خيانة ظاهرة بحيثُ لا يأمَنُهم أحدٌ بعد ذلك. قال ابن بَطّال ما مُلخَّصُه: سوَّى بين مَن يَخون أمانَته ومَن لا يَفي بنَذْره، والخيانة مذمومةٌ، فيكون تَرك الوفاء بالنَّذْرِ مذموماً، وبهذا تظهر المناسبة لِلتَّرجمة. وقال الباجيّ: ساقَ ما وَصَفَهم به مَساقَ العَيْب، والجائزُ لا يُعابُ، فدَلَّ على أنَّه غيرُ جائزٍ. ٢٨ - باب النّذرِ في الطّاعة ﴿وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ﴾ [البقرة: ٢٧٠]. ٦٦٩٦ - حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثْنا مالكٌ، عن طَلْحةَ بنِ عبدِ الملِكِ، عن القاسمِ، عن عائشةً رضي الله عنها، عن النبيِّ وَّةِ، قال: ((مَن نَذَرَ أن يُطِيعَ الله فلْيُطِعْه، ومَن نَذَرَ أن يَعْصِیَه فلا یَعْصِهِ)). [طرفه في: ٦٧٠٠] قوله: ((بابُ النَّذْرِ في الطّاعة)) أي: حُكمه. ويحتمل أن يكون (باب)) بالتَّنوين، ويريد بقولِه: («النَّذر في الطاعة)): حَصْرَ المبتَدَأ في الخبر، فلا يكون نَذرُ المعصية نَذراً شَرعيّاً. قوله: ((﴿وَمَآ أَنَفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ﴾)) ساقَ غير أبي ذرٍّ إلى قوله: ﴿مِنْ أَنْصَارٍ ﴾، وذَكَر هذه الآية مُشيراً إلى أنَّ الذي وَقَعَ الثََّاءُ على فاعله نَذرُ الطاعة، وهو يُؤْيِّدُ ما تقدَّم قريباً. قوله: ((عن طَلْحة بن عبد الَلِك)) هو الأَيلِيُّ - بفتح الهمزة وسكون المثنّاة من تحتُ - نَزِيلُ المدينة، ثقةٌ عندهم، من طبقة ابن جُرَيج، والقاسم: هو ابن محمَّد بنُ أبي بكر الصِّدّيق. وذكر ابنُ عبد البَرِّ عن قومٍ من أهل الحديث: أنَّ طلحة تفرَّد برواية هذا الحديث عن ٢١٤ باب ٢٨ / ح ٦٦٩٦ فتح الباري بشرح البخاري القاسم، وليس كذلك، فقد تابَعَه أيوب ويحيى بن أبي كثير عند ابن حِبّان (٤٣٨٨) - وأشارَ التِّرمِذيّ إلى رواية يحيى -، ومحمَّد بنُ أبانَ عند ابن عبد البَرِّ(١)، وعُبيد الله بنُ عمر عند الطَّحاويِّ (١٣٣/٣)، ولكن أخرجه التِّرمِذيّ (١٥٢٦) من رواية عُبيد الله بن عمر عن طلحة عن القاسم، وأخرجه البزَّار(٢) من رواية يحيى بن أبي كثير عن محمَّد بن أبانَ، فَرَجَعَت رواية عُبيد الله إلى طلحة، ورواية يحيى إلى محمَّد بن أبانَ، وسَلِمَت رواية أيوب من الاختلاف، وهي كافية في رَدِّ دَعوى انفِراد طلحة به، وقد رواه أيضاً عبد الرَّحمن بن المجَبَّر - بضمِّ الميم وفتح الجيم وتشديد الموحّدة(٣) - عن القاسم، أخرجه الطَّحاويّ. قوله: ((مَن نَذَرَ أن يُطيع الله فلْيُطِعْه ... )) إلى آخره، الطاعة أعَمُّ من أن تكون في واجبٍ أو مُستَحَبّ، ويُتصوَّر النَّذر في فِعل الواجب بأن يُؤَقِّتَهِ(٤)، كمَن يَنذِر أن يُصَلّيَ الصلاةَ في أَوَّل وقتها فيجب عليه ذلك بقَدرِ ما أقَّتَه، وأمَّ المستَحَبُّ من جميع العبادات الماليّة والبَدَنِيَّة ٥٨٢/١١ فيَنْقَلِب بالنَّذْرِ واجباً، ويَتَقَيَّد بما قَيَّدَه به/ الناذِرِ. والخبر صريحٌ في الأمر بوفاءِ النَّذر إذا كان في طاعة، وفي النَّهي عن تَرك الوفاء(٥) به إذا كان في معصية، وهل يجب في الثّاني كفَّارةُ يمينٍ أو لا؟ قولان للعلماءِ سيأتي بيانهما بعد بابين، ويأتي (١) كذا قال، ولعله سبق قلم من الحافظ رحمه الله، والصواب: عند ابن حبان (٤٣٩٠)، فقد أخرجه من طريق الأوزاعي عن محمد بن أبان، أما ابن عبد البر فقد أخرجه في ((التمهيد)) ٩٤/٦-٩٥ من رواية يحيى بن أبي كثير عن محمد بن أبان، كما سيشير الحافظ بعد قليل وينسبه - وهماً أيضاً - إلى البزار، فلم يروه البزار من هذه الطريق، وإنما رواه (٥٦٠٦) من طريق أبي أسامة عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر، رفعه، ثم قال البزار: أخاف أن يكون وهم فيه أبو أسامة، لأن ابن إدريس يرويه عن عبيد الله، عن طلحة، عن القاسم، عن عائشة، وهو الصواب عندي. انتهى. قلنا: وأخرجه أيضاً من طريق يحيى بن أبي كثير عن محمد بن أبان غير ابن عبد البر: البخاري في ((التاريخ الكبير)) ٣٣/١ و٣٣-٣٤، والطحاوي في ((شرح المعاني)) ١٣٣/٣، وأبو يعلى (٤٨٦٣). والله أعلم. (٢) كذا قال، وهو خطأ، انظر التعليق السابق. (٣) يعني: تشديد الموحدة المفتوحة، انظر ((توضيح المشتبه)) ٤٦/٨ لابن ناصر الدين. (٤) في (ع): يوفيه، والمثبت من (أ) و(س). (٥) كذا في الأصلين و(س)، ولعله سبق قلم، والصواب: وفي النهي عن الوفاء به إذا كان في معصية. وهكذا استظهرها في هامش (ع). ٢١٥ باب ٢٩ / ح ٦٦٩٧ كتاب الأيمان والنذور أيضاً بيانُ الحُكم فيما سَكَتَ عنه الحديث، وهو نَذر المباح. وقد قَسَمَ بعض الشافعيَّة الطاعة إلى قسمَينِ: واجبٌ عيْناً فلا يَنعَقِدُ به النَّذر، كصلاة الظُّهر مثلاً، وصِفَةٌ فيه فيَنْعَقِد، كَإيقاعِها أوَّلَ الوقت، وواجبٌ على الكفاية كالجهاد فيَنعَقِد. ومندوبُ عبادةٍ، عيناً كان أو كِفايةً فيَنْعَقِد، ومندوبٌ لا يُسَمَّى عبادةً كعيادة المريض وزيارةٍ القادِم، ففي انعقاده وجهان، والأرجَح انعِقاده، وهو قول الجمهور، والحديث يتناولُه، فلا يُخِصُّ من عُمُوم الخبر إلّ القسمُ الأوَّلُ، لأنَّ تحصيل الحاصل. ٢٩ - بابٌ إذا نذر أو حلف أن لا يكلِّم إنساناً في الجاهليّة، ثمّ أسلم ٦٦٩٧ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ مُقاتلِ أبو الحسنِ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا ◌ُبیدُ الله بنُ عمرَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، أنَّ عمرَ قال: يا رسولَ الله، إنَّ نَذَرْتُ في الجاهليَّةِ أن أعتَكِفَ ليلةً في المسجدِ الحرامِ، قال: ((أَوْفٍ بِنَذْرِكَ)). قوله: ((بابٌ إذا نَذَرَ أو حَلَفَ أن لا يُكلِّمَ إنساناً في الجاهليَّة، ثمَّ أسلَمَ)) أي: هل يجب عليه الوفاء أو لا؟(١) وذَكَر فيه حديثَ ابن عمر في نَذْر عمر في الجاهليَّة أنَّه يَعتَكِف، فقال له النبيُّ وَل: ((أوفٍ بنذرٍك)). قال ابن بَطّال: قاسَ البخاريُّ اليمينَ على النَّذر وتَرَكَ الكلام على الاعتكاف، فمَن نَذَرَ أو حَلَفَ قبل أن يُسلِم على شيءٍ يجب الوفاء به لو كان مسلماً، فإنَّه إذا أسلَمَ يجب عليه على ظاهر قصَّة عمر، قال: وبِه يقول الشافعيُّ وأبو ثور. كذا قال، وكذا نَقَلَه ابن حَزْم عن الإمام الشافعي، والمشهور عند الشافعيَّة: أنَّه وجهٌ (١) أقحم بعد هذا في (س) ما نصه: ((والمراد بالجاهليَّة: جاهليَّةُ المذكورِ، وهو حالُه قبل إسلامه، وأصل الجاهليّة: ما قبل البِعْثة، وقد تَرجَمَ الطَّحاويُّ لِهذه المسألة: مَن نَذَرَ وهو مُشِكٌ ثمَّ أسلَمَ، فأوضَحَ المراد))، وليس هذا من ((الفتح))، فلم ترد هذه الفقرة في الأصلين، ثم إنه سيأتي التنبيه من الحافظ في آخر الباب على المراد بالجاهلية هنا، والله أعلم. ٢١٦ باب ٢٩ / ح ٦٦٩٧ فتح الباري بشرح البخاري لِبعضِهم، وأنَّ الشافعيَّ وجُلَّ أصحابه على أنَّه لا يجب بل يُستَحَبّ، وكذا قال المالكيَّة والحنفيَّة، وعن أحمد في رواية: يَجِب، وبِهِ جَزَمَ الطَّبَرِيُّ والمغيرة بنُ عبد الرَّحمن من المالكيَّة، والبخاريُّ وداودُ وأتباعه. قلت: إن وُجِدَ عن البخاريّ التَّصريحُ بالوجوبِ قُبِلَ، وإلّا فمُجرَّد ترجمته لا تدلُّ على أنَّه يقول بوجوبِهِ، لأنَّ مُحْتَمَل لأن يقول بالنَّدبِ، فيكون تقدير جواب الاستفهام: يُندَب له ذلك. قال القابِسُّ: لم يأمر عمرَ على جهة الإيجاب، بل على جهة المشورة. كذا قال، وقيل: أراد أن يُعلِّمَهم أنَّ الوفاء بالنَّذِرِ من آكَدِ الأُمور، فغَلَّظَ أمره بأن أمَرَ عمر بالوفاءِ. واحتَجَّ الطَّحاويُّ بأنَّ الذي يجب الوفاء به ما يُتَقَرَّب به إلى الله، والكافرُ لا يَصِحُ مِنه التَّقْرُّب بالعبادة، وأجابَ عن قصَّة عمر باحتمال أنَّه وَّرَ فهمَ من عمر أنَّه سَمَحَ بأن يفعل ما كان نَذَرَه فأمَرَه به، لأَنَّ فِعله حينئذٍ طاعةٌ لله تعالى، فكان ذلك خِلَاف ما أوجَبَه على نفسه، لأنَّ الإسلام يَهدِم أمر الجاهليَّة. قال ابن دقيق العيد: ظاهر الحديث يُخالف هذا، فإن دَلَّ دليلٌ أقوى مِنه على أنَّه لا يَصِحُ من الكافر قَوِي هذا التَّأويل، وإلا فلا. قوله: ((عبد الله)) هو ابن المبارَكِ. قوله: ((عُبيدُ الله بن عمر)) هو العُمَريّ، ولعبد الله بن المبارك فيه شيخٌ آخر تقدَّم في غزوة حُنَينٍ (٤٣٢٠)، فأخرجه عن محمَّد بن مُقاتل عن عبد الله بن المبارك عن مَعمَر عن أيوب عن نافع، وأوَّلُ حديثه: لمَّا قَفَلنا من حُنَينٍ سألَ عمر ... فذكر الحديث، فأفادَ تعيينَ زمان السُّؤال المذكور، وقد بيَّنتُ الاختلاف على نافع ثمَّ على أيوب في وصلِه وإرساله هناك، وكذا ذكرتُ فيه فوائدَ زَوائدَ تتعلَّق بسياقه، وكذلك في فرض الخُمُس (٣١٤٤)، وتقدَّم في أبواب الاعتكاف (٢٠٣٢) ما يَتَعلَّق به، / وذكرتُ هناك ما يَرُدُّ على مَن زَعَمَ أنَّ عمر إنَّما نَذَرَ ٨٣/١١ بعد أن أسلَمَ، وعلى مَن زَعَمَ أنَّ اعتكاف عمر كان قبل النَّهي عن الصيام في اللَّيل، وبَقِيَ هنا ٢١٧ باب ٢٩ / ح ٦٦٩٧ كتاب الأيمان والنذور ما يَتَعَلَّقِ بِالنَّذْرِ إذا صَدَرَ من شَخصٍ قبل أن يُسلم ثمَّ أسلَمَ: هل يَلْزَمه؟ وقد ذكرتُ ما فيه. وقوله: ((أوفِ بنَذْرِك)) لم يَذكُر في هذه الرِّواية متى اعتَكَفَ، وقد تقدَّم في غزوة حُنَينٍ التَّصريح بأنَّ سؤاله كان بعد قَسْم النبيّ ◌َِّ غَنائم حُنَينٍ بالطائف، وتقدَّم في فرض الخُمُس أنَّ في رواية سفيان بن عُيَينَةَ عن أيوب من الزّيادة: قال عمر: فلم أعتَكِف حتَّى كان بعد ◌ُنَينِ، وكان النبيُّ وَّه أعطاني جاريةً من السَّبي، فبينا أنا مُعتَكِفٌ إذ سمعت تكبيراً ... فذكر الحديث فِي مَنِّ النبيّ ◌ََّ على هَوَازِنَ بإطلاق سَبِهِم. وفي الحديث لُزومُ النَّذر لِلقُربة من كلِّ أحدٍ حتَّى قبلَ الإسلام، وقد تقدَّمَتِ الإشارة إلیه. وأجابَ ابن العربيّ بأنَّ عمر لمَّا نَذَرَ في الجاهليَّة ثمَّ أسلَمَ، أراد أن يُكفِّر ذلك بمِثلِه في الإسلام، فلمَّا أرادَه ونَواه سألَ النبيِّ وَِّ فأعلمَه أنَّه لَزِمَه، قال: وكلُّ عبادة يَنفَرِد بها العَبد عن غيره تَنعَقِد بمُجرَّدِ النّيّة العازِمة الدَّائمة، كالنَّذرِ في العبادة، والطَّلاق في الأحكام، وإن لم يَتَلَفَّظ بشيءٍ من ذلك. كذا قال، ولم يوافق على ذلك، بل نَقَلَ بعضُ المالكيَّة الاتّفاق على أنَّ العبادة لا تَلزَم إلّا بالنّة مع القول أو الشُّروع، وعلى التنزّل، فظاهر كلام عمر مُجرَّدُ الإخبار بما وَقَعَ مع الاستخبار عن حُكمِه: هل لَزِمَ أو لا؟ وليس فيه ما يدلُّ على ما ادَّعاه من تجديد نيَّةٍ مِنه في الإسلام. وقال الباجيّ: قصَّة عمر هي كمَن نَذَرَ أن يَتَصَدَّق بكذا إِن قَدِمَ فلانٌ بعد شهر، فماتَ فلان قبل قُدومِه، فإنَّه لا يَلِزَم الناذِرَ قَضاؤُه، فإن فعَلَه فحسنٌ، فلمَّا نَذَرَ عمر قبل أن يُسلم وسألَ النبيَّ ◌َّهِ، أَمَرَه بوفائه استحباباً، وإن كان لا يَلْزَمه لأَنَّه التَزَمَه في حالةٍ لا ینعَقِد فيها. ونَقَلَ شيخنا في ((شرح التِّرمِذيّ)): أنَّه استُلِلَّ به على أنَّ الكفّار مُخاطَبونَ بفروع الشّريعة، وإن كان لا يَصِحُّ منهم إلّا بعد أن يُسلِموا، لأمرٍ عمر بوفاءِ ما التَزَمَه في الشِّرك، ونَقَلَ أنَّه لا يَصِحُّ الاستدلال به، لأنَّ الواجب بأصلِ الشَّرع كالصلاة لا يجب عليهم قَضاؤُها، فكيف يُكلَّفونَ بقضاءِ ما ليس واجباً بأصلِ الشَّرع؟ قال: ويُمكِن أن يُجاب بأنَّ الواجب ٢١٨ باب ٣٠ / ح ٦٦٩٨ - ٦٦٩٩ فتح الباري بشرح البخاري بأصلِ الشَّرع مُؤَقَّتٌ بوقتٍ، وقد خَرَجَ قبل أن يُسلِمِ الكافر، ففاتَ وقتُ أدائه فلم يُؤْمَر بقَضائه، لأنَّ الإسلام يَجُبُّ ما قبلَه، فأمَّا إذا لم يُؤَقِّت نَذْرَه فلم يَتَعيَّن له وقتٌ حتَّى أسلَمَ، فإيقاعه له بعد الإسلام يكون أداءً لاتِّساع ذلك باتِّساع العُمُرِ. قلت: وهذا البحث يُقَوِّي ما ذهب إليه أبو ثَورٍ ومَن قال بقولِهِ، وإن ثَبَتَ النَّقْل عن الشافعيِّ بذلك، فلعلَّه كان يقوله أوَّلاً فأخَذَه عنه أبو ثَور، ويُمكِن أن يُؤْخَذ من الفَرْق المذكور وجوب الحجّ على مَن أسلَمَ، لاتِّساع وقته، بخِلَاف ما فاتَ وقته، والله أعلم. تنبيه: المراد بقولِ عمر: في الجاهليَّة: قبل إسلامه، لأنَّ جاهليَّة كلّ أحدٍ بحَسَبِهِ، ووهمَ مَن قال: الجاهليَّة في كلامه: زَمَنُ فترة النُّة، والمراد بها هنا: ما قبل بعثة نبيّنا بَِّ، فإنَّ هذا يَتَوَقَّف على نَقلٍ، وقد تقدَّم أَنَّه نَذَرَ قبل أن يُسلم، وبين البِعْثة وإسلامه مُدّةٌ. ٣٠- باب من مات وعليه نذرٌ وأمَرَ ابنُ عمَرَ امرأةً جَعَلَت أمُّها على نفسِها صلاةً بقُباءٍ، فقال: صَلّي عنها. وقال ابنُ عبَّاسٍ نحوَه. ٦٦٩٨- حدّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني عُبيدُ الله بنُ عبدِ الله، أنَّ عبد الله بنَ عَبَّاسِ أخبره: أنَّ سَعْدَ بنَ عُبادةَ الأنصاريَّ اسْتَفْتَى النبيَّ ◌َهِ فِي نَذْرٍ ٥٨٤/١١ كان على أُمِّه، فتوُفِّيَت قبلَ أن تَقْضِيَه، فأفتاه أن يَقْضِيَه عنها، فكانت سُنّةً بَعْدُ./ ٦٦٩٩ - حدَّثنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن أبي بِشْرِ، قال: سمعتُ سعيدَ بنَ جُبَيٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: أتى رجلٌ النبيَّ نَّهِ فقال له: إنَّ أُخْتِي نَذَرَت أن تَحُجَّ، وإنَّها ماتت، فقال النبيُّ وَّهَ: ((لو كان عليها دَينٌ أكنتَ قاضِيَهُ؟)) قال: نعم، قال: ((فاقضِ الله، فهو أحقُّ بالقضاءِ)). قوله: ((بابُ مَن ماتَ وعليه نَذْر)) أي: هل يُقضَى عنه أو لا؟ والذي ذكره في الباب يقتضي الأوَّل، لكن هل هو على سبيل الوجوب أو النَّدب؟ خِلَافٌ يأتي بيانُه. ٢١٩ باب ٣٠ / ح ٦٦٩٨ -٦٦٩٩ كتاب الأيمان والنذور قوله: (وأمرَ ابنُ عمر امرأةً جَعَلَت أمُّها على نفسِها صلاةَ بِقُباءٍ)) يعني: فماتت ((فقال: صَلِّي عنها. وقال ابنُ عبّاسٍ نحوه) وَصَلَه مالك (٢/ ٤٧٢) عن عبد الله بن أبي بكر -أي: ابن محمّد بن عَمْرو ابن حَزْم - عن عَمَّته أنَّها حدَّثته عن جَدَّتِهِ: أنَّها كانت جَعَلَت على نفسها مَشياً إلى مسجد قُباءٍ، فماتت ولم تقضِه، فأفتَی عبدُ الله بن عبّاس ابنتها أن تمشيَ عنها. وأخرجه ابن أبي شَيْبةٍ(١) بسندٍ صحيحٍ عن سعيد بن جُبَير - قال مرَّة: عن ابن عبّاس - قال: إذا ماتَ وعليه نَذرٌ قَضَى عنه وليُّه. ومن طريق عَوْن بن عبد الله بن عُتبةَ(٢): أنَّ امرأة نَذَرَت أن تَعَتَكِفَ عشرة أيام، فماتت ولم تَعتَكِف، فقال ابن عبّاس: اعتَكِفِ عن أمّك. وجاء عن ابن عمر وابن عبَّاس خِلاف ذلك، فقال مالك في ((الموطَّأ)) (٣٠٣/١): إنَّه بَلَغَه أنَّ عبد الله بن عمر كان يقول: لا يُصَلّ أحدٌ عن أحدٍ، ولا يصومُ أحدٌ عن أحد. وأخرج النَّسائيُّ (ك٢٩٣٠) من طريق أيوب بنِ موسى عن عطاء بن أبي رَباحِ عن ابن عبّاسٍ قال: لا يُصَلّ أحدٌ عن أحد، ولا يصومُ أحدٌ عن أحد. أورَدَه ابن عبد البَرِّ (٢٦/٩-٢٧) من طريقه موقوفاً، ثمَّ قال: والنَّقْلُ في هذا عن ابن عبّاس مُضطَرِب (٣). قلت: ويُمكِن الجمع بحَملِ الإثبات في حَقّ مَن ماتَ، والنَّفي في حَقّ الحيّ، ثمَّ وجدتُ عنه ما يدلّ على تخصيصه في حَقّ المِّت بما إذا ماتَ وعليه شيءٌ واجب، فعند ابن أبي شَيْبة(٤) بسندٍ صحيحٍ: سُئلَ ابن (١) برقم (١٢٧٢٦) طبعة الجمعة واللحيدان. (٢) كذا قال: عون بن عبد الله بن عتبة، وكذا قال في ((تغليق التعليق)) ٢٠٤/٥، وقد ورد الأثر في ((مصنف ابن أبي شيبة)) في موضعين، الأول ٩٤/٣ من الطبعة الهندية، والثاني برقم (١٢٦٨٧) طبعة الجمعة واللحيدان، وفيهما: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وهو الصواب، بدليل ما أخرج عبد الرزاق (٨٠٣٢) من طريق عبد الكريم بن أبي أمية، قال: سمعت عبيد الله بن عبد الله يذكر أن أمه ماتت، وقد كان عليها اعتكاف، قال فبادرتُ إخوتي إلى ابن عباس فسألته ... فذكره. قلنا: فكان هو المبادر من بين إخوته، علماً بأنَّ عوناً هو أخوه، والله أعلم. (٣) انظر «التمهيد)» أيضاً ٢٠/ ٢٧ فقد نقل أنَّ الصحيح عن ابن عباس أن يصوم ولُّ الميّت عنه في النذر دون صيام رمضان. (٤) برقم (١٢٧٢٥) طبعة الجمعة واللحيدان. ٢٢٠ باب ٣٠ / ح ٦٦٩٨ -٦٦٩٩ فتح الباري بشرح البخاري عَبَّاسٍ عن رجلٍ ماتَ وعليه نَذرٌ فقال: يُصام عنه النَّذر. وقال ابن المنّيِّر: يحتمل أن يكون ابن عمر أراد بقولِه: صَلِّي عنها، العَمَلَ بقولِهِ وَلِّ: ((إذا ماتَ ابنُ آدم انقَطَعَ عَمَله إلّا من ثلاث))(١) فعَدَّ منها الولد لأنَّ الولد من كَسبه، فأعماله الصالحة مكتوبة لِلوالدِ من غير أن يَنقُصَ من أجره، فمعنى صَلِّي عنها: أنَّ صلاتَك مُكتَبةٌ لها ولو كنت إنّما تنوي عن نفسك. كذا قال، ولا يخفى تكلَّفُه، وحاصلُ كلامه تخصيصُ الجواز بالولد، وإلى ذلك جَنَحَ ابن وهب وأبو مُصعَب من أصحاب الإمام مالك، وفيه تَعقُّبٌ على ابن بَطّل حيثُ نَقَلَ الإجماع أنَّه لا يُصَلّي أحدٌ عن أحد، لا فرضاً ولا سُنّة، لا عن حَيٍّ ولا عن ميِّت، ونُقِلَ عن المهلَّب: أنَّ ذلك لو جازَ لَجَازَ في جميع العبادات البَدَنِيَّة، ولَكان الشّارع أحقَّ بذلك أن يفعله عن أبَويه، ولمَا نُهي عن الاستغفار لِعَمِّه، ولَبَطَلَ معنى قوله: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّنَفْسٍ إِلَّا عَلَيَّهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤]. انتهى، وجميع ما قال لا يخفى وجه تَعقُّبه، خُصوصاً ما ذكره في حَقّ الشّارع، وأمَّا الآية فعُمومُها مخصوصٌ اتِّفاقاً، والله أعلم. تنبيه: ذكر الكِرْمانيُّ أَنَّه وَقَعَ في بعض النُّسَخِ: ((قال: صَلّي عليها))، ووُجِّهَ بأنَّ ((على)) بمعنى ((عن)) على رأىٍ، قال: أو الضَّميرُ راجِعٌ إلى قُباءٍ. ثم ذكر المصنف حديث ابن عبّاس: أنَّ سعد بن عبادة استَفتَى في نَذرٍ كان على أمِّه، وقد تقدَّم شرحُه في كتاب الوصايا (٢٧٦١) وذكرتُ مَن قال فيه: عن سعد بن عبادة، فجعله من مُسنَدِهِ. قوله في آخر الحديث في قصَّة سَعْد بن عُبادةَ: ((فكانت سُنّةً بَعْدُ)) أي: صارَ قضاء الوارث ما على المورِّث طريقةً شَرعيَّةً أعَمّ من أن يكون وجوباً أو نَدباً، ولم أرَ هذه الزّيادة في غير رواية شُعَيب عن الزُّهْريّ، فقد أخرج الحديث الشَّيخان من رواية مالك واللَّيث(٢)، وأخرجه (١) أخرجه مسلم (١٦٣١) من حديث أبي هريرة. (٢) رواية مالك سلفت عند البخاري برقم (٢٧٦١)، ورواية الليث سلفت برقم (٦٩٥٩)، وهما عند مسلم (١٦٣٨).