النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ باب ٤٨ / ح ٦٥٣٥ كتاب الرقاق فعلى هذا فالتَّغابُنُ من طَرَفٍ واحدٍ، ولكنَّهِ ذُكِرَ بهذه الصّيغة للمُبالَغة. وقد اقتَصَرَ المصنّفُ من أسماء يوم القيامة على هذا القَدر، وجمعها الغَزاليُّ ثمَّ القُرطُبيُّ فِبَلَغَت نحو الثَّانِينَ اسماً، فمنها: يومُ الجَمْع، ويومُ الفَزَع الأكبر، ويومُ الثَّنَاد، ويوم الوعيد، ويوم الحَسْرة، ويوم الثَّلَاق، ويوم المآب، ويوم الفَصْل، ويوم العَرض على الله، ويوم الخروج، ويوم الخُلود. ومنها: يومٌ عَقِيم، ويومٌ عَسيرٌ، ويومٌ مشهودٌ، ويومٌ عَبوسٌ قَمْطريرٌ. ومنها: يوم تُبلَى السَّرائر، ومنها: يوم لا تَمَلِك نفسٌ لنفسِ شيئاً، ويوم يُدُّونَ إلى نار جَهَنَّمَ، ويومٌ تَشخَصُ فيه الأبصارُ، ويوم لا يَنفَعِ الظّالمينَ مَعِذِرَتُهم، ويوم لا يَنطِقونَ، ويوم لا يَنفَعُ مالٌ ولا بَنونَ، ويوم لا يَكتُمُونَ اللهَ حديثاً، ويومٌ لا مَرَذَّ له من الله، ويومٌ لا بيعٌ فيه ولا خِلالٌ، ويومٌ لا رَیبَ فيه. فإذا ضُمَّت هذه إلى ما ذُكِرَ في الأصل كانت أكثرَ من ثلاثينَ اسماً مُعظَمُها وَرَدَ في القرآن بلفظه، وسائر الأسماءِ المشار إليها أُخِذَت بطريق الاشتقاق بما وَرَدَ منصوصاً، كيومٍ الصَّدَرِ من قولِهِ: ﴿يَوْمَيِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْنَانًا﴾ [الزلزلة: ٦]، ويوم الجِدَال من قوله: ﴿يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسِ تُجَدِلُ عَن نَّفْسِهَا﴾ [النحل: ١١١]، ولو تُتُبِّعَ مِثلُ هذا من القرآن زاد على ما ذُكِرَ، والله أعلم. وذكر في البابِ ثلاثةَ أحاديثَ: أحدها: حديث ابن مسعود والسَّنَد إليه كوفيّونَ، وشَقِيقٌ: هو ابن سَلَمةَ أبو وائلٍ، مشهورٌ بگنیته أكثرَ من اسمِه. قوله: ((أوَّلُ ما يُقْضَى بين الناس بالدِّماءِ)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((في (١) الدِّماء)»، وسيأتي كالأوَّل في الدّيات (٦٨٦٤) من وجهٍ آخرَ عن الأعمَش(٢)، ولمسلم (١٦٧٨) والإسماعيليِّ من (١) حرف ((في)) سقط من (س). (٢) لفظه في الدیات کلفظ روایة الگُشميهنيّ هنا. ٣٦٢ فتح الباري بشرح البخاري طريقٍ أُخرى عن الأعمَش: ((بين الناس يوم القيامة في الدِّماء)) أي: التي وَقَعَت بين الناس في الدُّنيا، والمعنى أوَّلُ القضايا القضاءُ في الدِّماء، ويحتمل أن يكون التَّقدير: أوَّل ما يُقضَى فيه الأمر الكائن في الدِّماء. ولا يعارض هذا حديثُ أبي هريرة رَفَعَه: ((إِنَّ أَوَّلَ ما يُحاسَبُ به العَبدُ يومَ القيامة صلاتُه)) الحديثَ، أخرجه أصحاب (السُّنَن)) (١)، لأنَّ الأوَّل محمولٌ على ما يَتَعلَّق بمُعامَلات الخَلْق، والثّاني فيما يَتَعلَّق بعبادة الخالق. وقد جَعَ النَّسَائِيُّ (٣٩٩١) في روايته في حديث ابن مسعود بين الخبرَينِ، ولفظه: ((أَوَّل ما يُحاسَب العبدُ عليه صلاته، وأوَّل ما يُقضَى بين الناس في الدِّماء)). وتقدَّم في تفسير سورة الحجّ (٤٧٤٤) ذِكرُ هذه الأوَّليّة بأخصَّ ممّا في حديث الباب، وهو عن عليٍّ قال: أنا أوَّل مَن يَجِثُو للخصومة يومَ القيامة، يعني: هو ورَفيقاهُ حمزةُ وعُبيدةُ، وخصومُهم عُتبةُ وشَيْبةُ ابنا رَبيعةَ والوليد بن عُتْبَةَ الذينَ تَبَارَزُوا يوم بدر، قال أبو ذَرٍّ: فيهم نزلت: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ آَخْتَصَمُواْ فِ رَبِهِمْ﴾ الآيَةَ [الحج: ١٩]. وتقدَّم شرحُه هناك، وفي حديث الصُّور الطَّويل عن أبي هريرة رَفَعَه: ((أوَّل ما يُقضَى بين الناس في الدِّماء، ويأتي كلّ قتيل قد حَمَلَ رأسَه فيقول: يا رَبِّ سَلْ هذا فيمَ قَتَلني؟)) الحديثَ(٢). وفي حديث نافع بن جُبَيرٍ عن ابن عبّاس رَفَعَه: ((یأتي المقتول مُعلِّقاً رأسه بإحدى يديه،/ مُلَبِّاً قاتِلَه بيَدِهِ الأُخرى، تَشخُبُ أو داجُه دَماً حتَّى يَقِفا بين يَدَي الله)) الحديثَ(٣). ٣٩٧/١١ (١) أخرجه أبو داود (٨٦٤)، وابن ماجه (١٤٢٥)، والترمذي (٤١٣)، والنسائي (٤٦٥). (٢) سلف تخريجه عند شرح الحديث رقم (٦٥١٧). (٣) أخرجه من هذه الطريق ابن أبي الدنيا في ((الأهوال)) (١٨٨)، وابن أبي عاصم في ((الديات)) ص ٣٠، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٠٧٤٢)، وفي («الأوسط)) (٤٢١٧). وأخرجه أحمد (١٩٤١)، وابن ماجه (٢٦٢١)، والنسائي (٣٩٩٩) من طريق سالم بن أبي الجعد، عن ابن عباس، وأخرجه الترمذي (٣٠٢٩)، والنسائي (٤٠٠٥) من طريق عمرو بن دينار، عن ابن عباس. ٣٦٣ باب ٤٨ / ح ٦٥٣٥ كتاب الرقاق ونحوه عند ابن المبارك عن عبد الله بن مسعودٍ موقوفاً (١). وأمَّا كيفيَّةُ القِصاص فيما عَدا ذلك فيُعلَمُ من الحديث الثّاني. وأخرج ابن ماجَهْ (٤٢٩٠) عن ابن عبّاسٍ رَفَعَه: ((نحنُ آخِرُ الأُمَمِ وأوَّلُ مَن يُحاسَبُ يومَ القيامة)). وفي الحديث عِظَمُ أمر الدَّم، فإنَّ البِداءةَ إنَّما تكونُ بالأهمّ، والذَّنْب يَعظُمُ بحَسَبٍ عِظَم المفسَدة وتَفويت المصلحة، وإعدامُ البِنية الإنسانيَّة غايةٌ في ذلك. وقد وَرَدَ في التَّغليظ في أمر القتل آياتٌ كثيرةٌ وآثارٌ شهيرةٌ يأتي بعضُها في أوَّل الدّيات (٦٨٦١). الحديث الثاني: قوله: ((مالك، عن سعيد بن أبي سعيد المقبُريِّ)) في رواية ابن وهب(٢) عن مالك: حدَّثني سعيد بن أبي سعيد. قوله: ((مَن كانت عندَه مَظْلِمٌ لأخيه)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((من أخيه)). قوله: (ليس ثَمَّ دینارٌ ولا دِرْهَمٌ)) في حديث ابن عمر رَفَعَه: «مَن ماتَ وعليه دينارٌ أو دِرْهمٌ قُضِيَ من حسناته)) أخرجه ابن ماجه (٢٤١٤)، وقد مضى شرحُه في كتاب المظالم (٢٤٤٩)، والمراد بالحسنات: الثَّوابُ عليها، وبالسَّيِّئَات: العقاب عليها. وقد استُشكِلَ إعطاءُ الثَّوابِ وهو لا يَتَنَاهَى في مُقَابَلة العِقاب وهو مُتَناهٍ، وأُجيبَ بأنَّه محمولٌ على أنَّ الذي يُعطاه صاحب الحقّ من أصل الثَّواب ما يوازي العُقوبةَ عن السَّيِّئَة، وأمَّا ما زاد علی ذلك بفضل الله فإنَّه یبقی لصاحبه. قال البيهقيُّ: سَيِّئَات المؤمنِ على أُصولِ أهلِ السُّنّة مُتناهيةُ الجزاءِ، وحسناته غیر مُتناهية الجزاء، لأنَّ مِن ثوابها الخُلودَ في الجنَّة، فوجهُ الحديث عندي - والله أعلمُ - أنَّه يُعطَى خُصَماءُ المؤمن المسيءٍ من أجرٍ حسناته ما يوازي عُقوبةَ سَيِّئاته، فإن فَنِيَت حسناتُه أُخِذَ (١) ذكره القرطبي في ((التذكرة)) ص ٦٦٥، وساق إسناده، فقال: قال ابن المبارك: حدثنا حماد بن سلمة وعاصم عن أبي وائل عن عبد الله موقوفاً. ولم يذكر في أي كتب ابن المبارك هو. (٢) وأخرجه من طريقه الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (١٨٩). ٣٦٤ باب ٤٨ / ح ٦٥٣٥ فتح الباري بشرح البخاري من خطايا خصومه فطُرِحَت عليه، ثمَّ يُعذّب إن لم يُعفَ عنه، فإذا انتَهَت عُقوبة تلكَ الخَطايا أُدخِلَ الجنَّةَ بما كُتِبَ له من الخُلُود فيها بإيمانه، ولا يُعطَى خُصَاؤُه ما زاد من أجر حسناته على ما قابَلَ عُقوبة سَيِّئاته يعني من المضاعَفة، لأنَّ ذلك من فضل الله يَخْتَصُّ به مَن وافى يوم القيامة مُؤمِناً، والله أعلم. قال الحميديُّ في كتاب ((الموازنة)): الناس ثلاثة: مَن رَجَحَت حسناتُه على سَيِّئاته، أو بالعكس، أو مَن تَساوت حسناتُه وسَيَِّاتُه، فالأوَّل فائزٌ بنَصِّ القرآن، والثّاني يُقْتَصُ منه بما فضَلَ من مَعاصيه على حسناته من النَّفْخة إلى آخر مَن يَخْرُجُ من النار بمقدار قِلّة شَرِّه وكَثْرَتِهِ، والقِسْمُ الثّالثُ أصحاب الأعراف. وتَعقَّبَه أبو طالب عقيل بن عَطيّة في كتابه الذي رَدَّ عليه فيه بأنَّ حَقّ العِبارة فيه أن يُقيَّد بمَن شاءَ الله أن يُعذِّبَه منهم، وإلّا فالمكلَّفُ في المشيئة، وصُوِّبَ الثّالثُ على أحد الأقوال في أهل الأعراف. قال: وهو أرجح الأقوال فيهم. قلت: قد قال الحميديُّ أيضاً: والحقّ أنَّ مَن رَجَحَت سَيِّئَاتُه على حسناته على قسمين: مَن يُعذّبُ ثمَّ يُخْرَجُ من النار بالشَّفاعة، ومَن يُعفَى عنه فلا يُعذّب أصلاً. وعند أبي نُعَيم(١) من حديث ابن مسعودٍ: يُؤْخَذُ بَيَدِ العبد فيُنصَبُّ على رُؤوسِ الناس وينادي مُنادٍ: هذا فلانُ ابنُ فلان فمَن كان له حَقٌّ فليأت، فيأتونَ فيقول الرّبّ: آتِ هؤلاءِ حقوقَهم، فيقول: يا رَبِّ، فنيَتِ الدُّنيا فمن أين أوتيهم؟ فيقول للملائكة: خُذوا من أعماله الصالحة فأعطوا كلّ إنسانٍ بقَدرٍ طَلِيَتِه، فإن كان ناجياً وفَضَلَ من حسناته مِثقالُ حَبّةٍ من خَرْدَلٍ، ضاعَفَها الله حتَّى يُدخِلَه بها الجنَّةَ. وعند ابن أبي الدُّنيا عن حُذَيفة قال: صاحب الميزان يوم القيامة جِبْريل، يَرُدُّ بعضهم على بعض، ولا ذهَبَ يومَئذٍ ولا فِضّةَ، فيُؤخَذ من حسنات الظّالم فإن لم تكن له حسناتٌ أُخِذَ من سَيِّئَات المظلومِ فُرُدَّت على الظّالم. وأخرج أحمد (١٦٠٤٢)، والحاكم (٢/ ٤٣٧ -٤٣٨) من حديث جابر عن عبد الله بن أُنیس (١) في ((حلية الأولياء)) ٢٠١/٤. ٣٦٥ باب ٤٨ / ح ٦٥٣٥ كتاب الرقاق رَفَعَه: ((لا ينبغي لأحدٍ من أهل الجنَّة أن يَدخُلَ الجنَّةَ ولأحدٍ من أهلِ النار عندَه مَظْلِمَةٌ حتَّى أَقُصَّهُ منه، حتَّى اللَّطْمَةُ)) قلنا: يا رسولَ الله، كيف وإنَّما نُحشَرُ حُفَاةَ عُراةً؟! قال: (بالسَّيِّئَات والحسنات)). وعَلَّقَ البخاريُّ طَرَفاً منه في التَّوحيد كما سيأتي(١). وفي حديث أبي أُمامةَ(٢) في نحو حديث أبي / سعيد: ((إنَّ الله يقول: لا يُجَاوِزُني اليومَ ظُلمُ ٣٩٨/١١ ظالم)). وفيه دلالة على موازَنة الأعمال يوم القيامة. وقد صَنَّفَ فيه الْحُميديُّ صاحب ((الجمْع)) كتاباً لطيفاً(٣)، وتَعقَّبَ أبو طالب عقيل بن عَطيَّة أكثرَه في كتابٍ سَمّاه: (تحرير المقال في موازنة الأعمال)). وفي حديث الباب وما بعده دلالة على ضعف الحديث الذي أخرجه مسلمٌ (٢٧٦٧/ ٥١) من رواية غَيْلانَ بن جَرِير عن أبي بُرْدة بن أبي موسى الأشعريّ عن أبيه رَفَعَه: ((يَجِيءُ يومَ القيامة ناسٌ من المسلمينَ بذُنوبِ أمثال الجبال يَغْفِرُها الله لهم، ويَضَعُها على اليهود والنَّصارَى))، فقد ضَعَّفَه البيهقيُّ، وقال: تفرَّد به شدَّادٌ أبو طلحةَ، والكافر لا يُعاقَب بذَنبِ غيره لقولِه تعالى: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وقد أخرج أصلَ الحديث مسلمٌ (٤٩/٢٧٦٧) من وجهٍ آخر عن أبي بُرْدة بلفظ: ((إذا كان يوم القيامة دَفَعَ الله إلى كلِّ مسلمٍ يهوديّاً أو نَصرانيّاً، فيقول: هذا فِداؤُك من النار)). قال البيهقيُّ: ومع ذلك فضَعَّفَه البخاريُّ، وقال: الحديثُ في الشَّفاعة أصحّ. قال البيهقيُّ: ويحتمل أن يكون الفِداء في قومٍ كانت ذُنوبُهم كُفِّرَت عنهم في حياتهم، وحديث الشَّفاعة في قومٍ لم تُكَفَّر ذُنوبهم، ويحتمل أن يكون هذا القول لهم في الفِداء بعد خروجهم من النار بالشَّفاعة. وقال غيرُه: يحتمل أن يكون الفِداء مجازاً عمَّا يدلُّ عليه حديث أبي هريرة الآتي في أواخر (باب صِفَة الجنَّة والنار)) قريباً (٦٥٦٩) بلفظ: ((لا يَدخُل الجنَّة أحدٌ إلّا أُرِيَ مَقْعَدَه (١) بین یدي الحديث رقم (٧٤٨١). (٢) أخرجه العقيلي في ((الضعفاء)) ٢٢١/٣، ولم يسقه بتمامه، وأروده الذهبي في ((العلو)) (٣١٠). (٣) طبع مع كتاب ((تحرير المقال في موازنة الأعمال)) باسم ((مراتب الجزاء يوم القيامة)). ٣٦٦ باب ٤٨ / ح ٦٥٣٥ فتح الباري بشرح البخاري من النار لو أساءَ لِيزدادَ شُكراً)) الحديثَ، وفيه في مُقابِلِه: ((ليكونَ عليه حَسرةً))، فيكون المرادُ بالفِداءِ إنزالُ المؤمنِ في مَقعَدِ الكافِرِ من الجنَّة الذي كان أُعِدَّ له، وإنزال الكافر في مَقعَد المؤمن الذي كان أُعِدَّ له، وقد يُلاحَظُ في ذلك قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِىّ أُورِثْتُمُوهَا﴾ [الزخرف: ٧٢]. وبذلك أجابَ النَّوويُّ تَبَعاً لغيره. وأمَّا رواية غَيْلانَ بن جَرِير فأوَّلَهَا النَّويُّ أيضاً تَبَعاً لغيره بأنَّ الله يَغْفِرُ تلك الذُّنوب للمسلمينَ، فإذا سَقَطَت عنهم وُضِعَت على اليهود والنَّصارَى مِثلُها بكفرهم، فيُعاقَبونَ بذُنوِهِم لا بذُنوبِ المسلمينَ، ويكون قوله: ((ويَضَعُها)) أي: يَضَع مِثلَها لأنَّه لمَّا أسقَطَ عن المسلمينَ سَيِّئاتهم وأبقَى على الكفَّار سَيِّئاتهم، صاروا في معنى مَن ◌َ إثمَ الفريقينِ لگونهِم انفَرَدوا بحَمْلِ الإثم الباقي، وهو إثمُهم. ويحتمل أن يكون المراد آتاماً كانت الكفَّارُ سبباً فيها بأن سَنُّوها، فلمَّا غُفِرَت سَيِّئَات المؤمنينَ بَقِيَت سَيَّاتُ الذي سَنَّ تلكَ السُّنّةَ السَّيِّئَةَ باقيةً لكَونِ الكافِرِ لا يُغْفَرُ له، فيكون الوضع كِنايةً عن إبقاء الذَّنب الذي لَحِقَ الكافرَ بما سَنَّه من عملِهِ السَّيِّئ، ووضعِه عن المؤمنِ الذي فَعَلَه بما مَنَّ الله به عليه من العفو والشَّفاعة، سواءٌ كان ذلك قبلَ دخولِ النار، أو بعد دخولها والخروج منها بالشَّفاعة، وهذا الثّاني أقوى، والله أعلم. الحديث الثالث: قوله: ((حدَّثْنا الصَّلْتُ بن محمَّدٍ)) بفتح الصّادِ المهمَلة وسكونِ اللّام بعدها تاءٌ مُثنّةٌ من فوقُ، وهو الخارَكيّ بخاءٍ مُعجَمةٍ وكافٍ. قوله: ((حدَّثنا يزيدُ بن زُرَيعِ: ﴿ وَزَعْنَا مَا فِ صُدُورِهِم مِّنْ عِلٍ﴾ قال: حدّثنا سعيد)) أي: قرأ يزيدُ هذه الآيةَ وفَسَّرَها بالحديث المذكور، وقد أخرجه الإسماعيليّ من طريق محمَّد بن المِنْهال عن يزيدَ بن زُرَيعِ بهذا السَّنَدِ إلى أبي سعيد الخُدْريِّ عن النبيّ وَّ في هذه الآية: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ عِلٍ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَِينَ﴾ قال: ((يَخْلُصُ المؤمنونَ)) الحديثَ، وظاهره أنَّ تلاوةَ الآية مرفوعٌ، فإن كان محفوظاً احتَمَلَ أن يكون كلٌّ من رُواتِه تلا الآيةَ عندَ إيرادِ الحديث، فاختَصَرَ ذلك في رواية الصَّلْت ممَّن فوقَ يزيدَ بن زُرَيع. ٣٦٧ باب ٤٨ / ح ٦٥٣٥ كتاب الرقاق وقد أخرجه الطَّبَرَيُّ (١٤/ ٣٧) من رواية عَفّان عن يزيد بن زُرَيع حدَّثنا سعيد بن أبي عَرُوبةَ في هذه الآية فذكرها، قال: حدَّثنا قَتَادةُ، فذكره. وكذا أخرجه ابن أبي حاتم من طريق شُعَيب بن إسحاق عن سعيد، ورواه عبد الوهّاب ابن عطاء ورَوْح بن عُبادة عن سعید، فلم یذکُر الآيةَ، أخرجه ابن مَرْدویه. وأبو المتوكّل الناجي، بالنّونِ اسمُه عليّ بن داود، ورجالُ السَّنَدِ كلُّهم بصريّونَ، وصَرَّحَ / قَتَادةُ بالتَّحديثِ في هذا الحديث في روايةٍ مَضَت في المظالم(١)، وكذا الرِّواية المعلّقةُ ٣٩٩/١١ ليونُسَ بن محمَّد عن شَيْبانَ عن قَتَادة، ووصَلَها ابن مَندَه(٢)، وكذا أخرجها عبدُ بنُ حُميدٍ في «تفسيره)(٣) عن يونُسَ بن محمَّد، وكذا في رواية شُعَيب بن إسحاق عن سعيد ورواية بشر بن خالد (٤) وعَفّان عن يزيد بن زُرَيْعٍ. قوله: ((إذا خَلَصَ المؤمنونَ(٥) من النار)) أي: نَجَوا من السُّقوطِ فيها بعدَما جازوا على الصِّراط، ووَقَعَ في رواية هشام عن قَتَادة عند المصنّف في المظالم: ((إذا خَلَصَ المؤمنونَ من جِسر جَهَنَّم))(٦). وسيأتي في حديث الشَّفاعة (٦٥٧٣) كيفيَّةُ مُرورهم على الصِّراط. قال القُرطُبُّ: هؤلاءِ المؤمنونَ هم الذينَ علم الله أنَّ القِصاص لا يَسْتَنِفِدُ حسناتهم. قلت: ولعلَّ (١) الرواية التي أشار إليها في المظالم والتي صرّح فيها قتادة بالتحديث هي نفسها الرواية المعلّقة التي بإثر الحديث (٢٤٤٠) عن يونس بن محمد عن شيبان عن قتادة، إذ لم يصرِّح قتادة في الحديث الموصول هناك بالتحدیث بإثرها. (٢) في ((الإيمان)) (٨٣٩). (٣) وهي في ((المنتخب)) (٩٣٥)، وأخرجه أحمد أيضاً (١١٠٩٨) عن حسين بن محمد، عن شيبان. (٤) كذا سماه الحافظ رحمه الله، وإنما هو بشر بن معاذ العَقَدي، لأنَّ هذه الرواية أخرجها الطبري ١٤/ ٣٧، لكنه قال فيها: حدثنا بشر، هكذا مهملاً، والطبري يكثر من الرواية عن قتادة بهذا السند: حدثنا بشر حدثنا يزيد، وفي بعض ذلك يقيده بقوله: بشر بن معاذ، فلعلَّ قوله هنا: خالد، تحرفت عن معاذ، والله أعلم. (٥) كذا قال الحافظ، وإنما الرواية هنا: ((يخلُصُ المؤمنون)) دون خلاف بين رواه البخاري حسب ما في اليونينية، وإن كان بعض من خرَّج الحديث ممن ذُكر قبلُ قد رواه باللفظ الذي ذكره الحافظ. (٦) بل لفظه: ((إذا خلص المؤمنون من النار)). ٣٦٨ فتح الباري بشرح البخاري أصحاب الأعراف منهم على القول المرجَّح آنِفاً، وخَرَجَ من هذا صِنفان من المؤمنينَ: مَن دَخَلَ الجنَّةَ بغيرِ حِسابٍ، ومَن أَوبَقَه عملُه. قوله: ((فَيُحبَسونَ على قَنْطَرةِ بين الجنَّةِ والنار)) سيأتي أنَّ الصِّراط جِسرٌ موضوعٌ على مَتْنِ جَهَنَّمَ، وأنَّ الجنَّة وراءَ ذلك، فيَمُرُّ عليه الناسُ بحَسبٍ أعمالهم، فمنهم الناجي، وهو مَن زادَت حسناتُه على سَيِّئاته، أو استَويا أو تَّجاوزَ الله عنه، ومنهم الساقطُ وهو مَن رَجَحَت سَيَِّاتُه على حسناته إلّا مَن تَّجاوزَ الله عنه، فالساقط من الموحِّدينَ يُعذّبُ ما شاءَ الله ثمَّ يَخْرُجُ بالشَّفاعة وغيرها، والناجي قد يكون عليه تَبِعاتٌ وله حسنات توازيها أو تَزِيدُ عليها، فيُؤْخَذُ من حسناته ما يَعدِلُ تَبِعاته فيَخلُصُ منها. واختُلِفَ في القَنطَرة المذكورة، فقيلَ: هي من تَتِمّة الصِّراطِ وهي طَرَفُه الذي يَلي الجنَّة، وقيل: إنَّهما صِراطان، وبهذا الثّاني جَزَمَ القُرطُبيّ، وسيأتي صِفَة الصِّراط في الكلام على الحديث الذي في ((باب الصِّراط جِسر جَهَنَّم)) في أواخر كتابِ الرِّقاق (٦٥٧٣). قوله: ((فيُقْتَصُّ(١) لبعضِهم من بعضٍ)) بضمٍّ أوَّلِه على البناءِ للمجهولِ للأكثر، وفي رواية الكُشْمِيهنيِّ بفتح أوَّله فتكون اللّامُ على هذه الرّواية زائدةً، أو الفاعل محذوفٌ، وهو الله أو مَن أقامَه في ذلك، وفي رواية شَيْبانَ: ((فيَقتَصُ بعضُهم من بعضٍ)(٢). قوله: ((حتَّى إذا هُذُّبوا ونُقّوا)) بضمِّ الهاء وبضمِّ النُّون، وهما بمعنى التَّمييزِ والتَّخليصِ من الشَّبِعات. قوله: ((أُذِنَ لهم في دخول الجنَّة، فوالذي نفسُ محمَّدٍ بَيَدِه)) هذا ظاهرُه أنَّه مرفوعٌ كلُّه، وكذا في سائر الرِّوايات، إلّا رواية عَفّان عند الطََّريّ، فإنَّه جَعَلَ هذا من كلام قَتَادة، فقال بعد قوله: ((في دخول الجنَّة)) قال: وقال قَتَادةُ: والذي نفسي بيَدِه لَأحدُهم أهدَى ... إلى (١) كذا وقع للحافظ رحمه الله: فيقتصُّ، والذي في اليونينية دون حكاية خلاف بين رُواه البخاري: فيُقْصُّ، بحذف التاء! (٢) كذا وقع للحافظ رحمه الله: بعضهم، بحذف اللام، والذي في المطبوع من ((منتخب عبد بن حميد)) (٩٣٥)، وكذا في المطبوع من ((الإيمان)) لابن منده (٨٣٩): لبعضهم، بزيادة اللام! ٣٦٩ باب ٤٨ / ح ٦٥٣٥ كتاب الرقاق آخره، وفي رواية شُعَيب بن إسحاق بعد قوله: ((في دخول الجنَّة)) قال: فوالذي نفسي بَيَدِه ... إلى آخره، فأبهَمَ القائل، فعلى رواية عَفّان يكون هو قَتَادة وعلى رواية غیرہ یکون هو النبيَّ ◌َل﴾. وزاد محمَّد بن المِنْهال عند الإسماعيليّ: قال قَتَادةُ: كان يقال: ما يُشَبَّه بهم إلّا أهلُ الجمعة إذا انصَرَفوا من جُمعَتِهم. وهكذا عند عبد الوهّاب ورَوح، وفي رواية بشر بن خالد وعَفّان جميعاً عند الطَّبَريّ قال: وقال بعضهم، فذكره، وكذا في رواية شُعَيب بن إسحاق ويونس بن محمَّد، والقائل: وقال بعضهم: هو قَتَادةُ، ولم أقِفْ على تسمية القائل. قوله: (لَأحدُهم أهدَى بمَنْزِلِه في الجنَّة منه بمَنْزِلِه كان في الدُّنْيا)) قال الطِّييُّ: ((أهدَى)) لا يَتَعَدَّى بالباءِ بل باللّام أو إلى، فكأنَّه ضُمِّنَ معنى اللُّصوقِ بمَنزِلِه هادياً إليه، ونحوه قوله تعالى: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم ◌ِمَنِهِمْ﴾ الآيةَ [يونس: ٩]، فإنَّ المعنى: يَهَديهم رَبُّهم بإيمانهم إلى طريق الجنَّة، فأقامَ ﴿تَجْرِى مِن تَحْنِهِمُ﴾ إلى آخرها بياناً وتفسيراً، لأنَّ التَّمَسُّكَ بسببٍ السَّعادة كالوصولِ إليها. قلت: ولأصل الحديث شاهدٌ من مُرسَل الحسن أخرجه ابن أبي حاتم بسندٍ صحيحٍ عنه قال: بَلَغَني أنَّ رسول الله ◌َله قال: ((يُحبَس أهل الجنَّة بعدما يجوزونَ الصِّراط حتَّى يُؤخَذ لبعضِهم من بعض ظُلاماتُهم في الدُّنيا، ويَدخُلونَ الجنَّة وليس في قلوب بعضهم على بعض غِلٌّ)). قال القُرطُبيُّ: وَقَعَ في حديث عبد الله بن سَلَامِ: أنَّ الملائكة تَدُلُّم على طريق الجنَّة يميناً وشمالاً. وهو محمول على مَن لم يُحبَس بالقَنْطَرة/ أو على الجميع، والمراد أنَّ الملائكة ٤٠٠/١١ تقول ذلك لهم قبلَ دخولِ الجنَّة، فمَن دَخَلَ كانت مَعرِفَتُهُ بمَنزِلِه فيها كَمَعِرِفَتِهِ بِمَنزِلِه في الدُّنيا. قلت: ويحتمل أن يكون القول بعد الدُّخول مُبالَغةً في التَّبشير والتَّكريم. وحديث ٣٧٠ باب ٤٩ / ح ٦٥٣٦ -٦٥٣٨ فتح الباري بشرح البخاري عبد الله بن سَلام المذكور أخرجه عبد الله بن المبارك في ((الزُّهد))(١)، وصَحَّحَه الحاكم (٤/ ٥٦٨ - ٥٦٩). ٤٩ - باب من نُوقش الحساب عُذّب ٦٥٣٦ - حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ موسى، عن عُثْمانَ بنِ الأسوَدِ، عن ابنِ أبي مُلَيكةَ، عن عائشةً رضي الله عنها، عن النبيِّ وََّ قال: ((مَن نُوقِشَ الِحِسابَ عُذِّبَ)) قالت: قلتُ: أليس يقول الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨]؟ قال: ((ذلك العَرْضُ)). حذَّثنا عَمْرو بنُ عليٍّ، حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن عُثْمَانَ بنِ الأسوَدِ، سمعتُ ابنَ أبي مُلَيكةَ، قال: سمعتُ عائشةَ رضي الله عنها، قالت: سمعتُ النبيَّ ◌َِّ، مِثلَه. تَابَعَه ابنُ جُرَيج ومحمَّدُ بنُ سُلَيم وأيوبُ وصالحُ بنُ رُسْتُمٍ، عن ابنِ أبي مُلَيكةَ، عن عائشةَ، عن النبيِّ ◌َّ. ٦٥٣٧ - حدَّثني إسحاقُ بنُ منصورٍ، حدَّثنا رَوْحُ بنُ عُبادةَ، حدَّثنا حاتمُ بنُ أبي صَغِيرةَ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ أبي مُلَيكةَ، حدَّثني القاسمُ بنُ محمَّدٍ، حدَّثْني عائشةُ، أنَّ رسولَ الله وَّم قال: ((ليس أحدٌ يُحاسَبُ يومَ القيامةِ إلا هَلَكَ)) فقلتُ: يا رسولَ الله، أليس قد قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوْتِيَ كِتَبَهُ بَِمِينِهِ، ل فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٧-٨]؟ فقال رسولُ الله ◌َّ: ((إِنَّمَا ذلكِ العَرْضُ، وليس أحدٌ يُناقَشُ الحِسابَ يومَ القيامةِ إلّا عُذِّبَ)). ٦٥٣٨ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّنا معاذُ بنُ هشام، قال: حدَّثني أبي، عن قَتَادَ، حدَّثنا أنسُ بن مالِكٍ، أنَّ النبيَّ ◌َلّ كان يقول. وحدَّثني محمَّدُ بنُ مَعْمٍَ، حَدَّنا رَوْعُ بنُ عُبادةَ، حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتَادةَ، حدَّثنا أنسُ بنُ مالكٍ ◌ّ، أنَّ نبيَّ اللهَ وَ كان يقول: ((يُجَاءُ بالكافرِ يومَ القيامةِ فيقال له: أرأيتَ لو كان لكَ مِلْءُ الأرضِ ذهباً أكنتَ تَفْتَدي به؟ فيقول: نعم، فيقال له: قد كنتَ سُئلْتَ ما هو أيسَرُ من ذلك)». (١) في رواية نعيم بن حماد (٩٣٨). ٣٧١ كتاب الرقاق ٦٥٣٩ - حذَّثنا عمرُ بنُ حفصٍ، حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا الأعمَشُ، قال: حذَّثني خَيْئمةُ، عن عَدِيٍّ بنِ حاتم، قال: قال النبيُّ ◌َّةِ: ((ما منكم من أحدٍ إلّا سيُكلِّمُه الله يومَ القيامةِ، ليس بينَه وبينَه تَرجُمانٌ، ثمَّ يَنظُرُ فلا يَرَى شيئاً قُدّامَه، ثُمَّ يَنظُرُ بِينَ يَدَيهِ فَتَسْتَقِلُه النارُ، فمَنِ استَطاعَ منكم أن يَتَّقِيَ النارَ، ولو بشِقٌّ تَمْرةٍ». ٦٥٤٠ - قال الأعمَشُ: حدَّثْنِي عَمْرٌو، عن خَيْئمةَ، عن عَدِيٍّ، قال: قال النبيُّ ◌َّ: ((أنَّقوا النارَ))، ثمَّ أعرَضَ وأشاحَ، ثمَّ قال: ((اتَّقوا النارَ))، ثمَّ أعرَضَ وأشاحَ ثلاثاً، حتَّى ظَنّا أنَّه يَنظُرُ إليها، ثمَّ قال: ((أَّقوا النارَ ولو بشِقٌّ تَمْرةٍ، فمَن لم يَجِد فِكلمةٍ طيِّةٍ)). / قوله: ((بابٌ مَن نُوقِشَ الِحِسابَ عُذِّبَ)) هو من النَّشِ، وهو استخراجُ الشَّوكة، وتقدَّم بيانُه ٤٠١/١١ في الجهاد (٢٨٨٧)، والمرادُ بالمناقَشة: الاستقصاءُ في المحاسبة والمطالَبة بالجَليلِ والحقير وتَرك المسامحة، يقال: انتَقَشتُ منه حَقّي، أي: استَقْصَيته. وذکر فیه ثلاثة أحاديث: الحديث الأول: قوله: ((عن ابن أبي مُلَيكةَ، عن عائشةَ)) قال الدَّارَ قُطنيُّ: رواه حاتم بن أبي صَغِيرة عن عبد الله بن أبي مُلَيكة فقال: حدَّثني القاسم بن محمَّد حدَّثتني عائشة، وقوله أصحّ، لأَنَّه زادَ، وهو حافظ مُتِنٌّ. وتَعقَّبَه النَّوويُّ وغيره بأنَّه محمولٌ على أنَّه سمعَ من عائشة وسمعَه من القاسم عن عائشة، فحدَّث به على الوجهَين. قلت: وهذا مُجَّد احتمال، وقد وَقَعَ الَّصريح بسماع ابن أبي مُلَيكة له عن عائشة في بعض طرقه كما في السَّنَدَ الثّاني من هذا الباب، فانْتَفَى الَّعليلُ بإسقاطِ رجلٍ من السَّنَدَ، وتَعَيَّنَ الحَمْلُ على أنَّه سمعَ من القاسم عن عائشةَ، ثمَّ سمعَه من عائشةَ بغير واسطةٍ أو بالعكس، والسُّّ فيه أنَّ في روايته بالواسطة ما ليس في روايته بغير واسطةٍ، وإن كان مُؤَدّاهما واحداً، وهذا هو المعتمَدُ بحَمِدِ الله. قوله: ((عن النبيّ ◌َّ)) في رواية عبد بن حُميدٍ (١) عن عُبيد الله(٢) بن موسى شيخ البخاريّ فیه: سمعت النبيّ ټلآ. (١) وأخرجه عنه الترمذي (٣٣٣٧). (٢) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: عَبد الله. مكبَّراً. ٣٧٢ باب ٤٩ / ح ٦٥٤٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((قالت: قلتُ: أليس يقول الله تعالى ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ﴾؟)) في رواية عبدٍ: قلت: يا رسولَ الله، إنَّ الله يقول: ﴿فَأَمَا مَنْ أُوْتِى كِتَبَهُ بِمِنِهِ،﴾ إلى قوله: ﴿حِسَابًا يَسِيرًا﴾، ولأحمدَ (٢٤٢١٥) من وجهٍ آخرَ عن عائشة: سمعت رسول الله وَّل يقول في بعض صلاته: ((اللهمَّ حاسِبْني حِساباً يسيراً))، فلمَّا انصَرَفَ قلت: يا رسولَ الله، ما الحِسابُ اليسير؟ قال: ((أن يَنظُرَ في كتابه فيَتَجاوزَ له عنه، إنَّ مَن نُوقِشَ الحِسابَ يا عائشةُ يومَئذٍ هَلَكَ». قوله في السَّنَد الثّاني: ((مِثْلِه)) تقدَّم في تفسير سورة انشَقَّت (٤٩٣٩) بهذا السَّنَد، ولم يَسُق لفظَه أيضاً، وأورَدَه الإسماعيليُّ من رواية أبي بكر بن خَلّاد عن يحيى بن سعيد فقال: مِثل حدیث ◌ُبيدِ الله بن موسى سواء. قوله: ((تابَعَه ابن جُرَيج ومحمَّد بن سُلَيم وأيوبُ وصالح بن رُسْتُم، عن ابن أبي مُلَيكةً، عن عائشةَ)) قلت: مُتَابَعةُ ابن جُرَيج ومحمَّد بن سُلَيم وصَلَهما أبو عَوَانة في ((صحيحه)(١) من طريق أبي عاصم عن ابن جُرَيج وعثمان بن الأسود ومحمَّد بن سُلَيم (٢) كلُّهم عن ابن أبي مُلَیکة عن عائشة به. تنبيهان: أحدُهما: اختُلِفَ على ابن جُرَيج في سندِ هذا الحديث، فأخرجه ابن مَرْدويه من طريقٍ أُخرى عن ابن جُرَيج عن عطاء عن عائشة مختصراً ولفظُه: «مَن حُوسِبَ يومَ القيامة ◌ُذِّبَ))(٣). ثانيهما: محمَّد بن سُلَيم هذا جَزَمَ أبو عليٍّ الجيَّانيّ بأنَّه أبو عثمان المكِّيُّ وقال: استَشهَدَ به (١) في كتاب البعث منه، كما في ((إتحاف المهرة)) (٢١٨٥٦)، وهو من جملة ما سقط من مطبوع كتاب أبي عوانة. (٢) في بعض طرق أبي عاصم عند أبي عوانة زيادة ذكر صالح بن رستم، كما في («إتحاف المهرة)). (٣) هو من رواية نصر بن ثابت عن ابن جريج، قال الحافظ في ((التغليق)) ١٨٢/٥: نصر ضعيف. قلنا: وسَلَك في روايته هنا الجادّة، لأنَّ ابن جريج من أخص تلامذة عطاء، مکثر من الرواية عنه. ٣٧٣ باب ٤٩ / ح ٦٥٤٠ كتاب الرقاق البخاريُّ في الرِّقاق، وفَرَّقَ بينه وبين محمَّد بن سُلَيم البصريّ، وهو أبو هلال الرَّاسِبِيّ، استَشهَدَ به البخاريُّ في التَّعبير (٧٠١٧)، وأمَّا المِّيُّ فلم يَذكُر أبا عثمان في ((التَّهذیب» بل اقتَصَرَ على ذِكْر أبي هلالٍ (١)، وعَلَّمَ علامةَ التَّعليق على اسمِه في ترجمة ابن أبي مُلَيكةً وهو الذي هنا، وعلى محمّد بن سِيرِين وهو الذي في التَّعبير، والذي يظهر تصويبُ أبي عليٍّ. ومحمَّد بن سُلَيم أبو عثمان المذكور ذكره البخاريُّ في ((التاريخ)) فقال: يروي عن ابن أبي مُلَيكةَ وروى عنه وكيعٌ، وقال ابن أبي حاتم: روى عنه أبو عاصم، ونَقَلَ عن إسحاق ابن منصور عن يحيى بن مَعِينٍ قال: هو ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالحٌ، وذكره ابن حِبّان في الطَّبقة الثّالثة من ((الثِّقات)). وأمَّا مُتَابَعةُ أيوبَ فوصَلَها المؤلِّفُ في التَّفسير (٤٩٣٩) من رواية حمّاد بن زيد عن أيوب، ولم يَسُق لفظَه، وأخرجه أبو عَوَانَةَ في ((صحيحه)) عن إسماعيلَ القاضي عن سليمانَ شيخِ البخاريِّ فيه، ولفظُه: ((مَن حُوسِبَ عُذِّبَ)) قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله، فأين قولُ الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَبَهُ بِيَمِينِهِ، ٥) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾؟قال: ((ذلكِ العَرض، ولكنَّه مَن نُوقِشَ الحِسابَ عُذِّبَ)). وأخرجه من طريق همَّام عن أيوب بلفظ: ((مَن نُوقِشَ عُذِّبَ)) فقالت كأنَها تُخاصمُه، فذكر نحوه، وزاد في آخره: قالها ثلاثَ مرَّاتٍ. وأخرجه ابن مَرْدويه/ من وجهٍ آخر عن حَمَّدٍ بلفظ: ((ذاكم العَرض)) بزيادة ميم ٤٠٢/١١ الجماعة. وأمَّا مُتَابَعةٌ صالح بن رُستُم - بضمِّ الرَّاءِ وسكون المهمَلة وضمِّ المثنّاة، وهو أبو عامر الخَّارُ، بمُعجَماتٍ، مشهورٌ بِكُنْيتِه أكثرَ من اسمِه - فوصَلَها إسحاق بن راهويه في ((مُسنَدِه)) (١٢٤٩)، عن النَّضر بن شُمَيلِ عن أبي عامرِ الْخَزّاز، ووَقَعَت لنا بعُلوٍّ في (المَحامِليّات))(٢) وفي لفظه زيادةٌ: قال: عن عائشة قالت: قلت: إنّ لَأعلمُ أيُّ آيَةٍ في القرآن (١) وسبقه إلى ذلك أبو الوليد الباجيّ في ((التعديل والتجريح)) ٢/ ٦٨٢. (٢) فات الحافظ رحمه الله أن يخرج رواية أبي عامر الخزاز هذه من ((سنن أبي داود)) (٣٠٩٣)، وعنده الزيادة المذكورة. ٣٧٤ باب ٤٩ / ح ٦٥٤٠ فتح الباري بشرح البخاري أشدّ، فقال لي النبيُّ وَّ: ((وما هي؟)) قلت: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوْءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]، فقال: ((إنَّ المؤمنَ يُجازَى بأسوأ عمَلِهِ في الدُّنيا يُصيبُه المرضُ حتَّى النَّكْبَةُ، ولكن مَن نُوقِشَ الحِسابَ يُعذّبه))، قالت: قلت: أليس قال الله تعالى، فذكر مِثلَ حديث إسماعيل بن إسحاق. وأخرجه الطَّبَرِيُّ (٢٩٥/٥و١١٦/٣٠) وأبو عَوَانةَ وابن مَرْدويه من عِدّة طرقٍ عن أبي عامر الخَزّاز نحوه. قوله: ((حاتم بن أبي صَغيرةَ)) بفتح المهمَلة وكسر الغَينِ المعجَمة، وكُنية حاتم أبو يونس، واسم أبي صَغيرةَ مسلمٌ، وقد قيل: إنَّه زوجُ أمِّ أبي يونُسَ، وقيل: جَدُّه لُمُّه. قوله: (ليس أحدٌ يُحاسَبُ يومَ القيامةِ إلّا هَلَكَ)) ثمّ قال أخيراً: ((وليس أحدٌ يُناقَشُ الحِسابَ يومَ القيامةِ إلّ عُذِّبَ)) وكلاهما يَرجِعان إلى معنّى واحدٍ، لأنَّ المراد بالمحاسبة تحريرُ الحِسابِ، فَيَستَلِمُ المناقَشَةَ، ومَن عُذِّبَ فقد هَلَكَ، وقال القُرطُبيُّ في ((المفهِمِ)): قوله: ((حُوسِبَ)) أي: حِسابَ استقصاءٍ، وقولُه: ((عُذِّبَ)) أي: في النار جزاءً على السَّيَِّات التي أظهَرَها حِسابُه، وقوله: ((هَلَكَ)) أي: بالعذابِ في النار. قال: وتَسَّكَت عائشةُ بظاهرِ لفظ الحِسابِ لأنَّه يَتَنَاوِلُ القليلَ والكثيرَ. قوله: ((يُناقَش الحِسابَ)) بالنَّصبِ على نَزْع الخافِض، والتَّقديرُ: يُناقَشُ في الحِساب. قوله: (أليس قد قال الله تعالى)) تقدَّم في تفسير سورة انشَقَّت (٤٩٣٩) من رواية يحيى القَطّان عن أبي يونس بلفظ: فقلت: يا رسولَ الله، جَعَلَني الله فِداءَك، أليس يقول الله تعالی. قوله: ((إنَّما ذلكِ العَرْضُ)) في رواية القَطّان: قال: ((ذاكِ العَرْضُ يُعرَضونَ، ومَن نُوقِشَ الحِسابَ هَلَكَ)). وأخرج التِّرمِذيُّ لهذا الحديث شاهداً (٣٣٣٨) من رواية همَّام عن قَتَادة عن أنس ٣٧٥ باب ٤٩ / ح ٦٥٤٠ كتاب الرقاق رَفَعَه: ((مَن حُوسِبَ عُذِّبَ)) وقال: غريب. قلت: والراوي له عن همَّام عليّ بن أبي بكر صَدُوٌ رُبَّمَا أخطَأ(١). قال القُرطُبيّ: معنى قوله: ((إنَّما ذَلِكِ العَرض)): أنَّ الِحِسابَ المذكورَ في الآية إنَّما هو أن تُعرَضَ أعمالُ المؤمنِ عليه، حتَّى يَعرِفَ مِنّةَ الله عليه في سَتْرها عليه في الدُّنيا، وفي عَفوِهِ عنها في الآخرة، كما في حديث ابنِ عمرَ في النَّجْوى(٢). قال عِيَاضٌ: قوله: ((عُذِّبَ)) له مَعنَيان: أحدهما: أنَّ نفسَ مُناقَشة الحِسابِ وعَرضِ الذُّنوبِ والتَّوقيف على قبيح ما سَلَفَ والتّوبيخ تعذيب. والثّاني: أنَّه يُفضي إلى استحقاق العذاب، إذ لا حَسنةَ للعبد إلّا من عندِ الله لإقداره عليها وتفضُّله عليه بها وهِدايته لها، ولأنَّ الخالص لوجهه قليلٌ، ويُؤيِّدُ هذا الثّانيَ قولُه في الرِّواية الأُخرى: ((هَلَكَ)). وقال النَّوويّ: التَّأويل الثّاني هو الصَّحيح، لأنَّ التَّقصير غالبٌ على الناس، فمَن استُقْصِيَ عليه ولم يُسامَحِ هَلَكَ. وقال غيره: وجه المعارضة أنَّ لفظ الحديث عامٌ في تعذيب كلّ مَن حُوسِبَ، ولفظ الآية دالٌّ على أنَّ بعضَهم لا يُعذَّب، وطريق الجمع أنَّ المراد بالحِسابِ في الآية العَرْض، وهو إبراز الأعمال وإظهارها، فيُعرَّف صاحبُها بذُنوبِه ثمّ يُتَجاوز عنه. ويُؤيِّده ما وَقَعَ عند البَزَّار والطَّبَريّ (١١٥/٣٠) من طريق عَبّاد بن عبد الله بن الزُّبَير، سمعت عائشة تقول: سألت رسولَ الله وَّه عن الحِسابِ اليسير قال: ((الرجلُ تُعرَضُ عليه ذُنوبُه ثمَّ يُتَجاوزُ له عنها)). وفي حديث أبي ذرِّ عندَ مسلمٍ (١٩٠): ((يُؤْنَى بالرجلِ يوم (١) ذكر ابن عدي في ترجمته هذا الحديث، وقال: هذا الطريق كان أسهل على من أخطأ فيه، قلنا: يعني سَلَكَ الجادة، ثم قال: هذا الإسناد خطأ، ولا أدري الخطأ من علي بن أبي بكر أو أخطأ محمد بن عبيد الهَمَذَاني. قلنا: يعني الراوي عنه. (٢) سيُخرّجُه الحافظ بعد قليل. ٣٧٦ باب ٤٩ / ح ٦٥٤٠ فتح الباري بشرح البخاري القيامة، فيقال: اعرضوا عليه صِغار ذُنوبه)) الحديثَ. وفي حديث جابر عند ابن أبي حاتم والحاكم(١): مَن زادَت حسناتُه على سَيِّئاته فذاكَ الذي يَدخُلُ الجنَّةَ بغير حِسابٍ، ومَن استَوت حسناتُه وسَيِّئَاتُه فذاكَ الذي يُحاسَبُ حِساباً يسيراً ثمَّ يَدخُل الجنَّة، ومَن زادَت سَيَِّّاتُه على حسناته فهو (٢) الذي أوبَقَ نفسَه، وإِنَّمَا الشَّفاعةُ في مِثلِه. ويَدخُل في هذا حديث ابن عمر في النَّجوى، وقد أخرجه المصنّف في كتاب المظالم (٢٤٤١) ٤٠٣/١١ وفي تفسير سورة هود (٤٦٨٥)/ وفي التَّوحيد (٧٥١٤) وفيه: ((ويَدنو أحدكم من رَبّه حتَّى يَضَعَ كَنَفَه عليه فيقول: أعَمِلتَ كذا وكذا؟ فيقول: نعم، فيُقُرِّرُه. ثمَّ يقول: إنّي سَتَرت عليك في الدُّنيا وأنا أغفِرُها لك اليومَ)». وجاء في كيفيَّة العَرْضِ ما أخرجه التِّرمِذيُّ (٢٤٢٥) من رواية عَليّ بن عليٍّ الرِّفاعِيِّ عن الحسن عن أبي هريرة رَفَعَه: ((يُعرَض الناس يوم القيامة ثلاث عَرَضات: فأمَّا عَرضَتان فجِدالٌ ومَعاذيرُ، وعند ذلك تَطيرُ الصُّحُفُ في الأيدي، فآخِذٌ بيمينه وآخِذٌ بِشِماله)). قال التِّرمِذيّ: لا يَصِحُّ لأنَّ الحسنَ لم يسمع من أبي هريرة، وقد رواه بعضُهم عن عَلِيّ ابن عليِّ الرِّفاعيِّ عن الحسن عن أبي موسى. انتهى، وهو عند ابن ماجَهْ (٤٢٧٧) وأحمد (١٩٧١٥) من هذا الوجه مرفوعاً (٣)، وأخرجه البيهقيُّ في ((البَعث)) بسندٍ حسنٍ عن عبد الله بن مسعود موقوفاً. قال الثِّرمِذيُّ الحكيمُ: الجِدالُ للكفَّار، يُجَادِلونَ لأَّهم لا يَعرِفونَ رَبَّهم فيَظُنّونَ أنَّهم إذا جادَلوا نَجَوْا، والمعاذيرُ: اعتذارُ الله لآدمَ وأنبيائه بإقامتِهِ الحُجّةَ على أعدائه، والثّالثة للمؤمنينَ، وهو العَرضُ الأكبر. (١) هذا الحديث المذكور حديث موقوف من قول جابر بن عبد الله يخاطب فيه محمد بن علي الباقر لما حدثه بقول النبي ◌ُّليّ: ((شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي))، فقال له الباقر: ما هذا يا جابر؟ قال: نعم يا محمد، فذكره له. واقتصر الحاكم على المرفوع منه دون قول جابر ٢/ ٣٨٢. وسيعيد ذكره الحافظ عند شرحه لحديث أبي هريرة (٦٥٤٢). (٢) في (س): فذاك. (٣) وهو منقطع أيضاً، لأنَّ الحسن لم يسمع من أبي موسى، وانظر تمام الكلام عليه في ((مسند أحمد)). ٣٧٧ كتاب الرقاق تنبيه: وَقَعَ في روايةٍ لابنٍ مَرْدويه عن هشام بن عُرْوة عن أبيه عن عائشة مرفوعاً(١): لا يُحاسَب رجلٌ يومَ القيامة إلّا دَخَلَ الجنَّةَ. وظاهرُه يعارضُ حديثَها المذكور في الباب، وطريق الجمع بينهما أنَّ الحديثَينِ معاً في حَقّ المؤمن، ولا مُنافاةَ بين التَّعذيب ودخول الجنَّة، لأنَّ الموحِّدَ وإن قُضِيَ عليه بالتَّعذيبِ فإنَّه لا بُدَّ أن يَخْرُجَ من النار بالشَّفاعة أو بُعُمومِ الرَّحمة. الحديث الثاني: حديث أنس: ((يُجاءُ بالكافرِ)) ذكره من رواية هشام الدَّستُوائيِّ ومن رواية سعيدٍ وهو ابن أبي عَرُوبةَ، كلاهما عن قَتَادة، وساقَه بلفظ سعيد، وأمَّا لفظُ هشام فأخرجه مسلمٌ (٢٨٠٥/ ٥٢) والإسماعيليّ من طرقٍ عن معاذ بن هشام عن أبيه بلفظ: ((يقال للكافرِ))، والباقي مِثْلُه، وهو بضمٍّ أوَّل ((يُجاءُ)) و((يقال)). وسيأتي بعد باب في ((باب صِفَة الجنَّة والنار)) (٦٥٥٧) من رواية أبي عمرانَ الجَونيِّ عن أنس التَّصريحُ بأنَّ اللهَ سبحانَه هو الذي يقول له ذلك ولفظُهُ: ((يقول الله عزَّ وجلَّ لأهونِ أهلِ النار عذاباً يومَ القيامة: لو أنَّ لك ما في الأرضِ من شيءٍ أكنتَ تَفتَدي به؟ فيقول: نعم)). ورواه مسلم والنَّسائيُّ(٢) من طريق ثابت عن أنسٍ، وظاهر سياقه أنَّ ذلك يقعُ للكافِ بعدَ أن يَدخُلَ النارَ، ولفظُه: ((يُؤْتَى بالرجلِ من أهلِ النار فيقال: يا ابنَ آدمَ كيفَ وجدتَ مَضْجَعَك؟ فيقول: شَرَّ مَضجَع، فيقال له: هل تَفتَدي بقُرابِ الأرضِ ذهباً؟ فيقول: نعم يا رَبّ، فيقول: كذَبتَ)) ويحتمل أن يُراد بالمضجَع هنا مَضجَعه في القبر، فيَلَئِّمُ مع الرِّوايات الأُخرى. (١) كذا قال الحافظ، وهو وهمٌ منه رحمه الله: لأنَّ الخبر موقوف على عائشة من قولها وليس هو مرفوعاً إلى النبي ◌َّ، فقد أخرجه ابن أبي شيبة أيضاً في ((مصنفه)) ٣٦١/١٣ موقوفاً عليها، وكذلك أخرجه اللالكائي في ((أصول الاعتقاد)) (٢٢١٤). (٢) كذا قال الحافظُ، وهو ذُهولٌ منه رحمه الله، لأنَّ الحديث بذكر الرجل من أهل النار لم يخرجه مسلم ولا النسائي من طريق ثابت عن أنس. وإنما أخرجه أحمد (١٣١٦٢)، وابن حبان (٧٣٥٠)، والحاكم ٢/ ٧٥ وغيرهم، وهو عند أحمد والحاكم بذكر الرجل من أهل الجنة أيضاً، وهو الذي اقتصر على إخراجه النسائي (٣١٦٠). ٣٧٨ باب ٤٩ / ح ٦٥٤٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فيقال له)) زاد مسلمٌ (٥٣/٢٨٠٥) في رواية سعيدٍ: ((كذَبت)). قوله: «قد كنتَ سُئِلْتَ ما هو أيسَرُ من ذلك)) في رواية أبي عمرانَ: («فيقول: أردت مِنك ما هو أهونُ من هذا وأنتَ في صُلبٍ آدمَ: أن لا تُشِرِكَ بي شيئاً، فأبيتَ إلّا أن تُشِرِكَ بي))، وفي رواية ثابت: ((قد سألتُك أقلّ من ذلك فلم تَفعَل، فيُؤمِّرُ به إلى النار)). قال عِيَاضُ: يشير بذلك إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَآدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِم(١)) الآيةَ [الأعراف: ١٧٢] فهذا الميثاقُ الذي أُخِذَ عليهم في صُلبٍ آدَمَ، فمَن وَّ به بعدَ وجودِه في الدُّنيا فهو مُؤمِنٌ، ومَن لم يوفِّ به فهو الكافر، فمُرادُ الحديث: أردت مِنك حينَ أخذتُ الميثاقَ فأبيتَ إذ أخرجتُك إلى الدُّنيا إلّ الشِّركَ. ويحتمل أن يكون المراد بالإرادة هنا (٢) الطَّلَب، والمعنى: أمَرتُك فلم تَفعَل، لأنَّه سبحانه وتعالى لا يكون في مُلكِهِ إلّا ما يريد. واعتَرَضَ بعض المعتَزِلة بأنَّه كيفَ يَصِحُّ أن يأمرَ بما لا يريد؟ والجوابُ أنَّ ذلك ليس بمُمتَنِعٍ ولا مُستَحيلٍ. وقال المازَرِيُّ: مذهبُ أهلِ السُّنّة أنَّ الله تعالى أراد إيمان المؤمن وكفر الكافر، ولو أراد من الكافر الإيمان لَآمَنَ، يعني لو قَدَّرَه عليه لَوَقَعَ. وقال أهل الاعتزال: بل أراد من الجميع الإيمانَ فأجابَ المؤمنُ وامتَنَعَ الكافرُ، فحَمَلوا الغائبَ على الشّاهدِ، لأنَّهم رأوا أنَّ مُريدَ الشّ شِرّيْرٌ والكفرَ شَرٌّ، فلا يَصِحّ أن یریده الباري. وأجابَ أهل السُّنّة عن ذلك بأنَّ الشرّ شَرٌّ في حَقِّ المخلوقينَ، وأمَّا في حَقِّ الخالقِ فإنَّه ٤٠٤/١١ يفعلُ / ما يَشاء، وإنَّما كانت إرادةُ الشرِّ شَرّاً لنَهي الله عنه، والباري سبحانه ليس فوقَه أحدٌ يأمرُه فلا يَصِحُّ أن تُقاسَ إرادَتُه على إرادة المخلوقينَ، وأيضاً فالمريدُ لفعلِ ما إذا لم يَحصُل (١) هذه قراءة نافع وأبي عمرو وابن عامر وأبي جعفر ويعقوب، وقرأ الباقون ﴿ذُرِّيَّنَهُمْ﴾ بالإفراد. انظر ((تحبیر التیسیر)) لابن الجزري ص٣٨١. (٢) يعني في حديث أبي عمران عن أنس. ٣٧٩ باب ٤٩ / ح ٦٥٤٠ كتاب الرقاق ما أرادَه آذَنَ ذلك بعَجْزِه وضعِفِه، والباري تعالى لا يوصَفُ بالعجزِ والضَّعف، فلو أراد الإيمانَ من الكافرِ ولم يُؤمن لَآذَنَ ذلك بعَجزٍ وضعفٍ، تعالى الله عن ذلك. وقد تَمَسَّكَ بعضُهم بهذا الحديث المتَّفَقِ على صِحَّتِه، والجوابُ عنه ما تقدَّمَ، واحتَجّوا أيضاً بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ اَلْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]، وأُجيبوا بأنَّه من العامِّ المخصوصِ بمَن قَضَى الله له الإيمانَ، فعبادُه على هذا الملائكة ومُؤمِنو الإنس والجِنّ، وقال آخرونَ: الإرادة غير الرِّضا، ومعنى قوله: ﴿وَلَا يَرْضَى﴾ أي: لا يَشكُرُه لهم ولا يُثِبُهم عليه، فعلى هذا فهي صِفَةُ فعلٍ. وقيل: معنى الرِّضا: أنَّه لا يَرضاه دِيناً مشروعاً لهم، وقيل: الرِّضا صِفَةٌ وراءَ الإرادة، وقيل: الإرادةُ تُطلَقٌ بإزاءِ شيئينٍ: إرادة تقدير وإرادة رِضاً، والثّانية أخصُّ من الأولى، والله أعلم. وقيل: الرِّضا من الله إرادةُ الخير كما أنَّ السُّخطَ إرادةُ الشّ. وقال النَّوويُّ: قوله: ((فيقال له: كذَبت)) معناه: لو رَدَدناك إلى الدُّنيا لمَا افْتَدَيت لأنَّك سُئلت أيسَرَ من ذلك فأبيتَ، ويكون من معنى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّواْلَعَادُ واْ لِمَا ◌ُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨] وبهذا يجتمعُ معنى هذا الحديث مع قولِه تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِى اُلْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ, مَعَهُ لَافْتَدَوْاْ بِهِ﴾ [الرعد:١٨]. قال: وفي الحديث من الفوائدِ جوازُ قولِ الإنسان: يقول الله، خِلافاً لمن كَرِهَ ذلك، وقال: إنَّما يجوزُ قال الله تعالى، وهو قولٌ شاذٌّ مخالفٌ لأقوال العلماءِ من السَّلَفِ والخَلَف، وقد تَظاهَرَت به الأحاديث، وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ اُلْحَقِّ وَهُوَ يَهْدِى السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤]. الحديث الثالث: قوله: ((حدَّثني خَيْئمةُ)) بفتح المعجَمة وسكونِ التَّحتانيَّة بعدَها مُثلَّثٌ: هو ابن عبد الرَّحمن الجُعْفيّ. قوله: ((عن عَديٍّ بنِ حاتمٍ)) هو الطائيّ. قوله: ((ما منكم من أحدٍ)) ظاهرُ الخِطابِ للصحابة، ويَلتَحِقُ بهم المؤمنونَ كلَّهم سابِقُهم ومُقَصِّرُهم. أشارَ إلى ذلك ابنُ أبي جَمْرةَ. ٣٨٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((إلّا سَيُكلِّمُه الله)) في رواية وكيع عن الأعمَش عنه ابن ماجَهْ (١٨٥): ((سَيُكلِّمُه رَبُّه)). قوله: (ليس بينه وبينه تَرْجُمانٌ)) لم يَذكُر في هذه الرّواية ما يقول له(١)، وبيَّنَه في رواية مُحِلِّ ابن خليفة عن عَديٍّ بن حاتم في الزكاة (١٤١٣) بلفظ: «ثمَّ لَيَقِفَنَّ أحدُكم بين يَدَي الله ليس بينه وبينه حِجابٌ ولا تَرجُمانٌ يُتَرجِمُ له، ثمَّ لَيقولَنَّ له: ألم أُوتِكَ مالاً؟ فيقول: بَلَى)) الحديثَ، والتَّرجُمانُ تقدَّم ضبطُهُ في بَدْءِ الوحي في شرحٍ قصَّة هِرَقَلَ (٧). قوله: ((ثُمَّ يَنظُرُ فلا يَرَى شيئاً قُدّامَه)) بضمِّ القاف وتشديد الدَّال، أي: أمامَه، ووَقَعَ في رواية عيسى بن يونس عن الأعمَشِ في التَّوحيد (٧٥١٢)، وعند مسلم (٦٦/١٠١٦) بلفظ: ((فَيَنظُر أيمَنَ منه فلا يرى إلّا ما قدَّمَ، ويَنظُر أشأمَ منه فلا يرى إلّا ما قَدَّمَ)). وأخرجه التِّرمِذيُّ (٢٤١٥) من رواية أبي معاويةَ بلفظ: ((فلا يرى شيئاً إلّا شيئاً قَدَّمَه)) وفي رواية مُحِلِّ بن خليفةَ: ((فيَنظُر عن يمينه فلا يرى إلّا النارَ، ويَنظُرُ عن شِماله فلا يرى إلّا النار)) وهذه الرِّواية مختصرةٌ، وروايةُ خَيْئمةَ مُفَسَّرةٌ فهي المعتمَدةُ في ذلك. وقوله: أيمَنَ وأشأمَ، بالنَّصبِ فيهما على الظَّرفيَّة، والمرادُ بهما: اليمينُ والشِّمال، قال ابن هُبَيرةَ: نظرُ اليمين والشِّمال هنا كالمَثَلِ، لأنَّ الإنسانَ من شأنِه إذا دَهَمَه أمرٌ أن يَلتَفِتَ يميناً وشِمالاً يَطلُبُ الغَوْثَ. قلت: ويحتمل أن يكون سببُ الالتفات أنَّه يَترجَّى أن يَجِدَ طريقاً يذهبُ فيها لِيَحصُلَ له النَّجاةُ من النار، فلا يرى إلّا ما يُفضي به إلى النار، كما وَقَعَ في رواية مُحِلِّ بن خليفةَ. قوله: ((ثُمَّ يَنظُرُ بين يَدَيه فتَسْتَقِلُه النارُ)) في رواية عيسى: ((ويَنظُر بين يديه فلا يرى إلا النارَ تِلقاءَ وجهه))، وفي رواية أبي معاويةَ: ((يَنظُرُ تِلقاءَ وجهه فَتَستَقِلُه النار)). قال ابن هُبَيرةَ: والسَّبَبُ في ذلك أنَّ النارَ تكونُ في مَمَرِّه فلا يُمكِّنُه أن يَجِيدَ عنها إذ لا بُدَّ له من المرورِ على الصِّراط. (١) لفظ ((له)) سقط من (س).