النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
باب ٥١ / ح ٦٥٦٥؛
كتاب الرقاق: مج الشاملة
وجاء من حديث أبي هريرة كما مضى في التَّفسير (٤٧١٢) من رواية أبي زُرعة عنه،
وأخرجه التِّرمِذيّ (٢٥٥٧) من رواية العلاء بن يعقوب عنه(١)، ومن حديث أبي سعيد
كما سيأتي في التَّوحيد (٧٤٣٩)، وله طرق عن أبي سعيد مختصرة، وأخرجه مسلم
(١٩٥) من حديث أبي هريرة وحُذَيفة معاً. وأبو عَوَانة (٤٤٣) من رواية حُذَيفة عن
أبي بكر الصّدّيق، ومضى في الزكاة (١٤٧٥) وفي تفسیر سبحانَ (٤٧١٨) من حديث
ابن عمر باختصارٍ.
وعند كلّ منهم ما ليس عند الآخِر، وسأذكر ما عند كلٌّ منهم من فائدةٍ مُستَوعِباً إن
شاء الله تعالى.
﴿ قوله: ((يَجْمَع اللهُ الناسَ يومَ القيامة)) في رواية المُسْتَمْلي: ((جَمَعَ)) بصيغة الفعل الماضي،
لماذا ملشفية لها نقل بقمة لانه بـ
والأوَّل المعتمَد.
... وَوَقَعَ في رواية مَعَبَد بن هلال: «إذا كان يوم القيامة ماجَ الناسَ بعضُهم في بعض».
وأوَّل حديث أبي هريرة: ((أنا سَيِّد الناس يوم القيامة، يجمع الله الناس الأوَّلين والآخرينَ
في صعيد واحد، يُسمِعهم الدَّاعِي وَيَنفُذُهم البَصَرُ، وتَدنو الشمس فيَبلُغ الناسَ من الغَمّ
والكَرب ما لا يُطِيقونَ ولا يُحْتُمْلَوْنَ» .. لِعَتْ
وزاد في رواية إسحاق بن راهويه (١٨٤) عن جَرِير عن عمارة بن القعقاع عن أبي
زُرعه فيه: ((وتَدنو الشمس من رُؤُوسِهم، فَيَشْتَدّ عليهم حَرُّها ويَشُقُّ عليهم دُنُّها،
فَيَنطَلِقونَ من الضَّجَر والجَزَع ممّا هم فيه))، وهذه الطّريق عند مسلم (٣٢٨/١٩٤) عن أبي
خَيْئَمَةَ عن جَرِير، لكن لم يَسُقَ لفظها.
وأوَّل حديث أبي بكر: ((عُرِضَ عليَّ ما هو كائن من أمر الدُّنيا والآخرة، يَجمع الله الأوَّلينَ
(١) رواية الترمذي المشار إليها إنما هي في بعض ما يحصل للناس في أرض المحشر، لكن ليس فيها من ذكر
الشفاعة شيء. وقول الحافظ هنا: العلاء بن يعقوب، فإن أراد نسبته لجده فصحيح، وإلّا فهو خطأ، لأنَّ
اسمه العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب.

٤٤٢
باب ٥١ / ح ٦٥٦٥
فتح الباري بشرح البخاري
والآخرينَ في صعيدٍ واحدٍ، فيُفْظَع الناس لذلك والعَرَق كادَ يُلْجِمُهم)) وفي رواية مُعتَمِر:
((يَلْبَثُونَ ما شاءَ الله من الحَس)) (١).
وقد تقدَّم في ﴿أَلَا يَظُنُّ أُوْلَتِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوتُونَ﴾ [المطففين: ٤](٦٥٣١ و٦٥٣٢) ما أخرجه مسلم
(٢٨٦٤) من حديث المقداد: ((أنَّ الشمس تَدنو حتَّى تَصير من الناس قَدرَ مِيلٍ)) وسائر ما وَرَدَ في
ذلك وبيان تَفاوُتِهِم في العَرَق بِقَدرِ أعمالهم.
وفي حديث سلمان: («تُعطَى الشمس يوم القيامة حَرّ عشر سنين، ثمَّ تَدنو من جَاجِم
الناس فَيَعرَقونَ، حتَّى يَرشَحِ العَرَقُّ في الأرض قامةً، ثمَّ يَرتَفِع الرجلُ حتَّى يقول: غِقْ
غِقْ))(٢).
وفي رواية النَّضر بن أنس: ((لِغَمِّ ما هم فيه والخلق مُلْجَمونَ بالعَرَق، فأمَّا المؤمن فهو
عليه كالزُّكْمة، وأمَّا الكافر فَيَغْشاه الموت)).
وفي حديث عُبادة بن الصّامت رَفَعَه: ((إنّي لَسَيِّد الناس يوم القيامة بغير فخر، وما من الناس
إلّا مَن هو تحت لوائي يَتَظِرِ الفَرَجَ، وإِنَّ معي لواءَ الحمد)».
ووَقَعَ في رواية هشام وسعيد وهمَّام: ((يجتمع المؤمنونَ فيقولون)).
وتَبِيَّن من رواية النَّضر بن أنس أنَّ التَّعبير بالناس أرجَح، لكنَّ الذي يَطلُبُ الشَّفاعةَ هم
المؤمنونَ.
قوله: ((فيقولون: لو استَشْفَعْنا)) في رواية مسلم (١٩٣ /٣٢٢): ((فيُلَهَمونَ ذلك))، وفي
لفظ: «فيَهتَمّونَ بذلك))، وفي رواية همَّامٍ: ((حتَّى يَهُمُوا بذلك)).
قوله: ((على رَبّنا)) في رواية هشام وسعيد: ((إِلَى رَبّنا))، ويُوَجَّهُ (على))(٣) بأنَّه ضُمِّنَ معنى
(١) لفظه عند ابن خزيمة في ((التوحيد)): ((يلقى الناس يوم القيامة من الحبس ما شاء الله))، فلعل ((يلبثون)) تحريف
عن ((يلقون)).
(٢) تحرَّف في (ع) إلى: عنى عنى، وتصحف في (س) إلى: عق عق. وقوله: غِقْ غِقْ هو حكاية صوت الغليان، وغَقَّ
الماءُ بِفِقُّ: إذا جرى فخرج من ضِيْق إلى سَعَةٍ. قاله في ((النهاية)) في مادة (غقق).
(٣) تحرَّف ((على)) سقط من (ع) و(س).

٤٤٣
كتاب الرقاق
استَعَنّا (١)، لأَنَّ الاستشفاعَ (٢/ طلب الشَّفاعة، وهي انضِمام الأدنَى إلى الأعلى ليستعينَ به على ٤٣٣/١١
ما يَرُومُه.
وفي حديث حُذَيفة وأبي هريرة معاً: ((يجمع الله الناس يوم القيامة، فيقوم المؤمنونَ حتى
تُزْلِفُ لهم الجِنَّة فيأتونَ آدم))، و((حتَّى)) غاية لقيامهم المذكور. ويُؤخَذ منه أنَّ طلبهم الشَّفاعة
يقع حين تُزْلَفُ لهم الجنَّة.
ووَقَعَ في أوَّل حديث أبي نَضْرةَ عن أبي سعيد في مسلم(٣) رَفَعَه: «أنا أوَّل مَن تَنْشَقّ عنه
الأرض)) الحديثَ، وفيه: ((فيَفزَع الناس ثلاث فزَعاتٍ، فيأتونَ آدم)) الحديثَ.
قال القُرطُبيّ: كأنَّ ذلك يقع إذا جيءَ بجَهَنَّمَ، فإذا زَفَرَت فزِعَ الناس حينئذٍ وجَثَوا
على رُكَبِهِم.
قوله: ((حتَّى يُرِيحَنا)) في رواية مسلم: ((فيُريحنا))، وفي حديث ابن مسعود عند ابن حِبّان
(٧٣٣٥): ((إنَّ الرجل لَيُلْجِمُه العَرَقُ يوم القيامة حتَّى يقول: يا رَبّ، أرِحْني ولو إلى
النار))، وفي رواية ثابت عن أنس: ((يَطول يوم القيامة على الناس، فيقول بعضهم لبعضٍ:
انطَلِقُوا بنا إلى آدمَ أبي البشر، فليَشفَع لنا إلى رَبّنا فليَقْضِ بينَنَا))(٤). وفي حديث سلمان: ((فإذا
رأوا ما هم فيه قال بعضهم لبعضٍ: ائتوا أباكم آدمَ)).
قوله: ((حتَّى يُريحَنا من مكاننا هذا))(٥) في رواية ثابتٍ: «فليَقضٍ بينَنا))، وفي رواية حُذَيفة
وأبي هريرة: ((فيقولون: يا أبانا استَفْتِح لنا الجنَّةَ)).
(١) تحرَّف في (أ) إلى: اشفعنا، وفي (ع) إلى: شفعا، وفي (س) إلى: استشفعنا، والتصويب من سياق كلام
الحافظ في توجيه التضمين.
(٢) تحرَّف في (س) إلى: الاستشفاء.
(٣) بل في الترمذي (٣١٤٨) وسيذكره الحافظ على الصواب عند ذكر عيسى عليه السلام.
(٤) أخرجه أحمد (٢٦٩٣) و(١٣٥٩٠).
(٥) لفظة ((هذا)) ليست في رواية أبي عوانة هنا، وهي في رواية هشام عن قتادة المتقدمة برقم (٤٤٧٦)، وكذا
هي في رواية همام عن قتادة الآتية برقم (٧٤٤٠).

٤٤٤
باب ٥١ / ح ٦٥٦٥
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فيأتونَ آدم)» في رواية شَيْيانَ: ((فِيَنطَلِقونَ حتَّى يأتوا آدمَ، فيقولون: أنتَ الذي)»،
في رواية مسلم (٣٢٧/١٩٤): ((يا آدمُ أنتَ أبو البشر))، وفي رواية هَمَّام وشَيْبان: ((أنتَ أبو
البشر))(١)، وفي حديث أبي هريرة نحو رواية مسلم، وفي حديث حُذيفة: ((فيقولون: يا
أبانا)).
قوله: ((خَلَقَك الله بَيَدِه ونَفَخَ فيك من روحه)) زاد في رواية هَمَّامٍ: ((وأسكَنَك جَنََّه
[وأسجد لك ملائكته](٢) وعَلَّمَك أسماءَ كلّ شيء))، وفي حديث أبي هريرة: ((وأمَرَ الملائكة
فسَجَدوا لك))، وفي حديث أبي بكر: ((أنتَ أبو البشر وأنتَ اصطَفاك الله)).
قوله: ((فاشفَع لنا عند رَبّنا)) في رواية مسلم (٣٢٢/١٩٣): ((عند رَبّك)»، وكذا في روایة
شَيبانَ، وفي حديث (٣) أبي بكر وأبي هريرة: ((اشفَع لنا إلى رَبّك))، وزاد أبو هريرة: ((ألا تَرَى
ما نحنُ فيه؟ ألا تَرَى ما بَلَغَنا؟)).
قوله: ((لستُ هُناكُم)) قال عِيَاضٌ: قوله: ((لست هناكم)) كِنايةٌ عن أنَّ مَنْزِلَتَه دونَ المنزلة
المطلوبة، قاله تَواضُعاً وإكباراً لما يسألونَه، قال: وقد يكون فيه إشارةٌ إلى أنَّ هذا المقام ليس
لي بل لغيري.
قلت: وقد وَقَعَ في رواية مَعبَد بن هلال: ((فيقول: لست لها)) وكذا في بقيَّة المواضع،
وفي رواية حُذَيفة(٤): ((لست بصاحبٍ ذاكَ)) وهو يُؤيِّد الإشارةَ المذكورةَ.
قوله: ((وَيَذْكُرُ خطيئْتَه)) زاد مسلم: ((التي أصاب))، والراجعُ إلى الموصول محذوفٌ تقديره:
أصابها، زاد همَّام في روايته: «أكْلَه من الشَّجَرة، وقد نُهي عنها)) وهو بنصبِ ((أكْلَه)» بَدَلٌ من
قوله: ((خطيئْتَه))، وفي رواية هشام: (فيَذْكُرُ ذَنبه فيستحيِي))، وفي حديث ابن عبّاس: ((إنّي قد
(١) رواية همام: ((أنت أبو الناس)).
(٢) ما بين معقوفين سقط من الأصلين و(س)، وهو ثابت في الرواية.
(٣) تحرَّف في (أ) و(س) إلى: وكذا لشيبان في حديث أبي بكر وأبي هريرة، وجاء على الصواب في (ع).
(٤) هذا لفظ رواية أبي هريرة وحذيفة معاً، كما عند مسلم (١٩٥) وغيره.

٤٤٥
باب ٥١ / ح ٦٥٦٥
كتاب الرقاق
أُخرِجت بخطيئتي من الجنَّة))، وفي رواية أبي نَضْرةَ عن أبي سعيد: ((وإنّي أذنَبت ذَنباً
فأُهبِطتُ به إلى الأرض))، وفي رواية حُذَيفة وأبي هريرة معاً: ((هل أخرجكم من الجنَّة إلّا
خطيئةُ أبيكم آدم؟))، وفي رواية ثابت عند سعيد بن منصور: ((إنّي أخطَأت وأنا في
الفِردَوسِ فإن يُغْفَر لي اليومَ حَسبي))، وفي حديث أبي هريرة: ((إنَّ رَبّ غَضِبَ اليومَ غَضَباً لم
يَغْضَب قبلَه مِثْلَه، ولن يَغْضَبَ بعدَه مِثْلَه، وإِنَّه نَهاني عن الشَّجَرة فعَصَيت، نفسي نفسي
نفسي، اذهبوا إلى غيري)).
قوله: ((اثْتوا نوحاً (١)، فيأتونَه)) في رواية مسلم (٣٢٢/١٩٣): ((ولكنِ ائتوا نوحاً أوَّلَ
رسول بَعَثَه الله إلى أهل الأرض(٢)، فيأتونَ نوحاً))، وفي رواية هشام: ((فإنَّه أوَّل رسول بَعَثَه الله
إلى أهل الأرض))، وفي حديث أبي بكر: ((انطَلِقوا إلى أبيكم بعدَ أبيكم، إلى نوح، ائتوا عبداً
شاكراً))، وفي حديث أبي هريرة: ((اذهبوا إلى نوح، فيأتونَ نوحاً فيقولون: يا نوح أنتَ أوَّل
الرُّسُل إلى أهل الأرض، وقد سَمّاك الله عبداً شكوراً)، وفي حديث أبي بكر: «فيَنْطَلِقونَ إلى
نوح فيقولون: يا نوحُ اشفع لنا إلى رَبّك، فإنَّ اللهَ اصطَفاك واستَجابَ لك في دعائك، ولم
يَدَعْ على الأرض من الكافرينَ دَیّاراً)).
ويُجمَعُ بينهما بأنَّ آدم سَبَقَ/ إلى وصفِه بأنَّه أوَّل رسول، فخاطَبَه أهل الموقف ٤٣٤/١١
بذلك.
وقد استُشكِلَت هذه الأوَّليَّة بأنَّ آدم نبيٌّ مُرسَلٌ، وكذا شِيث وإدريس وهم قبلَ
وقد تقدَّم الجواب عن ذلك في شرح حديث جابر: ((أُعطيت خمساً)) في كتاب التيمُّم
(٣٣٥)، وفيه: ((وكان النبيّ يُبعَث إلى قومه خاصّةً)) الحديثَ.
(١) الذي في اليونينية: ((ائتوا نوحاً أوّلَ رسولٍ بعثه الله، فيأتونه)) دون حكاية خلاف بين رواة البخاري في ثبوت
عبارة: ((أوّل رسول بعثه الله)) في الرواية.
(٢) ليس في رواية مسلم قوله: ((إلى أهل الأرض)).

٤٤٦
باب ٥١ / ح ٦٥٦٥
فتح الباري بشرح البخاري
وُحصَّل الأجوبة عن الإشكال المذكور أنَّ الأوَّليّة مُقيَّدة بقوله: ((أهل الأرض))، لأنَّ
آدم ومَن ذُكِرَ معه لم يُرسَلوا إلى أهل الأرض، ويُشكِل عليه حديث جابر، ويُجاب بأنَّ
بَعثَتَه إلى أهل الأرض باعتبار الواقع لصِدقِ أنَّهم قومُه، بخلاف عُموم بعثة نبيّنا محمَّد ◌َه
القومِه ولغير قومِه، أو الأوَّليَّة مُقِيَّدة بكَونِه أهلَكَ قومَه، أو أنَّ الثلاثةَ كانوا أنبياءَ ولم
يكونوا رُسُلاً، وإلى هذا جَنَحَ ابن بَطّال في حَقّ آدم، وتَعقَّبَه عِیَاض بما صَخَّحَه ابن حِبّان
(٣٦١) من حديث أبي ذرِّ فإنَّه كالصَّريح في أنَّه كان مُرسَلاً، وفيه التَّصريح بإنزال
الصُّحُف على شيث، وهو من علامات الإرسال(١)، وأمَّا إدريس فذهبت طائفة إلى أنَّه كان
في بني إسرائيل وهو إلياس، وقد ذُكِرَ ذلك في أحاديث الأنبياء(٢).
ومن الأجوبة أنَّ رسالةَ آدَمَ كانت إلى بَنِيه، وهم موخِّدونَ ليُعلمهم شریعتَه، ونوح
كانت رسالته إلى قوم كفَّار يَدعوهم إلى التَّوحید.
قوله: «فيقول: لستُ هُناكُم، ويَذكُر خطيئته التي أصاب، فيَستَحْبِي رَبَّه مِنْها))(٣) في رواية
هشام: ((ويَذْكُر سؤالَ رَبِّه(٤) ما ليس له به عِلم))، وفي رواية شَيْبانَ: ((سؤال الله)) (٥)، وفي رواية
مَعَبَد بن هلال مِثل جواب آدم لكن قال: ((وإنَّه كانت لي دَعوة دَعَوت بها على قومي))، وفي
حديث ابن عبّاس: ((فيقول: ليس ذاكم عندي))، وفي حديث أبي هريرة: ((إنّ دَعَوت بدَعوةٍ
أغرَقَت أهل الأرض)»(٦).
(١) كذا أورد الحافظ تعقُّب عياض بهذا الحديث، ولم يتعقَّبه بأنَّ في إسناده رجلاً متهماً بالكذب!
(٢) بين يدي الحديث رقم (٣٣٤٢).
(٣) قوله: ((التي أصاب فيستحيي ربّه منها)) لم يرد في الرواية هنا، لكنه ورد في رواية مسلم، فكأنَّ الحافظ أراد
أن يقول: في رواية مسلم كذا، على عادته، فسقط من قلمه سهواً، رحمه الله تعالى.
(٤) الذي في الرواية: سؤاله ربَّه.
(٥) كذا جاء في رواية شيبان عند ابن منده في ((الإيمان)) (٨٦٥).
(٦) حصل تشويش هنا في نسبة الروايات لأصحابها، فالرواية التي نسبها الحافظ لمعبد بن هلال هي عينها رواية
أبي هريرة السالفة برقم (٤٧١٢)، والرواية التي نَسَبَها لابن عباس هي رواية أبي بكر عند أحمد (١٥)، وأبي
عوانة (٤٤٣)، والرواية التي نَسَبَها لأبي هريرة هي رواية ابن عباس عند أحمد (٢٥٤٦)!

٤٤٧
باب ٥١ / ح ٦٥٦٥
كتاب الرقاق
ويُجمَع بينه وبين الأوَّل بأنَّه اعتَذَرَ بأمرَين: أحدهما: نَهيُ الله تعالى له أن يسأل ما ليس
له به عِلم، فخَشِيَ أن تكون شَفاءَتُه لأهلِ الموقِف من ذلك.
ثانيهما: أنَّ له دَعوةً واحدةً مُحُقَّقةَ الإجابة، وقد استَوفاها بدعائه على أهل الأرض،
فخشی أن یطلُبَ فلا يُجابَ.
وقال بعض الشُّاح: كان الله وعَدَ نوحاً أن يُنجيَه وأهله، فلمَّا غَرِقَ ابنه ذكر لرَبِّه ما
وعَدَه فقيلَ له: المراد من أهلِك مَن آمَنَ وعَمِلَ صالحاً، فخَرَجَ ابنك منهم، فلا تسأل ما
ليس لك به علمٌ.
تنبيهان:
الأوَّل: سَقَطَ من حديث حُذَيفة المقرون بأبي هريرة ذِكْر نوح، فقال في قصَّة آدم:
((اذهبوا إلى ابني إبراهيم)) وكذا سَقَطَ من حديث ابن عمر، والعُمدة على مَن حَفِظَ.
الثّاني: ذكر أبو حامد الغزاليّ في ((كَشف علوم الآخرة)) أنَّ بين إتيان أهل الموقِف آدمَ وإتيانهم
نوحاً ألف سنة، وكذا بين كلّ نبيّ ونبيّ إلى نبيّنا وَّةِ، ولم أقِفْ لذلك على أصل، ولقد أكثر في
هذا الكتاب من إيراد أحاديثَ لا أُصولَ لها، فلا يُغْتَرَّ بشيءٍ منها.
قوله: ((أتوا إبراهيم)»(١) في رواية مسلم (٣٢٢/١٩٣): ((ولكنِ ائتوا إبراهيم الذي اتَّخَذَه الله
خليلاً))، وفي رواية مَعبَد بن هلال: ((ولكن عليكم بإبراهيمَ فهو خليلُ الله))(٢).
قوله: (فیأتونه)) في رواية مسلم: «فیأتون إبراهیم))، زاد أبو هريرة في حديثه: «فيقولون: یا
إبراهيمُ أنتَ نبيُّ الله وخليلُه من أهل الأرض، قُم اشفَع لنا إلى رَبّك))، وذكر مثل ما لآدم قولاً
وجواباً إلّا أنَّه قال: «قد كنت كذَبت ثلاثَ كَذَبات» وذكرهنَّ.
(١) الذي في اليونينية: ((ائتوا إبراهيم الذي اتخذه الله خليلاً)) دون حكاية خلاف بين رواه البخاري في ثبوت هذه
الزيادة، فالظاهر أنها سقطت من الأصل الذي اعتمده الحافظ، ولهذا نبّه على ثبوتها لمسلم!
(٢) هذا في رواية معبد بن هلال عند محمد بن نصر في ((تعظيم قدر الصلاة)) (٢٧٤)، وابن منده في ((الإيمان))
(٨٧٣)، وأما عند البخاري (٧٥١٠) فبلفظ: ((عليكم بإبراهيم فإنه خليل الرحمن)).

٤٤٨
باب ٥١ / ح ٦٥٦٥
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فيقول: لَسْت هُناكم، ويَذكُر خطيئْتَه)) زاد مسلم: ((التي أصاب، فيَستَحيي رَبّه
منها)»، وفي حديث أبي بكر: «ليس ذاکم عندي))، وفي رواية همَّام: ((إنّي كنت كذَبت ثلاث
كَذَبات))، زاد شَيْبانُ في روايته: ((قوله: إنّ سَقيم، وقوله: فعَلَه كبيرُهم هذا، وقوله:
لامرأته أخبريه أنّ أخوك))، وفي رواية أبي نَضْرةَ عن أبي سعيد: ((فيقول: إنّي كذَبت ثلاث
كَذَبات، قال رسول الله وَّ: ما منها كِذبة إلّا مَاحَلَ بها عن دين الله). ومَاحَلَ، بمُهمَلةٍ:
بمعنی جادَلَ وزنُه ومعناه.
ووَقَعَ في رواية حُذَيفة المقرونة: ((لست بصاحبٍ ذاكَ، إنَّما كنت خليلاً من وراء وراء))
٤٣٥/١١ وضُبِطَ بفتح الهمزة وبضمِّها، واختَلَفَ التَّرجيح فيهما: قال/ النَّوويّ: أشهَرهما الفتح بلا
تنوين، ويجوز بناؤها على الضَّمّ، وصَوَّبَه أبو البَقَاء والكنديّ، وصَوَّبَ ابن دِحية الفتح على أنَّ
الكلمة مُرَكَّبَةٍ مِثلِ شَذَر مَذَر، وإن وَرَدَ منصوباً مُنوّناً جازَ.
ومعناه: لم أكُن في التَّقريب والإدلال بمَنزِلة الحبيب. قال صاحب ((التَّحرير)): كلمة تُقال
على سبيل التَّواضُع، أي: لست في تلكَ الدَّرَجة. قال: وقد وَقَعَ لي فيه معنى مَليح، وهو أنَّ
الفضل الذي أُعطِيته كان بسِفارة جِبْريل، ولكنِ ائتوا موسى الذي كَلَّمَه الله بلا واسطة،
وكَرَّرَ وراء إشارة إلى نبيّنا وَِّ، لأَنَّه حَصَلَت له الرُّؤيةُ والسَّماعُ بلا واسطة، فكأنَّه قال: أنا من
وراء موسى الذي هو من وراء محمّد.
قال البَيْضاويّ: الحقّ أنَّ الكلمات الثلاث إنَّما كانت من مَعاريضِ الكلام، لكن لمَّا كانت
صورتها صورة الكذِب أشفَقَ منها، استصغاراً لنفسِه عن الشَّفاعة مع وقوعها، لأنَّ مَن كان
أعرفَ بالله وأقربَ إليه مَنِزِلةً، كان أعظمَ خوفاً.
قوله: (ائْتوا موسى الذي كَلَّمَه الله)) في رواية مسلم: ((ولكنِ ائتوا موسى)) وزاد: ((وأعطاه
التّوراة)، وكذا في رواية هشام وغيره، وفي رواية معبد بن هلال: «ولکن علیکم بموسی فهو
كَليم الله))، وفي رواية الإسماعيليّ: ((عَبداً أعطاه الله التَّوراة وكَلَّمَه تكلیا))، زاد همَّام في روايته:
((وقَرَّبَه نَجيّا))، وفي رواية حُذَيفة المقرونة: ((اعمِدُوا إلى موسى)).

٤٤٩
كتاب الرقاق
قوله: ((فيأتونَه)) في رواية مسلم: ((فيأتونَ موسى فيقول))، وفي حديث أبي هريرة
((فيقولون: يا موسى أنتَ رسول الله، فَضَّلَك الله برسالَتِهِ وكلامه على الناس، اشفَعْ لنا»،
فذكر مِثْل آدم قولاً وجواباً لكنَّه قال: ((إنّ قتلتُ نفساً لم أُؤْمَر بقتلها».
قوله: ((فيقول: لستُ هُناكُم)) زاد مسلم: ((فيَذكُر خطيئته التي أصاب، قَتْلَ النَّفْس))(١)،
وللإسماعيليّ: ((فَيَستَحيي رَبَّه منها))، وفي رواية ثابت عند سعيد بن منصور: ((إنّي قتلتُ
نفساً بغير نفس، وإن يُغفَر لي اليومَ حَسْبِي))، وفي حديث أبي هريرة: ((إنّ قتلتُ نفساً لم
أؤمَرْ بقتلها)» وذکر مِثل ما في آدمَ.
قوله: ((اثتوا عيسى)) زاد مسلم: ((روح الله وكَلمَته))، وفي رواية هشام: ((عبد الله
ورسوله وكَلِمتُه وروحُه))، وفي حديث أبي بكر: «فإنَّه كان يُبِئُ الأكمَهَ والأبرَصَ ويحيي
الموتَى)).
قوله: ((فيأتونَه)) في رواية مسلم: ((فيأتونَ عيسى فيقول: لست هناكم))، وفي حديث أبي
هريرة: ((فيقولون: يا عيسى أنتَ رسول الله، وكَلمَته ألقاها إلى مريم وروح منه، وكَلَّمتَ
الناس في المهد صبيّاً، اشفع لنا إلى رَبّك، ألا تَرَى إلى ما نحنُ فيه؟)) مِثل آدم قولاً وجواباً
لكن قال: ((ولم يَذْكُرُ ذَنباً))، لكن وَقَعَ في رواية التِّرمِذيّ من حديث أبي نَضْرةَ عن أبي
سعيد: ((إنّ عُبِدت من دون الله))، وفي رواية أحمد (٢٥٤٦) والنَّسائيِّ (٢) من حديث ابن
عبّاس: «إنّي النّخِذت إلهاً من دون الله))، وفي رواية ثابت عند سعيد بن منصور نحوه وزاد:
((وإن يُغْفَر لي اليوم حَسبي)).
قوله: (اثْتُوا محمَّداً ◌َّهِ فقد غُفِرَ له ما تقدَّم من ذَنْبه وما تَأْخَّرَ)) في رواية مسلم: ((عبداً
(١) قوله: ((قتل النفس)) لم يقع في رواية مسلم، لكنه وقع في رواية همام المعلقة الآتية عند البخاري برقم (٧٤٤٠)،
فلعلَّ الحافظ أراد أن يقول: وزاد همام: (قتل النفس)) فسقط من قلمه سهواً، والله أعلم.
(٢) كذا نسبه الحافظ رحمه الله للنسائي، ولم نقف عليه في كتابيه، ولا ذكره صاحب ((تحفة الأشراف))، بل
ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد»، وهذا يعني عدم وجوده في النسائي، والله تعالى أعلم.

-3
٤٥٠
باب ٥١ / ح ٦٥٦٥
فتح الباري بشرح البخاري
غُفِرَ له ... )) إلى آخره، زاد ثابت: ((من ذَنبه)(١)، وفي رواية هشام: ((غَفَرَ الله له))، وفي رواية
مُعتَمِر: ((انطَلِقوا إلى مَن جاء اليوم مَغفوراً له ليس عليه ذَنب))، وفي رواية ثابت أيضاً:
((خاتم النبيّينَ قد حَضَرَ اليوم، أرأيتُم لو كان مَتاع في وعاء قد خُتِمَ عليه، أكان يُقدَر(٢) على
ما في الوعاء حتَّى يُفضَّ الخاتَم؟))، وعند سعيد بن منصور من هذا الوجه: ((فَيَرَجِعونَ إلى
آدم فيقول أرأيتُم ... )) إلى آخره، وفي حديث أبي بكر: ((ولكنِ انطَلِقوا إلى سَيِّد ولد آدم، فإنَّه
أوَّل مَن تَنشَقُّ عنه الأرض)».
قال عِيَاض: اختَلَفوا في تأويل قوله تعالى: ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾
[الفتح: ٢] فقيلَ: المتقدِّم ما قبل النُّبوّة والمتأخّر العِصْمة، وقيل: ما وَقَعَ عن سَهو أو تأويل،
وقيل: المتقدِّم ذَنب آدم والمتأخِرُ ذَنبُ أمَّتِهِ، وقيل: المعنى أنَّه مَغفورٌ له غيرُ مُؤَاخَذٍ لو وَقَعَ،
وقيل غير ذلك.
٤٣٦/١١
ويُستَفاد من قول عيسى في حَقّ نبيّنا هذا ومن قول موسى فيما / تقدَّم: ((إنّ قَتَلت نفساً
بغير نفس وإن يُغْفَر لي اليوم حَسبي)) مع أنَّ الله قد غَفَرَ له بنَصِّ القرآن، التَّفْرِقَةُ بين مَن
وَقَعَ منه شيء ومَن لم يقع منه شيء أصلاً، فإنَّ موسى عليه السلام مع وقوع المغفِرة له لم
يَرتَّفِع إشفاقه من المؤاخذة بذلك، أو رأى في نفسه تقصيراً عن مقام الشَّفاعة مع وجود ما
صَدَرَ منه، بِخِلَاف نبيّنا ◌ََّفي ذلك كلّه، ومن ثَمَّ احتَجَّ عيسى بأنَّه صاحب الشَّفاعة، لأنَّه
قد غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخّرَ، بمعنى أنَّ الله أخبر أنَّه لا يُؤْاخذه بذَنبِ لو وَقَعَ منه،
وهذا من النَّائس التي فتحَ الله بها في «فتح الباري)) فله الحمد.
قوله: ((فيأتوني)) في رواية النَّضر بن أنس عن أبيه: حدَّثني نبيّ اللهَ وَ ◌ّه قال: ((إنّي لَقائمٌ أَنْتَظِر
(١) كذا قال الحافظ رحمه الله، ولا ندري أين موضع هذه الزيادة، فإن كان بعد قوله: ((ما تقدم)) فهي ثابتة في الروايات
كلها دون خلاف، وإن كان بعد قوله: «وما تأخر» فلم نقف عليها في شيء من الروايات مطلقاً إلّا إن كانت في
رواية سعيد بن منصور التي لم نقف عليها في المطبوع من ((سننه)».
(٢) تحرَّف في الأصلين إلى: يقدم.
قلت: واللّائق بهذا المقام القول الرَّابع، وأمَّا الثّالث فلا يَتَأَتَّى هنا.

٤٥١
باب ٥١ / ح ٦٥٦٥
كتاب الرقاق
أمَّتِي تَعبُر الصِّراط، إذ جاء عيسى فقال: يا محمَّد، هذه الأنبياء قد جاءتك يسألونَ لتَدعو الله
أن يُفرِّق جميع الأُمَم إلى حيثُ يَشاء لِغَمِّ ما هم فيه)).
فأفادَت هذه الرِّواية تعيين مَوقِف النبيّ ◌ِ لهحينئذٍ، وأنَّ هذا الذي وُصِفَ من كلام أهل
الموقِف كلّه يقع عند نصب الصِّراط بعد تَساقُط الكفَّار في النار، كما سيأتي بيانه قريباً، وأنَّ
عيسى عليه السلام هو الذي يُخَاطِب النبيّ وَّهِ، وأنَّ الأنبياء جميعاً يسألونَه في ذلك.
وقد أخرج التِّرمِذيّ(١) وغيره من حديث أبيّ بن كعب في نزول القرآن على سبعة أحرُف
وفيه: ((وأَخَّرت الثّالثة ليومٍ يَرغَب إليَّ فيه الخلق حتَّى إبراهيم عليه السلام)).
ووَقَعَّ في رواية مَعبَد بن هلال: ((فيأتوني فأقول: أنا لها أنا لها))(٢).
زاد عُقْبة بن عامر عند ابن المبارك في ((الزُّهد))(٣): «فيأذَن الله لي فأقوم، فيَثور من تَجَلِسي
أطیَب ريح شَمَّها أحد)).
وفي حديث سلمان عند أبي بكر بن أبي شَيْبة: ((يأتونَ محمَّداً فيقولون: يا نبيّ الله أنتَ
الذي فتَحَ الله بك وخَتَمَ، وغَفَرَ لك ما تقدَّم [من ذنبك](٤) وما تأخّرَ، وچِئت في هذا اليوم
آمِناً، وتَرَّى ما نحنُ فيه، فقُم فاشفَع لنا إلى رَبّنا، فيقول: أنا صاحبكم، فيَحُوشُ الناسَ
حتَّى ينتهيَ إلى باب الجنَّة)) وفي رواية مُعتَمِر: ((فيقول: أنا صاحبها)).
قوله: (فأَستَأذِنُ)) في رواية هشام: «فَأَنطَلِقِ حتَّى أستأذِنَ».
قوله: ((على رَبّ)) زاد همَّامٍ: ((في داره فيُؤذَن لي))(٥) قال عِيَاض: أي: في الشَّفاعة.
(١) حديث أبيّ بن كعب عند الترمذي (٢٩٤٤) مختصرٌ بذكر إنزال القرآن على سبعة أحرف، لكن أخرج
مسلم (٨٢٠)، وأحمد (٢١١٧١) وغيرهما حديث أبيّ مطوَّلاً من وجه آخر غير الذي عند الترمذي، وفيه
ما ذكره الحافظ.
(٢) لم يقع في رواية معبد في ((الصحيحين)) تكرار هذه الجملة.
(٣) في رواية نعيم بن حماد (٣٧٤).
(٤) ما بين المعقوفين سقط من الأصلين و(س) وهو ثابت في الرواية، وذكره الحافظ في ((المطالب)) (٤٥٧٥).
(٥) وهذه الزيادة جاءت أيضاً في رواية معتمر بن سليمان عند ابن خزيمة في ((التوحيد)) ٦٠٥/٢.

٤٥٢
فتح الباري بشرح البخاري
وتُعقِّبَ بأنَّ ظاهر ما تقدَّم أنَّ استئذانه الأوَّل والإذن له إنَّما هو في دخول الدَّار، وهي الجنَّة،
وأُضيفت إلى الله تعالى إضافةَ تشريفٍ، ومنه: ﴿وَاللَّهُ يَدْ عُواْإِلَى دَارِ السَّلَمِ﴾ [يونس: ٢٥] على القول
بأنَّ المراد بالسَّلام هنا الاسم العظيم، وهو من أسماء الله تعالى.
قيلَ: الحكمة في انتقال النبيّ وَلّ من مكانه إلى دار السَّلام أنَّ أرض الموقِف لمَّا كانت
مقامَ عَرض وحِساب كانت مكان تَحافة وإشفاق، ومقام الشافع يناسب أن يكون في مكان
إكرامٍ، ومن ثَمَّ يُستَحَبّ أن يُتَحرَّى للدُّعاءِ المكانُ الشَريفُ، لأنَّ الدُّعاءَ فيه أقرَب
للإجابة.
قلت: وتقدَّم في بعض طرقه أنَّ من جُملة سؤال أهل الموقِف استفتاحَ باب الجنَّة. وقد
ثَبَتَ في ((صحيح مسلم)) (١٩٦): أنَّه(١) أوَّل مَن يَستَفْتِح باب الجنّة، وفي رواية عليّ بن زيد
عن أنس عند التِّرمِذيّ (٣١٤٨): ((فَآَخُذُ حَلقةَ باب الجنَّة فأُفَعِقِعُها، فيقال: مَن هذا؟
فأقول: محمَّد، فيَقتَحونَ لي ويُرِّيونَ(٢)، فأخِرُّ ساجدا)(٣)، وفي رواية ثابت عن أنس عند
مسلم (١٩٧): ((فيقول الخازِن: مَن؟ فأقول: محمَّد، فيقول: بك أُمِرت أن لا أَفتَحَ لأحدٍ
قبلَك))، وله (١٩٦/ ٣٣١) من رواية المختار بن فُلفُل عن أنس رَفَعَه: «أنا أوَّل مَن يَقرَع
باب الجنَّة))، وفي رواية قَتَادة عن أنس (٤): ((آتي باب الجنَّة فأستَفْتِح، فيقال: مَن هذا؟
فأقول: محمَّد، فيقال: مَرحَباً بمحمَّدٍ))، وفي حديث سلمان: ((فيأخُذ بحَلقة الباب وهي من
ذهب، فيَقرَع الباب فيقال: مَن هذا؟ فيقول: محمَّد، فيُفتَح له حتَّى يقوم بين يَدَي الله،
فَيَستأذِن في السُّجود فيُؤْذَن له))، وفي حديث أبي بكر الصِّدّيق: «فيأتي حِبْرِيلُ ربَّه فيقول:
ائذن له)».
(١) يعني النبي بَ له
(٢) تحرف في (أ) إلى: ويرجعون.
(٣) من قوله: ((فيقال: من هذا؟)) إلى آخر الحديث، ليس عن أنس، وإنما هو من رواية علي بن زيد بن جدعان
عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري، كما نَبَّه عليه سفيان بن عيينة عند الترمذي في آخر الحديث.
(٤) لم نقف عليه من حديث أنس باللفظ المذكور، وإنما جاء بهذا اللفظ في حديث عبادة بن الصامت الذي
أخرجه الحاكم ٣٠/١ وغيره.

٤٥٣
باب ٥١ / ح ٦٥٦٥
كتاب الرقاق
قوله: ((فإذا رأيته وقَعْت له ساجداً)) في رواية أبي بكر (١): «فآتي تحت العَرش فأقَع ساجداً
لَرَبّ))، وفي رواية لابنِ حِبّان (٦٤٨٠) من طريق ثابت(٢) عن أنس: ((فيَتَجلَّ له الرَّبّ ولا
يَتَجلَّى لشيءٍ قبلَه))، وفي حديث أُبيّ بن كعب عند أبي يَعْلى(٣) رَفَعَه: / ((يُعرِّفُني الله نفسَه، ٤٣٧/١١
فأسجُد له سجدةً يَرضَى بها عنِّي، ثمَّ أمتَدِحُه بمِدْحةٍ يَرضَى بها عنِّي)).
قوله: ((فَيَدَعُني ما شاءَ الله)) زاد مسلم: ((أن يَدَعَني)) وكذا في رواية هشام (٧٤١٠)، وفي
حديث عُبادة بن الصّامت: ((فإذا رأيت رَبّ خَرَرت له ساجداً شُكْراً له))، وفي رواية مَعبَد
ابن هلال: ((فأقوم بين يَدَيه فيُلِهِمُني محامدَ لا أقدِر عليها الآن، فأحَدُه بتلكَ المحامد، ثمَّ
أخِرُّ له ساجداً))، وفي حديث أبي بكر الصِّدّيقِ: ((فِيَنطَلِقِ إليه جِبْرِيل فيَخِرُّ ساجداً قَدرَ
جمعةٍ)).
قوله: (ثُمَّ يقول (٤) لي: ارفَع رأسَك)) في رواية مسلم: ((فيقال: يا محمَّد)) وكذا في أكثر
الرِّوايات، وفي رواية النَّضر بن أنس: ((فأوحَى الله إلى جِبْريل أنِ اذهَب إلى محمَّد فقُل له:
ارفَع رأسَك))، فعلى هذا فالمعنى: يقول لي على لسان چِبْريلَ.
قوله: ((وسَل تُعْطَةْ، وقُل يُسمَع، واشفَع تُشَفَّع)) في رواية مسلم بغير واوٍ، وسَقَطَ من
أكثر الرِّوايات: ((وقُل يُسمَع))، ووَقَعَ في حديث أبي بكر: «فَيَرفَع رأسَه فإذا نظر إلى رَبّه خَرَّ
ساجداً قَدرَ جمعةٍ))، وفي حديث سلمان: ((فينادي: يا محمَّد ارفَعْ رأسَك، وسَلْ تُعطَ، واشفَع
تُشَفَّع، وادعُ تُجُبْ)).
قوله: «فأرفع رأسي فأحمد ربي بتحميدٍ يُعلِّمني)» وفي رواية هشام (٤٤٧٦): «ُعلِّمُنیه))، وفي
(١) كذا قال الحافظ، وهو سبق قلم منه رحمه الله، لأنَّ هذا اللفظ لسلمان الفارسي، وليس لأبي بكر، وأما لفظ
أبي بكر : «فينطلق به جبريل فيخرُّ ساجداً قدر ◌ُمعة)).
(٢) تحرف في (س) إلى: ثوبان.
(٣) هو في ((مسنده الكبير)) الذي برواية ابن المقرئ، ولهذا ذكره الحافظ في ((المطالب)) (٤٥٦٤).
(٤) كذا وقع للحافظ وتبعه العيني، والذي في اليونينية لغير أبي ذرِّ الهروي: يقال، وفي هامشها للهروي: يقال لي.
بزيادة (لي))، والفعل للجميع على البناء للمجهول دون خلاف، فالله تعالى أعلم.

٤٥٤
باب ٥١ / ح ٦٥٦٥
فتح الباري بشرح البخاري
رواية ثابت: ((بمحامدَ لم يَحمَدہ بها أحدٌ قبلي، ولا محمَدہ بها أحدٌ بعدي))، وفي حديث سلمان:
((فيقتَح الله له من الثَّناء والتَّحميد والتَّمجيد ما لم يَفْتَح لأحدٍ من الخَلائق))، وكأنَّه ◌ِِّ يُلهَمُ
التَّحميد قبل سُجوده، وبعده، وفيه، ویکون في كلّ مكان ما يليق به.
وقد وَرَدَ ما لعلَّه يُفَسَّر به بعض ذلك لا جميعُه، ففي النَّسائيِّ (ك١١٢٣٠) و(«مُصنَّف
عبد الرَّزّاق))(١) و((مُعجَم الطبرانيِ)(٢) من حديث حُذَيفة رَفَعَه قال: ((يُجمَع الناس في صعيد
واحد فيقال: يا محمَّد، فأقول: لَبَّيكَ وسعدَيكَ والخير في يَدَيك، والمهديُّ مَن هَدَیت،
وعبدك بين يَدَيك، وبك وإليك، تَبَارَكت وتَعالَيت، سبحانك لا مَلجَأ ولا مَنْجَى مِنك إلّا
إليك))، زاد عبد الرَّزّاق: ((سبحانَك رَبَّ البيت)) فذلك قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا
◌َّحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، قال ابن مَندَهْ في كتاب ((الإيمان)) (٩٣٠): هذا حديث مُجمَعٌ على صِحّة
إسناده و ثقة رواته.
قوله: ((ثُمَّ أشفَعُ)) في رواية مَعبَد بن هلال: «فأقول: رَبِّ أمَّتي أمَّتي))، وفي حديث أبي
هريرة نحوه.
قوله: ((فَحُدّ لي حَدّاً) أي: يُبيِّن لي في كلّ طور من أطوار الشَّفاعة حَدّاً أقِف عنده، فلا
أَتَعَدّاه، مِثل أن يقول: شَفَّعْتُك فيمَن أَخَلَّ بالجماعة، ثمَّ فيمَن أخَلَّ بالصلاة، ثمَّ فيمَن شَرِبَ
الخمر، ثمَّ فيمَن زَنَى، وعلى هذا الأسلوب. كذا حكاه الطِّيبيّ، والذي يدلّ عليه سياق
الأخبار أنَّ المراد به تفصيل مراتب المخرجينَ في الأعمال الصالحة، كما وَقَعَ عند أحمد
(١٢١٥٣) عن يحيى القَطّان عن سعيد بن أبي عَرُوبة عن قَتَادة في هذا الحديث بعينه، وسأُنبِّه
عليه في آخره، وكما تقدَّم في رواية هشام عن قَتَادة عن أنس في كتاب الإيمان (٤٤) بلفظ:
((يَخْرُج من النار مَن قال: لا إلهَ إلّا الله، وفي قلبه وزن شَعِيرة))، وفي رواية ثابت عند أحمد:
(١) لم نقف عليه في المطبوع من ((مصنف عبد الرزاق))، وهو أيضاً في ((تفسير عبد الرزاق)) ١ / ٣٨٧.
(٢) لم نقف عليه في المطبوع من ((معجم الطبراني الكبير))، وهو في ((الأوسط)) (١٠٥٨)، وعليه اقتصر الهيثمي في
((مجمع الزوائد)) ١/ ٣٧٧.

٤٥٥
باب ٥١ / ح ٦٥٦٥
كتاب الرقاق
((فأقول: أي رَبِّ، أمَّتي أمَّتي، فيقول: أخرِجْ مَن كان في قلبه مثقالُ شَعيرة)) ثمَّ ذكر نحو ما
تقدَّم، وقال: ((مِثْقال ذَرّة))، ثمّ قال: ((مِثقال حَبّة من خَردَل))(١)، ولم يَذكُر بقيّة الحديث.
ووَقَعَ في طريق النَّضر بن أنس قال: ((فشَفَعت في أمَّتي أن أُخرِجَ من كلّ تسعة وتسعينَ
إنساناً واحداً، فما زلت أترَدَّدُ على رَبّي لا أقوم منه مقاماً إلّا شُفِّعت))، وفي حديث سلمان:
((فيَشفَع في كلّ مَن كان في قلبه مِثْقال حَبّة من حِنطة، ثمَّ شَعيرة، ثمَّ حَبّة من خَردَل، فذلك
المقام المحمود))، وقد تقدَّمَتِ الإشارة إلى شيء من هذا في شرح الحديث الثّالثَ عشرَ، ويأتي
مبسوطاً في شرح حديث الباب الذي يليه.
قوله: ((ثُمَّ أُخْرِجُهم من النار)) قال الذَّاوُودِيُّ: كأنَّ راويَ هذا الحديث رَّبَ شيئاً على
غير أصله، وذلك أنَّ في أوَّل الحديث ذِكْرَ الشَّفاعة في الإراحة من كَرْب الموقف، وفي آخره
ذِكْر الشَّفاعة في الإخراج من النار.
يعني: وذلك إنَّما يكون بعد التَّحَوُّل من الموقِف والمرور على الصِّراط، وسُقوط مَن يَسقُط في
تلكَ الحالة في النار، ثمَّ يقع / بعد ذلك الشَّفاعة في الإخراج. وهو إشكالٌ قويٌّ.
٤٣٨/١١
وقد أجابَ عنه عِيَاض وتَبِعَه النَّوويّ وغيره: بأنَّه قد وَقَعَ في حديث حُذَيفة
المقرون بحديثٍ أبي هريرة بعد قوله: ((فيأتونَ محمَّداً فيقوم ويُؤْذَن له)) أي: في الشَّفاعة
((وتُرسَل الأمانةُ والرَّحِمُ، فتقومان جنبَي الصِّراط يميناً وشِمالاً، فيَمُرُّ أوَّلُكم كالبَرقِ)»
الحدیثَ.
قال عِيَاض: فبهذا يَتَّصِل الكلام، لأنَّ الشَّفاعة التي لجأ الناس إليه فيها هي الإراحة
من كَرب الموقِف، ثمَّ تَّجيء الشَّفاعة في الإخراج، وقد وَقَعَ في حديث أبي هريرة - يعني
الآتي في الباب الذي يليه بعد ذِكْر الجمع في الموقِف - الأمر باتِّباع كلّ أمّة ما كانت تَعبُد،
(١) لم يقع في رواية ثابت عند أحمد ذكر مثقال من خردل، بل لم يقع في شيء من روايات ثابت عن أنس، وإنما
جاء في رواية معبد بن هلال عن أنس الآتية برقم (٧٥١٠)، وكذا في رواية عمرو مولى المطلب عن أنس
عند أحمد (١٢٤٦٩) وغيره.

٤٥٦
باب ٥١ / ح ٦٥٦٥
فتح الباري بشرح البخاري
ثمَّ تمييز المنافقينَ من المؤمنينَ، ثمَّ حُلول الشَّفاعة بعد وضع الصِّراط والمرور عليه، فكان
الأمر باتِّباع كلّ أمّة ما كانت تَعبُد هو أوَّل فصل القضاء والإراحة من كَرب الموقف، قال:
وبهذا تَجْتَمِعِ مُتون الأحاديث وتَتَرَتَّب معانيها.
قلت: فكأنَّ بعض الرُّواة حَفِظَ ما لم يحفظِ الآخرُ، وسيأتي بقيَّته في شرح حديث الباب
الذي يليه، وفيه: ((حتَّى يَجيء الرجل فلا يستطيع السَّير إلّا زَحفاً، وفي جانبَي الصِّراط
كَلاليبُ مأمورةٌ بأخذِ مَن أُمِرَت به، فمَخدوشٌ ناج ومَكْدُوسُ في النار))(١)، فَظَهَرَ منه أنَّه ◌َلـ
أوَّل ما يَشْفَع لِيُقْضَى بين الخلق، وأنَّ الشَّفاعة فيمَن يَخْرُج من النار ثمّن سَقَطَ تقع بعد
ذلك، وقد وَقَعَ ذلك صريحاً في حديث ابن عمر اختَصَرَ في سياقه الحديث الذي ساقَه أنس
وأبو هريرة مُطوَّلاً، وقد تقدَّم في كتاب الزكاة (١٤٧٥) من طريق حمزة بن عبد الله بن عمر
عن أبيه بلفظ: ((إنَّ الشمس تَدنو حتَّى يَبلُغ العَرَق نصف الأُذُن، فبينا هم كذلك استَغاثوا
بآدم ثمَّ بموسى ثمَّ بمحمَّدٍ، فَيَشْفَع لِيُقضَى بين الخلق، فيَمشي حتَّى يأخُذ بحَلْقة الباب، فيومئذٍ
يَبعَثه الله مقاماً محموداً، يَحِمَده أهلُ الجَمْع كلّهم))(٢).
ووَقَعَ في حديث أبيّ بن كعب عند أبي يَعْلى: «ثمَّ أَمْتَدِحه بمِدحةٍ يَرضَى بها عِنِّي، ثمَّ يُؤذَن لي
في الكلام، ثمَّ تَمُرّ أمَّتي على الصِّراط، وهو منصوب بين ظَهرانَي جَهَنَّمْ فِيَمُرّونَ)).
وفي حديث ابن عبّاس من رواية عبد الله بن الحارث عنه عند أحمد(٣): ((فيقول عزَّ وجلَّ: يا
محمَّدما تريد أن أصنع في أمَّتك؟ فأقول: يارَبّ عَجِّل حِسابهم)).
وفي رواية عن ابن عبّاس عند أحمد (٢٥٤٦) وأبي يَعْلى (٢٣٢٨): «فأقول: أنا لها، حتَّى
يأَذَن الله لمن يَشاءُ ويَرضَى، فإذا أراد الله أن يَفرُغ من خلقه نادَى مُنادٍ: أين محمَّد وُمَّته)) الحديث.
(١) هذه رواية أبي هريرة وحذيفة معاً عند مسلم (١٩٥).
(٢) من قوله: ((فيشفع)) إلى هنا أورده البخاري معلقاً.
(٣) لم نقف عليه في ((مسند أحمد))، ولا عزاه إليه صاحب ((مجمع الزوائد))، وإنما اقتصر هو ١٠/ ٣٨٠، ومن قبله
المنذري في ((الترغيب والترهيب)) ٤٤٦/٤ على عزوه للطبراني في ((الكبير)) (١٠٧٧١) وفي («الأوسط))
(٢٩٣٧)، وزاد المنذريُّ في عزوه للبيهقي في ((البعث)). قلنا: وهو أيضاً عند الحاكم ١/ ٦٥.

٤٥٧
باب ٥١ / ح ٦٥٦٥
كتاب الرقاق
وسيأتي بيان ما يقع في الموقف قبل نصب الصِّراط في شرح حديث الباب الذي يليه.
وتَعرَّضَ الطِّيبيُّ للجوابِ عن الإشكال بطريقٍ آخر، فقال: يجوز أن يُراد بالنار الحَبس
والكَرب والشِّدّة التي كان أهل الموقِف فيها، من دُنِّ الشمس إلى رُؤوسِهم وكَربهم بحَرِّها
وسَفْعها حتَّى أَجَمَهم العَرَق، وأن يُراد بالخروجِ منها خَلاصُهم من تلكَ الحالة التي كانوا
فیھا.
قلت: وهو احتمال بعيد، إلّا أن يقال: إنَّه يقع إخراجان: وَقَعَ ذِكْر أحدهما في
حديث الباب على اختلاف طرقه والمراد به الخلاص من كَرب الموقِف، والثّاني في
حديث الباب الذي يليه، ويكون قوله فيه: ((فيقول: مَن كان يعبد شيئاً فليَتْبَعه)) بعد تمام
الخلاص من الموقف ونصب الصِّراط والإذن في المرور عليه، ويقع الإخراج الثّاني لمن
يَسقُط في النار حالَ المرور فيَنَّحِدا، وقد أشرت إلى الاحتمال المذكور في شرح حديث
العَرَق في ((باب قوله تعالى: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُوْلَتِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوتُونَ﴾ [المطففين: ٤])) (٦٥٣١)
والعلم عند الله تعالى.
وأجابَ القُرطُبيّ عن أصل الإشكال بأنَّ في قوله آخر حديث أبي زُرْعة عن أبي هريرة
بعد قوله وَله: ((فأقول يا رَبِّ، أمَّتي أمَّتي)): ((فيقال: أدخِل من أمَّتك من الباب الأيمَن من
أبواب الجنَّة مَن لا حِساب عليه ولا عذاب)). قال: في هذا ما يدلّ على أنَّ النبيَّ وَّلِ يُشْفَّع
فيما طلبَ من تعجيل الحِساب، فإنَّه لما أُذِنَ له في إدخال مَن لا حِساب عليه دلَّ على تأخّر
مَن علیە چِساب ليحاسب./
٤٣٩/١١
ووَقَعَ في حديث الصّور الطّويل عند أبي يَعْلى: «فأقول: يا رَبّ وعَدتني الشَّفاعةَ،
فشَفِّعني في أهل الجنَّة يَدخُلونَ الجنَّة، فيقول الله: قد شَفَّعتُك فيهم وأذِنت لهم في دخول
الجنَّة))(١).
قلت: وفيه إشعار بأنَّ العَرض والميزان وتَطاير الصُّحُف يقع في هذا الموطِن، ثمَّ ينادي
(١) تقدم تخريج الحافظ له عند شرح ترجمة الحديثين (٦٥١٧) و(٦٥١٨).

٤٥٨
فتح الباري بشرح البخاري
المنادي: لتَبَعْ كلّ أمّة مَن كانت تَعبُد، فيَسقُط الكفَّار في النار، ثمَّ يُميَّز بين المؤمنينَ والمنافقينَ
بالامتحان بالسُّجودِ عند كَشف الساق، ثمَّ يُؤذَن في نصب الصِّراط والمرور عليه، فيُطفَأ نور
المنافقينَ فيَسقُطُونَ في النار أيضاً، ويَمُرّ المؤمنونَ عليه إلى الجنَّة، فمِن العُصاة مَن يَسقُط،
ويُوقَف بعضُ مَن نَجا عند القَنطَرة للمُقاصَصة بينهم، ثمَّ يَدخُلونَ الجنَّة، وسيأتي تفصيل ذلك
واضحاً في شرح حديث الباب الذي يليه إن شاء الله تعالى.
ثمَّ وقفتُ في تفسير يحيى بن سَلّام البصريّ ـ نَزيل مِصر ثمَّ إفريقية، وهو في طبقة يزيد
ابن هارون، وقد ضَعَّفَه الدَّارَ قُطنيّ، وقال أبو حاتم الرَّازيُّ: صَدُوق، وقال أبو زُرْعة: رُبَّما
وهمَ، وقال ابن عَديّ: يُكتَب حديثه مع ضعفه - فتَقَلَ فيه عن الكَلْبيّ قال: إذا دَخَلَ أهل
الجنَّة الجنَّةَ وأهل النار النارَ، بَقِيَت زُمرة من آخر زُمَر الجنَّة إذا خَرَجَ المؤمنونَ من
الصِّراط بأعمالهم، فتقول آخر زُمرة من زُمَر النار لهم، وقد بَلَغَتِ النار منهم كلَّ مَبلَغ: أمَّا
نحنُ فقد أُخِذنا بما في قلوبنا من الشكّ والتَّكذيب، فما نَفَعَكم أنتم توحيدكم؟ قال:
فيَصرُخونَ عند ذلك يَدِعُونَ رَبّهم، فيسمعُهم أهل الجنَّة فيأتونَ آدم، فذكر الحديث في
إتيانهم الأنبياءَ المذكورينَ قبلُ واحداً واحداً إلى محمَّد وَّةِ، فَيَنْطَلِقِ فيأتي رَبّ، العِزّة
فَيَسجُد له حتَّى يأمره أن يَرفَع رأسَه، ثمَّ يسأله ما يُريدُ، وهو أعلم به، فيقول: رَبّ أُناس
من عبادك أصحاب ذُنوب لم يُشرِكوا بك وأنتَ أعلم بهم، فعَيَّرَهم أهل الشِّرك بعبادَتِهِم
إيّاكَ، فيقول: وعِزَّتي لَأُخْرِ جَنهم فيُخرِجهم قد احتَرَقوا، فَيَنضَح عليهم من الماء حتَّى
يَنْبُتُوا، ثمَّ يَدخُلونَ الجنَّة، فيُسمَّونَ الْجَهَنَّمَيّينَ، فيُغْبِطه عند ذلك الأوَّلونَ والآخرونَ،
فذلك قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا فَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩].
قلت: فهذا لو ثَبَتَ لَرَفَعَ الإشكال، لكنَّ الكَلْبِيّ ضعيف، ومع ذلك لم يُسنِده، ثمَّ هو مخالف
لصريحِ الأحاديث الصَّحيحة أن سؤال المؤمنينَ الأنبياءَ واحداً بعد واحد إنَّما يقع في الموقِف قبل
دخول المؤمنينَ الجنَّة، والله أعلم.
وقد تَسَّكَ بعض المبتَدِعة من المرجِئة بالاحتمال المذكور في دَعواه أنَّ أحداً من الموحِّدينَ لا

٤٥٩
باب ٥١ / ح ٦٥٦٥
كتاب الرقاق
يَدخُل النار أصلاً، وإنَّما المراد بما جاء من أنَّ النار تَسفَعُهم أو تَلفَحُهم، وما جاء في الإخراج
من النار جميعُه محمول على ما يقع لهم من الكَرْب في الموقف، وهو تَمَسُّكٌ باطِل، وأقوى ما
يُردّ به عليه ما تقدَّم في الزكاة (١٤٠٢) من حديث أبي هريرة في قصَّة مانع الزكاة واللَّفظ
المسلم (٩٨٧): ((ما من صاحب إبل لا يُؤَدّي حَقّها منها إلّا إذا كان يوم القيامة بُطِحَ لها
بِقاعِ قَرقٍَ أوفَرَ ما كانت، تَطَؤُه بأخفافها، وتَعَضّه بأفواهها، في يوم كان مقداره خمسين ألف
سنة، حتَّى يُقضَى بين العباد، فيَرَى سبيلَه إمّا إلى الجنَّة وإمّا إلى النار)) الحديث بطولِه، وفيه
ذِكْرِ الذَّهَب والفِضّة والبقر والغنم، وهو دالٌّ على تعذيب مَن شاءَ الله من العُصاة بالنار حقيقةً
زيادةً علی کرب الموقف.
وورَدَ في سبب إخراج بقيَّة الموخِّدينَ من النار ما تقدَّم أنَّ الكفَّار يقولون لهم: ما أغنى عنكم
قول: لا إله إلّ الله، وأنتم مَعَنا؟! فَيَغضَبُ الله لهم فيُخرِجهم. وهو ممّا يُرَدُّ به على المبتَدِعة
المذکورینَ. وسأذكره في شرح حديث الباب الذي یلیه إن شاء الله تعالى.
قوله: ((ثُمَّ أعود فأقَع ساجداً مِثْله في الثّالثة أو الرَّابِعة)) في رواية هشام(١): ((فأحَدُّ لهم حَدّاً
فأُدخِلهم الجِنَّة، ثمَّ أرجِع ثانياً فأستأذِن)) إلى أن قال: ((ثمَّ أخُذُّ لهم حَدّاً ثالثاً فأُدخِلهم
الجنَّة، ثمَّ أرجع)) هكذا في أكثر الرِّوايات.
ووَقَعَ عند أحمد (١٢١٥٣) من رواية سعيد بن أبي عَرُوبة عن قَتَادة: («ثمَّ أعود الرَّابِعة
فأقول: يا رَبّ ما بَقِيَ إلّا مَن حَبَسَه القرآن))، ولم يَشُكَّ/ بل جَزَمَ بأنَّ هذا القول يقع في ٤٤٠/١١
الرَّابِعة(٢).
ووَقَعَ في رواية مَعبَد بن هلال عن أنس أنَّ الحسن حدَّث مَعبداً بعد ذلك بقوله: ((فأقوم
(١) هذا لفظ رواية هشام عند بعض من خرَّج الحديث من طريقه كعبد بن حميد (١١٨٦)، وابن مَندَهْ في
(الإيمان)) (٨٦١)، وغيرهما، يعني بصيغة المتكلم، وأما رواية هشام المتقدمة عند البخاري برقم (٤٤٧٦)
والآتية برقم (٧٤١٠) فبلفظ: ((فيحُدُّلِي حَدّاً) بعَوْدِ الضمير على الله تعالى، ولم يقل في الموضعين: ((ثانياً)
ولا ((ثالثاً)).
(٢) وهو أيضاً لفظ رواية هشام المتقدمة برقم (٤٤٧٦).

٤٦٠
باب ٥١ / ح ٦٥٦٥
فتح الباري بشرح البخاري
الرَّابِعة))، وفيه قول الله له: ((ليس ذلك لك))، وأنَّ الله يُخْرِج من النار مَن قال: لا إلهَ إلّا الله،
وإن لم يعمل خيراً قَطّ.
فعلى هذا فقوله: ((حَبَسَه القرآن)) يَتناول الكفَّارَ وبعضَ العُصاة مَمَّن وَرَدَ في القرآن في حَقِّه
التَّخليدُ، ثمَّ يَخْرُج العُصاة في القَبْضة ويَبقَى الكفَّارِ، ويكون المراد بالتَّخليدِ في حَقّ العُصاة
المذكورينَ البَقَاءَ في النار بعد إخراج مَن تقدَّمَهم.
قوله: ((حَتَّى ما يَبْقَى)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((ما بَقِيَ))، وفي رواية هشام بعد الثّالثة: ((حتَّى
أرجع فأقول))(١).
قوله: ((إلّا مَن حَبَسَه القرآن، فكانَ قَتَادُ يقول عند هذا: أي: وَجَبَ عليه الخُلودُ)) في
رواية همَّامٍ: ((إلّا مَن حَبَسَه القرآن)) أي: وَجَبَ عليه الخُلود؛ كذا أبهمَ قائل: ((أي: وَجَبَ))
وتَبِيَّن من رواية أبي عَوَانة أنَّه فَتَادةُ أحد رواته، ووَقَعَ في رواية هشام وسعيد: ((فأقول: ما
بَقِيَ في النار إلّا مَن حَبَسَه القرآن ووَجَبَ عليه الْخُلود))، وسَقَطَ من رواية سعيد عند مسلم
(٣٢٣/١٩٣): ((وَجَبَ عليه الخلود))، وعنده من رواية هشام مِثلُ ما ذكرتُ من رواية
هَمَّام، فتَعيَّنَ أنَّ قوله: ((ووَجَبَ عليه الخُلود)) في رواية هشام مُدَرَج في المرفوع، لما تَبيَّن من
رواية أبي عَوَانة أنَّها من قول فَتَادة، فَسَّرَ به قوله: ((مَن حَبَسَه القرآن)) أي: مَن أخبر القرآنُ بأنَّه
یتخلُد في النار.
ووَقَعَ في رواية هَمَّام بعد قوله: ((أي: وَجَبَ عليه الخُلود)): وهو المقام المحمود الذي
وعَدَه الله، وفي رواية شَيْبانَ: ((إلّا مَن حَبَسَه القرآن)) يقول: وَجَبَ عليه الخُلود، وقال:
﴿َعَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا فَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، وفي رواية سعيد عند أحمد بعد قوله:
((إلّا مَن حَبَسَه القرآن)) قال: فحدَّثنا أنس بن مالك أنَّ النبيَّ وَ لَّه قال: ((فيَخرُج من النار مَن
قال: لا إلهَ إلّا الله، وكان في قلبه من الخير ما يَزِنُ شَعيرةً)) الحديث، وهو الذي فَصَلَه هشام
من الحديث، وسَبَقَ سياقه في كتاب الإيمان مُفرَداً (٤٤).
(١) هذا لفظ هشام لغير البخاري كما قدَّمنا.