النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ باب ٤ / ح ٦٦٤٧ - ٦٦٤٨ كتاب الأيمان والنذور واستَثْنَى بعض الحنابلة من ذلك الحَلِفِ بنبيِّنا محمَّدٍ نَّهِ، فقال: تَنعَقِد به اليمين وتجب الكفَّارة بالحِنث، فاعتَلَّ بكَونِه أحدَ رُكنَي الشَّهادة التي لا تَتِمُّ إلّ به. وأطلقَ ابن العربيّ نِسَبَتَه لمذهبٍ أحمد، وتَعقَّبَه بأنَّ الإيمان عند أحمد لا يَتَمّ إلّا بفِعلِ الصلاة، فيَلزَمه أنَّ مَن حَلَفَ بالصلاة أن تَنْعَقِد يمينُهُ ويَلزَمه الكفَّارة إذا حَنِثَ. ويُمكِن الجواب عن إيراده والانفصال عَّا ألزَمَهم به. وفيه الردّ على مَن قال: إن فعَلتُ كذا فهو يهوديٌّ أو نَصرانٌّ أو كافرٌ، أَنَّه يَنعَقِد يميناً، ومَتَی فعل تجب عليه الكفَّارة، وقد نُقِلَ ذلك عن الحنفيَّة والحنابلة، ووجه الدّلالة من الخبر أنَّه لم یحلف بالله ولا بما يقوم مقام ذلك، وسيأتي مزيدٌ لذلك بعد. وفيه أنَّ مَن قال: أقسَمتُ لَأَفعَلَن كذا، لا يكون يميناً، وعند الحنفيّة يكون يميناً، وكذا قال مالك وأحمد، لكن بشرطِ أن يَنويَ بذلك الحَلِفِ بالله، وهو مُتَّجِهٌ، وقد قال الشافعيّة: مَن قال: عليّ/ أمانةُ الله لَأَفعَلَن كذا، وأراد اليمين، أنَّه يمين، وإلّا فلا. ٥٣٥/١١ وقال ابن المنذر: اختَلَفَ أهل العلم في معنى النَّهي عن الحلف بغير الله، فقالت طائفة: هو خاصٌّ بالأيمان التي كان أهل الجاهليَّة يَحِلِفونَ بها تعظيماً لغير الله تعالى، كاللّات والعُزَّى والآباء، فهذه يأثَم الحالفُ بها ولا كفَّارة فيها، وأمَّا ما كان يَؤولُ إلى تعظيم الله كقوله: وحَقٌّ النبيّ والإسلامِ والحجّ والعمرةِ والهدي والصَّدَقة والعِتق، ونحوها ممَّا يُراد به تعظيم الله والقُربة إليه فليس داخلاً في النَّهي، ومَمَّن قال بذلك أبو عُبيد وطائفة ممَّن لَقِيناه، واحتَجّوا بما جاء عن الصَّحابة من إيجابِهِم على الحالف بالعِتقِ والهدي والصَّدَقة ما أو جَبوه، مع كَونِهِم رأوا النَّهي المذكور، فدَلَّ على أنَّ ذلك عندهم ليس على عُمُومه، إذ لو كان عامّاً لَنُهوا عن ذلك ولم يُوجِبوا فيه شيئاً، انتهى. وتَعقَّبَه ابن عبد البَرِّ بأنَّ ذِكْر هذه الأشياء، وإن كانت بصورة الحَلِف فليست يميناً في الحقيقة، وإنَّما خَرَجَ على الاتِّساع، ولا یمین في الحقیقة إلّا بالله. وقال المهلَّب: كانت العرب تَحلِف بأبائها وآلهتِها، فأراد الله نَسْخ ذلك من قلوبهم لُيُنسِيَهم ١٢٢ باب ٤ / ح ٦٦٤٧ - ٦٦٤٨ فتح الباري بشرح البخاري ذِكْر كلّ شيءٍ سواه ويَبقَى ذِكْره، لأنَّه الحقّ المعبود، فلا يكون اليمين إلّا به، والحَلِف بالمخلوقات في حُكم الحَلِف بالآباءِ. وقال الطَّبَريُّ: في حديث عمر - يعني: حديثَ الباب -: أنَّ اليمين لا تَنعَقِد إلّ بالله، وأنَّ مَن حَلَفَ بالكعبة أو آدم أو جِبْريل ونحو ذلك لم تَنعَقِد يمينُهُ، ولَزِمَه الاستغفار لإقدامه على ما نُهي عنه، ولا كفَّارة في ذلك، وأمَّا ما وَقَعَ في القرآن من القَسَم بشيءٍ من المخلوقات فقال الشَّعبيّ: الخالق يُقْسِم بما شاءَ من خَلْقِهِ، والمخلوقُ لا يُقسِم إلّا بالخالق، قال: ولَأنْ أُقْسِمَ بالله فأحتَثَ أحبُّ إليَّ من أن أُقْسِمَ بغيره فأبَرَّ. وجاءمِثله عن ابن عبّاس وابن مسعود وابن عمر. ثمَّ أسنَدَ عن مُطرِّف بن(١) عبد الله أنَّه قال: إنَّما أقسَمَ الله بهذه الأشياء ليُعجِب بها المخلوقينَ ويُعرِّفَهم قُدرتَه، لِعِظَمٍ شأنها عندهم ولِدلالتِها على خالقها، وقد أجَمَعَ العلماء على أنَّ مَن وَجَبَت له يمينٌ على آخر في حَقٌّ عليه أنَّه لا يَحِلِف له إلّا بالله، فلو حَلَفَ له بغيره وقال: نَويتُ رَبَّ المحلوفِ به، لم يكن ذلك يميناً. وقال ابن هُبَيرة في كتاب ((الإجماع)): أجمعوا على أنَّ اليمين مُنعَقِدة بالله، وبِجميع أسمائه الحُسنَى، وبِجميع صفات ذاته؛ كَعِزَّتِه وجَلاله وعِلمِه وقوَّتِه وقُدرَتِهِ، واستَئِنَى أبو حنيفة عِلمَ الله فلم يَرَه يميناً، وكذا حَقّ الله، واتَّفَقوا على أنَّه لا يُحُلَفُ بِمُعَظَّم غير الله كالنبيّ، وانفَرَدَ أحمد في رواية فقال: تَنعَقِّد. وقال عِيَاض: لا خِلاف بين فقهاء الأمصار أنَّ الحَلِفِ بأسماء الله وصفاته لازِمٌ إلّا ما جاء عن الشافعيّ من اشتراط نيَّة اليمين في الخَلِفِ بالصِّفات، وإلّا فلا كفَّارة. وتُعقِّبَ إطلاقُه ذلك عن الشافعيّ، وإنَّما يحتاج إلى النّيَّة عنده ما يَصِحّ إطلاقُه عليه سبحانه وتعالى وعلى غيره، وأمَّا ما لا يُطلَق في مَعرِض التَّعظيم شَرعاً إلّا عليه فتنعقد اليمينُ به وتجب الكفَّارة إذا حَنِثَ، كَمُقَلِّبِ القلوب وخالق الخَلْق ورازِق كلّ حَيّ، ورَبّ العالمينَ وفالق الحَبّ وبارئ النَّسَمة، وهذا في حُكْم الصَّريح كقوله: والله، وفي وجهٍ لِبعضِ الشافعيّة: أنَّ الصَّريح: ((الله)) فقط. (١) تحرَّفت في (س) إلى: عن. ١٢٣ باب ٤ / ح ٦٦٤٩ كتاب الأيمان والنذور ويظهر أثر الخِلاف فيما لو قال: قَصَدتُ غير الله، هل يَنفَعه في عَدَم الحِنث؟ وسيأتي زيادةُ تفصيل فيما يَتَعلَّق بالصِّفات في ((باب الحَلِفِ بعِزّة الله وصفاته)) (٦٦٦١)، والمشهور عن المالكيَّة: التَّعميم، وعن أشهَب: التَّفصيل في مِثل: وعِزّة الله، إن أراد التي جعلها بين عباده فليست بيمينٍ، وقياسُه أن يَطَّرِد في كلّ ما يَصِحّ إطلاقُه عليه وعلى غيره، وقال به ابن سَحْنونٍ منهم في عِزّة الله. وفي ((العُنْبَيَّة)): أنَّ مَن حَلَفَ بالمصحَفِ لا تَنعَقِد، واستنكرها بعضُهم، ثمَّ أوَّلَهَا على أنَّ المراد: إذا أراد جِسم المصحف، والتَّعميمُ عند الحنابلة حتَّى لو أراد بالعلمِ والقُدرة: المعلوم والمقدور، انعَقَدَت، والله أعلم. تنبيه: وَقَعَ في رواية محمَّد بن عَجْلان عن نافع عن ابن عمر في آخر هذا الحديث زيادةٌ أخرجها ابن ماجَهْ (٢١٠١) من طريقه بلفظ: سمعَ النبيُّ ◌َلهرجلاً يَحلِف بأبيه، فقال: ((لا ٥٣٦/١١ تَحلِفُوا بآبائكم، مَن حَلَفَ بالله فليَصدُق، ومَن حُلِفَ له بالله فلیَرضَ، ومَن لم یَرضَ بالله فليس من الله) وسندُه حسنٌ. ٦٦٤٩ - حدَّثنا قُتَيِيةُ، حدَّثنا عبدُ الوهَّاب، عن أيوبَ، عن أبي قِلابةَ والقاسمِ التَّمِيمِيِّ، عن زَهْدَم بن الحارِث، قال: كان بينَ هذا الحيِّ من جَرْمٍ وبينَ الأشعَرِيِّينَ وُذٌّ وإخاءٌ، فكنَّا عندَ أبي موسى الأشعَرِيِّ، فَقُرِّبَ إليه طعامٌ فيه لحمُ دَجاجٍ، وعندَه رجلٌ من بني تَيمِ الله أحمرُ كأَنَّه مِنَ المَوالي، فدَعاه إلى الطَّعام، فقال: إنّ رأيتُهُ يأكلُ شيئاً فقَذِرْتُه، فحَلَفتُ أن لا آكُلَه، فقال: قُمْ فَلأُحدِّثَنَّكَ عن ذاكَ، إنّي أتيتُ رسولَ الله ◌َّهَ فِي نَفَرِ مِنَ الأشعَرِيِّينَ نَسْتَحمِلُه، فقال: ((والله لا أحملُكم، وما عندي ما أحِلُكم)) فأَتِيَ رسولُ اللهَوَّه بِنَهْبِ إِيلٍ، فسألَ عَنّا فقال: «أينَ النَّفَرُّ الأَشْعَرِيّونَ؟)) فأمَرَ لنا بخمسٍ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى، فلمَّا انطَلَقْنَا قُلْنا: ما صَنَعْنا؟ حَلَفَ رسولُ اللهِوَه لا يَحْمِلُنا، وما عندَه ما يَحْمِلُنا، ثمَّ ◌َلَنا، تَغَفَّلْنا رسولَ الله ◌ِِّ يَمِينَه، والله لا نُفْلِحُ أبداً! فَرَجَعْنا إليه، فقُلْنا له: إنّا أتيناكَ لِتَحمِلَنا، فحَلَفْتَ أن لا تَحمِلَنا، وما عندَكَ ما تَحمِلُنا، فقال: ((إنّي ◌َسْتُ أنا حَمَلْتُكم، ولكنَّ الله ◌َمَلَكم، والله لا أحلِفُ على يَمِينٍ فأرَى غيرَها خيراً منها، إلّا أتيتُ الذي هو خيرٌ، وتَحَلَّلْتُها)). ١٢٤ باب ٥ / ح ٦٦٥٠ فتح الباري بشرح البخاري ثم ذكر حديث أبي موسى في قصَّة الذي حَلَفَ أن لا يأكلَ الدَّجاجَ، وفيه قصَّة أبي موسى مع النبيّ وَّ لِمَّا استَحمَلَ النبيَّلَّهِ لِلأشعَرِيِّينَ، وفيه: «لا أحلِف على يمين فأَرَى غيرَها خيراً منها إلّا كَفَّرت)) الحديث، وقد تقدَّم شرح ما يَتَعلَّق بالدَّجاج، وبِما وَقَعَ في صَدر الحديث من قصَّة الرجل الجرميّ وتسميته في كتاب الذَّبائح (٥٥١٧ ٥٥١٨)، ويأتي شرح قِصَّته في كفَّارات الأيمان (٦٧١٨). وقوله في السَّنَد: ((عبد الوهاب)) هو ابن عبد المجيد الثَّقفيّ، وأيوب: هو السَّختيانيّ، والقاسم التَّيْميُّ: هو ابن عاصم، بصريٌّ تابِعِيٌّ، وهو من صِغار شيوخ أيوب. قال ابن المنيِّر: أحاديث الباب مُطابِقَةٌ لِلتَّرجمة إلّا حديث أبي موسى، لكن يُمكِن أن يقال: إنَّ النبيّ وَّل أخبر عن أيمانه أنَّها تقتضي الكفَّارة، والذي يُشرَع تكفيره ما كان الحلِف فيه بالله تعالى، فدَلَّ على أنَّه لم يكن يَحلِف إلّا بالله تعالى. ٥ - بابٌ لا يُحِلَف باللات والعزّى، ولا بالطّواغيت ٦٦٥٠ - حذَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حذَّثنا هشامُ بنُ يوسُفَ، أخبرنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي هريرةَ ◌َُ، عن النبيِّ وَِّ، قال: ((مَن حَلَفَ فقال في حَلِفِهِ: بالَّلات والعُزَّى، فلْيَقُل: لا إلهَ إلا الله، ومَن قال لِصاحبِهِ: تَعالَ أُقَامِرْكَ، فَلْيَتَصَدَّق)). قوله: (بابٌّ لا يُحِلَف باللّات والعُزَّى، ولا بالطّواغيتِ)) أمَّا الْحَلِفِ باللّات والعُزَّى فِذُكِرَ في حديث الباب، وقد تقدَّم شرحه في تفسير سورة النَّجم (٤٨٦٠). وأمَّا الطَّواغيت فوَقَعَ في حديثٍ أخرجه مسلم (١٦٤٨) والنَّسائيُّ (٣٧٧٤) وابن ماجَهْ (٢٠٩٥) من طريق هشام بن حسَّان عن الحسن البصريّ عن عبد الرَّحمن بن سَمُرة مرفوعاً: ((لا تَحلِفوا بالطَّواغيتِ ولا بآبائكم))، وفي رواية مسلم وابن ماجَهْ: ((بالطّواغي)) وهو جمع طاغية، والمراد: الصَّنَم، ومِنه الحديث الآخر: ((طاغية دَوْس))(١)، أي: صَنَمهم، سُمّيَ باسم (١) سيأتي برقم (٧١١٦). ١٢٥ باب ٥ / ح ٦٦٥٠ كتاب الأيمان والنذور المصدَر لِطُغيان الكفَّار بعبادَتِهِ لِكَونِهِ السَّبَبَ في طُغيانِهِم، وكلّ مَن جاوزَ الحدّ في تعظيم أو غيره فقد طَغَى، ومِنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَآءُ﴾ [الحاقة: ١١]. وأمَّ الطَّواغيت فهو جمع طاغوت، وقد تقدَّم بيانه في تفسير سورة النِّساء(١)، ويجوز أن يكون الطَّواغي مُرَخَّماً من الطَّواغيت بدون حرف النِّداء على أحد الآراء، ويدلّ عليه مجيء أحد اللَّفْظَينِ موضعَ الآخر في حديثٍ واحد، ولذلك اقتَصَرَ المصنّف على لفظ الطَّواغيت لِكَونِه الأصل، وعَطَفَه على اللّات والعُزَّى لاشتِراكِ الكلِّ في المعنى، وإِنَّا أُمِرَ الحالف بذلك بقولِ: لا إله إلّا الله، لِكَونِه تَعاطَى صُورَةَ تعظيم الصَّنَم حيثُ حَلَفَ به. قال ◌ُمهور العلماء: من حَلَفَ باللات والعُزَّى أو غيرهما من الأصنام، أو قال: إن فعَلتُ كذا فأنا يهوديٌّ أو نَصرانيٌّ أو بَريٌ من الإسلام أو من النبيّ وَّه لم تَنْعَقِد يمينُهُ، وعليه أن يَسْتَغْفِر الله، ولا كفَّارة عليه، ويُستَحَبّ أن يقول: لا إلهَ إلّا الله. وعن الحنفيَّة: تجب الكفَّارة إلّا في مِثل قوله: أنا مُبتَدِعٌ أو بَرِيءٌ من النبيّ ◌ََّ، واحتُجَّ بإيجابِ الكفَّارة على المُظاهِرِ، مع أنَّ الظَّهار مُنكَرٌ من القول وزورٌ كما قال الله تعالى، والحَلِف بهذه الأشياء مُنگر. وتُعقّبَ بهذا الخبر، لأنَّه لم يُذكَر فيه إلّا الأمرُ بلا إله إلّا الله ولم يُذكَر فيه كفَّارة، والأصل عَدَمُها حتَّى يُقام الدَّليل، وأمَّا القياس على الظِّهار فلا يَصِحّ؛ لأنَّهم لم يوجِبوا فيه كفَّارة الظِّهار، واستَثَنَوا أشياء لم يُوجِبوا فيها كفَّارةً أصلاً مع أنَّه مُنكَر من القول. وقال النَّوويّ في ((الأذكار)): الحَلِفِ بما ذُكِرَ حَرام تجب التَّوبة مِنه. وسَبَقَه إلى ذلك الماوَرْدِيُّ وغيره، ولم يَتعرَّضوا لوجوبٍ قول: لا إله إلّا الله، وهو ظاهر الخبر،/ وبِهِ جَزَمَ ابن ٥٣٧/١١ دِرْباس في ((شرح المهذَّب)). وقال البَغَويُّ في ((شرح السُّنّة)) تَبَعاً لِلخَطّابِيِّ: في هذا الحديث دليلٌ على أن لا كفَّارةَ على مَن حَلَفَ بغير الإسلام وإن أثِمَ به، لكن تَلزَمه التَّوبة، لأنَّه وَلِ أَمَرَه بكلمة التَّوحيد، (١) بين يدي الحديث رقم (٤٥٨٣). ١٢٦ باب ٦ / ح ٦٦٥١ فتح الباري بشرح البخاري فأشارَ إلى أنَّ عُقوبَته تَخْتَصُ بِذَنِه، ولم يوجِب عليه في ماله شيئاً، وإنَّما أمَرَه بالتَّوحيدِ؛ لأنَّ الحَلِفِ باللّات والعُزَّى يُضاهِي الكفَّار، فأمَرَه أن يَتَدَارَك بالتَّوحيد. وقال الطِّييُّ: الحكمة في ذِكْر القِمار بعد الحَلِفِ باللّات: أنَّ مَن حَلَفَ باللّات وافَقَ الكفّار في حَلِفِهم، فَأُمِرَ بالتَّوحيد، ومَن دَعَا إلى المقامَرة وافَقَهم في لَعِهِم فَأُمِرَ بكفَّارة ذلك بالتَّصَدُّقِ. قال: وفي الحديث أنَّ مَن دَعَا إلى اللَّعِب فكفَّارَتُه أن يَتَصَدَّقِ، ويَتَأَّد ذلك في حَقّ مَن لَعِبَ بطريق الأَوْلِى. وقال النَّوويّ: فيه أنَّ مَن عَزَمَ على المعصية حتَّى استَقَرَّ ذلك في قلبه أو تَكلَّمَ بلسانه، أنَّه تَكتُبُه عليه الحَفَظة. كذا قال، وفي أخذ هذا الحُكم من هذا الدَّليل وَقْفةٌ. ٦ - باب مَن حَلَف على الشّيء وإن لم يُحلَّف ٦٦٥١ - حدّثنا قُتَبِيةُ، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما: أنَّ رسولَ الله ◌َليه اصْطَنعَ خاتماً من ذهبٍ وكان يَلْبَسُه، فيَجعلُ فَصَّهُ في باطِنِ كَفِّه، فصَنَعَ الناسُ، ثمَّ إِنَّه جَلَسَ على المِنْبِرِ فَزَعَه، فقال: ((إنّي كنتُ ألبَسُ هذا الخاتَمَ وأجْعَلُ فَصَّه من داخلٍ)) فَرَمَی به، ثمَّ قال: ((والله لا ألبَسُه أبداً)) فَتَبَذَ الناسُ خَواتِيمَهم. قوله: ((بابُ مَن حَلَفَ على الشَّيء وإن لم يُحَلَّف)) بضمِّ أوَّله وتشديد اللّام، تقدَّم قريباً في ((باب كيف كانت يمين النبيّ وَلَ؟)) أمثلةٌ كثيرة لذلك وهي ظاهرةٌ في ذلك. وأوردهنا حديث ابن عمر في لُبْس النبيّ وَ لِّ خاتَم الذَّهَب، وفيه: فَرَمَى به ثمّ قال: ((والله لا ألبَسُه أبداً)) وقد تقدَّم شرحه مُستَوقَّى في أواخر كتاب اللِّباس (٥٨٦٥). وقد أطلقَ بعض الشافعيَّة أنَّ اليمين بغير استحلافٍ تُكرَه فيما لم يكن طاعة، ونُوزِع(١)، والأَولى أن يُعبَّر بما فيه مصلحة. (١) لفظة ((ونوزع)) سقطت من (س)، وأثبتناها من (أ). ١٢٧ باب ٧ / ح ٦٦٥٢ كتاب الأيمان والنذور قال ابن المنيِّر: مقصود التَّرجمة أن يَخْرُج مِثلُ هذا من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةٌ لِأَيْمَنِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤] يعني: على أحد التَّأويلات فيها، لئلا يُتَخَيَّل أنَّ الحالف قبل أن يُستَحِلَفَ يَرتَكِبُ النَّهيَ، فأشارَ إلى أنَّ النَّهي يَخْتَصّ بما ليس فيه قصدٌ صحيح، كَتأكيدِ الحُكم، كالذي وَرَدَ في حديث الباب من مَنْعِ لُبْس خاتَمِ الذَّهَبِ. ٧- باب مَن حَلَف بمّةٍ سوی الإسلام وقال النبيُّ نَّهِ: ((مَن حَلَفَ باللات والعُزَّى فَلْيَقُل: لا إلهَ إلّا الله))، ولم يَنْسُبْه إلى الكُفْرِ. ٦٦٥٢ - حدَّثْنا مُعلَّى بنُ أسَدٍ، حَدَّثْنا وُهَيبٌ، عن أيوبَ، عن أبي قلابةَ، عن ثابت بنِ الضَّحّاكِ، قال: قال النبيُّ وَّ: ((مَن حَلَفَ بغيرِ مِلّةِ الإسلام فهو كما قال)) قال: ((ومَن قَتَلَ نفسَه بشيءٍ عُذِّبَ به في نار جَهَنَّمَ، ولَعْنُ المؤمنِ كَقَتْلِهِ، ومَن رَمَى مُؤْمِناً بَكُفْرٍ فهو كَقَتْلِهِ)). قوله: ((بابُ مَن حَلَفَ بِمِّةٍ سوى الإسلام)) الِلّة بكسر الميم وتشديد اللّام: الدِّين والشَّريعة، وهي نَكِرة في سياق الشَّرط؛ فَتَعُمّ جميع الِلَل من أهل الكتاب، كاليهوديّة والنَّصرانيَّة ومَن لَحِقَ بهم من المجوسيَّة والصّابِئة وأهل الأوثان،/ والدَّهريَّة والمعَطِّلة وعَبَدة الشَّياطين ٥٣٨/١١ والملائكة وغيرهم. ولم يَجِزِم المصنِّفُ بالحُكم هل يَكفُر الحالفُ بذلك أو لا؟ لكنَّ تَصَرُّفَه يقتضي أن لا يَكفُر بذلك لأنَّه عَلَّقَ [على](١) حديث: ((مَن حَلَفَ باللّات والعُزَّى فليَقُل: لا إلهَ إلّ الله)): ولم يَنسُبه إلى الكفر. وتمام الاحتجاج أن يقول: لِكَونِه اقتَصَرَ على الأمر بقولِ: لا إله إلّا الله، ولو كان ذلك يقتضي الكفر لَأمَرَه بتمام الشَّهادتين، والتَّحقيق في المسألة التَّفصيل الآتي. وقد وصَلَ الحديثَ المذكور في الباب الذي قبله، وأورَدَه في كتاب الأدب في ((باب مَن لم يَرَ إِكفار مَن قال ذلك مُتأوّلاً أو جاهلاً)) (٦١٠٧)، وقَدَّمتُ الكلام عليه هناك. (١) لفظة ((على)) لم ترد في الأصلين و(س)، وهي زيادة لا بد منها، لأن الحافظ لم يُرد تعليق المصنّف للحديث، وإنما تعليقه على الحديث بقوله إثره: ولم ينسبه إلى الكفر. ١٢٨ باب ٧ / ح ٦٦٥٢ فتح الباري بشرح البخاري قال ابن المنذر: اختُلِفَ فيمَن قال: أكفُرُ بالله ونحو ذلك إن فعَلتُ، ثمَّ فعل، فقال ابن عبَّاس وأبو هريرة وعطاء وقَتَادةُ وجُمهورُ فقهاء الأمصار: لا كفَّارة عليه ولا يكون كافراً إلّا إن أضمَرَ ذلك بقلبِه. وقال الأوزاعيُّ والثَّوريُّ والحنفيَّة وأحمد وإسحاق: هو يمين، وعليه الكفَّارة، قال ابن المنذر: والأوَّل أصحّ؛ لقولِه: ((مَن حَلَفَ باللّات والعُزَّى فليَقُل: لا إله إلّا الله)) ولم يَذكُر كفَّارة. زاد غيرُه: ولذا قال: ((مَن حَلَفَ بمِلّة غير الإسلام فهو كما قال))(١) فأراد التَّغليظ في ذلك حتَّى لا يَجتَرِئَ أحد عليه. ونَقَلَ أبو الحسن بن القَصّار من المالكيَّة عن الحنفيّة: أنَّهم احتَجّوا لإيجابِ الكفَّارة بأنَّ في اليمين الامتناعَ من الفِعل، وتَضَمَّنَ كلامه بما ذَكَرَ تعظيماً لِلإِسلام، وتُعقِّبَ ذلك بأنَّهم قالوا فيمَن قال: وحَقِّ الإسلام، إذا حَنِثَ: لا تجب عليه كفَّارة، فأسقَطوا الكفَّارة إذا صَرَّحَ بتعظيمِ الإسلام وأثبتوها إذا لم يُصرِّح. قوله: ((حدَّثْنا مُعلَّى بن أسَد، حدَّثنا وُهَيب)) تقدَّم في «باب مَن أكفَرَ أخاه)) (٦١٠٥) عن موسى بن إسماعيل عن وُهَيب كالذي هنا، وقبل ذلك في ((باب ما يُنْهَى من السِّباب واللَّعن)) من كتاب الأدب أيضاً (٦٠٤٧) من طريق عليّ بن المبارَك عن يحيى بن أبي كثير بسندِه بزيادة: ((وليس على ابن آدم نَذرٌ فيما لا يَملِك» وسياقه أتمُّ من سياق غيره، فإنَّ مَدارَه في الكتب السِّة وغيرها على أبي قلابةً عن ثابت بن الضَّحّاك، ورواه عن أبي قِلابةَ خالد الحَذّاء ويحيى بنُ أبي كثير وأيوب، فأخرجه المصنِّ في الجنائز (١٣٦٣) من رواية يزيد بن زُرَيع عن خالد الحَذّاء فاقتَصَرَ على خَصلَتينِ، الأولى: مَن قتل نفسَه بحديدةٍ، وأخرجه مسلم (١١٠/ ١٧٦) من طريق الثَّوريِّ عن خالد ومن طريق شُعْبة عن أيوب كذلك، وأشرتُ إلى رواية علي بن المبارَك عن يحيى وأنَّه ذكر فيه خمس ◌ِصال، الأربع المذكورات في الباب والخامسة التي أشرتُ إليها، وأخرجه مسلم (١٧٦/١١٠) من طريق هشام الدَّستُوائيِّ عن (١) زاد هنا في (ع): ((قال مغلطاي))، ولم ترد هذه العبارة في (أ) و(س). ١٢٩ باب ٧ / ح ٦٦٥٢ كتاب الأيمان والنذور يحيى، فذكر خَصْلة النَّذر، ولَعْن المؤمن كَقتله، ومَن قتل نفسه بشيءٍ عُذِّبَ به يوم القيامة، ولم يَذْكُرُ الخَصلَتِينِ الباقيتَينِ، وزاد بدلَما: ومَن حَلَفَ على يَمِين صَبْرِ فاجِرة، ومَن ادَّعَى دَعوى كاذبةً لِيَتَكَثَّر بها لم يَزِده الله إلّ قِلّة. فإذا ضُمَّ بعضُ هذه الخِصال إلى بعض اجتَمَعَ منها تسعة، وتقدَّم الكلام على قوله: ((ولَعْنُ المؤمن كَقَتِلِهِ)) هناك، والكلام على قوله: ((ومَن رَمَى مُؤمِناً بكفرٍ فهو كَقَتِهِ)) في («باب مَن أكفَرَ أخاه))، ووَقَعَ في رواية عليّ بن المبارك: ((ومَن قَذَفَ)) بَدَل ((رَمَى)) وهو بمعناه. وأمَّا قوله: ((ومَن حَلَفَ بغير مِّة الإسلام)) فوَقَعَ في رواية عليّ بن المبارك: ((مَن حَلَفَ على مِلّة غير الإسلام))، وفي رواية مسلم: ((مَن حَلَفَ على يمينٍ بِمِلّة غير الإسلام كاذباً مُتَعَمِّداً فهو كما قال». قال ابن دقيق العيد: الخَلِفِ بالشَّيءٍ حقيقةً هو القَسَم به، وإدخالُ بعض حروف القَسَم عليه كقوله: والله والرَّحمن، وقد يُطلَق على التَّعليق بالشَّيءٍ يمينٌ، كقولهم: مَن حَلَفَ بالطَّلاق، فالمراد تعليق الطَّلاق، وأُطلِقَ عليه الخَلِفِ لمُشابَهَتّه باليمين في اقتضاء الحَثِّ والمنع، وإذا تَقرَّرَ ذلك فيحتمل أن يكون المراد المعنى الثّاني، لقولِه: ((كاذِباً مُتَعَمِّداً)، والكذِب يَدخُل القضيّة الإخباريَّة التي يقع مُقتَضاها تارةً، ولا يقع أُخرى، وهذا بخِلَاف قولنا: والله، وما أشبهه، فليس الإخبار بها عن أمرٍ / خارجيّ، بل هي لإنشاءِ القَسَم، فتكون صورة الخلف ٥٣٩/١١ هنا على وجهَينِ: أحدهما: أن يَتَعلَّق بالمستَقبَلِ، كقوله: إن فعل كذا فهو يهوديٌّ، والثّاني: يَتَعلَّق بالماضي، كقوله: إن كان فعل كذا فهو يهوديٌّ، وقد يَتَعلَّق بهذا مَن لم يَرَ فيه الكفَّارة لِكَونِه لم يَذْكُر فيه كفَّارَةً، بل جَعَلَ المرتَّب على كذِبِه قوله: ((فهو كما قال)). قال ابن دقيق العيد: ولا يَكفُرُ في صورة الماضي إلّا إن قَصَدَ التَّعظيم، وفيه خِلَافٌ عند الحنفيَّة، لِكَونِهِ يَتَخَيَّر معنَى، فصارَ كما لو قال: هو يهوديّ، ومنهم مَن قال: إن كان يعلم(١) أنَّه یمین لم یکفُر، وإن کان یعلم أَنَّه يَكفُر بالحِنثِ به كفرَ، لِكَونِهِ رَضيَ بالكفرِ حين أقدَمَ على الفِعل، وقال بعض الشافعيّة: ظاهرٌ (١) في (س): ((لا يعلم))، وهو خطأ، والمثبت من الأصلين و((إحكام الأحكام)) لابن دقيق العيد ٢٦١/٢. ١٣٠ باب ٧ / ح ٦٦٥٢ فتح الباري بشرح البخاري الحديث أنَّه يُحِكَم عليه بالكفرِ إذا كان كاذباً، والتَّحقيق التَّفصيل: فإن اعتَقَدَ تعظيم ما ذَكَر كفرَ، وإن قَصَدَ حقيقة التَّعليق فيُنظَرُّ، فإن كان أراد أن يكون مُتَّصِفاً بذلك كفرَ، لأنَّ إرادة الكفرِ كفرٌ، وإن أراد البُعدَ عن ذلك لم يَكفُر، لكن هل يَجِرُم عليه ذلك أو يُكرَه تنزيهاً؟ الثّاني هو المشهور. وقوله: ((كاذِباً مُتَعَمِّداً) قال عِيَاض: تفرَّد بزيادَتِها سفيان الثَّوريُّ، وهي زيادةٌ حَسنةٌ يُستَفاد منها أنَّ الحالف المتعَمِّدَ إن كان مُطمَئِنَّ القلب بالإيمان، وهو كاذِبٌ في تعظيم ما لا يَعْتَقِد تعظيمَه: لم يَكفُر، وإن قاله مُعتَقِّداً لِليمين بتلكَ الِلّة لِكَونها حَقّاً: كفرَ، وإن قالها لمُجرَّدٍ التَّعظيم لها: احتَمَلَ. قلت: ويَنْقَدِح بأن يقال: إن أراد تعظيمَها باعتبار ما كانت قبل النَّسخ لم يَكفُر أيضاً. ودَعواه أنَّ سفيان تفرَّد بها، إن أراد بالنِّسبة لِرواية مسلمٍ فعَسَى؛ فإنَّه أخرجه من طريق شُعْبة عن أيوب وسفيان عن خالد الحَذّاء جميعاً عن أبي قِلابةَ، وبيَّن أنَّ لفظ: ((مُتَعَمِّدا)) لِسفيان، ولم يَنْفَرِد بها سفيان؛ فقد تقدَّم في كتاب الجنائز من طريق يزيد بن زُرَيع عن خالد، وكذا أخرجها النَّسائيُّ (٣٧٧٠) من طريق محمَّد بن أبي عَديّ عن خالد. ولِهِذه الخَصْلة في حديث ثابت بن الضَّحّاك شاهدٌ من حديث بُرَيدة، أخرجه النَّسائيُّ (٣٧٧٢) وصَخَّحَه(١) من طريق الحسين بن واقد عن عبد الله بن بُرَيدة عن أبيه رَفَعَه: ((مَن قال: إنّي بَريءٌ من الإسلام، فإن كان كاذباً فهو كما قال، وإن كان صادِقاً لم يَعُد إلى الإسلام سالماً)) يعني: إذا حَلَفَ بذلك، وهو يُؤْيِّدِ التَّفصيلَ الماضِيَ، ويُخصَّص بهذا عُمومُ الحديث الماضي، ويحتمل أن يكون المراد بهذا الكلام: التَّهديدَ والمبالَغةَ في الوعيد لا الحُكم، وكأنَّه قال: فهو مُسْتَحِقٌّ مِثلَ عذاب مَن اعتَقَدَ ما قال، ونَظيره: ((مَن تَرَكَ الصلاة فقد كفرَ)) أي: استَوجَبَ عُقوبةَ مَن كفرَ. (١) قوله: ((وصحَّحه)) لعله يعني الحاكم، فقد صحَّحه في ((المستدرك)) ٢٩٨/٤ من الطريق المذكورة، فيحتمل أن يكون قد ذهل الحافظ عن ذكره لسبق قلمه، ويحتمل أن يكون سقط من نسخنا وثبت في غيرها، والله أعلم، أما النسائي فلم يذكر له تصحيحاً ولا تضعيفاً، وقد أخرجه أيضاً في ((الكبرى)) (٤٦٩٥). ١٣١ باب ٨ / ح ٦٦٥٣ كتاب الأيمان والنذور وقال ابن المنذر: قوله: ((فهو كما قال)) ليس على إطلاقه في نِسَتِه إلى الكفر، بل المراد: أنَّ كاذِب كَكذِبِ العَظِّمِ لِتلكَ الجهة. قوله: ((ومَن قَتَلَ نفسَه بشيءٍ عُذِّبَ به في نار جَهَنَّمَ)) في رواية عليٍّ بن المبارَكِ: ((ومَن قتل نفسَه بشيءٍ في الدُّنيا عُذِّبَ به يوم القيامة)). وقوله: ((بشيءٍ)) أعَمّ ◌َمَّا وَقَعَ في رواية مسلم: (بحديدةٍ))، ولمسلمٍ (١٠٩) من حديث أبي هريرة: ((ومَن تَحَسَّى سُّ)). قال ابن دقيق العيد: هذا من باب مُجَانَسة العُقوبات الأُخرَويَّة لِلجِنايات الدُّنيَويَّة، ويُؤخَذ مِنه أنَّ جِناية الإنسان على نفسه كجِنايتِه على غيره في الإثم، لأنَّ نفسه ليست ملكاً له مُطلَقاً بل هي لله تعالى، فلا يَتَصَرَّف فيها إلّا بِما أُذِنَ له فيه. قيلَ: وفيه حُجّةٌ لمن أوجَبَ المماثلة في القصاص، خِلَافاً لمن خَصَّصَه بالمحدّد، ورَدَّه ابن دَقيق العيد بأنَّ أحكام الله لا تُقاسُ بأفعاله، فليس كلّ ما ذُكِرَ أنَّه يفعله في الآخِرَة يُشرَعُ لِعِبادِهِ في الدُّنيا، كالتَّحريق بالنار مثلاً، وسَقْي الحَميم الذي يُقَطَّع به الأمعاء، وحاصله أنَّه يُستَدَلّ لِلمُماثلة في القصاص بغير هذا الحديث، وقد استَدَلّوا بقولِه تعالى: ﴿ وَحَزَّوْاْ سَيِّئَةٍ سَيِّئَّةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، ويأتي بيان ذلك في كتاب القصاص والدّيات (٦٨٧٨ و٦٨٩٤) إن شاء الله تعالى. ٨ - بابٌ لا يقول: ما شاء الله وشئت وهل يقول: أنا بالله ثمّ بك؟! ٥٤٠/١١ ٦٦٥٣- وقال عَمْرو بنُ عاصم: حدَّثْنا همَّامٌ، حدَّثنا إسحاقُ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ أبي عَمْرةَ، أنَّ أبا هريرةَ حدَّثه، أنَّه سمعَ النبيَّوَلَه يقول: ((إنَّ ثلاثةً في بني إسرائيلَ أرادَ الله أن يَبْتَلَيَهم، فَبَعَثَ مَلَكاً فأتى الأبرَصَ، فقال: تَقَطَّعَت بِيَ الحِبالُ، فلا بَلاغَ لي إلا بالله ثمَّ بكَ ... )) فذَكَر الحديث. قوله: ((باب لا يقول: ما شاءَ الله وشئت، وهل يقول: أنا بالله ثمَّ بك؟)) هكذا بَتَّ الحُكمَ في الصّورة الأولى وتَوقَّفَ في الصّورة الثّانية، وسببُهُ أنَّها وإن كانت وَقَعَت في حديث الباب ١٣٢ باب ٨ / ح ٦٦٥٣ فتح الباري بشرح البخاري الذي أورَدَه مختصراً وساقَه مُطوَّلاً فيما مضى (٣٤٦٤)، لكن إنَّما وَقَعَ ذلك من كلام الملَك على سبيل الامتحان لِلمَقُولِ له، فتَطَرَّقَ إليه الاحتمال. قوله: ((وقال عَمْرو بن عاصم ... )) إلى آخره، وَصَلَه في ذِكْر بني إسرائيل فقال: حدَّثنا أحمد بن إسحاق حدَّثنا عَمْرو بن عاصم، وساقَه بطولِه. وقد يَتَمسَّك به مَن يقول: إنَّه قد يُطلِقُ ((قال)) لِبعض شيوخه فیما لم يسمعه مِنه، ویکون بينهما واسطة. وكأنَّه أشارَ بالصّورة الأولى إلى ما أخرجه النَّسائيُّ (٣٧٧٣) في كتاب الأيمان والتُّذور وصَخَّحَه(١) من طريق عبد الله بن يسار - بتحتائيَّةٍ ومُهمَلةٍ - عن قُتَيلة - بقافٍ ومُثنّةٍ فوقائيّةٍ والتَّصغير - امرأةٌ من جُهَينَةَ: أنَّ يهوديّاً أتى النبيَّ وَّه فقال: إنَّكم تُشِرِكونَ تقولون: ما شاءَ الله وشِئتَ، وتقولون: والكعبة. فأمَرَهم النبيُّ وَله إذا أرادوا أن يَحلِفوا أن يقولوا: وربّ الكعبة، وأن یقولوا: ما شاء الله ثمَّ شِئت. وأخرج النَّسائيُّ أيضاً (ك ١٠٧٥٩)، وابن ماجَهْ (٢١١٧)، وأحَد (١٨٣٩) من رواية يزيد بن الأَصَمّ عن ابن عبّاس رَفَعَه: ((إذا حَلَفَ أحدكم فلا يَقُل: ما شاءَ الله وشِئت، ولكن ليَقُل: ما شاءَ الله ثمَّ شِئت))، وفي أوَّل حديث النَّسائيِّ قصَّةٌ وهي عند أحمد ولفظه: أنَّ رجلاً قال لِلنبيِّ وَّ: ما شاءَ الله وشِئت، فقال له: ((أجَعَلَتني واللهَ عَدْلاً؟! لا، بل ما شاءَ الله وحده)). وأخرج أحمد (٢٣٣٣٩) والنَّسائيُّ (ك١٠٧٥٤) وابن ماجَهْ أيضاً (٢١١٨) عن حُذَيفة: أنَّ رجلاً من المسلمينَ رأى رجلاً من أهل الكتاب في المنام، فقال: نِعْمَ القومُ أنتم لولا أنّكم تُشِرِكونَ تقولون: ما شاءَ الله وشاءَ محمَّد، فذكر ذلك للنبيِّ وَلّ فقال: «قولوا: ما شاءَ الله ثمَّ شاءَ محمَّد))، وفي رواية النَّسائيِّ: أنَّ الرائي(٢) لذلك هو خُذَيفةُ الراوي. هذه رواية ابن عُيَينةً عن عبد الملك بن عُمَير عن رِبعيٍّ عن حُذَيفة، وقال أبو عَوَانة عن عبد الملك عن رِبعيٌّ عن (١) لعله أراد بقوله: ((وصححه)): الحاكم، فقد صححه في ((المستدرك)) ٢٩٧/٤، کما أشرنا إلى ذلك في الباب السابق. (٢) تحرفت في (س) إلى: الراوي. ١٣٣ باب ٨ / ح ٦٦٥٣ كتاب الأيمان والنذور الطُّفَيل بن سَخْبَةَ أخي عائشة بنحوِه، أخرجه ابن ماجَهْ أيضاً(١)، وهكذا قال حمَّد بن سَلَمة عند أحمد (٢٠٦٩٤) وشُعْبة(٢) وعبد الله بن إدريس عن عبد الملك، وهو الذي رَجَّحَه الحُفّاظ وقالوا: إنَّ ابن عُيَينَةَ وهِمَ في قوله: عن حُذَيفة، والله أعلم(٣). وحكى ابن التِّين عن أبي جعفر الدَّاوُوديِّ قال: ليس في الحديث الذي ذكره نَهيٌّ عن القول المذكور في التَّرجمة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُواْ إِلَّ أَنْ أَغْنَمُهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ مِن فَضْلِهِ،﴾ [التوبة: ٧٤]، وقال تعالى: ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىّ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، وغير ذلك، وتَعقَّبَه بأنَّ الذي قاله أبو جعفر ليس بظاهرٍ، لأنَّ قوله: ما شاءَ الله وشِئت، تشریكٌ في مَشِيئة الله تعالى، وأمَّا الآية فإنَّما أخبر الله تعالى أنَّه أغناهم وأنَّ رسوله أغناهم، وهو من الله حقيقةً، لأنَّه الذي قَدَّرَ ذلك، ومن الرَّسول حقيقةً باعتبار تَعاطِي الفِعل، وكذا الإنعام؛ أنعَمَ الله على زيد بالإسلام وأنعَمَ عليه النبيّ وَّهِ بالعِتق، وهذا بخلاف المشارَكة في المشيئة، فإنَّا مُنْفَردةٌ(٤) لله تعالى بالحقيقة، وإذا نُسِبَت لغيره فبطريق المجاز. وقال المهلَّب: إِنَّما أراد البخاريُّ أنَّ قوله: ((ما شاءَ الله ثمَّ شِئت)) جائزٌ، مُستَدِلًا بقولِه: أنا بالله ثُمَّ بك، وقد جاء هذا المعنى عن النبيّ وََّ، وإنَّما جازَ بدخولِ: (ثُمَّ)) لأنَّ مَشيئةَ الله سابقةٌ على مَشيئةٍ خَلْقه، ولمَّا لم يكن الحديث المذكور على شرطه استنبَطَ من الحديث الصَّحيح الذي على شرطه ما يوافقه. وأخرج عبد الرَّزاق عن إبراهيم/ النَّخَعيِّ: أنَّه كان لا يرى بأساً أن يقول: ما شاءَ الله ثمَّ ٥٤١/١١ شِئْت، وكان يَكرَه: أعوذ بالله وبِك، ويُحيز: أعوذ بالله ثمَّ بك، وهو مُطابِقٌ لحديثِ ابن عبّاس وغيره ممَّا أشرتُ إليه. (١) أخرجه ابن ماجه برقم (٢١١٨م) من طريق أبي عوانة، بهذا الإسناد، لكنه ليس في المطبوع من ((مستخرج)) أبي عوانة، ولا عزاه له الحافظ في («إتحاف المهرة)» ٣٤٩/٦. (٢) رواية شعبة أخرجها أحمد (٢٣٣٨٢)، والدارمي (٢٦٩٩). (٣) وانظر تخريجه والكلام عليه في تعليقنا عليه في ((المسند)). (٤) في (س): منصرفة، والمثبت من الأصلين. ١٣٤ باب ٩ فتح الباري بشرح البخاري تنبيه: مُناسَبة إدخال هذه التَّرجمة في كتاب الأيمان من جهة ذِكْر الحلف في بعض طرق حديث ابن عبّاس كما ذكرت، ومن جهة أنَّه قد يُتَخَيَّل جوازُ اليمين بالله ثمَّ بغيره، على وِزان ما وَقَعَ في قوله: أنا بالله ثمَّ بك، فأشارَ إلى أنَّ النَّهي ثَبَتَ عن التَّشريك وورَدَ بصورة التَّرتيب على لسان الملَك وذلك فيما عَدا الأيمان، أمَّا اليمين بغير ذلك فثَبَتَ النَّهي عنها صريحاً، فلا يُلحَق بها ما وَرَدَ في غيرها، والله أعلم. ٩ - باب قول الله تعالى: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] وقال ابنُ عبّاسٍ: قال أبو بكرٍ: فوالله يا رسولَ الله لَتُحَدِّثَنّي بالذي أخطَأْتُ في الرُّؤْيا، قال: ((لا تُقْسِم)). قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ﴾)) قال الرَّاغِب وغيره: القَسَم بفتحَتَينِ: الحَلِف، وأصله من القَسَامة، وهي الأيمان التي على أولياء المقتول، ثمَّ استُعمِلَ في كلّ حَلِف. قال الرَّاغِب: ومعنى ﴿جَهْدَ أَتِمَنِهِمْ﴾: أنَّهم اجتهدوا في حلِفِهم، فأتوا به على ٥٤٢/١١ أبلَغِ ما في وُسعِهِم. انتهى، وهذا يَدِفَع ما فِهِمَه المهلَّب فيما حكاه ابن بطّل عنه/ من هذه الآية: أنَّها تَدُلّ على أنَّ الخَلِف بالله أكبر الأيمان، لأنَّ الجَهد أكبر المشَقّة، ففَهمَ من قوله: ﴿جَهْدَ أَيْنَنِهِمْ﴾ أنَّ اليمين بالله غاية الجهد، والذي قاله الرَّاغِب أظهَر. وقد قال أهل اللُّغة: إِنَّ القَسَامة مأخوذة من القِسْمة، لأنَّ الأيمان تُقسَمُ على أولياء القتيل، وسيأتي مزيدٌ لذلك في موضعه (٦٨٩٨) إن شاء الله تعالى. قوله: ((وقال ابن عبّاس: قال أبو بَكْر: فوالله يا رسول الله لَتُحَدِّثَنّي بالذي أخطَأْتُ في الرُّؤْيا، قال: لا تُقْسِم)) هذا طَرَفُ مختصرٌّ من الحديث الطَّويل الآتي في كتاب التَّعبير (٧٠٤٦) من طريق الزُّهْريِّ عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبةَ عن ابن عبّاس: أنَّ رجلاً أتى النبيَّ ◌ِ له فقال: إنّ رأيتُ اللَّيلة في المنام ظُلّة تَنطُفُ من السَّمن والعَسَل ... الحديث، وفيه تعبير أبي بكرٍ لها وقولُه لِلنبيِّ وَّهِ: فأخبِرِ ني يا رسولَ الله؛ أصَبتُ أم أخطَأت؟ قال: ((أصَبتَ بعضاً ١٣٥ باب ٩ كتاب الأيمان والنذور وأخطأتَ بعضاً) قال: فوالله ... إلى آخره. فقوله هنا: ((في الرُّؤيا)) من كلام المصنِّ إشارة إلى ما اخْتَصَرَه من الحديث، وتقديره: في قصَّة الرُّؤيا التي رآها الرجل وقَصَّها على النبيّ ◌َّ فِعَبَّرَها أبو بكر ... إلى آخره، وسيأتي شرحُه هناك. والغرض مِنه هنا قوله: ((لا تُقسِم)) موضع قوله: لا تَحِلِف، فأشارَ إلى الردّ على مَن قال: إِنَّ مَن قال: أقسمت، انعَقَدَت يميناً، ولأنَّه لو قال بَدَل أقسَمت: حَلَفت لم تَنعَقِد اتِّفاقاً، إلّا إِن نَوى اليمين أو قَصَدَ الإخبار بأنَّه سَبَقَ مِنه حَلِفٌ، وأيضاً فقد أمَرَ بَِّ بإبرار المُقْسِم، فلو كان أقسَمت يميناً لَأَبَرَّ أبا بكر حين قالها، ومن ثَمَّ أورَدَ حديث البراء عَقِبَه، ولهذا أورَدَ حديثَ حارثة آخرَ الباب: (لو أقسَمَ على الله لَأَبَرَّه)) إشارة إلى أنَّها لو كانت يميناً لكان أبو بكر أحقّ بأن يَبَرّ قَسَمَه، لأنَّه رأس أهل الجنَّة من هذه الأُمّة، وأمَّا حديث أُسامة في قصّة بنت النبيّ وَّهِ، فالظّاهر أنَّها أقسَمَت حقيقةً، فقد تقدَّم في الجنائز (١٢٨٤) بلفظ: تُقسِم عليه لَيَأْتِيَنّها، والله أعلم. قال ابن المنذر: اختُلِفَ فيمَن قال: أقسَمتُ بالله، أو أقسَمتُ، مُجرَّدَةً، فقال قوم: هي يمينٌ وإن لم يَقصِد، وَمَّن روي ذلك عنه ابن عمر وابن عبَّاس، وبِهِ قال النَّخَعِيُّ والثَّورِيُّ والكوفيّونَ، وقال الأكثرونَ: لا تكون يميناً إلّا أن يَنويَ. وقال مالك: أقسمت بالله يميناً، وأقسَمت ◌ُجُرَّدةً لا تكون يميناً إلّا إن نَوى. وقال الإمام الشافعيّ: المجَرَّدة لا تكون يميناً أصلاً ولو نَوى، وأقسَمتُ بالله إن نَوى تكون يميناً. وقال إسحاق: لا تكون يميناً أصلاً. وعن أحمد كالأوَّل، وعنه كالثّاني، وعنه: إن قال: قَسَماً بالله فيمينٌ جَزماً، لأنَّ التَّقدير: أقسَمتُ بالله قَسَماً، وكذا لو قال: أليَّةً بالله. قال ابن المنيِّر في ((الحاشية)): مقصود البخاريّ: الردُّ على مَن لم يجعل القَسَم بصيغة أقسَمتُ: يميناً، قال: فذكر الآية وقد قَرَنَ فيها القَسَم بالله، ثمَّ بيَّن أنَّ هذا الاقتران ليس شرطاً بالأحاديثِ، فإنَّ فيها أنَّ هذه الصّيغة بمُجرَّدِها تكون يميناً ./ تَّصِف بالبِّ وبالنَّدبِ إلى إبرارها من غير الحالف. ثمَّ ذكر من فُروع هذه المسألة: لو قال: أُقْسِم بالله عليك لَتَفْعَلَنَّ ١٣٦ باب ٩ / ح ٦٦٥٤ -٦٦٥٧ فتح الباري بشرح البخاري فقال: نعم، هل يَلْزَمه يمينٌ بقولِه: نعم، وتجب الكفَّارة إن لم يفعل؟ انتهى. وفيما قاله نظرٌ، والذي يظهر أنَّ مُراد البخاريّ أن يُقيِّدَ ما أُطلِقَ في الأحاديث بما قُيِّدَ به في الآية، والعلمُ عندَ الله تعالی. ثم ذكر بعد هذا الحديث المعلَّق أربعة أحاديث: ٦٦٥٤ - حدَّثْنا قَبِيصةُ، حدَّثنا سفيانُ، عن أشعَثَ، عن مُعاوِيةَ بنِ سُوَيدِ بنِ مُقَرِّنٍ، عن البراءِ، عن النبيِّ ◌َل﴾. وحدَّثني محمَّدُ بنُ بِشَارٍ، حدَّثنا غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن أشعَثَ، عن مُعاوِيَةَ بنِ سُوَيدِ بنِ مُقَرِّنٍ، عن البراءِ حَُّه، قال: أمَرَنا النبيُّ ◌َِّ بإبرار المُقْسِم. ٦٦٥٥ - حذَّثنا حفصُ بنُ عمرَ، حدَّثنا شُعْبةُ، أخبرنا عاصمٌ الأحوَلُ، سمعتُ أبا عُثْمَانَ يُحدِّثُ، عن أسامةَ: أنَّ ابْنَةً لِرسولِ اللهِ وَّهِ أَرسَلَت إليه، ومَعَ رسولِ الله وَ أُسامةُ وسَعْدٌ وَأَبي أو أُبيِّ: أنَّ ابني قد احتُضِرَ فاشهَدْنا، فأرسَلَ يَقْرَأُ السَّلامَ، ويقول: ((إنَّ لله ما أخَذَ وما أعطَى، وكلُّ شيءٍ عندَه مُسَمَّى، فَلْتَصْبِرِ وتحتَسِب)). فَأَرسَلَت إليه تُقْسِمُ عليه، فقامَ وقُمْنا معه، فلمَّا قَعَدَ رُفِعَ إليه فأفْعَدَه في حَجْرِه، ونفسُ الصَّبِّ تَفَعْقَع، ففاضَت عينا رسولِ الله وَلَّ، فقال سَعْدٌ: ما هذا يا رسولَ الله؟ قال: ((هذا رحمةٌ يَضَعُها الله في قلوبٍ مَن يَشاءُ من عبادِهِ، وإنَّما يرحمُ اللهُ من عبادِهِ الُّحَمَاءَ)). ٦٦٥٦- حدّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن ابنِ المسيّبِ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ◌ِّهِ قال: ((لا يموتُ لأحدٍ منَ المسلمينَ ثلاثةٌ منَ الولدِ تَمسُّه النارُ، إلا تَحِلّةَ القَسَمِ)». ٦٦٥٧ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثني غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن مَعْبَدِ بنِ خالدٍ، سمعتُ حارثةَ ابنَ وَهْبٍ، قال: سمعتُ النبيَّ ◌َّةٍ، يقول: «ألا أدُلُّكم على أهلِ الجنَّةِ؟ كلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعَّفٍ، لو أقسَمَ على الله لأبَّه، وأهلِ النار؟ كلُّ جَوّاظٍ عُثُلٌّ مُسْتَكٍْ)). ١٣٧ باب ٩ / ح ٦٦٥٤ -٦٦٥٧ كتاب الأيمان والنذور أحدها: حديث البراء. قوله: ((بإبرار المُقْسِم)) أي: بفِعلِ ما أرادَه الحالفُ ليصيرَ بذلك بارّاً، وهذا أيضاً طَرَف من حديث أورَدَه المصنّف مُطوَّلاً ومختصراً في مواضع بيَّنْتُها، وذكرت كيفيَّة ما أخرجها في كتاب اللِّباس (٥٨٣٨ ٥٨٤٩ و٥٨٦٣)، وفي أوَّل كتاب الاستئذان (٦٢٣٥). واختُلِفَ في ضبط السّين، فالمشهور أنَّها بالكسر وضمّ أوَّله على أنَّه اسم فاعل، وقيل: بفتحِها، أي: الإقسام، والمصدَر قد يأتي للمفعولِ، مِثل أدخلته مُدخَلاً بمعنى الإدخال، وكذا أخرجته. وأشعَتُ المذكور في السَّنَد: هو ابن أبي الشَّعثاء، وسفيان في الطَّريق الأُولى: هو الثَّوريّ. ثانيها: حديث أُسامة، وهو ابن زيد بن حارثةَ، الصحابيُّ ابن الصحابيّ مولى النبيّ ◌َِّه وأبو عثمان/ الراوي عنه: هو عبد الرَّحمن بن ملِّ النَّهْديّ. ٥٤٣/١١ قوله: ((أنَّ ابنة)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: أنَّ بنتاً، وقد تقدَّم اسمُها في كتابِ الجنائزِ. قوله: ((ومع رسول الله وَّ﴿ أُسامة)) فيه تجريدٌ، لأنَّ الظّاهر أن يقول: وأنا معه، وقد تقدّم في الطِّبّ (٥٦٥٥) بلفظ: أرسَلَت إليه وهو معه. قوله: ((وسَعْد)) هو معطوفٌ على أُسامةَ، ومضى في الجنائز بلفظ: ومعه سعدُ بنُ عُبادَة. قوله: ((وأَبي، أو أُبّ) قال الكِرْ مانيُّ: أحدهما: بلفظ المضاف إلى المتكلُّم، والآخر: بضمِّ أوَّله وفتح الموخَّدة وتشديد الياء، يريد: ابنَ كعب، قال: ويحتمل أن يكون بلفظ المضاف مُكرَّراً، كأنَّه قال: ومعه سعدٌ وأبي أو أبي فقط. قلت: والأوَّل هو المعتمَد، والثّاني وإن احتُمِلَ لكنَّه خِلَاف الواقع؛ فقد تقدَّم في الجنائز بلفظ: ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بنُ جبل وأُبِيُّ بن كعب وزيدُ بن ثابت ورجال. والذي تَحَرَّرَ لي أنَّ الشكَّ في هذا من شُعْبة، فإنَّه لم يقع في رواية غيره ثمَّن رواه عن عاصمٍ. قوله: (تَقَعْقَعُ)) أي: تَضطَرِب وتَتَحرَّك، وقيل: معناه: كلَّما صارَ إلى حالٍ لم يَلْبَث أن يصير إلى غيرها، وتلكَ حالةُ المحتَضَرِ. ١٣٨ باب ٩ / ح ٦٦٥٦ -٦٦٥٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: (ما هذا؟» قیلَ: هو استفهامٌ عن الحُكم، لا لِلإِنکار، وقد تقدَّمَت سائر مباحث هذا الحدیث في كتاب الجنائزِ. الحديث الثالث: حديث أبي هريرة: ((إلّا تَحِلَّ القَسَمِ)) بفتح المثناة وكسر المهمَلة وتشديد اللّام، أي: تَحليلَها، والمعنى: أنَّ النار لا تَمسُّ مَن ماتَ له ثلاثةٌ من الولد فصَبَرَ، إلّا بِقَدْرِ الوُرودِ. قال ابن الِّين وغيره: والإشارةُ بذلك إلى قوله تعالى: ﴿ وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ﴾ [مريم: ٧١]، وقد قيلَ: إِنَّ القَسَم فيه مُقدَّرٌ، وقيل: بل هو مذكور عَطفاً على ما بعد قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِكَ﴾، وقد تقدَّم شرحُ الحديث أيضاً مُستَوفَّى في كتاب الجنائز (١٢٥١). الحديث الرابع: حديث حارثةَ بن وَهْب، وهو بالحاءِ المهمَلة وبالمثلّثَة. قوله: ((ألا أدُلُّكم على أهل الجنَّة ... )) إلى آخره، قال الدَّاوُوديُّ: المراد أنَّ كلَّ من الصِّنفَينِ في محلِّه المذكور، لا أنَّ كلَّا من الدَّارَينِ لا يَدخُلُها إلّا مَن كان من الصِّنفَينِ، فكأنَّه قال: كلَّ ضعيف في الجنَّة، وكلُّ جَوّاظٍ في النار، ولا يَلزَمُ أن لا يَدخُلَها غيرُهما. قوله: ((كلُّ ضعيفٍ)) قال أبو البَقَاء: كلّ بالرَّفع لا غير، والتَّقدير: هم كلَّ ضعيف ... إلى آخره. والمراد بالضَّعيفِ: الفقير، والمتضعَّف(١): بفتح العين المهمَلة، وغَلِطَ مَن كَسَرَها، لأنَّ المراد أنَّ الناس يَسْتَضعِفونَه ويَقْهَرونَه ويُحُقِّرُونَه، وذكر الحاكم في ((علوم الحديث)): أنَّ ابن خُزيمةَ سُئلَ: مَن المراد بالضَّعيفِ هُنا؟ فقال: هو الذي يُبْرِئُ نفسَه من الحول والقوّة في اليوم عشرينَ مرَّة إلى خمسين مرَّة. وقال الكِرْ مانيُّ: يجوز الكسر، ويُراد به المتواضع المتذَلِّل. وقد تقدَّم شرح هذا الحديث مُستَوقَّ في تفسير سورة نَّ (٤٩١٨). ونَقَلَ ابن التِّين عن الدَّاوُودِيِّ: أنَّ الجَوّاظَ: هو الكثير اللَّحم الغليظ الرَّقَبة. وقوله:((لو أقسَمَ على الله لَأَبَّه)) أي: لو حَلَفَ يميناً على شيءٍ أن يقع طَمَعاً في گَرَمِ الله يابراره لأبره وأوقَعَه لأجله، وقيل: هو کِناية عن إجابة دعائه. (١) تحرفت في (س) إلى: المستضعف. ١٣٩ باب ١٠ / ح ٦٦٥٨ كتاب الأيمان والنذور ١٠ - بابٌ إذا قال: أشهد بالله، أو شهدتُ بالله ٦٦٥٨ - حدَّثنا سَعْدُ بنُ حفصٍ، حدَّثنا شَيْيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن عَبِيدةَ، عن عبدِ الله، قال: سُئِلَ النبيُّ ◌َّ: أيُّ الناسِ خيرٌ؟ قال: ((قَرْني، ثمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم، ثمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم، ثَّ يَجِيءُ قومٌ تَسْبِقُ شهادةُ أحدِهم يَمِينَه، ويَمِينُه شهادتَه)). قال إبراهيمُ: وكان أصحابنا يَنْهَوْننا ونحنُ غِلْمَانٌ أن نَحْلِفَ بالشَّهادةِ والعَهْدِ. قوله: ((باب إذا قال: أشهد بالله، أو شَهِدْتُ بالله)) أي: هل يكون حالفاً؟ وقد اختُلِفَ في ذلك، فقال الحنفيّة والحنابلة: نعم، وهو قول النَّخَعيِّ والثَّوريّ، والرَّاجح عند الحنابلة ولو لم يَقُل بالله: أنَّه يمين، وهو قول رَبيعة / والأوزاعيّ، وعند الشافعيَّة: لا يكون يميناً إلّا إن ٥٤٤/١١ أضافَ إليه بالله، ومع ذلك فالرَّاجح أنَّه كِناية فيحتاج إلى القَصْد، وهو نَصُّ الشافعيّ في ((المختصر)) لأنَّها تحتمِل: أشهَد بأمرِ الله أو بوحدانيَّة الله، وهذا قول الجمهور، وعن مالك کالرِّوایات الثلاث. واحتَجَّ مَن أطلقَ بأنَّه ثَبَتَ في العُرْف والشَّرع في الأيمان، قال الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ اُلْمُنَفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ ثمَّ قال: ﴿اَّخَذُواْ أَيْمَنَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون: ١-٢]، فدَلَّ على أنَّهم استعملوا ذلك في اليمين، وكذا ثَبَتَ في اللِّعان. والجواب أنَّ هذا خاصٌّ باللِّعان فلا يُقاسُ عليه، والأوَّل ليس صريحاً لاحتمال أن يكونوا حَلَفوا مع ذلك. واحتَجَّ بعضهم بما أخرجه ابن ماجَهْ (٢٠٩١) من حديث رِفاعة بن عَرَابة(١): كانت يمين رسول الله وَيِّ التي تَحِلِف بها: ((أَشهَد عند الله، والذي نفسي بيده)). وأُجيبَ بأنَّ في سنده ضعيفاً، وهو عبد الملك بن محمَّد الصَّنعانيّ، وعلى تقدير ثُبُوتِه فسياقه يقتضي أنَّ مجموع ذلك يمينٌ لا يمينان، والله أعلم. وقال أبو عُبيد: الشّاهد يمينُ الحالف، فمَن قال: أشهَدُ فليس بيمينٍ، ومَن قال: أشهَدُ بالله فهو يمين، وقد قرأ الضَّحّاك: (اتَّخَذُوا إِيمانَهم)) بكسر الهمزة، وهي تَدفَع قول مَن ◌َلَ الشَّهادة (١) تحرَّفت في (س) إلى: عوانة. ١٤٠ باب ١١ / ح ٦٦٥٩ - ٦٦٦٠ فتح الباري بشرح البخاري على اليمين، وإلى ذلك أشارَ البخاريّ حيثُ أورَدَ حديث الباب: ((تَسِقِ شَهادةُ أحدِهم يمينَه، ويمينُه شَهادَتَه)) فإنَّه ظاهرٌ في المغايرة بين الشَّهادة والحَلِفِ. وقد تقدَّم شرح هذا الحديث مُستَوقَى في كتاب الشَّهادات (٢٦٥٢). وشَيْبان في السَّنَد: هو ابن عبد الرَّحمن، ومنصور: هو ابن المعتمِر، وإبراهيم: هو النَّخَعيُّ، وعَبِيدَة بفتحِ أَوَّله: هو ابن عَمرٍو، وعبدُ الله: هو ابن مسعودٍ. قوله: (تَسْبِقِ شهادةُ أحدِهم يَمينَ)) قال الطَّحاويُّ: أي: يُكثِرونَ الأيمانَ في كلِّ شيءٍ حتَّى يصير لهم عادةً، فَيَحلِف أحدهم حيثُ لا يُرادِ مِنه اليمين ومن قَبلِ أن يُستَحلَف. وقال غيره: المراد: يَحِلِف على تصديق شهادته قبل أدائها أو بعده، وهذا إذا صَدَرَ من الشّاهد قبلَ الحُكم سَقَطَت شهادتُه. وقيل: المراد: التَّسَرُّعُ إلى الشَّهادة واليمين والحِرصُ على ذلك، حتَّى لا يَدري بأيِهما يَبْدَأ لِقِلّة مُبالاته. قوله: ((قال إبراهيم)) هو النَّخَعَيّ، وهو موصولٌ بالسَّنَدِ المتقدِّمِ. قوله: ((وكان أصحابنا)) يعني: مشايخه ومَن يَصلُح مِنه اتِّباع قوله، وتقدَّم في الشَّهادات بلفظ: يَضِرِبونَنَا بَدَل يَنْهَوننا. قوله: ((أن نَحْلِف بالشَّهادةِ والعَهْد)) أي: أن يقول أحدُنا: أشهَدُ بالله، أو عَلَيَّ عهدُ الله، قاله ابن عبد البَرِّ، وتقدَّم البحث فيه في كتاب الشَّهادات. ١١ - باب عَهْدِ الله عزّ وجلّ ٦٦٥٩ - حدَّثني محمّدُ بنُ بِشَارٍ، حدَّثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، عن شُعْبةَ، عن سليمانَ ومنصورٍ، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ الله ◌َ، عن النبيِّ وَِّ، قال: ((مَن حَلَفَ على يَمِينٍ كَاذِةٍ لِيَقْتَطِعَ بها مالَ رجلٍ مسلمٍ - أو قال: أَخِيه - لَقِيَ الله وهو عليه غَضْبان)) فأنزَلَ الله تَصْدِيقَه: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٧].