النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ باب ١٣ / ح ٦٦١٦ كتاب القدر وقوله: ((ولا مُعْطَيَ لما مَنَعْت)) زاد فيه مِسعَرٌ عن عبد الملك بن عُمَير عن ورّاد: (ولا رادً لما قَضَيْت)) أخرجه الطبرانيُ (١) بسندٍ صحيح عنه، وذكرت لهذه الزّيادة طريقاً أُخرى هناك (٢)، وكذا رُوِّيناها في ((فوائد أبي سعدِ الكَنجَروذيّ(٣)). قوله: ((وقال ابن جُرَيج)) وَصَلَه أحمد (١٨١٣٩) ومسلم (١٣٧/٥٩٣) من طريق ابن جُرَيج، والغرضُ التَّصريحُ بأنَّ ورّاداً أخبر به عَبدَة، لأَنَّه وَقَعَ في الرّواية الأولى بالعَنْعَنة. ١٣ - باب مَن تعوّذ بالله مِن دَرَك الشّقاء وسوء القضاء وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ آ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: ١ -٢] ٦٦١٦- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا سفيانُ، عن سُميٍّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَّةِ، قال: «تَعوَّذوا بالله من جَهْدِ البلاءِ، ودَرَكِ الشَّقاءِ، وسوءِ القضاءِ، وشَماتةِ الأعداءِ)). قوله: ((باب مِن تَعوَّذَ بالله من دَرَكِ الشَّقاءِ وسُوءِ القضاءِ» تقدَّم شرح ذلك في أوائلِ الدَّعَوات (٦٣٤٧). قوله: ((وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ آ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾)) يشير بذِكْر الآية إلى الردّ على مَن زَعَمَ أنَّ العَبد يَخْلُق فِعْل نفسه، لأنَّه لو كان السُّوء المأمور بالاستعاذة بالله منه مُخْتَرَعاً لفاعلِه لمَا كان للاستعاذة بالله منه معنَى، لأنَّه لا يَصِحّ التَّعَوُّذ إلّا بِمَن قَدَرَ على إزالة ما استُعيذَ به منه. والحديث يَتَضَمَّن أنَّ الله تعالى فاعلُ جميع ما ذُكِرَ. والمراد بسُوءِ القضاءِ: سوءُ المقضيِّ، كما تقدَّم تقريرُه مع شرح الحديث مُستَوقَى في أوائل الدَّعَوات. (١) في ((الدعاء)) (٦٨٦). (٢) يعني في ((الصلاة)) (٨٤٤). (٣) الكنجروذي، بفتح الكاف وسكون النون وفتح الجيم وضم الراء بعدها الواو، وفي آخرها الذال المعجمة، نسبة إلى كنجروذ، وهي قرية على باب نيسابور في ريضها. قاله السمعاني في «الأنساب)) ٤٧٩/١٠. ٨٢ باب ١٤ / ح ٦٦١٨ فتح الباري بشرح البخاري ١٤ - بابٌ ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ،﴾ [الأنفال: ٢٤] ٦٦١٧ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ أبو الحسنِ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا موسى بنُ عُقْبةَ، عن سالمٍ، عن عبدِ الله، قال: كثيراً ممّا كان النبيُّ نَّهِ يَخْلِفُ: ((لا ومُقَلِّبِ القلوبِ)). [طرفاه في: ٧٣٩١،٦٦٢٨] ٦٦١٨ - حدَّثنا عليٌّ بنُ حَفْصٍ وبِشْرُ بنُ محمَّدٍ، قالا: أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سالم، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، قال: قال النبيُّ وَِّ لابنِ صَيّادٍ: ((خَبَأْتُ لكَ ٥١٤/١١ خَبِيثاً)) قال: الدُّخُّ، قال: ((اخسَأْ،/ فلن تَعْدُوَ قَدْرَكَ)). قال عمرُ: اثْذَن لي فأضْرِبَ عُنُقَه، قال: ((دَعْهِ، إِن يَكُنْهُ فلا تُطِيقُه، وإن لم يَكُنْهُ فلا خيرَ لكَ في قَتْلِهِ)). قوله: ((بابٌ ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلِهِ،﴾)) كأنَّه أشارَ إلى تفسير الحَيلُولة التي في الآية بالتَّقْلُّبِ الذي في الخبر، أشارَ إلى ذلك الرَّاغِب وقال: المراد: أنَّه يُلقِي في قلب الإنسان ما يَصرِفُه عن مُرادِهِ، لِحِكمةٍ تقتضي ذلك. وورَدَ في تفسير الآية ما أخرجه ابن مَرْدويه بسندٍ ضعيفٍ عن ابن عبّاس مرفوعاً: «يَحولُ بین المؤمنِ وبين الكفرِ ويتحول بين الكافر وبين الهُدَى))(١)، والحديث الأول سيأتي شرحه في كتاب الأيمان والنُّدُور قريباً (٦٦٢٨). وقوله في السَّنَد: ((عن سالمٍ)) هو المحفوظ، وكذا قال سفيان الثَّوْريُّ عن موسى بن عُقْبة، وشَذَّ النَّفَيلِيّ فقال: عن ابن المبارك عن موسى عن نافع، بَدَل سالم، أخرجه أبو داود (٣٢٦٣) من رواية ابن داسة. والحديث الثاني مضى في أواخر الجنائز (١٣٥٤) ويأتي مُستَوعَباً في الفتنِ(٢). وقوله: ((عبد الله)) في حديثَي الباب: هو ابن المبارك، وقد ذكرتُ ترجمة عليّ بن حَفْص في أوائل كتاب الجهاد (٢٨٥٣). (١) وأخرجه بنحوه الطبري في تفسيره) ٢١٥/٩ و٢١٦، وابن أبي حاتم في «تفسيره)) (١٦٨٠/٥)، والحاكم ٣٢٩/٢، والبيهقي في ((القدر)) (٣٢٦) و(٣٢٧). (٢) انظر كلامه على الحديث رقم (٧١٢٧). ٨٣ باب ١٥ / ح ٦٦١٩ كتاب القدر وقوله: ((وإن يَكُنْه)) بهاءِ ضميرٍ للأكثَرَ، وكذا في: ((إن لم يَكُنْه))، ووَقَعَ فيهما للكُشْمِيهنيِّ بلفظ: ((إن لم يكن هو)) بالفَصلِ، وهو المختار عند أهل العربيَّة، وبالَغَ بعضُهم فمَنَعَ الأوَّل. قال ابن بَطّل ما حاصله: مُناسَبةُ حديث ابن عمر للتَّرجمة أنَّ الآية نَصُّ في أنَّ الله خَلَقَ الكفر والإيمان، وأنَّه يَحولُ بين قلب الكافر وبين الإيمان الذي أمَرَه به؛ فلا يَكسِبُه إن لم يُقدِّره عليه، بل أقدَرَه على ضِدِّه وهو الكفر، وكذا في المؤمن بعكسِه، فتَضَمَّنَتِ الآية أنَّه خالق جميع أفعال العباد خيرها وشَرّها، وهو معنى قوله: ((مُقَلِّب القلوب))، لأنَّ معناه: تَقليبُ قلب عبدِه عن إيثار الإيمان إلى إيثار الكُفر، وعكسُه، قال: وكلّ فِعْل الله عَدْلٌ فیمَن أضَلَّه وخَذَلَه، لأنَّه لم يَمنَعهم حَقّاً وجَبَ لهم عليه. قال: ومُناسَبةُ الثّاني للتَّرجمة قولُه: ((إن يكن هو فلا تُطيقُه)) يريد أنَّه إن كان سَبَقَ في عِلمِ الله أنَّه يَخْرُج ويفعل، فإنَّه لا يُقدِرُك على قتل مَن سَبَقَ في عِلمِهِ أنَّه سَيَجيءُ إلى أن يفعل ما يفعل، إذ لو أقدَرَك على ذلك لكان فيه انقلابُ عِلمِه، والله سبحانَه مُنَّهٌ عن ذلك. ١٥ - بابٌ ﴿قُل لَّنْ يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١]: قضى قال مجاهدٌ: ﴿يِفَاتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦٢]: بمُضِلِينَ، إلّا مَن كَتَبَ الله أنَّه يَصْلَى الجَحِيمَ. ﴿قَدَرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٣]: قَدَّرَ الشَّقاءَ والسَّعادةَ، وهَدَى الأنْعامَ لمراتعِها. ٦٦١٩ - حدَّثني إسحاقُ بنُ إبراهيمَ الحَنْظَلِيُّ، أخبرنا النَّضْرُ، حدَّثْنا داودُ بنُ أبي الفُرات، عن عبدِ الله بنِ بُرَيدةَ، عن يحيى بنِ يَعمَرَ، أنَّ عائشةَ رضي الله عنها أخبَرَتْه: أنَّهَا سألَت رسولَ الله وَّه عن الطّاعونِ، فقال: ((كان عذاباً يَبْعَثُه الله على مَن يَشاءُ، فجعله الله رحمةً للمؤْمنينَ، ما من عبد يكونُ فِي بَدٍ يكونُ فيه، ويَمْكُثُ فيه لا يَخْرُجُ منَ البلَدِ صابراً مُخْتَسِباً، يَعْلَمُ أنَّه لا يُصِيبُه إلّ ما كَتَبَ الله له، إلّا كان له مِثلُ أجْرٍ شَهِيد». قوله: ((بابٌ ﴿قُل لَّنْ يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَا﴾: قَضَى)) فَسَّرَ كَتَبَ بقَضَى، وهو أحد معانيها، وبه جَزَمَ الطَّبَرِيُّ في تفسيرها. وقال الرَّاغِب: ويُعبَّر بالكتابة عن القضاء المُمْضَى، كقوله: ﴿ لَوْلَ كِنَبٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: ٦٨]، أي: فيما قَدَّرَه، ومنه: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى ٨٤ باب ١٥ / ح ٦٦١٩ فتح الباري بشرح البخاري نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]، وقوله: ﴿قُل لَّنْ يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ يعني: ما ٥١٥/١١ قَدَّرَه وقَضاه،/ قال: وعَبَّرَ بقولِه: ﴿لَنَا﴾ ولم يُعبِّر بقولِه: ((علينا)) تنبيهاً على أنَّ الذي يُصيبُنا نَعُدُّه نِعمةً لا نِقمةً. قلت: ويُؤيِّد هذا الآيةُ التي تليها حيثُ قال: ﴿ قُلْ هَلْ تَرَتَّصُونَ بِنَآَ إِلَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢]، وقد تقدَّم في تفسيره أنَّ المراد: الفتح أو الشَّهادة، وكلُّ منهما نِعمةٌ. قال ابن بَطّال: وقد قيل: إنَّ هذه الآية ورَدَت فيما أصاب العِبادَ من أفعال الله التي اخْتَصَّ بها دونَ خَلْقه، ولم يُقدِرهم على كَسْبها دونَ ما أصابوه مُكتَسِبين له مُختارينَ. قلت: والصَّواب التَّعميم، وأنَّ ما يُصيبُهم باكتِسابِهِم واختيارهم هو مَقدُورٌ لله تعالى، وعن إرادَته وَقَعَ، والله أعلم. قوله: ((قال مجاهد ﴿يِفَتِنِينَ﴾: بمُضِلّينَ، إلّا مَن كَتَبَ الله أنّه يَصَلَى الجَحيم)) وَصَلَه عبد ابن حُميدٍ بمعناه من طريق إسرائيل عن منصور في قوله تعالى: ﴿مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَتِنِينَ (٦) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٢ - ١٦٣] قال: لا يُفتَنُونَ إلّا مَن كُتِبَ عليه الضَّلالة. ووَصَلَه أيضاً من طريق شِبْل عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد بلفظه. وأخرجه الطَّبَرِيُّ (١٠٩/٢٣) من تفسير ابن عبّاس من رواية عليّ بن أبي طَلْحة عنه بلفظ: لا تَضِلّونَ أنتم، ولا أُضِلُّ منكم إلّا مَن قَضَيتُ عليه أنَّه صال الجَحيم. ومن طريق حُميدٍ، سألتُ الحسن، فقال: ما أنتم عليه بمُضِلّينَ إلّا مَن كان في عِلم الله أنَّه سَيَصلَى الجَحِيم. و(١١٠/٢٣) من طريق عُمَر بن عبد العزيز قال في تفسير هذه الآية: إنَّكم والآلهة التي تَعبُدونَها لستُم بالذي تُفْتَنَونَ عليها، إلّا مَن قَضَیتُ علیه أنَّه سَيَصلَى الجحيم. قولُهُ: ((﴿قَدَرَ فَهَدَى﴾: قَدَّرَ الشَّقاء والسَّعادة، وهَدَى الأنعامَ لمراتعِها)) وَصَلَه الْفِرْيابيّ(١) عن وَرْقاء عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَلَّذِى فَذَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٣]: قَدَّرَ للإنسان الشِّقوةَ والسَّعادة، وهَدَى الأنعامَ لمراتعِها. (١) في ((تفسيره))، ذكر ذلك الحافظ في ((التغليق)) ١٩٣/٥. ٨٥ باب ١٦ / ح ٦٦٢٠ كتاب القدر وتفسير مجاهد هذا للمعنى لا للَّفظِ، وهو كقوله تعالى: ﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِىّ أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ. ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]. قال الرَّاغِب: هِدايةُ الله للخَلْقِ على أربعة أضرُبٍ: الأوَّل: العامّة لكلِّ أحد بحَسَبٍ احتماله، وإليها أشارَ بقولِه: ﴿ الَّذِىّ أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]، والثّاني: الدُّعاء على ألسِنة الأنبياء، وإليها أشارَ بقولِه: ﴿وَجَعَلْنَهُمْ أَبِمَّةُ يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٣] والثّالث: التَّوفيق الذي يَخْتَصّ به مَن اهتَدَى، وإليها أشارَ بقولِه: ﴿وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ أَهْتَدَوْ زَادَهُمْ هُدَى﴾ [محمد: ١٧]، والرَّابع: الهِداية في الآخرة إلى الجنَّة، وإليها أشارَ بقولِه: ﴿وَمَاكُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَا أَنْ هَدَ مَنَا ◌َللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]، قال: وهذه الهِدايات الأربع مُرتَّبة، فإنَّه مَن لا يَحَصُل له الأولى لا تَحصُل له الثّانية، ومَن لم تَحصُل له الثّانية لا تَحصُل له الثّالثة والرَّابِعة، ولا تَحصُل الرَّابِعة إلّا لمن حَصَلَت له الثلاثة، ولا تَحصُل الثالثة إلّا لمن حَصَلَت له اللَّتان قبلها، وقد تَّحصُل الأولى دونَ الثّانية، والثّانية دونَ الثّالثة، والإنسان لا يَهدي أحداً إلّا بالدُّعاءِ وتعريف الطُّرق، دونَ بقيَّة الأنواع المذكورة، وإلى ذلك أشارَ بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، وإلى بقيَّة الهِدايات أشارَ بقولِه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]. ثم ذكر حديث عائشة في الطاعون، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَى في كتاب الطِّبّ (٥٧٣٤)، والغَرَض منه قوله فيه: ((يعلم أنَّه لا يُصيبُه إلّا ما كَتَبَ الله له)). تنبيه: سند حديث عائشة هذا من ابتدائه إلى يحيى بن يَعمَر مَراوِزَة، وقد سَكَنَ يحيى المذكور مَرْو مُدّةً، فلم يَبَقَ من رجال السَّنَد مَن ليس مَروزيّاً إلّا طَرَفاه: البخاريُّ وعائشة. ١٦ - بابٌ ﴿وَمَاكُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَا أَنْ هَدَ نَنَا ◌َللَّهُ ﴾ [الأعراف: ٤٣] ﴿لَوْأَنَّ اللَّهَ هَدَنِى لَكُنتُ مِنَ اْلْمُنَّقِينَ﴾ [الزمر: ٥٧]. ٦٦٢٠ - حدّثنا أبو النُّعْمان، أخبرنا جَرِيرٌ - هو ابنُ حازمٍ - عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ بنِ عازِبٍ، قال: رأيتُ النبيَّ ◌َلَّهِ يومَ الخندَقِ يَنْقُلُ مَعَنا التُرابَ وهو يقول: ٥١٦/١١ ٨٦ باب ١٦ / ح ٦٦٢٠ فتح الباري بشرح البخاري ((والله لولا اللهُ ما اهْتَدَينا ولا صُمْنا ولا صَلَّينا فَأَنْزِلَن سَكِينَةً علينا وثَبِّتِ الأقدامَ إِن لاقَينا والمشْرِكونَ قد بَغَوْا علينا إذا أرادوا فِتْنةً أَبَينا» قوله: ((بابٌ ﴿ وَمَا كُنّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَا أَنْ هَدَنَنَا الَهُ﴾، ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَنِى لَكُنتُ مِنَ اَلْمُتَّقِينَ ﴾)) كذا ذكر بعضَ كلٌّ من الآيتين، والهداية المذكورة أوَّلاً هي الرَّابِعة على ما ذَكَر الرَّاغِب، والمذكورةُ ثانياً هي الثالثة. ثم ذَكَر حديث البراء في قوله: ((والله لولا اللهُ ما اهتَدَينا)) الأبيات، وقد تقدَّم شرحُها في غزوة الخندق (٤٢٠٤). وقوله هنا: ((ولا صُمْنا ولا صَلَّينا)) كذا وَقَعَ مَزحوفاً، وتقدَّم هناك من طريق شُعْبةَ عن أبي إسحاق بلفظ: ((ولا تَصَدَّقنا)) بدلَ ((ولا صُمْنا)) وبه يَحَصُل الوزن وهو المحفوظ، والله أعلم. خاتمة: اشتَمَلَ كتاب القَدَر من الأحاديث المرفوعة على تسعة وعشرينَ حديثاً، المعلَّق منها ثلاثة، والبقيَّة موصولة، المكرَّر منها فيه وفيما مضى اثنان وعشرونَ، والخالص سبعة. وافَقَه مسلمٌ على تخريجها سوى حديث أبي سعيد: ((ما استُخلِفَ من خليفةٍ))، وحديثٍ ابن عمر: «لا، ومُقَلِّبِ القلوبِ». وفيه من الآثار عن الصحابة والتابعين خمسةٌ آثارٍ، والله أعلم. ٨٧ ح ٦٦٢١ - ٦٦٢٦ كتاب الأيمان والنذور كتاب الأيمان والنُّذور قوله: ((كتاب الأيمان والنُّور)) الأيمان، بفتح الهمزة: جمع يَمِين، وأصل اليمين في اللّغة: اليد، وأُطلِقَت على الخَلِفِ؛ لأنَهم كانوا إذا تَحَالَفوا أخَذَ كلّ بيمين صاحبه، وقيل: لأنَّ اليدَ اليُمنَى من شأنها حِفظُ الشَّيء، فسُمّيَ الخَلِفُ بذلك لِحِفظِ المحلوف عليه، وسُمّيَ المحلوف عليه يميناً لِتَبِِّه بها. ويُجمَع اليمين أيضاً على أيمُن كَرَغيفٍ وأرْغُف. وعُرِّفَتْ شَرعاً: بأنَّها تَوكيدُ الشَّيء بذِكْر اسمٍ أو صِفَة لله، وهذا أخصَرُ التَّعاريف وأقرَبُها. والتُّذور: جمع نَذْر، وأصله الإنذار بمعنى التَّخويف. وعَرَّفَه الرَّاغِب: بأنَّ إيجابُ ما لیس بواجبٍ لِحُدوثِ أمرٍ. ١ - قولُ الله تعالى: ﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ ﴾ الآية [المائدة: ٨٩] ٦٦٢١ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ مُقاتلٍ أبو الحسنِ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا هشامُ بنُ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشة: أنَّ أبا بَكْر الصِّديق رضي الله عنه لم يكن يَحْنَثُ في يَمِينٍ قَطُّ حتَّى أَنزَلَ الله كفَّارةَ اليَمِينِ، وقال: لا أحلِفُ على يَمِينٍ فرأيتُ غيرَها خيراً منها إلّا أتيتُ الذي هو خيرٌ، وكَفَّرْتُ عن يميني. ٦٦٢٢ - حدَّثنا أبو التُّعْمان محمَّدُ بنُ الفَضْلِ، حذَّثنا جَرِيرُ بنُ حازِم، حدَّثنا الحسنُ، حدَّثنا عبدُ الرّحمنِ / بنُ سَمُرةَ، قال: قال النبيُّ وََّ: ((يا عبدَ الَّحمنِ بنَ سَمُرةَ، لا تَسألِ الإمارةَ، فإنَّكَ إن ٥١٧/١١ أوتِيتَها عن مَسْألةٍ وُكِلْتَ إليها، وإن أوتِيتَها من غيرِ مَسْألَةٍ أُعِنْتَ عليها، وإذا حَلَفْتَ على بَمِينٍ، فرأيتَ غيرَها خيراً منها، فكَفِّر عن يَمِينِكَ، وأتِ الذي هو خيرٌ)). [أطرافه في: ٦٧٧٧، ٧١٤٦، ٧١٤٧] ٨٨ ح ٦٦٢١ -٦٦٢٦ فتح الباري بشرح البخاري ٦٦٢٣ - حدَّثنا أبو التُّعْمان، حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن غَيْلانَ، عن أبي بُرْدَ، عن أبيه، قال: أتيتُ النبيَّ ◌َّهِ فِي رَهْطٍ منَ الأشعَرِيِّينَ أَسْتَحمِلُه، فقال: ((والله لا أحِلُكم، وما عِندِي ما أحمِلُكم عليه)) قال: ثمَّ لَبِثْنا ما شاءَ الله أن نَلْبَثَ، ثمَّ أَتِيَ بثلاثٍ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى، فحَمَلَنا عليها، فلمَّاَ انطَلَقْنَا قُلْنا - أو قال بعضُنا -: والله لا يُبارَكُ لنا، أتينا النبيَّ وََّ نَسْتَحمِلُه فحَلَفَ أن لا يَخْمِلَنا، ثمَّ حَمَلَنا، فارجِعوا بنا إلى النبيِّ نَّهِ فَنُذَكِّرُه، فأتيناه فقال: ((ما أنا خَلْتُكُم، بَلِ اللهُ حَلَكُم، وإِّ والله - إن شاء الله - لا أحلِفُ على يَمِينٍ، فأرَى غيرَها خيراً منها، إلّا كَفَّرْتُ عن يَمِيني، وأنيتُ الذي هو خيرٌ، أو أتيتُ الذي هو خيرٌّ، وكَفَّرْتُ عن يَمِينِي)). ٦٦٢٤ - حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، أخبرنا عبدُ الرَّزّاق، أخبرنا مَعْمَرٌ، عن هَّامِ بنِ مُنبِّه، قال: هذا ما حدَّثنا به أبو هريرةَ، عن النبيِّ ◌َِّ قال: «نحنُ الآخِرونَ السّابِقونَ يومَ القيامةِ)». ٦٦٢٥ - وقال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((والله لَأَن يَلِجَّ أحدُكم بيَمِينِهِ في أهلِهِ، آثَمُ له عندَ الله من أن يُعْطِيَ كَفَّارَتَه التي افتَرَضَ اللهُ عليه)). [طرفه في: ٦٦٢٦] ٦٦٢٦- حدَّثنا إسحاقُ، حدَّثنا يحيى بنُ صالح، حدَّثْنا مُعاوِيةُ، عن يحيى، عن عِكْرمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ◌َِّهِ: ((مَنِ استَلَجَّ في أهلِه بَيَمِينٍ، فهو أعظَمُ إِثْماً، لِيَبَّ)) يعني: الكفَّارةَ. قوله: ((قولُ الله تعالى)) كذا لِلجَميع بغير لفظ ((باب))، وهو مُقدَّر، وثَبَتَ لِبعضِهم كالإسماعيليِّ. قوله: ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ الآية﴾ وفي نُسْخة بَدَل الآية: إلى قوله: ﴿تَشْكُرُونَ﴾، وساقَ في رواية كَرِيمة الآيةَ كلّها، والأوَّل أَولى، فإنَّ المذكور من الآية هنا إلى قوله: ﴿بِمَا عَقَّدتُمُ اُلْأَيْمَنَ﴾(١) وأمَّا بقيَّة الآية فقد تَرجَمَ به في أوَّل كفَّارات الأيمان فقال: ((لقوله: ﴿فَكَفَّارَتُهُ, (١) كذا قال، ولكن المذكور هنا من الآية فقط إلى قوله: ﴿فِأَنْمَنِكُمْ﴾، كما ذكر هو رحمه الله، وكذا قال القسطلاني ٣٦٣/٩. ٨٩ ح ٦٦٢١ -٦٦٢٦ كتاب الأيمان والنذور إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ﴾ فكفَّارَتُه إطعامُ عشرة مَساكينَ)) نعم يحتمل أن يكون ساقَ الآية كلّها أوَّلاً، ثمَّ ساقَ بعضها حيثُ احتاجَ إليه. قوله: ((باللَّغْوِ)) قال الرَّاغِبُ: هو في الأصل: ما لا يُعتَدَّ به من الكلام، والمرادُ به في الأيمان: ما يُورَد عن غيرِ رَويَّةٍ، فيَجري مَجَرَى اللَّغا وهو صوتُ العصافير، وقد سَبَقَ الكلامُ عليه في بابِ مُفرَدٍ في تفسير المائدة. قوله: (﴿عَقَّدتُ ﴾)) قُرِئَ بتشديد القاف وتخفيفها، وأصله العَقدُ، وهو الجمع بين أطراف الشَّيء، ويُستَعمَل في الأجسام ويُستَعار للمعاني، نحو: عَقْدِ البيع والمعاهدة، قال عطاء:/ معنى ٥١٨/١١ قولِهِ: ﴿عَقَّدُمُ الْأَيْمَنَ﴾: أكَّدتُم. ثم ذكر في الباب أربعة أحاديث: الحديث الأول: قوله: ((عبد الله)) هو ابن المبارك. قوله: ((أن أبا بكر الصدِّيق)) في رواية عبد الله بن نُمَير عن هشام بسندِه: عن أبي بكر الصِّدّيق أنَّه كان، أخرجه أبو نُعَيم، وهذا يقتضي أنَّه من رواية عائشة عن أبيها، وقد تقدَّم في تفسير المائدة (٤٦١٤) ذِكْر مَن رواه مرفوعاً، وقد ذَكَرِه التِّرمِذيّ في ((العِلَل المفرَد)» وقال: سألتُ محمَّداً - يعني: البخاريَّ - عنه، فقال: هذا خطأٌ، والصَّحيحُ: كان أبو بكر، وكذلك رواه سفيان ووكيع عن هشام بن عُرْوةً. قوله: ((لم يكن يَحْنَثُ في يمينٍ قَطُّ حَتَّى أنزَلَ الله كفَّارةَ اليمين ... )) إلى آخره، قيلَ: إِنَّ قول أبي بكر ذلك وَقَعَ مِنْه عند حَلِفِه أن لا يَنْفَعِ (١) مِسطَحاً بشيءٍ، فنزلت: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ اُلْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ الآيةَ [النور: ٢٢]، فعادَ إلى مِسطَح ما كان يَنفَعُه به، وقد تقدَّم بيان ذلك في شرح حديث الإفك في تفسير النّور (٤٧٥٠)، ولم أقِفْ على النَّقل المذكور مُسنَداً(٢)، ثمَّ (١) في (س): يصل، والمثبت من الأصلين. (٢) لم نتبين ماذا يقصد الحافظ رحمه الله بالنقل المذكور الذي لم يقف عليه، فالنقل الذي أورده من ((تفسير الثعلبي)) عن ابن جريج إنما هو مسند في حديث الإفك من غير ما طريق عن عائشة! ٩٠ ح ٦٦٢١ -٦٦٢٦ فتح الباري بشرح البخاري وجدتُه في ((تفسير الثَّعلَبيِّ)) (١٦٣/٢) نقلاً عن ابن جُرَيج قال: حُدِّثت أنَّها نزلت في أبي بكر الصِّدّيق حين حَلَفَ أن لا يُنفِقَ على مِسطَح لخوضِه في الإفك. قوله: ((إلّا أنيتُ الذي هو خَيْرِ، وكَفَّرْت)) وافَقَه وكيع، وقال ابن نُمَير في روايته: ((إلّا كَفَّرتُ عن يَمِيني، وأتيت)) ووافَقَه سفيان. وسيأتي البحث في ذلك في ((باب الكفَّارة قبل الحِنث)) من كتاب كفَّارات الأيمان (٦٧٢١). الحديث الثاني: قوله: ((الحسن)) هو ابن أبي الحسن البَصْريّ، وعبد الرَّحمن بن سَمُرة يعني: ابن حَبِيب بن عبد شَمْس بن عبد منافٍ، وقيل: بين حَبِيب وعبد شَمْس رَبيعة، وكُنيةُ عبد الرَّحمن: أبو سعيد، وهو من مُسْلِمة الفتح، وقيل: كان اسمه قبل الإسلام عبد كُلالٍ بضمِّ أوَّله والتَّخفيف، وقد شَهِدَ فتوحَ العراق، وكان فتْحُ سِجِستانَ على يَدَيه، أرسَلَه عبد الله بنُ عامر أميرُ البصرة لِعثمان على السَّرِيَّة فَفَتَحَها وفَتَحَ غيرها. وقال ابنُ سعد: ماتَ سنة خمسين، وقيل: بعدها بسنةٍ، وليس له في البخاريّ سوى هذا الحدیث. قوله: ((يا عبدَ الرَّحمنِ بنَ سَمُرةَ لا تَسألِ الإمارة)» بكسر الهمزة، أي: الولايةَ، وسيأتي شرح ذلك مُستَوقّ في كتاب الأحكام (٧١٤٦ و٧١٤٧). قوله: ((وإذا حَلَفْت على يَمِين)) يأتي شرحه أيضاً في («باب الكفَّارة قبل الحِنْثِ)) (٦٧٢٢). الحديث الثالث: قوله: ((غَيْلان)) بِغَيْنِ مُعجَمةٍ ثمَّ تحتانيَّةٍ ساكنةٍ: هو ابن جَرِير الأزْدِيُّ الكوفيُّ من صِغار التابِعِينَ، وأبو بُرْدة: هو ابنُ أبي موسى الأشعَريّ، وسيأتي شرحُه أيضاً في ((باب الكفَّارة قبلَ الحِنثِ)) (٦٧٢١). الحديث الرابع: قولُه: ((حدَّثنا إسحاق بن إبراهيم)) هو ابن راهويه، كما جَزَمَ به أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) وقد روى البخاريُّ عن إسحاق بن إبراهيم بن نَصْر عن عبد الرَّزّاق عِدّةً أحادیث. ٩١ ح ٦٦٢٤ -٦٦٢٦ كتاب الأيمان والنذور قولُه: ((هذا ما حدَّثْنا به أبو هريرة، عن النبيّ ◌َّه قال: نحنُ الآخِرونَ السابِقونَ يوم القيامة، وقال رسولُ اللهِوَله: والله لَأَن يَلِجَ)) هكذا في رواية الكُشْمِيهنيّ، ولغيره: فقال، بالفاءِ والأوَّل أو جه. وقوله: ((نحنُ الآخِرونَ السابِقونَ يوم القيامة)) طَرَف من حديثٍ تقدَّم بتمامه في أوَّل كتاب الجمعة (٨٧٦)، لكن من وَجْهٍ آخر عن أبي هريرة، وقد كَرَّرَ البخاريّ منه هذا القَدْر في بعض الأحاديث التي أخرجها من صحيفة همَّام من رواية مَعمَر عنه، والسَّبَب فيه: أنَّ حديث ((نحنُ الآخِرونَ)) هو أوَّل حديث في النُّسخة، وكان هَمَّام يَعطِفُ عليه بقيَّة الأحاديث بقولِه: وقال رسول الله وَله، فسَلَكَ في ذلك البخاريُّ ومسلمٌ مَسلَكَينٍ: أحدهما هذا، والثّاني: مَسلَك مسلم؛ فإنَّه بعد قول همَّام: هذا ما حدَّثنا به أبو هريرة عن النبيّ ◌َّة، يقول: فذكر عِدّة أحاديث، منها: وقال رسولُ اللهِ وَّهِ، ثمَّ استَمرَّ على ذلك في جميع ما أخرجه من هذه النُّسخة، وهو مَسلَكٌ واضحٌ، وأمَّ البخاريّ فلم يَطَّرِد له في ذلك عَمَلٌ، فإنَّه أخرج من هذه النُّسخة في الطَّهارة، وفي البيوع، وفي النَّفَقات، وفي الشَّهادات، وفي الصُّلح، وقصَّة موسى، والتَّفسير، وخلق آدم، والاستئذان، وفي الجهاد في مواضعَ، وفي الطِّبّ، واللِّباس/ وغيرهما، فلم يُصدِّر شيئاً من الأحاديث المذكورة بقولِه: «نحنُ ٥١٩/١١ الآخِرِونَ السابِقونَ)) وإنَّما ذكر ذلك في بعضٍ دونَ بعضٍ، وكأنَّه أراد أن يُبيِّنَ جوازَ كلٍّ من الأمرَين، ويحتمل أن يكون ذلك من صَنِيع شيخ البخاريّ. وقال ابن بَطّال: يُحتمَل أن يكون أبو هريرة سَمِعَ ذلك من النبيّ ◌ِّرِ فِي نَسَقٍ واحدٍ، فحدَّث بهما جميعاً كما سَمِعَهما، ويُحتمل أن يكون الراوي فَعَل ذلك لأنَّه سمعَ من أبي هريرة أحاديثَ في أوائلها ذكرها على التَّرتيب الذي سَمِعَه. قلت: ويُعكِّر عليه ما تقدَّم في أواخر الوضوء (٢٣٨)، وفي أوائل الجمعة (٨٧٦) وغيرها. قوله: ((والله لَأن يَلِجَ)) بفتحِ اللّم وهي اللّام المؤَكِّدة لِلِقَسَمِ، ويَلِجَّ بكسر اللّام، ويجوز فتحها، بعدها جيمٌ: من اللَّجاج، وهو أن يَتَمَادَى في الأمر ولو تَبيَّن له خَطَؤُه، وأصلُ اللَّجاج ٩٢ ح ٦٦٢٤-٦٦٢٦ فتح الباري بشرح البخاري في اللُّغة: هو الإصْرارُ على الشَّيء مُطلَقاً، يقال: لَحِجتُ أَلَجُّ، بكسر الجيم في الماضي، وفَتْحِها في المضارع(١)، ويجوز العكس. قوله: ((أحدُكم بيَمِينه في أهله)) سَقَطَ قوله: ((في أهله)) من رواية محمَّد بن حُميدِ المَعمَريّ عن مَعمَر عند ابن ماجَهْ (٢١١٤). قوله: ((آثَم)) بالمدّ، أي: أشدُّ إثماً. قوله: ((من أن يُعْطِيَ كَفَّارَتَه التي افتَرَضَ اللهُ عليه)) في رواية أحمد (٨٢٠٨) عن عبد الرَّزاق: ((مِن أن يُعطيَ كفَّارتَه التي فَرَضَ الله)). قال النَّوويّ: معنى الحديث: أنَّ مَن حَلَفَ يميناً تتعلَّق بأهلِهِ، بحيثُ يَتَضَرَّرونَ بعَدَمِ حِنثِهِ فيه، فينبغي له أن يَحِنَثَ فيفعلَ ذلك الشَّيء ويُكفِّرَ عن يمينه، فإن قال: لا أحنَثُ، بل أتورَّعُ عن ارتكاب الحِنثِ خَشْبةَ الإثم، فهو مُخُطِئٌّ بهذا القول، بل استمرارُه على عَدَم الحِنث، وإقامةُ الضَّرَر لأهلِه أكثرُ إثماً من الحِنث، ولا بُدّ من تنزيله على ما إذا كان الحِنث لا مَعْصِية فيه .. وأمَّا قوله: ((آثَم)) بصيغة أفعَل التَّفضيل، فهو لِقَصدِ مُقابلة اللَّفظ على زَعم الحالف أو تَوقُّمِهِ، فإنّه يُتوهَّم أنَّ عليه إثماً في الحِنْث مع أنَّه لا إثم عليه، فيقال له: الإثم في اللَّجاج أكثرُ من الإثم في الحِنْث. وقال البَيْضاويّ: المراد أنَّ الرَّجل إذا حَلَفَ على شيءٍ يَتَعلَّق بأهلِه وأصَرَّ عليه كان أدخَلَ في الوِزْر، وأفضَى إلى الإثم من الحِنث، لأنَّه جَعَلَ الله عُرضةً لِيَمِينِهِ، وقد نُهي عن ذلك، قال: و ((آثَم)) اسم تفضيل، وأصله أن يُطلَق لِلَّجِّ في الإثم، فأُطلِقَ لمن يَلِجُ في موجِب (١) الأَولى أن يقول: بكسر الجيم في الماضي وفتح اللام في المضارع. وكأن الحافظ قد أخذ قول القاضي عياض فيما نقله عنه علي القاري في («مرقاة المفاتيح)) ٥٥٨/٣ حيث قال: لَحِجْتُ أَجُّ بكسر الماضي وفتح المضارع وبالعكس. وهذه عبارة لا إشكال فيها، فهو يقصد كسر الجيم في الماضي وفتح اللام في المضارع وبالعكس، ولكن الحافظ سبق قلمه فقال: بكسر الجيم في الماضي وفتحها في المضارع. والأوضح من ذلك قول الزين العراقي في ((طرح التثريب)) ٧/ ١٦٤: يقال لَحِجْتُ في الأمر بكسر الجيم الأولى، أَلَجُّ بفتح اللام، ولَجَجْتُ بفتح الجيم، أَلِتُّ بكسر اللام. ٩٣ ح ٦٦٢٤ -٦٦٢٦ كتاب الأيمان والنذور الإثم اتِّساعاً، قال: وقيل: معناه أنَّه إن كان يَتَحرَّج من الحِنثِ خَشْية الإثم ويَرَى ذلك، فاللَّجاج أيضاً إثم على زَعمِه وحُسبانه. وقال الطِّييُّ: لا يَبْعُدُ أن تَخْرُج أفعَل عن بابها، كقولهم: الصَّيفُ أحَرُّ من الشِّتاء، ويصير المعنى: أنَّ الإثم في اللَّجاج في بابه أبلَغُ من ثواب إعطاء الكفَّارة في بابه، قال: وفائدة ذِكْر الأهل في هذا المقام لِلمُبالَغة، وهي مزيد الشَّناعة(١) لاستهجان اللَّجاج فيما يَتَعلَّق بالأهلِ، لأنَّه إذا كان في غيرهم مُستَهجَناً، ففي حَقّهم أشدّ. وقال القاضي عِيَاض: في الحديث أنَّ الكفَّارةَ على الحانث فرضٌ، قال: ومعنى يَلِجّ: أن يُقيمَ على تَرْك الكفَّارة. كذا قال، والصَّواب: على تَرْك الحِنْث؛ لأنَّه بذلك يقع التَّمادي على حُكْم اليمين، وبِه يقع الضَّرَر على المحلوف عليه. قوله في الطريق الأخرى: ((حدثنا إسحاق)) جزم أبو علي الغَسّاني: بأنه ابن منصور، وصنیعُ أبي نُعيم في ((المستخرج)) يقتضي أنه إسحق بن إبراهيم المذكور قبله، ويحيى بن صالح: هو الوُحاظي، بتخفيف الحاء المهملة، بعد الألف ظاءٌ مشالة معجمة، وقد حدَّثَ عنه البخاريُّ بلا واسطة في كتاب الصلاة (٣٦١)، وبواسطة في الحج (١٨٠٩)، وشيخُه معاوية: هو ابن سلام بتشديد اللام، ويحيى: هو ابن أبي كثير، وعكرمة: هو مولى ابن عباس. قوله: ((عن أبي هريرة)) كذا أسندَه معاويةُ بن سَلَّام، وخالَفَه مَعمَر فرواه عن يحيى بن أبي كَثِير، فأرسله، ولم يَذكُر فيه أبا هريرة، أخرجه الإسماعيليّ من طريق ابن المبارك عن مَعمَر، لكنّه ساقه بلفظ رواية هَمّام عن أبي هريرة، وهو خطأً من مَعمَر، وإذا كان لم يَضبطِ المتنَ، فلا يُتعجّبُ من كونه لم يَضبطِ الإسناد. قوله: ((مَن استلّجَّ)) استَفْعَلَ من اللَّجاج، وذَكَر ابنُ الأثير أنه وقع في روايةٍ: ((اسْتَلْجَجَ)) بإظهار الإدغام، وهي لغة قریش./ (١) تحرفت في (س) إلى: الشفاعة. ٥٢٠/١١ ٩٤ ح ٦٦٢٤ - ٦٦٢٦ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فهو أعظمُ إثماً، لِيَبَرَّ. يعني: الكفَّارة)) وكذا وقع في رواية ابن السَّكن، وكذا لأبي ذرِّ عن الكُشمِيهَني: بلام مكسورة، بعدها تحتانية مفتوحة، ثمّ موحدة(١)، ثم راء مشددة، واللام لامُ الأمر بلفظ أمر الغائب، من البِرِّ أو الإِبرار. و((يعني)) بفتح التحتانية، وسكون المهملة، وكسر النون: تفسير البِرّ، والتقدير: ليَرُكِ اللَّجاج ويَبَرَّ، ثم فَسَّرَ البِرَّ بالكفّارة، والمراد أنه يتركُ اللَّجاج فيما حَلَف، ويفعلُ المحلوفَ عليه، ويحصلُ له البِرُّ بأداء الكفَّارة عن اليمين الذي حلفه إذا حَنَث. ومعنى قوله: ((في أهله)»: ما تقدَّم في الطريق التي قبلها مِن تَصويرِه بأن يَحِلِفَ أن يَضُرَّ أهلَه مثلاً، فيَلجَّ في ذلك اليمين، ويَقصِدَ إيقاعَ الإضْرار بهم لتَنحلَّ يمينُه، فكأنه قيل له: دَعَ اللَّجاجَ في ذلك، واحنَثْ في هذا اليمين، واترك إضْرارَهم، ويحصلُ لك البِرّ، فإنك إن أصرَرتَ على الإضرار بهم، كان ذلك أعظم إثماً من حِنْثُك في اليمين. ووقع في رواية النَّسَفي والأَصِيلي: ((ليس تُغنِي الكَفَّارُ)) بفتح اللام وسكون التحتانية، بعدها سين مهملة، و((تُغنِي)) بضم المثناة الفوقانية، وسكون الغَين المعجَمَة، وكسر النون، و((الكَفّارةُ)) بالرفع، والمعنى: أن الكفَّارة لا تُغنِي عن ذلك، وهو خلافُ المراد، والروايةٌ الأُولى أوضَح. ومنهم من وَجَّهَ الثانيةَ: بأن المفضَّلَ عليه محذوفٌ، والمعنى: أن الاسْتِلْجاجَ(٢) أعظمُ إثماً من الحِنْث، والجملةُ استئناف، والمراد: أن ذلك الإثم لا تُغنِي عنه كفَّارةٌ. وقال ابن الأثير في ((النهاية)): وفيه: ((إذا استَلَجَّ أحدُكم بيمينِهِ، فإنه آثَمُ له عند الله من الكفَّارة))، وهو استَفْعَل من اللَّجاج، ومعناه: أنَّ من حَلَف على شيءٍ ويرى أن غيرَه خيرٌ منه فُيُقِيمُ على يَمِينِهِ، ولا يَحِنَثُ فيُكفِّرَ، فذلك آثَمُ له، وقيل: هو أن يرى أنه صادقٌ فيها مُصِيبٌ، فيَلَجَّ ولا يُكفِّرها. انتهى، وانتزَعَ ذلك كلَّه من كلام الخَطّابي. وقد قُيِّد في رواية ((الصحيح)) بالأهل، ولذلك قال النَّوَوي في معناه ما تقدَّمَ في الطريق الأُولى، وهو مُنتزَعٌ أيضاً من كلام عِيَاض. (١) عبارة ((ثم موحدة)) سقطت من (س). (٢) في (س): الاستيلاج، والمثبت من الأصلين. ٩٥ ح ٦٦٢٤-٦٦٢٦ كتاب الأيمان والنذور وذكر القُرطُبي في (مختصر البخاري)) أنه ضُبِط في بعض الأمهات (تُغنِي)) بالتاء المضمومة، والغين المعجمة، وليس بشيءٍ، وفي الأصل المعتمَد عليه: بالتاء الفوقانية المفتوحة والعين المهملة، وعليه علامةُ الأَصِيلي، وفيه بعدٌ، ووَجَدْناه بالياء المثناة من تحت، وهو أقرَب، وعند ابن السَّكَن: ((يعني ليس الكفَّارةَ)) وهو عندي أشبهُها، إذا كانت ((ليس)) استثناءً بمعنى إلا، أي: إذا ◌َجَّ في يمينه، كان أعظمَ إثماً إلّا أن يُكفِّرَ. قلت: وهذا أحسن لو ساعَدَته الرِّواية، إنما الذي في النُّسَخ كلِّها بتقديم ((ليس)) على ((يعني))، وقد أخرجه الإسماعيليّ من طريق إبراهيم بن سعيد الجَوهَري، عن يحيى بن صالح بحذف الجملة الأخيرة، وآخِرُ الحديث عنده: ((فهو أعظمُ إثماً». وقال ابن حزم: لا جائٌ أن يُحِمل على اليمين الغَمُوس، لأن الحالفَ بها لا يُسمَّى مُستِلِجَاً في أهله، بل صُورتُه: أن يَحِلِفَ أن يُحسِنَ إلى أهلِه، ولا يَضُرَّهم، ثم يريد أن يَجِنَثَ، ويَلجَّ في ذلك، فَيَضُرَّهم ولا يُحسنَ إليهم، ويُكفِّرَ عن يمينه، فهذا مُستِلِجٌ بيمينه في أهله، آئِمٌّ، ومعنى قوله: ((لا تُغنِي الكفَّارة)): أن الكفَّارة لا تَخُطُّ عنه إثمَ إساءته إلى أهله، ولو كانت واجبةً عليه، وإنما هي مُتعلِّقة باليمين التي حَلَفها. وقال ابن الجَوْزي: قوله: (ليس تُغنِي الكفَّارة)) كأنه أشار إلى أن إثْمَه في قَصْده أن لا يَبَرَّ ولا يفعلَ الخير، فلو كَفَّرَ لم تَرفَع الكفارةُ سبقَ ذلك القَصْد، وبعضُهم ضَبَطه بفتح نون ((تغنَى))، وهو بمعنى يترك، إي: إن الكفَّارة لا ينبغي أن تُترَك. وقال ابن التِّين: قوله: ((ليس تُغنِي الكفَّارة)) بالمعجمة، يعني: مع تعمُّد الكذب في الأيمان، قال: وهذا على رواية أبي ذرِّ - كذا قال - وفي رواية الشيخ أبي الحسن - يعني: القابسي -: ((ليس يعني الكفارة)) بالعين المهملة، قال: وهذا موافقٌ لتأويل الخطّابي أنه يستديمُ على لجاجه، ويمتنعُ من الكفَّارة، إذا كانت خيراً من التّمادي. وفي الحديث أن الحِنثَ في اليمين أفضلُ من التّمادي، إذا كان في الحِنث مصلحةٌ، ويختلفُ باختلاف حُكْم المحلوف عليه، فإن حَلَف على فعلِ واجبٍ أو تركِ حرام فيمينُهُ / طاعةٌ، ٥٢١/١١ ٩٦ ح ٦٦٢٤ -٦٦٢٦ فتح الباري بشرح البخاري والتمادي واجب، والحِنثُ معصيةٌ، وعكسُه بالعكس، وإن حلف على فعلِ نَفْلِ فيمينُهُ أيضاً طاعةٌ، والتمادي مستحَبٌّ، والحِنثُ مكروهٌ، وإن حلف على تَركِ مندوبٍ، فبعكس الذي قبله، وإن حلف على فعلِ مُباحٍ، فإن كان يَتجاذبُهُ رُجْحانُ الفعل أو الترك، كما لو حَلَفَ لا يأكلُ طيِّياً، ولا يَلْبَسُ ناعماً، ففيه عند الشافعية خلافٌ، وقال ابن الصَّاغ - وصَوَّبه المتأخرون -: إن ذلك يَخْتِلِفُ باختلاف الأحوال، وإن كان مستويَ الطَّرفين، فالأصحُّ أنَّ التماديَ أولى، والله أعلم. ويُستنبطُ من معنى الحديث: أن ذِكْرَ الأهل خرج تَخَرِجَ الغالب، وإلا فالحكمُ يتناول غيرَ الأهل إذا وُجِدَت العِلَّة، والله أعلم. وإذا تقرَّرَ هذا، وعُرِف معنى الحديث، فمطابقتُه بعد تمهيد تقسيم أحوال الحالف: أنه إن لم يَقصِد به اليمينَ، كأن لا يقصِدَها، أو يَقصِدَها لكن ينسى، أو غير ذلك، كما تقدم بيانُه في لَغْوِ اليمين، فلا كفَّارَةَ عليه ولا إثمَ، وإن قَصَدها، وانعَقَدت، ثم رأى أن المحلوفَ عليه أولى من الاستمرار على اليمين، فلَيحنَث، وتجبُ عليه الكفَّارة، فإن تَخيَّلَ أن الكفَّارةَ لا تَرفعُ عنه إثم الِحِنْث، فهو تخييلٌ مردود، سَلَّمنا، لكن الحِنث أقلُّ(١) إثماً من اللَّجاج في ترك فعل ذلك الخير كما تقدم، فالآية المذكورة التفاتٌ إلى التي قبلها؛ فإنها تضمَّنَت المرادَ من هذا الحديث، حيث جاء فيها: ﴿ وَلَا تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةٌ لِّأَيْمَنِكُمْ أَنْ تَبَرُواْ﴾ [البقرة : ٢٢٤]، والمراد: لا تجعَلِ اليمينَ الذي حلفتَ أن لا تفعلَ خيراً، سواءً كان ذلك من عملٍ أو تركٍّ، سبباً يُعتذَرُ به عن الرُّجوع عما حَلفتَ عليه، خشيةً من الإثم المرتَّب على الحِنث، لأنه لو كان إثماً حقيقةً، لكان عملُ ذلك الخير رافعاً له بالكفّارة المشروعة، ثم يبقى ثوابُ البِرِّ زائداً على ذلك، وحديثُ عبد الرحمن بن سَمُرة الذي قبله يُؤگِّدُ ذلك، لورود الأمر فيه بفعل الخير، وكذا الكفَّارة. (١) في (أ) و(س): ((أكثر)) بدل ((أقل))، وسقطت الفقرة كلها من (ع)، وهو خطأ لعله سبق قلم من الحافظ رحمه الله، إذ السياق يقتضي ما أثبتنا، والله أعلم. ٩٧ باب ٢ / ح ٦٦٢٧ كتاب الأيمان والنذور ٢ - باب قولِ النبيِّ ◌َّ: ((وايمُ الله)) ٦٦٢٧ - حدّثنا قُتَبةُ بنُ سعيدٍ، عن إسماعيلَ بنِ جعفرٍ، عن عبدِ الله بنِ دِينارٍ، عن ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، قال: بَعَثَ رسولُ الله ◌َّهَ بَعْثاً، وأمَّرَ عليهم أُسامةَ بنَ زيدٍ، فطَعن بعضُ الناسِ في إِمْرَتِهِ، فقامَ رسولُ الله ◌َّه فقال: ((إن كنتُم تَطْعَنونَ في إِمْرَتِهِ فقد كنتُمْ تَطْعَنونَ في إمْرةِ أبيه من قبلُ، وايمُ الله إن كان ◌َخَلِيقاً لِلإِمارةِ، وإن كان لمن أحبّ الناسِ إليَّ، وإنَّ هذا لمن أحبِّ الناسِ إليَّ بعدَه)). قوله: ((باب قول النبيّ وَّ: وايْمُ الله)) بكسر الهمزة وبفتحِها والميم مضمومة، وحكى الأخفَش كسرَها مع كسر الهمزة، وهو اسمٌ عند الجمهور وحرفٌ عند الزَّجّاج، وهمزَتُه همزة وَصْلٍ عند الأكثر، وهمزة قَطْعِ عند الكوفيّينَ ومَن وافَقَهم، لأنَّه عندهم جمعُ يَمِين، وعند سيبويه ومَن وافَقَه أنَّه اسمٌ مُفرَدٌ، واحتجوا بجوازٍ کسر همزته وفتحِ مِیمِه. قال ابن مالكِ: فلو كان جمعاً لم تُحذَف همزَتُه، واحتَجَّ بقولِ عُرْوة بن الزُّبَيرِ لمَّا أُصيبَ بولِدِهِ ورِجله: لَيْمُنُكِ لَئِنِ ابْتَلَيْت لقد عافَيْت. قال: فلو كان جمعاً لم يَتَصَرَّف فيه بحذفٍ بعضه، قال: وفيه اثنتا عشْرةَ لُغةً جمعتُها في بيتَينِ وهما: أو قل: مُ أو مُنُّ بِالَّليثِ قد شُكِلا هِمَ اْمُ وايْمُنُ فافتَحْ واكِرَ أَوْ إِمُ قُلْ وايمنُ اختِمْ به، واللهَكلَّ أضِفْ إليه في قَسَمِ تَسْتَوفِ ما نُقِلا قال ابن أبي الفتح تلميذ ابن مالك: فاتَّه ((أَمُ)) بفتح الهمزة و(هَيْمُ)) بالهاءِ بدلَ الهمزة، وقد حكاها القاسم بن أحمد المعلِّم / الأندَلُسيّ في ((شرح المفصَّل))، وقد قَدَّمت في أوائل هذا الشَّرح ٥٢٢/١١ في آخر التيمُّم لُغاتٍ في هذا فِبَلَغَت عشرِينَ(١)، وإذا حُصِرَ ما ذُكِرَ هنا زادَت على ذلك. وقال غيرُه: أصله: يمينُ الله، ويُجمَعُ أيمُناً، فيقال: وأيمُنُ الله. حكاه أبو عُبيد، وأنشَدَ لِزُهَير بن أبي سُلمَى: فتُجمَعُ أيمُنٌ مِنّا ومِنْكُمْ بمُقسَمةِ تمورُ بها الدِّمَاءُ (١) قال في أواخر التيمم في شرحه على الحديث (٣٤٤): وفيها لغات جمع منها النووي في (تهذيبه)) سبع عشرة، وبلغ بها غيره عشرين، وسيكون لنا إليها عودة لبيانها في كتاب الأيمان إن شاء الله تعالى. ٩٨ باب ٢ / ح ٦٦٢٧ فتح الباري بشرح البخاري وقالوا عند القَسَمِ: وأَيْمُنُ الله، ثمَّ كَثُرَ فحَذَفوا النُّون، كما حَذَفوها من: (لم يكن))، فقالوا: (لم يَكُ))، ثمَّ حَذَفوا الياء، فقالوا: أمُ الله، ثمَّ حَذَفوا الألف فاقتَصَروا على الميم مفتوحةً ومضمومةً ومكسورةً، وقالوا أيضاً: مُنُّ الله بكسر الميم وضمِّها، وأجازوا في أيمُنُ فتحَ الميم وضمَّها، وكذا في أيْمُ، ومنهم مَن وصَلَ الألف وجَعَل الهمزة زائدةً أو مُسَهَّلةً، وعلى هذا تَبلُغْ لُغاتُها عشرينَ. وقال الجَوْهريُّ: قالوا: أيْمُ الله، ورُبَّما حَذَفوا الياء، فقالوا: أمُ الله، ورُبَّما أبقَوا الميم وحدَها مضمومةً فقالوا: مُ الله، ورُبَّما كَسَروها لأنَّها صارت حرفاً واحداً فشَبَّهوها بالباءِ، قالوا: وألِفُها ألِفُ وصلٍ عند أكثر النَّحويّينَ، ولم يَجِئ ألِفُ وصلِ مفتوحة غيرها، وقد تَدخُلِ اللّام لِلتَّأكيدِ فيقال: لَيْمُنُ الله، قال الشّاعر: فقال فريقُ القومِ لمَّا نَشَدتُهم: نَعمْ، وفَريقٌ: لَيْمُنُ الله ما نَدري وذهب ابن كَيْسان وابن درستَويه إلى أنَّ ألِفَها ألِفُ قطع، وإنَّما خُفِّفَت همزَتُها وطُرِحَت في الوصل لِگثْرة الاستعمال. وحكى ابن التِّين عن الدَّاوُوديِّ قال: ایْمُ الله معناه: اسم الله، أُبدِلَ السّین یاء، وهو غَلَطُ فاحشٌ؛ لأنَّ السّين لا تُبدَلُ ياءً. وذهب المبرِّدُ إلى أنَّها عِوضُ من واوِ القَسَمِ، وأنَّ معنى قوله: وايْمُ الله: والله لَأَفعَلَن. ونُقِلَ عن ابن عبّاس أنَّ يمين الله من أسماء الله. ومِنه قول امرِئِ القَيْسِ: فقلتُ يمينُ الله أبرَحُ قاعِداً ولو قَطَعوا رأسي لَدَيكِ وأوصالي ومن ثَمَّ قال المالكيَّة والحنفيَّة: إنَّه يمينٌ، وعند الشافعيَّة: إن نَوى اليمين انعَقَدَت، وإن نَوى غير اليمين لم يَنعَقِد يميناً، وإن أطلقَ فوجهان: أصحُّهما: لا يَنعَقِدُ إلّا إن نَوى، وعن أحمد روايتان: أصحُّهما الانعِقاد، وحكى الغَزاليّ في معناه وجهَينِ: أحدهما: أنَّه كقوله: تالله، والثّاني: كقوله: أحلِفُ بالله وهو الرَّاجح، ومنهم مَن سوَّى بينه وبين لَعَمْرُ الله، وفَرَّقَ ٩٩ باب ٣ كتاب الأيمان والنذور الماوَرْدِيُّ بأنَّ(لَعَمرُ الله)) شاعَ في استعمالهم عُرفاً، بخِلَاف (أيْمُ الله). واحتَجَّ بعض مَن قال منهم بالانعقادِ مُطلَقاً بأنَّ معناه: يمين الله، ويمينُ الله مِن صفاتِهِ، وصفاتُه قديمةٌ. وجَزَمَ النَّويُّ في ((التَّهذيب)): أنَّ قول: وايْمُ الله، كقوله: وحَقِّ الله، وقال: إنَّه تَنعَقِدُ به اليمينُ عند الإطلاق، وقد استغربوه. ووَقَعَ في الباب الذي بعده ما يُقوِّيه، وهو قولُه في حديث أبي هريرة (٦٦٣٩) في قصَّة سليمان بن داود عليهما السَّلام: ((وايْمُ الذي نفسُ محمَّدٍ بَيَدِه، لو قال: إن شاء الله لَجَاهَدوا))، والله أعلم. واستَدَلَّ مَن قال بالانعقادِ مُطلَقاً بهذا الحديث، ولا حُجّةَ فيه، إلّا على التَّقدير المتقدِّم وأنَّ معناه: وحَقِّ الله. ثم ذَكرَ حديثَ ابن عمر في بَعْث أسامةَ، وقد تقدَّم شرحُه مُستَوفَّى في آخر المغازي (٤٤٦٨ و٤٤٦٩)، وفي المناقب (٣٧٣٠)، وضُبِطَ قوله فيه: ((وايْمُ الله)) بالهمز وتَركِه، والله أعلم. ٣- بابٌ كيف كانت يمين النبيّ وَّ؟ وقال سَعْدٌ: قال النبيُّ ◌َّ: ((والذي نفسي بيَدِهِ)). وقال أبو قَتَادةَ: قال أبو بكرٍ عندَ النبيِّ وَّ: لا ها الله، إذاً. یقال: والله، وبالله، وتالله./ ٥٢٣/١١ قوله: ((بابٌ كيف كانت يَمِينُ النبيِّ ◌َّهِ؟)) أي: التي كان يُواظِب على القَسَم بها أو يُكثِرِ، وجُملة ما ذُكِرَ في الباب أربعةُ ألفاظٍ: أحدها: ((والذي نفسي بيده))، وكذا ((نفس محمَّد بيدِه))، فبعضها مُصَدَّرٌ بلفظ ((لا))، وبعضُها بلفظ ((أما»، وبعضها بلفظ (أيْم)). ثانيها: ((لا ومُقَلِّبٍ القُلوب))، ثالثها: ((والله))، رابعها: ((ورَبِّ الكعبة)). وأمَّا قوله: ((لاها الله إذاً) فيُؤخَذ مِنه مشروعيَّتَه من تقريره لا من لفظه، والأوَّل أكثرها وُرُوداً، وفي سياق الثّاني إشعار بكَثرَتِه أيضاً، ـَىاللّه وقد وَقَعَ في حديث رِفاعة بن عَرَابَ عند ابن ماجَهْ (٢٠٩٠)، والطبرانيِّ (٤٥٥٦): كان النبيّ ◌َ ١٠٠ باب ٣ فتح الباري بشرح البخاري إذا حَلَفَ قال: ((والذي نفسي بيده)). ولابنِ أبي شَيْبة(١) من طريق عاصم بن شُمَيخ عن أبي سعيد: كان النبيّ ◌ََّ إذا اجتَهَدَ في اليمين قال: (( لا والذي نفسُ أبي القاسم بيَدِه)). ولابنِ ماجَهْ (٢٠٩١) من وجهٍ آخر في هذا الحديث: كانت يَمينُ رسول الله وَّهِ التي تَجلِف بها: ((أَشهَدُ عند الله، والذي نفسي بیَكِه)). ودَلَّ ما سوى الثّالث من الأربعة على أنَّ النَّهي عن الحَلِفِ بغير الله لا يُرادُ به اختصاصُ لفظ الجلالة بذلك، بل يَتناول كلّ اسم أو صِفَة تَّخْتَصّ به سبحانه وتعالى، وقد جَزَمَ ابن حَزْم - وهو ظاهرُ كلام المالكيَّة والحنفيَّة - بأنَّ جميع الأسماء الواردة في القرآن والسُّنّة الصَّحيحة، وكذا الصِّفات، صريحٌ في اليمين تَنْعَقِد به، وتجب لمخالفَتِهِ الكفَّارة، وهو وجهٌ غريبٌ عند الشافعيَّة، وعندهم وجهٌ أغرَبُ مِنه: أنَّه ليس في شيءٍ من ذلك صريح إلّا لفظ الجَلالة، وأحاديث الباب تَرُدُّه. والمشهور عندهم وعند الحنابلة أنَّها ثلاثةُ أقسام: أحدها: ما يَخْتَصّ به، كالرَّحمنِ وَرَبّ العالمينَ وخالق الخَلْق، فهو صريح تَنعَقِد به اليمين، سواء قَصَدَ اللهَ أو أطلقَ. ثانيها: ما يُطلَق عليه وقد يقال لغيره لكن بقَيدِ، كالرَّبِّ والحقّ، فَتَنْعَقِد به اليمين إلّا إن قَصَدَ به غيرَ الله. ثالثها: ما يُطلَق على السَّواء، كالحيِّ والموجود والمؤمن، فإن نَوى غير الله أو أطلقَ فليس بيمينٍ، وإن نَوى به الله انعَقَدَ على الصَّحیح. وإذا تَقرَّرَ هذا فمِثل: ((والذي نفسي بَيَدِه)) يَنصَرِف عند الإطلاق لله جَزْماً، فإن نَوى به غيره كمَلَكِ الموت مثلاً، لم يَخْرُج عن الصَّراحة على الصَّحيح، وفيه وجهٌ عن بعض الشافعيَّة وغيرهم، ويلتَحق به: ((والذي فَلَقَ الْحَبّةَ، ومُقَلِّب القلوب))، وأمَّا مِثل: ((والذي أعبُدُه، أو أسجُدُ له، أو أُصَلّي له)) فصريحٌ جَزماً. وُجُملة الأحاديث المذكورة في هذا الباب عِشرونَ حديثاً: الحديث الأول: قوله: ((وقال سَعْد)) هو ابن أبي وقّاصٍ، وقد مضى الحديث المشارُ إليه (١) برقم (١٢٦٠٢) طبعة الجمعة واللحيدان.