النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ باب ١١ / ح ٦٦٥٩ - ٦٦٦٠ كتاب الأيمان والنذور ٦٦٦٠ - قال سليمانُ في حديثِه: فَمَرَّ الأشعَثُ بنُ قيسٍ، فقال: ما يُحدِّثُكم عبدُ الله؟ قالوا له، فقال الأشعثُ: نزلت فيّ وفي صاحبٍ لي في بثْرٍ كانت بيننا. قوله: ((باب عَهْد الله عزَّ وجلَّ)) أي: قول القائل: عليَّ عهدُ الله لَأَفعَلَنَّ كذا. قال الرَّاغِب: العهد: حِفظ (١) الشَّيء ومُراعاته، ومن ثَمَّ قيل للوثيقة: عُهْدة. ويُطلَق عهد الله على ما فطَرَ عليه عبادَه من الإيمان به عند أخذ الميثاق، ويُراد به أيضاً ما أمَرَ به في الكتاب والسُّنّة مُؤكَّداً، وما التَزَمَه المرء من قِبَلِ نفسِه كالنَّذْرِ. قلت: ولِلعهدِ مَعانٍ/ أُخرى غير ٥٤٥/١١ هذه، كالأمان والوفاء والوصيّة واليمين ورِعاية الحُرْمة والمعرفة واللِّقاء عن قُرب والزّمان والذِّمّة، وبعضُها قد يَتَدَاخَل، والله أعلم. وقال ابن المنذر: مَن حَلَفَ بالعهدِ فحَنِثَ لَزِمتُهُ الكفَّارة، سواء نَوى أم لا عند مالك والأوزاعيِّ والكوفيّينَ، وبِه قال الحسن والشَّعبيّ وطاووسٌ وغيرهم. قلت: وبِه قال أحمد. وقال عطاء والشافعيّ وإسحاق وأبو عُبيد: لا تكون يميناً إلّا إِن نَوى. وقد تقدَّم في أوائل كتاب الأيمان (٦٦٤٧) النَّقل عن الشافعيّ فيمَن قال: أمانة الله، مِثله، وأغرَبَ إمام الحرمَينِ فاذَّعَى اتّفاق العلماء على ذلك، ولعلَّه أراد: من الشافعيَّة، ومع ذلك فالخِلاف ثابت عندهم كما حكاه الماورديُّ وغيره عن أبي إسحاق المروَزيُّ، واحتَجَّ لِلمذهبِ بأنَّ عهد الله يُستَعمَل في وصيَِّه لِعِبادِه باتِّباع أوامره وغير ذلك كما ذُكِر، فلا يُحمَل على اليمين إلّا بالقصدِ. وقال الشافعيّ: إذا قال: عليَّ عهدُ الله، احتَمَلَ أن يريد معهوده وهو وصيّته، فیصیر کقوله: عليَّ فرضُ الله، أي: مفروضه، فلا يكون يميناً، لأنَّ اليمين لا تَنعَقِد بمُحدَث، فإن نَوى بقولِه: عهد الله اليمين، انعَقَدَت. وقال ابن المنذر: قد قال الله تعالى: ﴿أَلَمّ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَبَنِىّءَدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُواْ الشَّيْطَانَ ﴾ [يس: ٦٠] فمَن قال: عليَّ عهد الله، صَدَقَ، لأنَّ الله أخبر أنَّه أخَذَ علينا العهد، فلا يكون ذلك (١) تحرَّفت في (س) إلى: حظ. ١٤٢ باب ١٢ / ح ٦٦٦١ فتح الباري بشرح البخاري يميناً إلّا إن نَواه، واحتَجَّ الأوَّلونَ بأنَّ العُرفَ قد صارَ جارياً به، فحُمِلَ على اليمين. وقال ابن التِّين: هذا لفظٌ يُستَعمَل على خمسة أوجُه: الأوَّل: عليَّ عهد الله، والثّاني: وعهدِ الله، الثّالث: عهدُ الله، الرّابع: أُعاهد الله، الخامس: عليَّ العهد. وقد طَرَدَ بعضهم ذلك في الجميع، وفَصَّلَ بعضُهم فقال: لا شيء في ذلك إلّا إن قال: عليَّ عهد الله ونحوها، وإلّا فليست بیمینٍ نَوی أو لم يَنِ. ثم ذكر حديث عبد الله - وهو ابن مسعود - والأشعَثِ بن قيس في نزول قوله تعالى: ﴿ إِنَّالَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِمْ تَمَغَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧]. وسليمان في السَّنَد: هو الأعمش، ومنصور: هو ابن المعتمِر، وسيأتي شرحُه مُستَوفَى بعد خمسة أبواب (٦٦٧٦)، والله أعلم. ١٢ - باب الحَلِف بعزّة الله وصفاته و كلامه وقال ابنُ عبَّاسٍ: كان النبيُّ ◌َّ يقول: ((أعوذُ بِعِزَّتِكَ)). وقال أبو هريرةَ، عن النبيِّ ◌َّةِ: ((يَبْقَى رجلٌ بينَ الجنَّةِ والنار، فيقول: يا رَبِّ اضْرِف وَ جْهي عن النار، لا وعِزَّتِكَ لا أسألُكَ غيرَها)). وقال أبو سعيدٍ: قال النبيُّ بِ لهِ: ((قال الله: لكَ ذلك وعَشَرةُ أمثالِهِ)). وقال أيوب: ((وعِزَّتِكَ لا غِنَى بي عن بَرَ كَتِكَ)). ٦٦٦١- حدَّثنا آدمُ، حدَّثْنَا شَيْبانُ، حدَّثنا قَتَادةُ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال النبيُّ ◌َلَ: ((لا تَزالُ جَهَنَّمُ تقولُ: هَلْ مِن مَزِيدٍ؟ حتَّى يَضَعَ رَبُّ العِزّةِ فيها قَدَمَه، فتقولُ: قَط قَط، وعِزَّتِكَ، ويُزْوَى بعضُها إلى بعضٍ». رواه شُعْبةُ، عن قَتَادةَ. قوله: ((باب الحَلِف بعِزّةِ الله وصفاته وكلامه)) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره: ((وكلماته))، وفي هذه التَّرجمة عَطف العامّ على الخاصّ، والخاصّ على العامّ، لأنَّ الصِّفات أعَمُّ من العِزّة والكلام، ١٤٣ باب ١٢ / ح ٦٦٦١ كتاب الأيمان والنذور وقد تقدَّمَتِ الإشارة إليه في آخر ((باب لا تَحِلِفوا بآبائكم)) (٦٦٤٩) إلى أنَّ الأيمان تَنْقَسِمُ إلى صريح وكِناية ومُتَرَدِّد بينهما وهو الصِّفات، وأنَّه اختُلِفَ هل يَلتَحِقِ بالصَّريحِ فلا يحتاج إلى قَصْدٍ، أو لا فيحتاج؟ والرَّاجح أنَّ صفات الذّات منها يَلْتَحِقِ بالصَّريحِ فلا تَنفَع معها التَّورية / إذا تَعلَّقَ به حَقّ آدميٍّ، وصفات الفِعل تَلتَحِق بالكناية، فعِزّةُ الله من صفات ٥٤٦/١١ الذّات وكذا جَلالُهُ وعَظَمَتُه. قال الشافعيّ فيما أخرجه البيهقيُّ في ((المعرفة)): مَن قال: وحَقِّ الله، وعَظَمة الله، وجَلال الله، وقدرة الله، یرید الیمین أو لا يريده فهي یمین، انتهى. وقال غيره: والقُدرة تحتمِل صفات الذّات فتكون اليمين بها صريحة، وتحتمِل إرادة المقدور فتكون كِناية، كقولٍ مَن يَتَعَجَّب من الشَّيء: انظُر إلى قُدْرة الله، وكذا العلم كقوله: اللهمَّ اغْفِر لنا عِلمَك فينا، أي: معلومَك. قوله: ((وقال ابن عبّاس: كان النبيّ ◌َّه يقول: أعوذ بعِزَّتِك)) هذا طَرَف من حديثٍ وَصَلَه المؤلّف في التَّوحيد (٧٣٨٣) من طريق يحيى بن يَعمَر عن ابن عبّاس، وسيأتي شرحه هناك، ووَجْهُ الاستدلال به على الحَلِفِ بعِزّة الله: أنَّه وإن كان بلفظ الدُّعاء، لكنَّه لا يُستَعاذ إلّا بالله أو بصِفَةٍ من صفات ذاته، وخَفيَ هذا على ابن التِّين فقال: ليس فيه جواز الحَلِف بالصِّفة، کما بَوَّبَ علیه. ثمَّ وجدتُ في ((حاشية ابن المنيِّر)) ما نَصُّه: قوله: ((أعوذ بعِزَّتِك)) دعاء وليس بقَسَمِ، ولكنَّه لمَّا كان المقرَّر أنَّه لا يُستَعاذ إلّا بالقديم، ثَبَتَ بهذا أنَّ العِزّة من الصِّفات القديمة لا من صِفَة الفِعل، فتَنعَقِدُ الیمینُ بها. قوله: ((وقال أبو هريرة ... )) إلى آخره، وفيه: وقال أبو سعيد: قال النبيّ وَّ: ((قال الله: لك ذلك وعشَرَة أمثاله)) وهو مختصر من الحديث الطّويل في صِفَة الحشر، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في أواخر الرِّقاق (٦٥٧٣)، والغرض منه قول الرجل: لا وعِزَّتِك لا أسألُك غيرَها، فإنَّ النبيّ ◌َّهِ ذكر ذلك مُقَرِّراً له فيكون حُجّةً في ذلك. ١٤٤ باب ١٢ / ح ٦٦٦١ فتح الباري بشرح البخاري قولُهُ: ((وقال أيوب)) عليه السلام ((وعِزَّتِك لا غِنَى بي عن بَرَكَتِك)) كذا لِلأكثر، ووَقَعَ لأبي ذرِّ عن غير الكُشْمِيهنيِّ: ((لا غَناءَ)) بفتح أوَّلِه والمدّ، والأوَّل أولى، فإنَّ معنى الغَناء بالمدِّ: الكِفاية، يقال: ما عند فلان غَناء، أي: لا يُغتَنَى به، وهو أيضاً طَرَف من حديث تقدَّم في كتاب الطَّهارة (٢٧٩) من رواية أبي هريرة، وأوَّلُه: ((أنَّ أيوب كان يَغْتَسِل عُرْياناً(١) فخَرَّ عليه جَرادٌ من ذهبٍ)) الحديث، ووجه الدّلالة مِنه: أنَّ أيوب عليه السلام لا يَحِلِف إلّا بالله، وقد ذكر النبيُّونَ ﴿ ذلك عنه وأقَرَّه. قوله: «شییان» هو ابن عبد الرَّحمن. قوله: ((فتقولُ: قَطْ قَطْ وعِزَّتِك)) تقدَّم شرحُه مُستَوفَّى في تفسير سورة قَ (٤٨٤٨) والقول فيه ما تقدَّمَ، وحكى الذَّاوُوديُّ عن بعض المفسِّرِينَ أَنَّه قال في قول جَهَنَّم: ﴿هَلْ مِن ◌َزِيدٍ﴾[ق:٣٠] معناه: ليس فيَّ مَزيدٌ، قال ابن التِّين: وحديث الباب يَرُدُّ عليه. قوله: ((رواه شُعْبةُ، عن قَتَادةَ» وصَلَ روايته في تفسير سورة قّ، وأشارَ بذلك إلى أنَّ الرِّواية الموصولة عن أنس بالعَنعَنة، لكنَّ شُعْبةَ ما كان يأخُذ عن شيوخه الذينَ ذُكر عنهم التَّدليس إلّا ما صَرَّحوا فيه بالتَّحدیثِ. تنبيه: لمَّحَ المصنِّ بهذه التَّرجمة إلى رَدِّ ما جاء عن ابن مسعود من الَّجْر عن الخَلِف بعِزّة الله، ففي ترجمة عَوْن بن عبد الله بن عُتبة من ((الحِلية)) لأبي نُعَيم (٤/ ٢٥١) من طريق عبد الله بن رَجاء عن المسعوديّ عن عَوْن قال: قال عبد الله: لا تَحِلِفوا بحَلِفِ الشَّيطان؛ أن يقول أحدكم: وعِزّة الله، ولكن قولوا كما قال الله تعالى: ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ [الصافات: ١٨٠]، انتھی. وفي المسعوديّ ضعفٌ، وعَوْن عن عبد الله مُنقَطِع، وسيأتي الكلام على العِزّة في بابِ مُفرَدٍ من كتاب التَّوحيدِ (٧٣٨٣) إن شاء الله تعالى. (١) لفظة ((عرياناً)) من (ع) فقط، ولم ترد في (أ) و(س). ١٤٥ باب ١٣ / ح ٦٦٦٢ كتاب الأيمان والنذور ١٣ - باب قول الرّجل: لَعَمْرُ الله قال ابنُ عبَّاسِ: ﴿لَعَمْرُكَ ﴾ [الحجر: ٧٢]: لَعَشُكَ. ٦٦٦٢- حدثنا الأُوَسِيُّ، حدّثنا إبراهیمُ، عن صالح، عن ابنِ شِھابٍ (ح) وحدَّثنا حَجَاجٌ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ عمرَ النُّمَيِيُّ، حدَّثنا يونسُ، قال: سمعتُ الزُّهْريَّ، قال: سمعتُ عُرْوةَ بنَ الزُّبَيِ وسعيدَ بنَ المسيّبٍ وعَلْقمةَ بنَ وَقّاصٍ وعُبيد الله بنَ عبدِ الله، عن حديثٍ عائشةَ زَوْجِ النبيِّ نَّحِينَ قال لها أهلُ الإِفْكِ ما قالوا، فَبَرَّأها الله ... / وكلَّ حدَّثني طائفةً منَ ٥٤٧/١١ الحديثِ: فَقَامَ النبيُّ وَّهِ، فَاسْتَعْذَرَ من عبدِ الله بنِ أَبِّ، فقامَ أَسَيدُ بنُ حُضَيٍ، فقال لِسَعْدِ بنِ عُبادةَ: لَعَمْرُ الله لَنَقْتُلَنَّه. قوله: ((بابُ قولِ الرجل: لَعَمْرُ الله)) أي: هل يكون يميناً؟ وهو مَبنيٌّ على تفسير (لَعَمْرُ)) ولذلك ذَكَر أثر ابن عبّاس، وقد تقدَّم في تفسير سورة الحِجْر، وأنَّ ابن أبي حاتم وصَلَه(١). وأخرج أيضاً عن أبي الجوزاء عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢]، أي: حياتك. قال الرَّاغِب: العمر بالضَّمِّ وبالفتح واحدٌ، ولكن خُصَّ الخَلِفِ بالثّاني، قال الشّاعر: عَمْرَك اللهَ كيف يَلتَقيان أي: سألت اللهَ أن يُطيل عُمُرَك. وقال أبو القاسم الزَّجّاج: العَمْر: الحياة، فمَن قال: لَعَمْرُ الله، كأنَّه حَلَفَ بَبَقاءِ الله، واللّام لِلتَّوكيدِ، والخبر محذوف، أي: ما أُقْسِم به. ومن ثَمَّ قال المالكيَّة والحنفيَّة: تَنعَقِد بها اليمين، لأنَّ بَقاء الله من صِفَة ذاته. وعن مالك: لا يُعجِبُني الحَلِفُ بذلك. وقد أخرج إسحاق بن راهويه في ((مُصنَّفَه)) عن عبد الرَّحمن ابن أبي بَكْرة قال: كانت يمين عثمان بن أبي العاص: لَعَمْري. وقال الشافعيّ وإسحاق: لا تكون يميناً إلّا بالنّيَّة، لأنَّه يُطلَق على العِلْم وعلى الحقّ، وقد يُراد بالعِلمِ: المعلوم، وبالحقِّ: (١) بين يدي الحديث رقم (٤٧٠١). ١٤٦ باب ١٤ / ح ٦٦٦٣ فتح الباري بشرح البخاري ما أوجَبَه الله. وعن أحمد كالمذهبين، والرَّاجح عنه كالشافعيِّ. وأجابوا عن الآية بأنَّ لله أن يُقسِم من خلقِه بما شاءَ، وليس ذلك لهم، لِتُبُوتِ النَّهي عن الخَلِف بغير الله، وقد عَدَّ الأئمّة ذلك في فضائل النبيّ وَّه. وأيضاً فإنَّ اللّام ليست من أدوات القَسَمِ، لأنَّها مَحَصُورة في الواو والباء والتاء كما تقدَّم بيانه في ((باب كيف كانت يَمِينُ النبيّ ◌َ﴿؟)) (٦٦٢٨). ثم ذكر طرفاً من حديث الإفك، والغرض مِنه قولُ أُسَيد بن حُضَيرٍ لِسعدِ بن عُبادة: لَعَمرُ الله لنَقْتُلَنَّ، وقد مضى شرح الحديث مُستَوفَّى في تفسير النّور (٤٧٥٠)، وتقدَّم في أواخر الرِّقاق(١) في الحديث الطّويل من رواية لَقِيط بن عامر أنَّ النبيَّ ◌َّهِ قال: ((لَعَمرُ إلهك)) وكَرَّرَها، وهو عند عبد الله بن أحمد في زيادات ((المسنَد)) وعند غيره. ١٤ - بابٌّ: ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَنِكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٥٥] ٦٦٦٣ - حذَّثني محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا يحيى، عن هشام، قال: أخبرني أبي، عن عائشةً رضي الله عنها: ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اَللَّهُ بِاللَّغْوِ فِ آَمَنِكُمْ ﴾ قال: قالت: أُنزِلَت في قولِه: لا والله، وبلى والله. قوله: ((بابٌ ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اَللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَنِكُمْ﴾ الآية)) كذا لأبي ذرِّ، ولغيره بَدَل قوله: الآية: ﴿ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، ويُستَفاد مِنه أنَّ المراد في هذه التَّرجمة آية البقرة، فإنَّ آية المائدة ذكرها في أوَّل كتاب الأيمان(٢) كما تقدَّمَ، ومضى هناك تفسير اللَّغو، وتَمسَّكَ الشافعيّ فيه بحديثٍ عائشة المذكور في الباب لِكَونِهَا شَهِدَتِ السَّنزيل، فهي أعلم مِن غيرها بالمراد، وقد جَزَمَت بأنَّها نزلت في قوله: لا والله، وبَلَى والله. ويُؤيِّدُه ما أخرجه الطَّبَرِيُّ (٢/ ٤١٢) من طريق الحسن البصريِّ مرفوعاً في قصَّة الرُّماة، وكان أحدهم إذا رَمَى حَلَفَ أَنَّه أصاب، فيَظهرُ أَنَّه أخطاً، فقال النبيّ ◌َِّ: ((أيمانُ الرُّماة لَغْوٌ لا كَفَّارَةَ لها ولا عُقوبةَ))، وهذا لا يَتْبُت لأنَّهم كانوا لا يَعْتَمِدونَ مَراسيلَ الحسن، لأنّه كان يأخُذُ عن كلِّ أحدٍ. (١) في أوائل شرحه على ((باب في الحوض)) قبل الحديث (٦٥٧٥)، وسلف تخريجه هناك. (٢) قبل الحديث رقم (٦٦٢١). ١٤٧ باب ١٤ / ح ٦٦٦٣ كتاب الأيمان والنذور وعن أبي حنيفة وأصحابه وجماعةٍ: لَغوُ اليمين: أن يَحِلِف على الشَّيء يَظُنُّه، ثمَّ يَظهَر خِلَافُهُ، فَيَخْتَصّ بالماضي، وقيل: يَدخُل أيضاً في المستقبل بأن يَحِلِف على شيءٍ ظنّاً مِنه، ثمَّ يَظْهَر بخِلاف ما حَلَفَ، وبِه قال / رَبيعةُ ومالكٌ ومكحول والأوزاعيُّ واللَّيث، وعن أحمد ٥٤٨/١١ روایتان. ونَقَلَ ابنُ المنذِر وغيره عن ابن عمر وابن عبَّاس وغيرهما من الصحابة، وعن القاسم وعطاء والشَّعبيّ وطاووسِ والحسن نحوَ ما دَلَّ عليه حديثُ عائشة، وعن أبي قِلابةَ: لا والله، وبَلَى والله، لُغةٌ من لُغات العرب لا يُراد بها اليمين، وهي من صِلة الكلام. ونَقَلَ إسماعيل القاضي، عن طاووسٍ: لَغوُ اليمين: أن يَحِلِفِ وهو غَضبان، وذكر أقوالاً أُخرى عن بعض التابعينَ. وُجُملة ما يَتَحَصَّل من ذلك ثمانيةُ أقوال، من ◌ُملَتها: قول إبراهيم النَّخَعيِّ: إنَّه يَحِلِف على الشّيء لا يفعلُه ثمَّ يَنسَى فيفعلُه، أخرجه الطَّبَريّ (٤١٣/٢). وأخرجه عبد الرَّزّاق (١٥٩٥٥) عن الحسن مِثله. وعنه: هو كقولِ الرجل: والله إنَّه لكذا، وهو يَظُنّ أنَّه صادِقٍ، ولا یکون كذلك. وأخرج (٤٠٩/٢) الطَّبَرُّ من طريق طاووسٍ عن ابن عبّاس: أن يَحِلِف وهو غَضبان. ومن طريق سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس: أن يُحُرِّم ما أحَلَّ الله له. وهذا يعارضُه الخبرُ الثّابِتُ عن ابن عبّاس، كما تقدَّم في موضعِه: أنَّه تجبُ فيه كفَّارةُ یمینٍ. وقيل: هو أن يَدعُو على نفسه إن فعل كذا، ثمَّ يفعلُه، وهذا هو يمينُ المعصية، وسيأتي البحث فیه بعد ثلاثة أبواب. قال ابن العربيّ: القول بأنَّ لَغو اليمين هو المعصية باطِل، لأنَّ الحالف على تَرْك المعصية تَنْعَقِد يمينُه عبادةً، والحالف على فِعل المعصية تَنْعَقِد يمينه، ويقال له: لا تَفعَل وكَفِّر عن يمينك، فإن خالَفَ وأقدَمَ على الفِعل أثِمَ وبَرَّ في يمينه. قلت: الذي قال ذلك قال: إنَّها في الثّانية لا تَنْعَقِد أصلاً، فلذلك قال: إنَّها لَغوٌ. ١٤٨ باب ١٤ / ح ٦٦٦٣ فتح الباري بشرح البخاري قال ابن العربيّ: ومَن قال: إنَّها يمين المعصية(١)، يَرُدُّه ما ثَبَتَ في الأحاديث، يعني مَّا ذُكِرَ في الباب وغيرها، ومَن قال: دعاء الإنسان على نفسه إن فَعَلَ كذا أو لم يفعل، فاللَّغو إنَّما هو في طريق الكفَّارة، وهي تَنْعَقِد، وقد يُؤَاخَذ بها لِتُبُوتِ النَّهي عن دعاء الإنسان على نفسه (٢)، ومَن قال: إنَّها اليمين التي تُكَفَّر، فلا متعلّق له؛ فإنَّ الله رَفَعَ المؤاخذة عن اللَّغو مُطلَقاً، فلا إثم فيه ولا كفَّارة، فكيف يُفَسَّرِ اللَّغو بما فيه الكفَّارة؟ وثُبُوتُ الكفَّارة يقتضى وجود المؤاخذة، حتَّى إنَّ مَن وجَبَ عليه الكفَّارة فخالَفَ عوقِبَ. قوله: ((يحيى)) هو القَطّان، قال ابن عبد البَرِّ: تفرَّد يحيى القَطّان عن هشام بذِكْر السَّبَب في نزول الآية. قلت: قد صَرَّحَ بعضهم برفعِه عن عائشة، أخرجه أبو داود (٣٢٥٤) من رواية إبراهيم الصّائغ عن عطاء عنها: أنَّ رسول الله وَ لَه قال: ((لَغْو اليمين، هو كلام الرجل في بَيتِه: گلّا والله، وبَلَى والله))، وأشارَ أبو داود إلى أنَّه اختُلِفَ على عطاء وعلى إبراهيم في رفعه ووقفه. وقد أخرج ابنُ أبي عاصم من طريق الزُّبَيديِّ، وابنُ وَهْب في ((جامعِه)) عن يونس، وعبدُ الرَّزّاق في «مُصنََّه)) (١٥٩٥٢) عن مَعمَر، كلّهم عن الزُّهْريِّ عن عُرْوة عن عائشة: لَغو اليمين: ما كان في المِراء والهزْل والمراجَعة(٣) في الحديث الذي لا(٤) يَعْقِدُ عليه القلب. وهذا موقوف، ورواية يونس تُقارب الزُّبَيديّ، ولفظ مَعمَر: أنَّه القوم يتدارؤون يقول أحدهم: لا والله، وبَلَى والله، وكَلّ والله، ولا يَقصِد الحَلِفَ. وليس مخالفاً لِلأوَّل وهو المعتمَد. (١) تحرفت في (س) إلى: يمين الغضب. (٢) ثبت عند مسلم من حديث أم سلمة (٩٢٠)، ومن حديث جابر (٣٠٠٦). (٣) كذا وقعت هذه الكلمة في (أ) و(س): ((والمراجعة))، وكذا في ((نيل الأوطار))، ويبدو أن الشوكاني نقل هذه الفقرة عن الفتح، وقد سقطت الفقرة كلها من (ع). وقد أخرج هذا الحديث البيهقي ٤٨/١٠، وأبو الشيخ كما في ((الدر المنثور)) ٣/ ١٥١، وأورده ابن عبد البر في ((التمهيد)) ٢٥١/٢١، و((الاستذكار)) (٢٠٩٨٦) ونسبه إلى ((جامع ابن وهب))، ووقعت الكلمة عند جميعهم: ((الِزّاحَة))، وهو الصواب، والله أعلم. (٤) تحرَّفت في (س) إلى: كان. ١٤٩ باب ١٥ / ح ٦٦٦٤ -٦٦٧٤ كتاب الأيمان والنذور وأخرج ابن وَهْب عن الثِّقة عن الزُّهْريِّ بهذا السَّنَد: هو الذي يَحِلِف على الشَّيء لا يريد به إلّا الصِّدَقَ، فيكون على غير ما حَلَفَ عليه. وهذا يوافق القول الثّاني، لكنَّه ضعيف من أجلٍ هذا المبهم، شاذٌّلمخالَفة مَن هو أوثَّقُ مِنه وأكثرُ عَدَداً. ١٥ - بابٌ إذا حَنِث ناسياً في الأيمان وقولِ الله تعالى: ﴿ليس عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُم بِهِ،﴾ [الأحزاب: ٥]، وقال: نُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ﴾ [الكهف:٧٣]. ٦٦٦٤ - حدَّثنا خَلّادُ بنُ يحيى، حدَّثنا مِسعَرٌ، حدَّثنا قَتَادةُ، حدَّثنا زُرارةُ بنُ أوْفَى، عن أبي هريرةَ يرفعُه، / قال: ((إنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي عَّا وسْوَسَت - أو حدَّثت - به أنفُسَها، ما لم تَعمَل به أو ٥٤٩/١١ تَكلَّم)). ٦٦٦٥ - حدَّثنا عُثْمانُ بنُ الهيثم - أو محمَّدٌ عنه - عن ابنِ جُرَیج، قال: سمعتُ ابنَ شِهاب يقول: حدَّثني عيسى بنُ طَلْحَةَ، أنَّ عبد الله بنَ عَمْرِو بنِ العاص حدَّثْه: أنَّ النبيَّ وَّ بِينَما هو يَخْطُبُ يومَ النَّحْرِ، إذ قامَ إليه رجلٌ فقال: كنتُ أحسِبُ يا رسولَ الله كذا وكذا قبلَ كذا وكذا، ثمَّ قامَ آخَرُ، فقال: يا رسولَ الله، كنتُ أحسِبُ كذا وكذا لِهَؤُلاءِ الثَّلاثِ، فقال النبيُّ ◌َله: (افعَل ولا حَرَجَ)) لهنَّ كلِّهِنَّ يومَئذٍ، فما سُئلَ يومَئذٍ عن شيءٍ إلا قال: ((افعَل ولا حَرَجَ)). ٦٦٦٦ - حذَّثنا أحمدُ بنُ يونُسَ، حدَّثنا أبو بَكْر، عن عبدِ العزيزِ بنِ رُفَيِعِ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: قال رجلٌ لِلنبيِّ وَِّ زُرْتُ قبلَ أن أرمِيَ؟ قال: ((لا حَرَجَ)»، قال آخَرُ: حَلَقْتُ قبلَ أن أَذْبَحَ؟ قال: ((لا حَرَجَ))، قال آخَرُ: ذَبَحْتُ قبلَ أن أرمِيَ؟ قال: ((لا حَرَجَ)). ٦٦٦٧ - حدَّثني إسحاقُ بنُ منصورٍ، حدَّثنا أبو أُسامةَ، حدَّثنا عُبیدُ الله بنُ عمرَ، عن سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ، عن أبي هريرةَ: أنَّ رجلاً دَخَلَ المسجدَ يُصَلّى، ورسولُ الله ◌َ في ناحيةٍ المسجد، فجاء فسَلَّمَ عليه، فقال له: ((ارجِع فصَلِّ فإِنَّكَ لم تُصَلِّ)) فَرَجَعَ فصَلَّى، ثمَّ سَلَّمَ، فقال: ((وعليكَ، ارجِع فصَلِّ، فإِنَّكَ لم تُصَلِّ)) قال في الثّالثةِ: فأعلِمْني، قال: ((إذا قُمْتَ إلى ١٥٠ باب ١٥ / ح ٦٦٦٤ - ٦٦٧٤ فتح الباري بشرح البخاري الصلاةِ فأسبغ الوضوءَ، ثمَّ اسْتَقبِلِ القِبْلَةَ فكَبِّر، واقرَأْ بما تيسَّر مَعَكَ منَ القرآنِ، ثمَّ ارکَع حتَّی تَطْمَئِنَّ راكِعاً، ثمَّ ارفَع رأسَكَ حتَّى تَعْتَدِلَ قائماً، ثمَّ اسجُد حتَّى تَطْمَئِنَّ ساجِداً، ثمَّ ارفَع حتَّى تَسْتَوِيَ وتَطْمَئِنَّ جالساً، ثمَّ اسجُد حتَّى تَطْمَئِنَّ ساجِداً، ثمَّ ارفَع حتَّى تَسْتَوِيَ قائمً، ثمَّ افعَل ذلك في صلاتكَ کلِّها)». ٦٦٦٨ - حدّثنا فرْوةُ بنُ أبي المَغْراءِ، حدَّثنا عليٌّ بنُ مُسْهِرٍ، عن هشام بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: هُزِمَ المشركونَ يومَ أَحُدٍ هَزِيمٌ تُعْرَفُ فيهم، فصَرَخَ إِيلِيسُ: أي عبادَ الله! أُخْراكمْ! فَرَجَعَت أُولاهم فاجْتَلَدَت هي وأُخْراهم، فَتَظَرَ حُذَيفةُ بنُ اليَمَان فإذا هو بأبيه، فقال: أبي! أبي! قالت: فوالله ما انحَجَزوا حتَّى قَتَلوه، فقال حُذَيفةُ: غَفَرَ الله لكم. قال عُزْوةُ: فوالله ما زالَت في حُذَيفةَ منها بقيَّةُ خَيرٍ حتَّى لَقِيَ الله. ٦٦٦٩ - حدَّثني يوسُفُ بنُ موسى، حدَّثنا أبو أُسامةَ، قال: حدَّثني عَوْفٌ، عن خِلَاسٍ ومحمَّدٍ، عن أبي هريرةَ﴾، قال: قال النبيُّ وَّ: ((مَن أُكَلَ ناسِياً وهو صائمٌ فليُتِمَّ صَومَه، فإنَّما أَطْعَمَه الله وسقاه)». ٦٦٧٠ - حدَّثنا آدمُ بنُ أبي إياسٍ، حدَّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ، عن الزُّهْريِّ، عن الأعرَجِ، عن عبدِ الله ابنِ بُحَينةَ، قال: صَلَّى بنا النبيُّ وَّهِ، فقامَ في الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَئِينِ قبلَ أن يَجْلِسَ، فمَضَى ٥٥٠/١١ في صَلاتِه، فلمَّا قَضَى صلاَه انتَظَرَ الناسُ/ تَسْلِيمَه، فَكَبَّرَ وسَجَدَ قبلَ أن يُسَلِّمَ، ثمَّ رَفَعَ رأسَه، ثُمَّ كَبَّرَ وسَجَدَ، ثمَّ رَفَعَ رأسَه وسَلَّمَ. ٦٦٧١ - حدَّثني إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، سمعَ عبدَ العزيزِ بنَ عبدِ الصَّمَد، حدَّثنا منصورٌ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقمةَ، عن ابنِ مسعودٍ ﴾: أنَّ نبيَّ اللهِّهِ صَلَّى بهم صَلاةَ الظُّهْرِ فزادَ أو نَقَصَ منها - قال منصورٌ: لا أدري إبراهيمُ وهِمَ أم عَلْقمةُ - قال: قيلَ: يا رسولَ الله، أُقَصُرَتِ الصلاةُ أم نَسِيتَ؟ قال: ((وما ذاكَ؟)) قالوا: صَلَّيتَ كذا وكذا، قال: فسَجَدَ بهم سَجْدتَینٍ، ثمَّ قال: ((هاتان السَّجْدَتان لمن لا يَدْري زادَ في صلاته أم نَقَصَ، فَيَتَحَّى الصَّوابَ فيِمُّ ما بَقِيَ، ثمَّ يَسجُدُ سَجْدتَينِ)). ١٥١ باب ١٥ / ح ٦٦٦٤ - ٦٦٧٤ كتاب الأيمان والنذور ٦٦٧٢ - حدَّثنا الحُمَيديُّ، حدَّثنا سفيانُ، حذَّثنا عَمْرو بنُ دِینارٍ، أخبرني سعيدُ بنُ جُبیٍ، قال: قلتُ لابنِ عبَّاسٍ، فقال: حدَّثنا أَبُّ بِنُ كَعْبٍ، أَنَّه سمعَ رسولَ الله وَّل يقول: ﴿لَا نُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقِ مِنْ أَمْرِى عُسْرًا﴾ [الكهف: ٧٣] قال: ((كانت الأولى من موسى نِسْياناً». ٦٦٧٣ - قال أبو عبد الله: كَتَبَ إليَّ محمَّدُ بنُ بِشَارٍ، حدَّثنا معاذُ بنُ معاذٍ، حدّثنا ابنُ عَوْنٍ، عن الشَّعْبِيِّ، قال: قال البراءُ بنُ عازِبٍ: وكان عندَهم ضَيْفٌ لهم، فأمَرَ أهلَه أن يَذْبَحوا قبلَ أن يَرجِعَ ليأكلَ ضَيفُهم، فَذَبَحوا قبلَ الصلاةِ، فَذَكَروا ذلك لِلنبيِّ وَِّ، فَأْمُرَه أن يُعِيدَ الذَّبِحَ، فقال: يا رسولَ الله، عندي عَنَاقٌ جَذٌَّ، عَناقُ لَبَنٍ هي خيرٌ من شاتَي لحٍ. فكان ابنُ عَوْنٍ يَقِفُ في هذا المكان عن حديثِ الشَّعْبِيِّ، ويُحدِّثُ عن محمَّدِ بنِ سِيرِينَ بِمِثْلِ هذا الحديثِ، ويَقِفُ في هذا المكان ويقول: لا أدري أَبَلَغَتِ الرُّخْصةُ غيرَه أم لا؟ رواه أيوبُ، عن ابنِ سِيرِينَ، عن أنسٍ، عن النبيِّ وَله. ٦٦٧٤- حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن الأسوَدِ بنِ قيسٍ، قال: سمعتُ جُنْدَباً، قال: شَهِدْتُ النبيّ ◌َل ◌ِ صَلَّى يومَ عِيدٍ، ثمَّ خَطَبَ، ثمّ قال: ((مَن ذَبَحَ فَلْيُبدِّل مكانها، ومَن لم يكن ذَبحَ فلیذْبَح باسم الله)). قوله: ((باب إذا حَنِثَ ناسياً في الأيمان)) أي: هل تجبُ عليه الكفَّارةُ أو لا؟ قوله: ((وقولِ الله تعالى: ﴿ليس عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ،﴾)) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره: ((وليس)) بُثُبُوتِ الواو في أوَّلِهِ، وقد تَمَسَّكَ بهذه الآية مَن قال بعَدَمِ حِنثِ مَن لم يَتَعَمَّد وفَعَلَ المحلوفَ علیه ناسياً أو مُكرَهاً، ووَجْهُه بأنَّه لا يُنسَب فِعُه إلیه شرعاً؛ لِرفع حُكمِه عنه بهذه الآية، فكأنّه لم يفعله. قوله: (﴿لَا نُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ ))) قال المهلَّب: حاولَ البخاريُّ إثباتَ العُذر بالجهلِ والنِّسيان ليُسقِط الكفَّارة، والذي يُلائم مقصودَه من أحاديث الباب: الأوَّل، وحديث: ((مَن أكل ناسياً))، وحديث نِسْيان التَّشَهُّد الأوَّل، وقصَّة موسى، فإنَّ الْخَضِر عَذَرَه بالنِّسيان وهو عبدٌ من عباد الله، فالله أحقُّ بالمسامحة، قال: وأمَّا / بقيّة الأحاديث ففي مُساعَدَتِها على مُراده ٥٥١/١١ ١٥٢ باب ١٥ / ح ٦٦٦٤ -٦٦٧٤ فتح الباري بشرح البخاري نظرٌ. قلت: ويُساعِدُه أيضاً حديثُ عبد الله بن عَمرو، وحديث ابن عبّاس في تقديم بعض النُّسُك على بعض، فإنَّه لم يأمر فيه بالإعادة بل عَذَرَ فاعلَه بجهلِ الحُكم. وقال غيره: بل أورَدَ البخاريُّ أحاديث الباب على الاختلاف إشارةً إلى أنَّهَا أُصول أدلّة الفريقَينِ، لَيَستَنبِطَ كلَّ أحدٍ منها ما يوافق مَذهبَه، كما صَنَعَ في حديث جابرٍ في قصَّة ◌َلِه، فإنَّه أورَدَ الطَّرق على اختلافها، وإن كان قد بيَّن في الآخِرِ (٢٧١٨) أنَّ إسناد الاشتِراط أصحّ، وكذا قول الشَّعبيِّ في قَدْرِ الثَّمَن، وبهذا جَزَمَ ابن المنّيِّر في ((الحاشية)) فقال: أورَدَ الأحاديثَ المتجاذِيةَ ليفيدَ الناظرَ مَظانَّ النَّظَر، ومن ثَمَّ لم يَذكُر الحُكمَ في التَّرجمة، بل أفادَ مَوادّ(١) الحُكم والأُصول التي تَصلُح أن يُقاسَ عليها، وهو أكثرُ إفادةً من قول المجتَهِد: في المسألة قولان، وإن كان لذلك فائدة أيضاً، انتهى مُلخَّصاً. والذي يظهر لي أنَّ البخاريّ يقول بعَدَم الكفَّارة مُطلَقاً، وتوجيهُ الدّلالة من الأحاديث التي ساقَها مُمكِن. وأمَّا ما يخالف ظاهره ذلك فالجواب عنه مُمكِن: فمِنها: الدّية في قتل الخطأ، ولولا أنَّ حُذَيفة أسقَطَها لكانت له المطالَبةُ بها، والجواب: أنَّها من خطاب الوَضْع، وليس الكلام فيه. ومنها: إبدال الأُضحيَّة التي ذُبِحَت قبل الوقت، والجواب: أنَّها من چِنس الذي قبله. ومنها: حديث المسيءٍ صَلاتَه، فإنَّه لو لم يَعِذِرْه بالجهلِ لمَا أقَرَّه على إتمام الصلاة المختَلّة، لكنَّه لمَّا رَجا أنَّه يَتَفَطَّنُّ لِما عابَه عليه، أمَرَه بالإعادة، فلمَّا علم أنَّه فَعَل ذلك عن جهلٍ بالحُكمِ عَلَّمَه، وليس في ذلك مُتَمسَّكٌ لمن قال بوجوبِ الكفَّارة في صورة النِّسيان، وأيضاً فالصلاة إنَّا تَتَقَوَّمُ بالأركان، فكلُّ رُكنِ اختَلَّ منها اختَلَت به ما لم يُتَدَارَك، وإنّما الذي يناسِبُ ما لو فعل ما يُبطِل الصلاة بعَمده(٢) أو تَكلَّمَ به، فإنَّها لا تَبطُل عند الجمهور كما دَلَّ عليه حديث أبي هريرة في الباب في مَن أكَلَ أو شَرِبَ ناسياً. (١) تحرَّفت في (س) إلى: مراد. (٢) تحرَّفت في (س) إلى: بعده. ١٥٣ باب ١٥ / ح ٦٦٦٤ - ٦٦٧٤ كتاب الأيمان والنذور قال ابن التِّين: أجرَى البخاريّ قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ، ﴾ في كلِّ شيء. وقال غيره: هي في قصَّةٍ مخصوصةٍ، وهي ما إذا قال الرجل: يا بُنيَّ، وليس هو ابنَه، وقيل: إذا أتى امرأتَه حائضاً وهو لا يَعلَم، قال: والدَّليل على عَدَمِ التَّعميم أنَّ الرجل إذا قتل خطأً تَلزَمُه الدّية، وإذا أتَلَفَ مالَ غيره خطأً فإنَّه يَغْرَمُه(١)، انتهى. وانفَصَلَ غيرُه بأنَّ المتلَفات من خِطاب الوَضْع، والذي يَتَعلَّق بالآية ما يَدخُل في خطاب التكليف، ولو سُلِّمَ أنَّ الآية نزلت فيما ذُكِرَ لم يَمنَع ذلك من الاستدلال بعُمومِها، وقد أجمعوا على العَمَل بعُمومِها في سُقوط الإثم. وقد اختَلَفَ السَّلَف في ذلك على مذاهب، ثالثها: التَّفْرِقة بين الطَّلاق والعَتاق، فتجب فيه الكفَّارة مع الجهل والنِّسيان، بخِلَاف غيرهما من الأيمان فلا تجب، وهذا قولٌ عن الشافعيّ ورواية عن أحمد، والرَّاجح عند الشافعيَّة: التَّسوية بين الجميع في عَدَم الوجوب، وعن الحنابلة عكسُه، وهو قول المالكيَّة والحنفيَّة، وقال ابن المنذر: كان أحمد يوقع الحِنث في النِّسيان في الطَّلاق حَسبُ، ویَقِف عمَّا سوى ذلك. والمذكور في الباب اثنا عشر حديثاً: الحديث الأول: قوله: ((زُرارةَ بن أَوْفَى)) هو قاضي البصرة، ماتَ وهو ساجِدٌ، أورَدَه التِّرمِذيُّ، وكان ذلك سنة ثلاثٍ وتسعينَ. قوله: ((عن أبي هريرة يرفعُه)) سَبَقَ في العِتق (٢٥٢٨) من رواية سفيان عن مِسعَرِ بلفظ: عن النبيّ ◌َّهِ، بَدَل قوله هنا: يَرفَعُه، وكذا لمسلمٍ (٢٠٢/١٢٧) من طريق وكيع. ولِلنَّسائيِّ (٣٤٣٤) والإسماعيليِّ من طريق عبدِ الله بن إدريس كلاهما عن مِسعَرِ بلفظ: قال رسول الله وَّه. وقال الكِرْمانيُّ: إنَّما قال: يَرفَعُه، ليكونَ أَعَمَّ من أن يكون سمعَه مِنه أو من صحابيٌّ آخرَ سمعَه مِنه. قلت: ولا اختصاصَ لذلك بهذه الصِّيغة، بل مِثله في قوله: قال، وعن، وإنَّما يَرْتَفِع الاحتمال إذا قال: سمعتُ ونحوها. (١) في (ع) و(س): يلزمه، والمثبت من (أ). ١٥٤ باب ١٥ / ح ٦٦٦٤ - ٦٦٧٤ فتح الباري بشرح البخاري وذكر الإسماعيليّ أنَّ وكيعاً رواه عن مِسعَرٍ فلم يَرفَعه، قال: والذي رَفَعَه ثقةٌ فيَچِبُ المصير إليه. قوله: (عن أبي هريرة)) لم أقِفْ على التَّصريح بسماع زُرارةَ لهذا الحديث من أبي هريرة، لكنَّه ٥٥٢/١١ لم/ يوصَف بالتَّدليسِ فُيُحمَلُ على السَّماع. وذكر الإسماعيليّ أنَّ الفُرات بن خالد أدخَلَ بين زُرارةَ وبين أبي هريرة في هذا الإسناد رجلاً من بني عامر، وهو خطأً؛ فإنَّ زُرارةَ من بني عامر، فكأنَّه كان فيه: عن زرارةَ رجل من بني عامٍ، فظنَّه آخرَ أُبِهِمَ وليس كذلك. قولُه: (الأُمّتي)) في رواية هشام عن قَتَادة: (تَجاوزَ عن أمَّتي)) (١). قوله: ((عَّ وسْوسَت - أو حدَّثت - به أنفُسَها)) في رواية هشام: ((ما حدَّثت به أنفُسَها)) ولم يَتَرَدَّد، وكذا في رواية سعيد عن أبي عَوَانة (٢) عند مسلم (١٢٧/ ٢٠١)، وفي رواية ابن عُبِينَةَ: ((ما وَسْوَسَت بها صُدورُها)(٣) ولم يَتَرَدَّد أيضاً، وضُبط: أنفُسها بالنَّصبِ لِلأكثرِ، ولِبعضِهم بالرَّفع، وقال الطَّحاويُّ بالثّاني، وِهِ جَزَمَ أهل اللّغة يريدونَ بغير اختيارها، كقوله تعالى: ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِ نَفْسُهُ,﴾ [ق:١٦]. قوله: ((ما لم تَعمَل به أو تَكلَّم)) في رواية عبد الله بن إدريس: ((أو تَتَكلَّم به)). قال الإسماعيليّ: ليس في هذا الحديث ذِكْر النِّسيان، وإنَّما فيه ذِكْر ما خَطَرَ على قلب الإنسان. قلت: مُراد البخاريّ إلحاق ما يَتَرتَّب على النِّسيان بالتَّجاوُز، لأنَّ النِّسيان من مُتَعلَّقات عَمَل القلب. وقال الكِرْمانيُّ: قاسَ الخطأ والنِّسيان على الوَسْوَسة، فكما أنَّها لا اعتبارَ لها عند عَدَم التَّوطُّنِ، فكذا الناسي والمخطِئُ لا تَوطينَ لهما. وقد وَقَعَ في رواية هشام بن عمَّار عن ابن عُيَينةَ عن مِسعَرٍ في هذا الحديث بعد قولِه: ((أو تَكلَّم به)): ((وما استُكرِهوا عليه)) وهذه الزّيادة مُنكَرةٌ من هذا الوجه، وإنَّما تُعرَفُ من (١) سلفت برقم (٥٢٦٩). (٢) في (أ) و(س): رواية سعيد وأبي عوانة، وهو خطأ، والصواب ما أثبتنا. وقد سقطت العبارة كلها من (ع). (٣) سلفت برقم (٢٥٢٨). ١٥٥ باب ١٥ / ح ٦٦٦٤-٦٦٧٤ كتاب الأيمان والنذور رواية الأوزاعيِّ عن عطاء عن ابن عبّاس بلفظ: ((إنَّ الله وضَعَ عن أمَّتي الخطأ والنِّسيانَ وما استُكرِهوا عليه)) وقد أخرجه ابن ماجَهْ (٢٠٤٥) عَقِبَ حديث أبي هريرة من رواية الوليد بن مسلم عن الأوزاعيّ، والحديث عند هشام بن عمَّار عن الوليد، فلعلَّه دَخَلَ له بعضُ حديثٍ في حديث، وقد رواه عن ابن عُبَينَةَ الْحُميديُّ، وهو أعرَفُ أصحابٍ ابنِ عُبَينَةَ بحديثه، وتقدّم في العِتق (٢٥٢٨) عنه بدون هذه الزيادة. وكذا أخرجه الإسماعيليُّ من روایة زیادِ بن أیوب وابنِ المقرئ وسعيدٍ بن عبد الرَّحمن المخزوميِّ، كلّهم عن سفيان بدون هذه الزيادة. قال الكِزْمانيُّ: فيه أنَّ الوجود الذِّهنيّ لا أثر له، وإنَّما الاعتبار بالوجودِ القوليّ في القوليّات والعَمَلِيّ في العَمَليّات، وقد احتَجَّ به مَن لا يرى المؤاخذةَ بما وَقَعَ في النَّفْس ولو عَزَمَ عليه، وانفَصَلَ مَن قال: يُؤَاخَذ بالعَزِمِ بأَنَّه نوعٌ من العَمَل، يعني: عَمَلَ القلب. قلت: وظاهر الحديث أنَّ المراد بالعَمَلِ: عَمَل الجوارح؛ لأنَّ المفهوم من لفظ: ((ما لَمْ يَعْمَل)) يُشعِرُ بأنَّ كلّ شيءٍ في الصَّدر لا يُؤاخَذُ به، سواءٌ تَوطَّنَ به أم لم يَتَوَطَّن، وقد تقدَّم البحثُ في ذلك في أواخر الرِّقاق في الكلام على حديث: ((مَن هَمَّ بسَيِّئَةٍ لا تُكتَب عليه)) (٦٤٩١). وفي الحديث إشارة إلى عِظَم قَدْر الأُمّة المحمَّدِيَّة لأجلِ نبيّهَا وَّهِ؛ لقولِه: ((تَجاوزَ لي))، وفيه إشعارٌ باختِصاصِها بذلك، بل صَرَّحَ بعضهم بأنَّه كان حُكمُ الناسي كالعامِدِ في الإثم، وأنَّ ذلك من الإصْرِ الذي كان على مَن قبلنا، ويُؤيِّدُه ما أخرجه مسلم (١٢٥) عن أبي هريرة قال: لمَّا نزلت ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىّ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] اشتَدَّ ذلك على الصحابة، فذكر الحديث في شكواهم ذلك وقولِه ◌َ لّ لهم: «تُريدونَ أن تقولوا مِثلَ ما قال أهلُ الكتاب: سمِعنا وعَصَينا؟! بل قولوا: سمِعنا وأطَعنا)) فقالوها، فنزلت: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ﴾ إلى آخر السّورة. وفيه في قوله: ﴿لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال: نعم. وأخرجه من حديث ابن عبّاس (١٢٦) بنحوِه، وفيه قال: قد فعلت. الحديث الثاني: قوله: ((حدَّثْنَا عُثْمان بن الهَيْثَم، أو محمَّد عنه) وَقَعَ مِثل هذا في ((باب النَّرِيرة)» في أواخر كتاب اللِّباس (٥٩٣٠)، وتقدَّم الكلام عليه هناك. وقد أخرجه الإسماعيليُّ من طريق محمّد بن یحیی عن عثمان بن الهيثم به. ١٥٦ باب ١٥ / ح ٦٦٦٦ - ٦٦٧٤ فتح الباري بشرح البخاري قوله: «كنت أحْسِبُ يا رسولَ الله كذا وكذا، قبلَ كذا وكذا)» في رواية الإسماعيليّ: إنّي كنت أحسِبُ أنَّ كذا قبلَ كذا. ٥٥٣/١١ قوله: ((هؤُلاءِ الثَّلاث)) قد كنت أظنُّ ذلك خاصّاً بهذه الرِّواية، وأنَّ/ البخاريّ أشارَ بذلك إلى ما في الحديث الذي يليه، فإنَّه فيه الحَلقُ والنَّحرُ والرَّمي، لكن وجدتُه في رواية الإسماعيليّ بالإبهام كما أشرتُ إليه، وكذا أخرجه مسلم (٣٢٩/١٣٠٦ و٣٣٠) من رواية عيسى بن يونس ومحمَّد بن بَكر، كلاهما عن ابن جُرَيج مِثل رواية عثمان بن الهَيثَم سواء، إلّا أنَّ ابن بَكر لم يَقُل: ((لِهؤلاءِ الثلاث))، ومن رواية يحيى بن سعيد الأُمَويّ عن ابن جُرَيج بلفظ: حَلَقتُ قبل أن أنحَرَ، ونَحَرتُ قبلَ أن أرميَ، فالظّاهر أنَّ الإشارة المذكورة من ابن جُرَيج، وقد أخرجه الشَّيخان من رواية مالكٍ عن ابن شِهاب شيخ ابن جُرَيج فيه مُفَسَّراً، کما تقدَّم في کتاب الحجّ مع شرحِه (١٧٣٦). الحديث الثالث: حديث ابن عبّاس في ذلك، وقد تقدَّم بسنده ومتنِه مشروحاً في كتابٍ الحجِّ (١٧٢١). الحديث الرابع: حديث أبي هريرة في قصَّة المُسيءٍ صَلاتَه، وقد تقدَّم شرحُه في كتابٍ الصلاة (٧٩٣). قوله: ((حدَّثني إسحاقُ بن منصورٍ، حدَّثنا أبو أسامةَ، حدَّثنا عُبيدَ الله بن عمر)) هو العُمَريّ، وسعيد: هو المقبُريّ، وقد تقدَّم في كتاب الاستئذان (٦٢٥١) بهذا السَّنَد سواء، لكن فيه: عبد الله بن نُمَير بَدَل أبي أسامة، وفي بعض سياقهما اختلافٌ بيَّنْتُه هناك، فكأنَّ لإسحاق بن منصورٍ فیه شیخینِ. وقد أخرجه التِّرمِذيّ (٢٦٩٢) عن إسحاق بن منصور عن عبد الله بن نُمَير وحده. وأخرجه مسلم (٣٩٧/ ٤٦) عن أبي بكر بن أبي شَيْبة عن أبي أسامة وعبد الله بن نُمَير جميعاً. وله طُرُقٌ عن هذَينٍ عند مسلم وغيره. الحديث الخامس: حديث حُذَيفة في قصَّة قتل أبيه اليَمَان يوم أُحُد، وقد تقدَّم شرحُه مُستَوفَّى في أواخر المناقب (٣٨٢٤) وفي غزوة أُحُد (٤٠٦٥). ١٥٧ باب ١٥ / ح ٦٦٦٨-٦٦٧٤ كتاب الأيمان والنذور وقوله في آخره: ((بقيَّةُ خيرٍ)) بالإضافة لِلأكثر، أي: استَمرَّ الخيرُ فيه، ووَقَعَ في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((بقيَّةٌ)) بالتَّوين، وسَقَطَ عنده لفظ: ((خير))، وعليها شرح الكِرْمانيُّ فقال: أي: بقيَّة حُزنٍ وتَحَشُّرٍ مِن قَتْل أبيه بذلك الوجه. وهو وهمٌّ سَبَقَهُ غيرُه إليه، والصَّواب أنَّ المراد: أنَّه حَصَلَ له خيرٌ بقولِه للمسلمينَ الذينَ قَتَلوا أباه خطأً: عَفا الله عنكم، واستَمرَّ ذلك الخیرُ فیه إلى أن ماتَ. الحديث السادس: حديث أبي هريرة: ((مَن أكَلَ ناسياً وهو صائم، فليُثُمَّ صَومَه ... )) الحديث، وقد تقدَّم شرحه في (باب الصّائم إذا أكَلَ أو شَرِبَ ناسيا) من كتاب الصيام (١٩٣٣). وعَوف في السَّنَد: هو الأعرابيّ، وخِلَاس - بكسر المعجَمة وتخفيف اللّام بعدها مُهمَلة:هو ابن عَمْرو، ومحمّد: هو ابن سِيرِين، والبخاريّ لا يُخْرِّج لِخِلَاسٍ إلّا مقروناً. ولمَّا يُنَبَّه عليه هنا أنَّ المِّيَّ في ((الأطراف)) ذكر هذا الحديث في ترجمة خِلَاس عن أبي هريرة فقال: خ في الصيام عن يوسف بن موسى. فوهِمَ في ذلك، وإنَّما هو في الأيمان والنُّذور، ولم يُورِده في الصيام من طريق خِلَاس أصلاً. وقال ابن المنيِّر في ((الحاشية)): أو جَبَ مالكٌ الحِنثَ على الناسي، ولم يُخالف ذلك في ظاهر الأمر إلّ في مسألةٍ واحدةٍ، وهي مَن حَلَفَ بالطَّلاق لَيصومَنّ غَداً، فأكَلَ ناسياً بعد أن بَيَّتَ الصيام من اللَّيل، فقال مالك: لا شيء عليه، فاختُلِفَ عنه فقيلَ: لا قضاءَ عليه، وقيل: لا حِنثَ ولا قضاء وهو الرَّاجح، أمَّا عَدَم القضاء فلأنَّه لم يَتَعَمَّد إبطال العبادة، وأمَّا عَدَم الحِنث فهو على تقدير صِحّة الصوم، لأنَّه المحلوف عليه، وقد صَحَّحَ الشّارع صومه، فإذا صَحَّ صومه لم يقع عليه حِنثٌ. الحديث السابع: حديث عبد الله ابن بُحَينَةَ في سُجود السَّهو قبل السَّلام لِتَركِ التَّشَهُّدِ الأوَّل، وقد تقدَّم في أبواب سُجودِ السَّهو من أواخر كتاب الصلاة مع شرحِه (١٢٢٤). الحديث الثامن: حديث ابن مسعودٍ في سُجود السَّهو بعد السَّلام لِزيادة ركعةٍ في الصلاة، وقد تقدَّم شرحُه أيضاً هناك عَقِب حديث ابن بُحَينةَ (١٢٢٦). ١٥٨ م باب ١٥ / ح ٦٦٧١ - ٦٦٧٤ فتح الباري بشرح البخاري وقوله هنا: ((حدَّثنا إسحاق بن إبراهيم)) هو المعروف بابنٍ راهويه، وقد أخرجه أبو نُعَيم في «مُستخرجه)) من ((مُسنَدہ)). وقوله: ((سمعَ عبد العزيز)) أي: أنَّه سمعَ، ولفظة: ((أنَّه)) يُسقِطونَها في الخَطّ أحياناً، وعبد العزيز المذكور: هو العَمِّيُّ، بفتح المهمَلة والتَّقيل، ومنصور: هو ابن المعتَمِر، وإبراهيم: ٥٥٤/١١ هو النَّخَعيّ، وعَلْقمة: هو / ابن قيس. وقوله فيه: ((فزادَ أو نَقَصَ - قال منصور: لا أدري إبراهيم وهِمَ أم عَلْقمة -)) كذا أطلقَ ((وهِمَ)) مَوضعَ ((شَكَّ))، وتوجيهه أنَّ الشكَّ يَنشَأ عن النِّسيان، إذ لو كان ذاكراً لأحدٍ الأمرَينِ لمَا وَقَعَ له التردُّد، يقال: وهِمَ في كذا: إذا غَلِطَ فيه، ووهمَ إلى كذا: إذا ذهب وهمُه إليه، وقد تقدَّم في أبواب القِبْلة (٤٠١) من رواية جَرِير عن منصور قال: قال إبراهيم: لا أدري زاد أو نَقَصَ، فجَزَمَ بأنَّ إبراهيم هو الذي تَرَدَّدَ، وهذا يدلُّ على أنَّ منصوراً حين حدَّث عبد العزيز كان مُتَرَدِّداً هل عَلْقمة قال ذلك أم إبراهيم؟ وحين حدَّث جَرِيراً كان جازماً بإبراهيم. وقال الكِرْمانيُّ: لفظ: ((أَقَصُرَت)) صريح في أنَّه نقصٌ، ولكنَّه وهمٌّ من الراوي، والصَّواب ما تقدَّم في الصلاة بلفظ: ((أحدَثَ في الصلاة شيءٌ؟)). وقد تقدَّمَت مباحث هذا الحديث هناك أيضاً، ولله الحمد. الحديث التاسع: ذكر فيه طَرَفاً يسيراً من حديث أبيّ بن كعب في قصَّة موسى والخَضِر. وقوله: ((قلت لابنِ عبَّاس، فقال: حدَّثنا أُبيّ بن كعب)) هكذا حَذَفَ مَقُول سعيد بن جُبَير، وقد ذكره في تفسير الكهف بلفظ: قلت لابنِ عبَّاس: إنَّ نَوفاً البِكَالِيّ(١)، فذكر قصَّة، فقال ابن عبَّس رادّاً عليه: حدَّثنا أُبيّ بن كعب ... إلى آخره، فحَذَفَها البخاريّ هنا كما حَذَفَ أكثر الحديث، إلى أن قال: ((لا تُؤاخذني». (١) بفتح الباب وكسرها، وتخفيف الكاف، نسبة إلى بَكَال؛ بطن من حِمْيَرَ. قاله الحافظ ابن حجر عند شرح الحديث رقم (١٢٢). ١٥٩ باب ١٥ / ح ٦٦٧٢ -٦٦٧٤ كتاب الأيمان والنذور قوله: ((أَنَّه سمعَ رسول الله يقول: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ﴾)) فيه حذفٌ تقديرُه: يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿ قَالَ لَانُؤَاخِذْنِى ... ﴾ إلى آخره. قوله: ((كانت الأولى من موسى نِسْياناً) يعني: أنَّه كان عند إنكاره خَرْقَ السَّفينة كان ناسياً لِمَا شَرَطَ عليه الخَضِرُ في قوله: ﴿فَلَا تَسْتَلْنِى عَنْ شَىْءٍ حَتَّىَ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٧٠]. فإن قيل: تَركُ مُؤَاخَذَتِهِ بالنِّسيان مُتَّجِهٌ فكيف واخَذَه؟ قلنا: عَمَلاً بعُمومٍ شرطه الذي الْتَزَمَه موسى، فلمَّ اعتَذَرَ له بالنِّسيان علم أنَّه خارجٌ بحُكمِ الشَّرع من عُموم الشَّرط، وبهذا التَّقْرير يَتَّجِه إيرادُ هذا الحديث في هذه التَّرجمة. فإن قيلَ: فالقصَّة الثّانية لم تكن إلّا عَمداً، فما الحاملُ له على خُلْفِ الشَّرطِ؟ قلنا: لأنَّه في الأُولِى كان يَتَوقَّعُ هلاكَ أهلِ السَّفينة فبادَرَ لِلإنكار، فكان ما كان، واعتَذَرَ بالنِّسيان، وقَدَّرَ الله سَلامَتَهم، وفي الثّانية كان قتلُ الغلام فيها مُحْقَّقاً فلم يَصبِرِ على الإنكار، فأنكَرَ ذاكراً لِلشَّرطِ عامداً لإخلافِهِ؛ تقديراً لِحُكمِ الشَّرع، ولذلك لم يَعْتَذِر بالنِّسيان، وإنَّما أراد أن يُجَرِّبَ نفسَه في الثّالثة، لأنَّهَا الحدُّ المبيِّنُ غالباً لما يخفى من الأُمور. فإن قيلَ: فهل كانت الثّالثة عَمداً أو نِسْياناً؟ قلنا: يظهرُ أنَّها كانت نِسْياناً، وإنَّما واخَذَه صاحبُهُ بشرطِه الذي شَرَطَه على نفسِه من المفارَقة في الثّالثة، وبذلك جَزَمَ ابن التِّين، وإنَّما لم يَقُل: إنَّها كانت عَمداً، استبعاداً لأن يقع من موسى عليه السلام إنكارُ أمرٍ مشروعٍ، وهو الإحسانُ لمن أساءَ، والله أعلم. الحديث العاشر، والحادي عشر: حديثُ البراء وحديثُ أنس في تقديم صلاة العيد على الذَّبح، وقد سَبَقَ شرحُهما مُستَوقَى في كتابٍ الأضاحيِّ (٥٥٥٦). قوله: ((كَتَبَ إليَّ محمَّد بن بشَّار)) لم تقع هذه الصّيغة للبخاريِّ في ((صحيحه)) عن أحدٍ من مشايخِه إلّا في هذا الموضع، وقد أخرج بصيغة المكاتَبة فيه أشياءَ كثيرةً لكن من رواية التابِعِيِّ عن الصحابيِّ، أو من رواية غير التابعِيِّ عن التابِعِيِّ ونحو ذلك. ومحمّد بن بشَّار هذا هو المعروف ببُندارٍ، وقد أكثرَ عنه البخاريّ، وكأنَّه لم يسمع مِنه هذا الحديث فرواه عنه ١٦٠ باب ١٥ / ح ٦٦٧٢ - ٦٦٧٤ فتح الباري بشرح البخاري بالمكاتبة. وقد أخرج أصلَ الحديث من عِدّة طرقِ أُخرى موصولةٍ، كما تقدَّم في العيدَينِ (٩٥١) وغيره. وقد أخرجه الإسماعيليّ عن عبد الله بن محمَّد بن سِنان قال: قرأتُ على بُندارٍ ... فذكره، وأخرجه أبو نُعَيم من رواية حُسَين بن محمَّد بن حَمَّاد قال: حدَّثنا محمَّدُ بنُ بشَّارِ بُندارٌ. قولُه: ((قال: قال البراء بن عازِبٍ: وكان عندهم ضَيف)) في رواية الإسماعيليّ: ((كان عندهم ضَيف)) بغير واوٍ، وظاهر السّياق أنَّ القصّة وَقَعَت لِلبراء، لكنَّ المشهورَ أنَّهَا وَقَعَت لِخِاله ٥٥٥/١١ أبي بُرْدة بن نِيارٍ كما تقدَّم في كتاب الأضاحيّ (٥٥٤٥) من طريق/ زُبَيدٍ عن الشَّعبيِّ عن البراء، فذكر الحديث وفيه: فقامَ أبو بُرْدة بن نِيارٍ وقد ذَبَحَ فقال: إنَّ عندي جَذَعةً ... الحديث، و(٥٥٥٦) من طريق مُطرِّفٍ عن الشَّعبيِّ عن البراء: ضَخَّى خالٌ لي يقال له: أبو بُرْدة قبلَ الصلاة. قوله: ((قبل أن يَرجِع)) في رواية السَّرَخْسيِّ والمُستَمْلي: قبلَ أن يَرجِعَهم، والمراد: قبلَ أن یَرجِعَ إلیھم. قوله: ((فأمَرَه أن يُعيد الذّبْحَ)) قال ابن التِّين: رُوِّيناه بكسر الذّال: وهو ما يُذْبَحُ، وبالفتح: وهو مصدَرُ ذَبَحثُ. قوله: ((فقال: يا رسول الله)) في رواية الإسماعيليّ: ((قال البراء: يا رسول الله))، وهذا صريح في أنَّ القصَّة وَقَعَتِ لِلبراء، فلو لا اتّحادُ المخرَجِ لَأمكَنَ التعدُّد، لكنَّ القصَّة مُتَّحِدةٌ والسَّنَد مُتَّحِدٌ من رواية الشَّعبيّ عن البراء، والاختلاف من الرُّواة عن الشَّعبيّ، فكأنَّه وَقَعَ في هذه الرِّواية اختصارٌ وحَذْف، ويحتمل أن يكون البراء شارَكَ خالَه في سؤال النبيّ ◌َّ عن القصَّة فنُسِبَت كلّها إليه تَجُّزاً. قال الكِرْمانيُّ: كان البراء وخالُهُ أبو بُرْدة أهلَ بيتٍ واحدٍ، فَنَسَبَ القصَّةَ تارةً لِخِاله وتارةً لنفسِه. انتهى، والمتكلِّمُ في القصَّة الواحدة أحدُهما، فتكون نِسبةُ القولِ للآخَرِ مَجَازِيَّة، والله أعلم.