النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ باب ٣ / ح ٦٦٢٨ كتاب الأيمان والنذور موصولاً في مناقب عمر (٣٦٨٣) في حديثٍ أوَّلُه: استأذَنَ عمر على النبيّ وَلَّهِ وعنده نِسوةٌ ... الحديث، وفيه: ((إِيهاً يا ابن الخطّاب، والذي نفسي بيده ما لَقيَك الشَّيطانُ سالكاً فجّاً قَطُ، إلّا سَلَكَ فجّاً غيرَ فجِّك)) وقد مضى شرحُه مُستَوقَى هناك. الحديث الثاني: قوله: ((وقال أبو قَتَادَ: قال أبو بكرٍ عند النبيّ ◌َّه لاها الله إذاً)) وهو طَرَف من حديث موصول في غزوة حُنَينٍ (٤٣٢١)، وقد بَسَطتُّ الكلام على هذه الكلمة هناك. قوله: ((يقال: والله، وبالله، وتالله)) يعني: أنَّ هذه الثلاثة حُروفُ القَسَم، ففي القرآن القَسَمُ بالواو وبالموحَّدة في عِدّة أشياءَ، وبالمثنّاة في قوله: ﴿قَاَللَِّ لَقَدْ ءَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: ٩١] ﴿ وَتَلَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَمَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] وغير ذلك، وهذا قول الجمهور، وهو المشهور عن الشافعيّ، ونُقِلَ عن الشافعيّ قول: إنَّ القَسَم بالمثنّاة ليس صريحاً، لأنَّ أكثرَ الناس لا يَعرِ فونَ معناها، والأيمان مُخْتَصّةٌ بالعُرف، وتأوَّلَ ذلك أصحابه وأجابوا عنه بأجوبةٍ. نعم تَفتَرِقُ الثلاثةُ بأنَّ الأوَّلَينِ يَدخُلان على اسم الله وغيره من أسمائه، ولا تَدخُلُ المثنّةُ إلّا على الله وحدَه. وكأنَّ المصنّف أشارَ بإيرادِ هذا الكلام هنا عَقِب حديث أبي قَتَادة إلى أنَّ أصل ((لاها الله)): لا والله، فالهاء عِوَض عن الواو، وقد صَرَّحَ بذلك جمعٌ من أهل اللّغة. وقيل: الهاء نفسها أيضاً حرف قَسَمِ بالأصالة. ونَقَلَ الماورديُّ: أنَّ أصل أحرُف القَسَم الواو ثمَّ الموحّدة ثمَّ المثّة. وَقَلَ ابن الصَّغ عن أهل اللُّغة: أنَّ الموحَّدة هي الأصل، وأنَّ الواو بَدَل منها، وأنَّ المثنّاة بَدَل/ من الواو، وقَوّاه ابن الرِّفْعة، واستَدَلَّ بأنَّ الباء تَعمَل في الضَّمیر بخِلاف الواو. الحديث الثالث: ٦٦٢٨ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسُفَ، عن سفيانَ، عن موسى بنِ عُقْبةَ، عن سالمٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: كانت يَمِينُ النِّ وَّ: ((لا، ومُقَلِّبِ القُلوبِ)). قوله: ((حدَّثنا محمَّد بن يوسُف)) هو الفِرْيابيّ، وسفيان: هو الثَّوريّ، وقد أخرج البخاريّ عن محمَّد بن يوسف وهو البِيْكَنْديّ، عن سفيان وهو ابن عُيَينَةَ، وليس هو المرادَ هنا. وقد ٥٢٧/١١ ١٠٢ باب ٣ / ح ٦٦٢٨ فتح الباري بشرح البخاري أخرج أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) هذا الحديث من طريق محمَّد بن يوسف الفِرْيابيّ، قال: حدَّثنا سفيان وهو الثّوريّ. وأخرجه الإسماعيليُّ وابن ماجَهْ(١) من رواية وكيع، والنَّسائيُّ (٣٧٦١) من رواية محمَّد ابن بشر كلاهما عن سفيان الثَّوريِّ أيضاً. قوله: ((كانت يَمِينُ النبيّ ◌ََِّ)) زاد الإسماعيليّ من رواية وكيع: التي يَحِلِفُ عليها، وفي أُخری له: يحلِفُ بها. قوله: ((لا، ومُقَلِّبِ القُلوب)» تقدَّم في أواخر كتاب القَدَر (٦٦١٧) من رواية ابن المبارك عن موسى بن عُقْبة بلفظ: كثيراً ما كان، ويأتي في التَّوحيد (٧٣٩١) من طريقه بلفظ: أكثر ما كان النبيّ ◌ُّ﴾ تجلِف، فذكره. وأخرجه ابن ماجَهْ (٢٠٩٢) من وجه آخر عن الزُّهْريِّ بلفظ: كانت أكثرُ أیمان رسول الله وَ له: ((لا، ومُصرِّفِ القلوبِ)». وقوله: ((لا)) نفيٌ لِلكلام السابقِ، و((مُقَلِّب القلوب)) هو المقسَمُ به، والمراد بتقليبِ القلوب: تَقليبُ أعراضها وأحوالها، لا تَقليبُ ذات القلب. وفي الحديث دلالة على أنَّ أعمال القَلب مِن الإرادات والدَّواعي وسائرِ الأعراض بخَلقِ الله تعالى. وفيه جواز تَسمِية الله تعالى بما ثَبَتَ من صفاته على الوجه الذي يَلِيُ به. وفي هذا الحديث حُجّة لمن أوجَبَ الكفَّارة على مَن حَلَفَ بصِفَةٍ من صفات الله فحَنِثَ، ولا نزاعَ في أصل ذلك، وإنَّما الخِلاف في أيِّ صِفَةٍ تَنْعَقِد بها اليمين، والتَّحقيق أنَّهَا مُخْتَصّةٌ بالتي لا يُشاركُه فيها غيره، كَمُقَلِّبِ القلوب. قال القاضي أبو بكر بن العربيّ: في الحديث جواز الحلف بأفعال الله إذا وُصِفَ بها، ولم يُذكر (١) في الكفارات كما في ((تحفة الأشراف)) ٤١٣/٥، ولم يرد هذا الإسناد في شيء من نسخنا الخطية، وقال المزي: لم يذكره أبو القاسم - يعني ابن عساكر - وهو في عدة نسخ من عدة طرق. ١٠٣ باب ٣ / ح ٦٦٢٩ -٦٦٣٢ كتاب الأيمان والنذور اسمُه، قال: وفَرَّقَ الحنفيَّة بين القُدْرة والعِلم، فقالوا: إن حَلَفَ بقُدْرة الله انعَقَدَت يمينه، وإن حَلَفَ بعِلمِ الله لم تَنعَقِد، لأنَّ العلم يُعبَّر به عن المعلوم، كقوله تعالى: ﴿قُلَّ هَلْ عِنْدَكُم مِّنْ عِلَّمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]. والجواب: أنَّه هنا مَجاز إن سُلِّمَ أنَّ المراد به المعلوم، والكلام إنَّما هو في الحقيقة. قال الرَّاغِب: تَقليبُ الله القلوبَ والأبصار: صَرْفُها عن رأي إلى رأي، والتَّقُلُّب: التَّصَرُّف، قال تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِ تَقَلُّبِهِمْ﴾ [النحل: ٤٦]، قال: وسُمَّ قلب الإنسان لِكَثْرة تَقَلُّبِهِ، ويُعبَّر بالقلبِ عن المعاني التي يَخْتَصّ بها؛ من الرّوح والعلم والشَّجاعة، ومنه قوله: ﴿ وَبَلَغَتِ اُلْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠]، أي: الأرواح، وقوله: ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ، قَلْبُ﴾ [ق:٣٧]، أي: عِلِمٌ وفَهِمٌ، وقوله: ﴿وَلِتَطَّمَيِنَّ بِهِ، قُلُوبُكُمْ﴾ [الأنفال: ١٠]، أي: تثبت به شُجاعَتْكُم. وقال القاضي أبو بكر بن العربيّ: القلب جُزءٌ من البَدَن، خَلَقَه الله وجعله للإنسان محلّ العلم والكلام، وغير ذلك من الصِّفات الباطِنة، وجَعَلَ ظاهر البَدَن مَحَّ التَّصَرُّفات الفِعلِيَّة والقوليَّة، ووكَّلَ بها مَلَكاً يأمر بالخير وشيطاناً يأمر بالشّ، فالعقلُ بنُورِهِ يَهديه، والهوى بظُلمَتِهِ يُغويه، والقضاء والقَدَر مُسَيطِرٌ على الكلِّ، والقلبُ يَنقَلِبُ بين الخواطِر الحسنة والسَّيِّئَة، واللَّة من الملَك تارةً ومن الشَّيطان أُخرى، والمحفوظ مَن حَفِظَه الله تعالى. ٦٦٢٩ - حدَّثنا موسى، حدَّثنا أبو عَوَانَةَ، عن عبدِ الملِكِ، عن جابرِ بنِ سَمُرةَ، عن النبيِّ وَّلـ قال: ((إذا هَلَكَ قَيصَرُ، فلا قَيَصَرَ بعدَه، وإذا هَلَكَ كِسْرَى، فلا كِسْرَى بعدَه، والذي نفسي بَيَدِهِ، لَتُنْفَقَنَّ كُنوزُهما في سَبيلِ الله)). ٦٦٣٠- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، أخبرني سعيدُ بنُ المسيّبِ: أنَّ أبا هريرةَ قال: قال رسولُ الله ◌َّ: ((إذا هَلَكَ كِسْرَى، فلا كِسْرَى بعدَه، وإذا هَلَكَ قَيصَرُ فلا فَصَرَ بعدَه، والذي نفسُ محمَّدٍ بَيَدِه لَتُنْفَقَنَّ كُنوزُهما في سبيلِ الله)). ٦٦٣١ - حذَّثني محمَّدٌ، أخبرنا عَبْدةُ، عن هشامِ بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها، عن النبيِّ وَ أَنَّه قال: ((يا أمّةَ محمَّدٍ، والله لو تعلمونَ ما أعلمُ لَبَكَيْتُمْ كثيراً، ولَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً)). ١٠٤ باب ٣ / ح ٦٦٢٩ -٦٦٣٢ فتح الباري بشرح البخاري ٦٦٣٢- حدّثنا يحيى بنُ سليمانَ، قال: حدَّثْني ابنُ وَهْب، قال: أخبرني حَيْوةُ، قال: حدَّثني أبو عَقِيلٍ زُهْرةُ بنُ مَعْبَدٍ، أَنَّه سمعَ جَدَّه عبد الله بنَ هشام، قال: كنَّا معَ النبيِّ ◌َّ وهو آَخِذٌ بَيَدِ عمرَ بنِ الخطّاب، فقال له عمرُ: يا رسولَ الله، لَأنتَ أحبُّ إليَّ من كلِّ شيءٍ، إلّا من نَفْسي، فقال النبيُّ ◌َلِّ: ((لا والذي نَفْسِي بَيَدِه، حتَّى أكونَ أحبَّ إليكَ من نَفْسِكَ)) فقال له عمرُ؛ فإنَّه الآنَ، والله لأنتَ أحبُّ إليَّ من نَفْسِي، فقال النبيُّ ◌َِّ:((الآن يا عمر)). الحديث الرابع والخامس: حديث جابر بن سَمُرة وأبي هريرة: ((إذا هَلَكَ كِسرَى))، وقد تقدَّم شرحهما في أواخر علامات النَّبوّة (٣٦١٨ و٣٦١٩)، والغرض منهما: قوله: ((والذي نفسي بيده)). الحديث السادس: حديث عائشة، وهو طَرَف من حديث طويل، تقدَّم في صلاة الكُسوف (١٠٤٤)، واقتَصَرَ هنا على آخره لقوله: ((والله لو تَعلَمُونَ». ومحمّد في أوَّل هذا السَّنَد: هو ابن سَلَام، وعَبْدة: هو ابن سليمان. وفي قوله وَّ: (لو تَعلَمونَ ما أعلم، لَضَحِكُم قليلاً ولَبَكَيْتُم كثيراً» دلالة على اختصاصه بمَعارفَ بَصَرِيَّةٍ وقلبيَّةٍ، وقد يُطلِعُ الله عليها غيره من المخلَصينَ من أمَّتِه لكن بطريق الإجمال، وأمَّا تفاصيلها فاختَصَّ بها النبيُّ ◌ََّ، فقد جَمَعَ الله له بين عِلم اليقين وعين اليقين، مع الخشية القلبيَّة واستحضار العَظَمة الإلهيَّة على وجه لم يجتمع لغيره، ويشير إلى ٥٢٨/١١ ذلك قوله في الحديث الماضي في / كتاب الإيمان (٢٠) من حديث عائشة: ((إنَّ أتقاكم وأعلمَكم بالله لأنا)). الحديث السابع: حديث عبد الله بن هشام، أي: ابن زُهْرة بن عثمان التَّيْميِّ، من رَهْط الصِّدّیق. قوله: ((كنَّا مع النبيّ وَلِّ وهو آخِذٌ بَيَدِ عمر بن الخطّاب)) تقدَّم هذا القَدْر من هذا الحديث بهذا السَّنَد في آخر مناقب عمر (٣٦٩٤)، فذكرتُ هناك نَسَبَ عبد الله بن هشام وبعض حاله، وتقدَّم له ذِكْر في الشَّرِكة (٢٥٠١) والدَّعَوات (٦٣٥٣). ١٠٥ باب ٣ / ح ٦٦٣٣-٦٦٣٨ كتاب الأيمان والنذور قوله: ((فقال له عمر: يا رسول الله، لَأنتَ أحبُّ إليَّ من كلّ شيءٍ إلّا نفسي)) اللّام لِتأكيدِ القَسَم المقدَّر، كأنَّه قال: والله لَأنتَ ... إلى آخره. قوله: ((لا والذي نفسي بيَدِه، حتَّى أكون أحبَّ إليك من نفسك)) أي: لا يكفي ذلك لِبلوغِ الرُّتبة العُليا حتَّى يُضافَ إليه ما ذُكِرَ. وعن بعض الزّهّاد: تقدير الكلام: لا تَصدُقُ في حُبّي حتَّى تُؤثِر رِضايَ على هَواكَ وإن كان فيه الهلاك. وقد قَدَّمتُ تقرير هذا في أوائل كتاب الإيمان (١٤). قوله: ((فقال له عمر: فإنَّه الآن يا رسول الله لَأنتَ أحبُّ إليَّ من نفسي، فقال النبيّ الآن يا عمر)) قال الدَّاوُوديُّ: وقوف عمر أوَّلَ مَرَّةٍ واستثناؤه نفسَه إِنَّمَا اتَّفَقَ حتَّى لا يَبلُغ ذلك مِنه، فيَحلِف بالله كاذباً، فلمَّا قال له ما قال، تَقرَّرَ في نفسه أنَّه أحبُّ إليه من نفسه فحَلَفَ. كذا قال. وقال الخطَّبيُّ: حُبُّ الإنسان نفسَه طَبعٌ، وحُبّ غيره اختيار بتَوسُّطِ الأسباب، وإنَّما أراد عليه الصلاة والسَّلام حُبَّ الاختيار، إذ لا سبيل إلى قلب الطِّباع وتغييرها عمَّا جُبِلَت عليه. قلت: فعلى هذا، فجواب عمر أوّلاً كان بحَسَبِ الطَّع، ثمَّ تأمَّلَ، فعَرَفَ بالاستدلال أنَّ النبيَّ وَّ أحبُّ إليه من نفسه، لِكَونِهِ السَّبَبَ في نَجاتِها من المهلكات في الدُّنيا والأُخرى، فأخبر بما اقتَضاه الاختيار، ولذلك حَصَلَ الجواب بقوله: ((الآن يا عمر)» أي: الآن عَرَفت فنَطَقت بما يَجِب. وأمَّا تقرير بعض الشُّرّاح: الآن صارَ إيمانُك مُعتَدّاً به، إذ المرءُ لا يُعتَدُّ بإيمانه حتَّى يقتضيَ عقلُه ترجيحَ جانبِ الرَّسول، ففيه سوء أدب في العِبارة، وما أكثرَ ما يقع مِثْلُ هذا في كلام الكِبار عند عَدَمِ التَّأْمُّلِ والتَّحَرُّزِ، لاستغراق الفِكر في المعنى الأصليّ، فلا ينبغي التَّشديد في الإنكار على مَن وَقَعَ ذلك مِنه، بل يُكتَفَى بالإشارة إلى الردّ والتَّحذير من الاغترار به، لئلّا يقع المنكّر في نحوِ يمَا أنكَرَه. ٦٦٣٣، ٦٦٣٤ - حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ عُتْبَةَ بنِ مسعودٍ، عن أبي هريرةَ وزيدِ بنِ خالدٍ، أنَّهما أخبَرَاهِ: أنَّ رجلَينِ اختَصَما إلى ١٠٦ باب ٣ / ح ٦٦٣٣-٦٦٣٨ فتح الباري بشرح البخاري رسولِ اللهِ وَّ، فقال أحدُهما: اقضٍ بينَنا بكتاب الله، وقال الآخَرُ وهو أفقَهُهما: أجَل یا رسولَ الله فاقضٍ بينَنا بكتاب الله، وأذَنْ لي أن أتكلّمَ. قال: ((تَكلَّم)). قال: إنَّ ابنِي كان عَسِيفاً على هذا - قال مالكٌ: والعَسِيفُ: الأخِيرُ - زَنَى بامرأتِهِ، فأخبَرَوني أنَّ على ابنِي الرَّجْمَ، فافتَدَيتُ منه بمئةٍ شاةٍ وجاريةٍ لي، ثمَّ إنّ سألتُ أهلَ العلمِ، فأخبَروني أنَّ ما على ابنِي جَلْدُ مئةٍ وتَغرِيبُ عامٍ، وإنَّما الرَّجْمُ على امرأتِه، فقال رسولُ اللهِ وَِّ: ((أما والذي نَفْسِى بَيَدِه لأقْضِيَنَّ بينَكما بكتاب الله، أمَّا غَنَمُكَ وجاريَتُكَ فَرَدٌّ عليكَ)). وجَلَدَ ابنَه مثّةً، وغَرَّبَه عاماً، وأُمِرَ أَنْيسٌ الأسلَمِيُّ ٥٢٤/١١ أن يأتيَ امرأةَ الآخَرِ، فإن اعْتَرَفَت رَجَمَها، فاعْتَرَفَت فرَ جَمها./ ٦٦٣٥ - حدَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا وَهْبٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن محمَّدِ بنِ أبي يعقوبَ، عن عبدِ الرّحمنِ بنِ أبي بَكْرةَ، عن أبيه، عن النبيِّ ◌ََّ قال: «أرأيتم إن كان أسلَمُ وغِفَارُ ومُزَينَةُ وجُهَينةُ خيراً من تَمِيمٍ وعامٍ بنِ صَعْصَعةً وغَطَفَانَ وأسَدٍ، خابُوا وخَسِروا؟)) قالوا: نعم، فقال: ((والذي نفسي بيده، إنَّهم خيرٌ منهم)). ٦٦٣٦ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني عُرْوةُ، عن أبي مُميدٍ الساعدِيِّ أَنَّه أخبره: أنَّ رسولَ الله ◌َّهِ اسْتَعمَلَ عامِلاً، فجاءه العامِلُ حينَ فَرَغَ من عَمَلِهِ، فقال: يا رسولَ الله، هذا لكم وهذا أُهْدِيَ لي، فقال له: «أَفَلا فَعَدْتَ في بيتِ أبِيكَ وأُمُّكَ، فَنَظَرْتَ أَيُهْدَى لكَ أم لا؟)) ثمَّ قامَ رسولُ الله ◌ِِّ عَشِيَّةً بعدَ الصلاةِ، فَتَشَهَّدَ وأثْنَى على الله بما هو أهلُه، ثمّ قال: ((أمَّا بَعْدُ، فما بالُ العامِلِ نَسْتَعْمِلُه، فيأتينا فيقول: هذا من عَمَلِكم، وهذا أُهْدِيَ لي، أَفَلا فَعَدَ في بيتِ أبيه وأُمُّه فَتَظَرَ هل يُهْدَى له أم لا؟ فوالذي نفسُ محمَّدٍ بِيَدِهِ، لا يَغُلُّ أحدُكم منها شيئاً، إلّا جاء به يومَ القيامةِ يَحْمِلُه على عُنُقِه؛ إن كان بَعِيراً جاء به له رُغاءٌ، وإن كانت بقرةً جاء بها لها خوارٌ، وإن كانت شاةً جاء بها تَيعَرُ، فقد بَلَّغْت)). فقال أبو مُميدٍ: ثمَّ رَفَعَ رسولُ الله ◌َّهِ يدَه، حتَّى إِنّا لَنظُرُّ إلى عُفْرَةِ إِبْطَيه. قال أبو مُميدٍ: وقد سمعَ ذلك معي زيدُ بنُّ ثابتٍ منَ النبيِّ ◌َّةِ، فَسَلُوه. ٦٦٣٧ - حدَّثني إبراهيمُ بنُّ موسى، أخبرنا هشامٌ، هو ابنُ يوسُفَ، عن مَعْمَرٍ، عن همَّامِ، عن ١٠٧ باب ٣ / ح ٦٦٣٣ -٦٦٣٨ كتاب الأيمان والنذور أبي هريرةَ، قال: قال أبو القاسمِ وَّ: ((والذي نفسُ محمَّدٍ بيَدِهِ، لو تعلمونَ ما أعلمُ لَبَكَيْتُم كثيراً ولَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً». ٦٦٣٨ - حدَّثْنا عمرُ بنُ حفصٍ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا الأعمَشُ، عن المعرُورِ، عن أبي ذرِّ قال: انتَهَيتُ إليه وهو يقول في ظِلِّ الكَعْبةِ: ((همُّ الأخسَرونَ وَرَبِّ الكَعْبةِ، همُ الأخسَرونَ وَرَبِّ الكَعْبةِ)) قلتُ: ما شأني أيُّرَى فيَّ شيءٌ، ما شأني؟ فجَلَسْتُ إليه وهو يقول، فما استَطَعْتُ أن أسكُتَ، وَتَغَشّاني ما شاءَ الله، فقلتُ: مَن هم بأبي أنتَ وأُمّي يا رسولَ الله؟ قال: ((الأكثرونَ أموالاً، إلّا مَن قال هكذا وهكذا وهكذا)». الحديث الثامن، والتاسع: حديث أبي هريرة وزيد بن خالد في قصَّة العَسِيف، وسيأتي شرحه مُستَوقَى في الحدود (٦٨٢٧)، والغرض مِنه قوله ◌َّ: ((أما والذي نفسي بيده لأقضین)»، وسَقَطَت ((أما)) وهي بتخفيفِ الميم لِلافتاح من بعض الرِّوايات. الحديث العاشر: قوله: ((عبد الله بن محمَّد)) هو الجُعْفيّ، وفي شيوخ البخاريّ عبدُ الله ابن محمَّد، وهو أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، لكنَّه لم يُسمّ أباه في شيءٍ من الأحاديث التي أخرجها، إمّا يُكَنّيه ويُكَنّي أباه أو يُسَمّيه ويُكَنّي أباه، بخِلَاف الجُعْفيِّ فإنَّه يَنسُبُه تارةً وأُخرى لا يَنسُبُه كهذا الموضع، ووَهْب: هو ابن جَرِير بن حازم، ومحمَّد بن أبي يعقوب نَسَبَه إلى جَدِّه، وهو محمّد بن عبد الله بن أبي يعقوب الضَّي، وأبو بَكرة: هو الثَّقفيّ، والإسناد من وَهْب فصاعِداً بَصْرِيّونَ. قوله: ((أرأيتُم إن كان أسلَمُ)) أي: أخبروني، والمراد بأسلم ومَن ذُكِرَ معها: قَبائلُ مشهورةٌ، وقد تقدَّم شرح الحديث المذكور في أوائل المبعَث النبويّ (٣٥١٥)، والمراد مِنه قولُه فيه: فقال: ((والذي نفسي بيده، إنّهم(١) خيرٌ منهم))، والمراد: خيريَّةُ المجموع على المجموع، وإن جازَ أن يكون في المفضولينَ فردٌ أفضلَ من فردٍ من الأفضَلينَ. الحديث الحادي عشر: قوله: (استَعمَلَ عامِلاً)) هو ابن اللَّتْبَيَّة بضمِّ اللّام وسكون المثنّة وكسر الموحَّدة ثمَّ ياءِ النَّسَبِ، واسمه عبد الله كما تقدَّمَتِ الإشارة إليه في كتاب الزكاة (١٥٠٠)، (١) تحرفت في (س) إلى: أنتم. ١٠٨ باب ٣ / ح ٦٦٣٩-٦٦٤٥ فتح الباري بشرح البخاري وشيء من شرحه في الهِبة (٢٥٩٧)، ويأتي شرحه مُستَوفَّى في كتاب الأحكام (٧١٧٤) إن شاء الله تعالى. قوله في آخره: «قال أبو ◌ُميدٍ: وقد سمعَ ذلك معي زيد بن ثابت من النبيّ ◌َّ، فسَلوه)) قد فَتَّشْتُ مُسنَدَ زيد بن ثابت، فلم أجِد لهِذه القصّة فيه ذِكْراً. ٥٢٩/١١ الحديث الثاني عشر: حديث أبي هريرة: (لو تَعلَمونَ ما أعلم)) الحديثَ مختصراً،/ وقد تقدَّمَتِ الإشارةُ إليه في الحديث السادس. الحديث الثالث عشر: حديث أبي ذرٍّ، أورَدَه مختصراً. وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَى في الرِّقاق (٦٤٤٤)، وساقَ بهذا السَّنَّد في كتاب الزكاة المتنَ بتمامه(١). ٦٦٣٩ - حدَّثْنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، حدَّثنا أبو الزِّنادِ، عن عبدِ الرَّحمنِ الأعَرَجِ، عن أبي هريرةَ، قال رسولُ اللهِوَّهِ: «قال سليمانُ: لَأَطوفَنّ اللَّيلةَ على تسعينَ امرأةً، كلُّهُنَّ تَأتي بفارسٍ يُجاهدُ في سبيلِ الله، فقال له صاحبُهُ: إن شاء الله، فلم يَقُل: إن شاء الله، فطافَ عليهِنَّ جميعاً، فلم يَحْمِل منهنَّ إلا امرأةٌ واحدةٌ جاءت بشِقٌّ رجلٍ، وايمُ الذي نفسُ محمَّدٍ بَيَدِه لو قال: إن شاء الله، لَجَاهَدوا في سبيلِ الله فُرْساناً أجمَعونَ)). ٦٦٤٠ - حدَّثنا محمَّدٌ، حدَّثنا أبو الأحوَصِ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ بنِ عازِبٍ، قال: ٥٢٥/١١ أُهْدِيَ إلى / النبيِّ وَّرَ سَرَقةٌ من حَرِيرٍ، فَجَعَلَ الناسُ يَتَدَاوَلونَها بينَهم، ويَعْجَبونَ من حُسْنِها ولِينِها، فقال رسولُ الله وَّهِ: «أتَعْجَبونَ مِنْها؟» قالوا: نعم يا رسولَ الله، قال: ((والذي نَفْسي بَيَدِهِ، لَنادِيلُ سعدٍ في الجنَّةِ خيرٌ مِنْها)). لم يَقُل شُعْبةُ وإسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ: ((والذي نفسي بيَلِ)). ٦٦٤١ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن يونُسَ، عن ابنِ شِهابٍ، حدَّثني عُرْوةُ ابنُ الزُّبَيرِ، أنَّ عائشةَ رضي الله عنها قالت: إنَّ هِنْدَ بنتَ عُتْبَةَ بنِ رَبِيعةَ قالت: يا رسولَ الله، ما (١) ساق المتن بتمامه في الرقائق من وجه آخر، أما الذي في الزكاة بهذا الإسناد، فهو قطعة أخرى من غير هذه (١٤٦٠) كما أشار إلى ذلك المزي في ((التحفة))١٨٥/٩. ١٠٩ باب ٣ / ح ٦٦٣٩ - ٦٦٤٥ كتاب الأيمان والنذور كان ممّاً على ظَهْرِ الأرضِ أهلُ أخباءٍ - أو خِباءٍ - أحبَّ إليَّ أن يَذِلّوا من أهلِ أخبائكَ - أو خِبائكَ شَكَّ بحبى - ثمَّ ما أصبَحَ اليومَ أهلُ أخباءٍ - أو خِباءٍ - أحبَّ إليَّ من أن يَعِزّوا من أهلِ أخبائكَ، أو خِبائكَ. قال رسولُ الله ◌َّةِ: ((وأيضاً والذي نفسُ محمَّدٍ بَيَدِه)). قالت: يا رسولَ الله، إنَّ أبا سفيانَ رجلٌ مِسِّيكٌ، فهل عليَّ حَرَجُ أن أُطْعِمَ مِنَ الذي له؟ قال: ((لا، بالمعروفِ)). ٦٦٤٢ - حدَّثنا أحمدُ بنُ عُثْمانَ، حدَّثنا شُرَيحُ بنُ مَسْلَمَةَ، حدَّثنا إبراهيمُ بن يوسف، عن أبيه، عن أبي إسحاقَ، سمعتُ عَمْرَو بنَ مَيمُونٍ، قال: حدَّثْني عبدُ الله بن مسعودٍ ظُهُ، قال: بينَمَا رسولُ اللهِ وَِّ مُضِيفٌ ظَهْرَه إلى قُبَّةٍ من أدَم يَمانيٍّ، إذ قال لأصحابه: ((ألا تَرْضَوْنَ أن تكونوا رُبُعَ أهلِ الجنَّةِ؟». قالوا: بَلَى، قال: ((أفلم تَرْضَوا أن تكونوا ثُلُثَ أهلِ الجنَّةِ؟» قالوا: بلى، قال: ((فوالذي نفسُ محمَّدٍ بَيَدِه، إنّي لأرجو أن تكونوا نِصْفَ أهلِ الجنَّةِ». ٦٦٤٣- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عن مالكٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ عبدِ الله بنِ عبدِ الَّحمنِ، عن أبيه، عن أبي سعيدٍ: أَنَّ رجلاً سمعَ رجلاً يَقْرأُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ [الإخلاص: ١] يُردِّدُها، فلمَّا أصبَحَ جاء إلى رسولِ الله ◌ِِّ فذكر ذلك له، وكأنَّ الرجلَ يَتَقَالًا، فقال رسولُ الله ◌ِ﴾. ((والذي نفسي بيده، إنَّها لَتَعْدِلُ ثُلُثَ القرآنِ)). ٦٦٤٤- حدَّثنا إسحاقُ، أخبرنا حَبّانُ، حدَّثْنَا هَمَّامٌ، حدَّثْنَا قَتَادةُ، حدَّثنا أنسُ بنُ مالكٍ خُ، أنَّه سمعَ النبيَّ نَّه يقول: «أتِمُّوا الزُّكوعَ والسُّجودَ، فوالذي نفسي بيده إنّ لأراكم من بَعْدِ ظَهْري؛ إذا ما رَكَعْتُم وإذا ما سَجَدْتُم)». ٦٦٤٥ - حدَّثنا إسحاقُ، حدَّثنا وَهْبُ بنُ جَرِير، أخبرنا شُعْبةُ، عن هشامِ بنِ زيدٍ، عن أنسِ بنِ مالكِ: أنَّ امرأةً منَ الأنصار أتتِ النبيَّ ◌َِّ معها أوْلادُها، فقال النبيُّ ◌َليّ: (والذي نفسي بيده إنَّكم لأحَبُّ الناسِ إليّ)) قالها ثلاثَ مِراٍ./ الحديث الرابع عشر: قوله: ((قال سليمان)) أي: ابن داود نبيُّ الله وَ ل﴿، وقد تقدَّم منسوباً في أوائل الجهاد (٢٨١٩)، وتقدَّم شرحه مُستَوفَّى في ترجمة سليمان من أحاديث الأنبياء (٣٤٢٤)، ويأتي ما يَتَعلَّق بقولِه: ((إنَّ شاء الله تعالى)) في باب الاستثناء في الأيمان من كتاب كفَّارة الأيمان ٥٢٦/١١ ١١٠ باب ٣ / ح ٦٦٣٩ -٦٦٤٥ فتح الباري بشرح البخاري (٦٧٢٠)، وأورَدَه هنا لقولِه فيه: ((وايْمُ الذي نفس محمَّدٍ بَيَدِه، لو قال: إن شاء الله ... )) الحديث، هكذا وَقَعَ في هذه الرِّواية، وفي سائر الطُّرق - كما تقدَّم في ترجمة سليمان - بغير يمينٍ. واستُدِلَّ بما وَقَعَ في هذا الموضع على جواز إضافة ((ايم)) إلى غير لفظ الجلالة، وأُجيبَ بأنَّه نادِر، ومِنه قول عُرْوة بن الزُّبَيرِ في قِصَّته المتقدِّمة: لَيْمُنُكَ لَئِنِ ابْتَلَيَتَ فقد عافَيتَ. فأضافَها إلى الضَّمير. الحديث الخامس عشر: حديث البراء بن عازب في ذِكْر منادیل سعد، تقدَّم شرحه في المناقب (٣٨٠٢) وفي اللِّباس (٥٨٣٦). وقوله في آخره: ((لم يَقُل شُعْبة وإسرائيل عن أبي إسحاق: والذي نفسي بيَدِه)) يعني: أنَّهما رَوياه عن أبي إسحاق عن البراء كما رواه أبو الأحوص، وأنَّ أبا الأحوص انفَرَدَ عنهما بهذه الزّيادة، وقد تقدَّم حديث شُعْبة في المناقب، وحديث إسرائيل في اللِّباس موصولاً. قال الإسماعيليّ: وكذا رواه الحسين بن واقد عن أبي إسحاق، وكذا قال أبو عاصم أحمد بن جَوّاسٍ - بفتحِ الجيم وتشديد الواو ثمَّ المهمَلة - عن أبي الأحوص. أخرجه الإسماعيليّ من طريقه، وقال: هو من المتخَصِّصينَ بأبي الأحوص. قلت: وشيخ البخاريّ الذي زادَها عن أبي الأحوص: هو محمَّد بن سَلَام، وقد وافَقَه هَنّاد بن السَّرِىّ عن أبي الأحوص، أخرجه ابن ماجَهْ (١٥٧). الحديث السادس عشر: قوله: ((يونس)) هو ابنُ یزیدَ. قوله: ((ما كان ممّاً على ظَهْر الأرض أهل أخباءٍ، أو خِباءٍ)) كذا فيه بالشكِّ هل هو بصيغة الجمع أو الإفراد؟ وبيَّن أنَّ الشكَّ من يحيى - وهو ابن عبد الله بن بُكَير - شيخ البخاريّ فيه، وقد تقدَّم في النَّفَقات(١) من رواية ابن المبارك عن يونس بن يزيد بلفظ: ((أهل خِباء)) بالإفرادِ ولم يَشُكّ، وكذا للإسماعيليِّ من طريق عَنبَسةَ عن يونس، وتقدَّم شرح الحديث في أواخر المناقب. (١) بل في المناقب (٣٨٢٥)، أما التي في النفقات (٥٣٥٩) فهي مختصرة ليس فيها ما ذكره. ١١١ باب ٣ / ح ٦٦٤٣ -٦٦٤٥ كتاب الأيمان والنذور وقوله: ((إنَّ أبا سفيان)) هو ابن حَرْب والد معاوية. وقوله: ((رجل مسيك)) بكسر الميم، وتشديد السّين وبفتح الميم وتخفيف السّين، وتقدَّم ذلك واضحاً في كتاب النَّفَقات. وقوله: ((لا، بالمعروفِ)) الباء مُتعلِّقة بالإنفاق لا بالنَّفي، وقد مضى في المناقب بلفظ: فقال: (لا، إلّا بالمعروفِ)) وهي أوضَحُ، والله أعلم. الحديث السابع عشر: قوله: ((حدَّثنا أحمد بن عُثْمان)) هو الأوْديُّ، وشُرَيح بالشّينِ المعجَمة والحاء المهملة، وإبراهيم بن يوسف، أي: ابن إسحاق بن أبي إسحاق السَّبيعيّ، فأبو إسحاق جَدُّ يوسف، والسَّنَد كلُّه كوفيّونَ، ومضى شرح الحديث مُستَوفَّى في كتاب الرِّقاق (٦٥٢٨). الحديث الثامن عشر: حديث أبي سعيد في ﴿قُلُ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴾ تَعدِل ثُلُث القرآن، تقدَّم مشروحاً في فضائل القرآن (٥٠١٣). الحديث التاسع عشر: قوله: ((حدَّثنا إسحاق)) هو ابن راهويه، وحَبّان بفتح أوَّله ثمَّ الموحّدة، وتقدَّم شرح الحديث المذكور فيه في صِفَة الصلاة (٤١٩). الحديث العشرون: قوله: ((حدَّثنا إسحاقُ)) هو ابنُ راهويه أيضاً. قوله: ((أنَّ امرأة من الأنصار)) لم أقِفْ على اسمِها ولا على أسماء أولادها. قوله: ((معها أوْلادُها)» في رواية الكُشْمِيهنيّ: أولادٌ لها. قوله: ((إِنَّكم لَأحَبُّ الناس إليَّ) تقدَّم الكلام عليه في مناقب الأنصار (٣٧٨٦). وفي هذه الأحاديث جواز الحَلِف بالله تعالى، وقال قوم: يُكرَه؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَنِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤]، ولأنَّ رُبَّمَا عَجَزَ عن الوفاء بها، ويُحمَل ما وَرَدَ من ذلك على ما إذا كان في طاعةٍ أو دَعَت إليها حاجة؛ كَتأكيدِ أمرٍ أو تعظيمِ مَن يَستَحِقّ التَّعظیم، أو کان في دعوی عند الحاكم، و كان صادقاً./ ٥٣٠/١١ ١١٢ باب ٤ / ح ٦٦٤٦ فتح الباري بشرح البخاري ٤ - بابٌ لا تحلفوا بآبائكم ٦٦٤٦- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عن مالكٍ، عن نافعٍ، عن عبدِ الله بنِ عمرَ رضي الله عنهما: أنَّ رسولَ الله ◌َِّ أَدْرَكَ عمرَ بنَ الخطَّب وهو يَسِيرُ في رَكْبِ يَخْلِفُ بأبيه، فقال: ((ألا إنَّ اللهَ يَنْهاكم أن تَخْلِفوا بآبائكم، مَن كان حالفاً، فلْيَحْلِف بالله، أو ليَصْمُت)). قوله: ((بابٌ)) بالتَّنْوِينِ ((لا تَخْلِفوا بآبائكم)) هذه التَّرجمة لفظ رواية ابن دينار عن ابن عمر في الباب، لكنَّها مختصرة على ما سأُبيِّنُه، وقد أخرج النَّسائيُّ (ك٤٦٩٢)، وأبو داود في رواية ابن داسة عنه (٣٢٤٨) من حديث أبي هريرة مِثله بزيادةٍ، ولفظُه: ((لا تَحلِفوا بآبائكم ولا بأُمَّهاتكم ولا بالأندادِ، ولا تَحِلِفوا إلّا بالله)) الحديثَ. ٥٣١/١١ قوله: ((أنَّ رسول الله وَ لَا أَدْرَكَ عمر بن الخطّاب وهو يسير)) هذا السّياق يقتضي أنَّ الخبر من مُسنَد ابن عمر، وكذا وَقَعَ في رواية عبد الله بن دينار: عن ابن عمر، ولم أرَ عن نافع في ذلك اختلافاً إلّا ما حَكَى يعقوبُ بن شَيْبة: أنَّ عبد الله بن عمر العُمَريَّ الضَّعيف المكَبَّر رواه عن نافع، فقال: عن ابن عمر عن عمر، قال: ورواه عُبيد الله بن عمر العُمَريّ المصغّر الثَّقة عن نافع فلم يَقُل فيه: عن عمر، وهكذا رواه الثَّقات عن نافع، لكن وَقَعَ في رواية أيوب عن نافع: أنَّ عمر؛ لم يَقُل فيه: عن ابن عمر. قلت: قد أخرجه مسلمٌ من طريق أيوب فذَكَره، وأخرجه أيضاً عن جماعةٍ من أصحاب نافع بموافَقَة مالك(١). ووَقَعَ لِلمِزِّيِّ في ((الأطراف)) أنَّه وَقَعَ في رواية عبد الكريم: عن نافع عن ابن عمر، في مُسنَد عمر، وهو مُعتَرَض، فإنَّ مسلماً ساقَ أسانيده فيه إلى سبعة أنفُسٍ من أصحاب نافع منهم عبد الكريم، ثمَّ قال: سَبعَتُهم عن نافع عن ابن عمر، بمثلِ هذه القصّة، وقد أورَدَ الِزِّيُّ طرق السِّة الآخَرينَ في مُسنَد ابن عمر على الصَّواب. ووَقَعَ الاختلاف في رواية سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه كما أشارَ المصنّف إليه، كما سأذكره. (١) رواية أيوب مقرونة بروايتهم عند مسلم (١٦٤٦) (٤). ١١٣ باب ٤ / ح ٦٦٤٦ كتاب الأيمان والنذور قوله: ((فِي رَكْبٍ)) في ((مُسنَد يعقوب بن شَيْبة)) من طريق ابن عبّاس عن عمر: بَيْنا أنا في رَكْبٍ أسِيرُ فِي غَزاةٍ مع رسول الله وَّةٍ. قوله: ((يَخْلِف بأبيه)) في رواية سفيان بن عُيَينةَ عن ابن شِهاب: أنَّ رسول الله ◌َّ سمعَ عمر وهو تَحلِف بأبيه وهو يقول: وأبي وأبي(١). وفي رواية إسماعيل بن جعفر عن عبد الله ابن دينار عن ابن عمر من الزّيادة: وكانت قُرَيشٌ تَحَلِفُ بآبائها(٢). قوله: ((فقال: ألا إنَّ الله يَنْهاكم أن تَحْلِفوا بآبائكم)) في رواية اللَّيث عن نافع: فناداهم رسولُ اللهِوَ﴾(٣). ووَقَعَ في (مُصنَّ ابن أبي شَيْبة))(٤) من طريق عِكْرمة قال: قال عمر: حَدَّثت قوماً حديثاً فقلت: لا وأبي، فقال رجلٌ من خَلْفي: لا تَحِلِفوا بآبائكم، فالتَفَتُّ فإذا رسول الله ◌َ لا يقول: ((لو أنَّ أحدكم حَلَفَ بالمسيحِ، هَلَكَ، والمسيحُ خيرٌ من آبائكم)) وهذا مُرسَلٌ يَتَقَوَّى بشواهدِه. وقد أخرج التِّرمِذيّ (١٥٣٥) من وجهٍ آخر عن ابن عمر: أنَّه سمعَ رجلاً يقول: لا والكعبة، فقال: لا تَحلف بغير الله، فإنّ سمعتُ رسول الله وَ لَه يقول: ((مَن حَلَفَ بغير الله فقد كفرَ، أو أشرَكَ)). قال التِّرمِذيّ: حسنٌ، وصَخَّحَه الحاكم (٢٩٧/٤)، والتَّعبير بقوله: («فقد كفرَ أو أشرَكَ)) لِلمُبالَغة في الَّجر والتَّغليظ في ذلك، وقد تَسَّكَ به مَن قال بتحريمِ ذلك. قوله: ((مَن كان حالفاً فلْيَحْلِف بالله، أو ليَصْمُت)) قال العلماء: السّ في النَّهي عن الحَلِفِ بغير الله: أنَّ الخَلِفَ بالشَّيءٍ يقتضي تعظيمَه، والعَظَمةُ في الحقيقة إنَّما هي لله وحده. وظاهر الحديث تخصيص الحَلِف بالله خاصّة، لكن قد اتَّفَقَ الفقهاء على أنَّ اليمينَ تَنْعَقِد بالله وذاته وصفاته العَليَّة، واختَلَفوا في انعِقادها ببعضِ الصِّفات كما سَبَقَ، وكأنَّ المراد بقوله: ((بالله)): الذّات، لا خُصوصُ لفظ الله، وأمَّا اليمين بغير ذلك فقد ثَبَتَ المنع فيها. (١) أخرجها مسلم (١٦٤٦) (٢)، والترمذي (١٥٣٣)، والنسائي (٣٧٦٦). (٢) سلفت برقم (٣٨٣٦). (٣) سلفت برقم (٦١٠٨). (٤) برقم (١٢٣٩٨) - طبعة الجمعة واللحيدان. ١١٤ باب ٤ / ح ٦٦٤٧ - ٦٦٤٨ فتح الباري بشرح البخاري وهل المنع لِلتَّحريم؟ قولان عند المالكيَّة، كذا قال ابن دقيق العيد، والمشهور عندهم الكراهة، والخِلاف أيضاً عند الحنابلة، لكن المشهور عندهم التَّحريم، وبِهِ جَزَمَ الظّاهريَّة. وقال ابن عبد البَرِّ: لا يجوز الخَلِف بغير الله بالإجماع. ومُرادُه بنفي الجواز الكراهة أَعَمّ من التَّحريم والشَّزيه، فإنَّه قال في موضع آخرَ: أجمَعَ العلماء على أنَّ اليمين بغير الله مكروهٌ مَنهيٌّ عنها، لا يجوز لأحدٍ الحَلِفُ بها. والخِلاف موجود عند الشافعيَّة من أجل قول الشافعيّ: أخشى أن يكون الحلف بغير الله معصية، فأشعَرَ بالتردُّد، وجُمهورُ أصحابه على أنَّه لِلتَّنزيه. وقال إمام الحرمَينِ: المذهب القَطْع بالكراهة، وجَزَمَ غيرُه بالتَّفصيل، فإن اعتَقَدَ في المحلوف به من التَّعظيم ما يَعتَقِده في الله حَرُمَ الخَلِف به، وكان بذلك الاعتقاد كافراً، وعليه يتنزَّلُ الحديثُ المذكور، وأمَّا إذا حَلَفَ بغير الله لاعتقادِه تعظيمَ المحلوف به على ما يَلِيقُ به ٥٣٢/١١ من التَّعظيم، فلا يَكفُرُ بذلك ولا تَنعَقِدُ یمینُه./ قال الماورديُّ: لا يجوز لأحدٍ أن يُحُلِّفَ أحداً بغير الله لا بطلاقٍ ولا عَتَاقٍ ولا نَذْرٍ، وإذا حَلَّفَ الحاكمُ أحداً بشيءٍ من ذلك وجَبَ عَزَلُه لِجهلِه. ٦٦٤٧ - حدّثنا سعيدُ بنُ عُفَيٍ، حدَّثنا ابنُ وَهْب، عن يونُسَ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: قال سالمٌ. قال ابنُ عمَرَ: سمعتُ عمرَ يقول: قال لي رسولُ الله وَّهَ: ((إنَّ الله يَنْهاكم أن تَخْلِفُوا بآبائكم)) قال عمرُ: فوالله ما حَلَفتُ بها منذُ سمعتُ النبيَّ ◌َِّ، ذاكراً ولا آثِراً. قال مجاهدٌ: ﴿أَوْ أَثَرَقِ مِّنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف:٤]: يأثرُ عِلْماً. تابَعَه عُقَيْلٌ والزُّبَيدِيُّ وإسحاقُ الكَلْبِيُّ، عن الزُّهْريِّ. وقال ابنُ عُبَينَةَ ومَعْمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن سالمٍ، عن ابنِ عمرَ: سمعَ النبيُّ ◌َِّ عمَرَ. ٦٦٤٨ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدّثنا عبدُ العزيزِ بنُ مسلمٍ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ دِینارٍ، قال: سمعتُ عبد الله بنَ عمرَ رضي الله عنهما يقول: قال رسولُ اللهِ وَالَ: ((لا تَخْلِفِوا بآبائكم)). ١١٥ باب ٤ / ح ٦٦٤٧ -٦٦٤٨ كتاب الأيمان والنذور قوله: ((عن يونس)) هو ابن يزيد الأيليّ، في رواية مسلم (١/١٦٤٦) عن حَرمَلة عن ابن وَهْب: أخبرني يونس. قوله: ((قال لي رسولُ الله ◌َّ: إنَّ الله يَنْهاكم)) في رواية مَعمَر عن ابن شِهاب بهذا السَّنَد: عن عمر: سَمِعَني رسول الله ◌َله وأنا أحلِف بأبي فقال: ((إنَّ الله ... )) فذكر الحديث، أخرجه أحمد (٤٥٢٣) عنه هكذا. قوله: ((فوالله ما حَلَفْتُ بها منذُ سَمِعتُ النبيّ ◌َِّ) زاد مسلمٌ في روايتِهِ: ((يَنْهَى عنها)). قولُهُ: ((ذاكراً» أي: عامداً. قوله: ((ولا آئِراً) بالمدِّ وكسر المثلَّثة، أي: حاكياً عن الغير، أي: ما حَلَفتُ بها ولا حَكَيتُ ذلك عن غيري، ويدلُّ عليه ما وَقَعَ في رواية عُقَيل عن ابن شِهاب عند مسلم (٢/١٦٤٦): ما حَلَفت بها مُنذُ سمعتُ رسول الله وَ لّه يَنْهَى عنها، ولا تَكلَّمتُ بها. وقد استُشكِلَ هذا النَّفسير لِتصدير الكلام بـ((حَلَفْتُ))، والحاكي عن غيره لا يُسَمَّى حالفاً. وأُجيبَ باحتمال أن يكون العامل فيه محذوفاً، أي: ولا ذكرتها آثِراً عن غيري، أو يكون ضَمَّنَ حَلَفتُ معنى تَكلَّمت، ويُقوِّيه روايةُ عُقَيل. وجَوَّزَ شيخُنا في ((شرح الثِّرمِذيّ)) لقوله: ((آثِراً)) معنى آخر، أي: مُختاراً، يقال: آثَرَ الشَّيء: إذا اختارَه، فكأنَّه قال: ولا حَلَفت بها مُؤثِراً لها على غيرها، قال شيخنا: ويحتمل أن يَرجِع قوله: ((آثِراً)) إلى معنى التَّفاخُر بالآباءِ في الإكرام لهم، ومِنه قولهم: مأثُرة ومَآئِر، وهو ما يُروى من المفاخر، فكأنَّه قال: ما حَلَفت بآبائي ذاكراً لَمَآثرهم. وجَوَّزَ في قوله: ((ذاكراً)) أن يكون من الذُّكر بضمِّ المعجَمة، كأنَّه احْتَرَزَ عن أن يكون يَنطِق بها ناسياً، وهو يناسب تفسير آئِراً بالاختيار، كأنَّه قال: لا عامداً ولا تُتاراً. وجَزَمَ ابن التِّين في ((شرحه)) بأنَّه من الذِّكر بالكسر لا بالضَّمّ، قال: وإنَّما هو: لم أَقُلْه من قِبَل نفسي ولا حَدَّثتُ به عن غيري أنَّه حَلَفَ به، قال: وقال الدَّاوُودِيُّ: يريد ما حَلَفتُ بها ولا ذكرتُ حَلِفَ غيري بها، كقوله: إنَّ فلاناً قال: وحَقِّ أبي مثلاً. واستُشكِلَ أيضاً أنَّ كلام عمر ١١٦ باب ٤ / ح ٦٦٤٧ - ٦٦٤٨ فتح الباري بشرح البخاري المذكور يقتضي أنَّه تَورَّعَ عن النُّطْق بذلك مُطلَقاً، فكيف نَطَقَ به في هذه القصَّة؟ وأُجيبَ بأنَّه اغْتُفِرَ ذلك لِضَرُورة التَّلیغِ. قوله: ((قال مجاهد: ﴿أَوْ أَثَرَقِ مِّنْ عِلْمٍ﴾: يأثر عِلْمً)) كذا في جميع النُّسَخِ: يأْتُر، بضمِّ المثلَّثة، وهذا الأثر وَصَلَه الْفِرْيابيّ في ((تفسيره)) عن وَرْقاء عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿ أَثْنُونِ بِكِتَبٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَرَوْ مِّنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: ٤] قال: أحدٌ يأْثُر عِلماً، فكأنَّه سَقَطَ لفظ ((أحد)) من أصل البخاريّ، وقد تقدَّم في تفسير الأحقاف(١) النَّقل عن أبي عبيدة وغيره في بيان هذه اللَّفظة والاختلاف في قراءتها ومعناها. وذكر الصَّغَانِيُّ وغيره أنَّه قُرِئَ أيضاً: ((إثارة)) بكسر أوَّله، و((أَثْرة)) بفتحَتَينٍ، وسكون ثانیه مع فتح أوَّله ومع کسره. وحديث ابن عبّاس المذكور هناك أخرجه أحمد (١٩٩٢) وشَكَّ في رفعه، وأخرجه الحاكم (٤٥٤/٢) موقوفاً وهو الرَّاجح، وفي رواية: جَودة الخَطّ. وقال الرَّاغِب في قوله سبحانه وتعالى: ﴿أَوْ أَثَرَقِ مِّنْ عِلْمٍ﴾: وقُرِئَ ((أو أثرة) يعني: بفتحَتَين، وهو ما يُروى، أي: يُكتَبُ فَقَى له أثر، تقول: أثرت العلم: رَوَيته، أَثُرُه أثراً وأثارةً وأُثْرةَ، والأصل في أثر الشّيء: حصول ما يدلّ على وجوده. ومُحُصَّل ما ذَكَروه ثلاثة أقوال: أحدها: البقيَّة، وأصله: أَثَرتُ الشَّيء آثُرُه(٢) أثارةً، كأنَّها بقيّة تُستَخرَج فتُثار، الثّاني: من الأثر وهو الرِّواية، الثّالث: من الأثر وهي العلامة. قوله: ((تابَعَه عُقَيل والزُّبَيديّ وإسحاق الكَلْبِيّ، عن الزُّهْرِيِّ)) أمَّا مُتَابَعة عُقَيل فوصَلَها مسلم (١٦٤٦/ ٢) من طريق اللَّيث بن سعد عنه، وقد بيَّنْتُ ما فيها، ولِلّيثِ فیه سند آخر رواه عن نافع عن ابن عمر، فجعله من مُسنَدِه، وقد مضى في الأدب (٦١٠٨). وأمَّا مُتَابَعة الزُّبَيديِّ فوصَلَها النَّسائيُّ (٣٧٦٨) مختصرة من طريق محمَّد بن حَرْب عن (١) بعد الحديث رقم (٤٨٢٦). (٢) في (س): أُثيره، والمثبت من الأصلين و(شرح القسطلاني)). ١١٧ باب ٤ / ح ٦٦٤٧ -٦٦٤٨ كتاب الأيمان والنذور محمّد بن الوليد الزُّبَيديِّ عن الزّهْريِّ عن سالم عن أبيه أنَّه أخبره: عن عمر: أنَّ رسول الله قال: ((إِنَّاللّه يَنهاكم أن/ تَحِلِفوا بآبائكم)) قال عمر: فوالله ما حَلَفتُ بها ذاكراً ولا آثِراً. ٥٣٣/١١ وأمَّا مُتَابَعة إسحاق الكَلْبِيّ وهو ابن يحيى الحِمصيّ، فوَقَعَت لنا موصولةً في نسخته المرويَّة من طريق أبي بكر أحمد بن إبراهيم بن شاذان عن عبد القُدّوس بن موسى الحِمصيِّ عن سُلَيمٍ بن عبد الحميد عن يحيى بن صالح الوُحاظيّ عن إسحاق، ولفظه: عن الزُّهْريِّ أخبرني سالم بنُ عبد الله بن عمر عن أبيه أنَّه أخبره، أنَّ عمر بن الخطّاب قال: سمعت رسول الله وَ # يقول ... فذكر مثل رواية يونس عند مسلم، لكن قال بعد قوله: ((يَنْهَى عنها): ولا تَكلَّمتُ بها ذاكراً ولا آئِراً، فجَمَعَ بين لفظ يونس ولفظ عُقَيل. وقد صَرَّحَ مسلم بأنَّ عُقَيلاً لم يَقُل في روايته: ذاكراً ولا آئِراً. قوله: (وقال ابن عُبَينَ ومَعْمَر، عن الزُّهْريِّ، عن سالم، عن ابن عمر: سمعَ النبيُّ ◌َّةِ عمَرَ)) أمَّا رواية ابن عُيَينَةَ فوصَلَها الْحُميديُّ في ((مُسنَدَه)) (٦٢٤) عنه بهذا السّياق، وكذا قال أبو بكر بن أبي شَيْبة(١) وجمهور أصحاب ابن عُيَينَةَ عنه، منهم الإمام أحمد (٤٥٤٨)، وقال محمَّد بن يحيى بن أبي عمر العَدَنيّ ومحمَّد بن عبد الله بن يزيد المقرئ وسعيد بن عبد الرَّحمن المخزوميّ بهذا السَّنَد: عن ابن عمر عن عمر: سَمِعَني رسول الله وَّ﴾، وقد بيَّن ذلك الإسماعيليّ فقال: اختُلِفَ فيه على سفيان بن عُيَينَةَ وعلى مَعمَر، ثمَّ ساقَه من طريق ابن أبي عمر عن سفيان، فقال في روايته: عن عمر: أنَّ النبيَّ وَّ سمعَه يَحِلِف بأبيه، قال: وقال عَمْرو الناقد وغيرُ واحد عن سفيان بسندِه إلى ابن عمر: أنَّ النبيَّ ◌َّرِسمعَ عمر. وأمَّا رواية مَعمَر فوصَلَها الإمام أحمد (٢٤١) عن عبد الرَّزّاق (١٥٩٢٢) عنه. وأخرجها أبو داود (٣٢٥٠) عن أحمد. قلت: وصنيع مسلم (١٦٤٦) يقتضي أنَّ رواية مَعمَر كذلك، فإنَّه صَدَّرَ برواية يونس ثمَّ ساقَه إلى عُقَيل، ثمَّ قال بعدها: وحدَّثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حُميدٍ قالا: أنبأنا عبد الرَّزّاق أنبأنا مَعمَر، ثمَّ قال: كلاهما عن الزُّهْريِّ بهذا الإسناد (١) برقم (١٢٣٩٥) - طبعة الجمعة واللحيدان. ١١٨ باب ٤ / ح ٦٦٤٧ - ٦٦٤٨ فتح الباري بشرح البخاري - أي: الإسناد الذي ساقَه ليونس - مِثله. أي: مِثل المتن الذي ساقَه له. قال: غيرَ أنَّ في حديث عُقَيل: ولا تَكلَّمتُ بها. لكن حكى الإسماعيليّ أنَّ إسحاق بن إبراهيم رواه عن عبد الرَّزّاق كرواية أحمد عنه، وأخرجه الإسماعيليّ من طريق ابن أبي عمر عن عبد الرَّزّاق، فقال في روايته: عن عمر: سَمِعَني النبيّ وَّ أَحلِف، وهكذا قال محمَّد بن أبي السَّرِيّ عن عبد الرَّزّاق، وذكر الإسماعيليُّ أنَّ عبد الأعلى رواه عن مَعمَر فلم يَقُل في السَّنَد: عن عمر، كرواية أحمد. قلت: وكذا أخرجه أحمد في «مُسنَده)) (٤٥٢٣) من رواية عبد الأعلى. قال يعقوب بن شَيْبة: رواه إسحاق بن يحيى [عن الزهري](١) عن سالم عن أبيه ولم يَقُل: عن عمر. قلت: فكان الاختلافُ فيه على الزُّهْريِّ(٢)، وهو مُتِقِن صاحب حديث، ويُشبِهِ أن يكون ابن عمر سمعَ المتن من النبيّ ◌َّهِ والقصّة التي وَقَعَت لِعمَرَ مِنه، فحدَّث به على الوجهَینِ. وفي هذا الحديث من الفوائد: الَّجرُ عن الحَلِفِ بغير الله، وإنَّما خُصَّ في حديث عمر بالآباءِ لِؤُرودِهِ على سببه المذكور، أو خُصَّ لِكَونِه كان غالباً عليه، لقوله في الرِّواية الأُخرى: وكانت قُرَيشْ تَحِلِف بآبائها. ويدلّ على التَّعميم قوله: ((مَن كان حالفاً فلا يحلِف إلّا بالله)). وأمَّا ما وَرَدَ في القرآن من القَسَم بغير الله ففيه جوابان، أحدهما: أنَّ فيه حذفاً، والتَّقدير: ورَبِّ الشمس ونحوه، والثّاني: أنَّ ذلك يَخْتَصّ بالله، فإذا أراد تَعظيمَ شيءٍ من مخلوقاته أقسَمَ به، ولیس لغيره ذلك. وأمَّا ما وَقَعَ ممّا يُخالف ذلك، كقوله ◌ِّ لِلأعرابيِّ: ((أفلَحَ وأبيه إن صَدَقَ)) فقد تقدَّم في أوائل هذا الشَّرح في ((باب الزكاة من الإسلام)) في كتاب الإيمان (٤٦) الجوابُ عن ذلك، (١) ما بين معقوفين سقط من الأصلين و(س)، وهي زيادة لا بد منها، فإن إسحاق بن يحيى لم يرو عن سالم وإنما عن الزهري، ثم إن سياق الكلام عن رواية الزهري. (٢) زاد بعد هذا في (س): ((رواه إسحاق بن يحيى))، ولم ترد هذه العبارة في الأصلين، ولا معنى لها هنا. ١١٩ باب ٤ / ح ٦٦٤٧- ٦٦٤٨ كتاب الأيمان والنذور وأنَّ فيهم مَن طَعَنَ في صِحّة هذه اللَّفظة، قال ابن عبد البَرِّ: هذه اللَّفظة غير محفوظة، وقد جاءت عن راويها وهو إسماعيل بن جعفر بلفظ: ((أفلَحَ والله إن صَدَقَ))، قال: وهذا أولى من رواية مَن روى عنه بلفظ: ((أفلَحَ وأبيه)) لأنَّها لفظةٌ مُنكَرَةٌ تَرُدُّها الآثارُ الصِّحاح. ولم تقع في رواية مالك أصلاً، وزَعَمَ بعضهم أنَّ بعض الرُّواة عنه صَخَّفَ قوله: / ((وأبيه)) من ٥٣٤/١١ قوله: ((والله) وهو مُحْتَمَل، ولكنَّ مِثل ذلك لا يَثْبُت بالاحتمال، وقد ثَبَتَ مِثل ذلك من لفظ أبي بكر الصِّدِّيق في قصَّة السارق الذي سَرَقَ حُلِيَّ ابَتِهِ، فقال في حَقِّه: وأبيكَ ما ليلُكَ بليلِ سارقٍ، أخرجه في ((الموطَّأ)) (٨٣٥/٢-٨٣٦) وغيرُه(١). قال السُّهَيليُّ: وقد وَرَدَ نحوه في حديثٍ آخرَ مرفوع قاله لِلَّذِي سألَ: أيُّ الصَّدَقة أفضل؟ فقال: ((وأبيك لَتُبَّأنَّ)) أخرجه مسلم (٩٣/١٠٣٢ و٣/٢٥٤٨). فإِذا ثَبَتَ ذلك فيُجاب بأجوبةٍ: الأوَّلِ: أنَّ هذا اللَّفظ كان يَجري على ألسِنَتِهِم من غير أن يَقصِدوا به القَسَم، والنَّهي إِنَّمَا وَرَدَ في حَقّ مَن قَصَدَ حقيقةَ الْحَلِفِ، وإلى هذا جَنَحَ البيهقيّ، وقال النَّوويّ: إنَّه الجواب المرضيّ. الثّاني: أنَّه كان يقع في كلامهم على وجهَينِ: أحدهما لِلتَّعظِيم، والآخر لِلتَّأكيد، والنَّهي إِنَّما وَقَعَ عن الأوَّل، فمِن أمثلة ما وَقَعَ في كلامهم لِلتَّأكيدِ لا لِلتَّعظيمِ قول الشّاعر: لَعَمْرُ أبي الواشِينَ إِنَّ أُحِبُّها وقول الآخر: فإن تَكُ ليلى استَودَعَتني أمانةً فلا وأبي أَعدائِها لا أُذيعُها فلا يُظنُّ أنَّ قائل ذلك قَصَدَ تعظيمَ والد أعدائها، كما لم يَقصِد الآخرُ تعظيمَ والد مَن وشَى به، فدَلَّ على أنَّ القصد بذلك تأكيدُ الكلام لا التَّعظيم. (١) أخرجه الشافعي في («مسنده)) ٢/ ٨٥، والدار قطني (٣٤٠١)، والبيهقي ٢٧٣/٨ من طريق مالك. ١٢٠ باب ٤ / ح ٦٦٤٧ - ٦٦٤٨ فتح الباري بشرح البخاري وقال البَيْضاويّ: هذا اللَّفظ من جُملة ما يُزاد في الكلام لمُجرَّدِ التَّقرير والتَّأكيد، ولا يُراد به القَسَم، كما تُزاد صيغة النِّداء لمُجرَّدِ الاختصاص دونَ القصد إلى النِّداء. وقد تُعقِّبَ الجواب بأنَّ ظاهر سياق حديث عمر يدلّ على أنَّه كان يَحِلِفُ؛ لأنَّ في بعض طرقه أنَّه كان يقول: لا وأبي لا وأبي، فقيلَ له: ((لا تَحِلِفوا))، فلولا أنَّه أتى بصيغة الحَلِفِ ما صادَفَ النَّهِيُّ مَحَلَّا، ومن ثَمَّ قال بعضهم - وهو الجواب الثّالث -: إنَّ هذا كان جائزاً ثمّ نُسِخَ، قاله الماوَزْديُّ وحكاه البيهقيّ. وقال السُّهَيليُّ(١): أكثر الشُّرّاح عليه، حتَّى قال ابن العربيّ: ورُويَ أَنَّهِ لَّ كان يَحِلِف بأبيه حتَّى ◌ُهي عن ذلك. قال: وترجمة أبي داود تَدُلّ على ذلك، يعني قوله: ((باب الحَلِف بالآباءِ)) ثمَّ أورَدَ الحديث المرفوع الذي فيه: «أفلَحَ وأبيه إن صَدَقَ)) (٣٢٥٢). قال السُّهَيلِيُّ: ولا يَصِحّ، لأنَّه لا يُظنُّ بالنبيِّ وََّ أنَّه كان يَحِلِف بغير الله، ولا يُقْسِمُ بكافٍ، تالله إنَّ ذلك لَبعيدٌ من شِيمَتِه. وقال المنذريُّ: دَعوى النَّسخ ضعيفة؛ لإمكان الجمع ولِعَدَمِ تَحقَّقِ التاريخ. والجواب الرَّابع: أنَّ في الجواب حذفاً تقديره: أفلَحَ ورَبِّ أبيه، قاله البيهقيّ، وقد تقدَّمَ. الخامس: أنَّه لِلتَّعَجُّب، قاله السُّهَيلِيّ، قال: ويدلّ عليه أنَّه لم يَرِد بلفظ: ((وأبي)) وإنَّما وَرَدَ بلفظ: ((وأبيه)) أو ((وأبيك)) بالإضافة إلى ضمير المخاطَب حاضراً أو غائباً. السادس: أنَّ ذلك خاصّ بالشّارعِ دونَ غيره من أمَّته، وتُعقِّبَ بأنَّ الخصائص لا تَثْبُتُ بالاحتمال. وفيه أنَّ مَن حَلَفَ بغير الله مُطلَقاً لم تَنعَقِد يمينُهُ، سواء كان المحلوف به يَستَحِقّ التَّعظيم لمعنى غير العبادة، كالأنبياءِ والملائكة والعلماء والصُّلَحاء والملوك والآباء والكعبة، أو كان لا يَسْتَحِقّ التَّعظيم كالآحاد، أو يَستَحِقّ التَّحقير والإذلال كالشَّياطينِ والأصنام وسائر مَن عُبِدَ من دونَ الله. (١) تحرفت في (س) إلى: السبكي، والمثبت من الأصلين.