النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
باب ٥٢ / ح ٦٥٧٤
كتاب الرقاق
حينئذٍ باستمرارهم على الاعتقاد فيهم، ويحتمل أن يَتْبَعوهم بأن يُساقوا إلى النار قَهراً.
ووَقَعَ في حديث أبي سعيد الآتي في التَّوحيد (٧٤٣٩): ((فيذهب أصحاب الصَّليب مع
صَليبهم، وأصحاب كلّ الأوثان مع أوثانهم، وأصحاب كلّ آلهِةٍ مع آلهتهم))، وفيه إشارة
إلى أنَّ كلّ مَن كان يَعبُد الشَّيطان ونحوه مَمَّن يَرضَى بذلك، أو الجماد والحيوان داخِلُون في
ذلك، وأمَّا مَن كان يَعبُد مَن لا يَرضَى بذلك كالملائكة والمسیح فلا، لكن وَقَعَ في حدیث
ابن مسعود: ((فيَتَمثَّل لهم ما كانوا يَعْبُدُونَ فِيَنطَلِقونَ»، وفي رواية العلاء بن عبد الرّحمن:
((فَيَتَمثَّل لصاحبِ الصَّليب صَليبُهُ ولصاحبِ التَّصاوير تصاويرُه)) فأفادَت هذه الزّيادة
تعميم مَن كان يَعبد غير الله، إلّا مَن سَيُذكَرُ من اليهود والنَّصارَى، فإنَّه ◌ُخَصّ من عُموم
ذلك بدلیله الآتي ذكره.
وأمَّا التَّعبير بالتَّمثيل فقال ابن العربيّ: يحتمل أن يكون التَّمثيل تلبيساً عليهم، ويحتمل
أن يكون التَّمثيل لمن لا يَستَحِقّ التَّعذيب، وأمَّا مَن سواهم فيُحضَرونَ حقيقةً لقولِه تعالى:
﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨].
قوله: ((وَبقَى هذه الأُمّة)) قال ابن أبي جَمْرة: يحتمل أن يكون المراد بالأُمّة أمّة محمَّد ◌َ
ويحتمل أن يُحمَل على أعَمّ من ذلك فيَدخُل فيه جميع أهل التَّوحيد حتَّى من الجِنّ، ويدلّ
عليه ما في بقيّة الحديث أنَّه یبقی من كان يعبد الله من برّ وفاچِر.
قلت: ويُؤْخَذ أيضاً من / قوله في بقيَّة الحديث: ((فأكون أوَّلَ مَن يُحِيز)) فإنَّ فيه إشارةً ٤٤٩/١١
إلى أنَّ الأنبياءَ بعدَه ◌ُحِيزونَ أُمَهم.
قوله: ((فيها مُنافقوها)) كذا للأكثر، وفي رواية إبراهيم بن سعد: «فيها شافعوها أو
مُنافقوها، شَكَّ إبراهيم)) والأوَّل المعتمَد.
وزاد في حديث أبي سعيد: «حتَّى يبقى مَن كان يَعبُّد الله من بَرّ وفاچِر، وغُبَّرات أهل
الكتاب)) بضمِّ الغَين المعجمة وتشديد الموخَّدة، وفي رواية مسلم (١٨٣): ((وغُبَّر))، وكلاهما

٤٨٢
باب ٥٢ / ح ٦٥٧٤
فتح الباري بشرح البخاري
جمع غابر، أو الغُبَّرات جمع غُبَّر (١)، وغُبَر جمع غابر، ويُجمَع أيضاً على أغبار، وغُبَّر الشَّيء: بَقِيَّتَه،
وجاء بسكونِ الموحّدة، والمراد هنا مَن كان يوحِّد الله منهم. وصَحَّفَه بعضهم في مسلم
بالتَّحتائيَّة بلفظ التي للاستثناء، وجَزَمَ عِيَاض وغيره بأنَّه وهمٌّ.
قال ابن أبي جَمْرة: لم يَذكُر في الخبر مَآلَ المذكورينَ، لكن لمَّا كان من المعلوم أنَّ
استقرارَ الطَّواغيت في النار عُلمَ بذلك أنَّهم معهم في النار، كما قال تعالى: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ
النَّارَ﴾ [هود:٩٨].
قلت: وقد وَقَعَ في رواية سُهَيل التي أشرت إليها قريباً: ((فتَتَبَع الشَّيَاطِينَ والصَّليبَ
أولیاؤُهم إلى جَهَنَّم)).
ووَقَعَ في حديث أبي سعيدٍ من الزّيادة: ((ثُمَّ يُؤْتَى بجَهَنَّمَ كأنَّهَا سَرابٌ - بمُهمَلةٍ ثمَّ
موحّدة - فيقال لليهودِ: ما كنتُمْ تَعبُدُونَ) الحديث، وفيه ذِكْرِ النَّصارَى، وفيه: ((فيَتَسَاقَطُونَ
فِي جَهَنَّم حتَّى یبقی من كان يعبد الله من برّ أو فاچِر)).
وفي رواية هشام بن سعد عن زيد بن أسلَمَ عند ابن خُزَيمةَ(٢) وابن مَندَهْ (٨١٦)
وأصله في مسلم (٣٠٣/١٨٣) ((فلا يبقى أحد كان يَعبُد صَنَماً ولا وثَناً ولا صورة إلّا
ذهبوا حتَّى يَتساقطوا في النار)).
وفي رواية العلاء بن عبد الرّحمن: ((فُيُطْرَح منهم فيها فوجٌ، فيُقالُ: هل امتَلَأت؟ فتقول:
هل من مزيدٍ)) الحديث.
فكأنَّ اليهود وكذا النَّصارَى مَمَّن كان لا يَعبد الصُّلبان لمَّا كانوا يَدَّعونَ أنَّهم يَعبُدونَ الله
تعالى تأخّروا مع المسلمينَ، فلمَّا حُوقِقُوا (٣) على عبادة مَن ذُكِرَ من الأنبياء أُلِقوا بأصحابٍ
الأوثان. ويُؤيِّده قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَالْمُشْرِكِينَ فِ نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ
(١) يعني جمع الجمع.
(٢) في ((التوحيد)) ٤٢٣/٢، ولم يسقه بتمامه، لكنه أشار إلى هذه الزيادة في رواية هشام بعد ذلك ٤٢٨/٢.
(٣) تحرف في (س) إلى: حققوا. وحوققوا، أي: خُوصِموا لإظهار الحقّ.

٤٨٣
باب ٥٢ / ح ٦٥٧٤
كتاب الرقاق
: [البينة: ٦] الآيةَ، فأمَّا مَن كان مُتَمسِّكاً بدِينِهِ الأصليّ فخَرَجَ بمفهوم قوله: ﴿ الَّذِينَ
فـ
كَفَرُوا﴾.
وعلى ما ذُكِرَ من حديث أبي سعيد يبقى أيضاً مَن كان يُظهِر الإيمان من مُلِصٍ ومُنافِقٍ.
قوله (١):(فيَّدَّعي اليهود) قُدِّموا بسببٍ تَقَدُّم مِلَتِهِم على مِلّة النَّصارَى.
قوله: ((فيقال لهم)) لم أقِفْ على تسمية قائلِ ذلك لهم، والظّاهر أنَّه الملك المؤكَّل بذلك.
قوله: ((كنَّا نَعْبُد عُزَيراً ابن الله)) هذا فيه إشكالٌ، لأنَّ المَّصِفَ بذلك بعضُ اليهود
وأكثرهم يُنكِرِونَ ذلك، ويُمكِن أن يُجاب بأنَّ خصوص هذا الخِطاب لمن كان مُتَّصِفاً
بذلك، ومَن عَداهم يكون جوابهم ذِكْر مَن كفروا به كما وَقَعَ في النَّصَارَى، فإنَّ مَن أجابَ
منهم بالمسيحِ ابن الله، مع أنَّ فيهم مَن كان بزَعمِه يَعبد الله وحدَه، وهم الاتِّحاديَّةُ الذينَ
قالوا: إنَّ الله هو المسيحُ ابنُ مريمَ.
قوله: ((فيقال لهم: كذَبتُم)) قال الكِرْمانيُّ: التَّصديق والتَّكذيب لا يَرجِعان إلى الحُكم
الذي أشارَ إليه، فإذا قيل: جاء زيد بن عَمْرو بكذا، فمَن كذَّبَه أنكَرَ مَجيئه بذلك الشَّيء، لا
أَنَّه أنكَرَ أنه(٢) ابن عَمْرو، وهُنا لم يُنكِرِ عليهم أنَّهم عَبدوا، وإنَّما أنكَرَ عليهم أنَّ المسيحَ ابنُ الله.
قال: والجواب عن هذا أنَّ فيه نفيَ اللّازِمِ، وهو كَونه ابنَ الله، ليَلزَمَ نفيُ الملزومِ وهو عبادةٌ
ابن الله.
قال: ويجوز أن يكون الأوَّل بحَسَبِ الظّاهر وتَحصُل قَرِينةٌ بحَسَبِ المقام تقتضي
الرُّجوع إليهما جميعاً أو إلى المشار إليه فقط.
قال ابن بَطّال: في هذا الحديث أنَّ المنافقينَ يَتأخّرونَ مع المؤمنينَ رَجاءَ أن يَنفَعهم ذلك
بناء على ما كانوا يُظهِرونَه في الدُّنيا، فظنّوا أنَّ ذلك يَستَمِّرّ لهم، فميَّزَ الله تعالى المؤمنينَ بالغُرّة
(١) الشرح من هنا وحتى قوله: ((فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون)) على ألفاظ حديث أبي سعيد الخدري
المتقدم عند البخاري برقم (٤٥٨١).
(٢) عبارة ((أنكر أنه)) سقطت من (س).

٤٨٤
باب ٥٢ / ح ٦٥٧٤
فتح الباري بشرح البخاري
والتَّحجيل إذ لا غُرّةَ للمُنافِقِ ولا تَحجيلَ.
قلت: قد ثَبَتَ أنَّ الغُرّة والتَّحجيل خاصّ بالأُمّة المحمَّديَّة(١)، فالتَّحقيق أنَّهم في هذا
المقام يَتَمَيَّزونَ بعَدَمِ السُّجود وبإطفاءِ نورهم بعد أن حَصَلَ لهم، ويحتمل أن يَحصُل لهم الغُرّة
والتَّحجيل ثمَّ يُسلَبان عند إطفاء النُّور.
٤٥٠/١١
وقال القُرطُبِّ: ظنَّ المنافقونَ أنَّ تَسَتُّرَهم بالمؤمنينَ يَنفَعهم(٢)/ في الآخرة كما كان يَنفَعهم
في الدُّنيا جهلاً منهم، ويحتمل أن يكونوا خُشِروا معهم لما كانوا يظهرونَه من الإسلام، فاستَمرَّ
ذلك حتَّى ميَّزَهم الله تعالى منهم. قال: ويحتمل أنَّهم لمَّا سمعوا: ((لِتَبَع كلّ أمّة مَن كانت
تَعبُد)) والمنافق لم يكن يَعبُد شيئاً بَقِيَ حائراً حتَّى مُيِّز.
قلت: هذا ضعيف لأنَّه يقتضى تخصيص ذلك بمُنافقٍ كان لا يَعبُد شيئاً، وأكثر المنافقينَ
کانوا یعبدونَ غیرَ اللهمِن وثن وغيره.
قوله: ((فيأتيهم الله في غير الصّورة التي يَعرِفونَ)) في حديث أبي سعيد الآتي في التَّوحيد
(٧٤٣٩): «في صورةٍ غير صورته التي رأوه فيها أوَّل مرَّة))، وفي رواية هشام بن سعد: «ثمَّ
يَتْبَدَّى لنا الله في صورة غير صورته التي رأيناه فيها أوَّلَ مرَّة)).
ويأتي في حديث أبي سعيد من الزّيادة: ((فيقال لهم: ما يَحَبِسُكم وقد ذهب الناس؟
فيقولون: فارَقْناهم ونحنُ أحوجُ مِنّا إليه اليوم، وإنّ سمعنا مُنادياً ينادي: ليَلحَقْ كلُّ قوم
ما كانوا يَعْبُدُونَ، وإنّا نَنتَظِرِ رَبَّنا»، ووَقَعَ في رواية مسلم هنا(٣): ((فارَقنا الناس في الدُّنيا
أفقَرَ ما كنَّا إليهم ولم نُصاحبهم)).
وَرَجَّحَ عِيَاض رواية البخاريّ، وقال غيره: الضَّمير لله، والمعنى: فارَقنا الناس في
(١) يشير إلى الحديث المتقدم برقم (١٣٦) عن أبي هريرة رفعه: ((إنَّ أمتي يُدعَون يوم القيامة غُرَّا مُحَجَّلين من
آثار الوضوء ... )) الحديث.
(٢) في (أ) يمنعهم، في الموضعين، والمثبت من (ع) و(س) هو الموافق لما في مطبوع ((المفهم)) للقرطبي.
(٣) فات الحافظ رحمه الله أنَّ هذه الرواية عند البخاري أيضاً في حديث أبي سعيد المتقدم برقم (٤٥٨١).

٤٨٥
كتاب الرقاق
مَعبوداتهم ولم نُصاحبهم، ونحنُ اليوم أحوجُ لَرَبِّنا، أي: إنّا مُحتاجونَ إليه.
وقال عِيَاض: بل ((أحوج)) على بابها، لأنَّهم كانوا محتاجينَ إليه في الدُّنيا فهم في الآخرة
أحوجُ إليه.
وقال النَّوويّ: إنكاره لرواية مسلم مُعتَرَض، بل معناه: التَّضَرُّع إلى الله في كشف
الشِّدّة عنهم بأنَّهم لَزِموا طاعَته، وفارَقوا في الدُّنيا مَن زاغَ عن طاعته من أقاربهم، مع
حاجتهم إليهم في مَعَايشهم ومصالح دُنياهم، كما جَرَى لمُؤمِني الصحابة حين قاطَعوا مِن
أقاربهم مَن حادَّ اللهَ ورسولَه مع حاجتهم إليهم والارتفاق بهم، وهذا ظاهر في معنى
الحدیث لا شكّ في حُسنِه.
وأمَّا نِسبة الإتيان إلى الله تعالى فقيلَ: هو عبارة عن رُؤيَتهم إيّاه، لأنَّ العادة أنَّ كلّ مَن
غابَ عن غيره لا يُمكِن رُؤيَته إلّا بالمجيءِ إليه، فعَبَّرَ عن الرُّؤية بالإتيان مجازاً، وقيل:
الإتيان فعل من أفعال الله تعالى يَجِبُّ الإيمان به مع تنزيهه سبحانه وتعالى عن سِمَةِ الحُدوث.
وقيل: فيه حذف تقديره: يأتيهم بعضُ ملائكة الله(١).
ورَجَّجَه عِيَاض، قال: ولعلَّ هذا الملك جاءهم في صورة أنكَروها لمَّا رأوا فيها من
سِمة الحَدَثِ الظّاهرة على الملَك لأنَّه مخلوق. قال: ويحتمل وجهاً رابعاً وهو أنَّ المعنى
يأتيهم الله بصورة - أي: بصِفَةٍ - تظهر لهم من الصّور المخلوقة التي لا تُشبِهِ صِفَة الإله
ليَختَبِرَهم بذلك، فإذا قال لهم هذا الملَك: أنا رَبّكم، ورأوا عليه من علامة المخلوقينَ ما
یعلمون به أنَّه لیس ربّهم، استعادوا منه لذلك. انتھی.
وقد وَقَّعَ في رواية العلاء بن عبد الرَّحمن المشار إليها: (فيَطَّلِعِ عليهم رَبّ العالمينَ»، وهو
يُقوِّي الاحتمال الأوَّل.
(١) إتيان الله تعالى ومجيؤه من صفاته التي ينبغي الإيمان بها وإمرارها كما جاءت من غير تمثيل ولا تكييف، كذلك هو
منهج أئمة المسلمين من المتقدمين من الفقهاء وأهل الحديث وغيرهم. انظر (فتح الباري)) لابن رجب الحنبلي
عند شرح الحديث (٨٠٦) ٢٣٥/٧-٢٣٦.

٤٨٦
باب ٥٢ / ح ٦٥٧٤
فتح الباري بشرح البخاري
قال: وأمَّا قوله بعد ذلك: ((فيأتيهم الله في صورته التي يَعرِفونَها)) فالمراد بذلك الصِّفة،
والمعنى: فيَتَجَّ الله لهم بالصِّفة التي يعلمونَه بها، وإنَّما عَرَفوه بالصِّفة وإن لم تكن تقدَّمَت
لهم رُؤيَتُه لأنَّهم يَرَونَ حينئذٍ شيئاً لا يُشبِه المخلوقينَ، وقد علموا أنَّه لا يُشبِه شيئاً من مخلوقاته
فيعلمونَ أَنَّه رَبّهم فيقولون: أنتَ رَبّنا، وعَبَّرَ عن الصِّفة بالصّورة لمُجانَسة الكلام لتَقَدُّم ذِكْر
الصّورة.
قال: وأمَّا قوله: ((نعوذ بالله مِنك)) فقال الخطّابيُّ: يحتمل أن يكون هذا الكلام صَدَرَ من
المنافقينَ، قال القاضي عياض: وهذا لا يَصِحُ ولا يَستَقیم الكلام به.
وقال النَّوويّ: الذي قاله القاضي صحيحٌ، ولفظ الحديث مُصرِّح به أو ظاهرٌ فيه،
انتھی.
ورَجَّحَه القُرطُبيّ في ((النَّذكِرة)) وقال: إنَّه في الامتحان الثّاني يَتَحقَّق ذلك، فقد جاء في
حديث أبي سعيد: ((حتَّى إِنَّ بعضَهم لَيَكاد يَنْقَلِب)).
وقال ابن العربيّ: إنَّما استَعاذوا منه أوّلاً لأنَّهم اعتَقَدوا أنَّ ذلك الكلام استدراجٌ، لأنَّ الله لا
يأمر بالفَحشاء، ومن الفَحشاء اتِّباع الباطِل وأهله، ولهذا وَقَعَ في ((الصَّحيح): ((فيأتيهم الله
٤٥١/١١ في صورة - أي: بصورةٍ - لا يَعِرِفونَها)) وهي الأمر باتِّباع أهل الباطل، فلذلك يقولون: ((إذا/
جاء رَبُّنَا عَرَفناه)) أي: إذا جاءنا بما عَهِدناه منه من قولِ الحقّ.
وقال ابن الجوزيّ: معنى الخبر: يأتيهم الله بأهوال يوم القيامة ومَن صور الملائكة بما لم
يَعهَدوا مِثْلَه في الدُّنيا، فيستعيذونَ من تلكَ الحال، ويقولون: إذا جاء رَبّنا عَرَفناه، أي: إذا
أتانا بما نعرفُه من لُطفه، وهي الصّورة التي عَبَّرَ عنها بقوله: ((يُكشَفُ عن ساقٍ)) أي: عن
شِدّةٍ.
وقال القُرطُبيّ: هو مقامٌ هائلٌ يَمْتَحِن الله به عباده لِيَمِيزَ الخبيثَ من الطيِّب، وذلك أنَّه
لمَّا بَقِيَ المنافقونَ مُخْتَلِطِينَ بالمؤمنينَ، زاعِمينَ أَّهم منهم، ظانّينَ أنَّ ذلك يجوزُ في ذلك
الوقت كما جازَ في الدُّنيا، امتَحَتَهم الله بأن أتاهم بصورةٍ هائلة، قالت للجميع: أنا رَبّكم،

٤٨٧
باب ٥٢ / ح ٦٥٧٤
كتاب الرقاق
فأجابَه المؤمنونَ بإنكار ذلك لِما سَبَقَ لهم من مَعرِفَته سبحانه وأنَّه مُنَزَّهُ عن صفات هذه
الصّورة، فلهذا قالوا: نعوذ بالله مِنك لا نُشِرِك بالله شيئاً، حتَّى إنَّ بعضهم لَيَكاد يَنقَلِب،
أي: يَزِلّ فيوافق المنافقينَ. قال: وهؤلاءِ طائفة لم يكن لهم رُسوخ بين العلماء ولعلَّهم الذينَ
اعتَقَدوا الحقّ وحَوَّموا عليه من غير بصيرة. قال: ثمَّ يقال بعد ذلك للمؤمنينَ: هل بينكم
وبينه علامة؟
قلت: وهذه الزيادة أيضاً في حديث أبي سعيد ولفظه: («آية تَعرِفونَها، فيقولون: الساق،
فيَكشِف عن ساقه، فيَسجُد له كلّ مُؤمِن، ويبقى مَن كان يَسجُد رياءً وسُمعةً، فيذهب گیما
يَسجُد فيصير ظَهرُه طَبَقاً واحداً)) أي: يَستَوِي فَقَارُ ظَهره فلا يَشَني للسُّجود.
وفي لفظٍ لمسلمٍ (٣٠٢/١٨٣): ((فلا يبقى مَن كان يَسجُد من تلقاء نفسه إلّا أُذِنَ له(١)
في السُّجود - أي: سَهُلَ له وهُوِّنَ عليه - ولا يبقى مَن كان يَسجُد اتَّقَاءً ورياء إلّا جَعَلَ الله
ظَهره طَبَقاً واحداً، كلَّما أراد أن يَسجُد خَرَّ لِقَفاه)).
وفي حديث ابن مسعود نحوه لكن قال: ((فيقولون: إن اعتَرَفَ لنا عَرَفناه، قال: فيَكشِف
عن ساقٍ فِيقَعونَ سُجوداً، وتَبقَى أصلاب المنافقينَ كأنَّهَا صَياصِي البقرِ)).
وفي رواية أبي الَّعْراء عنه عند الحاكم (٤٩٦/٤-٤٩٧): ((وتَبقَى ظُهور المنافقينَ طَبَقاً
واحداً كأنّما فيها السَّفافيد))، وهي بمُهمَلة وفاءَينٍ، جمع سَفّود بتشديد الفاء: وهو الذي
يُدخَل في الشّاة إذا أُريدَ أن تُشوى.
ووَقَعَ في رواية الأعمَش عن أبي صالح عن أبي هريرة عند ابن مَندَهْ (٨١١): ((فيوضَع
الصِّراط ويَتَمَثَّل لهم رَبّهم)) فذكر نحو ما تقدَّم، وفيه: «إذا تَعرَّفَ لنا عَرَفناه))، وفي رواية
العلاء بن عبد الرَّحمن: ((ثمَّ يَطلُع عزَّ وجلَّ عليهم فيُعرِّفُهم نفسَه، ثمَّ يقول: أنا رَبّكم
فَاتَّبِعوني، فيَتَبعُه المسلمونَ)).
(١) لفظ هذه الرواية عند مسلم، وكذا عند جميع من خرَّجها: ((من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلّا أذن الله له))،
بإظهار لفظ الجلالة في الموضعين.

٤٨٨
فتح الباري بشرح البخاري
وقوله في هذه الرِّواية: ((فُيُعرِّفهم نفسَه)) أي: يُلقي في قلوبهم عِلماً قطعياً يَعرِفونَ به أنَّه
ربهم سبحانه وتعالى.
وقال الكَلَاباذيّ في ((معاني الأخبار)): عَرَفوه بأنْ أحدَثَ فيهم لَطائفَ عَرَّفَهم بها
نفسَه، ومعنى كَشف الساق: زَوال الخوف والهَول الذي غَيَّرَهم حتَّى غابوا عن رُؤية
عوراتهم.
ووَقَعَ في رواية هشام بن سعد: «ثمَّ نَرفَع رُؤوسَنا وقد عادَ لنا في صورته التي رأيناه
فيها أوَّلَ مَرَّة، فيقول: أنا رَبّكم، فنقول: نعم، أنتَ رَبّنا)). وهذا فيه إشعار بأنَّهم رأوه في
أوَّل ما حُشِروا والعلم عند الله.
وقال الخطَّبيُّ: هذه الرُّؤية غير التي تقع في الجنَّة إكراماً لهم، فإنَّ هذه للامتحان وتلكَ
لزيادة الإكرام، كما فُسِّرَت به ﴿اَلْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. قال: ولا إشكال في حصول
الامتحان في الموقف، لأنَّ آثار التَّكاليف لا تَنْقَطِع إلّا بعد الاستقرار في الجنَّة أو النار.
قال: ويُشبِه أن يقال: إنَّما حَجَبَ عنهم تَحَقُّق رُؤْيَته أوَّلاً لما كان معهم من المنافقينَ الذينَ لا
يَسْتَحِقُونَ رُؤْيَته، فلمَّا تَميّزُوا رَفَعَ الِحِجاب، فقال المؤمنونَ حينئذٍ: أنتَ رَبُّنا.
قلت: وإذا لوحِظَ ما تقدَّم من قوله: ((إذا تَعرَّفَ لنا عَرَفناه)) وما ذكرت من تأويله
ارتَفَعَ الإشكال.
وقال الطِّييُّ: لا يلزم من أنَّ الدُّنيا دار بلاء والآخرة دار جزاء أن لا يقع في واحدةٍ منهما ما
يخصُّ بالأُخرى، فإنَّ القبر أوَّل منازل الآخرة، وفيه الابتلاء والفتنة بالسُّؤال وغيره، والتَّحقيق
أنَّ التَّكليف خاصّ بالدُّنيا، وما يقع في القبر وفي الموقف هي آثار ذلك.
٤٥٢/١١
ووَقَعَ في حديث ابن مسعود من الزّيادة: ((ثمَّ يقال للمسلمينَ: ارفَعوا/ رؤوسكم إلى
نورِكم بقَدرِ أعمالكم))، وفي لفظ (١): ((فُيُعطَونَ نُورَهم على قَدر أعمالهم، فمنهم مَن يُعطَى
(١) عند عبد الله بن أحمد في ((السنة)) (١٢٠٣)، وابن أبي الدنيا في ((صفة الجنة)) (٣١)، ومحمد بن نصر في ((تعظيم
قدر الصلاة)) (٢٧٨)، والطبراني في «الكبير» (٩٧٦٣)، وغيرهم.

٤٨٩
باب ٥٢ / ح ٦٥٧٤
كتاب الرقاق
نورَه مِثْلَ الجبل ودون ذلك، ومثلَ النَّخلة ودون ذلك، حتَّى يكون آخِرُهم مَن يُعطَى نُورَه
على إبهام قَدَّمِه)).
ووَقَعَ في رواية مسلم (٣١٦/١٩١) عن جابر: ((ويُعطَى كلُّ إنسان منهم نوراً - إلى أن
قال - ثمَّ يُطْفَأ نورُ المنافقينَ)).
وفي حديث ابن عبّاس عند ابن مَرْدويه(١): ((فيُعطَى كل إنسان منهم نوراً، ثمَّ يوجَّهونَ
إلى الصِّراط، فما كان من مُنافق طُّفِىَ نورُه))، وفي لفظ(٢): (فإذا استَووا على الصِّراط سَلَبَ الله
نور المنافقينَ، فقالوا للمؤمنينَ: ﴿أَنْظُرُونَا نَقْنَيِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ الآية [الحديد:١٣])).
وفي حديث أبي أمامةَ عند ابن أبي حاتم(٣): ((ثم إنكم يوم القيامة في مَواطِن حتَّى يَغْشَى
الناسَ أمرٌ من أمر الله، فتَبَيَضُ وجوهٌ وتَسودُ وجوهٌ، ثمَّ تَنْتَقِلونَ إلى مَنزِلٍ آخر، فتَغشَى الناسَ
الظُّلِمةُ، فِيُقْسَمِ النّورُ، فَيَخْتَصّ بذلك المؤمن، ولا يُعطَى الكافر ولا المنافق منه شيئاً، فيقول
المنافقونَ للَّذِينَ آمنوا: ﴿أَنْظُرُونَا نَفْتِسْ مِن نُّوِكُمْ﴾ الآية، فيَرجِعونَ إلى المكان الذي قُسِمَ فيه النّور
فلا تَجِدونَ شيئاً، فيُضرَبُ بینهم بسورِ)).
قولُهُ: ((فيَبَعونَه)) قال عِيَاضٍ، أي: فيَتَبَعونَ أمرَه أو ملائكَتَه الذينَ وُكِّلوا بذلك.
قوله: ((ويُضْرَب جِسْر جَهَنَّم)) في رواية شُعَيب بعد قوله: ((أنتَ رَبُّنا)): ((فَيَدعوهم فيُضرَب
جِسر جَهَنَّم))(٤).
تنبيه: حُذِفَ من هذا السِّياق ما تقدَّم من حديث أنس في ذِكْرِ الشَّفاعة لفَصْلِ القضاء
(٦٥٦٥)، كما حُذِفَ من حديث أنس ما ثَبَتَ هنا من الأُمور التي تقع في الموقِف، فيَنْتَظِم
من الحديثَينِ أنَّهم إذا حُشِروا وَقَعَ ما في حديث الباب من تَساقط الكفّار في النار، ويبقى
(١) وهو أيضاً عند الخطيب البغدادي في ((موضّح أوهام الجمع والتفريق)) ١/ ١٣٤.
(٢) عند الطبراني في «الكبير)) (١١٢٤٢).
(٣) في «تفسيره)) ١٠/ ٣٣٣٧.
(٤) بل لفظ رواية شعيب: ((فيدعوهم، فيُضرَب الصراط بين ظهراني جهنّم))، وقد تقدم أول الباب تنبيهُ الحافظ على
أنَّ رواية شعيب: ((يُضرَب الصراط))، فالظاهر أنَّ ما حصل للحافظ هنا سبقُ قلمٍ، والله تعالى أعلم.

٤٩٠
باب ٥٢ / ح ٦٥٧٤
فتح الباري بشرح البخاري
مَن عَداهم في كَرْب الموقف فيَستَشِفِعونَ، فيقع الإذنُّ بنصبِ الصِّراط، فيقع الامتحانُ
بالسُّجودِ لَيَتَميَّزَ المنافق من المؤمن، ثمَّ يُجُوزونَ على الصِّراط.
ووَقَعَ في حديث أبي سعيد هنا (١): ((ثمَّ يُضرَبُ الجِسر على جَهَنَّمَ وَحِلّ الشَّفاعةُ، ويقولون:
اللهمَّ سَلِّم سَلِّم)».
قوله: ((قال رسول الله وَّله: فأكون أنا وأُمّتي(٢) أوَّل مَن يُجيز)) في رواية شُعَيب: ((يجوز بأُمَّتِه))،
وفي رواية إبراهيم بن سعد: ((يُحِيزُها)) والضَّمير لجَهَنَّمَ.
قال الأصمعيّ: جازَ الوادي: مَشَى فيه، وأجازَه: قَطَعَه. وقال غيره: جازَ وأجازَ
بمعنَی واحدٍ.
وقال النَّوويّ: المعنى: أكون أنا وأُمَّتي أوَّل مَن يمضي على الصِّراط ويَقطَعُه، يقال: جازَ
الواديَ وأجازَه: إذا قَطَعَه وخَلَّفَه.
وقال القُرطُبّ: يحتمل أن تكون الهمزة هنا للتعدية، لأَنَّه لمَّا كان هو وأُقَّتُه أوَّلَ مَن يجوز
على الصِّراط لَزِمَ تأخير غيرهم عنهم حتَّى يجوز، فإذا جازَ هو وأُمَّته، فكأنَّه أجازَ بقيّة الناس،
انتھی.
ووَقَعَ في حديث عبد الله بن سَلَام عند الحاكم (٤/ ٥٦٨-٥٦٩): ((ثمَّ ينادي مُنادٍ أين محمَّد
وأُمَّتُه؟ فيقوم فتَبَعُه أمَّتُهُ بَرُّها وفاجِرُها، فيأخُذونَ الجِسرَ فيَطْمِسُ الله أبصارَ أعدائه فيَتَهَافَتَونَ
من يمين وشِمال، ويَنجو النبيُّ والصالحونَ)). وفي حديث ابن عبّاس يَرفَعه: ((نحنُ آخر الأُمَم
وأوَّل مَن يُحاسَب))، وفيه: ((فتُعرَج لنا الأُمَمُ عن طريقنا فتَمُرّ غُرّاً مُحَجَّلِينَ من آثار الطُّهُور))،
فتقول الأُمَم: ((كادَت هذه الأُمّة أن يكونوا أنبياء)»(٣).
(١) في رواية مسلم (١٨٣).
(٢) هذه رواية إبراهيم بن سعد عن الزهري الآتية برقم (٧٤٣٧)، وأما رواية معمر عن الزهري التي ساق
البخاري لفظها هنا فليس فيها: ((أنا وأمتي)).
(٣) أخرجه أحمد (٢٥٤٦) و(٢٦٩٢)، وأخرجه أحمد أيضاً (٢٦٩٣) من حديث أنس بن مالك.

٤٩١
باب ٥٢ / ح ٦٥٧٤
كتاب الرقاق
قوله: ((ودعاء الرُّسُل يومئذٍ: اللهمَّ سَلِّم سَلِّم)) في رواية شُعَيب: ((ولا يتكلّم يومئذٍ أحد
إلّ الرُّسُل))، وفي رواية إبراهيم بن سعد: ((ولا يُكلِّمه إلّا الأنبياء، ودَعوى الرُّسُل يومئذٍ:
اللهمَّ سَلِّم سَلِّم)»، ووَقَعَ في رواية العلاء: «وقولهم: اللهمَّ سَلِّم سَلِّم)»(١).
وللتِّرمِذيِّ (٢٤٣٢) من حديث المغيرة: ((شِعار المؤمنينَ على الصِّراط: رَبّ سَلِّم
سَلِّم)) والضَّمير في الأوَّل للرُّسُل، ولا يَلِزَم من كَونِ هذا الكلام شِعارَ المؤمنينَ أن
يَنطِقوا به، بل تَنطِق به الرُّسُل يَدعونَ للمؤمنينَ بالسَّلامة فسُمّيَ ذلك شِعاراً لهم،
فبهذا تَّجَتَمِع الأخبار، ويُؤْيِّدُه قولُه في رواية سُهَيل: ((فعند ذلك حَلَّتِ الشَّفاعة اللهمَّ
سَلِّم سَلِّم)).
وفي حديث أبي سعيد (٧٤٣٩) من الزّيادة: «فيَمُرّ المؤمن كَطَرْفِ العين وكالبَرْقِ وکالرّيحِ
وكأجاويد الخيل والرِّكاب)».
وفي حديث حُذَيفة وأبي هريرة معاً: ((فيَمُرّ أوَّلُم كَمَرِّ البَرْق، ثمَّ كَمَرِّ الرّيح، ثمَّ كَمَرِّ الطَّير
وشَدّ الرِّجال، تجري/ بهم أعمالهم))(٢). وفي رواية العلاء بن عبد الرَّحمن: ((ويوضَع الصِّراط ٤٥٣/١١
فيَمُرُّون عليه مِثل جياد الخيل والرِّكاب)).
وفي حديث ابن مسعود(٣): ((ثمَّ يقال لهم: انجوا على قَدرِ نورِكم، فمنهم مَن يَمُرّ
كَطَرِفِ العين، ثمَّ كالبَرَق، ثمَّ كالسَّحاب، ثمَّ كانقضاض الكوكب، ثمَّ كالرّيح، ثمَّ كَشَدِّ
الفرس، ثمَّ كَشَدِّ الرَّجُل، حتَّى يَمُرّ الرجل الذي أُعطيَ نورَه على إبهام قَدَمِه يَجِبُو على
وجهه ويَدَيْهِ ورِجَلَيهِ، يَخِرُّ بِيَدٍ وتَعلَقُ يَدٌ ونَخِرُّ بِرِجْلٍ وتَعلَقُ رِجلٌ، وتَضِرِبُ جَوانبَه النارُ
حتَّى يَخْلُصَ)).
(١) لفظ رواية العلاء عند جميع من خرَّج الحديث من طريقه: ((وقولهم عليه: سَلِّم سَلِّم)).
(٢) أخرجه مسلم (١٩٥).
(٣) عند ابن أبي الدنيا في ((صفة الجنة)) (٣١)، وعبد الله بن أحمد بن حنبل في ((السنة)) (١٢٠٣)، وابن نصر المروزي
في ((تعظيم قدرة الصلاة)) (٢٧٨)، والطبراني في «الكبير» (٩٧٦٣)، والدارقطني في ((رؤية الله)) (١٦٢)،
والحاكم ٣٧٦/٢ وغيرهم.

٤٩٢
باب ٥٢ / ح ٦٥٧٤
فتح الباري بشرح البخاري
وعند ابن أبي حاتم في ((التَّفسير)) من طريق أبي الزَّعْراء(١) عن ابن مسعود: ((كَمَرِّ البَرَق
ثُمَّ الرّيح ثمَّ الطَّير ثمَّ أجود الخيل ثمَّ أجود الإبل ثمَّ كَعَدْوِ الرجُل، حتَّى إنَّ آخرهم رجل
نوره على موضع إبهامَي قَدَمَيه، ثمَّ يَتَكَفَّأ به الصِّراط)».
وعند هَنّاد بن السُّرّيِّ (٣٢٢) عن ابن مسعود بعد الرّيحِ: «ثمَّ كأسرع البهائمِ، حتَّى
يَمُرّ الرجل سَعياً، ثمَّ مَشياً، ثمَّ آخرهم يَتَّطُ على بطنِهِ، فيقول: يا رَبّ لمَ أبطَأْتَ بي؟ فيقول:
أبطأ بك عملُك)).
ولابنِ المبارَك(٢) من مُرسَل عبد الله بن شَقِيق: «فيجوزُ الرجلُ كالطَّرْفِ، وكالسَّهم،
وكالطائرِ السَّريع، وكالفرسِ الجَوَاد المُضَمَّر، ويجوز الرجل يَعدو عَدواً، ويَمشي مَشياً حتَّى
یکون آخر مَن ینجو نَجِبُو)».
قوله: ((وبِهِ كَلَاليبُ)) الضَّمير للصِّراط، وفي رواية شُعَيب: ((وفي جَهَنَّم كَلالیب))، وفي
رواية حُذَيفة وأبي هريرة معاً: ((وفي حافَتَي الصِّراط كَلاليبُ مُعلَّقَةٌ مأمورةٌ بأخذِ مَن أُمِرَت
به)»، وفي رواية سُهَيل: ((وعليه كَلَاليبُ [من] (٣) النار)). وكَلَاليبُ جمع كَلُّوب بالتَّشديد،
وتقدَّم ضبطه وبيانه في أواخر كتاب الجنائز(٤).
قال القاضي أبو بكر بن العربيّ: هذه الكَلاليب هي الشَّهَوات المشار إليها في الحديث
الماضي: ((حُفَّتِ النار بالشَّهَوات))(٥). قال: فالشَّهَوات موضوعة على جَوانبها فمَن اقتَحَمَ
(١) كذا قال الحافظ، وهو سبق قلم منه رحمه الله، لأنَّ الرواية المذكورة لمُرَّة بن شَرَاحيل الهَمْداني عن ابن
مسعودٍ، كما قال ابن كثير في ((تفسيره)) عند تفسير قوله تعالى: ﴿ وَإِنِ مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ﴾، ونسبه لابن أبي
حاتم، ومنشأ وَهْمِ الحافظ رحمه الله أنَّ أبا الزعراء قد روى نحوَ هذه الرواية عن ابن مسعود، عند هنّاد
ابن السَّريّ في ((الزهد)) وغيره، وهي الرواية التي سيذكرها بعد هذه.
(٢) في ((الزهد)) رواية نعيم بن حماد (٤٠٨).
(٣) لفظة ((من)) سقطت من الأصلين و(س)، وهي ثابتة في الرواية.
(٤) تقدم ذكر الكلوب في حديث سمرة بن جندب في رؤيا رآها النبي ◌َر (١٣٨٦)، لكن الحافظ لم يضبطه
ولم يبينه.
(٥) هذه سلف برقم (٦٤٨٧).

٤٩٣
باب ٥٢ / ح ٦٥٧٤
كتاب الرقاق
الشَّهوة سَقَطَ في النار، لأنَّهَا خَطاطِيفُها.
وفي حديث حُذَيفة: ((وتُرسَل الأمانة والرَّحِم، فتقومان جنَبَتَي الصِّراط يميناً وشمالاً))
أي: يَقِفان في ناحيَتَي الصِّراط، وهي بفتح الجيم والنُّون بعدها موخَّدة، ويجوز سكونُ النّون،
والمعنى: أنَّ الأمانة والرَّحِمَ لعِظَمِ شأنهما وفخامة ما يَلزَم العبادَ من رِعاية حَقّهما، يُوقَفان هناك
للأَمينِ والخائن وللواصل(١) والقاطع، فيُحاجّان عن المُحِقِّ ويَشهَدان على المُبطِل.
قال الطِّيبيُّ: ويُمكِن أن يكون المراد بالأمانة ما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا اُلْأَمَانَةَ
عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأحزاب: ٧٢] الآيةَ، وصِلة الرَّحِم ما في قوله تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ اللّهَ
الَّذِى قَسَاءَلُونَ بِهِ، وَالْأَرْحَمَ﴾ [النساء: ١] فيَدخُل فيه معنى التَّعظيم لأمرِ الله والشَّفَقة على
خلق الله، فكأنَّهما اكتَنَفَتا جنَبَتَي الإسلام الذي هو الصِّراط المستقيم وفِطرتَي الإيمان
والدِّين القويم.
قوله: ((مِثْلُ شَوْك السَّعْدان)) بالسِّين والعين المهمَلتَينِ بلفظ النَّثنية، والسَّعدان جمع
سعدانة: وهو نَبات ذو شَوك، يُضرَب به المَثل في طِيب مَرعاه، قالوا: مَرعَى ولا
کالسَّعدان.
قوله: ((أما رأيتُمْ شَوْكَ السَّعْدان)) هو استفهامُ تقريرٍ لاستحضار الصّورة المذكورة.
قوله: ((غير أنَّها لا يَعْلِمُ قَدْرَ عِظَمِها إلّا الله)) أي: الشَّوكة، والهاء ضمير الشَّأن، ووَقَعَ في
رواية الكُشْمِيهنيّ: ((غير أنَّه))، وَقَعَ في رواية مسلم (٢٩٩/١٨٢): «لا يعلم ما قَدر عِظَمِها
إلّا الله)) قال القُرطُبيّ: قَيَّدناه - أي: لفظ ((قَدْر)) - عن بعض مشايخنا بضمِّ الرَّاء على أن
تكون ((ما)) استفهاماً و((قَدْر)) مُبْتَدَأ، وبنصبها على أن تكون ((ما)) زائدةً و((قَدْر)) مفعول
يَعْلَم.
بيـ
قوله: ((فَتَخْطَف الناسَ بأعمالهم)) بكسر الطاء ويفتحِها، قال ثَعَلَب في ((الفصيح)): خَطِفَ
(١) تحرَّف في (س) إلى: والمواصل.

٤٩٤
باب ٥٢ / ح ٦٥٧٤
فتح الباري بشرح البخاري
بالكسر في الماضي وبالفتح في المضارع. وحكى القَزّاز (١) عكسَه، والكسر في المضارع أفصَحُ(٢).
قال الزّين بن المنَيِّر: تشبيه الكَلاليب بشَوكِ السَّعدان خاصّ بسُرعة اختطافها وكَثْرة
الانتشاب فيها مع التَّحَرُّز والتَّصَوُّن تمثيلاً لهم بما عَرَفوه في الدُّنيا وألِفوه بالمباشَرة، ثمَّ
اسْتَثْنَى إشارة إلى أنَّ التَّشبيه لم يقع في مِقدارهما.
وفي رواية السُّدِّيّ(٣): ((وبحافَتَه ملائكة معهم كلاليب من نار يَخْتَطِفُونَ بها الناس)).
٤٥٤/١١
ووَقَعَ في حديث أبي سعيد: قلنا: وما الجِسر؟ قال: ((مَدْحَضة مَزِلّة)) أي: زَلَق / تَزْلَق فيه
الأقدام، ويأتي ضبط ذلك في كتاب التَّوحيد (٧٤٤٠).
ووَقَعَ عند مسلم: قال أبو سعيد: بَلَغَني أنَّ الصِّراط أحدٌّ من السَّيف وأدَقّ من الشَّعرة،
ووَقَعَ في رواية ابن مَندَهْ (٨١٧) من هذا الوجه: قال سعيد بن أبي هلال: بَلَغَني، ووَصَلَه
البيهقيُّ(٤) عن أنس عن النبيّ ◌َل﴿ مجزوماً به، وفي سندهلينٌ.
ولابنِ المبارَك (٥) من مُرسَل عُبيد بن عُمَير: ((إنَّ الصِّراط مِثل السَّيف ويجنَبَتَه كَلاليب، إنَّه
لَيُؤخَذُ بالكَلّونِ الواحد أكثر من رَبیعةَ ومُضَر»، وأخرجه ابن أبي الدُّنيا من هذا الوجه وفیه:
((والملائكة على جنَبَتَه يقولون: رَبّ سَلِّم سَلِّم».
(١) كذا في (أ) و(س)، وفي (ع): الفراء، وكذلك جاء في ((عمدة القاري)) ١٣٤/٢٣، ولم نقف على كلام أيِّ
منهما، فالله تعالى أعلم.
(٢) كذا قال الحافظ وتبعه العيني، وهو وهمٌّ، لأنَّ الصواب أنَّ اللغة الفصيحة هي الفتح في المضارع، كما
نصَّ عليه غير واحدٍ من أئمة العربية، وعلماء القرآن، وهي قراءة العشرة في قوله تعالى: ﴿يَكَادُ الْبَّقُ
يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠]. انظر قول الزمخشري عند تفسير الآية، وكذا قول ابن عطية وقول مكي بن
أبي طالب في ((الهداية)) وغيرهم. وقد يكون الحافظ أراد أن يقول: والكسر في الماضي أفصح، فسبق قلمه
فقال: في المضارع، والله أعلم.
(٣) هذه الرواية يرويها السُّدِّي عن مُرّة الهَمْداني عن ابن مسعود، وهي التي أخطأ الحافظ رحمه الله قريباً إذ
جعلها لأبي الزعراء عن ابن مسعود كما نبَّهنا عليه هناك.
(٤) في ((شعب الإيمان)) (٣٦٧).
(٥) في ((الزهد» رواية نعيم بن حماد (٤٠٣)، وهو من قوله، ولیس مرسلاً.

٤٩٥
باب ٥٢ / ح ٦٥٧٤
كتاب الرقاق
وجاء عن الفُضَيل بن عِيَاض قال: بَلَغَنا أنَّ الصِّراط مَسيرة خمسةَ عشرَ ألف سنة،
خمسة آلاف صُعودٌ، وخمسة آلاف مُبوطٌ، وخمسة آلاف مُستَوَى، أدَقٌ من الشَّعرة، وأحدُّ
من السّيف، على متن جَهَنَّم، لا يجوز عليه إلّا ضامِر مَهزول من خَشْية الله. أخرجه ابن
عساكر في ترجمته(١)، وهذا مُعضَلٌ لا يَثْبُت.
وعن سعيد بن أبي هلال قال: بَلَغَنا أنَّ الصِّراط أدَقٌّ من الشَّعر على بعض الناس، ولبعضِ
الناس مِثل الوادي الواسع. أخرجه ابن المبارك(٢) وابن أبي الدُّنيا (٣)، وهو مُرسَل أو مُعضَل.
وأخرج الطَّبَرِيُّ من طريق غُنَيم بن قيس(٤) أحد التابعين قال: تُمثَّل (٥) النار للنّاس، ثمّ
يناديها مُنادٍ: أمسِكي أصحابَك ودَعي أصحابي، فتَخسِف بكلِّ وليّ لها، فهي أعلم بهم من
الرجل بولدِهِ، ويَخْرُج المؤمنونَ نَديَّةً ثيابُهم. ورجاله ثقات مع كونه مقطوعاً.
قوله: ((منهم المُوبَق بعَمَلِه)) في رواية شُعَيب: ((مَن يُوبَق))، وهما بالموخَّدة بمعنى الهلاك،
ولبعضٍ رواه مسلم: ((المُوثَق)) بالمثلََّة من الوَثَاق، ووَقَعَ عند أبي ذرٍّ من رواية إبراهيم بن
سعد الآتية في التَّوحيد (٧٤٣٧) بالشكّ، وفي رواية الأَصِيلِيّ: ((ومنهم المؤمن - بكسر الميم
بعدها نون - يَقِيْ بِعَمَلِه)) بفتح(٦) التحتانيّة وكسر القاف من الوقاية، أي: يَستُره عمله، وفي
لفظ بعض رواة مسلم (٢٩٩/١٨٢): ((يعني)) بعينٍ مُهمَلةٍ ساكنة ثمَّ نون مكسورة، بَدَل:
((يقي)) وهو تصحيفٌ.
قوله: ((ومنهم المخَرْدَل)) بالخاءِ المعجَمة، في رواية شُعَيب: ((ومنهم مَن يُخَرَدَل))، ووَقَعَ في
(١) في ((تاريخ دمشق)) ٣٩٥/٤٨، وهو أيضاً عند الدِّينَوَري في ((المجالسة)) (٣٥٧٥).
(٢) في ((الزهد)) رواية نُعيم (٤٠٦).
(٣) في ((الأولياء)) (٢٣).
(٤) كذا قال الحافظ، والذي في مطبوع الطبري أنَّ غنياً يرويه عن كعب الأحبار، وعند ابن أبي شيبة ١٦٩/١٣ أنَّ
بينهما أبا العوّام مؤذن بيت المقدس، وكذلك هو في ((الزهد)» لابن المبارك برواية نعيم عنه (٤٠٥)، وقال البيهقي
في ((شعب الإيمان)) (٣٧٢): هو معروف بكعب الأحبار.
(٥) كذا في الأصلين و(س)، وفي مطبوع ((تفسير الطبري)) ١٠٩/١٦: تُمُسَكُ النارُ للناس.
(٦) لفظة ((بفتح)) سقطت من (ع) و(س).

٤٩٦
باب ٥٢ / ح ٦٥٧٤
فتح الباري بشرح البخاري
رواية الأَصِيلِيّ هنا بالجيم، وكذا لأبي أحمد الجُرجانيّ في رواية شُعَيب، ووهّاه عِیَاض،
والدَّال مُهمَلَةٌ للجميع، وحكى أبو عُبيد فيه إعجامَ الذّال، ورَجَّحَ ابن قُرْقُول الخاء
المعجَمة والدَّال المهمَلة، وقال الهَرَويُّ: المعنى: أنَّ كَلاليب النار تُقَطِّعه فيهوي في النار،
قال كعب بن زُهَير في ((بانَت سُعاد)) قصيدته المشهورة:
يَغدو فيَلْحَم ضِرغامَينِ عَيشُهما لحمٌّ من القومِ مَعفورٌ خَراديلُ
فقوله: ((مَعفور)) بالعين المهمَلة والفاء، أي: واقِعٍ في التُراب، و((خَرَاديل))، أي: هو قِطَع،
ويحتمل أن يكون من الخَرْدَل، أي: جُعِلَت أعضاؤه كالْخَرْدَل، وقيل: معناه أنَّها تَقطَعهم
عن لُوقهم بمَن نَجَا، وقيل: المُخَردَل: المصروع، ورَجَّحَه ابن التِّين، فقال: هو أنسَبُ
لسياق الخبر.
ووَقَعَ في رواية إبراهيم بن سعد عند أبي ذرٍّ: ((فمنهم المخَردَل أو المجازَى أو نحوه)»
ولمسلم (٢٩٩/١٨٢) عنه: ((المجازى)) بغير شَكٌّ، وهو بضمِّ الميم وتخفيف الجيم من
الجزاء.
قوله: ((ثُمَّ يَنْجُو)) في رواية إبراهيم بن سعد: ((ثُمَّ يَنجَلي)) بالجيم، أي: يَتَبِيَّن، ويحتمل أن
یکون بالخاء المعجمة، أي: ◌ُلَّى عنه، فيرجع إلى معنی ینجُو، وفي حديث أبي سعيد: «فناجِ
مُسَلَّم ومخدوش ومكدوس في جَهَنَّم، حتَّى يَمُرّ آخرهم فيُسحَب سَحْباً».
قال ابن أبي جَمْرة: يُؤخَذ منه أنَّ المارّينَ على الصِّراط ثلاثة أصناف: ناج بلا خُدوش،
وهالك من أوَّل وَهْلة، ومُتَوسِّط بينهما يُصاب ثمَّ يَنجو. وكلَّ قسم منها يَنقَسِم أقساماً
تُعرَف بقوله: ((بقَدرِ أعمالهم)).
واختُلِفَ في ضبط مَكدوس فوَقَعَ في رواية مسلم (٣٠٢/١٨٣) بالمهمَلة، ورواه
بعضهم بالمعجَمة، ومعناه: السّوق الشَّديد، ومعنى الذي بالمهمَلة: الرَّاكِب بعضه على
بعض، وقيل: مُگردَس، والكُردُوس(١): فَقَار الظَّهْر، وگردَسَ الرجلُ خیله: جعلها گرادیس،
(١) تحرف في (ع) و(س) إلى: المكردس، وجاء على الصواب في (أ)، لكن الكردوس مفرد الكراديس، فكان

٤٩٧
باب ٥٢ / ح ٦٥٧٤
كتاب الرقاق
٤٥٥/١١
أي: فَرَّقَها، والمراد: أنَّه/ يُلْقى في قَعْرها.
وعند ابن ماجَهْ (٤٢٨٠) من وجه آخر عن أبي سعيد رَفَعَه: ((يُوضَع الصِّراطُ بين
ظَهرانَي جَهَنَّم على حَسَكٍ كَحَسَكِ السَّعْدان، ثمَّ يَستَجيز الناسُ، فناج مُسَلَّم، وتَحَدوش
به، ثمَّ ناج، ومُتَبَس به، ومنکوس فيها)).
قوله: ((حتَّى إذا فَرَغَ الله من القضاء بين عباده)) كذا لمَعمَر هنا، ووَقَعَ لغيره: ((بعدَ هذا»،
وقال في رواية شُعَيب: ((حتَّى إذا أراد الله رحمة مَن أراد من أهل النار)).
قال الزِّين بن المنيِّر: الفراغ إذا أُضيفَ إلى الله معناه القضاء وحُلوله بالمَقضيِّ عليه،
والمراد إخراج الموحِّدينَ وإدخالهم الجنَّة واستقرار أهل النار في النار، وحاصله أنَّ المعنى
يَفرُع الله، أي: من القضاء بعذابٍ مَن يَفرُغ عذابه ومَن لا يَفْرُغ، فيكون إطلاق الفراغ
بطريق المقابلة، وإن لم يَذكُر لفظَها.
وقال ابن أبي جَمْرة: معناه وصل الوقت الذي سَبَقَ في عِلم الله أنَّه يرحمهم.
وقد سَبَقَ في حديث عِمران بن حُصَينٍ الماضي في أواخر الباب الذي قبله أنَّ الإخراج
يقع بشفاعة محمّد ◌َلّ.
وعند أبي عَوَانة (٤٤١) والبيهقيِّ وابن حِبّان (٧٣٧٨) في حديث حُذَيفة: ((يقول
إبراهيم: يا رَبّاه، حَرَّقتَ بَنِيَّ، فيقول: أخِرِجُوا))، وفي حديث عبد الله بن سَلام عند الحاكم
أنَّ قائل ذلك آدم(١)، وفي حديثَ أبي سعيد: ((فما أنتم بأشدَّ مُناشَدةً في الحقّ، قد تَبيَّن لكم
حق العبارة أن تكون: الكردوسُ: فَقَارة الظهر، أو: الكراديس: فَقَار الظهر.
(١) كذا عزا الحافظُ حديث عبد الله بن سَلَام للحاكم، وهو وهمٌ منه رحمه الله تعالى، فلم نقف على الحديث
عند الحاكم، ولا عزاه له الحافظ نفسه في («إتحاف المهرة)) (٧١٨٦)، وإنما اقتصر على عزوء لابن خزيمة
في («التوحيد)»، وهو في («التوحيد)) ٧٤٧/٢، وفي «المعجم الكبير)» للطبراني (١٤٩٧٩)، وفيه عندهما أنَّ
قائل القول المذكور هو إبراهيم، وليس آدم كما قال الحافظ، لكن وقع للهيثمي في ((مجمع الزوائد))
٣٨١/١٠ أنَّ رواية الطبراني بذكر آدم، كما وقع للحافظ، حتى بوَّب عليه الهيثمي بقوله: باب شفاعة
أبينا آدم عليه الصلاة والسلام.

٤٩٨
باب ٥٢ / ح ٦٥٧٤
فتح الباري بشرح البخاري
مِن المؤمنينَ يومَئذٍ للجَبّار إذا رأوا أنَّهم قد نَجَوْا في إخوانهم المؤمنينَ يقولون: رَبَّنا، إخوانُنا
كانوا يُصَلّونَ مَعَنا)) الحديث. هكذا في رواية اللَّيث الآتية في التَّوحيد (٧٤٣٩)، ووَقَعَ فيه
عند مسلم (٣٠٢/١٨٣) من رواية حفص بن مَيَسَرَةَ اختلاف في سياقه سأُبيِّنُه هناك إن
شاء الله تعالى، ويُحمَل على أنَّ الجميع شُفِّعوا، وتقدَّم النبيُّ ◌َلآ قبلهم في ذلك.
ووَقَعَ في حديث عبد الله بن عَمْرو عندَ الطبرانيِّ (١٤٣١٥) بسندٍ حسنٍ رَفَعَه:
((يَدخُل من أهل القِبْلة النارَ مَن لا يُحِصِي عَدَدَهم إلّا الله، بما عَصَوا الله واجتَرؤوا على
معصيته وخالفوا طاعَتَه، فيُؤْذَن لي في الشَّفاعة، فأُثني على الله ساجداً كما أُثني عليه قائماً،
فيقال لي: ارفَعْ رأسك)) الحديث، ويُؤيِّده أنَّ في حديث أبي سعيد: ((يَشفَع الأنبياء والملائكة
والمؤمنونَ)).
ووَقَعَ في رواية عَمْرو بن أبي عَمْرو عن أنس عند النَّسائيِّ(١) ذِكْر سبب آخر
لإخراجِ الموحِّدينَ من النار، ولفظه: ((وفَرَغَ من حِساب الناس، وأدخَلَ مَن بَقِيَ من
أمَّتي النارَ مع أهل النار، فيقول أهل النار: ما أغنى عنكم أنَّكم كنتُم تَعبُدونَ الله لا
تُشرِكونَ به شيئاً، فيقول الجَبّار: فِعِزَّتِي لَأَعِقَنَّهم من النار، فيُرسِل إليهم،
فیُخرَجونَ».
وفي حديث أبي موسى عند ابن أبي عاصم(٢) والبَزَّار (٣) رَفَعَه: ((وإذا اجتَمَعَ أهل النار في النار
ومعهم مَن شاءَ الله من أهل القِبْلة، يقول لهم الكفّار: ألم تكونوا مسلمينَ؟ قالوا: بَلَى، قالوا: فما
أغنى عنكم إسلامُكم وقد صِرتُم مَعَنا في النار؟! فقالوا: كانت لنا ذُنُوبٌ فأُخِذنا بها، فيأمر الله
(١) أخرج النسائي في ((الكبرى)) حديث عمرو بن أبي عمرو عن أنس برقم (٧٦٤٣) لكن روايته مختصرة،
اقتصر فيها على أول الحديث، والحديث بطوله في ((مسند أحمد)) (١٢٤٦٩)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٢) في ((السنة)) (٨٤٤).
(٣) لم نقف عليه في مطبوع ((مسند البزار))، ولا عزاه إليه الهيثمي في ((مجمع الزوائد» ٧/ ٤٥، ولا السيوطي في
((الدر المنثور)) على توسعه في تخريجه عند تفسير قوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ ﴾
[الحجر: ٢].

٤٩٩
باب ٥٢ / ح ٦٥٧٤
كتاب الرقاق
مَن كان مِن أهل القِبْلة، فأُخرِجوا، فقال الكفَّار: يا لَيتَنَا كنَّا مسلمينَ)).
وفي الباب عن جابر، وقد تقدَّم في الباب الذي قبله(١)، وعن أبي سعيد الخُدْريِّ عند
ابن مَرْدويه (٢)، ووَقَعَ في حديث أبي بكر الصِّيق(٣): ((ثُمَّ يقال: ادعوا الأنبياء فيَشفَعونَ، ثمَّ
يقال: ادعوا الصِّدّيقينَ فيَشِفَعونَ، ثمَّ يقال: ادعوا الشُّهَداء فيَشْفَعونَ)).
وفي حديث أبي بَكْرة عند ابن أبي عاصم (٨٣٧) والبيهقيِّ(٤) مرفوعاً: ((يُحمَل الناس
على الصِّراطُ فيُنجِّي الله مَن شاءَ برحمته، ثمَّ يُؤذَن في الشَّفاعة للملائكة والنبيّينَ والشُّهَداء
والصِّدّيقينَ، فيَشِفَعونَ ويُحْرِ جونَ)).
قوله: ((مَمَّن كان يَشهَد أن لا إله إلّ الله)) قال القُرطُبيّ: لم يَذكُر الرِّسالة إمّا لأنَّهما لمَّا
تَلازما في النُّطْق غالباً وشَرْطاً اكتَفَى بذِكْر الأُولى، أو لأنَّ الكلام في حَقّ جميع المؤمنينَ هذه
الأُمّة وغيرِها، ولو ذُكِرَتِ الرِّسالة لكَثُرَ تَعْداد الُّسُل.
قلت: الأوَّل أَولى، ويُعكِّر على الثّاني أنَّه يُكتَفَى بلفظِ جامع كأن يقول مثلاً: ويُؤمِنُ(٥)
برُسُلِهِ.
وقد تَمَسَّكَ بظاهره بعضُ المبتَدِعة مَمَّن زَعَمَ أنَّ مَن وخَّدَ الله من أهل الكتاب يَخْرُج من
النار، ولو لم يُؤْمِن بغير مَن أُرسِلَ إليه، وهو قولٌ باطِلٌ، فإنَّ مَن جَحَدَ الرّسالة كذَّبَ / الله، ٤٥٦/١١
ومَن كذَّبَ الله لم یوحِّده.
(١) تقدم عند شرح الحديث (٦٥٦٥) لكن من قول الكلبي في ((تفسير يحيى بن سلّام))، ولم يذكر حديث جابر،
بل أحال إلى أنه سيذكر ما يتعلق بهذا البحث عند شرح حديث الباب هنا، وحديث جابر هذا أخرجه النسائي
في «الكبرى» (١١٢٠٧).
(٢) وهو أيضاً عند ابن حبان (٧٤٣٢)، والطبراني في «الأوسط)) (٨١١٠).
(٣) عند أحمد (١٥) وغيره، لكن قُدِّم فيه ذكر الصديقين على الأنبياء!
(٤) تقدم غير مرة أنَّ مثل هذه الأحاديث يخرجها البيهقي في ((البعث والنشور))، وهو مطبوع، لكن سقط من
النسخة التي اعتمدها محقق الكتاب بعضُ الأحاديث، وقد فات الحافظ رحمه الله أن يخرج هذا الحديث من
«مسند أحمد» (٢٠٤٤٠).
(٥) تصحّف في (س) إلى: ونؤمن.

٥٠٠
باب ٥٢ / ح ٦٥٧٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((أمَرَ الملائكة أن يُخرِجوهم)) في حديث أبي سعيد: ((اذهبوا فمَن وجدتُم في قلبه مثقالَ
دینار فأخرِ جوه)».
وتقدَّم في حديث أنس في الشَّفاعة في الباب قبله (٦٥٦٥): «فيَحُدّ لي حَدّاً فأُخرِجهم)».
ويُجمَع بأنَّ الملائكة يُؤْمَرونَ على ألْسِنة الرُّسُل بذلك، فالذينَ يُباشِرونَ الإخراج هم
الملائكة. ووَقَعَ في الحديث الثّالثَ عشرَ من الباب الذي قبله تفصيلُ ذلك (٦٥٦٠).
ووَقَعَ في حديث أبي سعيد أيضاً(١) بعد قوله ذَرّة: ((فُيُخْرِجونَ خلقاً كثيراً ثمَّ يقولون: رَبَّنَالم
نَذَر فيها خيراً» وفيه: «فيقول الله: شَفَعَتِ الملائكة وشَفَعَ النبيّونَ وشَفَعَ المؤمنونَ، ولم يَبَقَ إلّا
أرحَمُ الرَّاحِمينَ، فيَقِض قَبضةً من النار، فيُخرِج منها قوماًلم يعملوا خيراً قَطّ».
وفي حديث مَعبَد عن الحسن البصريّ عن أنس: «فأقول: يا رَبّ، ائذَن لي فيمَن قال: لا إله
إلّا الله، قال: ليس ذلك لك(٢)، ولكن وعِزَّتِي وجَلالي وكِبْريائي وعَظَمَتي وجِبريائي(٣)،
لَأُخِرِ جَن مَن قال: لا إله إلّا الله))، وسيأتي بطوله في التَّوحيد (٧٥١٠).
وفي حديث جابر عند مسلم(٤): ((ثمَّ يقول الله: أنا أُخرِج بعِلْمي وبرحمتي)).
وفي حديث أبي بكر: «أنا أرحَم الرَّاحِمينَ، أدخِلوا جَنَّتَي مَن كان لا يُشِرِك بي شيئاً)).
قال الطِّييُّ: هذا يُؤْذِنُ بأنَّ كلّ ما قُدِّرَ قبل ذلك بمقدار شَعيرة ثمَّ حَبة ثمَّ خَردَلة ثمَّ ذَرّة،
غيرُ الإيمان الذي يُعبَّر به عن التَّصديق والإقرار، بل هو ما يُوجَد في قلوب المؤمنينَ من ثَمَرة
الإيمان، وهو على وجهَين: أحدهما: ازدياد اليقين وطُمأنينة النَّفس، لأنَّ تظافر الأدلّة أقوى
للمَدلولِ عليه وأثبَتُ لعَدَمِهِ، والثّاني: أن يُراد العملُ وأنَّ الإيمان يزيد ويَنقُص بالعمل. ويَنصُرُ
هذا الوجهَ قولُه في حديث أبي سعيد: (لم يعملوا خيراً قَطّ».
(١) في رواية مسلم (١٨٣) (٣٠٢).
(٢) عبارة ((ليس ذلك لك)) لم ترد في رواية البخاري المشار إليها، وإنما هي في رواية مسلم.
(٣) لفظة ((وجبريائي)) جاءت في رواية مسلم بدل قوله في رواية البخاري: ((وجلالي))، فجمعها الحافظ هنا
كما ترى!
(٤) بل عند أحمد (١٤٤٩١)، وابن حبان (١٨٣)، وأصله في مسلم (١٩١).