النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ باب ١ / ح ٦٥٩٤ كتاب القدر الذي تقتضيه الخِلقةُ واستواءُ الصّورة، ثمَّ يكونُ للمَلَكِ فيه تَصَوُّر آخرُ، وهو وقت نَفْخ الرّوح فيه حين يَكمُلُ له أربعةُ أشهُرٍ، كما اتَّفَقَ عليه العلماء أنَّ نَفْخ الرّوح لا يكونُ إلّا بعد أربعة أشهُر. انتهى مُلخَّصاً. وقد بَسَطَه ابنُ الصَّلاح في ((فتاويه)) فقال ما مُلخّصُه: أعرَضَ البخاريّ عن حديث حُذَيفةِ بن أَسِيدٍ إمّا لكَونِه من رواية أبي الطَّفَيل عنه، وإمّا لكَونِه لم يَرَه مُلتَئِماً مع حديث ابنِ مسعودٍ، وحديثُ ابنِ مسعودٍ لا شَكَّ في صِحَّته، وأمَّا مسلمٌ فأخرجهما معاً، فاحتَجنا إلى وجه الجمع بينهما بأن يُحمَلَ إرسالُ الملَكِ على التعدُّد، فمرَّةً في ابتداءِ الأربعينَ الثّانية، وأُخرى في انتهاء الأربعينَ الثّالثة لنَفخِ الرّوح، وأمَّا قوله في حديث حُذَيفة في ابتداء الأربعينَ الثّانية: ((فَصَوَّرَها)) فإنَّ ظاهرَ حديث ابنٍ مسعود أنَّ التَّصوير إنَّما يقع بعد أن تَصيرَ مُضْغة، فيُحمَلِ الأوَّل على أنَّ المراد أنَّه يُصَوِّرُها لفظاً وكَتباً لا فعلاً، أي: يَذكُر كيفيَّة تصويرها ويَكْتُّبُها، بدليلٍ أنَّ جَعْلَها ذَكَراً أو أُنثَى إِنَّما يكونُ عند المضغة. قلت: وقد نُوزِعَ في أنَّ التَّصوير حقيقةً إنَّما يقع في الأربعينَ الثّالثة بأنَّه شوهِدَ في کثیرٍ من الأجِنّة التَّصويرُ في الأربعينَ الثّالثة(١)، وتمييز الذَّكَر على الأُنثَى، فعلى هذا فيحتمل أن يقال: أوَّلُ ما يَبتَدِئ به الملَك تَصويرُ ذلك لفظاً وكتباً، ثمَّ یَشرَع فیه فعلاً عند استكمال العَلَقة، ففي بعض الأجِنّة يَتقدَّم ذلك وفي بعضها يَتأخّر، ولكن بَقِيَ في حديث حُذيفة بن أَسِيدٍ: أَنَّه ذكر العَظم واللَّحم، وذلك لا يكونُ إلّا بعد أربعين العَلَقة، فيقوی ما قال عِیَاض ومَن تَبِعَه. قلت: وقال بعضهم: يحتمل أن يكونَ الملَك عند انتهاء الأربعينَ الأولى يَقِم النُّطفةَ إذا صارت عَلَقة إلى / أجزاء، بحَسَبِ الأعضاء، أو يَقسِم بعضها إلى جِلٍ وبعضها إلى لحم ٤٨٥/١١ وبعضها إلى عظم، فيُقدَّر ذلك كلّه قبل وجوده، ثمَّ يَتَهيّأُ ذلك في آخر الأربعينَ الثّانية، ويَتكامل في الأربعينَ الثّالثة. (١) في (س): الثانية. ٢٢ باب ١ / ح ٦٥٩٤ فتح الباري بشرح البخاري وقال بعضهم: معنى حديث ابنِ مسعود: أنَّ النُّطفة يَغِلِب عليها وصف المنيِّ في الأربعينَ الأولى، ووصفُ العَلَقة في الأربعينَ الثّانية، ووصفُ المضغة في الأربعينَ الثّالثة، ولا يُنافي ذلك أن يَتقدَّم تصویره. والرَّاجح أنَّ التَّصوير إنَّما يقع في الأربعينَ الثّالثة. وقد أخرج الطَّبَرَيُّ (١٦٩/٣) من طريق السُّدِّيّ في قوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِى يُصَوِّرُكُمْ فِ آلْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ﴾ [آل عمران: ٦] قال: عن مُّة الهَمْدانيِّ عن ابنِ مسعودٍ - وذكر أسانيدَ أُخرى(١) - قالوا: إذا وَقَعَتِ النُّطفةُ في الرَّحِمِ طارَت في الجسد أربعينَ يوماً، ثمَّ تكونُ عَلَقةً أربعينَ يوماً، ثمَّ تكونُ مُضْغَةً أربعينَ يوماً، فإذا أراد الله أن يَخلُقَها بَعَثَ مَلَكاً فصَوَّرَها كما يُؤْمَر. ويُؤيِّده حديث أنسٍ ثاني حديثَي الباب حيثُ قال بعدَ ذِكْرِ النُّطْفة ثمَّ العَلَقة ثمَّ المضغة: ((فإذا أراد الله أن يقضيَ خلْقَها قال: أي رَبِّ أَذَكَرٌ أم أُنْشَى؟)) الحديث. ومالَ بعضُ الشُّرَاحِ المتأخّرونَ(٢) إلى الأخذ بما دَلَّ عليه حديث حُذَيفة بن أَسِيدٍ من أنَّ التَّصوير والتَّخليق يقع في أوائل(٣) الأربعينَ الثّانية حقيقةً، قال: وليس في حديث ابنِ مسعود ما يَدِفَعُه. واستَنَدَ إلى قول بعض الأطِّاء أنَّ المنيَّ إذا دخل في الرَّحِم حَصَلَ له زَبَديَّةٌ ورَغْوةٌ في ستّة أيامٍ أو سبعةٍ، من غير استمدادٍ من الرَّحِم، ثمَّ يَستَمِدٌ من الرَّحِم وتبتدىء فيه الخُطوط بعد ثلاثة أيام أو نحوِها، ثمَّ في الخامسَ عشرَ يَنفُذُّ الدَّمُ إلى الجميع، فيصيرُ عَلَقَةً، ثمَّ تَتَميّزُ الأعضاءُ وتَتَدُّ رُطوبةُ النُّخاعِ، ويَنفَصِلُ الرَّأسُ عن المنكِينِ، والأطرافُ عن الأصابع، تمييزاً يظهر في بعضٍ ويَخْفَى في بعضٍ، ويَنْتَهي ذلك إلى ثلاثينَ يوماً في الأقلّ، وخمسةٍ وأربعينَ في الأكثر، لكن لا يُوجَد ◌ِقْطٌ ذَكَر قبل ثلاثينَ، ولا أُنْثَى قبل خمسةٍ وأربعينَ، قال: فيكونُ قوله: ((فيَكتُب)) معطوفاً على قوله: ((يُجمَع)). وأمَّا قوله: (ثمَّ يكونُ عَلَقة مِثل ذلك)) فهو من تمام الكلام الأوَّل، وليس المراد أنَّ الكتابة لا تقع إلّا (١) في الطبري بدل قوله: وذكر أسانيد أخرى: وعن ناس من أصحاب النبي وَّ. (٢) يعني بذلك ابن رجب الحنبلي في ((جامع العلوم والحكم)) ص١٥٩ - ١٦٩. (٣) في (س): أواخر، وهو خطأ، والمثبت من الأصلين. ٢٣ باب ١ / ح ٦٥٩٤ كتاب القدر عند انتهاء الأطوار الثلاثة، فيُحمَل على أنَّه من ترتيب الأخبار لا من ترتيب المخبر به، ويحتمل أن يكونَ ذلك من تَصَرُّف الزُّواة برواياتهم بالمعنى الذي يفهمونَه. كذا قال، والحَمْل على ظاهرِ الأخبار أوْلى، وغالبُ ما نُقِلَ عن هؤلاءِ دَعاوَى لا دلالة عليها. قال ابنُ العربيّ: الحكمةُ في كَونِ الملَك يَكتُب ذلك كَونُه قابلاً للنَّسخ والمحو والإثبات، بخِلَاف ما كَتبَه الله تعالى فإنَّه لا يَتغيَّر. قوله: ((ثُمَّ يَنفُخ فيه الرّوحَ» كذا ثَبَتَ في رواية آدم عن شُعْبة في التَّوحيد (٧٤٥٤) وسَقَطَ في هذه الرِّواية، ووَقَعَ في رواية مسلم (٢٦٤٣) من طريق أبي معاوية وغيره: ((ثُمَّ يُرسَل إليه الملَك، فَيَنْفُخ فيه الرّوح، ويُؤْمَر بأربع كلمات)) وظاهره قبل الكتابة، ويُجمَع بأنَّ رواية آدم صريحة في تأخير النَّفْخ؛ للتَّعبير بقولِه: (ثمَّ))، والرِّواية الأُخرى مُتَمِلة فتُرَدّ إلى الصَّريحة، لأنَّ الواو لا تُرَتِّب فيجوز أن تكون مَعطوفةً على الجملة التي تليها وأن تكون مَعطوفةً على جملة الكلام المتقدِّم، أي: يُجمَع خَلْقه في هذه الأطوار ويُؤمَر الملَك بالكَتْب، وتَوسَّطَ قوله: ((يَنْفُخ فيه الرّوح)) بين الجمل، فيكون من ترتيب الخبر على الخبر لا من ترتيب الأفعال المخبر عنها. ونَقَلَ ابن الزَّمْلَكانيّ عن ابن الحاجب في الجواب عن ذلك: أنَّ العرب إذا عَبَّرَت عن أمر بعدَه ◌ُمورٌ متعدِّدةٌ ولبعضِها تَعلَّق بالأوَّل، حَسُنَ تقديمه لفظاً على البقيَّة وإن كان بعضها مُتَقَدِّماً عليه وجوداً، وحَسُنَ هنا لأنَّ القَصْد ترتيب الخَلْق الذي سِيقَ الكلامُ لأجلِه. وقال عِيَاض: اختَلَفَت ألفاظ هذا الحديث في مَواضِع، ولم يُخْتَلَف أنَّ نَفخَ الرُّوح فيه بعد مِئَةٍ وعشرينَ يوماً، وذلك تمام أربعة أشهُر ودُخولُه في الخامس، وهذا موجود بالمشاهَدة، وعليه يُعوَّل فيما يُحتاج إليه من الأحكام في الاستِلْحاق عند التَّنازُع وغير ذلك بحركة الجنين في الجوف، وقد قيل: إنَّه الحِكمَة في عِدّة المرأة من / الوفاة بأربعةِ أشهُرٍ وعَشْرٍ وهو ٤٨٦/١١ الدُّخول في الخامس، وزيادة حُذيفة بن أَسِيدٍ مُشعِرةٌ بأنَّ الملَك لا يأتي لرأسِ الأربعينَ بل بعدَها، فيكون مجموع ذلك أربعة أشهر وعشراً. ٢٤ باب ١ / ح ٦٥٩٤ فتح الباري بشرح البخاري وهو مُصرَّح به في حديث ابن عبّاس: ((إذا وَقَعَتِ النُّطفة في الرَّحِم مَكَثَت أربعة أشهُر وعشراً، ثمَّ يُنفَخ فيها الرّوح))(١). وما أشارَ إليه من عِدّة الوفاة جاء صريحاً عن سعيد بن المسيّب، فأخرج الطَّبَريُّ عنه: أنَّه سُئلَ عن عِدّة الوفاة، فقيلَ له: ما بال العَشْرة بعد الأربعة أشهُر؟ فقال: يُنْفَخ فيها الرّوحِ. وقد تَسَّكَ به مَن قال - كالأوزاعيِّ وإسحاق -: إنَّ عِدّة أمّ الولد مِثْلُ عِدّة الحُرّة، وهو قويّ، لأنَّ الغرض استبراء الرَّحِم فلا فرق فيه بين الحُرّة والأمة، فيكون معنى قوله: (ثُمَّ يُرسَل إليه الملَك)) أي: لتَصْويرِهِ وتَخليقِه، وكتابة ما يَتَعلَّق به، فيَنفُخ فيه الرّوح إثر ذلك كما دَلَّت عليه رواية البخاريّ وغيره. ووَقَعَ في حديث عليّ بن عبد الله عند ابن أبي حاتم: ((إذا تَمَّت للنُّطفة أربعة أشهُر بَعَثَ الله إليها مَلَكاً، فَيَنفُخ فيها الرّوح، فذلك قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْتَهُ خَلْقَا ءَاخَرَ﴾))، وسندُه مُنْقَطِعٌ، وهذا لا يُنافي التَّقِيد بالعشرة الزائدة. ومعنى إسناد النَّفَخ للمَلَكِ: أنَّه يفعله بأمرِ الله، والنَّفخ في الأصل: إخراج ريح من جوف النافخ ليَدخُل في المنفوخ فيه، والمراد بإسنادِه إلى الله تعالی: أن يقول له: گُن فیکون. وَمَعَ بعضهم بأنَّ الكتابة تقع مرَّتَين: فالكتابة الأولى في السماء والثّانية في بطن المرأة، ويحتمل أن تكون إحداهما في صحيفة والأخرى على جَبين المولود، وقيل: يختلف باختلاف الأجِنّة، فبعضها كذا وبعضها كذا، والأوَّل أوْلى. قوله: (فوالله إنَّ أحدكم)» في روایة آدم: «فإنَّ أحدکم)، ومثله لأبي داود (٤٧٠٨) عن شُعْبة وسفيان جميعاً، وفي رواية أبي الأحوص: ((فإنَّ الرجل منكم لَيعمَل))(٢)، ومثله في رواية حفص دونَ قوله: ((مِنكم))، وفي رواية ابن ماجَهْ (٧٦): «فوالذي نفسي بيده)، وفي رواية مسلم (٢٦٤٣) والتِّرمِذيّ (٢١٣٧) وغيرهما: ((فوالله الذي لا إلهَ غيره إنَّ أحدكم لَيعمل)»، لكن وَقَعَ عند أبي عَوَانة وأبي نُعَيم في ((مُستَخرَجَيهما)) من طريق يحيى القَطّان عن (١) عزاه الحافظ قبل صفحات لـ((فوائد المخلص))، قلنا: وقد أخرجه أيضاً اللالكائي في ((شرح أصول الاعتقاد)) (١٠٦٠). (٢) سلفت برقم (٣٢٠٨). ٢٥ باب ١ / ح ٦٥٩٤ كتاب القدر الأعمَش قال: ((فوالذي لا إله غيره). وهذه مُتَمِلة لأن يكون القائل النبيّ وََّ، فيكونَ الخبر كلُّه مرفوعاً، ويُحتَمل أن يكون بعض رواته، ووَقَعَ في روايةٍ وَهْب بن جَرِير عن شُعْبة بلفظ: ((حتَّى إِنَّ أحدكم لَيعمل))، ووَقَعَ في رواية زيد بن وَهْب ما يقتضي أنَّه مُدرَج في الخبر من كلام ابن مسعود، لكنَّ الإدراجَ لا يَئُبُت بالاحتمال، وأكثر الرِّوايات يقتضي الرَّفع إلّا رواية وهب بن جَرِير فبعيدة من الإدراج، فأخرج أحمد (٣٩٣٤) والنَّسائيُّ (ك ١١١٨٢) من طريق سَلَمة بن كُهَيل عن زيد بن وَهْب عن ابن مسعود نحو حديث الباب، وقال بعد قوله: ((واكتُبه شَقّاً أو سعيداً)): ((ثمَّ قال: والذي نفس عبد الله بيَدِه إنَّ الرجل لَيعمل)»، كذا وَقَعَ مُفَصَّلاً في رواية جماعة عن الأعمش، منهم: المسعوديّ وزائدة وزُهَير ابن معاوية وعبد الله بن إدريس وآخرونَ فیما ذكره الخطيب. وقد روى أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه أصل الحديث بدون هذه الزّيادة، وكذا أبو وائل وعَلْقمة وغيرهما عن ابن مسعود، وكذا اقتَصَرَ حبيب بن حسَّان عن زيد بن وهب، وكذا وَقَعَ في مُعظَم الأحاديث الواردة عن الصحابة، کأنسٍ في ثاني حديثَي الباب، وحُذَيفة بن أَسِيدٍ وابن عمر، وكذا اقتَصَرَ عبد الرَّحمن بن حُميدِ الرُّؤاسِيّ عن الأعمَش(١) على هذا القَدر. نعم، وَقَعَت هذه الزّيادة مرفوعة في حديث سهل بن سعد الآتي بعد أبواب (٦٦٠٧)، وفي حديث أبي هريرة عند مسلم (٢٦٥١)، وفي حديث عائشة عند أحمد (٢٤٧٦٢)، وفي حديث ابن عمر والعُرس بن عَميرة في البزَّار(٢)، وفي حديث عَمْرو بن العاص وأكثَم بن أبي الجَون في الطبرانيّ(٣)، لكن وَقَعَت في حديث أنس من وجه آخر قويٌّ مُفرَدة من رواية ◌ُميدٍ عن الحسن البصريِّ عنه، ومن الرُّواة مَن حَذَفَ الحسن بين حُميدٍ وأنس(٤)، فكأنَّه كان (١) لم تقع على رواية الرؤاسي عن الأعمش فيما بين أيدينا من مصادر. (٢) حديث ابن عمر عند البزار (٦٠١٤)، وحديث العرس في ((كشف الأستار)) (٢١٥٩). (٣) رواية عمرو بن العاص، لعله يعني رواية ابنه عبد الله كما سلف تخريجها في بداية الشرح، وقد أوردها الهيثمي في ((المجمع)) ٧/ ٢١٣، أما رواية أكثم فهي عند الطبراني (٨٧٢). وقد سلف تخريج كل هذه الروايات في بداية الشرح. (٤) أخرجه أحمد (١٢٢١٤) من طريق حميد، عن أنس. وانظر تمام تخريجه فيه. ٢٦ باب ١ / ح ٦٥٩٤ فتح الباري بشرح البخاري ٤٨٧/١١ تامّاً عند أنس فحدَّث به مُفرَّقاً، فحَفِظَ بعضُ أصحابه ما لم يحفظ الآخر عنه، فیقوی علی/ هذا أنَّ الجميع مرفوعٌ، وبذلك جَزَمَ المحِبّ الطَّبَريّ، وحينئذٍ تُحمَل رواية سَلَمة بن كُهَيل عن زيد بن وَهْب على أنَّ عبد الله بن مسعود لِتَحقُّقِ الخبر في نفسه أقسَمَ عليه، ويكون الإدراج في القَسَمِ لا في المقسَم عليه، وهذا غاية التَّحقيق في هذا الموضع. ويُؤَيِّد الرَّفع أيضاً أنَّه ممّاً لا مجالَ للَّأي فیه، فیکون له حُكم الرَّفع. وقد اشتَمَلَت هذه الجملة على أنواع من التَّأكيد بالقَسَمِ، ووصف المقسَم به، وبإنَّ، وباللّام. والأصل في التَّأكيد أنَّه يكون لمُخاطَبة المنكِرِ أو المستَبعِد، أو مَن يُتوهّم فيه شيء من ذلك، وهُنا لمَّا كان الحُكم مُستَبَعَداً وهو دخول مَن عَمِلَ الطاعة طولَ عُمُره النارَ وبالعكس، حَسُنَ المبالَغة في تأكيد الخبر بذلك، والله أعلم. قوله: ((أحدكم - أو الرجل - لَيَعمَل)) وَقَعَ في رواية آدم: ((فإنَّ أحدكم)) بغير شَكٌّ، وقَدَّمَ ذِكْر الجنَّة على النار، وكذا وَقَعَ للأكثرِ، وهو كذا عند مسلم وأبي داود والتِّرمِذيّ وابن ماجه، وفي رواية حفص: ((فإنَّ الرجل)) وأَخَّرَ ذِكْر النار كآدم، وعَكَسَ أبو الأحوص ولفظُه: ((فإنَّ الرجلَ منكم))(١). قوله: ((بعَمَلِ أهل النار)) الباء زائدة، والأصل: يعمل عمَلَ أهل النار، لأنَّ قوله: ((عمل)) إمّا مفعولٌ مُطلَق وإمّا مفعول به، وكلاهما مُستَغنٍ عن الحرف، فكان زيادةُ الباء للتَّأكيدِ، أو ضُمِّنَ ((يعمل)) معنى: يَتَلَبَّس في عمله بعَمَلِ أهل النار. وظاهرُه أنَّه يعمل بذلك حقيقةً ويُخْتَم له بعكسِه، وسيأتي في حديث سهل بلفظ: ((لَيعمل بعَمَلِ أهل الجنَّة فيما يَبدو للنّاس))(٢)، وهو محمول على المنافقِ والمرائي، بخِلَاف حديث الباب، فإنَّه يَتَعلَّق بسوءِ الخاتمة. قوله: «غیر ذِراع، أو باع» في رواية الگُشْمِھنيّ: «غیر باعٍ، أو ذِراع)، وفي رواية أبي الأحوص: ((إلّا ذِراع)) ولم يَشُكَّ، وقد عَلَّقَها المصنّف لآدم في آخر هذا الحديث، ووصَلَ الحديث كلَّه في التَّوحيد عنه، ومثلُه في رواية أبي الأحوص. والتَّعبير بالذِّراع تمثيل بقُربٍ (١) سلفت رواية حفص برقم (٣٣٣٢)، ورواية أبي الأحوص برقم (٣٢٠٨). (٢) سيأتي برقم (٦٦٠٧) دون قوله: ((فيما يبدو للناس)). وقد سلف بها برقم (٢٨٩٨). ٢٧ باب ١ / ح ٦٥٩٤ كتاب القدر حالِهِ من الموت، فيُحالُ من بينه وبين المكان المقصود بمقدار ذِراع أو باع من المسافة، وضابِط ذلك الحِسِّيُّ الغَرغَرة التي جُعِلَت علامةً لعَدَمِ قَبُول التَّوبة. وقد ذُكِرَ في هذا الحديث أهل الخير صِرْفاً، وأهل الشرّ صِرْفاً إلى الموت، ولا ذِكْر للَّذينَ خَلَطوا وماتوا على الإسلام، لأنَّه لم يَقصِد في الحديث تعمِيمَ أحوال المكلَّفِينَ، وإنَّما سِيقَ لبيان أنَّ الاعتبارَ بالخاتمة. قوله: ((بعَمَلِ أهل الجنَّة)) يعني: من الطاعات الاعتقاديَّة والقوليَّة والفعليَّة، ثمَّ يحتمل أنَّ الحَفَظَةَ تَكتُب ذلك ويُقبَل بعضُها ويُرَدُّ بعضُها، ويحتمل أن تقع الكتابة ثمَّ تُمُحَى، وأمَّا القَبُول فيَتَوقَّفُ على الخاتمة. قوله: ((حتَّى ما يكون)) قال الطِّييُّ: ((حَتَّى)) هنا الناصبة، و((ما)) نافية، ولم تَكُفَّ ((يكون)» عن العمل، فهي منصوبةٌ بحتَّى، وأجازَ غيره أن تكون ((حتَّى)) ابتدائيَّةً، فتكون على هذا بالرَّفع، وهو مُستَقِيمٌ أيضاً. قوله: (فيَسِقُ عليه الكتابُ) في رواية أبي الأحوص: ((كتابه)) والفاء في قوله: ((فَيَسْبِقِ)) إشارة إلى تعقيب ذلك بلا مُهلةٍ، وضُمِّنَ ((يَسبِقُ)) معنى: يَغْلِبُ، قاله الطِّيبيّ. وقوله: ((عليه)) في موضع نصبٍ على الحال، أي: يَسْبِقُ المكتوبُ واقعاً عليه. وفي رواية سَلَمة بن كُهَيل: (ثُمَّ يُدرِكُه الشَّقاء))، وقال: ((ثمَّ تُدرِكُه السَّعادة)). والمراد بسَبِقِ الكتاب: سَبق ما تَضَمَّنَه، على حذف مُضافٍ، أو المرادُ بالكتاب المكتوبُ، والمعنى: أنَّه يَتَعَارَضُ(١) عملُه في اقتضاءِ السَّعادة والمكتوبُ في اقتضاء الشَّقاوة، فيَتَحقَّقُ مُقْتَضَى المكتوب، فعَبَّرَ عن ذلك بالسَّبِقِ؛ لأنَّ السابِقِ يَحصُلُ مُرادُه دونَ المسبوق، ولأنَّه لو تَمَثَّلَ العملُ والكتابُ شَخصَينٍ ساعيَينٍ، لَظَفِرَ شَخصُ الكتاب وغُلِبَ شَخص العمل. ووَفَعَ في حديث أبي هريرة عند مسلم: ((وإنَّ الرجل لَيعملُ الَّمانَ الطَّيلَ بعَمَلِ أهلِ النار، ثُمَّ يُخْتَمُ له بعَمَلِ أهل الجنَّة)». زاد أحمد (٧٧٤٢) من وجهٍ آخرَ عن أبي هريرة: ((سبعينَ سنة)). (١) في (ع): يتغاير. ٢٨ باب ١ / ح ٦٥٩٤ فتح الباري بشرح البخاري وفي حديث أنسٍ عند أحمد (١٢٢١٤)، وصَحَّحَه ابنِ حِبّان (٣٤١): ((لا عليكم أن لا تَعجَبوا بعَمَلِ أحدٍ حَتَّى تَنظُرُوا بِمَ يُخْتَم له، فإنَّ العامل يعملُ زماناً من عُمُره بعَمَلٍ صالحٍ، ٤٨٨/١١ لو ماتَ عليه دَخَلَ الجنَّة، ثمَّ يَتَحوَّل فيعملُ عملاً/ سَيِّئًا)) الحديث(١). وفي حديث عائشةَ عند أحمد (٢٤٧٦٢) مرفوعاً: ((إنَّ الرجل لَيعمَلُ بعَمَلِ أهل الجنَّة، وهو مكتوبٌ في الكتاب الأوَّل من أهل النار، فإذا كان قبل موته تَحوَّلَ، فعَمِلَ عملَ أهل النار، فماتَ فدَخَلَها)) الحديث. ولأحمد (٦٥٦٣) والنَّسائيِّ (ك١١٤٠٩) والتِّرمِذيّ (٢١٤١) من حديث عبد الله بن عَمْرو: خَرَجَ علينا رسول الله وَّه وفي يدِه كتابان ... الحديث، وفيه: «هذا كتابٌ من رَبِّ العالمينَ فيه أسماءُ أهلِ الجنَّة وأسماءُ آبائهم وقَبائِلهم، ثمَّ أُجْمِلَ على آخرِهم فلا يُزادُ فيهم ولا يُنقَصُ منهم أبداً))، فقال أصحابه: ففيمَ العمل؟ فقال: ((سَدِّدُوا وقارِبوا، فإنَّ صاحبَ الجنَّة يُخْتَم له بعَمَلِ أهل الجنَّة وإن عَمِلَ أيَّ عملٍ)) الحديث(٢). وفي حديث عليٍّ عند الطبرانيّ(٣) نحوه وزادَ: ((صاحبُ الجنَّة مَخَتومٌ له بعَمَلِ أهل الجنَّة، وإن عَمِلَ أيَّ عملٍ، وقد يُسلَكُ بأهلِ السَّعادة طريقَ أهلِ الشَّقاوة حتَّى يقال: ما أشْبَهَهم بهم بل هم مِنْهم، وتُدرِكُهم السَّعادةُ، فَتَستَنِقِذُهم)) الحديث. ونحوه للبزَّار (٥٧٩٣) من حدیث ابنِ عمرَ. وسيأتي حديث سهل بن سعد بعد أبواب (٦٦٠٧)، وفي آخره: ((إنَّما الأعمال بالخَواتيمِ)). ومثله في حديث عائشة عند ابنٍ حِبّان (٣٤٠). ومن حديث معاويةَ (٣٣٩) نحوه. وفي آخر حديث عليٍّ المشار إليه قبل: «الأعمال بخَواتيمِها». وفي الحديث أنَّ خلق السَّمع والبَصَر يقع والجَنينُ داخلَ بطن أمِّه، وقد زَعَمَ بعضهم (١) رواية ابن حبان مختصرة. (٢) إسناده ضعيف. (٣) في ((الأوسط)) (٥٢١٩). ٢٩ باب ١ / ح ٦٥٩٤ كتاب القدر أنَّه يُعطَى ذلك بعد خروجه من بطنِ أمِّه، لقولِه تعالى: ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَحَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَدِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَاَلْأَبْصَرَ وَالْأَفْعِدَةَ﴾ [النحل: ٧٨]، وتُعقِّبَ بأنَّ الواو لا تُرَتِّب، والتَّحقيق أنَّ خلق السَّمع والبَصَر وهو في بطن أمِّه محمولٌ جَزماً على الأعضاء، ثُمَّ على القوّة الباصِرَة والسامِعة لأنَّها مودَعةٌ فيها، وأمَّا الإدراكُ بالفعلِ فهو موضع النِّزاع، والذي يترجَّح أنَّه يتوقَّف على زَوَال الحِجَاب المانع. وفيه أنَّ الأعمال حسَنَها وسَيِّئَها أماراتٌ وليست بموجِباتٍ، وأنَّ مَصيرَ الأُمور في العاقبة إلى ما سَبَقَ به القضاء وجَرَى به القَدَر في الابتداء، قاله الخطّابِيّ. وفيه القَسَم على الخبر الصِّدْق تأكيداً في نفسِ السامع. وفيه إشارة إلى عِلم المبدأ والمعاد، وما يَتَعلَّق بَدَنِ الإنسان وحاله في الشَّقاء والسَّعادة. وفيه عِدّة أحكام تتعلَّق بالأُصولِ والفُروع والحكمة وغير ذلك. وفيه أنَّ السَّعيد قد يَشقَى، وأنَّ الشَّقيَّ قد يَسعَدُ، لكن بالنّسبة إلى الأعمال الظّاهرة، وأمَّا ما في علم الله تعالى فلا يَتغيّر. وفيه أنَّ الاعتِبار بالخاتمة، قال ابنُ أبي جَمْرةَ: هذه التي قَطَعَت أعناقَ الرِّجال مع ما هم فيه من حُسْن الحال، لأنَّهم لا يَدرونَ بماذا يُخْتَم لهم. وفيه أنَّ عُمُومٍ مِثل قوله تعالى: ﴿ مَنْ عَيِلَ صَالِحًا مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَتُحْبِيَنَّهُ. حَيَوَةً طَيِّبَةٌ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ الآية [النحل: ٩٧]، مخصوص بمَن ماتَ على ذلك، وأنَّ مَن عَمِلَ عَمَلَ السَّعادة وخُتِمَ له بالشَّقاءِ فهو في طولِ عُمُره عند الله شقيٌّ، وبالعكس، وما وَرَدَ ممَّا يُخالفُه يُؤَوَّلُ إلى أن يَؤولَ إلى هذا، وقد اشتُهِرَ الخِلَاف في ذلك بين الأشعَريَّة والحنفيَّة، وَسَّكَ الأشاعرة بمِثلِ هذا الحديث، وتَمَسَّكَ الحنفيَّة بقولِهِ تعالى: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩]، وأكثرَ كلٌّ من الفريقَينِ الاحتجاجَ لقولِهِ، والحقُّ أَنَّ النّراعَ لفظيٍّ، وأنَّ الذي سَبَقَ في عِلم الله لا يَتغيَّر ولا يَتَبَدَّل، وأنَّ الذي يجوز عليه التّغيير والتَّبديل ما يَبدو للنّاس من عَمَلِ العاملِ، ولا يَبِعُدُ أن يَتَعلَّق ذلك بما في عِلم الحَفَظة والموكَّلينَ بالآدميِّ، ٣٠ باب ١ / ح ٦٥٩٤ فتح الباري بشرح البخاري فيقع فيه المحو والإثبات، كالزّيادة في العُمُر والنَّقص، وأمَّا ما في عِلم الله فلا مَحَوَ فيه ولا إثباتَ، والعلم عند الله. وفيه التَّنبيه على صِدْق الْبَعث بعد الموت، لأنَّ مَن قَدَرَ على خَلْقِ الشَّخص من ماءٍ مَهينٍ، ثمَّ نَقَلَه إلى العَلَقة، ثمَّ إلى المضغة، ثمَّ يَنفُخ الرّوح فيه، قادِرٌ على نَفْخ الرُّوح بعد أن يصيرَ تراباً، ويجمع أجزاءَه بعد أن يُفرِّقَها، ولقد كان قادراً على أن يَخْلُقَه دفعةً واحدةً، ولكنِ اقتَضَتِ الحكمة بنَقلِه في الأطوار رِفقاً بالأُمِّ، لأنَّها لم تكن مُعتادةً فكانت المشَقّة تَعظُم عليها، فهَيَّه في بطنها بالتَّدريجِ إلى أن تَكامَلَ، ومَن تأمَّلَ أصلَ خَلْقِه من نُطْفة ٤٨٩/١١ وتَتَقَّلَه في / تلكَ الأطوار إلى أن صارَ إنساناً جميل الصّورة، مُفَضَّلاً بالعقلِ والفَهم والنُّطْق، كان حَقّاً عليه أن يَشكُر مَن أنشأه وهَيَّاه، ويَعْبُدَه حَقَّ عبادَتِهِ، ويُطيعَه ولا يَعِصِیَه. وفيه أنَّ في تقدير الأعمال ما هو سابِقٌ ولاحقٌّ، فالسابق ما في عِلم الله تعالى، واللّاحق ما يُقدَّر على الجنين في بطن أمِّه كما وَقَعَ في الحديث، وهذا هو الذي يقبل النَّسخ، وأمَّا ما وَقَعَ في ((صحيح مسلم)) (٢٦٥٣) من حديث عبد الله بن عَمْرٍو (١) مرفوعاً: «كَتَبَ الله مقادير الخلائق قبل أن يَخْلُّق السَّماوات والأرض بخمسينَ ألف سنةٍ)) فهو محمول على كتابة ذلك في اللَّوح المحفوظ على وفق ما في علم الله سبحانه وتعالى. واستُدِلَّ به على أنَّ السِّقط بعد الأربعة أشهُر يُصَلَّى عليه، لأنَّه وقتُ نَفْخ الرّوح فيه، وهو منقولٌ عن القديم للشّافعيِّ، والمشهورُ عن أحمد وإسحاق، وعن أحمد: إذا بَلَغَ أربعة أشهُرٍ وعشراً ففي تلكَ العَشْرِ يُنفَخ فيه الرّوحِ ويُصَلَّى عليه، والرَّاجح عند الشافعيَّة: أنَّه لا بُدَّ من وجود الرّوح، وهو الجديد، وقد قالوا: فإذا بَكَى أو اختَلَجَ أو تَنَفَّسَ، ثمَّ بَطَلَ ذلك، صُلِّيَ عليه وإلّا فلا، والأصل في ذلك ما أخرجه النَّسائيُّ (ك٦٣٢٤) وصَخَّحَه ابنُ حِبّان (٦٠٣٢) والحاكم (٤/ ٣٤٨-٣٤٩) عن جابر رَفَعَه: ((إذا استهَلَّ الصبيُّ وُرِّثَ وصُلِّيَ عليه))، وقد ضَعَّفَه النَّوويّ في ((شرح المهذَّب)، والصَّواب أنَّه صحيح الإسناد، لكنَّ المرجَّحَ عند الحُفّاظ وقفُه، (١) تحرف في (س) إلى: عمر. ٣١ باب ١ / ح ٦٥٩٤ كتاب القدر وعلى طريق الفقهاءِ لا أثرَ للتَّعليلِ بذلك، لأنَّ الحُكم للرَّفع لزيادَتِهِ(١)، قالوا: وإذا بَلَغَ مئة وعشرينَ يوماً غُسِّلَ وكُفِّنَ ودُفِنَ بغير صلاةٍ، وما قبل ذلك لا يُشرَع له غُسْل ولا غيره. واستُدِلَّ به على أنَّ التَّخليق لا يكونُ إلّا في الأربعينَ الثّالثة، فأقلّ ما يَتَبِيَّن فيه خَلْق الولدِ أحدٌ وثمانونَ يوماً وهي ابتداء الأربعينَ الثّالثة، وقد لا يَتَبَيَّنُ إلّا في آخرها، ويَتَرَّب على ذلك أنَّه لا تَنقَضي العِدّة بالوضع إلّا ببلوغِها، وفيه خِلَافٌ، ولا يَتْبُت للأَمَة أمّيَّةُ الولدِ إلّا بعد دخول الأربعينَ الثّالثة، وهذا قول الشافعيَّة والحنابلة، وتَوسَّعَ المالكيَّة في ذلك فأداروا الحُكم في ذلك على كلّ سِقْطٍ، ومنهم مَن قَيَّدَه بالتَّخطيطِ ولو كان خَفيّاً، وفي ذلك رواية عن أحمد، وحُجَّتُهم ما تقدَّم في بعض طرقه: أنَّ النُّطفة إذا لم يُقدَّر تَخليقُها لا تَصِيرُ عَلَقَةً، وإذا قُدِّرَ أنَّها تَتَخلَّقُ تَصيرُ عَلَقَةً ثمَّ مُضغةً ... إلى آخره، فمَتَى وَضعَت عَلَقَةً عُرِفَ أنَّ النُّطفة خَرَجَت عن كَونها نُطفةً، واستَحالَت إلى أوَّل أحوال الولد. وفيه أنَّ كلَّا من السَّعادة والشَّقاء قد يقع بلا عملٍ ولا عُمُرٍ، وعليه يَنطَبِقُ قولُه ◌َلِّ: ((الله أعلم بما كانوا عامِلِينَ))(٢)، وسيأتي الإلمام بشيءٍ من ذلك بعد أبواب. وفيه الحثُّ القويُّ على القَناعة، والزَّجرُ الشَّديدُ عن الحِرْص، لأنَّ الرِّزق إذا كان قد سَبَقَ تقديرُه لم يُغنِ التَّعَنّي في طلبِهِ، وإِنَّا شُرِعَ الاكتِساب، لأنَّه من جُملةِ الأسباب التي اقتَضَتها الحِكمة في دار الدُّنيا. وفيه أنَّ الأعمال سببُ دخول الجنَّة أو النار، ولا يعارِضُ ذلك حديث: ((لن يُدخِلَ أحداً منكم الجنَّةَ عملُه)) لما تقدَّم من الجمع بينهما في شرحه في ((باب القَصْد والمداومة على العمل)) من كتاب الرِّقاق (٦٤٦٣). وفيه أنَّ مَن كُتِبَ شَقيّاً لا يُعلَمُ حالُه في الدُّنيا وكذا عكسه، واحتَجَّ مَن أثبَتَ ذلك بما سيأتي قريباً من حديث عليّ: ((أمَّا مَن كان من أهل السَّعادة، فإنَّه يُيَسَّر لعَمَلِ أهل السَّعادة)» (١) انظر شواهده والكلام عليه في ابن حبان. (٢) سلف برقم (١٣٨٣). ٣٢ باب ١ / ح ٦٥٩٤ فتح الباري بشرح البخاري الحديث(١)، والتَّحقيق أن يقال: إن أُريدَ أنَّه لا يُعلَم أصلاً ورَأساً فمردودٌ، وإن أُرِيدَ أنَّه يُعلَمُ بطريق العلامة المثبتة للظَّنِّ الغالب فنَعَم، ويقوى ذلك في حَقِّ مَن اشتُهِرَ له لسانُ صِدقٍ بالخير والصَّلاح وماتَ على ذلك، لقولِه في الحديث الصَّحيح الماضي في الجنائز (١٣٦٧): ((أنتم شُهَداءُ الله في الأرض))، وإن أُريدَ أنَّه يُعلَمُ قطعاً لمن شاءَ الله أن يُطلِعَه على ذلك، فهو من ◌ُلِةِ الغَيبِ الذي استأثرَ الله بعِلمِه، وأطلَعَ مَن شاءَ ممّن ارتَضَى من رُسُله عليه. وفيه الحثُّ على الاستِعاذة بالله تعالى من سوء الخاتمة، وقد عَمِلَ به جمعٌ جَمٌّ من السَّلَف وأئمّة الخَلَف، وأمَّا ما قال عبد الحقّ في كتاب ((العاقبة)): إنَّ سوء الخاتمة لا يقع لمن استَقَامَ باطِنُهُ وصَلُحَ ظاهرُه، وإنَّما يقع لمن في طويَّتِه فسادٌ أو ارتيابٌ، ويَكثُرُ وقوعُه للمُصِرِّ على الكبائر ٤٩٠/١١ والمجتَرِئِ على العَظائمِ، فَيَهجُم عليه الموتُ بَغتَةً، فَيَصطَلِمُه / الشَّيطانُ عند تلكَ الصَّدمة، فقد يكونُ ذلك سبباً لسوء الخاتمة، نسأل الله السَّلامة، فهو محمولٌ على الأكثرِ الأغلَب. وفيه أنَّ قُدرةَ الله تعالى لا يوجِبُها شيءٌ من الأسبابِ إلّا بمَشيئِه، فإنَّه لم يجعل الجماع عِلّةً للولد، لأنَّ الجِماع قد تَحَصُل، ولا يكونُ الولد حتَّى يَشاءَ الله ذلك. وفيه أنَّ الشَّيء الكَثيف يحتاج إلى طولِ الزّمان بخِلَاف اللَّطيف، ولذلك طالَتِ المدّة في أطوار الجنين حتَّى حَصَلَ تَخْليقُه، بخِلَاف نَفخ الرّوح، ولذلك لمَّا خَلَقَ الله الأرض أوَّلاً عَمَدَ إلى السماءِ فسوّاها، وتَرَكَ الأرض لكَثافَتِها بغير فَتْقٍ، ثمَّ فُتِقَتا معاً، ولمَّا خَلَقَ آدمَ فصَوَّرَه من الماء والطّين تَرَكَه مُدّةً، ثمَّ نَفَخَ فيه الرّوحِ. واستَدَلَّ الدَّاوُوديّ بقولِه: ((فيدخل النار)) على أنَّ الخبر خاصّ بالكفَّار، واحتَجَّ بأنَّ الإيمان لا يُحِبِطُه إلّا الكفر، وتُعقِّبَ بأنَّه ليس في الحديث تَعرُّضٌ للإحباط، وحَملُه على المعنى الأَعَمِّ أولى، فيَتناول المؤمن حتَّى يُخْتَم له بعَمَلِ الكافر مثلاً، فيَرتَدَّ فيموتَ على ذلك، فنستعيذٌ بالله من ذلك، ويَتناولُ المطيعَ حتَّى يُخْتَم له بعَمَلِ العاصي، فيموت على ذلك، ولا يَلزَمُ من إطلاق دخول النار أنَّه يَخْلُد فيها أبداً، بل مُجرّدُ الدُّخول صادِقٌ على الطائفَتَين. (١) سيأتي برقم (٦٦٠٥)، واللفظ الذي أورده الحافظ سلف برقم (١٣٦٢) و(٤٩٤٨) و(٤٩٤٩). ٣٣ باب ١ / ح ٦٥٩٤ كتاب القدر واستُدِلَّ به على أنَّه لا يَجِبُ على الله رِعايةُ الأصلَح، خِلَافاً لمن قال به من المعتَزِلة، لأنَّ فيه أنَّ بعضَ الناس يذهب جميعُ عُمُرُه في طاعة الله، ثمَّ يُخْتَم له بالكفرِ والعياذ بالله، فيموت على ذلك فيَدخُل النار، فلو كان يَجِبُ عليه رِعاية الأصلَح، لم يَحَبَط جميع عملِه الصالح بكلمة الكفر التي ماتَ عليها، ولا سيَّما إن طالَ عُمُرُه وقَرُبَ موته من كفره. واستَدَلَّ به بعض المعتَزِلة على أنَّ مَن عَمِلَ عملَ أهلِ النار وجَبَ أن يَدخُلَها، لِتَرَتُّبِ دخولها في الخبر على العَمَل، وتَرَتُّبُ الحُكم على الشَّيء يُشعِرُ بعِلَيَّتِهِ، وأُجيبَ بأنَّه علامةٌ لا عِلّةٌ، والعلامةُ قد تَتَخلَّف، سَلَّمنا أنَّه عِلّةٌ، لكنَّه في حَقِّ الكفَّار، وأمَّا العُصاة فخَرَجوا بدليلِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَادُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨] فمَن لم يُشِرِك فهو داخلٌ في المشيئة. واستَدَلَّ به الأشعريُّ في تجويزِه تكليفَ ما لا يُطاقُ، لأنَّه دَلَّ على أنَّ الله كَلَّفَ العبادَ كلَّهم بالإيمان، مع أنَّه قَدَّرَ على بعضِهم أنَّه يموت على الكفر، وقد قيلَ: إنَّ هذه المسألة لم يَتْبُت وقوعُها إلّا في الإيمان خاصّةً، وما عَداه لا توجَد دلالة قطعيَّة على وقوعه، وأمَّا مُطلَق الجواز فحاصلٌ. وفيه أنَّ الله يعلم الجزئيّات كما يعلم الكلّيّات، لتصريح الخبر بأنَّه يأمرُ بكتابة أحوال الشَّخص مُفَصَّلَةَ. وفيه أنَّه سبحانَه مُريدٌ لجميع الكائنات، بمعنى أنَّه خالقُها ومُقدِّرُها لا أنَّه ◌ُحِبُّها ويرضاها. وفيه أنَّ جميع الخير والشرِّ بتقدير الله تعالى وإيجادِهِ، وخالَفَ في ذلك القَدَريَّةُ والمُجْبِرة، فذهبَتِ القَدَريَّةُ إلى أنَّ فعل العَبد من قِبَلِ نفسِه، ومنهم مَن فَرَّقَ بين الخير والشرّ، فَنَسَبَ إلى الله الخيرَ ونَفَى عنه خلقَ الشّ، وقيل: إنَّه لا يُعرَف قائله وإن كان قد اشتُهِرَ ذلك، وإنَّما هذا رأي المجوس. وذهبَتِ المُجْبِرة إلى أنَّ الكلّ فِعلُ الله، وليس للمخلوقِ فيه تأثير أصلاً. وتَوسَّطَ أهل السُّنّة، فمنهم من قال: أصلُ الفعل خَلَقَه الله، وللعبد قُدرةٌ غيرُ مُؤَثِّرٍ في المقدور، وأثبَتَ بعضُهم أنَّ لها تأثيراً لكنَّه يُسَمَّى كَسباً، وبَسْطُ أدلَّتِهِم يَطول، وقد ٣٤ باب ١ / ح ٦٥٩٤ فتح الباري بشرح البخاري أخرج أحمدُ (٢٢٧٠٥) وأبو يَعْلى من طريق أيوبَ بن زياد عن عُبادةَ بن الوليد بن عُبادة بن الصّامت حدَّثني أبي قال: دَخَلت على عُبادةَ وهو مريض، فقلت: أوصِني؟ فقال: إنَّك لن تَطعَمَ طَعمَ الإيمان ولن تَبلُغَ حقيقةَ العلم بالله حتَّى تُؤْمِنَ بالقَدَرِ خيره وشَرِّه، وهو أن تَعلَمَ أنَّ ما أخطاكَ لم يكن ليُصيبَك، وما أصابكَ لم يكن ليُخطِئَك ... الحديث، وفيه: وإن مِتّ ولسْتَ على ذلك دَخَلتَ النار. وأخرجه الطبرانيُّ(١) من وجه آخرَ بسندٍ حسنٍ عن أبي إدريسَ الخَولانيِّ عن أبي الدَّرداء مرفوعاً مُقتَصِراً على قوله: ((إنَّ العَبد لا يَبلُغُ حقيقةً الإيمان حتَّى يَعلَمَ أنَّ ما أصابه لم يكن ليُخطِئَه، وما أخطَأه لم يكن ليُصيبَه))، وسيأتي الإلمامُ بشيءٍ منه في كتاب التَّوحيد في الكلام على خلق أفعال العباد (٧٥٥٥) إن شاء الله تعالى. ٤٩١/١١ وفي الحديث أنَّ/ الأقدار غالبةٌ، والعاقبةَ غائبةٌ، فلا ينبغي لأحدٍ أن يَغتَرَّ بظاهرِ الحال، ومن ثَمَّ شُرِعَ الدُّعاء بالثَّبات على الدّين وبحُسنِ الخاتمة، وسيأتي في حديث عليٍّ الآتي بعد بابينِ سؤالُ الصحابة عن فائدة العمل مع تَقَدُّمِ التَّقدير، والجواب عنه: ((اعمَلُوا فكلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له))، وظاهرُه قد يعارضُ حديثَ ابنِ مسعودٍ المذكور في هذا الباب، والجمع بينهما: حَلُ حديث عليٍّ على الأكثرِ الأغلَب، وحَملُ حديث الباب على الأقلّ، ولكنَّه لمّا كان جائزاً تَعيَّنَ طلبُ الثَّبات. وحكى ابنُ التِّين أنَّ عمر بنَ عبد العزيز لمَّا سمعَ هذا الحديثَ أنكَرَه وقال: كيف يَصِحّ أن يعمل العَبد عُمْرَه الطاعةَ ثمَّ لا يَدخُل الجنَّة؟! انتهى. وتَوقَّفَ شيخُنا ابنُ الملقِّن في صِحّة ذلك عن عمر، وظَهَرَ لي أنَّه إن ثَبَتَ عنه مُلَ على أنَّ راويَه حَذَفَ منه قوله في آخره: ((فَيَسِقُ عليه الكتاب فيعمل بعَمَلِ أهل النار، فيَدخُلُها)» أو أكمَلَ الراوي، لكنِ استَبعَدَ عمر وقوعَه وإن كان جائزاً، ويكونُ إيرادُه على سبيلِ التَّخويفِ من سوء الخاتمة. (١) في ((مسند الشاميين)) (٢٢١٤)، وأخرجه أيضاً أحمد (٢٧٤٩٠)، وابن أبي عاصم في ((السنة)) (٢٤٦)، والبزار (٤١٠٧)، والفريابي في ((القدر)) (٢٠٠)، وأبو نعيم في ((الحلية)) ١٢/٢، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (٨٩٠) و(٨٩١)، والبيهقي في («شعب الإيمان)) (٢١٥)، وفي ((القضاء والقدر)) (٢٠٢)، ومدار إسناده على أبي الربيع سليمان بن عتبة، مختلف فيه وقد تفرد به، وهو ممن لا يحتمل تفرده. ٣٥ باب ٢ / ح ٦٥٩٥ - ٦٥٩٦ كتاب القدر ٦٥٩٥ - حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا حَمَادٌ، عن عُبيدِ الله بنِ أبي بكر، عن أنس مظـ عن النبيِّ وَِّ قال: ((وَكَّلَ الله بالرَّحِمِ مَلَكاً فيقول: أيْ رَبِّ نُطْفٌ؟ أيْ رَبِّ عَلَقَةٌ؟ أيْ رَبِّ مُضْغَةٌ؟ فإذا أرادَ الله أن يَقْضِيَ خلْقَها قال: أي رَبِّ ذَكَرٌ أم أُنثَى؟ أشَقيُّ أم سعيدٌ؟ فما الرِّزْقُ؟ فما الأجَل؟ فيُكتَبُ كذلك في بَطْنِ أمِّهِ». الحديث الثاني: حديث أنسٍ. قوله: ((حَّاد)) هو ابن زيدٍ، وعُبيد الله بن أبي بكر، أي: ابن أنس بن مالكٍ. قوله: ((وكَّلَ الله بالرَّحِمِ مَلَكاً فيقول: أي رَبِّ نُطْفة، أي رَبِّ عَلَقة ... )) إلى آخره، أي: يقول كلَّ كلمةٍ من ذلك في الوقت الذي تَصِير فيه كذلك، كما تقدَّم بيانه في الحديث الذي قبله، وقد مضى شرحه مُستَوفَّى فيه، وتقدَّم شيء منه في كتاب الحيض (٣١٨). ويجوز في قوله: ((نُطفة)) النَّصب على إضمار فعل، والرَّفع على أنَّه خَبَرَ مُبتَدَأْ محذوف، وفائدة ذلك أنَّه يَستَفهمُ هل يَتَكَوَّنُ منها أو لا؟ وقوله: ((أن يقضيَ خلقها)) أي: يأذَن فيه. ٢ - بابٌ جفَّ القلم على عِلْم الله ﴿وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ ﴾ [الجاثية: ٢٣]. وقال أبو هريرةَ: قال ليَ النبيُّ ◌َّهِ: ((جَفَّ القَلَمُ بما أنتَ لاقٍ)). وقال ابنُ عبَّاسٍ: ﴿لَا سَبِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١]: سَبَقَت لهمُ السَّعادة. ٦٥٩٦ - حدَّثنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبَةُ، حدَّثنا يزيدُ الرِّشْكُ، قال: سمعتُ مُطرِّفَ بنَ عبدِ الله ابنِ الشِّخِّيرِ يُحدِّثُ، عن عِمْرانَ بنِ حُصَينٍ، قال: قال رجلٌ: يا رسولَ الله أيُعرَفُ أهلُ الجنَّةِ من أهلِ النّار؟ قال: ((نعم)) قال: فلِمَ يَعمَلُ العامِلونَ؟ قال: ((كلٌّ يَعمَلُ لما خُلِقَ له، أو لما يُبَشَّرُ لَه). [طرفه في: ٧٥٥١] قوله: ((بابٌ)) بالتَّنْوِينِ ((جَفَّ القَلَمُ)) أي: فَرَغَتِ الكِتابة، إشارة إلى أنَّ الذي كُتِبَ في اللَّوح ٣٦ باب ٢ / ح ٦٥٩٦ فتح الباري بشرح البخاري المحفوظ لا يَتغيَّرِ حُكمُه، فهو كِناية عن الفراغ من الكتابة، لأنَّ الصَّحیفة حالَ كتابتها تكون رَطبةً أو بعضُها، وكذلك القَلم، فإذا انتَهَتِ الكتابة جَفَّتِ الكتابة والقَلَم. وقال الطِّييُّ: هو من إطلاق اللّازِم على الملزوم، لأنَّ الفراغ من الكتابة يَستَلِزِم جَفاف القَلم عند مِدادِهِ. قلت: وفيه إشارة إلى أن كتابةَ ذلك انقَضَت من أمَدٍ بعيدٍ. وقال عِيَاض: معنى ((جَفَّ القَلم)) أي: لم يَكتُب بعد ذلك شيئاً، وكتابُ الله ولَوحُه وقَلَمه من غَيِهِ، ومن عِلمِه الذي يَلزَمُنا الإيمانُ به، ولا يَلزَمُنا مَعرِفَةُ صِفَتِهِ، وإنَّما خوطِبنا بما عَهِدنا فيما فرغنا من كتابتِه أنَّ القَلم يصير جافّاً للاستغناء عنه. قوله: ((على عِلْم الله)) أي: على حُكمِه، لأنَّ معلومه لا بدَّ أن يقع، فعِلمُه بمعلومٍ يَستَلِزِمُ الحُكم بوقوعِه، وهذا لفظ حديثٍ أخرجه أحمد (٦٦٤٤)، وصَحَّحَه ابن حِبّان (٦١٧٠) من طريق عبد الله بن الدَّيلَميّ عن عبد الله بن عَمْرٍو قال: سمعتُ رسول الله وَ ل يقول: ((إِنَّ الله عزَّ وجلَّ خَلَقَ خلْقَه في ظُلمةٍ، ثمَّ ألقَى عليهم من نُورِهِ، فمَن أصابه من نُورِهِ يومَئذٍ ٤٩٢/١١ اهتَدَى، ومَن أخطَاه ضَلَّ، فلذلك/ أقول: جَفَّ القَلم على عِلْم الله)). وأخرجه أحمد (٦٨٥٤م) وابن حِبّان (٦١٦٩) من طريق أُخرى عن ابن(١) الدَّيلَميّ نحوه، وفي آخره: أنَّ القائل: ((فلذلك أقول)) هو عبد الله بن عَمْرو، ولفظه: قلت لعبد الله ابن عَمْرو: بَلَغَني أنَّك تقول: إنَّ القَلم قد جَفَّ ... فذكر الحديث، وقال في آخره: فلذلك أقول: جَفَّ القلم بما هو كائن. ويقال: إنَّ عبد الله بن طاهر أميرَ خُراسان للمأمونِ سألَ الحسين بن الفَضْل عن قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] مع هذا الحديث، فأجابَ: هي شؤون يُبدِيها لا شؤون يَبتَديها، فقامَ إليه وقَبَّلَ رأسه. قوله: ((وقال أبو هريرة: قال ليَ النبيُّ وَلّهِ: جَفَّ القَلم بما أنتَ لاقٍ)) هو طَرَف من حديث ذكر أصلَه المصنِّفُ من طريق ابن شِهاب عن أبي سَلَمة عن أبي هريرة قال: قلت: يا رسول الله (١) تحرفت في (س) إلى: أبي. ٣٧ باب ٢ / ح ٦٥٩٦ كتاب القدر إنّ رجلٌ شابٌّ، وإنّ أخاف على نفسي العَنَتَ، ولا أجِد ما أتَزَوَّجُ به النِّساءَ، فسَكَتَ عنّي ... الحديث، وفيه: ((يا أبا هريرة، جَفَّ القَلم بما أنتَ لاقٍ، فاختَصِ على ذلك أو ذَر)» أخرجه في أوائل النِّكاح (٥٠٧٦) فقال: قال أَصبَغ - يعني ابن الفَرَج - أخبرني ابن وَهْب عن يُونُس عن ابن شِهاب، ووَصَلَه الإسماعيليّ والجَوزَقيّ، والِفِرْيابيّ في كتاب (القَدَر)) كلّهم من طريق أصبَغ به، وقالوا كلّهم بعد قوله: العَنَت: فأذِنَ لي أن أختَصيَ. ووَقَعَ لفظ: ((جَفَّ القَلَم)) أيضاً في حديث جابر عند مسلم (٢٦٤٨): قال سُرَاقة: يا رسول الله، فيمَ العمل: أفيما جَفَّت به الأقلام وجَرَت به المقادير؟ الحديث. وفي آخر حديث ابن عبّاس الذي فيه: ((احفظ الله يحفظك))، ففي بعض طرقِه: ((جَفَّتِ الأقلام وطُويَتِ الصُّحُف))(١). وفي حديث عبدِ الله بن جَعفَر عند الطبرانيِّ (١٤٧٦٨): ((واعلم أنَّ القَلم قد جَفَّ بما هو كائن))(٢)، وفي حديث الحسن بن عليّ عند الفِرْيابيّ(٣): ((رُفِعَ الكتاب وجَفَّ القَلَمْ)). قوله: ((وقال ابن عبّاس: ﴿لَمَا سَبِقُونَ﴾: سَبَقَت لهم السَّعادة) وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُسَرِعُونَ فِ الْخَرَتِ وَهُمْ لَهَا سَبِقُونَ﴾ قال: سَبَقَت لهم السَّعادة(٤). والمعنى: أنَّهم سارَعوا إلى الخيرات بما سَبَقَ لهم من السَّعادة بتقدير الله. ونُقِلَ عن الحسن: أنَّ اللّام في (لَا)) بمعنى الباء، فقال: معناه سابِقونَ بها. قال الطبريُّ: وتأوَّلَا بعضُهم - أي: اللّام - بأنَّها بمعنى ((إلى))، وبعضهم أنَّ المعنى: وهم من أجلها. ونَقَلَ عن عبد الرَّحمن بن زيد: أنَّ الضَّمير للخيرات، وأجازَ غيره: أنَّه للسَّعادة. (١) اللفظ الذي أورده الحافظ، أخرجه الطبراني (١٢٩٨٨)، والحديث عند أحمد (٢٦٦٩)، والترمذي وغيرهما بلفظ: ((رفعت الأقلام وجفت الصحف)). (٢) وأخرجه كذلك ابن أبي عاصم في «السنة» (٣١٥) من حديث عبد الله بن جعفر. وأخرجه العقيلي في ((الضعفاء)» ٣٩٧/٣، والطبراني في (الكبير)) (١١٥٦٠)، والبيهقي في ((الشعب)) (١٠٠٠١)، وفي ((الآداب)) (٧٥٨) من حديث عبد الله بن عباس. (٣) في ((القدر)) (١٠٢)، وأخرجه الطبراني أيضاً (٢٨٨٤). (٤) وأخرجه أيضاً الطبري في ((تفسيره)) ٣٤/١٨، والبيهقي في ((القضاء والقدر)) (٤٩٣). ٦. ٣٨ باب ٢ / ح ٦٥٩٦ فتح الباري بشرح البخاري والذي يجمع بين تفسير ابن عبّاس وظاهر الآية أنَّ السَّعادة سابقة، وأنَّ أهلها سَبَقوا إليها، لا أنَّهم سَبَقوها. قوله: ((حدَّثنا يزيدُ الرِّشْك)) بكسر الرَّاء وسكون المعجَمة بعدها كاف: كُنْيته أبو الأزهَر، وحكى الكَلاباذيّ أنَّ اسم والده: سِنان بكسر المهمَلة ونونَين، وهو بصْريٌّ تابعيٌّ ثقةٌ، قيل: كان كبير اللِّحية فلُقِّبَ الرِّشْك، وهو بالفارسيَّة - كما زَعَمَ أبو علي الغَسّانيُّ وَجَزَمَ به ابن الجَوْزيّ -: الكبير اللِّحية، وقال أبو حاتم الرّازيُّ: كان غَيوراً، فقيلَ له: أرشك بالفارسيَّة فمضى عليه الرِّشك، وقال الكِرْمانيُّ: بل الرّشك بالفارسيَّة: القَمْلِ الصَّغير الملتَصِقِ بأُصولِ شَعَر اللِّحية، وذكر الكلاباذيّ: أنَّ الرِّشْك: القَسّام. قلت: بل كان يزيد يَتَعانَى مَسّاحة الأرض فقيلَ له: القَسّام، وكان يُلقَّب الرِّشك، لا أنَّ مَدلول الرُّشك القَسّام، بل هما لَقَب ونسبةٌ إلى صَنْعة، والمعتمد في أمره ما قال أبو حاتم، وما ليزيدَ في البخاريّ إلّا هذا الحديث، أورَدَه هنا وفي كتاب الاعتصام(١). قوله: ((قال رجل)) هو عمران بن حُصَين راوي الخبر، بيَّنه عبد الوارث بن سعيد عن يزيد الرِّشك عن عمران بن حُصَين قال: قلتُ: يا رسول الله ... فذكره، وسيأتي موصولاً في أواخر كتاب التَّوحيد، وسألَ عن ذلك آخرونَ، وسيأتي مزيدُ بَسطٍ فيه في شرح حديث عليٍّ قريباً (٦٦٠٥). قوله: ((أَيُعرَفُ أهلُ الجنَّةِ من أهلِ النار؟)» في رواية حمّاد بن زيد عن يزيد عند مسلم (٢٦٤٩) بلفظ: ((أعُلِمَ)) بضمِّ العين، والمراد بالسُّؤال مَعرِفُ الملائكة أو مَن أطلَعَه الله على ذلك، وأمَّا ٤٩٣/١١ مَعرِفَةُ العاملِ / أو مَن شاهَدَه فإنَّما يُعرَفُ بالعمل. قوله: ((فلمَ يَعمَلُ العامِلونَ؟» في روايات حمّاد: ((فَفيمَ؟)) وهو استفهام، والمعنى: إذا سَبَقَ القَلم بذلك فلا يحتاج العاملُ إلى العَمَل، لأنَّ سَيصيرُ إلى ما قُدِّرَ له. (١) بل في التوحيد (٧٥٥١). ٣٩ باب ٢ / ح ٦٥٩٦ كتاب القدر قوله: ((قال: كلِّ يَعمَل لما خُلِقَ له أو لما يُيَسَّرُ له)) وفي رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((يُسِّرَ)) بضمِّ أوَّله وكسر المهمَلة الثَّقيلة، وفي رواية حمّاد المشار إليها: قال: ((كلّ مُيَسَّر لما خُلِقَ له)). وقد جاء هذا الكلام الأخِيرُ عن جماعةٍ من الصَّحابة بهذا اللَّفظ يزيدونَ على العشرة، سأُشيرُ إليها في آخر الباب الذي يَلي الذي يليه، منها حديثُ أبي الدَّرداء عند أحمد (٢٧٤٨٧) بسندٍ حسن بلفظ: ((كلُّ امرِئٍ مُهَيٌَّ لما خُلِقَ له)). وفي الحديث إشارة إلى أنَّ المآل محجوبٌ عن المكلَّف، فعليه أن يَجْتَهِد في عَمَلِ ما أُمِرَ به، فإنَّ عمله أمارةٌ إلى ما يَؤولُ إليه أمرُه غالباً، وإن كان بعضهم قد يُخْتَم له بغير ذلك كما ثَبَتَ في حديث ابن مسعود(١) وغيره، لكن لا اطّلاع له على ذلك، فعليه أن يَبذُل جَهْده ويُجاهِد نفسه في عمل الطاعة، ولا يَتْرُكُ وُكولاً إلى ما يَؤولُ إليه أمره فيُلام على تَرْك المأمور، ويَستَحِقّ العُقوبة، وقد تَرجَمَ ابن حِبّان بحديثِ الباب (٣٣٣): ((ما يجب على المرء من التَّشمير في الطاعات، وإن جَرَى قبلَها ما يَكرَه الله من المحظورات)). ولمسلمٍ (٢٦٥٠) من طريق أبي الأسْوَد عن عِمْران أنَّه قال له: أرأيتَ ما يعملُ الناس اليوم، أشيءٌ قُضِيَ عليهم ومضى فيهم من قَدَرٍ قد سَبَقَ، أو فيما يَستَقبِلونَ ممّا أتاهم به نبيُّهم وثَبَتَتِ الحُجّة عليهم؟ فقال: لا بل شيءٌ قُضيَ عليهم ومضى فيهم، وتصديق ذلك في كتاب الله عزَّ وجلّ: ﴿وَنَفْسِ وَمَا سَوَّنَهَا ، فَأَهَمَهَا ◌ُورَهَا وَتَّقْوَنهَا﴾ [الشمس: ٧ - ٨]، وفيه قصَّة لأبي الأسود الدُّؤَلِيّ مع عِمْران، وفيه قوله له: أيكونُ ذلك ظُلماً؟ فقال: لا، كلّ شيءٍ خَلْقُ الله ومِلك يده، فلا يُسأل عمَّا يفعل. قال عِيَاض: أورَدَ عِمْران على أبي الأسْوَد شُبهةَ القَدَريَّة من تَحَكُّمِهم على الله، ودخولهِم بآرائهم في حُكمِه، فلمَّا أجابَه بما دَلَّ على ثَبَاتِه في الدّين، قَوّاه بذِكْر الآية، وهي حَدٌّ لأهلِ السُّنّة، وقولُه: كلّ شيءٍ خَلْق الله ومُلكه، يشير إلى أنَّ المالك الأعلى الخالق الآمِر لا يُعتَرَض عليه إذا تَصَرَّفَ في مُلكِهِ بما يَشاء، وإنَّما يُعتَرَض على المخلوقِ المأمور. (١) في الباب السابق. ٤٠ باب ٣ / ح ٦٥٩٧ - ٦٦٠٠ فتح الباري بشرح البخاري ٣- بابٌّ الله أعلمُ بما كانوا عامِلِین ٦٥٩٧- حدَّثنا محمَّدُ بنُ بِشَّارِ، حدَّثنا غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن أبي بِشْرِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: سُئِلَ النبيُّ نَّه عن أوْلادِ المشركينَ، فقال: ((الله أعلمُ بما كانوا عامِلِينَ)). ٦٥٩٨ - حدّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن يونُسَ، عن ابنِ شِهابٍ قال: وأخبرني عطاءُ بنُ يزيدَ، أَنَّه سمعَ أبا هريرةَ يقول: سُئلَ رسولُ الله ◌ََّ عن ذَراريِّ المشركينَ، فقال: ((الله أعلمُ بما كانوا عامِلِينَ)). ٦٥٩٩ - أخبرنا إسحاقُ بنُ إبراهيم، أخبرنا عبدُ الرَّزّاق، أخبرنا مَعْمَرٌ، عن همَّام، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((ما مِن مَولودٍ إلا يُولدُ على الفِطْرةِ، فأبَواه يُّهَوِّدانِهِ ويُنَصِّرانِهِ، كما تُنْتِجونَ البَهِيمةَ، هل تَجِدونَ فيها من جَدْعاءَ؟ حتَّى تكونوا أنتم تَجْدَعوَها». ٦٦٠٠ - قالوا: يا رسولَ الله، أفَرأيتَ مَن يموتُ وهو صَغيرٌ؟ قال: ((الله أعلمُ بما كانوا عامِلِینَ)). قوله: ((بابٌ الله أعلم بما كانوا عامِلِينَ)) الضَّمير لأولادِ المشرِكِينَ كما صَرَّحَ به في ٤٩٤/١١ السُّؤال، وذكره من حديث/ ابن عبّاس مختصراً، ومن حديث أبي هريرة كذلك، وتقدَّم في أواخر الجنائز ((باب ما قيل في أولاد المسلمينَ)) وبعده («باب ما قيل في أولاد المشرِكينَ»، وذكر في الثّاني الحديثَينِ المذكورَينِ هنا من تَرَجَيهما، وذكر الثّالث أيضاً من وجه آخر عن أبي هريرة (١٣٨٣ -١٣٨٥)، وقد تقدَّم شرح ذلك مُستَوقَ في البابِ المذكور. قوله في الرّواية الثّانية: ((عن ابن شِهابٍ قال: وأخبرني عطاءُ بنُ يزيد)) الواو عاطفة على شيء محذوف، كأنَّه حدَّث قبل ذلك بشيءٍ ثمَّ حدَّث بحديثِ عطاء، ووَقَعَ في رواية مسلم (٢٦/٢٦٥٩) من طريق ابن وَهْب عن يونُس عن ابن شهاب: عن عطاء بن يزيد، وعند أبي عَوَانة في (صحيحه)(١) من طريق شُعَيب عن الزُّهْريِّ: حدَّثني عطاء بن يزيد اللَّيّ. (١) كما في («إتحاف المهرة)) ٣٩٧/١٥.