النص المفهرس

صفحات 1-20

فَبَُّ النَّارِى
بشرح صحيح البخاريّ
تأليفٌ
الإِقَامِ الْحَافِظِ شَهَابِ الِّينِ أُحَمَ بْن عَلِّ بْ حَجَدِ السِّقَلَافِيّ
٧٧٣ - ٨٥٢ هـ
أُشرفَ على تحقيق الكتَابُ ورَاحَعه
شُغَيْبٌ الأهُؤُوط عادكٌ مِّشْد
حقّ هَذَا الجزُودخّصَهُ وعَلْن عَلَيٌ
أحْمٌُ بُرْهُومٌ
شارك في تحقيقه
سَدِم عَامِرْ
الجُزُ الَحَادِيّ وَالْعِشْرُونُ
الرسالة العالمية

#1
3

فَعُ النَّارِيُ
بشرّع صحِيُّح البُخاريّ
٢١

◌ِاللَّهِ الرّحْمِالرَّحْيِ
نِـ
جَمْعَ الحَقُوقُ محفوظَةٌ لِلنّاشِةْ
الطبعة الأولى
١٤٣٤ هـ - ٢٠١٣م
دار الرسالة العالمية
جميع الحقوق محفوظة
يصنع طبع هذا الكتاب أو أي جزء منه بجميع طرق
الطبع والتطوير والنقل والترجمة والتسجيل الموني
والمجموع والحاسوبي وغيرها الا باذن خطي من:
شركة الرسالة العالمية م.م.
Publishers
الإدارة العامة
Head Office
دمشق - الحجاز
شارع مسلم البارودي
بناء خولي وصلاحي
2625
(963)11-2212773
(963)11-2234305
الجمهورية العربية السورية
Syrian Arab Republic
info@resalabonline.com
http://www.resalahonline.com
فرع بيروت
BEIRUT/LEBANON
TELEFAX: 815112-319039- 818615
P.O. BOX:117460

٥
باب ١ / ح ٦٥٩٤
كتاب القدر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كتاب القَكَر
١ - بابٌ في القَدر
٤٧٧/١١
٦٥٩٤- حدَّثنا أبو الوليدِ هشامُ بنُ عبدِ الملِكِ، حدَّثنا شُعْبةُ، أَنْبَأني سليمانُ الأعمَشُ،
قال: سمعتُ زيدَ بنَ وَهْب، عن عبدِ الله، قال: حدَّثنا رسولُ اللهِّهِ وهو الصّادِقُ المصدوقُ
قال: ((إنَّ أحدَكم يُحِمَعُ في بَطْنِ أَمِّه أربعينَ يوماً، ثمَّ عَلَقَةً مِثلَ ذلك، ثمَّ يكونُ مُضْغةً مِثلَ
ذلك، ثمَّ يَبْعَثُ الله مَلَكاً فيُؤْمَرُ بأربعةٍ: بِرِزْقِهِ، وأجَلِه، وشَقيٍّ أو سعيدٌ، فوالله إنَّ أحدكم، أو
الرجلَ لِيَعمَلُ بِعَمَلٍ أهلِ النار حتَّى ما يكونُ بينَه وبينَها غيرُ ذِراعٍ أو باعٍ ، فَيَسِقُ عليه الكتابُ،
فَيَعمَلُ بِعَمَلِ أهلِ الجنَّةِ فَيَدخُلُها، وإنَّ الرجلَ لَيَعمَلُ بعَمَلِ أهلِ الجنَّةِ، حتَّى ما يكونُ بينَه
وبينَها غيرُ ذِراعٍ أو ذِراعينٍ، فَيَسْبِقُ عليه الكتابُ، فَيَعمَلُ بعَمَلِ أهلِ النار فيَدخُلُها)).
قال آدمُ: ((إلا ذِراعٌ)).
قوله: ((بسم الله الرَّحمن الرَّحيم. كتاب القَدَر)) زاد أبو ذَرِّ عن المُستَمْلي: ((بابٌ في القَدَر))،
وكذا للأكثرِ دونَ قوله: ((كتاب القَدَر)). والقَدَر بفتح القاف والمهمَلة، قال الله تعالى: ﴿إِنّا
كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩].
قال الرَّاغِب: القَدَر بوضعِه يدلّ على القُدْرة وعلى المقدور الكائن بالعِلْم، ويَتَضَمَّن
الإرادة عقلاً والقولَ نَقلاً، وحاصله وجودُ شيءٍ في وقتٍ وعلى حالٍ بوَفْقِ العِلم والإرادة
والقول، وقَدَّرَ الله الشَّيءَ - بالتَّشديدِ -: قَضَاه، ويجوز بالتَّخفيف.
وقال ابن القَطّاع: قَدَرَ اللهُ الشَّيءَ: جعله بقَدَرٍ، والرِّزْقَ: ضَيَّقَه(١)، وعلى الشَّيء: مَلَكَه.
(١) في الأصلين و(س): صنعه، وهو تحريف، وما أثبتناه من كتاب ((الأفعال)) لابن القطاع ٣٩/٣، وهو كذلك في
معاجم اللغة.

٦
باب ١ / ح ٦٥٩٤
فتح الباري بشرح البخاري
ومضى في ((باب التَّعَوُّذ من جَهْد البلاء)) في كتاب الدَّعَوات (٦٣٤٧) ما قال ابن بَطّل في
التَّفْرِقة بين القضاء والقَدَر.
وقال الكِرْمانيُّ: المراد بالقَدَرِ: حُكم الله، وقالوا - أي: العلماء -: القضاء: هو الحُكم الكلّيُّ
الإجماليُّ في الأزَل، والقَدَر: جُزئيّاتُ ذلك الحُكم وتفاصيلُه.
وقال أبو المظَفَّر ابن السَّمعانيّ: سبيل مَعرِفة هذا الباب التَّوقيفُ من الكتاب والسُّنّة
دونَ مَحَض القياس والعقل، فمَن عَدَلَ عن التَّوقِيف فيه ضَلَّ وتاهَ في بحار الخَيرْةِ، ولم يَبلُغ
شِفاء النَّفْس(١) ولا ما يَطْمَئِن به القلب، لأنَّ القَدَر سِرّ من أسرار الله تعالى اختُصَّ العليم
الخَبير به، وضَرَبَ دونه الأستار، وحَجَبَه عن عقول الخلق ومَعارفهم لما علِمَه من الحكمة،
فلم يَعلَمِه نبيٌّ مُرسَلٌ ولا مَلَكُ مُقرَّبٌ، وقيل: إنَّ ◌ِرّ القَدَر يَنكَشِف لهم إذا دخلوا الجنَّة،
ولا ینگَشِف لهم قبل دخولها، انتهى.
وقد أخرج الطبرانيُّ (١٠٤٤٨) بسندٍ حسنٍ من حديثٍ ابن مسعودٍ رَفَعَه: ((إذا ذُكِرَ
القَدَر فأمسِكوا))(٢)، وأخرج مسلم (٢٦٥٥) من طريق طاووسٍ: أدرَكت ناساً من
٤٧٨/١١ أصحاب رسول الله وَ ل﴿ويقولون: كلّ شيء بقَدَرٍ، وسمعتُ عبد الله بن عُمَر يقول: / قال
رسول الله وَّ: ((كلّ شيء بقَدَرِ حتَّى العَجْز والكَيْس)). قلت: والكَيْس بفتح الكاف ضِدّ
العَجْز، ومعناه: الحِذْق في الأُمور، ويَتناول أُمور الدُّنيا والآخرة، ومعناه: أنَّ كلّ شيء لا
يقع في الوجود إلّا وقد سَبَقَ به عِلمُ الله ومَشيئتُه، وإنَّما جعلهما في الحديث غايةً لذلك؛
للإشارة إلى أنَّ أفعالَنا وإن كانت معلومة لنا ومُرادةً مِنّ فلا تقع مع ذلك مِنّا إلّا بمشيئة الله،
وهذا الذي ذكره طاووسٌٌ مرفوعاً وموقوفاً مُطابِقٌ لقولِه تعالى: ﴿ إِنَّاكُلَّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ﴾
فإنَّ هذه الآية نَصِّ في أنَّ الله خالق كلّ شيءٍ ومُقدِّرُه، وهو أنَصُّ من قوله تعالى: ﴿خَلِقُ
(١) تحرفت في الأصلين و(س) إلى: العين، والتصويب من ((شرح النووي)) على مسلم ١٩٦/١٦، و((شرح
الأربعين النووية)) لابن دقيق العيد ص٣٩، وغيرهما من الكتب التي نقلت كلام ابن السمعاني.
(٢) وهو عند الطبراني أيضاً (١٤٢٧) من حديث ثوبان مرفوعاً.

٧
باب ١ / ح ٦٥٩٤
كتاب القدر
كُلِّ شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢]، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]،
واشتُهِرَ على ألسِنة السَّلَف والخَلَف أنَّ هذه الآية نزلت في القَدَريَّة. وأخرج مسلم (٢٦٥٦)
من حديث أبي هريرة: جاء مُشِرِكو قُرَيش يُخَاصِمونَ النبيّ ◌َّهِ في القَدَر، فنزلت. وقد تقدَّم
في الكلام على سؤال جِبْرِيلَ في كتاب الإيمان (٥٠) شيءٌ من هذا، وأنَّ الإيمان بالقَدَرِ من
أركان الإيمان، وذُكِرِ هناك بيانُ مقالة القَدَريَّة بما أغنى عن إعادته. ومذهب السَّلَف قاطِبة: أنَّ
الأُمور كلّها بتقدير الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿ وَإِن مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا
بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١].
وقد ذكر في هذا الباب حدیثین:
الأول: قولُه: ((أبو الوليدِ)) هو الطَّالسيّ.
قوله: ((أنْبَأني سليمان الأعْمَش)) سيأتي في التَّوحيد (٧٤٥٤) من رواية آدم عن شُعْبة
بلفظ: ((حدَّثْنا الأعمَش))، ويُؤخَذ منه: أنَّ التَّحديث والإنباء عند شُعْبة بمعنَّى واحدٍ،
ويظهرُ به غَلَطُ مَن نَقَلَ عن شُعْبةِ أنَّه يستعمل الإنباء في الإجازة؛ لكَونِهِ صَرَّحَ بالتَّحديث،
ولثُبوتِ النَّقل عنه أنَّه لا يَعتَبِ الإجازةَ ولا يروي بها.
قوله: ((عن عبد الله)) هو ابن مسعود، ووَقَعَ في رواية آدمَ: سمعتُ عبد الله بن مسعودٍ.
قوله: ((حدَّثنا رسولُ اللهِ وَّةٍ وهو الصّادِقِ المصدوق)) قال الطِّييُّ: يحتمل أن تكون
الجملة حاليَّة ويحتمل أن تكون اعتراضيَّة، وهو أولى لتَعُمَّ الأحوالَ كلَّها، وأنَّ ذلك من
دَأَبِهِ وعادتِهِ، والصّادِق معناه: المخبِرِ بالقولِ الحقّ، ويُطلَق على الفِعل، يقال: صَدَقَ القتال
وهو صادِقٌّ فيه، والمصدوق معناه: الذي يُصدَقُ له في القول، يقال: صَدَقته الحديث: إذا
أخبَرَته به إخباراً جازِماً، أو معناه: الذي صَدَقَه الله تعالى وعدَه.
وقال الكِرْمانيُّ: لمَّا كان مضمون الخبر أمراً مخالفاً لما عليه الأطِيّاء أشارَ بذلك إلى
بُطْلان ما ادَّعَوه، ويحتمل أنَّه قال ذلك تَلَذُّذاً به وتَبَرُّكاً وافتِخاراً.
٦

٨
باب ١ / ح ٦٥٩٤
فتح الباري بشرح البخاري
ويُؤيِّده وقوع هذا اللَّفظ بعَينِهِ في حديث أنس ليس فيه إشارة إلى بُطْلان شيء يُخالف ما
ذُكِرَ، وهو ما أخرجه أبو داود (٤٩٤٢) من حديث المغيرة بن شُعْبة (١): سمعتُ الصّادِقَ
المصدوقَ يقول: ((لا تُنَزَعُ الرَّحمةُ إلّا من شَقيٍّ))، ومضى في علامات النُبّة (٣٦٠٥) من حديث
أبي هريرةَ: سمعتُ الصّادِقَ المصدوق يقول: ((هلاك أمَّتي على يَدَي أُغَيلمةٍ من قُرَيْشٍ)).
وهذا الحديث اشتَهَرَ عن الأعمَش بالسَّنَدِ المذكور هنا، قال عليُّ بن المَدِينيِّ في كتاب
((العِلَل)): كنَّا نَظُنّ أنَّ الأعمَش تفرَّد به، حتَّى وجَدْناه من رواية سلمة بن گُھیل عن زيد بن
وَهْب. قلت: وروايته عند أحمد (٣٩٣٤) والنَّسائيِّ (ك١١١٨٢)، ورواه حَبِيب بن حسَّان
عن زيد بن وَهْب أيضاً وَقَعَ لنا في «الحِلية)) (٢٤٤/٨)، ولم يَنْفَرِد به زيد عن ابن مسعود،
بل رواه عنه أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود عند أحمد (٣٥٥٣)، وعَلْقمة عند أبي يَعْلى،
وأبو وائل في ((فوائد تمَم)) (١١٩٥)، ومُخَارِق بن سُلَيم وأبو عبد الرَّحمن السُّلَميُّ، كلاهما
عند الفِرْيابيّ في كتاب ((القَدَر)) (١٢٨ و١٣١)(٢)، وأخرجه أيضاً من رواية طارق (١٢٩)
ومن رواية أبي الأحوص الجُشَميّ (١٣٠) كلاهما عن عبد الله مختصراً، وكذا لأبي الطُّفَيل
عند مسلم (٢٦٤٥)، وناجية بن كعب في ((فوائد العيسويّ))، وخَيْثمة بن عبد الرَّحمن عند
الخطَّابيّ(٣) وابن أبي حاتم، ولم يَرفَعه بعض هؤلاءِ عن ابن مسعود.
ورواه عن النبيّ وَّ مع ابن مسعود جماعةٌ من الصحابة مُطوَّلاً ومختصراً، منهم أنس
وقد ذُكِرَ عَقِبَ هذا، وحُذَيفة بن أسيدٍ عند مسلم (٢٦٤٤)، وعبد الله بن عمر في ((القَدَر))
٤٧٩/١١ لابنِ / وهب (٣٠)، وفي ((أفراد الدَّارَقُطنيّ))، وفي «مُسنَد البزَّار)) (٦٠١٤) من وجهٍ آخرَ
ضعيفٍ، والفِرْيابيّ (١٣٧) بسندٍ قويّ، وسهل بن سعد، وسيأتي في هذا الكتاب (٦٦٠٧)،
وأبو هريرة عند مسلم (٢٦٥١)، وعائشة عند أحمد (٢٤٧٦٢) بسندٍ صحيح، وأبو ذَرِّ عند
(١) ليس هو من حديث المغيرة بن شعبة، بل من حديث أبي هريرة، رواه عنه أبو عثمان مولى المغيرة بن شعبة،
فلعله سبق نظر من الحافظ رحمه الله.
(٢) وأخرج حديث المخارق بن سليم: الطبراني (٩١٤٦).
(٣) في ((غريب الحديث)) (١ / ٦٨٢).

٩
باب ١ / ح ٦٥٩٤
كتاب القدر
الفِرْيابيّ (١٢٣)، ومالك بن الحويرث عند أبي نُعَيم في ((الطِّبّ)) (٧٩) والطبرانيُّ
(٦٤٤/١٩)، ورَباح اللَّخميّ عند ابن مَرْدويه في ((التَّفسير))(١)، وابن عبَّاس في ((فوائد
المخلّص)) من وجه ضعيف، وعليّ في ((الأوسط)) (٥٢١٩) للطَّبَرانيِّ من وجه ضعيف،
وعبد الله بن عَمْرو في ((الكبير)) بسندٍ حسن(٢)، والعُرس بن عَميرة عند البزَّار(٣) بسندٍ
جيِّدٍ، وأكثَم بن أبي الجَون عند الطبرانيِّ (٨٧٢) وابن مَندَهْ بسندٍ حسنٍ. وجابر عند الفِرْيابيّ
(١٤٣) (٤)
وقد أشارَ التِّرمِذيّ في التَّرجمة إلى أبي هريرة وأنس فقط، وقد أخرجه أبو عَوَانة في
((صحيحه)) عن بضع وعشرينَ نفساً من أصحاب الأعمَش(٥)، منهم من أقرانه: سليمان
التَّيْمَيّ وجَرِير بن حازم وخالد الحَذّاء، ومن طبقة شُعْبة: الثَّوْرِيُّ وزائدة وعَّار بن زُرَيق
وأبو خَيْئمةَ. وممّاً لم يقع لأبي عَوَانة: رواية شَرِيك عن الأعمَش، وقد أخرجها النَّسائيُّ في
التَّفسير (ك ١١١٨٢)، ورواية وَرْقاء بن عمر ويزيد بن عطاء وداود بن عيسى أخرجها
تَحَامِ(٦)، وكنت خَرَّجته في جُزْء من طرقِ نحو الأربعينَ نفساً عن الأعمَش فغابَ عنِّي
الآنَ، ولو أمعَنتُ التَبُّعَ لَزادُوا على ذلك.
قوله: ((إنَّ أحدَكم)) قال أبو البَقَاء في ((إعراب المسنَد)): لا يجوز في أنَّ إلّا الفتح؛ لأنَّه
(١) وأخرجه أيضاً الطبري في ((التفسير)) ٨٧/٣٠، والطبراني في ((الكبير)) (٢٦٢٤).
(٢) وأخرجه ابن وهب في ((القدر)) (٤٥)، واللالكائي في ((شرح أصول الاعتقاد)) (١٢٣٦)، والفريابي في
((القدر)) (١٤٦).
وأخرج الطبراني في «الكبير)) (١٤٧٤٣)، وفي («الأوسط)) (٨٨٠١) من حديث عبد الله بن عمرو رفعه:
((إن العبد ليُكتب مؤمناً أحقاباً ثم أحقاباً، ثم يموت والله عليه ساخط، وإن الكافر ليكتب كافراً أحقاباً
ثم أحقاباً، ثم يموت والله عنه راضٍ».
(٣) كما في ((كشف الأستار)) (٢١٥٩)، وأخرجه الطبراني في ((الصغير)) (٥١٢)، و((الكبير)) (٣٤٠).
(٤) وأخرجه أيضاً أحمد في ((المسند)) (١٥٢٦٩)، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (٢٦٦٥) و(٢٦٦٦).
(٥) انظر: ((إتحاف المهرة)) ٢٠٧/١٠-٢٠٨.
(٦) رواية يزيد بن عطاء أخرجها تمام في ((فوائده)) برقم (٣١٩)، ورواية داود بن عيسى برقم (٣٢٠)، أما
رواية ورقاء فلم نقع عليها فيها.

١٠
باب ١ / ح ٦٥٩٤
فتح الباري بشرح البخاري
مفعول حدَّثنا، فلو كُسِرَ لكان مُنقَطِعاً عن قوله: حدَّثنا. وجَزَمَ النَّوويّ في ((شرح مسلم))
بأنَّه بالكسر على الحكاية وجَوَّزَ الفتح، وحُجّة أبي البَقَاء أنَّ الكسر على خِلاف الظّاهر ولا
يجوز العُدول عنه إلّا لمانع، ولو جازَ من غير أن يَتْبُت به النَّقَلُ لَجَازَ في مِثل قوله تعالى:
﴿أَيَعِدُّكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٥]، وقد اتَّفَقَ القُرّاءُ على أنَّها بالفتح. وتَعقَّبَه الْخُوَيِّيّ (١) بأنَّ
الرِّواية جاءت بالفتح وبالكسر، فلا معنى للرَّدّ. قلت: وقد جَزَمَ ابن الجَوْزيّ بأنَّه في
الرِّواية بالكسر فقط، قال الخُوَيِّيّ: ولو لم تَجِئ به الرِّواية لمَا امتَنَعَ جوازاً على طريق الرِّواية
بالمعنى، وأجابَ عن الآية بأنَّ الوعد مضمونُ الجملة وليس بخُصوصٍ لفظها، فلذلك
اتَّفَقوا على الفتح، فأمَّا هنا فالتَّحديث يجوز أن يكون بلفظه وبمعناه.
قوله: ((يُجمَع في بَطْن أمّه)) كذا لأبي ذرِّ عن شيخَيه، وله عن الكُشْمِيهنيّ: ((أنَّ خَلْق
أحدِكم يُجمَع في بطن أمّه)) وهي رواية آدم في التَّوحيد (٧٤٥٤) وكذا للأكثرِ عن الأعمش،
وفي رواية أبي الأحوص عنه (٣٢٠٨): ((إنَّ أحدكم يُجُمَع خلقه في بطن أمّه))، وكذا لأبي
معاوية ووكيع وابن نُمَير (٢)، وفي رواية ابن فُضَيلِ ومحمَّد بن عُبيد عند ابن ماجَهْ (٧٦):
((أَنَّه يُجمَع خلق أحدكم في بطن أمّه))، وفي رواية شَرِيك مِثل آدم لكن قال: ((ابن آدم)) بَدَل
((أحدكم). والمراد بالجمع: ضَمُّ بعضِه إلى بعض بعد الانتشار. وفي قوله: ((خَلْق)) تعبير
بالمصدَرِ عن الجُثّة، وُمِلَ على أنَّه بمعنى المفعول، كقولهم: هذا دِرْهمٌ ضرْب الأمير، أي:
مَضرُوبه، أو على حذف مُضافٍ، أي: ما يقوم به خَلْق أحدِكم، أو أُطلِقَ مُبالَغةً، كقوله:
وإنَّما هي إقبال وإدبار، جعلها نفس الإقبال والإدبار لكَثْرة وقوع ذلك منها. قال القُرطُبيّ
في ((المفهم)): المراد أنَّ المنيَّ يقع في الرَّحِم حين انزعاجِه بالقوّة الشَّهوانيَّة الدَّافعة مَبثوثاً
مُتَفرِّقاً، فيجمعُه الله في مَحَلّ الولادة من الرَّحِم.
قوله: ((أربعينَ يوماً) زاد في رواية آدم: ((أو أربعينَ ليلة))، وكذا لأكثر الرّواة عن شُعْبة
(١) تصحفت في (أ) إلى: الحربي، وفي (ع) إلى: الجوني، وفي (س) إلى: الخوبي، والصواب ما أثبتنا، وقد سلف
تعليقنا على هذه النسبة ج٢٢/١.
(٢) أخرجه مسلم (٢٦٤٣) من طريقهم، عن الأعمش.

١١
باب ١ / ح ٦٥٩٤
كتاب القدر
بالشكّ، وفي رواية يحيى القَطّان ووكيع وجَرِير وعيسى بن يونس: ((أربعينَ يوماً)) بغير
شَكِّ (١)، وفي رواية سَلَمة بن كُهَيل: ((أربعينَ ليلةً)) بغير شَكٍّ، ويُجمَع بأنَّ المراد: يومٌ بليلتِهِ
أو ليلة بيومها.
ووقَعَ عند أبي عوانة من رواية وهب بن جَرِیر عن شُعبة مِثل رواية آدم، لكن زاد:
(نُطفة)) بين قوله: ((أحدكم)) وبين قوله: ((أربعينَ))، فبيَّن أنَّ الذي يُجمَع هو النُّطفة، والمراد
بالنُّطفة: المنيّ، وأصله الماء الصّافي القليل، والأصل في ذلك أنَّ ماء الرجل إذا لاقَى ماء
المرأة بالجماع، وأراد الله أن/ يَخْلُق من ذلك جَنيناً هَيًَّ أسباب ذلك، لأنَّ في رَحِم المرأة قوَّتَين: ٤٨٠/١١
قوّة انبساط عند وُرودِ مَنيّ الرجل حتَّى يَنتَشِر في جسد المرأة، وقوّة انقباض بحيثُ لا يسيل من
فرجها مع كونه مَنكوساً ومع كَون المنيّ ثقيلاً بطَبعِه، وفي مَنيّ الرجل قوّة الفعل وفي مَنيّ
المرأة قوّة الانفعال، فعند الامتزاج يصير مَنيّ الرجل كالإنفَحة للَّبَن. وقيل: في كلٍّ منهما
قوّةٌ فعلٍ وانِفِعالٍ، لكنَّ الأوَّل في الرجل أكثر وبالعكس في المرأة، وزَعَمَ كثير من أهل التَّشريح
أنَّ مَنيّ الرجل لا أثر له في الولد إلّا في عَقدِهِ، وأَنَّه إنَّما يَتَكَوَّن من دم الحيض، وأحاديث
الباب تُبطِل ذلك، وما ذُكِرَ أوَّلاً أقرب إلى موافقة الحديث، والله أعلم.
قال ابن الأثير في ((النِّهاية): يجوز أن يريد بالجَمْع: مُكْثَ النُّطفة في الرَّحِم، أي: تَكُث
النُّطفة أربعينَ يوماً تُحَمَّر فيه حتَّى تَتَهِيَّا للتَّصوير ثمَّ تُخُلَق بعد ذلك، وقيل: إنَّ ابن مسعود
فَشَرَه بأنَّ النُّطفة إذا وَقَعَت في الرَّحِم، فأراد الله أن يَخْلُقَ منها بَشَراً طارَت في جسد المرأة
تحت كلّ ظُفُرٍ وشَعَر، ثمَّ تَمَكُث أربعينَ يوماً، ثمَّ تَنزِلُ دَماً في الرَّحِم فذلك جمعُها. قلت:
هذا التَّفسير ذكره الخطَّابيّ، وأخرجه ابن أبي حاتم في ((التَّفسير)) من رواية الأعمَش أيضاً
عن خَيْئمةَ بن عبد الرَّحمن عن ابن مسعود، وقوله: ((فذلك جمعُها)» كلامُ الخطَّابيّ، أو تفسير
بعض رواة حديث الباب وأظنُّه الأعمش، فظنَّ ابن الأثير أنَّه تَتِمّةَ كلام ابن مسعود
فأدرَجَه فيه، ولم يَتقدَّم عن ابن مسعود في رواية خَيْئمةَ ذِكْر الجمع حتَّى يُفسِّرَه. وقد رَجَعَ
(١) طريق يحيى القطان عند الترمذي (٢١٣٧)، والبقية عند مسلم (٢٦٤٣).

١٢
باب ١ / ح ٦٥٩٤
فتح الباري بشرح البخاري
الطِّييُّ هذا التَّفسير فقال: الصحابيّ أعلم بتفسير ما سمعَ وأحقٌّ بتأويلِه، وأولَى بقَبُولِ ما
يَتَحدَّث به، وأكثرُ احتياطاً في ذلك من غيره، فليس لمن بعده أن يَتَعقَّب كلامَه. قلت: وقد
وَقَعَ في حديث مالك بن الحويرِثِ رَفَعَه ما ظاهره يُخالف التَّفسير المذكور ولفظه: ((إذا أراد الله
خلق عبدٍ، فجامَعَ الرجل المرأة، طارَ ماؤُه في كلّ عِرقٍ وعُضوٍ منها، فإذا كان يوم السابع
جَمَعَه الله ثمَّ أحضَرَه كلّ عِرق له دونَ آدم، في أيّ صورة ما شاءَ رَكَّبَه))(١) وفي لفظ ثمَّ ثَلا:
«ه﴿في أَيِّ صُورَةٍمَاشَآءَ رَگْتَكَ ﴾ [الإنفطار:٨))(٢)، وله شاهد من حديث رباح اللَّخميّ لكن ليس
فيه ذِكْر يوم السابع(٣). وحاصله: أنَّ في هذا زيادة تَدُلّ على أنَّ الشَّبَهَ يَحَصُل في اليوم السابع،
وأنَّ فيه ابتداءً جمع المنيّ، وظاهر الرُّوايات الأُخرى أنَّ ابتداء جمعِه من ابتداء الأربعين.
وقد وَقَعَ في رواية عبد الله بن رَبِيعَة عن ابن مسعود: أنَّ النُّطْفة التي تُقضَى منها النَّفْس
إذا وَقَعَت في الرَّحِم كانت في الجسد أربعينَ يوماً، ثمَّ تَحَادَرَت دَماً فكانت عَلَقة(٤).
وفي حديث جابر: أنَّ النُّطفة إذا استَقَرَّت في الرَّحِم أربعينَ يوماً أو ليلةً، أذِنَ الله في
خلقها. ونحوه في حديث عبد الله بن عَمْرو.
وفي حديث حُذيفة بن أسيدٍ من رواية عِكْرمة بن خالد عن أبي الطُّفَيل عنه: أنَّ النُّطفة
تقع في الرَّحِم أربعينَ ليلة ثمَّ يَتَسوَّر عليها الملَك(٥). وكذا في رواية يوسف المكِّيّ عن أبي
الطُّفَيل عند الفِرْيابيّ.
وعنده وعند مسلم (٣/٢٦٤٥٠) من رواية عَمْرو بن الحارث عن أبي الزُّبَير عن أبي
الطُّفَيلِ: ((إذا مرَّ بالنُّطفة ثلاث وأربعونَ))، وفي نسخة: ((ثنتان وأربعونَ ليلة)).
وفي رواية ابن جُرَيج عن أبي الزُّبَير عند أبي عَوَانة: (ثنتان وأربعونَ))، وهي عند مسلم
(١) أخرجه ابن منده في ((التوحيد)) (٨٦) و(٢١٧).
(٢) أخرجه الطبراني في ((الصغير)) (١٠٦)، و((الأوسط)) (١٦١٣)، و((الكبير)) ١٩/ (٦٤٤).
(٣) تقدم تخريجه قريباً.
(٤) أخرجه الفريابي في ((القدر)) (١٣١)، وقد تقدمت إشارة الحافظ إليه في أول شرح هذا الحديث.
(٥) أخرجه مسلم (٢٦٤٥) (٤).

١٣
باب ١ / ح ٦٥٩٤
كتاب القدر
لكن لم يَسُق لفظَها، قال: مِثل عَمْرو بن الحارث.
وفي رواية رَبِيعَة بن كُلُوم [عن أبيه](١) عن أبي الطَّفَيل عند مسلم أيضاً (٢٦٤٥): ((إذا
أراد الله أن يَخْلُق شيئاً، يأذَن له لبِضعٍ وأربعينَ ليلة)).
وفي رواية عَمْرو بن دينار عن أبي الطُّفَيلِ: ((يَدخُلِ المَلَك على النُّطفة بعدَما تَستَقِّرّ في
الرَّحِم بأربعينَ أو خمس وأربعينَ)) وهكذا رواه ابن عُيَينَةَ عن عَمْرو عند مسلم (٢/٢٦٤٤).
ورواه الفِرْيابيّ(٢) من طريق محمَّد بن مسلم الطائفيِّ عن عَمْرو فقال: ((خمساً وأربعينَ
ليلة» فجَزَمَ بذلك.
فحاصل الاختلاف أنَّ حديث ابن مسعود لم يختلف في ذِكْر الأربعينَ، وكذا في كثير
من الأحاديث، وغالبها كحديثِ أنسٍ ثاني حديثَي الباب لا تحديد فيه، وحديث حُذَيفة
ابن أسيدٍ اختَلَفَت ألفاظ نَقَلَتِهِ؛ فبعضهم/ جَزَمَ بالأربعينَ كما في حديث ابن مسعود، ٤٨١/١١
وبعضهم زاد ثِنتَينِ أو ثلاثاً أو خمساً أو بضعاً، ثمَّ منهم مَن جَزَمَ ومنهم مَن تَرَدَّدَ. وقد
جَمَعَ بينها القاضي عِيَاض بأنَّه ليس في رواية ابن مسعود بأنَّ ذلك يقع عند انتهاء
الأربعينَ الأولى وابتداء الأربعينَ الثّانية، بل أطلقَ الأربعينَ، فاحتَمَلَ أن يريدَ أنَّ ذلك
يقع في أوائل الأربعينَ الثّانية، ويحتمل أن يُجمَع الاختلاف في العَدَد الزّائد على أنَّه
بحَسَبِ اختلاف الأجِنّة، وهو جيِّد لو كانت مخارج الحديث مُتَلِفة، لكنَّها مُتَّحِدةٌ
وراجِعة إلى أبي الطُّفَيل عن حُذَيفة بن أسيدٍ، فدَلَّ على أنَّه لم يَضِبِطِ القَدْرَ الزّائدَ على
الأربعينَ، والخَطْب فيه سهل. وكلّ ذلك لا يَدفَع الزّيادة التي في حديث مالك بن
الحُويرِثِ في إحضار الشَّبَه في اليوم السابع، وأنَّ فيه يَبتدِئ الجمع بعد الانتشار، وقد قال
ابن مَندَهْ: إنَّه حديث مُتَّصِلٌ على شرط التِّرمِذيّ والنَّسائيّ، واختلاف الألفاظ بكَونِه في
البطن ويكونِه في الرَّحِم لا تأثير له، لأنَّه في الرَّحِم حقيقةً والرَّحِم في البطن، وقد فَسَّروا
قوله تعالى: ﴿فِ ظُلُمَتٍ ثَثٍ﴾ [الزمر: ٦] بأنَّ المراد ظُلمةُ المشيمة وظُلمةُ الرَّحِم وظُلمةُ
(١) ما بين معقوفين سقط من الأصلين و(س)، وأثبتناه من ((صحيح مسلم)).
(٢) في ((القدر)) (١٣٥).

١٤
باب ١ / ح ٦٥٩٤
فتح الباري بشرح البخاري
البطن، فالمشيمةُ في الرَّحِمِ والرَّحِمُ في البطن.
قوله: ((ثُمَّ عَلَقَةً مِثْل ذلك)» في رواية آدم: «ثمَّ تكون عَلَقَةً مِثل ذلك(١)»، وفي رواية
مسلم: ((ثمَّ تكون في ذلك عَلَقة مِثل ذلك)) و((تكون)) هنا بمعنى ((تَصير))، ومعناه: أنَّا
تكون بتلكَ الصِّفة مُدّةَ الأربعينَ ثمَّ تَنقَلِب إلى الصِّفة التي تليها، ويحتمل أن يكون المراد:
يُصَيِِّها شيئاً فشيئاً، فيُخالطُ الدَّم النُّطفة في الأربعينَ الأولى بعد انعقادها وامتدادها،
ويجري في أجزائها شيئاً فشيئاً حتَّى تَتَكَامَلَ عَلَقةً في أثناء الأربعينَ، ثمَّ يُخالطُها اللَّحم شيئاً
فشيئاً إلى أن تَشتَدَّ فتَصير مُضْغة، ولا تُسمَّى عَلَقة قبل ذلك ما دامَت نُطفةً، وكذا ما بعد
ذلك من زمان العَلَقة والمضغة.
وأمَّا ما أخرجه أحمد (٣٥٥٣) من طريق أبي عُبِيدَة(٢) قال: قال عبد الله رَفَعَه: ((إِنَّ
النُّطفة تكون في الرَّحِم أربعينَ يوماً على حالها لا تَغَيَّ)) ففي سنده ضعف وانقطاع، فإن
كان ثابتاً مُلَ نفيُ التغيُّرِ على تمامه، أي: لا تَنَقِل إلى وصف العَلَقة إلّا بعد تمام الأربعينَ، ولا
يَنْفي أنَّ المنيّ يَستَحيل في الأربعينَ الأولِى دَماً إلى أن يصيرَ عَلَقةً(٣).
وقد نَقَلَ الفاضل عليّ بن المهذَّب الحَمَوِيّ الطَّبيب اتِّفاق الأطِّاء على أنَّ خلق الجنين
في الرَّحِم يكون في نحو الأربعينَ، وفيها تَتَميَّزُ أعضاء الذَّكَرِ دونَ الأُنْثَى لحرارة مِزاجِه
وقواه، واعتدالِ (٤) قِوام المنيّ الذي تَتَكَوَّن أعضاؤُه منه ونُضْجِه، فيكون أقبَلَ للَّشكيل(٥)
والتَّصوير، ثمَّ يكون عَلَقة مثل ذلك، والعَلَقة قِطعة دَم جامد، قالوا: وتكون حركة الجنين
في ضِعْف المدّة التي يُخْلَق فيها، ثمَّ يكون مُضغة مثل ذلك، أي: لحمةً صغيرة، وهي الأربعونَ
(١) رواية آدم ستأتي عند البخاري برقم (٧٤٥٤) ولكن لفظها: ((ثم يكون علقةً مثله)).
(٢) أبو عبيدة: هو ابن عبد الله بن مسعود، ثقة، لكنه لم يسمع من أبيه. انظر ((جامع التحصيل)) للعلائي (٣٢٤)
و(تهذيب الكمال)) للمزي ١٤ / ٦١ ترجمة (٣٠٥١).
(٣) زاد هنا في (س) وهامش (أ) لفظة: ((انتهى))، ولم ترد هذه اللفظة في (ع)، وهو الصواب، إذ لم يسبق له
التصريح بأنه نقل هذا الكلام عن أحد، والله أعلم.
(٤) كذا في (ع)، وفي (أ): وأعيد، وفي (س): وأعبد.
(٥) في (أ) و(س): للشكل، والمثبت من (ع).

١٥
باب ١ / ح ٦٥٩٤
كتاب القدر
الثّالثة فَتَتَحرَّك، قال: واتَّفَقَ العلماء على أنَّ نَفخَ الرّوح لا يكون إلّا بعد أربعة أشهُرِ.
وذكر الشَّيخ شَمس الدّين ابن القَيِّم أنَّ داخل الرَّحِم خَشِنٌ كالسفنج، وجُعِلَ فيه
قَبُولاً للمَنِيِّ كَطلبِ الأرض العَطشَى للماءِ، فجعله طالباً مُشتاقاً إليه بالطَّبع، فلذلك
يُمسِكه ويَشتَمِل عليه ولا يَزْلِقُه، بل يَنضَمّ عليه لئلّا يُفسِدَه الهواء، فيأذَنُ الله لمَلَكِ الرَّحِم
في عَقدِه وطَبِه أربعينَ يوماً، وفي تلكَ الأربعينَ يُجِمَع خلقه. قالوا: إنَّ المنيّ إذا اشتَمَلَ
عليه الرَّحِم ولم يَقذِفه استَدارَ على نفسه واشتَدَّ إلى تمام ستّة أيام، فيُنقَطُ فيه ثلاث نُقَطٍ في
مواضع القلب والدِّماغ والكَبِد، ثمَّ يظهر فيما بين تلكَ النُّقَط خُطوطٌ خمسة إلى تمام ثلاثة
أيام، ثمَّ تَنفُذ الدَّمَويَّة فيه إلى تمام خمسةَ عشرَ، فَتَتَمَّز الأعضاء الثلاثة، ثمَّ تَتَذّ رُطُوبة
النُّخاع إلى تمام اثنَي عشرَ يوماً، ثمَّ يَنفَصِل الرَّأس عن المنكِينِ، والأطراف عن الضُّلوع،
والبطن عن الجنبين في تسعة أيام، ثمَّ يَتِمّ هذا التَّمييزُ بحيثُ يظهرُ للحِسِّ في أربعة أيام
فيَكمُل أربعينَ يوماً، فهذا معنى قوله بَّ: ((يُجمَع خلقُه في أربعينَ يوما)) وفيه تفصيل ما
أُجِلَ فيه، ولا يُنافي ذلك قوله: ((ثُمَّ تكون عَلَقة مِثل ذلك)) فإنَّ العَلَقة وإن كانت قِطعة دَم
لكنَّها في هذه/ الأربعينَ الثّانية تَتَقِل عن صورة المنيّ ويظهر التَّخطيط فيها ظُهوراً خَفيّاً على ٤٨٢/١١
التَّدريج، ثمَّ يَتَصَلَّب في الأربعينَ يوماً بتَزايدِ ذلك التَّخليق شيئاً فشيئاً حتَّى يصير مُضْغة
◌ُلَّقة، ويظهر للحِسِّ ظُهوراً لا خَفاء به. وعند تمام الأربعينَ الثّالثة والطَّعن في الأربعينَ
الرَّابِعة يُنْفَخ فيه الرّوحِ كما وَقَعَ في هذا الحديث الصَّحيح، وهو ما لا سبيل إلى مَعرِفَته إلّا
بالوحي، حتَّى قال كثير من فُضَلاء الأطِّاء وحُذّاق الفَلاسفة: إنَّما يُعرَف ذلك بالتَّهُمِ
والظَّنّ البعيد. واختَلَفوا في النُّقْطة الأولى أيّها أسبَق؟ والأكثر نَقْط القلب، وقال قوم: أوَّل
ما يُحْلَق منه السُّرَّةُ؛ لأنَّ حاجتَه من الغِذاء أشدّ من حاجته إلى آلات قواه، فإنَّ من السُّرّة
يَنْبَعِثُ الغِذاء، والحُجُب التي على الجنين في السُّرّة كأنَها مربوطٌ بعضُها ببعضٍ، والسُّرّة في
وسَطها، ومنها يَتَنَفَّسُ الْجَنِينُ ويَتَرَبَّى ويَنجَذِبُ غِذاؤُه منها.
قوله: ((ثمَّ يكون مُضْغة مِثْل ذلك)) في رواية آدم: ((مِثله))، وفي رواية مسلم كما قال في

١٦
باب ١ / ح ٦٥٩٤
فتح الباري بشرح البخاري
العَلَقة، والمراد مِثل مُدّة الزّمان المذكور في الاستحالة، والعَلَقة: الدَّم الجامد الغَليظ، سُمَّ
بذلك للرُّطوبة التي فيه وتَعلَّقِه بما مرَّ به، والمضغة: قِطعة اللَّحم، سُمّيَت بذلك لأنَّا قَدرُ
ما يَمِضُغُ الماضغ.
قوله: ((ثُمَّ يَبْعَث الله مَلَكاً) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((ثُمَّ يُبعَث إلیه مَلَكٌ))، وفي رواية آدم
كالكُشْمِيهنيّ لكن قال: ((الملَك))، ومثله لمسلم بلفظ: ((ثمَّ يُرسِل الله)) واللّام فيه للعهد،
والمراد به عهدٌ مخصوصٌ، وهو جِنْس الملائكة الموكَّينَ بالأرحام، كما ثَبَتَ في رواية حُذَيفة
ابن أَسِيدٍ من رواية رَبِيعَة بن كُلُثُومٍ: ((أنَّ مَلَكاً موَّلاً بالرَّحِم))، ومن رواية عِكْرمة بن
خالد: ((ثمَّ يَتَسوَّر عليها الملَك الذي يُخُلِّقُها)) وهو بتشديد اللّام، وفي رواية أبي الزُّبَير عند
الفِرْيابيّ: ((أتى مَلَك الأرحام)» وأصله عند مسلم لكن بلفظ: «بَعَثَ الله مَلكا»، وفي حديث
ابن عمر: ((إذا أراد الله أن يَخلُق النُّطفة قال مَلَك الأرحام))(١)، وفي ثاني حديثَي الباب عن
أنس: ((وَكَّلَ الله بالرَّحِمِ مَلَكاً)).
وقال الكِرْمانيُّ: إذا ثَبَتَ أنَّ المراد بالملَكِ مَن جُعِلَ إليه أمر تلكَ الرَّحِم، فكيف يُبعَثُ
أو يُرسَل؟ وأجابَ بأنَّ المراد أنَّ الذي يُبعَث بالكلمات غيرُ الملك المؤكَّل بالرَّحِمِ الذي
يقول: يا رَبِّ، نُطفة .. إلى آخره، ثمَّ قال: ويحتمل أن يكون المراد بالبَعْث: أنَّه يُؤمَر بذلك. قلت:
وهو الذي ينبغي أن يُعوَّل عليه، وبه جَزَمَ القاضي عياض وغيره. وقد وَقَعَ في رواية يحيى بن
زكريّا بن أبي زائدة عن الأعمَش(٢): ((إذا استَقَرَّتِ النُّطفةُ في الرَّحِم أخَذَها الملَك بكَفِّه، فقال:
أي رَبّ، أذَكَرٌ أو أُنْشَى؟)) .. الحديث، وفيه: «فيقال: انطَلِقٍ إلى أمّ الكتاب، فإِنَّك تَجِدُ قصَّة هذه
النُّطفة، فَيَنطَلِقُ فَيَجِد ذلك)). فينبغي أن يُفَسَّر الإرسال المذكور بذلك.
واختُلِفَ في أوَّل ما يَتَشَكَّل من أعضاء الجَنين، فقيلَ: قلبه لأنَّه الأساس وهو مَعدِن
الحركة الغريزيَّة، وقيل: الدِّماغ لأنَّه مَجمَع الحَواسّ ومنه تنبعث، وقيل: الكَبِد لأنَّ فيه
(١) أخرجه ابن أبي عاصم (١٨٣)، والبزار (٦٠١٤)، وابن حبان (٦١٧٨). وقد خرّجه الحافظ من قبل من
ابن وهب في ((القدر))، والدار قطني في ((الأفراد))، والبزار، والفريابي.
(٢) عند أبي عوانة كما في ((إتحاف المهرة)) ٢٠٧/١٠.

١٧
باب ١ / ح ٦٥٩٤
كتاب القدر
النُّموَّ والاغتذاءَ الذي هو قِوامُ البَدَن، وَرَجَّحَه بعضُهم بأنَّه مُقتَضَى النِّظام الطَّبيعيّ، لأنَّ
النُّموّ هو المطلوب أوَّلاً ولا حاجة له حينئذٍ إلى حِسّ ولا حركة إراديَّةٍ، لأنَّه حينئذٍ بمَنزِلة
النَّبَات، وإنَّما يكون له قوّةُ الحِسِّ والإرادة عند تَعلَّقِ النَّفْسِ به، فيُقدَّمُ الكَبِدُ ثمَّ القلبُ ثمَّ
الدِّماغ.
قوله: ((فُؤْمَر بأربعةٍ)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((بأربع))، والمعدود إذا أُبهمَ جازَ تذكيره وتأنیثه،
والمعنى أنَّه يُؤْمَر بكتبٍ أربعة أشياءَ من أحوال الجنين، وفي رواية آدم: ((فُيُؤْمَر بأربع كلماتٍ))
وكذا للأكثر، والمراد بالكلمات: القَضايا المقدَّرة، وكلّ قضيَّةٍ تُسمَّى كلمةً.
قوله: ((بِرِزْقِهِ، وأجَلِه، وشَقيٌّ أو سعيدٌ)) كذا وَقَعَ في هذه الرِّواية، ونَقَصَ منها ذِكْر
العمل وبه تَتِمّ الأربع، وثَبَتَ: قوله «وعَمَله)) في رواية آدمَ، وفي رواية أبي الأحوص عن
الأعمَش(١): ((فُيُؤمَر بأربع كلماتٍ، ويقال له: اكتُب ... )) فذكر الأربع، وكذا لمسلمٍ والأكثر،
وفي رواية لمسلمٍ أيضاً (٢٦٤٣): ((فُيُؤْمَر بأربع كلمات، بِكَتْب رِزقه ... )) إلى آخره، وضُبِطَ
(بكتبٍ)) بوجهَينِ، أحدُهما: بموخَّدة مكسورةٍ وكافٍ مفتوحةٍ / ومُثنّاةٍ ساكنةٍ ثمَّ موحّدةٍ، ٤٨٣/١١
على البَدَل، والآخر: بتحتانيَّةٍ مفتوحةٍ بصيغة الفعل المضارع، وهو أوجَه لأنَّه وَقَعَ في
رواية آدمَ: ((فُؤذَن بأربع كلماتٍ، فيَكتُب)»، وكذا في رواية أبي داود (٤٧٠٨) وغيره (٢).
وقوله: (شَقِيّ أو سعيد)) بالرَّفع خَبَرَ مُبْتَدَأٍ محذوفٍ، وتَكلَّفَ الخُوَنِّي في قوله: إنَّه يُؤمَر
بأربع كلمات فيَكتُب منها ثلاثاً، والحقّ أنَّ ذلك من تَصَرُّف الرُّواة، والمراد: أنَّه يَكتُب لكلِّ
أحدٍ إمّا السَّعادة وإمّا الشَّقاء، ولا يَكْتُبُهما لواحدٍ معاً وإن أمكنَ وجودهما منه، لأنَّ الحُكم
إذا اجْتَمَعا للأغْلَبِ، وإذا تَرَتَّبَا فِلِلخاتمة، فلذلك اقتَصَرَ على أربعٍ، وإلّا لَقال: خمس.
والمراد من كتابة الرِّزق: تقديرُه قليلاً أو كثيراً، وصِفَتُه حراماً أو حلالاً، وبالأجَلِ: هل هو
طويل أو قصير؟ وبالعملِ: هل هو صالحٌ أو فاسدٌ؟
(١) السالفة عند البخاري برقم (٣٢٠٨).
(٢) سلف برقم (٣٣٣٢)، وسيأتي في رواية آدم: (٤٧٥٤).

١٨
باب ١ / ح ٦٥٩٤
فتح الباري بشرح البخاري
ووَفَعَ لأبي داود (٤٧٠٨) من رواية شُعْبة والثَّوْرِيِّ جميعاً عن الأعمَش: ((ثمَّ يَكتُب
شَقّاً أو سعيداً (١))، ومعنى قوله: ((شَقِيٌّ أو سعيدٌ)): أنَّ المَلَك يَكتُب إحدَى الكَلمَتَينِ، كأن
يَكتُبَ مثلاً: أجَلُ هذا الجنين كذا، ورِزقُه كذا، وعَمَلُه كذا، وهو شَقيّ باعتبار ما يُخْتَم له،
وسعيد باعتبار ما يُحْتَم له، كما دَلَّ عليه بقيَّة الخبر، وكان ظاهرُ السّياق أن يقول: ويَكتُب
شَقاوتَه وسعادته، لكن عَدَلَ عن ذلك، لأنَّ الكلامِ مَسوقٌ إليهما والتَّفصيل واردٌ عليهما،
أشارَ إلى ذلك الطِّيبيّ.
ووَقَعَ في حديث أنسٍ ثاني حديثَي الباب: ((إنَّ الله وَكَّلَ بالرَّحِمِ مَلَكاً فيقول: أي رَبِّ،
أَذَكَرٌ أو أُنْثَى؟)).
وفي حديث عبد الله بن عَمْرو: ((إذا مَكَثَتِ النُّطفة في الرَّحِم أربعينَ ليلةً جاءها مَلَكٌ،
فقال: اخلُقْ يا أحسنَ الخالقينَ، فيقضي الله ما شاءَ، ثمَّ تُدفَع إلى الملَك، فيقول: يا رَبِّ
أسَقْطٌ أم تامٌّ؟ فيُبيِّنُ له، ثمَّ يقول: أواحدٌ أم تَوأمٌ؟ فيُبيِّنُ له، فيقول: أَذَكَرٌ أم أُنْشَى؟ فيُبُِّ له،
ثُمَّ يقول: أناقصُ الأجَلِ أم تامّ الأجَل؟ فيُبيِّنُّ له، ثمَّ يقول: أشَقيُّ أم سعيد؟ فيُيِّنُ له. ثمّ
یقطع له رِزقه مع خَلْقِه فيهِط بهما)».
ووَقَعَ في غير هذه الرّواية أيضاً زيادةٌ على الأربع، ففي رواية عبد الله بن رَبیعة عن ابنِ
مسعود: ((فيقول: اكتُب ◌ِرِزقَه، وأثرَه، وخَلْقَه وأجَلَه(٢)، وشَقيٍّ أو سعيدٌ)).
وفي رواية خُصَيف عن أبي الزُّبَير عن جابر (٣) من الزّيادة: ((أي رَبِّ مُصيبَتُه، فيقول:
کذا و کذا».
وفي حديث أبي الدَّرداء عند أحمد (٢١٧٢٢) والفِرْيابيّ (١٥٢): «فَرَغَ الله إلى كلّ عبد من
(١) في النسخ التي بين أيدينا في ((سنن أبي داود)): ((شقي أو سعيد)) بالرفع، ومنها نسخة بخط الحافظ ابن حجر نفسه،
ووقع في هامش إحدى النسخ ما نصه: ((شقياً أو سعيداً هو الصواب)).
(٢) لفظة: ((وأجله)) سقطت من (س).
(٣) عند الفريابي في ((القدر)) (١٤٣).

١٩
باب ١ / ح ٦٥٩٤
كتاب القدر
خمس: من عمله، وأجَلِه، ورِزقِه، وأثره، ومَضجَعِه)).
وأمَّا صِفَة الكتابة فظاهرُ الحديث أنَّها الكتابة المعهودةُ في صحيفَتِهِ، ووَقَعَ ذلك صريحاً
في رواية لمسلمٍ في حديث حُذيفة بن أسيدٍ (٢/٢٦٤٤): «ثمَّ تُطوی الصَّحیفة فلا يُزاد فيها
ولا يُنقَص))، وفي رواية الفِرْيابيّ (١٣٢): ((ثُمَّ تُطوى تلكَ الصَّحيفة إلى يوم القيامة))، ووَقَعَ
في حديث أبي ذرٍّ: ((فيقضي الله ما هو قاضٍ، فيَكتُب ما هو لاقٍ بين عينَه))، وتلا أبو ذَرِّ خمس
آيات من فاتحة سورة التَّغابُن. ونحوه في حديث ابنِ عمر في ((صحيح ابنِ حِبّان)) (٦١٧٨)
دونَ تلاوة الآية، وزاد: ((حتَّى النَّكبة يُنكَبُها))، وأخرجه أبو داود في كتاب ((القَدَر)) المفرَد.
قال ابنُ أبي جَمْرة في الحديث في رواية أبي الأحوص: يحتمل أن يكون المأمور بكتابته
الأربع المأمور بها ويحتمل غيرها، والأوَّل أظهَرُ لما بيَّنَته بقيَّةُ الرِّوايات.
وحديث ابنِ مسعود بجميع طرقه يدلّ على أنَّ الجَنِينَ يَتَقَلَّب في مئة وعشرينَ يوماً في
ثلاثة أطوار، كلّ طَورٍ منها في أربعينَ، ثمَّ بعد تَكمِلَتِها يُنفَخُ فيه الرّوح، وقد ذكر الله تعالى
هذه الأطوار الثلاثة من غير تقييدٍ بِمُدّةٍ في عِدّة سورٍ، منها في الحجّ [٥] وقد تقدَّمَتِ
الإشارة إلى ذلك في كتاب الحيض في ((بابٍ ﴿أُخَلَّقَةٍ وَغَيْرٍ مُخَلَّقَةٍ﴾)) (٣١٨)، ودَلَّتِ الآية
المذكورة على أنَّ التَّخليق يكونُ للمُضْغة، وبيَّن الحديث أنَّ ذلك يكونُ فيها إذا تَكامَلَتِ
الأربعون، وهي المدّة التي إذا انتَهَت سُمّيَت مُضْغة، وذكر الله النُّطفة ثمَّ العَلَقةَ ثمَّ المضغةَ
في سُوَرٍ أُخرى، وزاد في سورةِ قد أفلَحَ بعد المضغة: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا
اٌلْعِظَمَ ◌َحْمًا﴾ الآيةَ [المؤمنون: ١٤]، ويُؤخَذ منها ومن حديث الباب أن تَصييرَ المضغة
عِظاماً بعد نَفْخ الرّوح، ووَقَعَ في آخر رواية أبي عبيدة المتقدِّم ذِكرُها قريباً بعد/ ذِكْر المضغة: ٤٨٤/١١
((ثُمَّ تكونُ عِظاماً أربعينَ ليلة، ثمَّ يَكسُو الله العِظام لحما))(١). وقد رَتَّبَ الأطوار في الآية
(١) ذكر الحافظ رواية أبي عبيدة عن أبيه قبل صفحات، وعزاها إلى أحمد (٣٥٥٣)، ولفظها: ((إن النطفة تكون في
الرحم أربعين يوماً على حالها لا تَغَيّ، فإذا مضت الأربعون، صارت علقة، ثم مضغة كذلك، ثم عظاماً
كذلك)). أما اللفظ الذي أورده الحافظ هنا فهو عند الخلال في («السنة» (٨٩٢)، وابن الأعرابي في ((المعجم))
(١٤٩٣)، والطبراني في ((الصغير)) (٤٤٢) من طريق أبي وائل، عن ابن مسعود. وإسنادها ضعيف.

٢٠
باب ١ / ح ٦٥٩٤
فتح الباري بشرح البخاري
بالفاءِ لأنَّ المراد أنَّه لا يَتَخلَّل بين الطَّورَينِ طَورٌ آخر، ورَتَّبَها في الحديث بِثُمَّ إشارةً إلى المدّة
التي تَتَخلَّل بين الطَّورَينِ لَيَتكامَلَ فيها الطَّور، وإنَّما أتى بِثُمَّ بين النُّطفة والعَلَقة لأنَّ النُّطفة
قد لا تَتَكَوَّنُ إنساناً، وأتى بِثُمَّ في آخر الآية عند قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقَاءَاخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤]
ليدلّ على ما يَتَجَدَّد له بعدَ الخروج من بطن أمِّه، وأمَّا الإتيان بُثُمَّ في أوَّل القصّة بين السُّلالة
والنُّطفة، فِلِلإِشارة إلى ما تَخْلَّلَ بين خَلْقِ آدمَ وخَلْق ولدِه.
ووَقَعَ في حديث حُذَيفة بن أَسِيدٍ عند مسلم ما ظاهرُه يُخالفُ حديثَ ابنِ مسعودٍ،
ولفظه: ((إذا مرَّ بالنُّطفة ثلاث وأربعونَ - وفي نسخة: ثِنتان وأربعونَ - ليلة، بَعَثَ الله إليها
مَلَكاً فصَوَّرَها، وخَلَقَ سَمعَها وبَصَرَها وجِلدَها ولحمَها وعَظمَها، ثمَّ قال: أي رَبِّ أُذَكَرٌ
أم أُنْثَى؟ فيقضي رَبُّك ما شاءَ، ويَكتُب الملَك، ثمَّ يقول: يا رَبِّ أجَلُه)) الحديث، هذه رواية
عَمْرو بن الحارث عن أبي الزُّبَير عن أبي الطُّفَيل عن حُذَيفة بن أَسِيدٍ في مسلم، ونَسَبَها
عِيَاضٌ في ثلاثة مواضعَ من شرح هذا الحديث إلى رواية ابنِ مسعود، وهو وهمٌّ، وإنَّما
لابنِ مسعود في أوَّل الرِّواية ذِكْر في قوله: ((الشَّقيُّ مَن شَقِيَ في بطن أمِّه، والسَّعيد مَن
وُعِظَ بغيره) فقط، وبقيَّة الحديث إنَّما هو لحُذيفة بن أسيدٍ، وقد أخرجه جعفر الفِرْيابيّ من
طريق يوسف المكِّيّ عن أبي الطُّفَيل عنه بلفظ: ((إذا وَقَعَتِ النُّطفة في الرَّحِم ثمَّ استَقَرَّت
أربعينَ ليلة، قال: فَيَجىء مَلَكُ الرَّحِم فيَدخُل فِيُصَوِّر له عَظمَه ولحمَه وشَعرَه وبَشَرَه وسَمعَه
وبَصَرَه، ثمَّ يقول أي: رَبِّ أَذَكَرٌ أو أُنْشَى؟)) الحديث.
قال القاضي عِيَاض: وحَملُ هذا على ظاهره لا يَصِحّ، لأنَّ التَّصوير بأثرِ النُّطفة وأوَّل
العَلَقة في أوَّل الأربعينَ الثّانية غير موجود ولا معهود، وإنَّما يقع التَّصوير في آخر الأربعينَ
الثّالثة كما قال تعالى: ﴿فُتَّ خَلَقْنَا الْنُطْفَةَ عَلَقَةٌ فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةٌ فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ
عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ الآيةَ، قال: فيكونُ معنى قوله: «فصَوَّرَها ... )) إلى آخره، أي:
كَتَبَ ذلك، ثمَّ يفعله بعد ذلك، بدليل قوله بعدُ: ((أذَكَرٌ أو أُنْثَى؟)) قال: وخلقُه جميعَ الأعضاءِ
والذُّكوريَّةَ والأُنوثيَّةَ يقعُ في وقتٍ مُتَّفَقٍ، وهو مُشاهَدٌ فيما يُوجَدُ من أجِنّة الحيوان، وهو