النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ باب ١٥ / ح ٦٦٧٤ كتاب الأيمان والنذور قوله: ((خيرٌ من شاتَي لحم)) تقدَّم البحث فيه هناك أيضاً. قوله: ((وكان ابنُ عَوْن)) هو عبدُ الله راوي الحديث عن الشَّعبيّ، وهو موصولٌ بالسَّنَدِ المذكور. قوله: ((يَقِف في هذا المكان عن حديث الشَّعْبيِّ)) أي: يَترُك تَكمِلَتَه. قوله: ((ويُحدِّثُ عن محمَّدِ بنِ سِيرِينَ)) أي: عن أنسٍ. قوله: ((بمِثْلِ هذا الحديث)) أي: حديثِ الشَّعبيِّ عن البراءِ. قوله: ((ويَقِف في هذا المكان)) أي: في حديث ابن سِيرِين أيضاً. قوله: ((ويقول: لا أدري ... )) إلى آخره، يأتي بيانُه في الذي بعده. قوله: ((رواه أيوب، عن ابن سِيرِينَ، عن أنس)) وَصَلَه المصنّف في أوائل الأضاحيّ (٥٥٤٩) من رواية إسماعيل - وهو المعروف بابنٍ عُلِيَّة - عن أيوب، بهذا السَّنَد، ولفظه: ((مَن ذَبَحَ قبل الصلاة فليُعِد)) فقامَ رجل فقال: يا رسولَ الله، إنَّ هذا يومٌ يُشتَھَى فيه اللَّحم - وذكر جيرانَه - وعندي جَذَعةٌ خيرٌ من شاتَي لحم، فَرَخَّصَ له في ذلك، فلا أدري أبلَغَتِ الرُّخصةُ مَن سواه أم لا؟ وهذا ظاهرُه في أنَّ الكلّ من رواية ابن سِيرِين عن أنس، وقد أوضحتُ ذلك أيضاً في كتابٍ الأضاحيِّ. الحديث الثاني عشر: حديث جُندَبٍ، وهو ابن عبد الله البَجَليّ. قوله: ((خَطَبَ ثمَّ قال: مَن ذَبَحَ فَلْيُبدِّل مكانها)» تقدَّم في الأضاحيّ (٥٥٦٢) عن آدم عن شُعْبة بهذا السَّنَد، بلفظ: ((مَن ذَبَحَ قبل أن يُصَلَّ فليُعِدْ ... )) الحديث، وتقدَّم شرحه هناك أيضاً. قال الكِرْمانُّ: ومُناسَبةُ حديثَي البراء وجُندَبٍ لِلتَرجمة: الإشارةُ إلى التَّسوية بين الجاهلِ بالحكم والناسي. ١٦٢ باب ١٦ / ح ٦٦٧٥ فتح الباري بشرح البخاري ١٦ - باب اليَمينِ الغَمُوس ﴿وَلَا تَتَّخِذُوَاْ أَيْمَنَّكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ فَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾ الآية [النحل: ٩٤] ﴿دَخَلْأُ﴾: مَكْراً وخِيانةً. ٦٦٧٥ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ مُقاتلٍ، أخبرنا النَّضْرُ، أخبرنا شُعْبةُ، حذَّثنا فِراسٌ، قال: سمعتُ الشَّعْبيَّ، عن عبدِ الله بنِ عَمٍو، عن النبيِّ وَِّ قال: ((الكبائرُ: الإشْرَاكُ بالله، وعُقوقُ الوالِدَينِ، وقَتْلُ النَّفْسِ، والْيَمِينُ الغَمُوس)). [طرفاه في: ٦٨٧٠ و٦٩٢٠] قوله: ((بابُ اليَمِينِ الغَمُوس)) بفتح المعجمة، وضم الميم الخفيفة، وآخره مهملة، قيل: سُمِّيَت بذلك لأنها تَغمِسُ صاحبَها في الإِثم، ثم في النار، فهي فَعولٌ بمعنى فاعل، وقيل: ٥٥٦/١١ الأصلُ في ذلك أنهم كانوا إذا أرادوا أن يَتَعاهَدو / أحضروا جَفْنَةً، فجعلوا فيها طِيباً أو دماً أو رَماداً، ثم يَحِلِفون عندما يُدخِلون أيديَهم فيها لَيَتَمَّ لهم بذلك المرادُ من تأكيد ما أرادوا، فسُمِّيت تلك اليمين إذا غَدَر حالفُها(١) غَمُوساً، لكونه بالغ في نَقضِ العهد، وكأنها على هذا مأخوذةٌ من اليدِ المغموسة، فيكون فعول بمعنى مفعولة. وقال ابن التِّين: اليمين الغَمُوس: التي يَنغمِسُ صاحبُها في الإثم، ولذلك قال مالكٌ: لا كَفَّارَةَ فيها، واحتَجَّ أيضاً بقوله تعالى: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدْ تُمُ الْأَيْمَنَ﴾ [المائدة: ٨٩]، وهذه يمينٌ غير مُنعقدةٍ، لأن المنعِقِدَ ما يمكن حَلُّه، ولا يَتَأَتَى في اليمين الغَمُوس البِرُّ أصلاً. قوله: ((﴿وَلَا نَّخِذُواْ أَيْمَنَّكُمْ دَخَلَا بَيْنَِكُمْ فَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾ الآية)) كذا لأبي ذرٍّ، وساق في رواية كريمة إلى: ﴿عَظِيمٌ﴾. قوله: (﴿دَخَلَا﴾: مَكراً وخيانةً)) هو من تفسير قَتَادة وسعيد بن جُبَيْر، أخرجه عبد الرزاق(٢) عن مَعمَر عن قَتَادة قال: خيانة وغَدراً. (١) في (س): صاحبها، والمثبت من الأصلين. (٢) في ((التفسير)) ٣٥٩/١ عن معمر عن قتادة في قوله تعالى: ﴿دَخَلا بَيْنَكُمْ﴾ قال: خيانةً بينكم. ١٦٣ باب ١٦ / ح ٦٦٧٥ كتاب الأيمان والنذور وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جُبَير قال: يعني: مَكْراً وخديعة. وقال الفَرّاء: يعني: خيانة. وقال أبو عبيدة(١): الدَّخَلُ: كلُّ أمرٍ كان على فساد. وقال الطَّبَري: معنى الآية: لا تجعلوا أيمانكم التي تَحلِفون بها على أنكم تُوفُون بالعهد لمن عاهَدتُموه دَخلاً - أي: خديعةً وغَدراً - ليَطمئِنّوا إليكم وأنتم تُضمِرون لهم الغَدر، انتھی. ومناسبة ذكر هذه الآية لليمين الغموس: ورودُ الوَعِيد على مَن حلَفَ كاذباً مُتَعمِّداً. قوله: ((النَّضْرِ)) بفتح النُّون وسكون المعجَمة: هو ابن شُمَيلِ بالمعجَمة مُصفَّرٌ، ووَقَعَ منسوباً في رواية النَّسائيِّ (٤٠١١ و٤٨٦٧). وأخرجه أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) من رواية جعفر بن إسماعيل عن محمَّد بن مُقاتِل شيخ البخاريّ فيه، فقال: عن عبد الله بن المبارك عن شُعْبة، وكأنَّ لابنِ مُقاتِل فيه شیخَيْنِ إن كان حَفِظَه. وفِراسُ بكسر الفاءِ وتخفيفِ الرَّاءِ وآخِرَه سينٌ مُهمَلةٌ. قوله: ((عن عبد الله بنِ عَمرو)) أي: ابن العاص. قوله: ((الكبائرَ: الإِشْراكُ بالله)) زاد في رواية شَيْبانَ عن فِراس في أوَّله: جاء أعرابيٌّ إلى النبيّ ◌َّ فقال: يا رسولَ الله، ما الكبائر؟ فذكره(٢)، ولم أقِفْ على اسم هذا الأعرابيِّ. قوله: ((الكبائر الإشراك بالله ... )) إلى آخره، ذَكَر هنا ثلاثة أشياءَ بعد الشِّرك: وهو العُقوق وقتلُ النَّفْسِ والْيَمينُ الغَمُوس، ورواه غُندَرٌ عن شُعْبة بلفظ: ((الكبائر: الإشراكُ بالله وعُقوق (١) تحرفت في ((الأصلين)) إلى: ((أبو عبيد))، وكذا وقع في ((عمدة القاري)) ١٩٣/٢٣، والمثبت من (س)، وهو الصواب، فقد قال أبو عبيدة في ((مجاز القرآن)) ١/ ٣٦٧ في قوله تعال: ﴿دَخَلَا بَيْنَكُمْ﴾ قال: كل شيء وأمر لم يصح فهو دخل. (٢) سيأتي برقم (٦٩٢٠). ١٦٤ باب ١٦ / ح ٦٦٧٥ فتح الباري بشرح البخاري الوالدينِ - أو قال -: اليمين الغَموس)) شَكَّ شُعْبة، أخرجه أحمد (٦٨٨٤) عنه هكذا. وكذا أخرجه المصنّف في أوائل الدّيات (٦٨٧٠)، والتِّرمِذيّ (٣٠٢١)، جميعاً عن بُندارٍ عن غُندَرٍ (١). وعَلَّقَه البخاريّ هناك، ووَصَلَه الإسماعيليّ من رواية معاذ بن معاذ عن شُعْبة بلفظ: ((الكبائر: الإشراكُ بالله واليمينُ الغَموس وعُقوق الوالدينِ - أو قال : قتل النَّفْس)). ووَقَعَ في رواية شَيْبانَ التي أشرتُ إليها: ((الإشراك بالله)) قال: ثمَّ ماذا؟ قال: ((ثمَّ عُقوق الوالدين)) قال: ثمَّ ماذا؟ قال: ((اليمينُ الغَموس))، ولم يَذكُر قتل النَّفْس، وزاد في رواية شَيْبانَ: قلت: وما اليمينُ الغَموس؟ قال: ((التي يَقتطِع مالَ امرِئٍ مسلمٍ هو فيها كاذبٌ)). والقائل: ((قلتُ)) هو عبد الله بن عَمْرٍو راوي الخبر، والمجيبُ: النبيُّ وَّ، ويحتمل أن يكون السائل مَن دونَ عبد الله بن عَمْرو، والمجيبُ هو عبد الله أو مَن دونَه، ويُؤيِّد کَونَه مرفوعاً حديثُ ابن مسعودٍ والأشعَث المذكورُ في الباب الذي بعده، ثمَّ وقَفتُ على تعيين القائل: قلت: وما اليمين الغموس؟ وعلى تعيين المسؤول، فوجدتُ الحديث في النَّوع الثّالث من القسم الثّاني من ((صحيح ابن حِبّان)) (٥٥٦٢) وهو قسم النَّواهي. وأخرجه عن النَّضر بن محمَّد عن محمّد بن عثمان العِجليّ عن عُبيد الله بن موسى بالسَّنَدِ المذكور الذي أخرجه به البخاريّ، فقال في آخره بعد قوله: ((ثُمَّ اليمين الغَموس)): قلت لِعامٍ: ما اليمينُ الغَموس؟ ... إلى آخره، فظَهَرَ أنَّ السائل عن ذلك فِراسٌ، والمسؤول الشَّعبيُّ، وهو عامرٌ، فللَّه الحمدُ على ما أنعَمَ، ثمَّلله الحمد ثمَّ لله الحمد، فإنّي لم أرَ مَن تَحَرَّرَ له ذلك من الشُّاح، حتَّى إِنَّ الإسماعيليَّ وأبا نُعَيم لم يُحِرِجاه في هذا الباب من رواية شَيْبانَ، بل اقتصَرًا على رواية شُعْبة. ٥٥٧/١١ وسيأتي عَدُّ الكبائر وبيانُ الاختلاف في ذلك في كتاب/ الحدود في شرح حديث أبي هريرة: ((اجتَنِبوا السَّبع الموبقات)) (٦٨٥٧) إن شاء الله تعالى، وقد بيَّنْت ضابِط الكبيرة والخِلاف (١) الرواية التي أوردها هي رواية البخاري والترمذي، أما رواية أحمد فلفظها: ((وعقوق الوالدين، أو قتل النفس - شعبة الشاك- والیمین الغموس)). ١٦٥ باب ١٦ / ح ٦٦٧٥ كتاب الأيمان والنذور في ذلك، وأنَّ في الذُّنوب صغيراً وكبيراً وأكبَرَ، في أوائل كتاب الأدب (٥٩٧٦)، وذكرتُ ما يدلُّ على أنَّ المراد بالكبائرِ في حديث الباب: أكبرُ الكبائر، وأَنَّ وَرَدَ من وجهٍ آخرَ عند أحمد (٧٠٢٩) عن عبد الله بن عَمْرٍو بلفظ: ((مِن أكبر الكبائر))، وأنَّ له شاهداً عند التِّرمِذيّ (٣٠٢٠) عن عبد الله بن أُنيس، وذكر فيه اليمين الغَمُوس أيضاً. واستُدِلَّ به للجمهور على أنَّ اليمين الغموس لا كفَّارةَ فيها، للاتِّفاق على أنَّ الشِّرك والعُقوق والقتل لا كفَّارة فيه، وإنَّمَا كَفَّارَتُها الثَّوبة منها والتَّمكين من القِصاص في القتل العَمْد، فكذلك اليمين الغموس حُكمُها حُكُمُ ما ذُكِرَت معه. وأُجيبَ بأنَّ الاستدلال بذلك ضعيف، لأنَّ الجمع بين مُخْتَلِفِ الأحكام جائزٌ، كقوله تعالى: ﴿كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُ. يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، والإيتاء واجبٌ والأكلُ غير واجب. وقد أخرج ابن الجَوْزيِّ في ((التَّحقيق)) (٢٠٢٨) من طريق ابن شاهين بسنده إلى خالد ابن مَعْدان عن أبي المتوكّل عن أبي هريرة: أنَّه سمعَ رسول الله وَ له يقول: «ليس فيها كفَّارةٌ: يمينُ صَيْرٍ يَقْتَطِع بها مالاً بغير حَقّ)) وظاهر سنِدِه الصِّحّة، لكنَّه معلولٌ، لأنَّ فيه عَنْعَنةً بقيَّة، فقد أخرجه أحمد (٨٧٣٧) من هذا الوجه فقال في هذا السَّنَد: عن المتوكّل أو أبي المتوكّل، فظَهَرَ أَنَّه ليس هو الناجيَ الثِّقَةَ بل آخَرُ مجهول، وأيضاً فالمتن مختصرٌ، ولفظه عند أحمد: (مَنْ لَقِيَ الله لا يُشِرِكُ به شيئاً دَخَلَ الجنَّة)) الحديث، وفيه: ((وخمسٌ ليس لها كفَّارةٌ: الشِّركُ بالله))، وذكر في آخرها: ((ويمينٌ صابرةٌ يَقتَطِعِ بها مالاً بغير حَقّ)). ونَقَلَ محمَّد بن نَصْرٍ في ((اختلاف العلماء)) ثمَّ ابنُ المنذِر ثمَّ ابنُ عبد البَرِّ اتِّفاقَ الصحابة على أن لا كفَّارةَ في اليمين الغموس. وروى آدمُ بن أبي إياسٍ في ((مُسنَد شُعْبة)) وإسماعيلُ القاضي في ((الأحكام)) عن ابن مسعود: كنَّا نَعُدّ الذَّنبَ الذي لا كفَّارةَ له: اليمينَ الغَموس؛ أن يَحِلِف الرجلُ على مال أخيه كاذِباً لِيَقْتَطِعَه. قال: ولا مخالفَ له من الصحابة. واحتَجّوا بأنَّها أعظَمُ من أن تُكَفَّر. ١٦٦ باب ١٧ / ح ٦٦٧٦ - ٦٦٧٧ فتح الباري بشرح البخاري وأجابَ مَن قال بالكفَّارة كالحَكَم وعطاءٍ والأوزاعيِّ ومَعمَرٍ والشافعيِّ: بأنَّه أحوجُ لِلكفَّارة من غيره، وبِأنَّ الكفَّارة لا تَزِيدُه إلّا خيراً، والذي يجب عليه: الرُّجوعُ إلى الحقّ ورَدُّ المظلمة، فإن لم يفعل وكَفَّرَ، فالكفَّارة لا تَرفَعُ عنه حُكمَ التعدّي، بل تَنفَعه في الجملة. وقد طَعَنَ ابن حَزْمٍ في صِحّة الأثر عن ابن مسعود، واحتَجَّ بإيجابِ الكفَّارة فيمَن تَعَمَّدَ الجِماع في صوم رمضان، وفيمَن أفسَدَ حَجَّه، قال: ولعلَّهما أعظم إثماً من بعض مَن حَلَفَ اليمين الغموس، ثمَّ قال: وقد أوجَبَ المالكيَّة الكفَّارة على مَن حَلَفَ أن لا يَزْنِيَ، ثمَّ زَنَى، ونحو ذلك. ومن حُجّة الشافعيِّ: قولُه في الحديث الماضي في أوَّل كتاب الأيمان (٦٦٢٢): «فليأتِ الذي هو خيرٌ، وليُكفِّر عن يمينِهِ)) فأمَرَ مَن تَعَمَّدَ الحِنث أن يُكفِّرَ، فيُؤخَذ مِنه مشروعيَّة الكفَّارة لمن حَلَفَ حانثاً. ١٧ - باب قولِ الله تعالى: ﴿ إِنَّالَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ﴾ الآية [آل عمران: ٧٧] وقولِ الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤]. وقولِه جلَّ ذِكرُه: ﴿ وَلَا تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنَّا قَلِيلًا﴾ [النحل: ٩٥] إلى قوله: ﴿ وَلَا تَنْقُضُواْ ٥٥٨/١١ اَلْأَيْمَنَ بَعْدَ تَّوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل: ٩١]./ ٦٦٧٦ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو عَوَانة، عن الأعمَشِ، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ الله ◌ُ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((مَن حَلَفَ على يَمِينِ صَيْرٍ يَقْتَطِعُ بها مالَ امرِئٍ مسلمٍ، لَقِيَ الله وهو عليه غَضْبان)) فَأَنزَلَ الله تَصْدِيقَ ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَّا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] إلى آخِرِ الآيةِ. ٦٦٧٧ - فدَخَلَ الأشعَثُ بنُ قيسٍ، فقال: ما حدَّثكم أبو عبدِ الرَّحمنِ؟ فقالوا: كذا وكذا، قال: فيَّ أَنْزِلَت، كان لي بثّ في أرضِ ابنِ عَمِّ لي، فأتيتُ رسولَ اللهَّه فقال: ((بَيِّنَئُكَ أَوْ يَمِينُه)) ١٦٧ باب ١٧ / ح ٦٦٧٦ -٦٦٧٧ كتاب الأيمان والنذور قلتُ: إذاً يَخْلِفَ عليها يا رسولَ الله، فقال رسولُ اللهِوَّةِ: ((مَن حَلَفَ على يَمِينِ صَيْرٍ وهو فيها فاجِرٌ يَقْتَطِعُ بها مالَ امِرِئٍ مسلمٍ، لَفِيَ الله يومَ القيامةِ وهو عليه غَضْبان)). قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّالَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ﴾ الآيةَ)) كذا لأبي ذرٍّ، وساقَ في رواية كَرِيمة إلى قوله: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وقد سَبَقَ تفسير العهد قبل خمسة أبواب (٦٦٥٩). ويُستَفاد من الآية: أنَّ العهد غيرُ اليمين؛ لِعَطفِ اليمين عليه، ففيه حُجّة على مَن احتَجَّ بها بأنَّ العهد يمين، واحتَجَّ بعض المالكيَّة بأنَّ العُرْف جَرَى على أنَّ العهد والميثاق والكفالة والأمانة أيمانٌ، لأنَّها من صفات الذّات، ولا يخفى ما فيه. قال ابن بَطّال: وجه الدّلالة أنَّ الله خَصَّ العهد بالتَّقْدِمة على سائر الأيمان، فدَلَّ على تأكُّد الخَلِفِ به، لأنَّ عهد الله: ما أخَذَه على عباده، وما أعطاه عبادُه، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَهَدَ اللَّهَ﴾ الآية [التوبة: ٧٥]، فَذَمَّ(١) على تَركِ الوفاءِ به. قوله: ((وقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةٌ لِأَيْمَنِكُمْ﴾)) كذا لأبي ذرِّ، وفي روایة غیره: وقوله جلَّ ذِكرُه. قال ابن التِّين وغيره: اختُلِفَ في معناه؛ فعن زيد بن أسلَمَ: لا تُكثِروا الحَلِف بالله وإن كنتُم بَرَرةً، وفائدةُ ذلك إثباتُ الهَية في القلوب، ويشير إليه قولُه: ﴿ وَلَا تُطِعْ كُلَّ خَلَّافٍ مَّهِينٍ﴾ [القلم:١٠]، وعن سعيد بن جُبَير: هو أن يَحِلِفَ أن لا يَصِلَ رَحِمَه مثلاً، فيقال له: صِلْ، فيقول: قد حَلَفت، وعلى هذا فمعنى قوله: ﴿أَن تَبَرُوا﴾: كراهةَ أن تَبَرُّوا، فينبغي أن يأتي الذي هو خیر ویُكفِّر، انتھی. وقد أخرجه الطََّرِيُّ (٢/ ٤٠٠) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس، ولفظُه: لا تجعل اللهَ عُرضةً لِيَمِينِك أن لا تَصنَعَ الخيرَ، ولكن كَفِّرْ واصنَع الخير. وقيل: هو أن يَحِلِفَ أن يفعل نوعاً من الخير تأكيداً له بيمينه، فنُهي عن ذلك، حكاه الماوَرْديّ، وهو شبيه النَّهي عن النَّذر كما سيأتي نَظيره، وعلى هذا فلا يحتاج إلى تقدیر ((لا)). (١) تحرَّفت في (س) إلى: ((لأنه قدم))، والتصويب من الأصلين و((شرح ابن بطال)) ١١٥/٦. ١٦٨ باب ١٧ / ح ٦٦٧٦ -٦٦٧٧ فتح الباري بشرح البخاري قال الرَّاغِب وغيره: العُرْضة: ما يُجْعَل مُعرَّضاً لشيءٍ آخرَ، كما قالوا: بعيرٌ عُرْضةٌ لِلسَّفَر، ومِنه قول الشّاعر: ولا تَجْعَلَنِّي عُرْضةً لِلَّوائمِ ويقولون: فلانٌ عُرضةٌ لِلنّاس، أي: يقعونَ فيه، وفلانةٌ عُرضةٌ لِلنِّكاح: إذا صَلُحَت له وقَويَت عليه، وجَعَلتُ فلاناً عُرضةً في كذا، أي: أقَمتُه فيه، وتُطلَق العُرضة أيضاً على الهِمّة، كقولِ حسَّان: هي(١) الأنصارُ عُرضَتُها اللِّقَاءُ(٢) قوله: (﴿ وَلَا تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا نَنقُضُواْ الْأَيْمَنَ بَعْدَ تَّوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ﴾)) هكذا وَقَعَ في رواية أبي ذرٍّ، وسَقَطَ ذلك لجِمِيعِهِم، ووَقَعَ فيه تقديم وتأخير، والصَّواب: وقوله: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ إلى قوله: ﴿ وَلَا تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنَّا قَلِيلًا ﴾. وقد وَقَعَ في رواية النَّسَفيِّ بعد قوله: ﴿عُرْضَةٌ لِّأَيْمَنِكُمْ﴾ ما نَصُّه: وقوله: ﴿ وَلَا تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ﴾ الآية وقوله: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَاَ عَهَدْتُمْ ﴾ الآية [النحل: ٩١]. وقد مَشَى شرح ابن بَطّال على ما وَقَعَ عند أبي ذرِّ فقال: في هذا دليل على تأكيد الوفاء ٥٥٩/١١ بالعهد، لأنَّ الله تعالى قال: ﴿وَلَا نَنقُضُواْ أَلْأَيْمَنَ/ بَعْدَ تَّوْكِيدِهَا﴾، ولم يَتقدَّم غير ذلك العهد، فعُلمَ أنَّه یمین. ثُمَّ ظَهَرَ لي أنَّه أراد ما وَقَعَ قبل قوله: ﴿وَلَا نَنقُضُواْ﴾، وهو قولُهُ: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا تَهَدْتُمْ ﴾، لكن لا يَلزَم من عَطْف الأَيمان على العهد أن يكون العهدُ يميناً، بل هو كالآية السابقة: ﴿ إِنَّالَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ﴾، فالآيات كلُّها دالّاتٌ على تأكيد الوفاء (١) كذا وقعت هذه اللفظة للحافظ هنا، والذي في ((ديوان حسان)) وسائر كتب اللغة والأدب: ((هم)). (٢) البيت من الوافر، وصدره: وقال الله: قد يسَّرتُ جنداً انظر: «دیوانہ)» ص٦٢. ١٦٩ باب ١٧ / ح ٦٦٧٦ -٦٦٧٧ كتاب الأيمان والنذور بالعهد، وأمَّا كَونُه يميناً فشيءٌ آخر، ولعلَّ البخاريّ أشارَ إلى ذلك، وقد تقدَّم كلام الشافعيّ: في مَن حَلَفَ بعهدِ الله، قبل خمسة أبواب. وقوله: ((﴿ وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾)) أي: شهيداً في العهد، أخرجه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جُبَير. وأخرج عن مجاهدٍ قال: يعني: وكيلاً. واستَدَلَّ بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَنِكُمْ﴾ على أنَّ اليمين الغَمُوس لا كفَّارةَ فيها، لأنَّ ابن عبّاس فَسَّرَها بأنَّ الرجلَ تَحِلِفُ أن لا يَصِل قَرَابَتَه، فجَعَلَ الله له تَرَجاً في التكفير وأمَرَه أن يَصِلَ قَرابَتَه، ويُكفِّرَ عن يَمِينِهِ، ولم يجعل لِحِالفِ الغَمُوس تَخَرَجاً. كذا قال، وتَعقَّبَه الخطَّبيُّ بأنَّه لا يدلّ على تَركِ الكفَّارة في اليمين الغَمُوس، بل قد يدلَّ لمشروعيَّتِها. قوله: ((حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ)) هو التَّبوذَكيّ. قوله: ((حدَّثنا أبو عَوَانة)) هو الوضّاح، وقد تقدَّم عن موسى هذا بعضُ هذا الحديث بدون قصَّة الأشعَث في الشَّهادات (٢٦٧٣) لكن عن عبد الواحد - وهو ابن زياد - بَدَل أبي عَوَانة، فالحديث عند موسى المذكور عنهما جميعاً. قوله: ((عن أبي وائل)) هو شَقِيقُ بنُ سَلَمَةَ، وقد تقدَّم في الشِّرب (٢٣٥٦) من رواية أبي حمزة - وهو السُّكَّريّ - وفي الإشخاص (٢٤١٦) من رواية أبي معاوية، كلاهما عن الأعمَش عن شَقِيق، وقد تقدَّم قريباً (٦٦٥٩) من رواية شُعْبة عن سليمان، وهو الأعمش، ويُستَفاد مِنه أنَّهِ مَّا لم يُدَلِّس فيه الأعمَش، فلا يَضُرُّ مَجَيتُه عنه بالعَنعَنة. قوله: ((عن عبد الله)) في تفسير آل عمرانَ (٤٥٤٩) عن حَجّاجِ بن ◌ِمِنهالٍ عن أبي عَوَانة بهذا السَّنَد: عن عبد الله بن مسعود. قوله: ((قال رسول الله وَ لَه) كذا وَقَعَ التَّصريح بالرَّفع في رواية الأعمَش، ولم يقع ذلك في رواية منصورٍ الماضية في الشَّهادات (٢٦٦٩) وفي الرَّهن (٢٥١٥)، ووَقَعَ مرفوعاً في رواية شُعْبة الماضية قريباً عن منصورٍ والأعمَش جميعاً. قوله: ((مَن حَلَفَ على يمينِ صَيْرٍ)) بفتح الصّاد وسكون الموخَّدة، ويمين الصَّبر: هي التي تَلزَمُ ويُحُبَرُ عليها حالفُها، يقال: أصَبَرَه اليمين: أحلَفَه بها في مَقاطِعِ الحقّ. ١٧٠ باب ١٧ / ح ٦٦٧٦ -٦٦٧٧ فتح الباري بشرح البخاري زاد أبو حمزة عن الأعمش: «هو بها فاجِرٌ)) وكذا لِلأكثر، وفي رواية أبي معاوية: «هو عليها فاجِرٍ لِيَقْتَطِع))(١) وكأنَّ فيها حذفاً تقديره: هو في الإقدام عليها، والمراد بالفُجورِ: لازِمُه وهو الكذِب، وقد وَقَعَ في رواية شُعْبة: ((على يمينٍ كاذِيةٍ(٢)). قوله: ((يَقْتَطِعُ بها مالَ امْرِئٍ مسلمٍ)) في رواية حَجّاج بن مِنهال: ((ليَقْتَطِعَ بها)) بزيادة لام التعليل، و((يَقْتَطِع)) يَفْتَعِل من القطع، كأنَّه قَطَعَه عن صاحبه، أو أخذ قِطعةً من ماله بالحَلِفِ المذکورِ. قوله: (لَقيَ الله وهو عليه غَضْبانُ)) في حديث وائل بن حُجْرِ عند مسلم (١٣٩): ((وهو عنه مُعرِضٌ)). وفي رواية كُردوسٍ عن الأشعَث عند أبي داود (٣٢٤٤): ((إلّا لَقِيَ اللهَ وهو أجدَم)). وفي حديث أبي أمامةَ بن ثَعْلبة عند مسلمٍ (١٣٧) والنَّسائيِّ (٥٤١٩) نحوه في هذا الحديث: ((فقد أوجَبَ اللهُ له النار وحَرَّمَ عليه الجنَّة)). وفي حديث عِمْران عند أبي داود (٣٢٤٢): ((فليَتَبَوَّأْ مَقعَدَه من النار)). قوله: «فأَنزَلَ الله تَصْديقَ ذلك: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ تَمَغَلِيلًا﴾)) كذا في رواية الأعمَش ومنصور، ووَقَعَ في رواية جامع بن أبي راشد وعبد الملك بن أعين عند مسلم (١٣٨/ ٢٢٢) والتِّرمِذيّ (٣٠١٢) وغيرهما جميعاً عن أبي وائل عن عبد الله: سمعتُ رسول الله وَل﴿ يقول: ((مَن حَلَفَ على مال امِرِئٍ مسلم بغير حَقّه ... )) الحديث، ثمَّ قرأ علينا رسولُ اللهِ وَّهِ مِصداقَه من كتابِ الله: ﴿ إِنَّالَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ ﴾ فذكر هذه الآية، ولولا التَّصريحُ في رواية الباب بأنَّها نزلت في ذلك، لكان ظاهرُ هذه الرِّواية أنَّها نزلت قبل ذلك، وقد تقدَّم في تفسير آل عِمْران (٤٥٥١): أنَّها نزلت فيمَن أقامَ سِلعَتَه بعد العصر(٣) فحَلَفَ ٥٦٠/١١ كاذباً، وتقدَّم أنَّه يجوز/ أنَّها نزلت في الأمرَينِ معاً. (١) لفظ رواية أبي حمزة: ((هو عليها فاجر))، ولفظ رواية أبي معاوية: ((هو فيها فاجر)). (٢) في الأصلين: كاذباً، والمثبت من (س)، وهو الموافق لرواية شعبة (٦٦٥٩). (٣) لفظ حديث ابن أبي أوفى في تفسير آل عمران: ((أقام سلعةً في السوق))، ليس فيه: ((بعد العصر))، وهذه اللفظة إنما وردت في حديث أبي هريرة (٢٣٥٨) من كتاب المساقاة. ١٧١ باب ١٧ / ح ٦٦٧٦ -٦٦٧٧ كتاب الأيمان والنذور وقال الكِرْمانيُّ: لعلَّ الآية لم تَبلُغ إلى ابن أبي أوفَ إلّا عند إقامَةِ السِّلعةَ، فظنَّ أنَّها نزلت في ذلك، أو أنَّ الْقِصَّتَيْنِ وَقَعَتا في وقتٍ واحدٍ فنزلتِ الآية، واللَّفظ عامٌّ مُتَنَاوِلٌ لهما ولغير هما. قوله: ((فَدَخَلَ الأشعَث بن قيس فقال: ما حدَّثكم أبو عبد الرَّحمن؟)) كذا وَقَعَ عند مسلم (٢٢٠/١٣٨) من رواية وكيع عن الأعمش، وأبو عبد الرّحمن هي كُنيةُ ابن مسعود. وفي رواية جَرِير في الرَّهن (٢٥١٥): ثمَّ إِنَّ الأَشعَث بنَ قيس خَرَجَ إلينا فقال: ما يُحدِّثُكم أبو عبد الرَّحمن؟ والجمع بينهما أنَّه خَرَجَ عليهم من مكانٍ كان فيه، فدَخَلَ المكان الذي كانوا فيه. وفي رواية الثَّوريّ عن الأعمَش ومنصور جميعاً - كما سيأتي في الأحكام (٧١٨٤) -: فجاء الأشعَثُ وعبد الله يُحدِّثهم، ويُجمَعُ بأنَّ خروجه من مكانه الذي كان فيه إلى المكان الذي كان فيه عبدُ الله وَقَعَ وعبدُ الله يُحدِّثُهم، فلعلَّ الأشعَث تَشاغَلَ بشيءٍ فلم يُدرِك تحديث عبد الله، فسألَ أصحابه عَّا حدَّثهم به. قوله: ((فقالوا: كذا وكذا)) في رواية جَرِير: فحدَّثْناه. وبيَّن شُعْبةُ في روايته أنَّ الذي حدَّثُه بما حدَّثهم به ابنُ مسعود: هو أبو وائلِ الراوي، ولفظه في الإشخاص(١): قال: فَلَقِيَتِي الأشعَثُ فقال: ما حدَّثكم عبدُ الله اليوم؟ قلت: كذا وكذا. وليس بين قوله: فلَقِيَني، وبين قوله في الرِّواية: خَرَجَ إلينا فقال: ما يُحدِّثُكم؟ مُنافةٌ، وإنَّما أَفَرَدَ (٢) في هذه الرِّواية لِكَونِه المجیبَ. قوله: ((قال: فيَّ أَنْزِلَت)) في رواية جَرِير قال: فقال: صَدَقَ، لَفِيَّ والله أُنْزِلَت. واللّام لِتأكيدِ القسم دخلت على «في»، ومُراده: أنَّ الآية نزلت(٣) بسببٍ خصومته التي يذكرها، وفي رواية أبي معاوية: فيَّ والله كان ذلك، وزاد جَرِير عن منصور: فقال: صَدَقَ. (١) بل في الشهادات (٢٦٧٧). (٢) تحرَّفت في (س) إلى: انفرد. (٣) تحرَّفت في (س) إلى: ليست. ١٧٢ باب ١٧ / ح ٦٦٧٦ -٦٦٧٧ فتح الباري بشرح البخاري قال ابن مالك: قوله: ((لَفيَّ والله نزلَتْ))، شاهدٌ على جواز تَوسُّط القَسَمِ بين جُزءي الجواب، وعلى أنَّ اللّام يجب وصلُها بمعمول الفِعل الجوابيِّ المتقدِّمِ، لا بالفِعلِ. قوله: ((کان لي» في رواية الگُشْمِیھنیِّ: کانت. قوله: ((بثْر)) في رواية أبي معاوية: أرض، وادَّعَى الإسماعيليّ في الشِّرب أنَّ أبا حمزة تفرَّد بقولِه: في بئر. وليس كما قال؛ فقد وافَقَه أبو عَوَانة كما تَرَى، وكذا يأتي في الأحكام من رواية الثَّوريِّ عن الأعمَش ومنصور جميعاً، ومثلُه في رواية شُعْبة الماضية قريباً عنهم (٦٦٦٠)، لكن بيَّن أنَّ ذلك في حديث الأعمَش وحده، ووَقَعَ في روایة جَرِیر عن منصور: في شيء، ولِبعضِهم: في بئر، ووَقَعَ عند أحمد (٢١٨٤٨) من طريق عاصم عن شَقِيق أيضاً: في بئر. قوله: ((في أرض ابن عمّ لي)) كذا لِلأكثرِ؛ أنَّ الخصومة كانت في بئرٍ يَدَّعيها الأشعث في أرض لِخَصْمِه، وفي رواية أبي معاوية: كان بيني وبين رجلٍ من اليهود أرضٌ فجَحَدَني. ويُجمَع بأنَّ المراد: أرضُ البئر لا جميع الأرض التي هي أرض البئر، والبئر من جُلَتها، ولا مُنافاة بين قوله: ابن عمٍّ لي وبين قوله: من اليهود، لأنَّ جماعةً من أهل اليمن كانوا تَهوَّدوا لمَّا غَلَبَ يوسفُ ذو نُواسٍ على اليمن فطَرَدَ عنها الحَبَشةَ، فجاء الإسلامُ وهم على ذلك، وقد ذكر ذلك ابنُ إسحاق في أوائل ((السِّيرة النبويَّة)) مبسوطاً، وقد تقدَّم في الشِّرب (٢٣٥٦): أنَّ اسم ابن عمّه المذكور الجَفْشِيش بن مَعدان بن مَعْدِي کَرِب، وبيَّنت الخِلاف في ضبط الجَفْشِيش، وأنَّه لَقَبٌ، واسمه جَرِير، وقيل: مَعْدان، حكاه ابن طاهر، والمعروف أنَّه اسمٌ، وكُنيتُه: أبو الخير. وأخرج الطبرانيّ (٦٣٨) من طريق الشَّعبيّ عن الأشعَث قال: خاصَمَ رجل من الحَضرَ مّينَ رجلاً مِنّا - يقال له: الجَفْشِيش - إلى النبيّ ◌َّه في أرضٍ له، فقال النبيّ ◌َّ لِلحَضرَ ميِّ: ((جِئ بشُهودِك على حَقّك وإلّ حَلَفَ لك)) الحديث. قلت: وهذا يخالف السّياق الذي في ((الصَّحیح))، فإن كان ثابتاً مُمِلَ على تعدُّد القصّة. ١٧٣ باب ١٧ / ح ٦٦٧٦ -٦٦٧٧ كتاب الأيمان والنذور وقد أخرج أحمد (١٧٧١٦) والنَّسائيُّ (ك٥٩٤٦) من حديث عَديّ بن عميرةَ الکِنْديِّ قال: خاصَمَ رجلٌ من كِندةَ يقال له: امرُؤُ القيس بن عابس الكِنْديّ رجلاً من حَضْرَ موتَ في أرضٍ ... فذَكَر نحو قصَّة الأشعث، وفيه: إن مَكَّنته من اليمين ذهبَت أرضي، وقال: ((مَن خَلَفَ)) فذكر الحديث وتلا الآية. ومَعْدي كَرِبَ جَدُّ الجَفْشِيش، وهو جَدُّ/ الأشعث بن قيس ٥٦١/١١ ابن مَعْدي کَرِبَ بن معاوية بن جَبَلَةَ بن عَديّ بن ربيعة بن معاوية، فهو ابن عمّه حقیقة. ووَقَعَ في روايةٍ لأبي داود (٣٢٤٤) من طريق كُرُدُوس عن الأشعَث: أنَّ رجلاً من كِندة ورجلاً من حَضْرَ موتَ اختَصَها إلى النبيّ ◌َِّ في أرضٍ من اليمن، فذكر قصَّةً تُشبِه قصَّة الباب، إلّا أنَّ بينهما اختلافاً في السّياق، وأظنُّها قصَّةً أُخرى؛ فإنَّ مسلماً (١٣٩) أخرج من طريق عَلْقمة بن وائل عن أبيه قال: جاء رجلٌ من حضرَ موتَ ورجلٌ من كِندة إلى رسول الله ◌َّه، فقال الحَضرَ ميُّ: إنَّ هذا غَلَبني على أرضٍ كانت لأبي. وإِنَّمَا جَوَّزتُ التعدُّد لأنَّ الْحَضرَميَّ يُغايِرِ الكنديَّ، لأنَّ المدَّعي في حديث الباب هو الأشعَث وهو الكنديُّ جَزماً، والمدَّعي في حديث وائل هو الحَضرَميُّ، فافتَرَقا، ويجوز أن يكون الحَضرَميُّ نُسِبَ إلى البَلَد لا إلى القبيلة، فإنَّ أصل نسبة القبيلة كانت إلى البَلَد ثمَّ اشتُهِرَتِ النِّسبة إلى القبيلة، فلعلَّ الكنديّ في هذه القصَّة كان يَسكُن حضرَ موتَ فنُسِبَ إليها، والكنديّ لم يَسكُّنها فاستَمرَّ علی نِسَتِه. وقد ذَكَروا الجَفْشِيش في الصحابة، واستَشكَلَه بعض مشايخنا، لقولِه في الطَّريق المذكورة قريباً: إنَّه يهوديّ، ثمَّ قال: يحتمل أنَّه أسلَمَ. قلت: وتمامه أن يقال: إنَّما وَصَفَه الأشعَث بذلك باعتبار ما كان عليه أوَّلاً، ويُؤْيِّد إسلامَه أنَّه وَقَعَ في رواية كُرُدُوس عن الأشعَث في آخر القصَّة أنَّه لمَّا سمعَ الوعيدَ المذكورَ قال: هي أرضُه، فَتَرَكَ اليمين تَورُّعاً، ففيه إشعارٌ بإسلامه، ويُؤيِّده أنَّه لو كان يهوديّاً ما بالَى بذلك لأنَّهم يَستَحِلّونَ أموالَ المسلمينَ، وإلى ذلك وَقَعَتِ الإشارة بقولِه تعالى حكايةً عنهم: ﴿لَيَسُ عَلَيْنَا فِى الْأُمَّيْنَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥]، أي: حَرَجٌ، ويُؤْيِّدُ كَونَه مسلماً أيضاً روايةُ الشَّعبيِّ الآتية قريباً. ١٧٤ باب ١٧ / ح ٦٦٧٦ -٦٦٧٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فأتيتُ رسولَ الله ◌َال﴾)) في رواية الثَّوريّ (٧١٨٤): خاصَمتُه، وفي رواية جَرِیر عن منصور (٢٥١٦): فاختَصَما إلى رسول الله وَلَّ، وفي رواية أبي معاوية: فجَحَدَني فقَدَّمتُه ◌َلِ لّه إلى رسول الله قوله: ((فقال: بيَّتُك أو يمينُهُ)) في رواية أبي معاوية: فقال: ((أَلَك بيَِّةٌ؟)) فقلت: لا، فقال لليهوديِّ: ((احلِف))، وفي رواية أبي حمزة: فقال لي: ((شُهودُك)) قلت: ما لي شُهُود، قال: (فَيَمِينُهُ))، وفي رواية وكيع عند مسلم: ((أَلَك عليه بيِّنَةٌ؟))، وفي رواية جَرِير عن منصور: ((شاهداك أو يَمينُهُ))، وتقدَّم في الشَّهادات توجيه الرَّفع وأنَّ يجوز النَّصب، ويأتي نَظيرُه في لفظ رواية الباب، ويجوز أن يكون توجيه الرَّفع: لك إقامةُ شاهدَيك أو طلبُ يمينِهِ، فحُذِفَ فيهما المضاف وأُقيم المضاف إليه مقامه فُرُفِعَ، والأصل في هذا التَّقَدير قولُ سِيبويه: المثَبَت لك ما يَدَّعيه شاهداك، وتأويلُه: المثبتُ لك هو شهادةُ شاهدَيك ... إلى آخره. قوله: ((قلت: إذاً يَخْلِفَ عليها يا رسولَ الله)) لم يقع في رواية أبي حمزة ما بعد قوله: يَحَلِف، وتقدَّم في الشِّرب أنَّ ((يَحِلِف)) بالنصب لِوجودِ شَرائطه من الاستقبال وغيره، وأنَّه يجوز الرَّفع، وذُکِر فیه توجیهُ ذلك. وزاد في رواية أبي معاوية: إذاً يجلِف ويذهب بمالي. ووَقَعَ في حديث وائل من الزّيادة بعد قوله: ((أَلَك بيٌِّ؟)): قال: لا، قال: ((فَلَكَ يمينُه))، قال: إِنَّه فاجِرٌ ليس يُبالي ما حَلَفَ عليه وليس يَتَوزَُّ من شيءٍ، قال: ((ليس لك مِنه إلّا ذلك)). ووَقَعَ في رواية الشَّعبيِّ عن الأشعَث قال: أرضي أعظَمُ شأناً مِن أن يَحِلِفَ عليها، فقال: ((إنَّ يمين المسلم يُدرأُ بها أعظَمُ من ذلك)). قوله: ((فقال رسول الله ێ: من حلَفَ) فَذکر مِثلَ حديث ابن مسعودٍ سواء، وزاد: ((وهو فيها فاجِرٌ)) وقد بيَّنتُ أنَّ هذه الزّيادة وَقَعَت في حديث ابنِ مسعودٍ عند أبي حمزة وغيره، وزاد أبو حمزة: فأنزلَ الله ذلك تصديقاً له، أي: لحديثِ النبيّ وَلَّ. ولم يقع في رواية منصور حديث: ((مَن حَلَفَ)) من رواية الأشعَث، بل اقتَصَرَ على قوله: فَأَنزَلَ الله، وساقَ الآية. ١٧٥ باب ١٧ / ح ٦٦٧٦ -٦٦٧٧ كتاب الأيمان والنذور ووَقَعَ في رواية كُرُدُوس عن الأشعَثِ: فَتَهِيَّأ الكنديُّ لِليمين. وفي حديث وائلٍ: فانطَلَقَ لِيَحِلِفَ، فلمَّا أدَبَرَ قال رسولُ الله ◌َّةٍ ... الحديث. ووَقَعَ في رواية / الشَّعبيّ عن الأشعَث: فقال النبيّ وَّهِ: ((إن هو حَلَفَ كاذِباً أدخَلَه الله ٥٦٢/١١ النارَ)، فذهب الأشعَث فأخبَرَه القصَّة، فقال: أصلِح بيني وبينه، قال: فأصلَحَ بينهما. وفي حديث عَديّ بن عَمِيرةَ: فقال له امرُؤُ القيس: ما لمن تَرَكَها يا رسولَ الله؟ قال: ((الجنَّة))، قال: أَشهَدُ أنّي قد تَرَكتها له كلَّها. وهذا يُؤيِّدُ ما أشرتُ إليه من تعدُّد القصَّة. وفي الحديث سماعُ الحاكم الدَّعوى فيما لم يَرَه إذا وُصِفَ وحُدِّدَ وعَرَفَه المتداعيان، لكن لم يقع في الحديث تصريحٌ بوصفٍ ولا تحديدٍ، فاستَدَلَّ به القُرطُبيّ على أنَّ الوصف والتَّحديد ليس بلازِمٍ لِذاته، بل يكفي في صِحّة الدَّعوى تمييز المدَّعَى به تمييزاً يَنضَبِط به. قلت: ولا يَلْزَم من تَرْك ذِكْرِ التَّحديد والوصف في الحديث أن لا يكون ذلك وَقَعَ، ولا يُستَدَلُّ بسُكوتِ الراوي عنه بأنَّه لم يقع، بل يُطالَب مَن جَعَلَ ذلك شرطاً بدليلِهِ، فإذا ثَبَتَ ◌ُلَ على أنَّه ذُكِرَ في الحديث، ولم يَنقُله الراوي. وفيه أنَّ الحاكم يسأل المدّعي: هل له بيِّنة؟ وقد تَرجَمَ بذلك في الشّهادات (٢٦٦٨): ((وأنَّ البيّنة على المدَّعي في الأموال كلِّها)). واستُدِلَّ به لمالكِ في قوله: إنَّ مَن رَضِيَ بيمين غريمه ثمَّ أراد إقامة البيِّنة بعد حَلِفِه أنَّها لا تُسمَع، إلّا إن أتى بعُذْرٍ يَتَوجَّه له في تَركِ إقامتها قبل استحلافه. قال ابنُ دقيق العيد: ووجهه: أنَّ ((أو)) تقتضى أحدَ الشَّيئينِ، فلو جازَ إقامة البيّنة بعد الاستحلاف لكان له الأمران معاً، والحديث يقتضي أنَّه ليس له إلّا أحدُهما، قال: وقد يُجابُ بأنَّ المقصود من هذا الكلام نفيُ طريقٍ أُخرى لإثبات الحقّ، فيعود المعنى إلى حَصْر الحُجّة في البيّنة واليمين. ثمَّ أشارَ إلى أنَّ النَّظَر إلى اعتبار مقاصد الكلام، وفَهمُّه يُضعِف هذا الجواب. قال: وقد يَستَدِلُّ الحنفيَّةُ به في تَّرْك العَمَل بالشّاهِدِ واليمين في الأموال. قلت: والجواب عنه بعد ثُبُوت دليل العَمَل بالشّاهِدِ واليمين أنَّها زيادةٌ صحيحةٌ يَجِبُ المصير إليها، لِئُبوتِ ذلك بالمنطوق، وإنَّما يُستَفاد نفيُه من حديث الباب بالمفهوم. ١٧٦ باب ١٧ / ح ٦٦٧٦ - ٦٦٧٧ فتح الباري بشرح البخاري واستُدِلَّ به على توجيه اليمين في الدَّعاوَى كلِّها على مَن ليست له بيِّنّةٌ. وفيه بناءُ الأحكام على الظّاهر، وإن كان المحكومُ له في نفسِ الأمر مُبطِلاً. وفيه دليلٌ لِلجُمهورِ أنَّ حُكم الحاكم لا يُبيح للإنسان ما لم يكن حلالاً له، خِلَافاً لأبي حنيفة، كذا أطلقَه النَّوويّ. وتُعقّبَ بأنَّ ابنِ عبد البَرّ نَقَلَ الإجماعَ على أنَّ الحُكم لا يُحِلُّ حَراماً في الباطِن في الأموال. قال: واختلفوا في حِلِّ عِصْمة نِكاح مَن عُقِدَ عليها بظاهرِ الحُكم، وهي في الباطِن بخلافه، فقال الجمهور: الفُروج كالأموال، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف وبعض المالكيَّة: إنَّ ذلك إنَّما هو في الأموال دونَ الفُروج، وحُجَّتُهم في ذلك: اللِّعان. انتهى، وقد طَرَدَ ذلك بعضُ الحنفيَّة في بعض المسائل في الأموال، والله أعلم. وفيه التَّشديد على مَن حَلَفَ باطِلاً ليأخُذَ حَقَّ مسلمٍ، وهو عند الجميع محمولٌ على مَن ماتَ على غير تَويةٍ صحيحةٍ، وعند أهل السُّنّة محمولٌ على مَن شاءَ الله أن يُعذِّبَه، كما تقدَّم تقريره مِراراً، مِن أواخِرِها في الكلام على حديث أبي ذرٍّ في كتاب الرِّقاق (٦٤٤٣). وقوله: ((ولا يَنظُرُ الله إليه))(١) قال في ((الكَشّاف)): هو كِناية عن عَدَم الإحسان إليه عند مَن يُجُوِّز عليه النَّظَرَ، مَجَازٌ عند مَن لا يُجُوِّزه، والمراد بتَركِ التَّزكية: تَركُ الثَّناء عليه، وبالغضبِ: إيصالُ الشّ إليه. وقال المازَرِيّ: ذَكَر بعض أصحابنا أنَّ فيه دلالةً على أنَّ صاحبَ اليَدِ أولى بالمدَّعَى فيه. وفيه التَّنبيه على صورة الحُكم في هذه الأشياء، لأنَّ بَدَأ بالطالبِ فقال: ليس لك إلّا يمينُ الآخَر، ولم يَحكم بها لِلمُدَّعَى عليه إذا حَلَفَ، بل إِنَّا جَعَلَ اليمين تَصِرِفُ دَعوى المدَّعِي لا غير، ولذلك ينبغي لِلحاكم إذا حَلَّفَ الدَّعَى عليه أن لا يَحَكُم له بمِلكِ المدَّعَى فيه ولا بحيازَتِه، بل يُقِرُّه على حُكم يَمینِه. (١) هذه العبارة لم يشر إليها الحافظ رحمه الله من بين روايات حديثي ابن مسعود والأشعث وزياداتها التي أوردها، وإنما هي من حديث أبي موسى الأشعري في القصة نفسها، أخرجها عبد بن حميد (٥٣٨)، والخطيب البغدادي في ((الأسماء المبهمة» ص٤٢٧. إلا أنها وردت في آخر شرح هذا الباب ضمن حديث أبي ذر: ((ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ... )) الحديث، والله أعلم. ١٧٧ باب ١٧ / ح ٦٦٧٦ -٦٦٧٧ كتاب الأيمان والنذور واستُدِلَّ به على أنَّه لا يُشتَرَط في المتداعِيَينِ أن يكونَ بينهما اختلاط، أو يكون مَمَّن يُنَّهَم بذلك ويَليق به، لأنَّ النبيَّ نَّهِ أَمَرَ المدَّعَى عليه هنا بالخَلِفِ بعد أن سمعَ الدَّعوى، ولم يَسأل عن حالهما. وتُعقِّبَ بأنَّه ليس فيه التَّصريح بخلاف ما ذهب إليه مَن قال به من المالكيَّة،/ لاحتمال أن يكونَ النبيُّ وَلَه عَلِيم من حاله ما أغناه عن السُّؤال فيه، وقد قال ٥٦٣/١١ خَصْمُه عنه: إنَّه فاجِرٌ لا يُبالي ولا يَتَورَّع عن شيء، ولم يُنكِرِ عليه ذلك، ولو كان بريئاً ممّاً قال لَبادَرَ لِلإِنكار عليه، بل في بعض طرق الحديث ما يدلُّ على أنَّ الغَصْب المدَّعَى به وَقَعَ في الجاهليَّة، ومثل ذلك تُسمَع الدَّعوى بيمينه فيه عندهم. وفي الحديث أيضاً أنَّ يمينَ الفاجِرِ تُسقِط عنه الدَّعوى، وأنَّ فُجورَه في دِینه لا یوجِب الحَجْر عليه، ولا إبطالَ إقراره، ولولا ذلك لم يكن لليمين معنَى، وأنَّ المدَّعَى عليه إن أقَرَّ أنَّ أصلَ المدَّعَى لغيره، لا يُكلَّف لِبيان وجه مَصِيره إليه ما لم يُعلَم إنكارُه لذلك، يعني: تسلیم المطلوب له ما قال. قال: وفيه أنَّ مَن جاء بالبيِّنة قُضِيَ له بحَقِّه من غير يمينٍ، لأنَّه مُحالٌ أن يسألَه عن البيِّنة دونَ ما يَجِبُ له الحُكم به، ولو كانت اليمين من تمام الحُكم له لَقال له: بيِّتُك ويمينك على صِدْقها. وتُعقّبَ بأَنَّه لا يَلزَم من كونه لا يَحِلِف مع بيِّتِه على صِدقها فيما شَهِدَت، أنَّ الحُكم له لا يَتَوقَّف بعد البيّنة على حَلِفِه بأنَّه ما خَرَجَ عن مِلكِه ولا وهَبَه مثلاً، وأنَّه يَستَحِقْ قَبِضَه، فهذا وإن كان لم يُذكَر في الحديث فليس في الحديث ما يَنفيه، بل فيه ما يُشعِر بالاستغناءِ عن ذِكْر ذلك، لأنَّ في بعض طُرُقه: أنَّ الْخَصم اعتَرَفَ وسَلَّمَ المدَّعَى به لِلمُدَّعي، فأغنى ذلك عن طلبِه يمينَه، والغرض أنَّ المدَّعي ذكر أنَّه لا بيَِّةَ له، فلم تكن اليمين إلّا في جانبٍ المدَّعَى عليه فقط. وقال القاضي عِيَاض: وفي هذا الحديث من الفوائد أيضاً: البِداءة بالسَّماع من الطالب، ثمَّ من المطلوب؛ هل يُقِّ أو يُنكِرِ؟ ثمَّ طلب البَيِّنة من الطالب إن أنكَرَ المطلوب، ثمَّ توجيه اليمين على المطلوب إذا لم يَجِد الطالب البيّنة، وأنَّ الطالب إذا ادَّعَى أنَّ المدَّعَى به في يد المطلوب فاعتَرَفَ، استَغنى عن إقامة البيّنة بأنَّ يدَ المطلوب عليه. ١٧٨ باب ١٧ / ح ٦٦٧٦ -٦٦٧٧ فتح الباري بشرح البخاري قال: وذهب بعضُ العلماء إلى أنَّ كلّ ما يَجري بين المتداعيَينِ من تَسابٌّ بخيانةٍ وفُجورٍ هَدَرٌ؛ لهذا الحديث. وفيه نظرٌ، لأنَّه إنَّمَا نَسَبَه إلى الغَصْب في الجاهليَّة، وإلى الفُجور وعَدَم التَّوقّي في الأيمان في حال اليهوديّة، فلا يَطَرِدُ ذلك في حَقِّ كلّ أحد. وفيه مَوعِظُ الحاكم المطلوبَ إذا أراد أن يَحِلِفَ، خوفاً من أن يَحِلِف باطِلاً، فَيَرجِعُ إلى الحقّ بالموعِظة. واستَدَلَّ به القاضي أبو بكر بن الطيِّب في سؤال أحدِ المتناظرين صاحبَه عن مذهبه، فيقول له: أَلَك دليلٌ على ذلك؟ فإن قال: نعم، سألَه عنه، ولا يقول له ابتداءً: ما دليلُك على ذلك؟ ووجه الدّلالة أنَّهِوَ لَقَال لِلطّالبِ: ((أَك بيّةٌ؟)) ولم يَقُل له: قَرِّب بَيِّتَك. وفيه إشارةٌ إلى أنَّ لِليمين مكاناً يَخْتَصُّ به، لقولِه في بعض طرقِه: فانطَلَقَ لِيَحِلِفَ، وقد عُهِدَ في عَهْدهُ وَِّ الحَلِفُ عند مِنبَرَه، وبذلك احتَجَّ الخطّابِيُّ فقال: كانت المحاكمة والنبيُّ ◌َّهِ في المسجد، فانطَلَقَ المطلوب ليَحلِف، فلم يكن انطِلاقُهُ إلّا إلى المِنْبَرَ؛ لأنَّه كان في المسجد فلا بُدَّ أن يكونَ انطِلاقُه إلى موضعٍ أخصَّ مِنه. وفيه أنَّ الحالف يَحِلِف قائماً، لقولِه: فلمَّا قامَ ليَحِلِفَ. وفيه نظرٌ، لأنَّ المراد بقولِه: قامَ: ما تقدَّم من قوله: انطَلَقَ ليَحلِفَ. واستَدَلَّ به الشافعيّ: أنَّ مَن أسلَمَ وبيَدِه مالٌ لغيره أنَّه يَرجِع إلى مالكه إذا أثبتَه، وعن المالكيَّة: اختصاصه بما إذا كان المال لِكافٍ، وأمَّا إذا كان لمسلمٍ وأسلَمَ عليه الذي هو بيَدِه، فإنَّه يُقَرُّ بيَدِه. والحديث حُجّة عليهم. وقال ابن المنيِّر في ((الحاشية)): يُستَفاد مِنه أنَّ الآية المذكورة في هذا الحديث نزلت في نَقض العهد، وأنَّ اليمين الغَمُوس لا كفَّارةَ فيها، لأنَّ نَقضَ العهد لا كفَّارة فيه. كذا قال، وغايتُه أنَّهَا دلالةُ اقترانٍ. وقال النَّوويّ: يَدخُل في قوله: ((مَن اقتَطَعَ حَقَّ امِرِئٍ مسلمٍ)): مَن حَلَفَ على غير مال، كجِلدِ الميتة والسِّرجينِ وغيرهما ممَّا يُنْتَفَع به، وكذا سائرُ الحقوق كَنصيبِ الَّوجة بالقَسْم، ١٧٩ باب ١٨ / ح ٦٦٧٨ - ٦٦٨٠ كتاب الأيمان والنذور وأمَّا التَّقييد بالمسلم وبأخيه(١) فلا يدلّ على عَدَم تحريم حَقِّ الذِّمّيّ، بل هو حَرامٌ أيضاً، لكن لا يَلزَم أن يكونَ فيه هذه العُقوبة العظيمة، وهو تأويلٌ حسنٌ لكن ليس في الحديث المذكور دلالةٌ على تحريم حَقِّ الدِّمّيّ، بل ثَبَتَ بدليلٍ آخرَ، والحاصل أنَّ المسلم والذِّمّيّ/ لا ٥٦٤/١١ يَفتَرِقُ الحُكم في الأمر فيهما في اليمين الغَمُوس والوعيد عليها، وفي أخذٍ حَقِّهما باطِلاً، وإنَّما يَفْتَرِق قَدرُ العُقوبة بالنِّسبة إليهما. قال: وفيه غِلَظ تحريم حقوق المسلمينَ، وأنَّه لا فرق بين قليل الحقّ وكثيره في ذلك، وكأنَّ مُرادَه عَدَم الفَرق في غِلَظ التَّحريم، لا في مراتب الغِلَظ، وقد صَرَّحَ ابنُ عبد السَّلام في ((القواعد)) بالفَرقِ بين القليل والكثير، وكذا بين ما يَتَرتَّب عليه كثير المفسَدة وحقيرها. وقد وَرَدَ الوعيد في الحالف الكاذِب في حَقِّ الغير مُطلَقاً في حديث أبي ذرّ: «ثلاثةٌ لا يُكلِّمُهم الله ولا يَنظُرُ إليهم ... ) الحديث، وفيه: ((والمنفِّقْ سِلعَتَه بالحَلِفِ الكاذِب)) أخرجه مسلم (١٠٦)، وله شاهدٌ عند أحمد (١٠٢٢٦) وأبي داود (٣٤٧٤) والِّرمِذيّ(٢) من حديث أبي هريرة بلفظ: ((ورجلٌ حَلَفَ على سِلعَته بعد العصر كاذِباً)). ١٨ - باب اليمينِ فيما لا يَملِك، وفي المعصية، والغضب ٦٦٧٨ - حدَّثني محمَّدُ بنُ العلاءِ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن بُرَيدِ، عن أبي بُرْدةَ، عن أبي موسى، قال: أرسَلَني أصحابي إلى النبيِّ وَّل أسألُهُ الحُمْلانَ، فقال: ((لا أحِلُكم على شيءٍ) ووافَقْتُه وهو غَضْبانُ، فلمَّا أتيتُه قال: ((انطَلِق إلى أصحابِكَ فقُل: إنَّ الله -أو إنَّ رسولَ الله ێ -يَجْمِلُكم)). ٦٦٧٩ - حدَّثنا عبدُ العزيزِ، حدَّثنا إبراهيمُ، عن صالحٍ، عن ابنِ شِهابٍ (ح) وحدَّثنا الحجّاجُ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ عمرَ النُّمَيرِيُّ، حذَّثنا يونسُ بنُ يزيدَ الأيلِيُّ، قال: سمعتُ الزُّهْريَّ، قال: سمعتُ عُرْوةَ بنَ الزُّبَيرِ وسعيدَ بنَ المسيّبِ وعَلْقمةَ بنَ وَقَّاصٍ وعُبيدَ الله بنَ عبدِ الله بنِ عُتْبَةَ، (١) لفظة ((وبأخيه)) سقطت من (س). (٢) رواية الترمذي (١٥٩٥) مختصرة ليس فيها ما ذكره. ثم إن الحديث أخرجه البخاري في غير ما موضع، انظر ما سلف برقم (٢٣٥٨)، وهو عند مسلم (١٠٨)، والنسائي (٤٤٦٢)، وابن ماجه (٢٨٧٠). ١٨٠ باب ١٨ / ح ٦٦٧٨ - ٦٦٨٠ فتح الباري بشرح البخاري عن حديثٍ عائشةَ زَوْج النبيِّ وَّرَ حِينَ قال لها أهلُ الإِفْكِ ما قالوا، فبَرَّأها الله ممَّا قالوا، كلّ حدَّثني طائفةً منَ الحديثِ، فَأَنزَلَ الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَمُّ بِآلْإِفْكِ ... ﴾ [النور: ١١] العَشْرَ الآيات كلَّها في براءَتي، فقال أبو بكرِ الصِّدِّيقُ - وكان يُنفِقُ على مِسْطَحِ لِقَرابَتِه منه -: والله لا أُنِفِقُ على مِسْطَحِ شيئاً أبداً بعدَ الذي قال لِعائشةَ، فأنزلَ الله: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُواْ أُوْلِ الْقُرْبَى﴾ الآيَةَ [النور: ٢٢]، قال أبو بكرٍ: بلى والله، إنّي لأَحِبُّ أن يَغْفِرَ اللهُ لِي، فَرَجَعَ إلى مِسْطَحِ النَّفَقَةَ التي كان يُنفِقُ عليه، وقال: والله لا أنْزِعُها عنه أبداً. ٦٦٨٠ - حدَّثنا أبو مَعْمَرٍ، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، حدَّثنا أيوبُ، عن القاسمِ، عن زَهْدَمِ، قال: كنَّا عندَ أبي موسى الأشعَرِيِّ، قال: أتيتُ رسولَ اللهَوَّهَ فِي نَفَرِ منَ الأشعَرِيِّينَ، فوافَقْتُه وهو غَضْبَانُ، فاستَحْمَلْناه، فحَلَفَ أن لا يَحْمِلَنا، ثمَّ قال: ((والله إن شاء اللهُ لا أحلِفُ على يَمِينٍ فأرَى غيرَها خيراً منها، إلا أتيتُ الذي هو خيرٌّ، وتَحَلَّلْتُها)». قوله: ((باب اليمينِ فيما لا يَمْلِك، وفي المعصية، والغَضَب)) ذكر فيه ثلاثة أحاديث، يُؤخَذ منها حُكُمُ ما في التَّرجمة على التَرتيب، وقد تُؤْخَذُ الأحكام الثلاثة من كلٍّ منها، ولو بضربٍ من التَّويل. ٥٦٥/١١ وقد وَرَدَ في الأُمور الثلاثة على غير / شرطِه: حديثُ عَمْرو بن شُعَيب عن أبيه عن جَدِّه مرفوعاً: ((لا نَذْرَ ولا يمينَ فيما لا يَملِك ابنُ آدم)) أخرجه أبو داود (٣٢٧٤) والنَّسائيُّ (٣٧٩٢) ورواته لا بأسَ بهم، لکنِ اختُلِفَ في سندِه على عَمْرو، وفي بعض طرقِه عند أبي داود: ((ولا في معصية))، ولِلطَّبَرانيِّ في ((الأوسط)) (٢٠٢٩) عن ابن عبّاس رَفَعَه: ((لا يمين في غَضَبٍ ... )) الحديث، وسندُه ضعيفٌ. الحديث الأول: حديث أبي موسى في قصَّة طلبِهم الحُملان في غزوة تَبُوك، اقتَصَرَ مِنه على بعضه، وفيه: ((فقال: لا أحمِلُكم))(١)، وقد ساقَه تامّاً في غزوة تَبُوك (٤٤١٥) بالسَّنَدِ المذكور هنا، وفيه: ((فقال: والله لا أحِلُكم)) وهو الموافق لِلتَّرجمة. (١) كذا قال. قلنا: والذي وقع في اليونينية وشروح ابن بطال والقسطلاني والعيني: ((والله لا أحملكم)) بإثبات لفظ الجلالة، دون الإشارة إلى خلاف بين ورایات ((الصحيح)).