النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
باب ٤٩ / ح ٦٥٤٠
كتاب الرقاق
قوله: ((فمَن استَطاعَ منكم أن يَتَّقيَ النارَ ولو بشِقٌّ تَمْرةٍ)» / زاد وكيع في روايتِهِ: ((فليفعل)»، ٤٠٥/١١
وفي رواية أبي معاويةَ: ((أن يَقيَ وجهَه النارَ ولو بشِقٌّ تمرةٍ فليفعل))، وفي رواية عيسى:
((فانَّقوا النارَ ولو بشِقٌّ تمرةٍ) أي: اجعلوا بينكم وبينها وقايةً من الصَّدَقة وعَمَلِ البِرِّ ولو
بشيءٍ یسیٍ.
قوله: ((قال الأعْمَش)) هو موصولٌ بالسَّنَدِ المذكور، وقد أخرجه مسلم (٦٨/١٠١٦)
من رواية أبي(١) معاوية عن الأعمَش كذلك، وبيَّن عيسى بن يونس في روايته أنَّ القَدرَ
الذي زادَه عَمْرو بن مُرّةَ للأعمَشِ في حديثه عن خَيْئمةَ قوله في آخره: «فمَن لم يَجِد فِكلمةٍ
طيِّةٍ)). وقد مضى الحديثُ بأتمَّ سياقاً من هذا في رواية مُحُلِّ بن خليفةَ في الزكاة.
قوله: ((حدَّثْنِي عَمْرو)) هو ابن مُرّةَ، وصَرَّحَ به في رواية عيسى بن یونُسَ.
قوله: (اتَّقوا النارَ، ثمَّ أعْرَضَ وأشاحَ)) بِشينٍ مُعجَمٍ وحاءٍ مُهمَلةٍ، أي: أظهَرَ الحَذَرَ
منها.
وقال الخليلُ: أشاحَ بوجهه عن الشَّيء: نَحّاه عنه، وقال الفَرّاءُ: المُشيحُ: الحَذِرُ
والجادُّ في الأمرِ والمقبِلُ في خِطابِهِ، فَيَصِحّ أحدُ هذه المعاني أو كلُّها، أي: حَذِرَ النار كأنَّه
يَنظُرُ إليها، أو جَدَّ على الوصيَّة باتِّقائها، أو أقبَلَ على أصحابِه في خِطابِهِ بعد أن أعرَضَ
عن النار لمَّا ذكرها، وحكى ابنُ التِّينِ أنَّ معنى أشاحَ: صَدَّ وانكَمَشَ، وقيل: صَرَفَ وجهَه
كالخائفِ أن تَنالَه.
قلت: والأوَّلُ أوجَهُ، لأنَّه قد حَصَلَ من قوله: أعرَضَ، ووَقَعَ في رواية أبي معاويةً في
أوَّله: ذكر رسولُ اللهَوَّهِالنارَ فأعرَضَ وأشاحَ، ثمَّ قال: ((اتَّقوا النارَ)).
قوله: ((ثلاثاً)) في رواية أبي معاوية: ثمّ قال: ((اتَّقوا النارَ))، وأعرَضَ وأشاحَ حتَّى ظَنَنّا أنَّه كان
يَنظُرُ إليها. وكذا أخرجه الإسماعيليُّ من رواية جَرِير عن الأعمَش.
قال ابنُ هُبَيرَةَ وابن أبي جَمْرةَ: في الحديث أنَّ اللهَ يُكلِّمُ عبادَه المؤمنينَ في الدَّار الآخرة
(١) لفظة ((أبي)) سقطت من (س).

٣٨٢
باب ٥٠ / ح ٦٥٤١
فتح الباري بشرح البخاري
بغير واسطةٍ، وفيه الحثُّ على الصَّدَقة.
قال ابن أبي جَمْرة: وفيه دليلٌ على قَبُولِ الصَّدَقة ولو قلَّت، وقد قُيِّدَت في الحديث
بالكَسبِ الطّيِّب(١). وفيه إشارةٌ إلى تَركِ احتقار القليل من الصَّدَقة وغيرها. وفيه حُجّةٌ
الأهلِ الزُّهِدِ حيثُ قالوا: الملتَفِتُ هالكٌ، يُؤخَذُ من أنَّ نظرَ المذكورِ عن يمينه وعن شِماله
فيه صورةُ الالتِفات، فلِذا لمَّ نظرَ أمامَه استَقَبَلَته النار. وفيه دليلٌ على قُربِ النار من أهلِ
الموقِف، وقد أخرج البيهقيُّ في ((البَعْث)) من مُرسَلٍ عبد الله بن باباه بسندٍ رجاله ثقاتٌ
رَفَعَه: ((كأنّ أراكم بالكَومِ جُثّى من دونِ جَهَنَّمَ)). وقوله: ((جُثّى)) بضمِّ الجيم بعدها مُثَلَّةٌ
مقصورٌ: جمعُ جاثٍ، والكَومُ، بفتح الكاف والواو الساكنة: المكانُ العالي الذي تكونُ عليه
أمّةُ محمَّدٍ وَلِّ كما ثَبَتَ في حديث كعب بن مالك عند مسلم (٢): أنَّهم يكونونَ يوم القيامة
على ثَلِّ عالٍ. وفيه أنَّ احتجابَ الله عن عبادِه ليس بحائلِ حِسٍّّ بل بأمرٍ مَعنَويٍّ يَتَعلَّقُ
بقُدرَتِهِ، يُؤخَذُ من قولِهِ: ((ثُمَّ يَنظُرُ فلا يرى قُدّامَه شيئاً».
وقال ابن هُبِيرةَ: المراد بالكلمة الطيِّة هنا ما يدلُّ على هُدًى أو يردُّ عن رَدّى، أو يُصلِحُ
بين اثنَيْنِ أو يَفصِلُ بين مُتَنَازِ عَين، أو يحلُّ مُشكِلاً أو يَكشِف غامضاً، أو يَدِفَع ثائراً أو
يُسكِّنُ غَضَباً، والله سبحانه وتعالى أعلم.
٥٠- باب يدخل الجنّة سبعون ألفاً بغير حسابٍ
٦٥٤١- حدَّثنا عِمْرانُ بنُ مَيسَرَةَ، حدَّثنا ابنُ فُضَيلٍ، حدَّثنا حُصَينٌ. قال أبو عبد الله:
وحدَّثني أَسِيدُ بنُ زيدٍ، حدَّثنا هُشَيمٌ، عن حُصَينٍ، قال: كنتُ عندَ سعيدٍ بنِ جُبَيرٍ، فقال:
حدَّثني ابنُ عبَّاسٍ، قال: قال النبيُّ وَّةِ: ((عُرِضَت عليَّ الأُمَمُ، فأجِدُ النبيَّ يَمُرُّ معه الأُمّةُ،
والنبيُّ يَمُرُّ معه النَّفَرُ، والنبيُّ يَمُرُّ معه العَشَرَةُ، والنبيُّ يَمُرُّ معه الخمسةُ، والنبيُّ وحدَه، فَنَظَرْتُ
فإذا سوادٌ كَثيرٌ، قلتُ: يا جِبْرِيلُ، هَؤُلاءِ أمَّتي؟ قال: لا، ولكنِ انظُرُ إلى الأُفُقِ، فَتَظَرَّتُ فإذا
(١) يشير إلى الحديث المتقدم برقم (١٤١٠) عن أبي هريرة.
(٢) بل عند أحمد (١٥٧٨٣)، وابن حبان (٦٤٧٩)، والحاكم ٣٦٣/٢.

٣٨٣
باب ٥٠ / ح ٦٥٤١
كتاب الرقاق
سوادٌ كَثيرٌ، قال: هَؤُلاءِ أَمَّتُكَ، وهَؤُلاءِ سبعونَ ألفاً قُدّامَهم، لا حِسابَ عليهم ولا عذابَ.
قلتُ: ولم؟ قال: كانوا لا يَكْتَوونَ ولا يَسْتَرْقُونَ ولا يَتَطِيَّرونَ، وعلى رَبِّهِم يَتَوَكَّلونَ)) فقامَ إليه
عُّاشةُ بنُ مِحْصَنٍ، فقال: ادْعُ اللهَ أن يجعلني منهم. قال: ((اللّهمَّ اجْعَلْه منهم)). ثمَّ قامَ إليه
رجلٌ آخَرُ، قال: ادْعُ الله أن يجعلني منهم، قال: ((سَبَقَكَ بها عُّاشة)).
/ قوله: ((بابٌ يَدخُلُ الجنَّةَ سبعون ألفاً بغيرِ حِسابٍ)) فيه إشارةٌ إلى أنَّ وراءَ الَّقسيم الذي ١١/ ٤٠٦
تَضَمَّنَتَه الآيةُ المشارُ إليها في البابِ الذي قبله أمراً آخرَ، وأنَّ من المكلَّفينَ مَن لا يُحاسَبُ أصلاً،
ومنهم مَن يُحاسَبُ حِساباً يسيراً، ومنهم مَن يُناقَشُ الحِسابَ.
وذکر فیه خمسة أحاديث:
الحديث الأول: قوله: ((حدَّثنا ابن فُضَيلٍ)) هو محمَّدٌ، وحُصَين: هو ابن عبد الرَّحمن
الواسطيّ(١).
قوله: ((قال أبو عبد الله)) هو البخاريّ.
قوله: ((وحدَّثني أسيدٌ)) بفتح الهمزة وكسر المهمَلة: هو ابنُ زيدِ الجمّال - بالجيم - كوفيّ
حدَّث ببغداد، قال أبو حاتم: كانوا يتكلَّمونَ فيه، وضَعَّفَه جماعةٌ، وأفحَشَ ابن مَعِينٍ فيه
القولَ. وليس له عندَ البخاريِّ سوى هذا الموضع وقد قَرَنَه فيه بغيره، ولعلَّه كان عنده ثقةً.
قاله أبو مسعود، ويحتمل أن لا يكون خَبَرَ أمرَه كما ينبغي وإنَّما سمعَ منه هذا الحديث
الواحد.
وقد وافَقَه/ عليه جماعة منهم سُرَيج بن النُّعمان عند أحمد (٢٤٤٨) وسعيد بن منصور ٤٠٧/١١
عند مسلم (٣٧٤/٢٢٠) وغيرهما، وإنَّما احتاجَ إليه فِراراً من تَكرير الإسناد بعينِهِ، فإنَّه
أخرج السَّنَدَ الأوَّلَ في الطِّبِّ في ((باب مَن اكتَوى)) (٥٧٠٥) ثمَّ أعادَه هنا فأضافَ إليه
طريقَ هُشَيمٍ، وتقدَّم له في الطِّبّ أيضاً في ((باب مَن لم يَرقِ)) (٥٧٥٢) من طريق حُصَينٍ بن
(١) كذا نسبه الحافظُ واسطياً، والمشهور نسبته كوفياً، وقد دخل واسط وسمع منه هشيم بن بشير بها، كما
أخبر هشيم بذلك، وترجم له بحشل في ((تاريخ واسط)) ترجمة حافلة.

٣٨٤
باب ٥٠ / ح ٦٥٤١
فتح الباري بشرح البخاري
نمير عن حُصَينٍ بن عبد الرَّحمن، وتقدَّم باختصارٍ قريباً (٦٤٧٢) من طريق شُعْبةَ عن
حُصَينٍ بن عبد الرَّحمن.
قوله: «كنت عند سعيد بن جُبَير، فقال: حدَّثني ابن عبَّاس)) زاد ابن فُضَيلِ في روايته(١)
عن حُصَينٍ عن عامر - وهو الشَّعبيُّ - عن عمرانَ بن حُصَينٍ: ((لا رُقيةَ إلّا من عَينٍ))
الحديثَ، وقد بيَّنت الاختلافَ في رفع حديثٍ عِمرانَ هذا والاختلافَ في سنِدِه أيضاً في
كتابِ الطِّبِّ (٥٧٠٥)، وأنَّ في رواية هُشَيمٍ زيادةَ قصَّةٍ وَقَعَت لحُصَينٍ بن عبد الرَّحمن مع
سعيد ابن جُبَيرٍ فيما يَتَعلَّقُ بالرُّقية، وذكرت حُكمَ الرُّقية هناك.
قوله: ((عُرِضَت)) بضمٌّ أوَّلِه على البناءِ للمجهول.
قوله: ((عليَّ) بالتَّشديدِ ((الأُمَمُ)) بالرَّفع، وقد بيَّن عَبْثَر بن القاسم - بموخَّدةٍ ثمَّ مُثلَّثةٍ
وزنَ جعفرٍ - في روايتِهِ عن حُصَينٍ بن عبد الرّحمنِ عند التِّرمِذيِّ (٢٤٤٦) والنَّسائيِّ
(ك٧٥٦٠) أنَّ ذلك كان ليلةَ الإسراءِ، ولفظُهُ: لمَّا أُسريَ بالنبيِّ وَّ جَعَلَ يُمَرُّ بالنبيِّ ومعه
الواحد، الحديثَ، فإن كان ذلك محفوظاً كانت فيه قوّةٌ لمن ذهب إلى تعدُّدِ الإسراء، وأنَّه
وَقَعَ بالمدينة أيضاً غير الذي وَقَعَ بمَكَّ، فقد وَقَعَ عندَ أحمَدَ (٣٨٠٦) والبزَّار (١٤٤٠ و١٤٤)
بسندٍ صحيحٍ قال: أكرينا الحديث(٢) عند رسول الله وَّه ثمَّ عُدْنا إليه فقال: ((عُرِضَت عليّ
الأنبياء اللَّيلة بأُمِها، فجَعَلَ النبيُّ يَمُرُّ ومعه الثلاثة، والنبيّ يَمُرّ ومعه العِصابة)) فذكر
الحدیث.
وفي حديث جابر عند البزَّار(٣): أبطأ رسول الله وَّل عن صلاة العِشاء حتَّى نامَ بعض
مَن كان في المسجد، الحديثَ.
والذي يَتَحرَّرُ من هذه المسألة أنَّ الإسراءَ الذي وَقَعَ بالمدينة ليس فيه ما وَقَعَ بمَكّة من
(١) تحرَّف في (س) إلى: رواية.
(٢) أكرينا الحديث: يعني أكثرناه، وقائل ذلك عبد الله بن مسعود.
(٣) كما في ((كشف الأستار)) (٣٥٤٢).

٣٨٥
باب ٥٠ / ح ٦٥٤١
كتاب الرقاق
استفتاح أبوابِ السَّماوات باباً باباً، ولا من التِقاء الأنبياءِ كلِّ واحدٍ في سَاءٍ، ولا المراجَعة معهم،
ولا المراجَعة مع موسى فيما يَتَعلَّقُ بِفَرضِ الصَّلَوات، ولا في طلبٍ تخفيفها وسائر ما يَتَعلَّق
بذلك، وإنَّما تَكَرَّرَت قضايا كثيرةٌ سوى ذلك رآها النبيُّ ◌َّهِ، فمنها بمَكّةَ البعضُ ومنها بالمدينة
بعد الهجرة البعضُ، ومُعظَمُها في المنام، والله أعلم.
قوله: ((فأجِدُ)) بكسر الجيم بلفظ المتكلِّمِ بالفعلِ المضارع، وفيه مُبالَغةٌ لتَحقَّقِ صورة
الحال، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: ((فَأَخَذَ)) بفتح الخاءِ والذّال المعجَمتَينِ بلفظ الفعلِ الماضي.
قوله: ((النبيّ) بالنَّصب، وفي رواية الكُشْمِيهنيِّ بالرَّفع على أنَّه الفاعل.
قوله: ((يَمُرُّ معه الأُمَّةُ)) أي: العَدَدُ الکثیر.
قوله: ((والنبيُّ معه النَّفَرُ، والنبيّ يَمُرُّ معه العشر)) بفتح المهمَلة وسكونِ المعجَمة، وفي
رواية المُستَمْلي بكسر المعجَمة بعدها تحتانيَّةٌ ساكنةٌ ثمَّ راءٌ(١)، ووَقَعَ في رواية ابن فُضَيلِ:
((فجَعَلَ النبيّ والنبيّن يَمُرّونَ ومعهم الرَّهط)) زاد عَبْثَر في روايته: ((والنبي))(٢)، وفي رواية
حُصَينٍ بن نُمَير نحوه، لكن بتقديم وتأخيرٍ، وفي رواية سعيد بن منصور التي أشرت إليها
آنِفاً: «فرأيت النبيَّ ومعه الرَّهط، والنبيَّ ومعه الرجل والرجلان، والنبيَّ ليس معه أحدٌ،
والنبيَّ معه الخمسة))، والرَّهط تقدَّم بيانُه في شرحٍ حديثِ أبي سفيانَ في قصَّة هِرَقَلَ أوَّلَ
الكتابِ (٧)، وفي حديث ابن مسعود: ((فجَعَلَ النبيّ يَمُرّ ومعه الثلاثة، والنبيّ يَمُرّ ومعه
العِصابة، والنبيّ يَمُرّ وليس معه أحدٌ)). والحاصلُ من هذه الرِّوايات أنَّ الأنبياء يَتَفاوتونَ
في عَدَد أتباعِهم.
قوله: ((فَظَرْت فإذا سوادٌ كَثِيرٌ)) في رواية حُصَينٍ بن نُمَير: «فرأيت سواداً كثيراً سَدَّ
الأُفُقَ)) والسَّوادُ ضِدُّ البياض: هو الشَّخصُ الذي يُرَى من بعيدٍ، ووَصْفُه بالكثير إشارةٌ
(١) يعني العَشِيرة.
(٢) كذا في الأصلين، وفي (س): و((الشيء)) والظاهر أنها تحريف عن ((والنبي))، والذي في الأصلين لم نقف على وجهه
والمراد منه، إلّا إنْ كان الحافظ أراد أن يقول: ((والنبي والنبيان يمرون ومعهم القوم))، فهذه هي الزيادة التي في
رواية عبث، فسقط بقية الكلام من قلم الحافظ سهواً، والله تعالى أعلم.

٣٨٦
فتح الباري بشرح البخاري
إلى أنَّ المرادَ بلفظه الجِنسُ لا الواحد، ووَقَعَ في رواية ابن فُضَيلِ: ((مَلَأ الأُفْقَ)) والأُفُقُ: الناحية،
والمرادُ به هنا: ناحيةُ السماء.
قوله: ((قلت: يا جِبْرِيلُ هَؤُلاءِ أمَّتي؟ قال: لا)) في رواية حُصَينٍ بن نُمَير: «فَرَجَوت أن
٤٠٨/١١ تكونَ أمَّتي فقيلَ: هذا موسى في قومِه))، وفي حديث ابن مسعودٍ عند أحمدَ: ((حتَّى مرَّ/ عليّ
موسى في كَبْكَبةٍ من بني إسرائيلَ فأعجَبني، فقلت: مَن هؤلاءِ؟ فقيلَ: هذا أخوك موسى
معه بنو إسرائيلَ)). والكَبكَبةُ بفتح الكاف، ويجوزُ ضَمُّها، بعدَها موخَّدةٌ: هي الجماعةُ من
الناس إذا انضَمَّ بعضُهم إلى بعضٍ.
قوله: ((ولكنِ انظُر إلى الأُفُقِ، فَنَظَرَّت فإذا سوادٌ كَثِيرٌ)» في رواية سعيد بن منصور:
((عظيمٌ))، وزاد: ((فقيلَ لي: انظُر إلى الأَفُقْ، فَتَظَرت فإذا سوادٌ عظيمٌ، فقيلَ لي: انظُر إلى
الأُفُقِ الآخرِ)) مِثله، وفي رواية ابن فُضَيلِ: «فإذا سوادٌ قد مَلَأَ الأَفْقَ، فقيلَ لي: انظُرِ هاهُنا
وهاهُنا في آفاق السماءِ))، وفي حديث ابن مسعود: ((فإذا الأَفُقْ قد سُدَّ بوجوه الرِّجال))، وفي
لفظٍ لأحمدَ (٤٣٣٩): «فرأيت أمَّتي قد مَلؤوا السَّهلَ والجبلَ، فأعجبني كَثْرَتُهم وهيئتُهم، فقيلَ:
أرضيتَ يا محمَّد؟ قلت: نعم، أي رَبِّ)).
وقد استَشكَلَ الإسماعيليُّ كَونَه بَّه لم يَعرِف أمَّتَه حتَّى ظنَّ أنَّهم أمّةُ موسى، وقد ثَبَتَ
من حديث أبي هريرة كما تقدَّم في الطَّهارة: كيفَ تَعرِفُ مَن لم تَرَ من أمَّتِك؟ فقال: ((إنَّهم
غُرِّ مُحَجَّلونَ من أثرِ الوضوءِ)(١)، وفي لفظٍ: ((سِيْما ليست لأحدٍ غيرهم))(٢). وأجابَ بأنَّ
الأشخاص التي رآها في الأُفُقِ لا يُدرَكُ منها إلّا الكَثْرةُ من غير تمييزٍ لأعيانهم، وأمَّا ما في
حديث أبي هريرة فمحمولٌ على ما إذا قربوا منه، وهذا كما يرى الشَّخصُ شَخصاً على بُعدٍ
(١) اللفظ الذي أورده هو لفظ رواية ابن مسعود عند أحمد (٣٨٢٠) وابن ماجه (٢٨٤) وغيرهما، وبنحوه
رواية أبي هريرة عند مسلم (٢٤٩)، وابن ماجه (٤٣٠٦)، والنسائي (١٥٠). وأما الرواية التي تقدمت
في الطهارة فهي من حديث أبي هريرة، لكن ليس فيها سؤال الصحابةِ النبيَّ وَّ كيف يعرف من لم يَرَ
من أمته.
(٢) هو عند مسلم (٢٤٧).

٣٨٧
باب ٥٠ / ح ٦٥٤١
كتاب الرقاق
فيُكلِّمُه ولا يَعرِفُ أنَّه أخوه، فإذا صارَ بحيثُ يَتَميَّزُ عن غيرِهِ عَرَفَهِ، ويُؤيِّدُه أنَّ ذلك يقعُ
عندَ وُرودِهم عليه الحوضَ.
قوله: ((هَؤُلاءِ أَمَّتُك، وهَؤُلاءِ سبعونَ ألفاً قُدّامَهم لا حِسابَ عليهم ولا عذابَ)) في رواية
سعيد بن منصور: ((ومعهم)) بدلَ ((قُدّامَهم))، وفي رواية حُصَينٍ بن نُمَير: ((ومع هؤلاءِ))،
وكذا في حديث ابن مسعودٍ، والمراد بالمعيَّة: المعنَويَّة، فإنَّ السَّبعينَ ألفاً المذكورينَ من ◌ُملة
أمَّتِه، لكن لم يكونوا في الذينَ عُرِضوا إذ ذاكَ، فَأُريدَ الزّيادةُ في تكثير أمَّتِه بإضافة السَّبعينَ
ألفاً إليهم، وقد وَقَعَ في رواية ابن فُضَيلٍ: ((ويَدخُلُ الجنَّةَ من هؤلاءِ سبعونَ ألفاً بغير
حِسابٍ))، وفي رواية عَبْثَر بن القاسم: ((هؤلاءِ أمَّتُك، ومَن هؤلاءِ من أمَّتِك سبعون ألفاً)،
والإشارةُ بهؤلاءِ إلى الأُمّة لا إلى خُصوصٍ مَن عُرِضَ، ويحتمل أن تكون (مع)) بمعنى ((مِن))
فتأتلِفُ الرّوایتان.
قوله: ((قلت: ولم؟)) بكسر اللّام وفتح الميم، ويجوزُ إسكانُها، يُستَقْهمُ بها عن السَّبَب،
وَقَعَ في رواية سعيد بن منصور وسُرَيج عن هُشَيمٍ: ثمَّ نَهَضَ - أي: النبيّ ◌َّــ فدَخَلَ
مَنْزِلَه، فخاض الناسُ في أولئكَ، فقال بعضُهم: فلعلَّهم الذينَ صَحِبوا رسول الله وَّ،
وقال بعضهم: فلعلّهم الذينَ وُلِدوا في الإسلام فلم يُشِرِكوا بالله شيئاً، وذَكَروا أشياءَ،
فخَرَجَ رسولُ الله ◌َِّ فأخبَرَوه، فقال: ((هم الذينَ)).
وفي رواية عَبْثَر: فدَخَلَ ولم يسألوه ولم يُفسِّر لهم، والباقي نحوه. وفي رواية ابن فُضَيلِ:
فأفاضَ القوم فقالوا: نحنُ الذينَ آمَنّا بالله واتَّبَعنا الرَّسولَ، فنحنُ هم، أو أولادُنا الذينَ
وُلِدوا في الإسلام فإِنّا وُلِدنا في الجاهليَّة، فَبَلَغَ النبيَّ ◌َّهِ فِخَرَجَ فقال. وفي رواية حُصَينٍ
ابن نُمَير: فقالوا: أمَّا نحنُ فوُلِدنا في الشِّركِ ولكنّا آمَنّا بالله وبرسولِه، ولكنَّ هؤلاءِ هم
أبناؤُنا. وفي حديث جابر: وقال بعضُنا: هم الشُّهَداء، وفي روايةٍ له (١): مَن رَقَّ قلبُهُ
للإسلام.
(١) كما في ((كشف الأستار)) (٣٥٤١).

٣٨٨
باب ٥٠ / ح ٦٥٤١
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((كانوا لا يَكْتَوونَ ولا يَستَرْقونَ ولا يَتَطَيَّرونَ، وعلى رَبِّهم يَتَوَكَّلونَ» اتَّفَقَ على ذِكْر
هذه الأربع مُعظَمُ الرِّوايات في حديث ابن عبّاس، وإن كان عند البعض تقديمٌ وتأخيرٌ،
وكذا في حديث عِمرانَ بن حُصَينٍ عند مسلمٍ (٢١٨)، وفي لفظٍ له (٢١٨/ ٣٧١) سَقَطَ:
((ولا يَتَطَيَّرُونَ)) هكذا في حديث ابن مسعود وفي حديث جابرِ اللَّذَينِ أشرت إليهما بنحوِ
الأربع.
ووَقَعَ في رواية سعيد بن منصور عند مسلم: ((ولا يَرْقونَ)) بَدَل ((ولا يَكْتَوونَ))، وقد
أنكَرَ الشَّيخُ تَقيُّ الدّينِ ابنُ تَيميَّةَ هذه الرِّوايةَ وزَعَمَ أنَّهَا غَلَطٌ من راويها، واعتَلَّ بأنَّ
الرَّاقِيَ يُحسِنُ إلى الذي يَرقيه فكيف يكونُ ذلك مطلوبَ التَّركِ؟ وأيضاً فقد رَقَى جِبْرِيلُ
٤٠٩/١١ النبيَّ ◌َ﴿(١) ورَقَى النبيّ أصحابه(٢)، وأذِنَ لهم في الرُّقَى، وقال: «مَن / استَطاعَ أن يَنفَعَ أخاه
فليفعل)(٣)، والنَّفْعُ مطلوبٌ. قال: وأمَّا المستَرِقِي فإنَّ يسألُ غيرَه ويرجو نَفعَه، وتمامُ التَّوكُّلِ
يُنافي ذلك. قال: وإنَّما المراد وصف السَّبعينَ بتمام التَّوكُّل فلا يسألونَ غيرَهم أن يَرقيَهم،
ولا يَكويَهم، ولا يَتَطَيَّرونَ من شيءٍ.
وأجابَ غيره بأنَّ الزّيادة من الثِّقة مقبولةٌ، وسعيد بن منصور حافظٌ وقد اعتَمَدَه
البخاريّ ومسلم، واعتَمَدَ مسلم على روايته هذه، وبأنَّ تغليطَ الراوي مع إمكان تصحيح
الزّيادة لا يُصارُ إليه. والمعنى الذي حَمَلَه على التَّغليطِ موجودٌ في المستَرِقِي لأنَّه اعتَلَّ بأنَّ
الذي لا يَطلُبُ من غيره أن يَرقِيَه تامُّ التَّوكُّل، فكذا يقال له: والذي يفعلُ غيرُه به ذلك
ينبغي أن لا يُمَكِّنَه منه لأجلِ تمام التَّوكُّل، وليس في وقوع ذلك من جِبْرِيلَ دلالةٌ على
المدَّعَى، ولا في فعل النبيّ وَّ له أيضاً دلالةٌ، لأنَّه في مقام التَّشريع وتَبيين الأحكام،
ويُمكِنُ أن يقال: إنَّما تَرَكَ المذكورونَ الرُّقَى والاسترقاءَ حَسْماً للمادّة، لأنَّ فاعلَ ذلك لا
(١) كما في حديث أبي سعيد الخدري عند مسلم (٢١٨٦)، والترمذي (٩٧٢) وابن ماجه (٣٥٢٣)، وكما في
حديث عائشة عند مسلم (٢١٨٥).
(٢) انظر كتاب الطب (٥٧٤٢ - ٥٧٤٦).
(٣) أخرجه مسلم (٢١٩٩)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧٤٩٨) من حديث جابر بن عبد الله.

٣٨٩
كتاب الرقاق
يأمَنُ أن يَكِلَ نفسَه إليه، وإلّا فالرُّقية في ذاتها ليست ممنوعةً، وإنَّما مُنِعَ منها ما كان شِركاً أو
احْتَمَلَه، ومن ثَمَّ قال ◌َّهِ: ((اعِرِضُوا عليَّ رُقاكم، ولا بأسَ بالرُّقَى ما لم يكن فيه شِرِكٌ)(١)،
ففيه إشارةٌ إلى عِلّة النَّهي كما تقدَّم تقريرُ ذلك واضحاً في كتاب الطِّبّ.
وقد نَقَلَ القُرطُبُّ عن غيره أنَّ استعمال الُّقَى والگيّ قادح في التَّوُّل بخلاف سائر
أنواع الطِّبّ، وفَرَّق بين القسمَينِ بأنَّ البُرءَ فيهما أمرٌ مَوهوٌ، وما عَداهما مُحقَّقٌ عادةً كالأكلِ
والشُّربِ فلا يَقدَح.
قال القُرطُبيُّ: وهذا فاسدٌ من وجهين:
أحدهما: أنَّ أكثرَ أبوابِ الطِّبِّ مَوهومٌ.
والثّاني: أنَّ الرُّقَى بأسماءِ الله تعالى تقتضي التَّوكُّلَ عليه، والالتِجاء إليه، والرَّغبة فيما
عنده، والتََّرُّكَ بأسمائه، فلو كان ذلك قادحاً في التَّوكُّل لَقَدَحَ الدُّعاءُ(٢)، إذ لا فرقَ بين
الذِّكرِ والدُّعاء، وقد رقَى النبيُّ نَّهِ ورُقي، وفَعَلَه السَّلَفُ والْخَلَف، فلو كان مانعاً من
اللَّحاق بالسَّبعينَ أو قادحاً في التَّوكُّل لم يقع من هؤلاءِ، وفيهم مَن هو أعلمُ وأفضلُ ممَّن
عَدَاهم.
وتُعقّبَ بأَنَّه بَنَى كلامَه على أنَّ السَّبعينَ المذكورينَ أرفَعُ رُتبةً من غيرهم مُطلَقاً، وليس
كذلك لما سأُبِّنُه، وجَوَّزَ أبو طالب بن عَطيَّةَ في ((موازَنة الأعمال)) أنَّ السَّبعينَ المذكورينَ
هم المرادُ بقوله تعالى: ﴿وَالسَّْبِقُونَ السَِّقُونَ ﴿ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَُّنَ ا فِي جَنَّتِ اٌلَّعِيمِ﴾
[الواقعة: ١٠-١٢]، فإن أراد أنَّهم من جُملة السابِقِينَ فمُسلَّمٌ وإلّا فلا، وقد أخرج أحمد
(١٦٢١٥) وصَحَّحَه ابن خُزَيمةَ(٣) وابن حِبّان (٢١٢) من حديث رِفاعةَ الْجُّهَنيِّ، قال:
أقبَلْنا مع رسولِ الله ◌َّهِ، فذكر حديثاً، وفيه: ((وعَدَني رَبّي أن يُدخِلَ الجنَّةَ من أمَّتي سبعينَ
(١) أخرجه مسلم (٢٢٠٠)، وأبو داود (٣٨٨٦) من حديث عوف بن مالك.
(٢) يعني لقدح الدعاءُ في التوكّل أيضاً.
(٣) في («التوحيد)) ٣١١/١-٣١٤.

٣٩٠
باب ٥٠ / ح ٦٥٤١
فتح الباري بشرح البخاري
ألفاً بغير حسابٍ، وإنّي لَأرجو أن لا يَدخُلوها حتَّى تَبَوَّءوا أنتم ومَن صَلَحَ من أزواجكم
وذُرّيّاتكم مَساكنَ في الجنَّة)). فهذا يدلُّ على أنَّ مَزِيَّةَ السَّبعينَ بالدُّخولِ بغيرِ حِسابٍ لا
يَسْتَلِمُ أنَهم أفضلُ من غيرهم، بل فيمَن يُحاسَبُ في الجملة مَن يكون أفضلَ منهم، وفيمَن
يَتأثَّرُ عن الدُّخولِ مَمَّنْ تَحقَّقَت نَجاتُه وعُرِفَ مقامُه من الجنَّة ليشفَعَ في غيره، مَن هو
أفضلُ منهم، وسأذكر بعدَ قليلٍ من حديث أمِّ قيسٍ بنتِ مِحصَن أنَّ السَّبعينَ ألفاً مَّن يُحِشَرُ من
مَقبَرة البقيع بالمدينة، وهي خَصُوصيّةٌ أُخرى.
قولُهُ: ((ولا يَتَطَيَّرُونَ)) تقدَّم بيانُ الطِّيرَة في كتاب الطِّبّ (٥٧٥٣)، والمرادُ أنَّهم لا يَتشاءَمونَ
كما كانوا يفعلونَ في الجاهليَّة.
قوله: ((وعلى رَبّهم يَتَوَكَّونَ)) يحتمل أن تكون هذه الجملة مُفسِّرة لما تقدَّم من تَرك
الاسترقاء والاكتِواء والطَّرة، ويحتمل أن تكون من العامّ بعد الخاصّ، لأنَّ صِفَة كلّ
واحدة منها صِفَةٌ خاصّةٌ من التَّوكُّل، وهو أعَمّ من ذلك، وقد مضى القول في التوكُّل في
باب ﴿وَمَنْ يَنَوَّكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ﴾ قريباً (٦٤٧٢).
وقال القُرطُبيّ وغيره: قالت طائفة من الصّوفيَّة: لا يَسْتَحِقّ اسمَ التَّوكُّل إلّ مَن لم يُخالط
قلبَه خَوفُ غير الله تعالى، حتَّى لو هَجَمَ عليه الأسَد لا يَنْزَعِجِ، وحتّى لا يَسعَى في طلب الرِّزق
لكَونِ اللهِ ضَمِنَه له، وأبى هذا الجمهورُ وقالوا: يَحِصُل التَّوكُّل بأن يَثِقِ بوعدِ الله ویُوقِن
٤١٠/١١ بأنَّ قضاءَه واقع، ولا يَترُك اتِّباع السُّنّة في ابتغاء الرِّزق ممّا لا بدَّ له/ منه من مَطعَم ومَشْرَب،
وتَحُّز من عدوّ بإعدادِ السِّلاح وإغلاق الباب ونحو ذلك، ومع ذلك فلا يَطمَئِنُّ إلى الأسباب
بقلبِه، بل يَعتَقِّد أنَّها لا تَجِب بذاتها نفعاً ولا تَدفَع ضَرّاً، بل السَّبَب والمسبَّب فعلُ الله تعالى
والكلّ بمَشيئِهِ، فإذا وَقَعَ من المرء رُكون إلى السَّبَب قَدَحَ في تَوكُّله.
وهم مع ذلك فيه على قسمين: واصِلٌ وسالِكٌ، فالأوَّل: صِفَة الواصل، وهو الذي لا
يَلَتَفِت إلى الأسباب ولو تَعاطاها، وأمَّا السالك: فيقع له الالتِفاتُ إلى السَّبَب أحياناً، إلّا أنَّه قد
يَدَفَع ذلك عن نفسه بالطّرقِ العلميَّة والأذواق الحاليّة، إلى أن يَرتَقي إلى مقام الواصل.

٣٩١
باب ٥٠ / ح ٦٥٤١
كتاب الرقاق
وقال أبو القاسم القُشَيرِيُّ: التَّوكُّل مَحَلّه القلب، وأمَّا الحركة الظّاهرة فلا تُنافيه إذا تَحقَّقَ
العَبد أنَّ الكلّ من قِبَل الله، فإن تيسَّرِ شيءٍ فِتيسيره وإن تَعَسَّرَ فِتقديره.
ومن الأدلّة على مشروعيَّة الاكتِساب ما تقدَّم في البيوع (٢٠٧٣) من حديث أبي هريرة
رَفَعَه: ((أفضل ما أكَلَ الرجل من كَسبه، وكان داودُ يأكل من كَسبه))(١)، فقد قال تعالى:
﴿وَعَلَّمْنَهُ صَنْعَةَ لَبُسِ لَّكُمْ لِنُحْصِنَكُمْ مِّنْ بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠]، وقال تعالى:
﴿وَلْيَأْخُذُ واْ حِذْرَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢].
وأمَّا قول القائل: كيف تَطلُب ما لا تَعرِف مكانَه؟ فجوابه أنَّه يفعل السَّبَب المأمور به
ويَتَوَكَّل على الله فيما يَخْرُج عن قُدرَته، فيَشُقّ الأرض مثلاً ويُلقي الحَبّ ويَتَوَّل على الله في
إنباته وإنزال الغَيث له، ويُحَصِّل السِّلعة مثلاً ويَنقُلها، ويَتَوَّل على الله في إلقاء الرَّغبة في
قلب مَن يَطلُبها منه، بل رُبَّما كان التكسُّب واجباً كَقادِرٍ على الكسب يحتاج عيالُه للنَّفَقة،
فمَتَى تَرَكَ ذلك كان عاصياً.
وسَلَكَ الكِرْمانيُّ في الصِّفات المذكورة مَسلَك التََّويل، فقال: قوله: ((لا يَكْتَوونَ)) معناه إلّا
عند الضَّرورة مع اعتقاد أنَّ الشِّفاء من الله لا من مُجرَّد الكَيّ، وقوله: ((ولا يَستَرقونَ)) معناه:
بالرُّقَى التي ليست في القرآن والحديث الصَّحيح، كَرُقَى الجاهليَّة وما لا يُؤمَنُ أن يكون فيه
شِرك، وقوله: ((ولا يَتَطَيَّرونَ)) أي: لا يَتشاءَمونَ بشيءٍ، فكأنَّ المراد أنَّهم الذينَ يَترُكونَ أعمال
الجاهليَّة في عقائدهم.
قال: فإن قيل: إنَّ المتَّصِف بهذا أكثر من العَدَد المذكور، فما وجه الحَصر فيه؟ وأجابَ
باحتمال أن يكون المراد به التَّكثيرَ لا خُصوصَ العَدَد.
قلت: الظّاهر أنَّ العَدَد المذكور على ظاهره، فقد وَقَعَ في حديث أبي هريرة ثاني أحاديث
الباب وصفهم بأنّهم (تُضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر))، ومضى في بَدْء الخلق (٣٢٥٤)
(١) انظر حديث المقدام الذي قبله في البيوع (٢٠٧٢).

٣٩٢
باب ٥٠ / ح ٦٥٤١
فتح الباري بشرح البخاري
من طريق عبد الرَّحمن بن أبي عَمْرةَ عن أبي هريرة رَفَعَه: ((أوَّل زُمرة تَدخُل الجنَّة على
صورة القمر، والذينَ على آثارهم كأحسن كَوكَب دُرّيّ في السماء إضاءةً))، وأخرجه مسلم
من طرق عن أبي هريرة: منها رواية أبي يونس (٢١٧) وهمَّام (٢٨٣٤) عن أبي هريرة: ((على
صورة القمر))، وله (١٩١) من حديث جابر: ((فَتَنجُو أوَّل زُمْرة وجوههم كالقمر ليلة البدر
سبعون ألفاً لا يُحاسَبونَ».
وقد وَقَعَ في أحاديث أُخرى أنَّ مع السَّبعينَ ألفاً زيادةً عليهم: ففي حديث أبي هريرة
عند أحمد (٨٧٠٨) والبيهقيِّ في ((البعث)) (٤١٦) من رواية سُهَيل بن أبي صالح عن أبيه
عن أبي هريرة عن النبيّ وَّ قال: ((سألت رَبّي فوعَدَني أن يُدخِل الجنَّة من أمَّتي)) فذكر
الحديث نحو سياق حديث سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة ثاني أحاديث الباب وزاد:
((فاستَزَدت ربّي فزادَني مع كلّ ألف سبعين ألفاً»، وسنده جيِّد.
وفي الباب عن أبي أيوب عند الطبرانيّ (٣٨٨٢)، وعن حُذَيفة عند أحمد (٢٣٣٣٦)،
وعن أنس عند البزَّار (٦٦٣٦)، وعن ثوبانَ عند ابن أبي عاصم(١). فهذه طرق يُقوِّي
بعضها بعضاً.
وجاء في أحاديثَ أُخرى أكثر من ذلك: فأخرج التِّرمِذيّ (٢٤٣٧) وحَسَّنَه والطبرانيُّ
(٧٥٢٠ و٧٦٦٥ و٧٦٧٢) وابن حِبّان في «صحيحه» (٧٢٤٦) من حديث أبي أمامةَ رَفَعَه:
((وعَدَني رَبّي أن يُدخِل الجنَّة من أمَّتي سبعينَ ألفاً، مع كلّ ألف سبعينَ ألفاً لا حِساب
علیھم ولا عذاب، وثلاث حثيات من حَثَيات رَبّ».
وفي ((صحيح ابن حِبّان)) أيضاً (٧٢٤٧) والطبرانيِّ (٣١٢/١٧) بسندٍ جيِّد من حديث
عُتبةَ بن عبْدٍ نحوه بلفظ: ((ثمَّ يَشفَع كلّ ألف في سبعينَ ألفاً، ثمَّ يَحثي رَبِّي ثلاث حَثَيَات
٤١١/١١ بكَفَّيه)) وفيه: فكَبَّرَ / عمر، فقال النبيّ وََّ: ((إنَّ السَّبعينَ ألفاً يُشفِّعُهم الله في آبائهم وأُمَّهاتهم
(١) أخرجه في ((الآحاد والمثاني)) (٤٥٥)، وفات الحافظ رحمه الله أن يخرجه من ((مسند أحمد)» (٢٢٤١٨).

٣٩٣
باب ٥٠ / ح ٦٥٤١
كتاب الرقاق
وعَشائرهم، وأرجو أن يكون أدنَى أمَّتي الحَثَوات))(١).
وأخرجه الحافظ الضّياء، وقال: لا أعلم له عِلّة. قلت: عِلَّتُه الاختلاف في سندِه،
فالطبراني أخرجه من رواية أبي سَلَّام حدَّثني عامر بن زيد أنَّه سمعَ عُتبةَ، ثمَّ أخرجه من
طريق أبي سَلَام أيضاً (٢٢/ ٧٧١) فقال: حدَّثني عبد الله بن عامر أنَّ قيس بن الحارث
حدَّثه أنَّ أبا سعيد الأنماريّ حدَّثه، فذكره، وزاد: قال قيس: فقلت لأبي سعيد: سمعته من
رسول الله وَّةَ؟ قال: نعم، قال: وقال رسول ◌َّهِ: ((وذلك يَستَوعِب مُهاجِري أمَّتي ويولّي الله
بقيَّتَهم من أعرابِنا))، وفي رواية لابن أبي عاصم (٢): قال أبو سعيد: فحَسَبنا عند رسول الله وَ لـ
فبَلَغَ أربعة آلاف ألف وتسعَ مئة ألف. يعني مَن عَدا الحَيَات.
وقد وَقَعَ عند أحمد (٢٣٥٠٥) والطبرانيِّ (٣٨٨٢) من حديث أبي أيوب نحو حديث
عُتبةَ بن عبْدٍ، وزاد: ((والخبيئة - بمُعجَمةٍ ثمَّ موحّدة وهمزة وزن عظيمة - عند رَبّ)).
ووردَ من وجه آخر ما يزيد على العدد الذي حَسَبَه أبو سعيد الأنماريّ، فعند أحمد(٢٢) وأبي
يَعْلى (١١٢) من حديث أبي بكر الصِّدّيق نحوه بلفظ: («أعطاني مع كلّ واحد من السَّبعينَ ألفاً
سبعين ألفاً))، وفي سنده راويان أحدهما ضعيف الحِفظ، والآخر لم يُسمَّ.
وأخرج البيهقيُّ في ((البعث))(٣) من حديث عَمْرو بن حَزْمِ مِثله وفيه راوٍ ضعيف أيضاً،
واختُلِفَ في سنده وفي سياق متنه.
وعند البزَّار (٦٦٣٦) من حديث أنس بسندٍ ضعيف نحوه، وعند الگلاباذيّ في «معاني
(١) كذا وقع هذا الكلام الأخير مرفوعاً عند ابن حبان وحده، وهو عند غيره ممن خرَّج الحديث من كلام
عمر ابن الخطاب، كذلك أخرجه الطبراني، وكذا هو عند أبي عبد الله الحسين بن الحسن الغضائري في
((جزئه)) (٣٣)، وعند البيهقي في ((البعث والنشور)) (٢٧٤)، على أنَّ لفظ آخره عند ابن حبان: أرجو أن
يجعل أمتي أدنى الحثوات الأواخر.
(٢) في ((الآحاد والمثاني)) (٢٨٢٥)، و((السنة)) (٨١٤).
(٣) ونص البيهقي نفسه في ((شعب الإيمان)) (٢٦٨) على أنه ذكره في ((البعث والنشور))، وهو في جملة ما سقط
من مطبوعته.

٣٩٤
باب ٥٠ / ح ٦٥٤١
فتح الباري بشرح البخاري
الأخبار)) بسندٍ واهٍ من حديث عائشة: فقَدتُ رسول الله وَ ﴿ ذات يوم فاتَّبَعتُه فإذا هو في
مَشرُبة يُصَلّي، فرأيت على رأسِه ثلاثة أنوار، فلمَّا قَضَى صلاتَه قال: ((رأيتِ الأنوار؟)) قلت:
نعم. قال: ((إنَّ آتِياً أتاني من رَبّ فبَشَّرَني أنَّ الله يُدخِل الجنَّة من أمَّتي سبعينَ ألفاً بغير
حِساب ولا عذاب، ثمَّ أتاني فبَشَّرَني أنَّ الله يُدخِل من أمَّتي مكان كلّ واحد من السَّبعينَ
ألفاً سبعينَ ألفاً بغير حساب ولا عذاب، ثمَّ أتاني فبَشَّرَني أنَّ الله يُدخِل من أمَّتي مكان كلّ
واحد من السَّبعينَ ألفاً المضاعفة سبعينَ ألفاً بغير حساب ولا عذاب، فقلت: يا رَبّ لا يَبلُغ
هذا أمَّتي، قال: أُكَمِّلهم لك من الأعراب ممَّن لا يصوم ولا يُصَلّ)). قال الكَلَاباذيّ: المراد
بالأُمّة أوَّلاً أمّة الإجابة، وبقوله آخِراً: ((أمَّتي)): أمّة الاتِّباع، فإِنَّ أمَّته بَ لِّ على ثلاثة أقسام،
أحدها أخصُّ من الآخر: أمّة الاتِّباع، ثمَّ أمّة الإجابة، ثمَّ أمّة الدَّعوة، فالأولى أهل العمل
الصالح، والثّانية مُطلَق المسلمينَ، والثّالثة مَن عَداهم مَمَّن بُعِثَ إليهم.
ويُمكِن الجمع بأنَّ القَدر الزّائد على الذي قبله هو مقدار الحَيَات، فقد وَقَعَ عند أحمد
(١٢٦٩٥) من رواية قَتَادة عن النَّضر بن أنس أو غيره(١) عن أنس رَفَعَه: ((إنَّ الله وعَدَني أن
يُدخِل الجنَّة من أمَّتي أربع مئة ألف))، فقال أبو بكر: زِدنا يا رسول الله، فقال: ((هكذا))
وَمَعَ كَفَيه، فقال: زِدنا. فقال: ((وهكذا)). فقال عمر: حَسبك أنَّ الله إن شاءَ أدخَلَ خلقَه
الجنَّة بَكَفِّ واحدةٍ، فقال النبيّ وَّ: ((صَدَقَ عمر))، وسنده جيِّد لكنِ اختُلِفَ على قَتَادة
في سنده اختلافاً كثيراً(٢).
قوله: ((فقامَ إليه عُكّاشة)) بضمِّ المهمَلة وتشديد الكاف ويجوز تخفيفها، يقال: عَكِشَ الشَّعر
وتَعَكَّشَ(٣): إذا الْتَوى، حكاه القُرطُبِّ، وحكى السُّهَيلِيُّ أَنَّه من عَكَشَ [على](٤) القوم: إذا حَمَلَ
(١) الشك الذي وقع في ((المسند)) هو في رواية قتادة هل رواه عن أنس مباشرة أو بواسطة النضر.
(٢) أبانَ عنه الحافظ في ((الإصابة)) في ترجمة عمير غير منسوب ٧٢٩/٤، وفي ترجمة محمود بن عمير بن سعد
٦/ ٤١.
(٣) تصحفت في (أ) و(س) إلى: ویعكش.
(٤) لفظة ((على)) سقطت من الأصلين و(س)، ولا بدَّ منها، لأنَّ الفعل بالمعنى المذكور لم يرد في كتب اللغة إلّا =

٣٩٥
كتاب الرقاق
عليهم، وقيل: العُكَاشة بالتَّخفيف: العنكبوت، ويقال أيضاً لبيتِ النَّمل. ومِحصَن، بكسر الميم
وسكون الحاء وفتح الصّاد المهمَلتَينِ ثمَّ نون آخره: هو ابن حُرْثان - بضمِّ المهمَلة وسكون الرَّاء
بعدها مثلَّثة - من بني أسد بن خُزيمةَ، ومَن حُلَفاء بني أُميّة.
كان عُكّاشة من السابقينَ إلى الإسلام وكان من أجمل الرِّجال، وكُنْيته أبو مِحصَن،
وهاجَرَ وشَهِدَ بدراً وقاتَلَ فيها، قال ابن إسحاق: بَلَغَني أنَّ النبيَّ وَ لّ قال: ((خير فارس في
العرب عُكّاشة))، وقال أيضاً: قاتَلَ يوم بدر قتالاً شديداً حتَّى انقَطَعَ سيفه في يده، فأعطاه
رسول الله وَ﴾ خِذْلاً(١) من حَطَب، فقال: ((قاتِل بهذا)) فقاتَلَ به فصارَ في يده سيفاً طويلاً
شديد المتن أبيض، فقاتَلَ به حتَّى فتَحَ الله، فكان/ ذلك السَّيف عنده حتَّى استُشهِدَ في قتال ٤١٢/١١
الرِّدّة مع خالد بن الوليد سنة اثنتَي عشرة.
قوله: «فقال: ادْعُ الله أن يجعلني منهم، قال: اللهمَّ اجْعَلْه منهم» في حديث أبي هريرة ثاني
أحاديث الباب مِثله، وعند البيهقيِّ من طريق محمَّد بن زياد عنه - وساقَ مسلم سنده -
قال: فَدَعا له (٢). ووَقَعَ في رواية حُصَينٍ بن نُمَير ومحمَّد بن فُضَيلِ: قال: أمِنْهم أنا يا
رسول الله؟ قال: ((نعم). ويُجمَع بأَنَّه سألَ الدُّعاء أوَّلاَ فَدَعَا له، ثمَّ استَفْهَمَ هل أُجيبَ(٣).
قوله: ((ثمَّ قامَ إليه رجل آخَر)) وَقَعَ فيه من الاختلاف هل قال: ادعُ لي، أو قال: أمنهم
أنا؟ كما وَقَعَ في الذي قبله. ووَقَعَ في حديث أبي هريرة الذي بعده: رجل من الأنصار،
وجاء من طريقٍ واهيةٍ أنَّه سعد بن عُبادة أخرجه الخطيب في ((المبهمات)) (ص١٠٦) من
طريق أبي حُذَيفة إسحاق بن بشر البخاريّ أحد الضُّعَفاء من طريقَينِ له عن مجاهد: أنَّ
رسول الله ﴿ ﴿ لَمَّ انصَرَفَ من غَزَاة بني المصطَلِقِ، فساقَ قصَّة طويلة، وفيها: أنَّ النبيَّ ◌َاهـ
= متعدياً بعلى. وكذلك هو عند السهيلي في ((الروض الأُنف)) ٦١/٣.
(١) تحرَّف في (س) إلى: جزلاً، بالزاي، وإنما هو الجِذل، بالذال، وهو أصل الشيء الباقي من شجرة وغيرها
بعد ذهاب الفرع.
(٢) لفظة ((له)) سقطت من (س).
(٣) تحرَّفت العبارة في (س) إلى: قيل: أجبت.

٣٩٦
باب ٥٠ / ح ٦٥٤١
فتح الباري بشرح البخاري
قال: ((أهل الجنَّة ◌ِشرونَ ومئةُ صَفِّ، ثمانونَ صَفّاً منها أمَّتي وأربعونَ صَفّاً سائر الأُمَم،
ولي مع هؤلاءِ سبعونَ ألفاً يَدْخُلُون الجنَّة بغير حساب))، قيل: مَن هم؟ فذكر الحديث،
وفيه: فقال: ((اللهمَّ اجعَل عُكّاشة منهم))، قال: فاستُشهِدَ بعد ذلك. ثمَّ قامَ سعد بن عُبادة
الأنصاريّ فقال: يا رسول الله، ادعُ الله أن يجعلني منهم، الحديث.
وهذا مع ضعفه وإرساله يُستَبعَد من جهة جَلالة سعد بن عُبادة، فإن كان محفوظاً
فلعلَّه آخرُ باسم سَيِّدِ الخَزْرَج واسم أبيه ونِسيَتِه، فإنَّ في الصحابة كذلك آخرُ له في ((مُسنَد
بقيِّ بن ◌َخْلَد)) حديث(١)، وفي الصحابة سعد بن عمارة الأنصاريّ، فلعلَّ اسم أبيه تَحَرَّفَ.
قوله: ((سَبَقَك بها عُّاشة)) اتَّفَقَ جُهور الرُّواة على ذلك إلّا ما وَقَعَ عند ابن أبي شَيْبة
والبزَّار وأبي يَعْلى(٢) من حديث أبي سعيد فزادَ: فقامَ رجل آخر فقال: ادعُ الله أن يجعلني
منهم، وقال في آخره: ((سَبَقَك بها عُّاشة وصاحبه، أما لو قلتُم لَقلتُ، ولو قلتُ لَوَ جَبَت))
وفي سنده عَطيَّة وهو ضعيف.
وقد اختَلَفَت أجوبة العلماء في الحكمة في قوله: ((سَبَقَك بها عُكّاشة))، فأخرج ابن
الجَوْزيّ في ((كَشف المشكِل)) من طريق أبي عمر الزّاهد، أنَّه سألَ أبا العبَّاس أحمد بن يحيى
المعروف بشَعَلَبِ عن ذلك، فقال: كان مُنافقاً، وكذا نَقَلَه الدَّارَ قُطنيُّ عن القاضي أبي العِبَّاس
البِرِقيّ - بكسر الموخَّدة وسكون الرَّاء بعدها مُثنّاة - فقال: كان الثّاني مُنافقاً، وكان ◌ََّ لا
يُسأل في شيء إلّا أعطاه، فأجابَه بذلك.
ونَقَلَ ابن عبد البَرِّ عن بعض أهل العلم نحو قول ثَعلَب، وقال ابن ناصر: قول ثَعلَب
أولى من رواية مجاهد لأنَّ سندها واهٍ. واستَبعَدَ السُّهَيلِيُّ قول ثَعلَب بما وَقَعَ في ((مُسنَد
(١) لكن جاء في ((الإصابة)) للحافظ نفسه ٣/ ٦٥ أنه سعد بن عباد، بإسقاط التاء المربوطة، فالله تعالى
أعلم.
(٢) هو في ((مسند ابن أبي شيبة)) إذ أورده الحافظ عنه في ((المطالب العالية)) (٤٦٦٢)، وهو في ((كشف الأستار عن
زوائد البزار)» للهيئمي (٣٥٥٠)، وهو كذلك في («مسند أبي يعلى الكبير)) برواية ابن المقرئ، إذ لم نقف عليه في
(«مسنده)) المطبوع الذي برواية ابن حمدان، والله أعلم.

٣٩٧
باب ٥٠ / ح ٦٥٤١
كتاب الرقاق
البزَّار)) (٩١١٢) من وجه آخر عن أبي هريرة: فقامَ رجل من خيار المهاجِرِينَ. وسنده ضعيف
جدّاً مع كونه مخالفاً لرواية ((الصَّحيح)): أنَّه من الأنصار.
وقال ابن بَطّال: معنى قوله: ((سَبَقَك)) أي: إلى إحراز هذه الصِّفات، وهي التَّوَكَّل وعَدَم
التطَيِّر وما ذُكِرَ معه، وعَدَلَ عن قوله: لست منهم أو لست على أخلاقهم، تَلَطَّفاً بأصحابِهِ وَه
وحُسن أدَبه معهم.
وقال ابن الجَوْزيّ: يظهر لي أنَّ الأوَّل سألَ عن صِدق قلبٍ فَأُجيبَ، وأمَّا الثّاني فيحتمل
أن يكون أُريدَ به حَسْمُ المادّة، فلو قال للثّاني: نعم، لَأوشَكَ أن يقوم ثالث ورابع إلى ما لا
نهاية له، ولیس کلّ الناس يَصلُح لذلك.
وقال القُرطُبيّ: لم يكن عند الثّاني من تلكَ الأحوال ما كان عند عُكّاشة، فلذلك لم
يُجب، إذ لو أجابَه لَجازَ أن يَطلُب ذلك كلّ مَن كان حاضراً فيَتَسَلسَل، فسَدَّ البابَ بقوله
ذلك، وهذا أَوْلى من قول مَن قال: كان مُنافقاً لوجهَين: أحدهما: أنَّ الأصل في الصحابة
عَدَمِ النِّفاق فلا يَثْبُت ما يُخالف ذلك إلّا بنَقلِ صحيح، والثّاني: أنَّه قَلَّ أن يَصدُر مِثل هذا
السُّؤال إلّا عن قصدٍ صحيح ويقينٍ بتصديق الرَّسول، وكيف يصدر ذلك من مُنافق؟ وإلى
هذا جَنَحَ ابن تَيميَّةَ.
وصَحَّحَ النَّوويّ أنَّ النبيَّ ◌َّهِ عِلِمِ بالوحي أنَّه يُجاب في عُكّاشة، ولم يقع ذلك في حَقّ
الآخر.
وقال السُّهَيليُّ: الذي عندي في هذا أنَّها كانت/ ساعةَ إجابة عِلِمَها وَ، واتَّفَقَ أنَّ ٤١٣/١١
الرجل قال بعدَما انقَضَت، ويُبيِّنْه ما وَقَعَ في حديث أبي سعيد: ثمَّ جَلَسوا ساعة يَتَحدَّثونَ،
وفي رواية ابن إسحاق بعد قوله: (سَبَقَك بها عُكّاشة)): ((وبَرَدَتِ الدَّعوة)) أي: انقَضَى
وقتُها.
قلت: فتحصَّلْنا من كلام هؤلاءِ الأئمّة على خمسة أجوبة والعلم عند الله تعالى. ثمَّ
وجدت لقولِ ثَعلَب ومَن وافَقَه مُستنَداً، وهو ما أخرجه الطبرانيُّ (٤٤٥/٢٥) ومحمَّد بن

٣٩٨
فتح الباري بشرح البخاري
سَنْجَر في ((مُسنَده)) وعمر بن شَبّة في ((أخبار المدينة)) (١/ ٩١) من طريق نافع مولى حَمنّةً عن
أمّ قيس بنت محِصَن وهي أُخت عُكّاشة: أَّهَا خَرَجَت مع النبيّ وَّه إلى البقيع، فقال: ((يُحْشَر من
هذه المقبرة سبعون ألفاً يَدخُلونَ الجنَّة بغير حِساب، كأنَّ وجوههم القمر ليلة البدر))، فقامَ
رجل فقال: يا رسول الله، وأنا؟ قال: ((وأنتَ)). فقامَ آخر فقال: أنا؟ قال: ((سَبَقَك بها عُكّاشة))
قال: قلت لها: لِمَ لمْ يَقُل للآخرِ؟ فقالت: أُراه كان مُنافقاً. فإن كان هذا أصلَ ما جَزَمَ به مَن قال:
كان مُنافقاً، فلا يَدِفَع تأويلَ غيره إذ ليس فيه إلّ الظَّنّ.
٦٥٤٢- حدّثنا معاذُ بنُ أسَدٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا يونسُ، عن الزُّهْريِّ، قال: حدَّثني
سعيدُ بنُ المسيّبِ، أنَّ أبا هريرةَ حدَّثه، قال: سمعتُ رسولَ الله وَّهِ يقول: ((يَدخُلُ الجنَّةَ من
أُمَّتِي زُمْرةٌ هم سبعون ألفاً، تُضِيءُ وجوهُهم إضاءةَ القمرِ ليلةَ البَدْرِ)). قال أبو هريرةَ: فقامَ
عُكّاشةُ بنُ مِحْصَنِ الأسَدِيُّ يرفعُ نَمِرةٌ عليه فقال: يا رسولَ الله، ادْعُ اللهَ أن يجعلني منهم،
فقال: ((اللهمَّ اجْعَلْه منهم)) ثمَّ قامَ رجلٌ منَ الأنصار فقال: يا رسولَ الله، ادْعُ اللهَ أن يجعلَني
منهم، فقال: ((سَبَقَكَ عُكّاشةُ)).
٦٥٤٣ - حدّثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ، حدَّثنا أبو غَسّانَ، قال: حدَّثني أبو حازم، عن سَهْلٍ
ابنِ سعدٍ، قال: قال النبيُّ وَّهِ: ((لَيَدخُلَنَّ الجنَّةَ من أمَّتي سبعون ألفاً - أو سبعُ مئةِ ألفٍ، شَكَّ
في أحدِهما - مُتَماسِكِينَ آخِذُ بعضُهم ببعضٍ، حتَّى يَدخُلَ أوَّهُم وآخِرُهمُ الجنَّةَ، ووجوهُهم
على ضَوْءِ القمرِ ليلةَ البَدْرِ)».
٦٥٤٤- حذَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا أبي، عن صالحٍ،
حدّثنا نافعٌ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، عن النبيِّ وََّ، قال: ((يدخُلُ أهلُ الجِنَّةِ الجنَّةَ،
وأهلُ النار النارَ، ثمَّ يقومُ مُؤَذِّنٌ بينَهم: يا أهلَ النار لا مَوْتَ، ويا أهلَ الجنَّةِ لا مَوْتَ،
خُلودٌ)).
[طرفه في: ٦٥٤٨]
٦٥٤٥ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، حدَّثنا أبو الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ،

٣٩٩
باب ٥٠ / ح ٦٥٤٥
كتاب الرقاق
قال: قال النبيُّ بَّهِ: ((يقال لأهلِ الجنَّةِ: يا أهلَ الجنَّة، خُلودٌ لا مَوْتَ، ولأهلِ النار: يا أهلَ
النار، خُلودٌ لا مَوْتَ)).
الحديث الثاني: قوله: ((عبد الله)) هو ابن المبارك، ويونس: هو ابن يزيد الأَيَليّ، وقد
أخرجه مسلم (٢١٦/ ٣٦٩) من رواية عبد الله بن وهب عن يونس، لكنَّ معاذ بن أسد
شيخ البخاريّ فيه معروف بالرِّواية عن ابن المبارك لا عن ابن وهب، وقد أخرجه مسلم
(٢١٦ و٢١٧) من وجهَينٍ آخرَينٍ عن أبي هريرة.
قوله: ((يَدخُل الجنَّة من أمَّتي زُمْرة)) بضمِّ الزّاي وسكون الميم: هي الجماعةُ إذ كان
بعضُهم إثرَ بعضٍ.
قوله: ((سَبْعونَ ألفاً) تقدَّم شرحه مُستَوفّى في الذي قبله، وعُرِفَ من مجموع الطّرق التي
ذكرتها أنَّ أوَّل مَن يَدخُل الجنَّة من هذه الأُمّة هؤلاءِ السَّبعونَ الذين بالصِّفة المذكورة.
ومعنى المعَيَّة في قوله في الرِّوايات الماضية: ((مع كلّ ألف سبعون ألفاً)) أو ((مع كلّ واحد
منهم سبعون ألفاً)) يحتمل أن يَدخُلوا بدخولِهِم تَبَعاً لهم، وإن لم يكن لهم مِثلُ أعمالهم، كما مضى
في (١) حديث: ((المرء مع مَن أحبَّ)) (٦١٦٨)، ويحتمل أن يُراد بالمعيَّة مُجرَّدُ دخولهم الجنَّة بغير
حِساب، وإن دخلوها في الزّمرة الثّانية أو ما بعدها، وهذا أولى.
وقد أخرج الحاكم والبيهقيُّ في ((البعث)) من طريق جعفر بن محمَّد الصّادِق عن أبيه
عن جابر رَفَعَه: مَن زادَت حسناته على سَيِّئاته فذاكَ الذي يَدخُل الجنَّة بغیر حِساب، ومَن
استَوت حسناته وسَيِّئاته فذاكَ الذي يُحاسَب حِساباً يسيراً، ومَن أوبَقَ نفسه فهو الذي
يُشفَّع فيه بعد أن يُعذَّب(٢).
(١) لفظة ((في)) سقطت من (س).
(٢) قدّمنا عند شرح الحديث (٦٥٣٧) أنَّ هذا موقوف من قول جابر، وأنه ليس عند الحاكم، وهو في ((البعث))
للبيهقي، فقد خرَّجه من طريقه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)» ٤١٣/٢٧ لكنه في جملة ما سقط من المطبوع من
کتاب «البعث)).

٤٠٠
باب ٥٠ / ح ٦٥٤٥
فتح الباري بشرح البخاري
وفي التَّقييد بقوله: ((أُمَّتي)) إخراج غير الأُمّة المحمَّديَّة من العَدَد المذكور، وليس فيه
نفي دخول أحد من غير هذه الأُمّة على الصِّفة المذكورة، من شِبه القمر ومِن الأوَّليّة وغير
ذلك، كالأنبياءِ ومِن شاءَ الله من الشُّهَداء والصِّدّيقينَ والصالحينَ.
وإن ثَبَتَ حديث أمّ قيس ففيه تخصيص آخر بمَن يُدفَن في البقيع من هذه الأُمّة، وهي
مَزْيَّة عظيمة لأهلِ المدينة، والله أعلم.
قوله: ((تُضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البَدْر)) في رواية لمسلم (٢١٧): ((على صورة
القمر))، قال القُرطُبيّ: المراد بالصّورة الصِّفة، يعني أنَّهم في إشراق وجوههم على صِفَة
القمر ليلة تمامه وهي ليلةٌ أربعةَ عشرَ، ويُؤخَذ منه أنَّ أنوار أهل الجنَّة تَتَفاوت بحَسَبٍ
درجاتهم. قلت: و کذا صفاتُهم في الجمال ونحوِه.
قوله: ((يرفع نَمِرة عليه)) بفتح النَّون وكسر الميم: هي كِساء من صوف كالشَّمْلة مُخُطَّطة
بسوادٍ وبياض يَلبَسها الأعراب.
الحديث الثالث: قوله: ((أبو غَسّان)) بِغَيْنِ مُعجَمة ثمَّ مُهمَلة ثقيلة، أبو حازم: هو سَلَمة
ابن دینار.
قوله: (لَيَدخُلَنَّ الجنَّة من أمَّتي سبعون ألفاً - أو سبع مئة ألف شَكَّ في أحدهما .)) في رواية مسلم
(٢١٩) من طريق عبد العزيز بن محمَّد(١) عن أبي حازم: لا يَدري أبو حازم أيَّهما قال.
قوله: ((مُتَمَاسِكِينَ)) بالنَّصبِ على الحال، وفي رواية مسلم: ((مُتَماسكونَ)) بالرَّفع على الصِّفة،
قال النَّوويّ: كذا في مُعظَم النَّسَخ وفي بعضها بالنَّصب، وكلاهما صحيحٌ.
قوله: ((آخِذُ بعضُهم ببعضٍ)) في رواية مسلم: ((بعضهم بعضاً).
قوله: ((حتَّى يَدخُل أوَّلهم وآخرهم)) هو غاية للتَّماسُكِ المذكور والأخذ بالأيدي، وفي/
٤١٤/١١
(١) كذا قال الحافظ، والظاهر أنه سبقُ قلم منه رحمه الله، فقد وقع عند مسلم التصريحُ بأنه عبد العزيز بن أبي حازم،
فليس هو عبد العزيز بن محمد الدَّرَاوَردي، وإن كان كلاهما يروي عن أبي حازم، على أنَّ هذه الرواية ثابتة عند
البخاري أيضاً (٦٥٥٤) وفاتت الحافظَ رحمه الله.