النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ باب ١٨ / ح ٦٦٧٨ - ٦٦٨٠ كتاب الأيمان والنذور وأشارَ بقولِه: ((فيما لا يَملِك)) إلى ما وَقَعَ في بعض طرقِه كما سيأتي في ((باب الكفَّارة قبل الحِنث)) (٦٧٢١): فقال: ((والله لا أحِلُكم، وما عندي ما أحمِلُكم))، وقد أحلتُ بشرحِ الحديث على الباب المذكور. قال ابن المنيِّر: فهمَ ابنُ بَطّال عن البخاريّ أنَّه نَحا بهذه التَّرجمة لجهة تعليق الطَّلاق قبل مِلك العِصْمة، أو الحُرِّيَّة قبل مِلك الرَّقَبة، فَقَلَ الاختلاف في ذلك وبَسَطَ القول فيه والحُجَج، والذي يظهر أنَّ البخاريّ قَصَدَ غير هذا، وهو أنَّ النبيَّ نََّ حَلَفَ أن لا يَحِمِلهم، فلمَّا حَمَلهم راجَعوه في يمينه، فقال: ((ما أنا حَمَلتُكم ولكنَّ اللهَ حَلَكم))، فبيَّن أنَّ يمينَه إنَّما انعَقَدَت فيما يَملِك، فلو حَلهم على ما يَملِكُ لَحَنِثَ وكَفَّرَ، ولكنَّه حَمَلهم على ما لا يَملِكه مِلكاً خاصّاً وهو مال الله، وبهذا لا يكون قد حَنِثَ في يمينه. وأمَّا قوله عَقِبَ ذلك: ((لا أحلِفُ على يمينٍ فأرَى غيرها خيراً منها)) فهو تأسيسُ قاعِدةٍ مُبْتَدَأةٍ، كأنَّه يقول: ولو كنت حَلَفتُ ثمَّ رأيت تَرْك ما حَلَفت عليه خيراً مِنه لَأحَنتُ نفسي وكَفَّرت عن يميني، قال: وهم إنَّما سألوه ظنّاً أنَّه يَملِك ◌ُملاناً، فحَلَفَ لا يَحمِلُهم على شيءٍ يَملِكُه، لِكَونِه كان حينئذٍ لا يَملِك شيئاً من ذلك، قال: ولا خِلَافَ أَنَّ مَن حَلَفَ على شيءٍ وليس في مِلكِهِ أنَّه لا يفعلُ فِعلاً مُعلَّقاً بذلك الشَّيء، مِثل قوله: والله لَئِن رَكِيت مثلاً هذا البعير لَأَفعَلَن كذا، لِبعيرٍ لا يَملِكُه أنَّه لو مَلَكَه ورَكِبَه حَنِثَ، وليس هذا من تعليق اليمين على المِلْك. قلت: وما قاله مُحْتَمَل، وليس ما قاله ابن بَطّال أيضاً ببعيدٍ بل هو أظهَر، وذلك أنَّ الصحابة الذينَ سألُوا الْحُملان فهموا أنَّه حَلَفَ، وأنَّه فعل خِلَافَ ما حَلَفَ أَنَّه لا يفعله، فلذلك لمَّا أمَرَ لهم بالحُملان بعدُ، قالوا: تَغَفَّلْنا رسولَ اللهِوَلِّ يمِينَه، وظنّوا أنَّه نَسَيَ حَلِفَه الماضيَ، فأجابَهم أنَّه لم يَنسَ ولكنَّ الذي فعَلَه خيرٌ ممَّا حَلَفَ عليه، وأنَّه إذا حَلَفَ فرأى خيراً من يمينه فعَلَ الذي حَلَفَ أن لا يفعله، وكَفَّرَ عن يمينه، وسيأتي واضحاً في ((باب الكفَّارة قبل الحِنْث))، ويأتي مزيدٌ لمسألة اليمين فيما لا يَملِك في ((باب النَّذْر فيما لا يَملِك)) (٦٧٠٠) إن شاء الله تعالى. ١٨٢ باب ١٨ / ح ٦٦٧٩ - ٦٦٨٠ فتح الباري بشرح البخاري الحديث الثاني: ذكر طَرَفاً من حديث الإفك. وعبدُ العزيز شيخُه: هو ابن عبد الله الأويسيّ، وإبراهيم: هو ابن سعد، وصالح: هو ابن كَيْسانَ، وحَجّاجْ شيخُه في السَّنَد الثّاني: هو ابن المنهال. وقد أورَدَه عن عبد العزيز بطولِه في المغازي (٤١٤١)، وأورَدَ عن حَجّاجِ بهذا السَّنَد أيضاً مِنه قِطعةً في الشَّهادات (٢٦٣٧) تتعلَّق بقولِ بَريرة: ما علمتُ إلّا خيراً، وقِطعةً في الجهاد (٢٨٧٩) فيمَن أراد سَفَراً فأقرَعَ بين نسائه، وقِطعةً في تفسير سورة يوسف (٤٦٩٠) مقروناً أيضاً برواية عبد العزيز في قول يعقوب: ﴿فَصَبْرٌ جميلٌ﴾ [يوسف: ١٨]، وقِطعةً في غزوة بدر (٤٠٢٥) في قصَّة أمّ مِسطَح وقولٍ عائشةً لها: تَسُبِّينَ رجلاً شَهِدَ بدراً! وقِطعةً في الَّوحيد (٧٥٠٠) في قول عائشة: ما كنت أظنُّ أنَّ اللهَ يُنزِلُ في شأني وحياً يُتْلَى. ومجموع ما أورَدَه عنه لا يَجِيءُ قَدَرَ عُشْر الحديث. والغرض مِنه قوله فيه: قال أبو بكر الصِّدّيق - وكان يُنفِقِ على مِسطَح -: والله لا أُنِفِقُ على مِسطَح. وهو موافقٌ لِتَركِ اليمين في المعصية، لأنَّه حَلَفَ أن لا يَنفَعَ مِسطَحاً، لِكلامه في عائشة، فكان حالفاً على تَرْك طاعة، فنُهي عن الاستمرار على ما حَلَفَ عليه، فيكون النَّهي عن الخَلِف على فِعل المعصية بطريق الأولى، والظّاهر من حاله عند الخَلِفِ أن يكون قد غَضِبَ ٥٦٦/١١ على مِسطح من أجل قوله الذي قاله./ وقال الكِرْمانيُّ: لا مُناسَبة لهذا الحديث بالجزءَين الأوَّلينَ إلّا أن يكون قاسَهُما على الغَضَب، أو المراد بقولِه: وفي المعصية: وفي شأن المعصية، لأنَّ الصِّدّيق حَلَفَ بسببٍ إفك مِسطَح، والإفك من المعصية، وكذا كلّ ما لا يَملِك الشَّخص، فالخَلِفِ عليه موجِبٌ لِلتَّصَرُّفِ فيما لا يملك فِعْلَ(١) ذلك، أي: ليس له أن يفعله شرعاً، انتهى. ولا يخفى تكلّفُه، والأَولى أنَّه لا يَلزم أن يكون كلّ خَبَرٍ في الباب يُطابِقِ جميع ما في التَّرجمة. (١) تحرَّفت في (س) إلى: لا يملكه قبل. ١٨٣ باب ١٩ كتاب الأيمان والنذور ثمَّ قال الكِرْ مانيُّ: الظّاهر أنَّه من تَصَرُّفات النَّقَلة من أصل البخاريّ، فإنَّه ماتَ وفيه مواضعُ مُبيَّضةٌ من تَراجِمَ بلا حدیثٍ، وأحاديثُ بلا ترجمةٍ، فأضافوا بعضاً إلى بعض. قلت: وهذا إنَّما يُصار إليه إذا لم تَتَّجِه المناسَبة، وقد بيَّنّا توجيهَها، والله أعلم. الحديث الثالث: قوله: ((حدَّثْنا أبو مَعْمَر)) هو عبد الله بن عَمْرو، وعبدُ الوارث: هو ابن سعيد، وأيوب: هو السَّختيانيّ، والقاسم: هو ابن عاصم، وزَهدَم: هو ابن مُضَرِّب الجْميّ، والجميع بَصْريّونَ. وقوله: ((فوافَقْتُه وهو غَضْبان)) مُطابِقٍ لِبعضِ التَّرجمة، وفي القصّة نحو ما في قصَّة أبي بكرٍ من الحَلِفِ على تَرْك طاعة، لكن بينهما فرقٌ، وهو أنَّ حَلِفَ النبيّ ◌َّهِ وَافَقَ أن لا شيءَ عنده ممّاً حَلَفَ عليه، بخِلَاف حَلِفِ أبي بكرٍ، فإنَّه حَلَفَ وهو قادِرٌ على فِعل ما حَلَفَ على تَركِهِ. قال ابن المنيِّر: لم يَذكُر البخاريّ في الباب ما يناسب ترجمة اليمين على المعصية، إلّا أن يُريدَ بيمين أبي بكر على قَطيعة مِسطَح، وليست بقَطيعةٍ، بل هي عُقوبةٌ له على ما ارتَكَبَ من المعصية بالقَذْف، ولكن يُمكِن أن يكون أبو بكرٍ حَلَفَ على خِلَاف الأَوْلى، فإذا نُهي عن ذلك حتَّى أحنَثَ نفسه، وفعل ما حَلَفَ على تَركه، فمَن حَلَفَ على فِعل المعصية يكون أولى. قال: وكذلك قوله: «فأَرَى خيراً منها)» يقتضي أنَّ الِحِنث لِفِعلِ ما هو الأَوْلى يقتضي الحِنثَ لِتَركِ ما هو معصية بطريق الأَوْلى، قال: ولهذا يُقضَى بحِنثِ مَن حَلَفَ على معصية من قبل أن يفعلها. انتهى، والقضاء المذكور عند المالكيَّة كما سيأتي بَسطُه في ((باب النَّذر في المعصية)) (٦٧٠٠). قال ابن بَطّال: في حديث أبي موسى الردّ على مَن قال: إنَّ يمينَ الغَضبان لَغوٌ. ١٩ - بابٌ إذا قال: والله لا أتكلّم اليوم، فصلّى أو قرأ أو سبّح أو کېر أو حمد أو هلّل، فهو على نيّته وقال النبيُّ وَّ: ((أفضلُ الكلام أربعٌّ: سُبْحانَ الله، والحمدُ لله، ولا إلهَ إلّ الله، والله أكبر)). قال أبو سفيانَ: كَتَبَ النبيُّ نَّهِ إلى هِرَقْلَ: ﴿تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤]. ١٨٤ باب ١٩ / ح ٦٦٨١ - ٦٦٨٣ فتح الباري بشرح البخاري وقال مجاهدٌ: كَلِمةُ النَّقوى: لا إلهَ إلّ الله. ٦٦٨١- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني سعيدُ بنُ المسيّبِ، عن أبيه، قال: لمَّا حَضَرَت أبا طالبِ الوفاةُ، جاءه رسولُ اللهَ وَّةِ، فقال: ((قُل: لا إلهَ إلّا الله، كلمةً أُحاجُ لكَ بها عندَ الله)). ٦٦٨٢ - حدَّثنا قُتَيَبةُ بنُ سعيدٍ، حَدَّنا محمَّدُ بنُ فُضَيلٍ، حَدَّثنا عمارةُ بنُ القَعْقاع، عن أبي زُرْعةً، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَِّ: ((كَلِمَتان خَفِيفَتَان على اللِّسان، ثَقِيلَتان في الميزان، حَبيبَتَانِ إلى الرَّحمن: سُبْحانَ الله وبِحَمْدِه، سُبْحانَ الله العظيمِ)). ٦٦٨٣ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا عبدُ الواحدِ، حدَّنا الأعمَشُ، عن شَقِيقٍ، عن ٥٦٧/١١ عبدِ الله/َّ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهَ كلمةً وقلتُ أُخرى: ((مَن ماتَ يجعلُ لله نِدّاً أُدْخِلَ النارَ))، وَقلتُ أُخرى: مَن ماتَ لا يجعلُ لله نِدّاً أُدْخِلَ الجنَّة. قوله: ((بابٌ إذا قال: والله لا أتكلّمُ اليومَ، فصَلَّى أو قرأ أو سَبَّحَ - إلى أن قال - فهو على نَّتِه)) أي: إن أراد إدخال القراءة والذِّكر، حَنِثَ إذا قرأ أو ذَكَر، وإن أراد أن لا يُدخِلَهما لم يَجَنَث، ولم يَتعرَّض لما إذا أطلقَ، والجمهور على أنَّه لا يَحِنَث، وعن الحنفيَّة: يَحِنَث، وفَرَّقَ بعضُ الشافعيَّة بين القرآن، فلا يَحِنَثُ به ويَحِنَثُ بالذِّكر، وحُجّة الجمهور: أنَّ الكلام في العُرف يَنصَرِف إلى كلام الآدميّينَ، وأنَّه لا يَحِنَثُ بالقراءة والذِّكر داخل الصلاة، فليكن كذلك خارجها، ومن الحُجّة في ذلك الحديث الذي عند مسلم (٥٣٧): ((إنَّ صلاتنا هذه لا يَصلُح فيها شيءٌ من كلام الناس، إنَّما هو التَّسبيح والتكبير وقراءة القرآن)) فحَكَمَ لِلذِّكرِ والقراءة بغير حُكم كلام الناس. وقال ابن المنيِّر: معنى قول البخاريّ: هو على نيَّتَه، أي: العُرفيَّة، قال: ويحتمل أن يكون مُرادُه أنَّه لا يَحِنَث بذلك إلّا إن نَوى إدخاله في نيَتَه، فيُؤخَذ مِنه حُكمُ الإطلاق، قال: ومن فُروع المسألة: لو حَلَفَ: لا كَلَّمتُ زيداً ولا سَلَّمت عليه، فصَلَّى خَلفَه، فسَلَّمَ الإمام وسَلَّمَ المأموم التَّسليمةَ التي يَخْرُج بها من الصلاة، فلا يَحَنَث بها جَزماً، بخِلَاف التَّسليمة التي يَرُدُّ ١٨٥ باب ١٩ / ح ٦٦٨١-٦٦٨٣ كتاب الأيمان والنذور بها على الإمام، فلا يَحَنَث أيضاً، لأنَّها ليست ممّا يَنويه الناس عُرفاً، وفيه الخِلاف. انتهى، وهو على مذهبهم، ويأتي نَظيرُه عندَنا في التَّسليمة الثّانية، إذا كان مَن حَلَفَ لا يُكلِّمه، عن یساره، فلا يحنث إلّا إِن قَصَدَ الردّ علیه. قوله: ((وقال النبيّ وَّةَ: أفضلُ الكلام أربعٌ: سُبْحان الله ... )) إلى آخره، هذا من الأحاديث التي لم يَصِلها البخاريّ في موضعٍ آخرَ، وقد وَصَلَه النَّسائيُّ (ك١٠٦٠٨) من طريق ضِرار ابن مُرّة عن أبي صالحٍ عن أبي سعيدٍ وأبي هريرةَ مرفوعاً بلفظه. وأخرجه مسلم (٢١٣٧) من حديث سَمُرة بن جُندَبِ لكن بلفظ: ((أحبُّ)) بَدَل ((أفضلُ))، وأخرجه ابن حِبّان (٨٣٩) من هذا الطَّريق بلفظ: ((أفضل)). ولِحِديثِ أبي هريرة طريق أُخرى أخرجها النَّسائيُّ (ك١٠٦٠٩)، وصَحَّحَها ابن حِبّان (٨٣٦ و١٨١٢) من طريق أبي حمزة السُّكَّريّ عن الأعمش عن أبي صالح عنه، بلفظ: ((خير الكلامِ أربعٌ لا يَضُرّك بأَمِِّنَّ بَدَأْت)) فذكره. وأخرجه أحمد (١٦٤١٢) عن وكيعٍ عن الأعمَش، فأبهَمَ الصحابيّ. وأخرجه النَّسائيُّ (ك١٠٦١١) من طريق سُهَيل بن أبي صالح عن أبيه عن السَّلوليِّ عن کعب الأحبار من قوله. وقد بيَّنْتُ معاني هذه الألفاظ الأربعة في ((باب فضل التَّسبيح)) من كتاب الدَّعَوات (٦٤٠٥). قوله: ((وقال أبو سُفْيان: كَتَبَ النبيُّ ◌َّهِ إلى هِرَقْل: ﴿تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَآِ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾)» هذا طَرَفٌ ذكره بالمعنى من الحديث الطَّويل، وقد شَرَحتُه بطولِه في أوَّل (الصَّحيح)) (٧)، وفي تفسير آلَ عِمرانَ (٤٥٥٣)، والغرض منه ومن جميع ما ذُكِرَ في الباب: أنَّ ذِكْر الله من جُملةِ الكلام، وإطلاقُ: ((كلمةٍ)) على مِثل: سبحانَ الله وبِحَمِدِه، من إطلاق البعض على الكلّ. ١٨٦ باب ١٩ / ح ٦٦٨١ - ٦٦٨٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وقال مجاهد: كَلِمةُ التَّقوى(١): لا إلهَ إلّا الله)) وَصَلَه عبدُ بنُ حُميدٍ من طريق منصور ابن المعتمِر عن مجاهد بهذا، موقوفاً على مجاهد(٢). وقد جاء مرفوعاً من أحاديث جماعةٍ من الصحابة، منهم: أَبِيُّ بن كعب وأبو هريرة وابن عبّاسٍ وسَلَمة بن الأكوع وابن عمر، أخرجها كلَّها أبو بكر بن مَرْدويه في ((تفسيره)). وحديث أُبيّ عند التِّرمِذيّ (٣٢٦٥)، وذكر أنَّه سألَ أبا زُرْعة عنه فلم يَعرِفه مرفوعاً إلّا من هذا الوجه، وأخرجه العبَّاس التَّرقُفي(٣) في ((جُزِئِه)) المشهور موقوفاً على جماعةٍ من الصحابة والتابعين. ثم ذَكَرَ في الباب ثلاثة أحاديث: حديث سعيد بن المسيّب عن أبيه: لمَّا حَضَرَت أبا طالبِ الوفاةُ، الحديث مختصر، وقد تقدَّم بتمامه وشرحه في السِّيرة النبويَّة (٣٨٨٤)، والغرض منه قوله بَّة: ((قُل: لا إلهَ إلّا الله كلمةً ٥٦٨/١١ أُحاجُ)) بضمٍّ أوَّله وتشديد آخره، وأصله: / أُحاجِجِ، والمراد: أُظهِرُ لك بها الحُجّة. وحديث أبي هريرة: ((كَلِمَتان خفيفَتان على اللِّسان ... )) الحديث، وقد تقدَّم في الدَّعَوات (٦٤٠٦)، ويأتي شرحه مُستَوقَّى في آخِرِ الكتابِ (٧٥٦٣). وحديث عبد الله - وهو ابن مسعود - قال: قال رسول الله وَّ كلمةً وقلتُ أُخرى ... الحديث، وقد مضى الكلام عليه في أوائل كتاب الجنائز (١٢٣٨)، وذكرت ما وَقَعَ لِلنَّويِّ فيه، ووَقَعَ في تفسير البقرة (٤٤٩٧) بيانُ الكلمة المرفوعة من الكلمة الموقوفة (٤)، قال الكِرْمانيُّ: (١) يعني في قوله تعالى: ﴿وَأَلْزَّمَهُمْ كَلِمَةَ النَّقْوَى﴾ [الفتح: ٢٦]. (٢) وأخرجه من طريق منصور عن مجاهد أيضاً: الطبري في ((تفسيره)) ٢٦/ ١٠٥، وأخرجه الطبراني في ((الدعاء)) (١٦٢٠) من طريق شريك، عن ليث، عن مجاهد، قوله. (٣) التَّرقُّفي بفتح التاء المثناة ثالث الحروف وضم القاف، نسبة إلى ترقف من أعمال واسط، حسب ظن السمعاني في («الأنساب)) ٤١/٣، وهو أبو محمد العباس بن عبد الله بن أبي عيسى الترقفي، توفي سنة ٢٦٧هـ. وتحرفت الترقفي في (ع) إلى: الريفي، وفي (س) إلى: أبو العباس البربقي. (٤) وتكلم على ذلك في الجنائز أيضاً. ١٨٧ باب ٢٠ / ح ٦٦٨٤ كتاب الأيمان والنذور المتَّجِه أن يقول: مَن ماتَ لا يجعل لله نِدّاً لا يَدخُل النار، لكن لمَّا كان دخول الجنَّة مُحقَّقاً لِلموحِّدِ جَزَمَ به، ولو كان آخِراً. ٢٠ - باب مَن حَلَف أن لا يدخُل على أهله شهراً، وكان الشّهر تسعاً وعشرين ٦٦٨٤ - حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سليمانُ بنُ بلالٍ، عن مُميدٍ، عن أنسٍ، قال: آلَى رسولُ اللهِ وَّهِ من نسائه، وكانت انفَكَّت رِجْلُه، فأقامَ في مَشْرُبةٍ تسعاً وعِشْرِينَ ليلةً، ثمّ نزلَ، فقالوا: يا رسولَ الله، آلَيتَ شَهْراً؟ فقال: ((إنَّ الشَّهْرَ يكونُ تسعاً وعِشْرِينَ». قوله: ((بابُ مَن حَلَفَ أن لا يَدخُل على أهله شَهْراً، وكان الشَّهْر تسعاً وعِشْرِينَ)) أي: ثمَّ دَخَلَ فإنَّه لا يَحِنَث، هذا يُنْصوَّر إذا وَقَعَ الَلِفِ أوَّل جُزءٍ من الشَّهر اتِّفاقاً، فإن وَقَعَ في أثناء الشَّهر ونَقَصَ، هل يَتَعَيَّن أن يُلَفِّق ثلاثينَ أو يَكتَفيَ بتسعٍ وعشرينَ؟ فالأوَّل قول الجمهور، وقالت طائفة منهم ابنُ عبد الحَكَم من المالكيَّة بالثّاني، وقد تقدَّم بيان ذلك في آخر شرح حديث عمر الطّويل في آخر النِّكاح (٥١٩١)، ومضى الكلام على تفسير الإيلاء وعلى حديث أنس المذكور في هذا الباب في باب الإيلاء (٥٢٨٩). واحتَجَّ الطَّحاويُّ لِلجُمهورِ بالحديث الصَّحيح الماضي في الصيام (١٩٠٧) بلفظ: ((الشَّهر تِسعٌ وعشرونَ، فإذا رأيتُموه فصوموا وإذا رأيتُموه فأفطِروا، فإذا غُمَّ عليكم فأكمِلوا ثلاثينَ))، قال: فأوجَبَ عليهم إذا أُغميَ ثلاثينَ، وجعله على الكمال حتَّى يَرَوا الهلال قبل ذلك. قلت: وهذا إنَّما يُحتَجّ به على مَن زَعَمَ أنَّه إذا وَقَعَت يمينُه في أثناء الشَّهر أن يَكتَفيَ بتسعٍ وعشرينَ، سواء كان ذلك الشَّهر الذي حَلَفَ فيه تسعاً وعشرينَ أو ثلاثينَ، وقد نَقَلَ هو هذا المذهب عن قوم. وأمَّا قول ابن عبد الحَكَم، فإنَّما يَصلُح تَعقُّبُه بحديثٍ عائشة، قالت: لا والله ما قال رسول الله وَله: إنَّ الشَّهر تِسْعٌ وعِشرونَ، وإنَّ)(١) - والله - أعلمُ بما قال في ذلك، إنَّه قال (١) كذا في الأصلين و(س)، والذي في ((شرح معاني الآثار)): ((أنا)) وهي أوجه. ١٨٨ باب ٢١ / ح ٦٦٨٥-٦٦٨٦ فتح الباري بشرح البخاري حين هَجَرَنا: ((لَأَ هجُرَنَّكُنَّ شهراً)) ثمَّ جاء لِتسع وعشرين، فسألتُه فقال: ((إنَّ شهرَنا هذا كان تسعاً وعشرين)). قال الطَّحاويُّ بعد تخريجه (٣/ ١٢٤): يُعرَف بذلك أنَّ يمينه كانت مع رؤية الهلال. كذا قال، وليس ذلك صريحاً في الحديث، والله أعلم. ٢١ - بابٌ إن حلف أن لا يشرب نبيذاً، فشرب طِلاءً أو سَكَراً أو عصيراً، لم يحنث في قول بعض الناس، وليست هذه بأنبذةٍ عنده ٦٦٨٥ - حدَّثني عليٌّ، سمعَ عبد العزيزِ بنَ أبي حازِمٍ، أخبرني أبي، عن سَهْلِ بنِ سعدٍ: أنَّ أبا أُسَيدٍ صاحبَ النبيِّ وَ أَعَرَسَ، فَدَعَا النبيَّ ◌َّ لِعُرْسِهِ، فكانت العروسُ خادِمَهم، فقال سَهْلٌ ٥٦٩/١١ لِلْقوم: هل تَدْرونَ ما سَقَتْه؟ قال: أنْقَعَت له تَمْراً في تَوْرٍ مِنَ اللَّلِ، حتَّى أصبَحَ علیه، فسَقَتْه إيّاه./ ٦٦٨٦ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ مُقاتلٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن الشَّعْبِيِّ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، عن سوْدَةَ زَوْجِ النبيِّ ◌ََّ، قالت: ماتت لنا شاةٌ، فَدَبَغْنا مَسْكَها، ثمَّ ما زِلْنا نَنْبِذُ فيه حتَّى صارَ شَنّاً. قوله: ((بابٌ إن حَلَفَ أن لا يَشْرَب نبيذاً فَشَرِبَ طِلاءً)» في روايةٍ: الطِّلَاءَ، بزيادة اللام. قوله: ((أو سَكَراً)) بفتحِ المهمَلة وتخفيفِ الكاف. قوله: «أو عَصيراً، لم يَحْنَث في قول بعض الناس، وليست هذه بأنْبِذةٍ عنده)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: وليس، وقد تقدَّم تفسير الطِّلاء والسَّكَر والنبيذ في كتاب الأشربة(١). قال المهلَّب: الذي عليه الجمهور: أنَّ مَن حَلَفَ أن لا يَشَرَب النبيذ بعينِهِ لا يَحَنَث بِشُربٍ غيره، ومَن حَلَفَ لا يَشرَب نبيذاً لما يَخْشَى من السُّكْر به، فإنَّه يَحِنَث بكلِّ ما يَشرَبُه ممّا يكون فيه المعنى المذكور، فإنَّ سائر الأشربة من الطَّيخ والعَصِير تُسمَّى نبيذاً لمُشابهتها له في المعنى، فهو كمَن حَلَفَ لا يَشرَب شراباً، وأطلقَ، فإنَّه تَحِنَث بكلِّ ما يقع عليه اسم شراب. قال ابن بَطّال: ومُرادُ البخاريّ ببعضِ الناس: أبو حنيفة ومَن تَبِعَه، فإنَّهم قالوا: إنَّ الطِّلاء والعَصير ليسا بنبيذٍ، لأنَّ النبيذ في الحقيقة: ما نُبِذَ في الماء ونُقِعَ فيه، ومِنه ◌ُمِّيَ المنبوذ مَنبوذاً، (١) عند الأحاديث ذات الأرقام (٥٥٩٠)، و(٥٥٩٨) و(٥٦١٤). ١٨٩ باب ٢١ / ح ٦٦٨٥ - ٦٦٨٦ كتاب الأيمان والنذور لأنَّه نُبِذَ، أي: طُرِحَ، فأراد البخاريّ الردّ عليهم، وتوجيهه من حديثَي الباب: أنَّ حديث سَهلِ يقتضي تسميةَ ما قَرُبَ عَهْده بالانتباذِ نبيذاً، وإن حَلَّ شُربُه، وقد تقدَّم في الأشربة (٥٥٩٠)(١) من حديث عائشة: أنَّه وَ ل﴿ كان يُنَبَذ له ليلاً فيَشرَبُه غُدوةً، ويُنبَذ له غُدوةً فيَشرَبه عَشَّة، وحديثُ سودة يُؤيِّد ذلك، فإنَّها ذكرت أنَّهم صاروا يَنْتَبِذُونَ في جِلد الشّاة التي ماتت، وما كانوا يَنِبِذُونَ إلّا ما يَحِلّ شُربُه. ومع ذلك كان يُطلَق عليه اسمُ نبيذ، فالنَّقيع في حُكْم النبيذ الذي لم يَبلُغِ حَدّ السَّكَرِ، والعَصير من العِنَب الذي بَلَغَ حَدّ السَّكَر في معنى النبيذ من الثَّمر الذي بَلَغَ حَدّ السَّكَر. وزَعَمَ ابن المنّيِّر في ((الحاشية)): أنَّ الشّارح بمَعزِلٍ عن مقصود البخاريّ هنا، قال: وإنَّما أراد تَصويب قول الحنفيَّة، ومن ثَمَّ قال: لم يَحِنَث، ولا يَضُرُّه قوله بعده: في قول بعض الناس، فإنَّه لو أراد خِلافه لَتَرجَمَ على أنَّه يَحَنَث، وكيف يُتَرجِم على وفق مذهبٍ ثُمَّ يُخالفُه؟ انتهى. والذي فهمَه ابن بَطّال أوجَه وأقرَب إلى مُرادِ البخاريّ. والحاصل أنَّ كلّ شيء يُسَمَّى في العُرف نبيذاً يَحْنَث به، إلّا إن نَوى شيئاً بعينِه فيَخْتَصّ به، والطِّلاء يُطلَق على المطبوخ من عَصِير العِنَب، وهذا قد يَنعَقِد فيكون دِبساً ورُبّاً فلا يُسَمَّى نبيذاً أصلاً، وقد يَستَمِرُّ مائعاً ويُسكِرِ كثيرُه، فيُسَمَّى في العُرف نبيذاً، بل نَقَلَ ذلك ابن التِّين عن أهل اللُّغة: أنَّ الطِّلاء جِنسٌ من الشَّراب، وعن ابن فارس: أنَّه من أسماء الخمر، وكذلك السَّكَر يُطلَق على العَصِير قبل أن يَتَخَمَّر، وقيل: هو ما أسكَرَ مِنه ومن غيره، ونَقَلَ الجَوْهريّ: أنَّه نبيذُ الثَّمر، والعَصِير: ما يُعصَر من العِنَب فيُسَمَّى بذلك، ولو تَخَّرَ. وقد مضى شرحُ حديث سهلٍ في الوليمة من كتابِ النِّكاح (٥١٨٢). وعليٌّ شيخُه: هو ابنُ المدينيِّ. وأما حديث سَوْدَة، فهي بنت زَمعةَ بن قيس بن عبد شَمْسِ العامريَّةُ، من بني عامر ابن لُؤَيِّ القُرَشَيَّة، زوجُ النّبِيّ ◌َ لِهِ، تزوَّجَها النبيّ ◌َّ بعد موت خديجة وهو بمَكّة، ودَخَلَ بها قبل الهجرة. (١) وهو عند مسلم (٢٠٠٥). ١٩٠ باب ٢٢ / ح ٦٦٨٧-٦٦٨٨ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((أخبرنا عبد الله)) هو ابن المبارَكِ. قوله: ((فَدَبَغْنا مَسْكَها)) بفتحِ الميم وبالمهمَلة، أي: جِلدَها. قوله: ((حتَّى صارَ شَنّا) بفتح المعجَمة وتشديد النُّون، أي: بالياً، والشَّة: القِرْبة العَتيقة. وقد أخرج النَّسائيُّ (٤٢٣٩) من طريق مُغيرةَ بن مِقسَمِ عن الشَّعبيّ عن ابن عبّاسٍ عن النبيّ وَّمِ حديثاً في دِباغ جِلد الشّاة الميتة غير هذا، وأشارَ الِّيُّ في ((الأطراف)) إلى أنَّ ذلك عِلّة لِرواية إسماعيل بن أبي خالد عن الشّعبيّ التي في الباب، ولیس کذلك، بل هما حديثان مُتَغايران في السّياق، وإن كان كلٌّ مِنهما من رواية الشَّعبيّ عن ابن عبّاس. وروايةٌ ٥٧٠/١١ مُغيرةَ هذه توافق لفظ / رواية عطاءٍ عن ابن عبّاس عن ميمونة، وهي عند مسلم (٣٦٥)، وأخرجها البخاريّ (١٤٩٢) من روایة ◌ُبيد الله بن عبد الله عن ابن عبّاس بغیر ذِكْر ميمونة ولا ذِكْر الدِّباغ فيه (١)، ومضى الكلام على ذلك مُستَوفَّى في أواخر كتاب الأطعمة (٢). قال ابن أبي جَمْرة: في حديث سَوْدَة الردُّ على مَن زَعَمَ أنَّ الزّهد لا يَتِمُّ إلَّ بالخروجِ عن جميع ما يَتَمَلَّك، لأنَّ موت الشّاة يَتَضَمَّن سَبْق مِلكها واقتنائها، وفيه جواز تنمية المال، لأنَّهم أخذوا جِلد الميتة فدَبَغوه فانتَفَعوا به بعد أن كان مطروحاً، وفيه جواز تناول ما يَهَضِمُ الطَّعام لما دَلَّ عليه الانتباذ، وفيه إضافة الفِعل إلى المالك وإن باشَرَه غيره كالخادِمِ. انتهى مُلخَّصاً. ٢٢ - بابٌ إذا حلف أن لا يأتدِم فأكل تمراً بخبزٍ، وما یکون من الأَدْم ٦٦٨٧ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ يوسُفَ، حدَّثنا سفيانُ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ عابسٍ، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: ما شَبعَ أَلُّ محمَّدٍ وَّه من خُبْزِ بُرِّ مأدومِ ثلاثةَ أيامٍ، حَتَّى لَحِقَ بالله. وقال ابنُ كَثير: أخبرنا سفيانُ، حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ، عن أبيه: أنَّه قال لعائشةَ ... بهذا. (١) ذُكِرت فيه ميمونة في الزكاة (١٤٩٢) وهو الموضع الأول الذي أورده فيه البخاري، ولم تذكر في غيره. (٢) بل في الذبائح (٥٥٣١). ١٩١ باب ٢٢ / ح ٦٦٨٧ - ٦٦٨٨ كتاب الأيمان والنذور ٦٦٨٨- حدَّثنا قُتَيةٌ، عن مالكِ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ الله بنِ أبي طَلْحةَ، أنَّه سمعَ أنسَ ابنَ مالكٍ، قال: قال أبو طَلْحَةَ الأُمّ سُلَيمٍ: لقد سمعتُ صوتَ رسولِ الله ◌ِّرَ ضَعِيفاً أعرِفُ فيه الجوعَ، فهل عندَكِ من شيءٍ؟ فقالت: نعم، فأخرَجَت أقراصاً من شَعيرٍ، ثمَّ أخَذَت ◌ِماراً لها فَلَفَّتِ الخبزَ ببعضِه، ثمَّ أرسَلَتْني إلى رسولِ اللهِ وَّةَ، فذهبتُ، فَوَجَدْتُ رسولَ اللهِ وَلَ فِي المسجدِ ومعه الناسُ، فَقُمْتُ عليهم، فقال رسولُ الله وَّةِ: ((أرسَلَكَ أبو طَلْحةَ؟)) فقلتُ: نعم، فقال رسولُ اللهِوَلِّ لمن معه: ((قوموا))، فانطَلَقوا، وانطَلَقْتُ بينَ أيدِيهم حتَّى جِئْتُ أبا طَلْحَةَ، فأخبَرْتُه، فقال أبو طَلْحةَ: يا أمَّ سُلَيم، قد جاء رسولُ الله ◌َِّ وليس عندَنا مِنَ الطَّعام ما نُطْعِمُهم، فقالت: اللهُ ورسولُه أعلمُ، فانطَلَقَ أبو طَلْحةَ حتَّى لَقِيَ رسولَ الله ◌َ، فَأَقْبَلَ رسولُ اللهَ وَّهِ وأبو طَلْحةَ حتَّى دَخَلا، فقال رسولُ الله ◌َّ: ((هَلُمّي يا أمَّ سُلَيم، ما عندَكِ؟)) فأنت بذلك الخبزِ، قال: فأمَرَ رسولُ الله وَِّ بذلك الخبزِ فقُتَّ، وعَصَرَت أمُّ سُلَيم عُكّةً لها فأدَمَتْه، ثمَّ قال فيه رسولُ اللهَوَّ ما شاءَ اللهُ أن يقولَ، ثمَّ قال: ((اْذَن لِعَشَرةٍ)، فأذِنَ لهم فأكلوا حتَّى شَبِعوا، ثمَّ خَرَجوا، ثمّ قال: ((ائْذَن لِعَشَرةٍ)، فأذِنَ فأكَلَ القومُ كلَّهم وشَبِعوا، والقومُ سبعونَ أو ثمانون رجلاً. قوله: ((بابٌ إذا حَلَفَ أن لا يأتدِمَ، فأكَلَ تَمْراً بخُبْزِ) أي: هل يكون مُؤْتَدِماً فيَحنَث أم لا؟ قوله: ((وما يكون منه الأُدْم)) هي جُلٌ معطوفةٌ على جُملة الشَّرطِ والجزاء، أي: وبابُ بیانِ ما تحصل به الائتِدام. ذَگر فیه حدیثین: حديث عائشة: ما شَبِعَ آلُ محمَّدٍ من خُبِزِ بُرِّ مأدومٍ، وهو طَرَفٌ من حديثٍ مضى في الأطعمة بتمامه (٥٤٢٣)، وكذا التَّعليق المذكور بعدَه عن محمَّدٍ بن كثيرٍ، ومضى ذِكْرُ مَن وَصَلَه عنه. وعاِسٌٌ بمُهمَلةٍ وبعد الألف موخَّدة ثمَّ مُهمَلة. وقوله/ في آخره : ((قال لعائشة ... ، بهذا)) قال الكِرْمانيُّ: أي: روى عنها أو قال لها مُستَفهماً: ما ٥٧١/١١ شَبِعَ الُ محمَّد؟ فقالت: نعم. قلت: والواقع خِلَافُ هذا الَّقدير، وهو بيِّنٌ فيما أخرجه الطبرانيّ ١٩٢ باب ٢٢ / ح ٦٦٨٧ -٦٦٨٨ فتح الباري بشرح البخاري والبيهقيُّ (٢٩٣/٩) من وجهَينٍ آخرَينٍ(١)، وهو أنَّ عابساً قال لعائشة: أنَهَى النبيُّ وَلَّ عن أكل لحوم الأضاحيّ؟ فذكر الحديث، وفي آخره: ما شَبِعَ ... إلى آخره. والنُّكتة في إيراده طريق محمَّد بن كثير: الإشارة إلى أنَّ عابِساً لَقِيَ عائشة وسألها، لِرفع ما يُتوهّم في العَنعَنة في الطَّريق التي قبلها من الانقطاع، وقد تقدَّم شرح الحديث في كتاب الرِّقاق (٦٤٥٤). الثاني: حديث أنس في قصَّة أقراص الشَّعير، وأكْلِ القوم وهم سبعونَ أو ثمانونَ رجلاً حتَّى شَبِعوا، وقد مضى شرحه في علامات النُّبّة (٣٥٧٨). والقصدُ مِنه قوله: فأمَرَ بالخبزِ فَقُتَّ، وعَصَرَت أمّ سُلَيم عُكّةً لها فأدَمَته، أي: خَلَطَت ما حَصَلَ من السَّمن بالخبزِ المفتوت. قال ابن المنيِّر وغيره: مقصود البخاريّ الردُّ على مَن زَعَمَ أنَّه لا يقال: ائتَدَمَ، إلّا إذا أكَلَ بما اصطَبَغَ به، قال: ومُناسَبتُه لحديثِ عائشة: أنَّ المعلوم أنَّها أرادت نفيَ الإدام مُطلَقاً بقَرِينة ما هو معروف من شَظَفِ عَيشِهم، فدَخَلَ فيه الثَّمرُ وغيرُه. وقال الكِرْمانيُّ: وجه المناسبة: أنَّ الثَّمر لمَّا كان موجوداً عندهم وهو غالب أقواتهم وكانوا شَباعَى مِنه، عُلمَ أنَّ أكل الخبز به ليس ائتِداماً. قال: ويُحتمل أن يكون ذَكَر هذا الحديث في هذا الباب لأدنَى مُلابسةٍ، وهو لفظ المأدوم، لِكَونِه لم يَجِد شيئاً على شرطه. قال: ويحتمل أن يكون إيرادُ هذا الحديث في هذه التَّرجمة من تَصَرُّف النَّقَلة. قلت: والأوَّل مُبَايِنٌ لمُرادِ البخاريّ، والثّاني هو المراد، لكن بأن يَنضَمَّ إليه ما ذكره ابن المنَيِّر، والثّالث بعيد جدّاً. قال ابن المنيِّر: وأمَّا قصَّة أمّ سُلَيم فظاهرةُ المناسَبة، لأنَّ السَّمن اليسير الذي فضَلَ في قَعْرِ العُكّة لا يُصطَبَغ به الأقراص التي فَتَّتها، وإنَّما غايته أن يصير في الخبز من طَعم السَّمن، فأشبَهَ ما إذا خالَطَ التَّمر عند الأكل. (١) وأخرجه أيضاً أحمد (٢٤٩٦٢)، والنسائي (٤٤٣٢) وغيرهما. ١٩٣ باب ٢٢ / ح ٦٦٨٧-٦٦٨٨ كتاب الأيمان والنذور ويُؤْخَذ مِنه أنَّ كلّ شيءٍ يُسَمَّى عند الإطلاق إداماً، فإنَّ الحالف أن لا يأتدِم يَحِنَث إذا أكَلَه مع الخبز، وهذا قول الجمهور، سواء كان يُصطَبَغ به أم لا. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يَحْنَث إذا انتَدَمَ بالجُبن والبيض، وخالَفَهما محمَّد بن الحسن فقال: كلّ شيءٍ يُؤكَّل مع الخبز ممَّا الغالب عليه ذلك كاللَّحم المشويّ والجُبن أُدٌّْ، وعن المالكيَّة: يَحِنَث بكلِّ ما هو عند الحالف أُدْمٌّ، ولِكلِّ قومٍ عادة، ومنهم مَن استَثَنَى المِلِحَ جَريشاً كان أو مُطَيَباً. تنبيه: من حُجّة الجمهور حديث عائشة في قصَّة بَرِيرة: فدَعا بالغَداءِ، فأُتيَ بخُبزٍ وأُدْم من أُدْم البيت ... الحديث، وقد مضى شرحه مُستَوقَى في مكانه، وتَرجَمَ له المصنِّف في الأطعمة (باب الأُدم)) (٥٤٣٠). قال ابن بَطّال: دَلَّ هذا الحديث على أنَّ كلّ شيءٍ في البيت ممَّا جَرَتِ العادةُ بالائتِدام به يُسَمَّى أُدْماً، مائعاً كان أو جامداً. وكذا حديث: «تكون الأرضُ يوم القيامة خُبزةً واحدة، وإدامُهم زائدة كَبِد الحوت))، وقد تقدَّم شرحه في كتاب الرِّقاق (٦٥٢٠). وفي خُصُوص اليمين المذكورة في التَّرجمة حديث يوسف بن عبد الله بن سَلام: رأيت النبيَّ وَ أَخَذَ كِسرةً من خُبْزِ شَعيرٍ فوضَعَ عليها تمرة، وقال: ((هذه إدامُ هذه)) أخرجه أبو داود (٣٢٥٩ و٣٢٦٠ و٣٨٣٠) والتِّرمِذيُّ(١) بسندٍ حسنٍ. قال ابن القَصّار: لا خِلاف بين أهل اللِّسان أنَّ مَن أكَلَ خُبزاً بلحمِ مَشويٌّ أنَّه التَدَمَ به، فلو قال: أكَلتُ خُبزاً بلا إدام كذَبَ، وإن قال: أكَلتُ خُبزاً بإدام صَدَقَ، وأمَّا قول الكوفّينَ: الإدام: اسمٌ لِلجمع بين الشَّيئينِ، فدلَّ على أنَّ المراد أن يُستَهَلَك الخبز فيه، بحيثُ يكون تابِعاً له بأن تَتَداخَل أجزاؤه في أجزائه، وهذا لا يَحَصُلُ إلّا بما يُصطَبَغُ به، فقد أجابَ مَن خالَفَهم بأنَّ الكلام الأوَّل مُسَلَّمٌ، لكنَّ دَعوى التَّداخُل لا دليلَ عليه قبل التَّنَاوُل، وإنَّما المراد: الجمع ثُمَّ الاستهلاك بالأكلِ، فَتَداخَلان حينئذٍ. (١) الترمذي في ((الشمائل)) (١٨٣). ١٩٤ باب ٢٣ / ح ٦٦٨٩ فتح الباري بشرح البخاري ٥٧٢/١١ ٢٣- باب النّيّة في الأيمان/ ٦٦٨٩ - حدّثنا قُتَيبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا عبدُ الوهَّاب، قال: سمعتُ يحيى بنَ سعيدٍ يقول: أخبرني محمَّدُ بنُ إبراهيم، أنَّه سمعَ عَلْقمةَ بنَ وَقَّاصِ اللَّينيَّ يقول: سمعتُ عمرَ بنَ الخطَّبِ عَلُه يقول: سمعتُ رسولَ الله وَّهِ يقول: ((إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّةِ، وإنَّما لامرِئ ما نَوَى، فمَن كانت هِجْرتُه إلى الله ورسولِهِ، فِهِجْرتُه إلى الله ورسولِهِ، ومَن كانت هِجْرتُه إلى دُنْيا يُصِيبُها، أو امرأةٍ یتزوَّجُها، فهِجْرتُه إلى ما هاجَرَ إلیه)). قوله: ((باب النّيّة في الأيمان)) بفتح الهمزة لِلجميع، وحكى الكِرْمانيُّ أنَّ في بعض النُّسَخ بكسر الهمزة، ووجَّهَه بأنَّ مذهب البخاريّ أنَّ الأعمال داخلة في الإيمان. قلت: وقَرِينة ترجمة كتاب الأيمان والنُّذور كافية في توهینِ الكسر. وعبدُ الوهّاب المذكور في السَّنَد: هو ابن عبد المجيد الثَّقفيّ، ومحمَّد بن إبراهيم: هو التَّيْمِيّ. وقد تقدَّم شرح حديث الأعمال في أوَّل بَدْء الوحي (١). ومُناسَبتُهُ لِلتَّرجمة أنَّ اليمين من جُملة الأعمال، فيُسْتَدَلُّ به على تخصيص الألفاظ بالنّيَّة زماناً ومكاناً، وإن لم یکن في اللفظ ما يقتضى ذلك، کمَن حَلَفَ أن لا یدخل دار زید، وأراد: في شهر أو سنةٍ مثلاً، أو حَلَفَ أن لا يُكلِّم زيداً مثلاً، وأراد: في مَنزِله دونَ غيره، فلا تَحَنَث إذا دَخَلَ بعد شهرٍ أو سنةٍ في الأولى، ولا إذا كَلَّمَه في دارٍ أُخرى في الثّانية. واستَدَلَّ به الشافعيّ ومَن تَبِعَه فيمَن قال: إن فعَلتِ كذا فأنتِ طالقٌ، ونَوَى عَدَداً، أنَّه يُعتَبَر العَدَد المذكور وإن لم يَلِفِظ به، وكذا مَن قال: إن فعَلتِ كذا فأنتِ بائنٌ، إن نَوى ثلاثاً بانَت، وإن نَوى ما دونها وَقَعَ مانَوى رَجعيّاً، وخالَفَ الحنفيَّةُ في الصّورتَينِ. واستُدِلَّ به على أنَّ اليمين على نيَّة الحالِف، لكن فيما عَدا حقوق الآدميّينَ فهي على نيَّة المستَحِلِف، ولا يَنتَفِعِ بالتَّورية في ذلك إذا اقتَطَعَ بها حَقّاً لغيره، وهذا إذا تَحاكما، وأمّا في غير المحاكمة، فقال الأكثر: نيَّة الحالف، وقال مالك وطائفة: نيَّة المحلوف له، وقال النَّوويّ: مَن اذَّعَى حَقّاً على رجل، فأحلَفَه الحاكم، انعَقَدَت يمينُه على ما نَواه الحاكم ولا تَنفَعُه التَّوريةُ اتّفاقاً، فإن حَلَفَ بغير استحلاف الحاكم نَفَعَتِ الثَّورية، إلّا أنَّه إن أبطَلَ بها حَقّاً أثِمَ وإن لم ١٩٥ باب ٢٤ / ح ٦٦٩٠ كتاب الأيمان والنذور يَجَنَث، وهذا كلُّه إذا حَلَفَ بالله، فإن حَلَفَ بالطَّلاق أو العَتَاقِ نَفَعَته التَّورية، ولو حَلَّفَه الحاكم، لأنَّ الحاكم ليس له أن يُحُلِّفَه بذلك. كذا أطلقَ، وينبغي فيما إذا كان الحاكم يرى جواز التَّحليف بذلك أن لا تَنْفَعَه التَّورية. ٢٤ - بابٌ إذا أهْدى مالَه على وجه النّذر والتّوبة ٦٦٩٠ - حدَّثنا أحمدُ بنُ صالحٍ، حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، أخبرني يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ، أخبرني عبدُ الَّحمنِ بنُ عبدِ الله، عن عبد الله بنِ كَعْبٍ بنِ مالكٍ - وكان قائدَ كَعْبٍ من بَنِه حينَ عَمِيَ - قال: سمعتُ كَعْبَ بنَ مالكٍ يقول في حديثه: ﴿ وَعَلَى الثَّلَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ﴾ [التوبة: ١١٨]، فقال في آخِرِ حديثه: إنَّ من تَوْبَتي أن أَنْخَلِعَ من مالي صَدَقَةً إلى الله ورسولِهِ، فقال النبيُّ ◌َّ: ((أمسِك عليكَ بعضَ مالِكَ، فهو خيرٌ لكَ)). قولُهُ: ((بابٌ إذا أهدى مالَه على وجه النَّذْرِ والتَّوبة)) كذا للجميع إلا الكُشْمِيهني، فعنده: والقُربة بدل التَّوبة، وكذا رأيتُه في ((مُستخرَج الإسماعيلي)). قال الكِرْماني: وقوله: أهدى، أي: تصدَّقَ بماله، أو جعله هديّةً للمسلمين. وهذا الباب هو أولُ أبواب النُّذور، والنَّذْر في اللُّغة: التزامُ خيرٍ أو شرٌّ. وفي الشّرع: التزامُ المكلَّف شيئاً لم يمكن عليه/ منجَّزاً، أو معلَّقاً. وهو قسمان: نذر تَبُّر، ونذر ◌َجَاجٍ. ٥٧٣/١١ ونذْرُ التبرُّر قسمان: أحدهما: ما يُتْقُرُّبُ به ابتداءً، كـ: لله عليَّ أن أصومَ كذا، ويلتحقُ به ما إذا قال: لله عليَّ أن أصوم كذا شُكراً على ما أنعَمَ به عليَّ من شِفاء مريضي مثلاً، وقد نقل بعضُهم الاتفاقَ على صِخَّتِه واستحبابه. وفي وجهٍ شاذًّ لبعض الشافعية: أنه لا يَنعقِد. والثاني: ما يُتُقرَّبُ به معلّقاً بشيءٍ يَنتِفِعُ به إذا حصَلَ له، كإن قَدِمَ غائبي، أو كفاني شّرَّ عدوِّي، فعليَّ صومُ كذا مثلاً. والمعلَّقُ لازمٌ اتفاقاً، وكذا المنجَّرُ في الراجح. ونذْرَ اللَّجاج قسمان: أحدهما: ما يُعلِّقُه على فعلِ حَرام، أو تركِ واجبٍ، فلا ينعقدُ في الراجح إلّا إن كان فرْضَ كِفايةٍ، أو كان في فعله مَشقّةٌ، فيلزمُه، ويلتحقُ به ما يُعلِّقُه على فعلِ مكروه. ١٩٦ باب ٢٤ / ح ٦٦٩٠ فتح الباري بشرح البخاري والثاني: ما يُعلَّقُه على فعل خِلَاف الأَوْلى، أو مُباح، أو ترك مستحَبٍّ، وفيه ثلاثةُ أقوال للعلماء: الوَفاء، أو كفَّارةُ يمين، أو التخييرُ بينهما، واختُلف الترجيحُ عند الشافعية، وكذا عند الحنابلة، وجزم الحنفيةُ: بكفَّارة اليمين في الجميع، والمالكيةُ: بأنه لا ينعقدُ أصلاً. قوله: ((أخبَرَني يونس)) هو ابنُ يزيدَ الأيليّ. قوله: ((عن عبد الله بن كَعْب)) هو والد عبد الرَّحمن الراوي عنه، وقد مضى في تفسیر سورة براءة (٤٦٧٦) عن أحمد بن صالح: حدَّثني ابن وهب أخبرني يونس، قال أحمد(١): وحدَّثنا عَنبَسة حدَّثنا يونس عن ابن شِهاب أخبرني عبد الرَّحمن بن كعبٍ أخبرني عبد الله بن كعب، ثمَّ أخرجه (٤٦٧٧) من طريق إسحاق بن راشد عن ابن شهاب: أخبرني عبد الرّحمن بن عبد الله بن کعب بن مالكٍ عن أبيه. قوله: ((سمعت كَعْب بن مالك يقول في حديثه: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ ﴾)) أي: الحديث الطَّويل في قصَّة تَخَلَّفِه في غزوة تَبُوك، ونَهي النبيّ ◌َّ عن كلامه وكلام رَفيقَيه، وقد تقدَّم بطولِه مع شرحه في المغازي (٤٤١٨)، لكن من وَجْهٍ آخرَ عن ابن شِهابٍ. قوله: ((فقال في آخر حديثه: إنَّ من تَوْبَتي أن أَنْخَلِعَ)) بنونٍ وخاءٍ مُعجَمةٍ، أي: أعرَى من مالي كما يَعَرَى الإنسان إذا خَلَعَ ثوبَه. قوله: ((أمسِك عليك بعضَ مالِك، فهو خيرٌ لك)) زاد أبو داود (٣٣١٧) عن أحمد بن صالح بهذا السَّنَد (٢): فقلت: إنّي أُمسِك سهمي الذي بخيبر، وهو عند المصنِّف (٤٤١٨) من وجه آخر عن ابن شهاب. ووَقَعَ في رواية ابن إسحاق عن الزّهْرِيِّ بهذا السَّنَد عند أبي داود (٣٣٢١) بلفظ: إنَّ من (١) يعني أحمد بن صالح أيضاً، وقد سلف في المناقب برقم (٣٨٨٩). (٢) بل هو عنده عن أحمد بن عمرو بن السرح وسليمان بن داود، عن ابن وهب، به. أما رواية أحمد بن صالح عنده (٣٣١٨) فهي تالية للرواية السابقة، وقال في آخره: فذكر نحوه إلى: ((خير لك)). يعني أنه لم يذكر في رواية أحمد ابن صالح: ((فقلت: إني أمسك سهمي الذي بخيبر))، وبذلك تكون رواية أبي داود عن أحمد ابن صالح مثل رواية البخاري في الباب عن أحمد بن صالح. ١٩٧ باب ٢٤ / ح ٦٦٩٠ كتاب الأيمان والنذور تَوبَتي أن أخرُجَ من مالي كلِّه الله ورسولِه صَدَقةً، قال: ((لا))، قلت: فنصفه؟ قال: ((لا))، قلت: فثُلُثه؟ قال : ((نعم))، قلت: فإنّي أُمسِك سهمي الذي بخَيْبر. وأخرج (٣٣١٩) من طريق ابن عُيَينةَ عن الزُّهْريِّ عن ابن كعب بن مالك عن أبيه: أنَّه قال لِلنبيِّ وَّةَ، فذكر الحديث، وفيه: وإنّ أنخَلِعُ من مالي كلُّه صَدَقة، قال: ((يجزئ عنك لُّلث)). وفي حديث أبي لُبَابة(١) عند أحمد (١٥٧٥٠) وأبي داود (٣٣٢٠) نحوه. وقد اختَلَفَ السَّلَف فيمَن نَذَرَ أن يَتَصَدَّق بجميع ماله على عشرة مذاهب: فقال مالك: يَلْزَمِه الثَّلث بهذا الحديث. ونوزِعَ في أنَّ كعب بن مالك لم يُصرِّح بلفظ النَّذر ولا بمعناه، بل يحتمل أنَّ نَجَّزَ النَّذر، ويحتمل أن يكون أرادَه فاستأذَنَ، والانخِلاع الذي ذكره ليس بظاهرٍ في صُدُور النَّذْر مِنه، وإنَّما الظّاهر أنَّه أراد أن يُؤَكِّدَ أمَرَ تَويَتِه بالتَّصَدُّقِ بجميع ماله شُكراً لله تعالى على ما أنعَمَ به علیه. وقال الفاكهانيّ في ((شرح العمدة): كان الأَوْلِى بكعبٍ أن يَستَشيرَ ولا يَستَبَِّّ برأيِه، لكن كأَنَّه قامَت عنده حالٌ لِفَرَحِه بتَوَتِهِ ظَهَرَ له فيها أنَّ التَّصَدُّق بجميع ماله مُستَحقٌّ عليه في الشُّكر، فأورَدَ الاستشارة بصيغة الجزم. انتهى، وكأنَّه أراد أنَّه اسْتَبَدَّ برأيه في كَونه جَزَمَ بأنَّ من تَوَبَتْه أن يَنخَلِعَ من جميع ماله، إلّا أنَّه نَجَّزَ ذلك. وقال ابن المنّيِّر: لم يَبْتَّ كعبٌ الانخِلاعِ، بل استَشارَ هل يفعل أو لا؟ قلت: ويحتمل أن يكون اسْتَفْهَمَ وحُذِفَت أداة الاستفهام، ومن ثَمَّ كان الرَّاجح عند الکثیر من العلماء وجوب الوفاء لمن التَزَمَ أن يَتَصَدَّق بجميع ماله، إلّا إذا كان على سبيل القُربة. وقيل: إن كان مليئاً لَزِمَه، وإن كان فقيراً فعليه كفَّارة يمين، وهذا قول اللَّيث ووافَقَه ابن وهب،/ وزادَ: وإن كان مُتَوسِّطاً يُخْرِج قَدْر زكاة ماله. والأخير عن أبي حنيفة بغير تفصيل، ٥٧٤/١١ وهو قول ربيعة. (١) تحرف في الأصلين إلى: ((أبي أمامة))، والمثبت من (س) على الصواب. ١٩٨ باب ٢٤ / ح ٦٦٩٠ فتح الباري بشرح البخاري وعن الشَّعبيّ وابن أبي ليلى(١): لا يَلزَم شيءٌ أصلاً. وعن قَتَادة: يَلْزَم الغنِيَّ العُشُرُ، والمتوسِّطَ السُّبُع، والمملِقَ الخُمُس. وقيل: يَلَزَم الكلَّ إلّا فِي نَذْر اللَّجاج، فكفَّارَتُه یمین. وعن سَحْنونٍ: یَلزَمه أن يُخْرِج ما لا يَضُرُ به. وعن الثَّوريِّ والأوزاعيِّ وجماعة: يَلَزَمه كفَّارة يمينٍ بغير تفصيل. وعن النَّخَعيِّ: يَلزَمه الكلّ بغير تفصيل. وإذا تَقرَّرَ ذلك، فمُناسَبة حديث كعب لِلتَّرجمة أنَّ معنى التَّرجمة: أنَّ مَن أهدَى أو تَصَدَّقَ بجميع ماله إذا تابَ من ذَنبٍ أو إذا نَذَرَ، هل يَنفُذُ ذلك إذا نَجَّزَه أو عَلَّقَه؟ وقصَّة كعب مُنطَبِقة على الأوَّل، وهو التَّنْجيز، لكن لم يَصدُر مِنه تنجيزٌ كما تَقرَّرَ، وإنَّما استشارَ فَأُشيرَ عليه بإمساكِ البعض، فيكون الأَولى لمن أراد أن يُنَجِّزَ التَّصَدُّق بجميع ماله، أو يُعلِّقه أن يُمسِك بعضه، ولا يَلزَم من ذلك أنَّه لو نَجَّزَه لم يَنْفُذ. وقد تقدَّمَتِ الإشارة في كتاب الزكاة(٢) إلى أنَّ التَّصَدُّق بجميع المال يختلف باختلاف الأحوال، فمَن كان قويّاً على ذلك يَعلَم من نفسه الصَّبر لم يُمنَع، وعليه يتنزَّلُ فِعلُ أبي بكر الصِّدّيق، وإيثار الأنصار على أنفُسهم المهاجِرِينَ ولو كان بهم خَصَاصةٌ، ومَن لم يكن كذلك فلا، وعليه يتنزّل: ((لا صَدَقَةَ إلّا عن ظَهر غِنَّى))، وفي لفظ: ((أفضلُ الصَّدَقة ما كان عن ظَهر غِنّی))(٣). (١) تحرفت في (س) إلى: لبابة. وابن أبي ليلى هذا هو أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن الأنصاري الكوفي، مفتي الكوفة وقاضيها، توفي سنة ١٤٨ هـ. انظر: «سير أعلام النبلاء)) ٦/ ٣١٠. (٢) في شرحه على ((باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى)) انظر الحديث (١٤٢٦). (٣) سلف عند البخاري (١٤٢٦) من حديث أبي هريرة بلفظ: ((خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى))، وكذلك (١٤٢٧) من حديث حكيم بن حزام. أما قوله: ((لا صدقة إلا عن ظهر غنى)) فقد علقه البخاري قبل الحديث (٢٧٥٠)، ووصله أحمد (٧١٥٥)، والنسائي في («الكبرى» (٢٣٢٦) من حديث أبي هريرة. وأما لفظة ((أفضل الصدقة ... )) فهو عند النسائي في ((المجتبى)) (٢٥٤٣) من حديث حكيم بن حزام. ١٩٩ باب ٢٥ / ح ٦٦٩١ كتاب الأيمان والنذور قال ابن دقيق العيد: في حديث كعبٍ أنَّ لِلصَّدَقة أثراً في مَحَوِ الذُّنوب، ومن ثَمَّ شُرِعَتِ الكفَّارة الماليَّة. ونازَعَه الفاكهانيّ فقال: التَّوبة تَجُبُّ ما قبلها، وظاهر حال كعب أنَّه أراد فِعلَ ذلك على جهة الشُّكر. قلت: مُراد الشَّيخ: أنَّ يُؤخَذ من قول كعب: إنَّ من تَوبَتي ... إلى آخره، أنَّ لِلصَّدَقة أثراً في قَبُول الثَّوبة التي يُتَحقَّق بحصولها مَحو الذُّنوب، والحُجّة فيه تقريرُ النبيِّ ◌َّ له على القول المذكور. ٢٥ - بابٌ إذا حرَّم طعاماً وقولُه تعالى: ﴿يَتُهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُزْعُ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكِّ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَجِكَ﴾ [التحريم: ١]، وقولُهُ: ﴿لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اَللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]. ٦٦٩١- حدَّثنا الحسنُ بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا الحجّاجُ بنُ محمَّد، عن ابنِ جُرَيج، قال: زَعَمَ عطاءٌ أَنَّه سمعَ عُبيدَ بنَ عُمَيرٍ يقول: سمعتُ عائشةَ تَزْعُمُ: أنَّ النبيَّ ◌َِّ كان يَمْكُثُ عندَ زينبَ بنت جَحْشٍ، وَيَشْرَبُ عندَها عَسَلاً، فتَواصَيتُ أنا وحفصةُ: أَنَّ أَيَّتَنَا دَخَلَ عليها النبيُّ وَلـ فلْتَقُلْ: إنّ أجِدُ منكَ رِيحَ مَغافِيرَ؟ أكَلْتَ مَغافيرَ؟ فَدَخَلَ على إحداهما فقالت ذلك له، فقال: ((لا، بلْ شَرِبتُ عَسَلاً عندَ زينبَ بنت جَحْشٍ، ولن أعودَ له))، فنزلت: ﴿يَتُهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَحَلَّ اَللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، ﴿إِن تَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ﴾ [التحريم: ٤] لعائشةَ وحفصةَ، ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَجِهِ حَدِيثًا﴾ [التحريم: ٣] لقوله: ((بل شَرِبتُ عَسَلاً). . وقال إبراهيمُ بنُ موسى، عن هشامٍ: ((ولن أعودَ له وقد حَلَفتُ، فلا تُخْبِرِي بذلكِ أحداً)). قوله: ((باب إذا حَرَّمَ طعاماً)) في رواية غير أبي ذرٍّ: طعامه، وهذا من أمثلة نَذْر اللَّجاج، وهو أن يقول مثلاً: طعامُ كذا أو شرابُ كذا عليَّ حَرام، أو نَذَرتُ أو لله عليَّ أن لا آكُلَ كذا أو لا أشرَبَ كذا، والرَّاجح من أقوال العلماء: أنَّ ذلك لا يَنعَقِد إلّا إن قَرَنَه بحَلِفٍ، فيَلزَمُه كفَّارُ یمینٍ. قوله: ((وقولُه تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَمَلَ / اللَّهُ لَكِّ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَجِكَ))) وزاد غير ٥٧٥/١١ ٢٠٠ باب ٢٥ / ح ٦٦٩١ فتح الباري بشرح البخاري أبي ذرِّ إلى قوله: ﴿ تَجِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ﴾، وقد تقدَّم بيان الاختلاف في ذلك في كتاب الطَّلاق (٥٢٦٧). وهل نزلتِ الآية في تحريم ماريةَ أو في تحريم شُربِ العَسَل؟ وإلى الثّاني أشارَ المصنّف حيثُ ساقَه في الباب. ويُؤخَذ حُكم الطَّعام من حُكم الشَّراب. قال ابن المنذر: اختُلِفَ فيمَن حَرَّمَ على نفسه طعاماً أو شراباً تَحِلَّ، فقالت طائفة: لا يَحُرُم عليه وتَلزَمه كفَّارة يمين، وبهذا قال أهل العراق. وقالت طائفة: لا تَلزَمه الكفَّارة إلّا إن حَلَفَ، وإلى ترجيح هذا القول أشارَ المصنِّف بإيرادِ الحديث لقولِه: ((وقد حَلَفتُ))، وهو قول مَسْروقٍ والشافعيّ ومالكِ، لكنِ استَثَنَى مالكٌ المرأة فقال: تَطلُق. قال إسماعيل القاضي: الفَرق بين المرأة والأمة أنَّه لو قال: امرأتي عليَّ حَرامٌ، فهو فِراقٌ التَزَمَه فَتَطْلُق، ولو قال لأَمَتِهِ من غير أن يَحِلِفَ، فإنَّه ألزَمَ نفسَه ما لم يَلزَمه فلا تَحُرُمُ عليه أمَتُه. قال الشافعيّ: لا يقع عليه شيءٌ إذا لم يَحِلِفٍ، إلّا إذا نَوى الطَّلاق فتَطلُق أو العِتَقَ فَتَعْتِقِ. وعنه: يَلزَمه كفَّارة يمين. قوله: ((وقولُه تعالى: ﴿لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ﴾)) كأنَّه يشير إلى ما أخرجه الثَّورِيُّ في ((جامعِه)) وابنُ المنذِر من طريقه بسندٍ صحيح عن ابن مسعود: أنَّه جيءَ عنده بطعامٍ، فَتَنَخَّى رجلٌ، فقال: إنّ حَرَّمته أن لا آكُلَه، فقال: ادْنُ(١) فكُل وكَفِّر عن يمينك. ثمَّ تلا هذه الآية إلى قوله: ﴿وَلَا تَعْتَّدُوَأَ﴾. قال ابن المنذر: وقد تَمَسَّكَ بعض مَن أوجَبَ الكفَّارة ولو لم يحلِف بما وَقَعَ في حديث أبي موسى في قصَّة الرجل الجَرْميّ والدَّجاج، وتلكَ روايةٌ مختصرة، وقد ثَبَتَ في بعض طرقه الصَّحيحة: أنَّ الرجل قال: حَلَفتُ أن لا آكُلَه. قلت: وقد أخرجه الشَّيخان في (الصحيحين))(٢) كذلك. قوله: ((حدَّثنا الحسن بن محمّد)) هو الزَّعفَرانيّ، والحجّاج بن محمَّد: هو المِصِّيصيّ. قولُه ((زَعَمَ عطاء)) وَقَعَ في رواية الإسماعيليّ من وجهٍ آخرَ عن حَجّاج قال: قال ابن جُرَيج عن عطاء، وكذا في رواية هشام بن يوسف المذكورة في آخر الباب. (١) تصحفت في (س) إلى: إذن. (٢) البخاري برقم (٣١٣٣)، ومسلم برقم (١٦٤٩) (٩).