النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
كتاب الرقاق
وفي حديث سَوْدة عند البيهقيِّ (١) والطبرانيّ (٢٤/ ٩١) نحوه، أخرَجاه من طريق أبي
أويسٍ عن محمَّد بن أبي عيَّاش عن عطاء بن يسار عنها، وأخرجه ابن أبي الدُّنيا (٢) والطبرانيُّ
في ((الأوسط)) (٨٣٣) من رواية عبد الجبّار(٣) بن سليمان عن محمَّد بهذا الإسناد، فقال: عن
أمِّ سَلَمَةَ، بدلَ: سودة.
٦٥٢٨ - حذَّثني محمَّدُ بنُ بِشَّارٍ، حدَّثنا غُندَرٌّ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن عَمْرٍو
ابنِ ميمونٍ، عن عبدِ الله، قال: كنَّا معَ النبيِّ وََّ فِي قُبَّةٍ، فقال: «أَتَرْضَوْنَ أن تكونوا رُبُعَ أهلِ
الجنَّةِ؟)) قُلْنا: نعم، قال: ((أَتَرْضَوْنَ أن تكونوا ثُلُثَ أهلِ الجنَّةِ؟)) قُلْنا: نعم، قال: ((والذي نفسُ
محمَّدٍ بَيَدِهِ، إنّي لأرجو أن تكونوا شطرَ أهلِ الجنَّةِ، وذلك أنَّ الجنَّةَ لا يَدخُلُها إلّ نفسُ مسلمةٌ،
وما أنتم في أهلِ الشِّرْكِ إلّا كالشَّعَرةِ البيضاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأسوَدِ، أو كالشَّعَرةِ السَّوْداءِ في
جِلْدِ الثَّوْرِ الأحمرِ)».
[طرفه في: ٦٦٤٢]
الحديث الخامس: قوله: ((حدَّثْنا غُندَرٌ)) هو محمَّدُ بن جعفر، وَقَعَ كذلك في رواية مسلمٍ
(٢٢١/ ٣٧٧) عن محمَّد بن المثنَّى ومحمَّد بن بشَّارٍ شيخ البخاريِّ فیه، كلاهما عنه.
قوله: ((عن أبي إسحاق)) هو السَّبيعيُّ ((عن عَمْرو بن ميمون)) صَرَّحَ يوسف بن إسحاق
ابن أبي إسحاق عن أبي إسحاق بسماعِه من عَمْرو بن ميمون، وسيأتي في الأيمان والنُّورِ
(٦٦٤٢).
قوله: ((عن عبد الله)) هو ابن مسعود، ووَقَعَ في رواية يوسف المذكورة: حدَّثني عبدُ الله
ابنُ مسعودٍ.
قوله: ((كنَّا مع النبيّ ◌َّ)) زاد مسلمٌ عن محمَّد بن المثنَّى: نحواً من أربعينَ رجلاً، وفي رواية
(١) هو في ((البعث والنشور)) له، لكنه سقط من المطبوع منه بعض أحاديثه، كما بيناه غير مرةٍ.
(٢) في ((الأهوال)) (٢٣٣)، وفي ((القبور)) (٧٠).
(٣) كذا وقع في الأصلين و(س): وهو خطأ، صوابه: عبد الحميد، وهو أخو فلیح بن سليمان.

٣٤٢
باب ٤٥ / ح ٦٥٢٨
فتح الباري بشرح البخاري
يوسف المذكورة: بينما رسول الله وَلَّ مُضيفٌ ظَهرَه إلى قُبّةٍ من أدَم يَمَانٍ، ولمسلم (٣٧٨/٢٢١)
من رواية مالك بن مِغْولٍ عن أبي إسحاق: خَطَبنا رسول الله وَلِّ فأسنَدَ ظَهَرَه إلى قُبَّةٍ من
أدَمٍ، وللإسماعيليِّ من رواية إسرائيل عن أبي إسحاق: أسنَدَ رسول الله بَّهِ ظَهرَه بمِنَّى إلى
قُبَةٍ من أدَمٍ.
قوله: «أترْضَوْنَ)) في رواية يوسف: إذ قال لأصحابِهِ: ((ألا تَرْضَونَ))، وفي رواية إسرائيلَ:
((أليس تَرضَونَ))، وفي رواية مالك بن مِغْولٍ: «أَتُحِبّونَ)).
قال ابن التّين: ذكره بلفظ الاستفهام لإرادة تقرير البِشارة بذلك، وذكره بالتَّدريج ليكونَ
أعظَمَ لِسُرورهم.
قوله: ((قُلْنا: نعم)) في رواية يوسف: قالوا: بَلَى، ولمسلم (٣٧٦/٢٢١) من طريق أبي
الأحوصِ عن أبي إسحاق: فكَبَّرنا، في الموضعين، ومثلُه في حديثِ أبي سعيدٍ الآتي في
الباب الذي يليه، وزاد: فحَمِدنا، وفي حديث ابن عبّاس: ففَرِحوا (١). وفي ذلك كلِّه دلالةٌ
على أنَّهم استَبَشَروا بما بَشَّرَهم به، فحَمِدوا اللهَ على نِعمَتِهِ العُظمَى، وكَبَّروه استعظاماً
لِنِعِمَتِهِ بعدَ استعظامهم لِنِقْمَتِه.
قوله: ((إنّ لَأرجو أن تكونوا شَطْرَ أهلِ الجنَّةِ)) في رواية أبي الأحوصِ وإسرائيلَ: فقال:
((والذي نفس محمَّد بَيَدِه))، وقال: ((نصف)) بدلَ: ((شَطْر))(٢)، وفي حديث أبي سعيد: ((إنّي
لَأطمَع)) بدلَ: (لَأرجو)). ووَقَعَ هذا الحديث سببٌ يأتي التَّبیه علیه عند شرح حديث أبي
سعید.
(١) أخرجه الطبري في ((تهذيب الآثار)) قسم مسند ابن عباس ٣٩٦/١، والحاكم ٥٦٨/٤ من طريق هلال
ابن خبّاب، عن عكرمة، عن ابن عباس.
(٢) ليس في رواية أبي الأحوص قوله: ((والذي نفس محمد بيده)). وفيها: ((شطر)) وليس ((نصف))، فلعلَّ
الحافظ أراد أن يقول: في رواية يوسف وإسرائيل، فسبق قلمه، فقال: في رواية أبي الأحوص وإسرائيل
لأنَّ رواية يوسف كما قال. على أنَّ هذا التنبيه غريب من الحافظ رحمه الله، لثبوت قَسَمِه ◌ِ ال# في رواية
الباب.

٣٤٣
باب ٤٥ / ح ٦٥٢٨
كتاب الرقاق
وزاد الكَلْبِيُّ عن أبي صالح عن ابن عبّاس في نحو حديث أبي سعيد: ((وإنّ لَأرجو أن
تكونوا نصفَ أهلِ الجنَّة، بل أرجو أن تكونوا ثُلُثَي أهل الجنَّة)) ولا تَصِحّ هذه الزّيادة،
لأنَّ الكَلْبِيَّ واهٍ، ولكن أخرج أحمد (٩٠٨٠) وابن أبي حاتم من حديث أبي هريرة قال: لمَّا
نزلت ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ (٢) وَقَلِلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ﴾ شَقَّ ذلك على الصحابة، فنزلت ﴿ثُلَّةٌ مِنَ
الْأَوَّلِينَ (٦) وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآَخِرِينَ﴾، فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((إنّي لَأرجو أن تكونوا رُبُعَ أهلِ الجنَّة، بل ثُلُثَ
أهلِ الجنَّة، بل أنتم نصفُ أهلِ الجنَّة، وتُقاسِمونَهم في النِّصف الثّاني)).
وأخرجه عبد الله بن أحمد في زياداته(١) والطبرانيُّ من وجهٍ آخر عن أبي هريرة بلفظ: ((أنتم
رُبُع أهلِ الجنَّة، أنتم ثُلُثُ أهل الجنَّة، أنتم نصف أهل الجنَّة، أنتم ثُلُثا أهل الجنَّة)).
وأخرج الخطیب في (المبهمات) (ص٦ ١٠) من مُرسل مجاهد نحو حدیث الگلْبيّ، وفيه مع
إرساله أبو حُذيفة إسحاق بن بشر أحد المتروكينَ./
٣٨٨/١١
وأخرج أحمد (٢٢٩٤٠) والتِّرمِذيّ (٢٥٤٦) وصَخَّحَه(٢) من حديث بُرَيدة رَفَعَه:
((أهلُ الجنَّة عِشرونَ ومئة صَفِّ، أمَّتي منها ثمانونَ صَفّاً)).
وله شاهدٌ من حديث ابن مسعود بنحوِه وأتمُّ منه، أخرجه الطبرانيُّ (١٠٣٩٨)(٣)،
وهذا يوافقُ رواية الكَلْبِيّ، فكأنَّه وَِّ لِمَّا رَجا رحمةَ رَبِّه أن تكون أمَّتُه نصفَ أهلِ الجنَّة أعطاه ما
(١) كذا في الأصلين وفي (س): زيادات («المسند»، ولم نقف عليه في زوائد («المسند»، ولم يذكره الحافظ نفسه في
((أطراف المسند))، ولا في ((إتحاف المهرة)، وسقط مسند أبي هريرة من مطبوع (المعجم الكبير)) للطبراني،
وقد عزاه للطبراني ابن كثير في ((تفسيره)) عند تفسير الآية (١١٠) من سورة البقرة، وذكر إسناد الطبراني،
ورواية له عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، فلعلَّ هذا ما جعل الحافظ يظن أنه في زياداته على بعض كتب
أبيه، والله أعلم.
(٢) كذا قال الحافظ رحمه الله، والذي في أصولنا الخطية من ((سنن الترمذي)) أنه قال: حسن، وهو الذي نقله
عنه عبد الحق الإشبيلي في ((الأحكام الوسطى)) ٣٠٥/٤، والمزي في ((تحفة الأشراف)) (١٩٣٨) وابن
كثير في ((جامع المسانيد)) ٤٤٥/١، وابن القيم في ((زاد المعاد)) ٤٦/١. بل نصّ الذهبي في ((الردّ على ابن
القطان)) (٥١) على عدم تصحیح الترمذي له.
(٣) وعنده أيضاً من حديث ابن عباس (١٠٦٨٢).

٣٤٤
فتح الباري بشرح البخاري
ارتَجاه وزادَه، وهو نحوُ قولِه تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَ﴾ [الضحى: ٥].
قوله: ((وذلك أنَّ الجنَّة)) في رواية أبي الأحوص: ((وسأُخبِرُكم عن ذلك))، وفي رواية
إسرائيلَ: ((وسأُحدِّثُكم بقِلّة المسلمينَ في الكفَّار يومَ القيامة))، وفي رواية مالكِ بن مِغْولٍ:
((ما أنتم فيما سواكم من الأُمَمٍ)).
قوله: («كالشَّعَرةِ البيضاءِ فِي جِلْد الثَّوْرِ الأسودِ، أو كالشَّعَرةِ السَّوْداءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأحْرِ »
كذا للأكثرِ، وكذا لمسلمٍ، وكذا في رواية إسرائيلَ، لكن قَدَّمَ السَّوداءَ على البيضاء. ووَقَعَ في
رواية أبي أحمدَ الجُرْجانيّ عن الفِرَبريّ: ((الأبيض)) بدلَ ((الأحمر)).
وفي حديث أبي سعيد: ((إنَّ مَثَلَكم في الأُمَم كمَثَلِ الشَّعرة البيضاء في جلد الثَّور الأسود، أو
کالرَّقمة في ذِراع الحِمار)).
قال ابن التِّين: أطلقَ الشَّعرةَ وليس المراد حقيقة الوَحْدة، لأَنَّه لا يكون ثَورٌ لیس في جِلِدِه
غيرُ شَعرةٍ واحدةٍ من غير لونِه. والرَّقْمةُ: قِطعةٌ بيضاءُ تكون في باطِنِ عُضوِ الحِمار، والفرس،
وتكونُ في قوائمِ الشّاة.
وقال الدَّارُودِيُّ: الرَّقْمةُ: شيءٌ مُستَدِيرٌ لا شَعرَ فيه، سُمّيَت به لأنَّه کالرَّقْم.
٦٥٢٩- حذَّثنا إسماعيلُ، حدَّثني أخي، عن سليمانَ، عن ثَوْرٍ، عن أبي الغَيثِ، عن أبي
هريرةَ، عن النبيِّ وََّ، قال: ((أوَّلُ مَن يُدْعَى يومَ القيامةِ آدمُ، فَرَاءَى ذُرِّيَّتُه، فيقال: هذا أَبُوكُم
آدمُ، فيقول: لَبَّكَ وسَعْدَيكَ، فيقول: أخِرِجِ بَعْثَ جَهَنَّمَ من ذُرِّيَّتِكَ، فيقول: يا رَبِّ، كم
أُخْرِج؟ فيقول: أخرِج من كلِّ مئةٍ تسعةً وتسعينَ))، فقالوا: يا رسولَ الله، إذا أُخِذَ مِنّا من كلِّ
مئةٍ تسعة وتسعونَ، فماذا يَبْقَى مِنّ؟ قال: ((إنَّ أَمَّتي في الأُمَمِ كالشَّعَرةِ البيضاءِ فِي النَّوْرِ
الأسوَدِ)).
الحديث السادس: قوله: ((حدَّثنا إسماعيل)) هو ابن أبي أويسٍ، وأخوهُ: هو أبو بكرٍ
عبد الحميد، وسليمان: هو ابن بلال، وثَبَتَ كذلك في رواية إسماعيل بن إسحاق عن
إسماعيل بن أبي أويسٍ عندَ البيهقيِّ في ((البعث)). وثَّوْر: هو ابن زيد الدِّيليّ، وأبو الغَيث:

٣٤٥
باب ٤٦ / ح ٦٥٣٠
كتاب الرقاق
هو سالمٌ، والكلَّ مَدَنيّونَ، ورواية إسماعيل عن أخيه من رواية الأقران، وكذا سليمان عن
ثَورٍ، ولكنَّ إسماعيلَ أصغَرُ من أخيه، وسليمان أصغر من ثَورٍ، وسيأتي(١).
قوله: ((أوَّلُ مَن يُدْعَى يوم القيامة آدم ... )) إلى آخره، يأتي شرحُه في البابِ الذي بعده إن
شاء الله تعالى.
٤٦- بابٌ ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١]
﴿ أَزِفَتِ الْأَزِفَةُ﴾ [النجم : ٥٧]: اقْتَرَبتِ السَّاعةُ.
٦٥٣٠ - حدَّثنا يوسُفُ بنُ موسى، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن الأعمَشِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي
سعيدٍ، قال: ((يقول الله: يا آدمُ، فيقول: لَبَّكَ وسَعْدَيكَ، والخيرُ في يَدَيكَ، قال: يقول: أخرج
بَعْثَ النار، قال: وما بَعْثُ النار؟ قال: من كلِّ ألفٍ تسعَ مئةٍ وتسعةً وتسعينَ، فذاكَ حينَ
يَشِيبُ الصَّغِيرُ: ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتٍ حَمْلٍ حَمّلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سَكْرَى وَمَا هُم بَسَكْرَى
وَلَكِنَّ عَذَابَ اَللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢]) فاشتَذَّ ذلك عليهم، فقالوا: يا رسولَ الله، أيُّنا ذلك
الرجل؟ قال: ((أبشِروا، فإنَّ من يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ ألفاً ومِنْكم رجلٌ)) ثمَّ قال: ((والذي نفسي
بِيَدِهِ إنّي لأَطْمَعُ أن تكونوا ثُلُثَ أهلِ الجنَّةِ)) قال: فحَمِدْنا اللهَ وكَبَّرْنا، ثمَّ قال: ((والذي نفسي
بيده إنّ لِأَطْمَعُ أن تكونوا شَطْرَ أهلِ الجنَّةِ، إنَّ مَثَلَكم في الأُمَمِ، كمَثَلِ الشَّعَرةِ البيضاءِ في جِلْدِ
الثَّوْرِ الأسوَدِ، أو كالرَّقْمَةِ في ذِراع الحِمار)).
قوله: ((بابٌ ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ﴾)) أشارَ بهذه التَّرجمة إلى ما وَقَعَ في
بعض طرق الحديث الأوَّل أنَّه وَ لَه تلا هذه الآية عند ذِكْر الحديث، والَّلزلة: الاضطراب،
وأصله من الزَّلَل، وفي تكرير الزّاي فيه تنبيه على ذلك.
/ والساعةُ في الأصل: جُزءٌ من الزّمان، واستُغيرَت ليوم القيامة كما تقدَّم في ((باب سَكَرات ٣٨٩/١١
الموت)) (٦٥١١).
وقال الزَّجّاج: معنى الساعة: الوقت الذي تقوم فيه القيامة إشارةً إلى أنَّها ساعةٌ خفيفةٌ يقعُ
(١) يعني متنَ الحديث بعده.

٣٤٦
باب ٤٦ / ح ٦٥٣٠
فتح الباري بشرح البخاري
فيها أمرٌ عظيمٌ، وقيل: سُمّيَت ساعةً لوقوعِها بَغتةً، أو لِطُولِهِا، أو لسُرعة الحِسابِ فيها، أو
لأنَّها عندَ الله خفيفةٌ مع طولها على الناس.
قوله: ((﴿أَزِفَتِ الْأَزِفَةُ﴾: اقتَرَبَتِ الساعةُ)) هو من الأزَفِ، بفتح الزّاي: وهو القُربُ،
يقال: أزِفَ كذا، أي: قَرُبَ، وسُمَّتِ الساعةُ آزِفَةً لِقُربها أو لِضِيق وقتها، واتَّفَقَ المفسِّرونَ على
أنَّ معنى أزِفَت: اقتَرَبَت أو دَنَت.
قوله: ((جرِیر)» هو ابن عبد الحميد.
قوله: ((عن الأعْمَش، عن أبي صالح)) في رواية أبي أُسامة في بَدْءِ الخلق(١) وحفص بن غِيَاثٍ
في تفسير سورة الحجّ (٤٧٤١)، كلاهما عن الأعمَش: حدَّثنا أبو صالح، وهو ذَكْوانُ، وأبو
سعيد: هو الخُدريّ.
قوله: ((يقول الله)) كذا وَقَعَ للأكثرِ غيرَ مرفوع، وبه جَزَمَ أبو نُعَيم في ((المستخرَج))، وفي
رواية كَرِيمة بإثبات قوله: قال رسول الله وَِّ، وكذا وَقَعَ لمسلمٍ (٢٢٢) عن عثمان بن أبي
شَيْبة عن جَرِير بسندِ البخاريِّ فيه، ونحوُه في رواية أبي أُسامةَ وحفص، وقد ظَهَرَ من
حديث أبي هريرة الذي قبلَه أنَّ خِطاب آدم بذلك أوَّل شيء يقع يوم القيامة، ولفظه: ((أوَّلُ
مَن يُدعَى يومَ القيامة آدمُ عليه السلام، فتَراءَى ذُرَيَّتُه)) بِمُئنّاةٍ واحدةٍ ومَدِّ ثمَّ همزةٍ مفتوحةٍ
تُمالةٍ، وأصلُهُ: فَتَتَراءَى، فحُذِفَت إحدَى التاءَين، وتَراءَى الشَّخصان: تَقابَلا بحيثُ صارَ
کلّ منهما یتمكّنُ من رُؤیة الآخر.
ووَقَعَ في رواية الإسماعيليّ من طريق الدَّراوَرْدِيِّ عن ثَورٍ: ((فَتَتَرَاءَى له ذُرَيَّتُه)) على
الأصل، وفي حديث أبي هريرة: ((فيقال: هذا أبوكم))، وفي رواية الدَّراوَرْديّ: ((فيقولون:
هذا أبو كم)).
قوله: ((فيقول: لَبَّكَ وسَعْدَيكَ والخيرُ في يَدَيك)) في الاقتصار على الخير نوعُ تعطيفٍ،
ورِعايةٌ للأدب، وإلّا فالشرُّ أيضاً بتقدير الله كالخير.
(١) بل في أحاديث الأنبياء (٣٣٤٨).

٣٤٧
باب ٤٦ / ح ٦٥٣٠
كتاب الرقاق
قوله: ((أخرِجِ بَعْثَ النار)) في حديث أبي هريرة: (بَعْثَ جَهَنَّم من ذُرِّيَّتِك))، وفي رواية
أحمدَ (٨٩١٣): (نَصيبَ)) بدلَ: (بَعْث)».
والبَعْثُ: بمعنى المبعوث، وأصلُه في السَّرايا التي يَبعَثُها الأميرُ إلى جهةٍ من الجِهات
للحربِ وغيرها، ومعناهُ هنا: مَيِّزْ أهلَ النار من غيرهم، وإنَّما خَصَّ بذلك آدمَ لكَونِهِ والدَ
الجميع، ولكَونِه كان قد عَرَفَ أهل السّعادة من أهل الشَّقاء، فقد رآه النبيُّ وَّ ليلةَ
الإسراءِ وعن يمينه أسْوِدةٌ وعن شِماله أسْوِدةٌ، الحديثَ، كما تقدَّم في حديث الإسراء
(٣٤٩).
وقد أخرج ابن أبي الدُّنيا من مُرسَل الحسن(١) قال: يقول الله لآدم: يا آدمُ أنتَ اليومَ
عَدَلٌ بيني وبين ذُرَيَّتِك، قُم فانظُرُ ما يُرفَعُ إليك من أعمالهم.
قوله: ((قال: وما بَعْثُ النار؟)) الواوُ عاطِفةٌ على شيءٍ محذوفٍ تقديرُه: سمعتُ وأطَعْتُ،
وما بَعثُ النار؟ أي: وما مِقدارُ مَبعوثِ النار؟ وفي حديث أبي هريرة: ((فيقول: يا رَبِّ كم
أُخرِج؟».
قوله: ((من كلِّ ألفٍ تسعَ مئةٍ وتسعةً وتسعينَ)) في حديث أبي هريرة: ((من كلّ مئةٍ تِسعةً
وتسعينَ)). قال الإسماعيليُّ: في حديث أبي سعيد: من كلِّ ألفٍ واحدٌ، وكذا في حديث
غيره، ويُشبِه أن يكون حديث ثَور - يعني راويَه عن أبي الغَيث عن أبي هريرة - وهماً.
قلت: لعلَّه يريد بقوله: غيره، ما أخرجه التِّرمِذيّ (٣١٦٨ و٣١٦٩) من وجهَينٍ عن الحسن
البصريِّ عن عمرانَ بن حُصَينٍ نحوه، وفي أوَّله زيادةٌ قال: كنَّا مع النبيّ وَّهِ فِي سَفَرٍ فَرَفَعَ
صوتَه بهاتَينِ الآيَتَين: ﴿يَتَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ﴾ إلى:
﴿شَدِيدٌ﴾ [الحج: ١- ٢] فحَثَّ أصحابُه المطيَّ فقال: ((هل تَدْرونَ أيُّ يومٍ ذاكَ؟)) قالوا: الله
ورسولُه أعلم، قال: ((ذاكَ يومُ ينادي الله آدمَ)) فذكر نحو حديث أبي سعيدٍ وصَحَّحَه، وكذا
(١) هو من قول الحسن مقطوعاً، كما هو ظاهرٌ من إيراد ابن كثير له في ((النهاية في الفتن والملاحم)) ٣٤/٢.
والخبر أيضاً عند أبي بكر الدِّينَوَري في ((المجالسة)) (١٠٧٢) و(٢٧٩٠).

٣٤٨
باب ٤٦ / ح ٦٥٣٠
فتح الباري بشرح البخاري
الحاكمُ (٢٨/١-٢٩ و٥٦٦/٤ و٥٦٧)، وهذا سِياقُ قَتَادة عن الحسن من رواية هشام
الدَّسْتُوائيِّ عنه، ورواه مَعمَرٌ عن قَتَادة فقال: عن أنس، أخرجه الحاكم أيضاً (٥٦٦/٤)،
ونَقَلَ عن الذُّهْلِيِّ أنَّ الرِّواية الأولى هي المحفوظةُ.
وأخرجه البزَّارُ(١) والحاكمُ أيضاً (٤/ ٥٦٨) من طريق هلال بن خَبّاب - بمُعجَمةٍ
٣٩٠/١١ وموخَّدتَينِ الأولى ثقيلةٌ - عن عِكْرمةَ عن/ ابن عبّاس قال: تلا رسول الله ◌َ ﴾ هذه الآية ثمَّ
قال: ((هل تَدرونَ)) فذكر نحوه.
وكذا وَقَعَ في حديث عبد الله بن عمرو عند مسلم (٢٩٤٠) رَفَعَه: ((يَخْرُجُ الدَّجَالُ - إلى
أن قال - ثمَّ يُنفَعُ في الصّور أُخرى فإذا هم قيامٌ يَنظُرُونَ، ثمَّ يقال: أخرِجوا بَعْثَ النار))
وفيه: ((فيقال: من كلِّ ألفٍ تِسعُ مئةٍ وتِسعةٌ وتسعونَ. فذاكَ يومُ يجعلُ الوِلْدَانَ شيباً».
وكذا رأيت هذا الحديث في مُسنَد أبي الدَّرداء بمِثلِ العَدَد المذكور رُوِّيناه في ((فوائد
طلحة بن الصَّقر))(٢)، وأخرجه ابن مردويه من حديث أبي موسی نحوه.
فاتَّفَقَ هؤلاءِ على هذا العَدَد، ولم يَستَحضِر الإسماعيليّ لحديث أبي هريرة مُتابعاً، وقد
ظَفِرت به في ((مُسنَد أحمد)» (٣٦٧٧) فإنَّه أخرج من طريق أبي إسحاق الهَجَريِّ - وفيه مقالٌ
- عن أبي الأحوصِ عن عبد الله بن مسعودٍ نحوه.
وأجابَ الكِرْمانُّ بأنَّ مفهومَ العَدَدِ لا اعتبارَ له، فالتَّخصیص بعَدَدٍ لا یدلَّ على نفي
الزّائِدِ، والمقصود من العَدَدَينِ واحدٌ، وهو تَقليلُ عَدَدِ المؤمنينَ وتكثيرُ عَدَدِ الكافرينَ.
قلت: ومُقْتَضَى كلامه الأوَّل تقديمُ حديث أبي هريرة على حديث أبي سعيد، فإنَّه يَشتَمِلُ
على زيادةٍ، فإنَّ حديثَ أبي سعيد يدلُّ على أنَّ نَصيب أهل الجنَّة من كلّ ألفٍ واحدٌ، وحديثَ
أبي هريرة يدلُّ على عشرةٍ، فالحُكم للزّائِدِ، ومُقتَضَى كلامه الأخير أن لا يُنظَر إلى العَدَدِ أصلاً،
بل القَدرُ المشتَرَكُ بينهما ما ذكره من تقليلِ العَدَد.
(١) كما في ((كشف الأستار)) للهيثمي (٢٢٣٥) و(٣٤٩٧).
(٢) لم نقف عليه مطبوعاً، وفات الحافظ رحمه الله أن يخرجه من ((مسند أحمد)) (٢٧٤٨٩).

٣٤٩
باب ٤٦ / ح ٦٥٣٠
كتاب الرقاق
وقد فتَحَ الله تعالى في ذلك بأجوبةٍ أُخَرَ: وهو حَملُ حديثِ أبي سعيدٍ ومَن وافَقَه على
جميع ذُرِّيَّة آدمَ، فيكونُ من كلِّ ألفٍ واحدٌ، وحَملُ حديث أبي هريرة ومَن وافَقَه على مَن
عَدا يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، فيكون من كلِّ ألفٍ عشرةٌ، ويُقرِّبُ ذلك أنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ
ذُكروا في حديث أبي سعيدِ دونَ حديث أبي هريرة. ويحتمل أن يكون الأوَّل يَتَعلَّقُ بالخلق
أجمعينَ والثّاني بخُصوصِ هذه الأُمّة، ويُقرِّبُه قوله في حديث أبي هريرة: ((إذا أُخِذَ مِنّ)) لكن
في حديث ابن عبّاس: ((وإنَّما أمَّتي جُزءٌ من ألفِ جُزءٍ)). ويحتمل أن تقع القسمة مرَّتَين:
مرَّةً من جميع الأُمَم قبل هذه الأُمّة فيكونُ من كلِّ ألفٍ واحدٌ، ومرَّةً من هذه الأمة فقط
فيكونُ من كلِّ ألفٍ عشرةٌ. ويحتمل أن يكون المراد بَبَعْثِ النار الكفَّارَ ومَن يَدخُلها من
العُصاة، فيكونُ من كلِّ ألفٍ تِسعُ مئةٍ وتسعةٌ وتسعونَ كافراً، ومَن كلّ مئة تسعةٌ وتسعونَ
عاصياً، والعلمُ عندَ الله تعالی.
قوله: ((فذاكَ حين يَشيبُ الصَّغيرُ ﴿وَتَضَعُ﴾، وساقَ إلى قوله: ﴿شَدِيدٌ﴾)) ظاهره أنَّ
ذلك يقع في الموقِف، وقد استُشكِلَ بأنَّ ذلك الوقت لا حَمْلَ فيه ولا وَضْعَ ولا شَيبَ، ومن
ثَمَّ قال بعضُ المفسِّرِينَ: إنَّ ذلك قبلَ يوم القيامة. لكنَّ الحديثَ يَرُدُّ عليه، وأجابَ
الكِرْمانيُّ بأنَّ ذلك وَقَعَ على سبيلِ التَّمثيلِ والتَّهويل.
وسَبَقَ إلى ذلك النَّوويُّ فقال: فيه قولان للعلماءِ فذكرهما، وقال: التَّقدير أنَّ الحال
يَنْتَهي إلى أنَّه لو كانت النِّساء حينئذٍ حَواملَ لَوضَعَت، كما تقولُ العربُّ: أصابنا أمرٌ يَشِيبُ
منه الولید.
وأقولُ: يحتمل أن يُحمَلَ على حقيقَتِهِ، فإنَّ كلَّ أحدٍ يُبعَثُ على ما ماتَ عليه، فتُبعَث
الحاملُ حاملاً والمرضِع مُرضِعةً والطّفلُ طِفِلاً، فإذا وَقَعَت زَلزَلةُ الساعة وقيل ذلك لآدمَ
ورأى الناسُ آدَمَ وسمعوا ما قيل له، وَقَعَ بهم من الوَجَلِ ما يَسقُطُ معه الحَمْلُ ويَشِيبُ له
الطّفلُ، وَتَذْهَلُ به المرضِعةُ. ويحتمل أن يكون ذلك بعدَ النَّفخة الأولى وقبلَ النَّفخة الثّانية،
ويكون خاصّاً بالموجودينَ حينئذٍ، وتكون الإشارةُ بقوله: ((فذاكَ)) إلى يوم القيامة، وهو

٣٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
صريح في الآية، ولا يَمنَع من هذا الحَمْلِ ما يُتَخَيَّلُ من طولِ المسافة بين قيام الساعة واستقرار
الناس في الموقِفِ ونِداءِ آدَمَ لتمييزِ أهل الموقِف، لأنَّه قد ثَبَتَ أنَّ ذلك يقعُ مُتَقارباً كما قال الله
تعالى: ﴿فَإنََّ هِىَ زَجْرَةٌ وَحِدَةٌ ﴿ فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٣ - ١٤] يعني: أرض الموقِف،
وقال تعالى: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبَار ◌ُ السَّمَآءُ مُنْفَظِرٌ بِهِ،﴾ [المزمل: ١٧ - ١٨].
والحاصلُ أنَّ يوم القيامة يُطلَق على ما بعدَ نَفخة البَعْث من أهوالٍ وزَلزَلةٍ وغير ذلك،
٣٩١/١١ إلى آخر الاستقرار في الجنَّة أو النار، وقريب منه/ ما أخرجه مسلمٌ من حديث عبد الله بن
عَمْرو في أشراط الساعة، إلى أن ذكر النَّفخ في الصّور، إلى أن قال: ((ثُمَّ نُفِخَ فيه أُخرى فإذا
هم قيامٌ يَنظُرُونَ. ثمَّ يقال: أخرِجوا بَعث النار)) فذكره قال: «فذاكَ يومٌ يجعلُ الولدانَ
شِیباً)).
ووَقَعَ في حديث الصّورِ الطّويلِ عندَ عليٍّبن مَعبَد وغيره ما يُؤْيِّدُ الاحتمالَ الثّانيَ، وقد تقدَّم
بيانُه في ((باب النَّفْخ في الصّور)) (٦٥١٧)، وفيه بعد قوله: ((وتَضَعُ الحَواملُ ما في بُطونِها وتَشِيبُ
الولدانُ وتَتَطاير الشَّياطين)): ((فبينما هم كذلك إذ تَصَدَّعَتِ الأرضُ فيأخُذُهم لذلك الكَربُ
والقَول)» ثمَّ تلا الآيتينِ من أوَّل الحجّ، الحديث.
قال القُرطُبيّ في ((التَّذكِرة)): هذا الحديث صَخَّحَه ابن العربيِّ، فقال: يوم الزَّلزلة يكون
عند النَّفخة الأولى، وفيه ما يكون فيه من الأهوال العظيمة، ومَن جُملَتِها ما يقال لآدمَ، ولا
يَلْزَمُ من ذلك أن يكون ذلك مُتَّصِلاً بالنَّفخة الأولى، بل له مَحَمَلان:
أحدهما: أن يكون آخر الكلام مَنوطاً بأوَّلِه، والتَّقدير: يقال لآدم ذلك في أثناء اليوم
الذي يَشیبُ فیه الولدانُ، وغير ذلك.
وثانيهما: أن يكون شَيب الولدان عند النَّفخة الأولى حقيقةً، والقولُ لآدمَ يكون وصفه
بذلك إخباراً عن شِدَّتِهِ، وإن لم يُوجَد عَينُ ذلك الشَّيء.
وقال القُرطُبيُّ: يحتمل أن يكون المعنى أنَّ ذلك حينَ يقعُ لا يُهِمُّ كلَّ أحدٍ إلّا نفسُه،
حتَّى إِنَّ الحاملَ تُسقِطُ مِن مِثله، والمرضِعةَ ... إلى آخره.

٣٥١
باب ٤٦ / ح ٦٥٣٠
كتاب الرقاق
ونُقِلَ عن الحسن البصريّ في هذه الآية: المعنى: أن لو كان هناك مُرضِعة لَذَهَلَت.
وذكر الحَلِيمَيّ واستَحسَنَه القُرطُبيّ أنَّه يحتمل أن يُحيِيَ الله حينئذٍ كلَّ حَمْلٍ كان قد تَمَّ خلْقُه
ونُفِخَت فيه الرّوحُ، فَتَذْهَلُ الأُمُّ حينئذٍ عنه، لأنَّها لا تَقِدِرُ على إرضاعِه، إذ لا غِذاءَ هناك
ولا لَبَنَ، وأمَّ الحَمْلُ الذي لم يُنفَخ فيه الرّوحُ فإِنَّه إذا سَقَطَ لم يَحْيَ، لأنَّ ذلك يومُ الإعادة، فمَن
لم يَمُت في الدُّنيا لم يَخِيَ في الآخرة.
قوله: ((فاشتَذَّ ذلك عليهم)) في حديث ابن عبّاس: فشَقَّ ذلك على القوم ووَقَعَت عليهم
الكآبة والحزن. وفي حديث عِمران عند التِّرمِذيّ (٣١٦٨) من رواية ابن جُدْعان عن
الحسن: فأنشَأ المسلمون يَيكونَ، ومن رواية قَتَادة عن الحسن (٣١٦٩): فنُبِسَ القوم حتَّى
ما أبدَوا بضاحكةٍ، ونُبِسَ بضمِّ النُّون وكسر الموخَّدة(١) بعدها مُهمَلة، معناه: تَكلَّمَ فأسرعَ،
وأكثر ما يُستَعمَل في النَّفي، وفي رواية شَيْبانَ عن قَتَادة عند ابن مَرْدويه: أَبْلَسُوا، وكذا له
نحوه من رواية ثابت عن الحسن.
قوله: ((وأيّنا ذلك الرجل؟)) قال الطِّييُّ: يحتمل أن يكون الاستفهام على حقيقته، فكان
حَقّ الجواب أنَّ ذلك الواحدَ فلانٌ أو مَن يَتَّصِف بالصِّفة الفُلانيَّة، ويحتمل أن يكون
استعظاماً لذلك الأمر واستشعاراً للخوفِ منه، فلذلك وَقَعَ الجواب بقوله: ((أبشِروا))
ووَقَعَ في حديث أبي هريرة: فقالوا: يا رسول الله، إذا أُخِذَ مِنّ من كلّ مئة تسعة وتسعونَ
فماذا يبقى؟ وفي حديث أبي الدَّرداء: فبَكَى أصحابه.
قوله: ((فقال: أبشِروا)) في حديث ابن عبّاس: ((اعمَلُوا وأبشِروا))، وفي حديث عِمران مِثله،
وللتِّرمِذيِّ من طريق ابن جُدْعان: ((قارِبوا وسَدِّدوا))، ونحوه في حديث أنس.
قوله: ((فإنَّ من يَأُجُوج ومَأُجُوج ألفاً ومِنْكم رجل)) ظاهره زيادة واحد عمَّا ذكر من
تفصيل الألف، فيحتمل أن يكون من جَبر الكسر، والمراد أنَّ مِن يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ تِسعَ
(١) كذا ضبطه الحافظ رحمه الله، ولم نجد له في ذلك سلفاً، وإنما الذي في كتب اللغة أنها بفتح النون والموحدة، على أنَّ
الذي في أصولنا الخطية من «جامع الترمذي) فیئس.

٣٥٢
باب ٤٦ / ح ٦٥٣٠
فتح الباري بشرح البخاري
مئةٍ وتِسعةً وتسعينَ أو ألفاً إلّا واحداً، وأمَّا قوله: ((ومِنكم رجل)) تقديره: والمُخرَج
منكم أو ومِنكم رجل مُخُرَج، ووَقَعَ في بعض الشُّروح أنَّ لبعضِ الرُّواة: «فإنَّ منكم
رجلاً ومن يَأُجُوج ومَأُجُوج ألفاً)(١) بالنَّصبِ فيهما على المفعول، فأخرج المذكور في أوَّل
الحديث، أي: فإنَّه يُخْرِج كذا، ورُوي بالرَّفع على خَبَرَ إنَّ واسمها مُضمِر قبل المجرور،
أي: فإنَّ المُخرَج منكم رجل، قلت: والنَّصب أيضاً على اسم إنَّ صريحاً في الأوَّل
وبتقديرٍ في الثّاني، وهو أولى من الذي قال، فإنَّ فيه تكلُّفاً، ووَقَعَ في رواية الأَصِيلِيّ
بالرَّفع في ألْف وحده وبالنَّصبِ في رجلاً، ولأبي ذرِّ بالعكس، وفي رواية مسلم بالرَّفع
فیھما.
٣٩٢/١١ قال النَّوويّ: هكذا في/ جميع الروايات، والتَّقدير: فإنَّه، فَحُذِفتِ الهاء، وهي ضمير الشَّأن،
وذلك مُستَعمَلٌ كثيراً، ووَقَعَ في حديث ابن عبّاس: ((وإنَّما أمَّتي جُزءٌ من ألفِ جُزءٍ)).
قال الطِّييُّ: فيه إشارةٌ إلى أنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ داخلونَ في العَدَدِ المذكورِ والوعيد، كما
يدلُّ قوله: ((رُبُع أهلِ الجنَّة)) على أنَّ في غير هذه الأُمّة أيضاً من أهل الجنَّة.
وقال القُرطُبيُّ: قوله: ((من يَأْجُوجَ ومَأُجُوجَ ألفٌ)) أي: منهم وَمَّن كان على الشِّرك مِثلهم.
وقوله: ((ومِنكم رجلٌ)) يعني من أصحابِهِ ومَن كان مُؤْمِناً مِثلهم.
قلت: وحاصلُه أنَّ الإشارةَ بقوله: ((مِنكم)) إلى المسلمينَ من جميع الأُمَم، وقد أشارَ إلى
ذلك في حديث ابن مسعود بقوله: ((إنَّ الجنَّة لا يَدخُلُها إلّا نفسٌ مسلمةٌ)).
قوله: ((ثمَّ قال: والذي نفسي بيَدِه إنّي لَأَطْمَعُ أن تكونوا ثُلُثَ أهلِ الجنَّةِ)) تقدَّم في
البابِ قبلَه من حديث ابن مسعود: «أترضَونَ أن تكونوا رُبُعَ أهلِ الجنَّة؟»، وكذا في
حديث ابن عبّاس، وهو محمولٌ على تعدُّدِ القصَّة، فقد تقدَّم أنَّ القصَّةَ التي في حديثٍ
ابن مسعود وَقَعَت وهو نَّ فِي قُبَّتِه بمِنَى، والقصَّة التي في حديث أبي سعيد وَقَعَت
وهو ◌َّ سائرٌ على راحلتِهِ، ووَقَعَ في رواية ابن الكَلْبيِّ عن أبي صالح عن ابن عبّاس:
(١) هذه رواية أبي أسامة عن الأعمش السالفة برقم (٣٣٤٨) في أحاديث الأنبياء.

٣٥٣
كتاب الرقاق
بَيْنا رسول الله وَّ فِي مَسيرِه في غزوة بني المصطَلِقِ، ومثلُه في مُرسَل مجاهدٍ عند
الخطيب في ((المبهَمات)) كما سيأتي التَّنبيه عليه في ((باب مَن يَدخُل الجنَّةَ بغير حِسابٍ))
(٦٥٤١).
ثمَّ ظَهَرَ لي أنَّ القصَّةَ واحدةٌ وأنَّ بعضَ الرُّواة حَفِظَ فيه ما لم يحفظِ الآخرُ، إلّا أنَّ قولَ
مَن قال: كان ذلك في غزوة بني المصطَلِقِ واهٍ، والصَّحيحُ ما في حديث ابن مسعود وأنَّ
ذلك كان بمِنَّى، وأمَّا ما وَقَعَ في حديثه أنَّه قال ذلك وهو في قُبَّتِهِ، فيُجمَعُ بينه وبين حديث
عِمران بأنَّ تِلاوتَه الآيةَ وجوابَه عنها اتَّفَقَ أنَّه كان وهو سائر، ثمَّ قوله: ((إنّي لَأَطمَعُ ... ))
إلى آخره، وَقَعَ بعد أن نزلَ وقَعَدَ بالقُبّة، وأمَّا زيادة الرُّبُع قبلَ الثُّلثِ فحَفِظَها أبو سعيدٍ
وبعضُهم لم يحفظ الرُّبُعَ.
وقد تقدَّمَت سائر مباحثِه في الحديث الخامسِ من البابِ الذي قبله.
٤٧ - باب قول الله تعالى:
﴿ أَلَا يَظُنُّ أُوْلَتِكَ أَّهُمْ تَّبْعُوتُونَ (٥) لِيَوْمٌ عَظِيمٍ ٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾
قال ابنُ عبَّاسِ: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] قال: الوُصُلاتُ في الدُّنْيا.
٦٥٣١ - حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبانَ، حدَّثنا عيسى بنُ يونُسَ، حدَّثنا ابنُ عَوْنٍ، عن نافعٍ، عن
ابنِ عمر رضي الله عنهما، عن النبيِّ وَّهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] قال: ((يقومُ
أحدُهم في رَشْحِه إلى أنصاف أُذُنَيه)).
٦٥٣٢ - حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثني سليمانُ، عن ثَوْرِ بنِ زيدٍ، عن أبي الغَيْثِ،
عن أبي هريرةَ ظُه، أنَّ رسولَ اللهِ ◌ّه قال: «يَعْرَقُ الناسُ يومَ القيامةِ، حتَّى يذهبَ عَرَقُهم في الأرضِ
سبعِينَ ذِراعاً، ويُلْجِمُهُم حَتَّى يَبلُغَ آذانَهم)).
قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُمْ قَبْعُوتُونَ ) لِيَوْ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ
لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾)) كأنَّه أشارَ بهذه الآية إلى ما أخرجه هَنّاد بن السَّريّ في ((الزّهد)» (٣٢٨) من

٣٥٤
باب ٤٧ / ح ٦٥٣٢
فتح الباري بشرح البخاري
طريق عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن عُمر (١) قال: قال له رجلٌ: إنَّ أهل المدينة لَيوفونَ
٣٩٣/١١ الكَيلَ، فقال: وما يَمنَعُهم وقد قال الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ إلى قولِهِ: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ / النَّاسُ
لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾، قال: إنَّ العَرَقَ لَيَبلُغُ أنصافَ آذانهم من هَولِ يومِ القيامة. وهذا لمَّا لم يكن
على شرطِهِ أشارَ إليه، وأورَدَ حديث ابن عمر المرفوع في معناه، وأصلُ الْبَعْث: إثارةُ الشَّيءِ
عن جَفاءٍ وتحريكُه عن سكون، والمراد به هنا: إحياءُ الأموات وخروجُهم من قُبورهم
ونحوها إلى حُكم يومِ القيامة.
قوله: ((قال ابن عبّاس: ﴿وَتَقَطّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ قال: الوُصُلات في الدُّنْيا» بضمِّ الواو
والصّاد المهمَلة، وقال ابن التِّين: ضَبطناه بفتح الصّاد وبضمِها وبسكونها.
وقال أبو عُبيدة: ﴿اَلْأَسْبَابُ﴾: هي الوُصلاتُ التي كانوا يَتَواصَلونَ بها في الدُّنيا،
واحدتُها وُصْلة.
وهذا الأثر لم أظفر به عن ابن عبّاس بهذا اللَّفظ، وقد وَصَلَه عبد بن حُميدٍ والطَّبَريّ (٧٠/٢)
وابن أبي حاتم (٢٧٨/١) بسندٍ ضعيفٍ عن ابن عبّاسٍ قال: المودّة. وهو بالمعنى.
وكذا أخرجه عبد بن حُميدٍ من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد.
ولِلطَّبَرِيِّ (٢/ ٧١) من طريق العَوْفِيِّ عن ابن عبّاس قال: تَقَطَّعَت بهم المنازِل. ومن طريق
الرَّبیع ابن أنس مثله.
وأخرجه ابن أبي حاتم من وجه آخر عن الرَّبيع عن أبي العاليَة قال: يعني أسباب
النَّدامة.
ولِلطَّبَرِيِّ (٢/ ٧١) من طريق ابن جُرَيج عن ابن عبّاس قال: الأسباب الأرحام. وهذا
مُنقَطِع. ولابنِ أبي حاتم من طريق الضَّحَاك قال: تَقَطَّعَت بهم الأرحام وتَفرَّقَت بهم
المنازِلُ في النار.
(١) تحرف في الأصلين و(س) إلى: عمرو. وقد جاء عند هنَّد من طريق أخرى بنحوه (٣٢٩)، لكن ذكر فيها بين
عبد الله بن الحارث وبين عبد الله بن عُمر هلال بن طَلْق، فدلَّ على أنَّ الطريق المذكورة منقطعة.

٣٥٥
باب ٤٧ / ح ٦٥٣٢
كتاب الرقاق
وورَدَ بلفظ التَّواصُل والمواصَلة، أخرجه الثلاثةُ المذكورونَ أيضاً من طريق عُبيدٍ
المُكتِب عن مجاهدٍ قال: تَواصُلُهم في الدُّنيا. وللطَّبَرِيِّ من طريق جُرَيج عن مجاهدٍ قال:
تَواصُلٌ كان بينهم بالمودّة في الدُّنيا. وله من طريق سعيد ولعَبدٍ من طريق شَيْبانَ، كلاهما
عن قَتَادة قال: ﴿اَلْأَسْبَابُ﴾: المواصَلة التي كانت بينهم في الدُّنيا يَتَواصَلونَ بها
ويَتَحَابُّونَ، فصارت عَدَاوةً يوم القيامة. وللطََّريِّ من طريق مَعمَر عن قَتَادة قال: هو
الوصلُ الذي كان بينهم في الدُّنيا.
ولعَبدٍ من طريق السُّدِّيِّ عن أبي صالح قال: الأعمال. وهو عند الطَّبَريّ عن السُّدِّيِّ
من قوله.
قال الطَّبَريُّ: الأسباب، جمع سبب: وهو كلّ ما يُتَسَبَّبُ به إلى طَلِيةٍ وحاجةٍ، فيقال
للحبلِ: سببٌ، لأَنَّه يُتوصَّلُ به إلى الحاجة التي يُتَعلَّقُ به إليها، وللطَّريق سببٌ، للتَّسَبُّبِ
بُرُكوبِهِ إلى ما لا يُدرَكُ إلّا بقطعِه، وللمُصاهَرة سببٌ للحُرْمة، وللوسيلة سببٌ للوصولِ
بها إلى الحاجة.
وقال الرَّاغِبُ: السَّبَبُ: الحَبْل، وسُمّيَ كلَّ ما يُتوصَّل به إلى شيءٍ سبباً، ومنه: ﴿لَّعَلِّىِّ
أَبْلُغُ اَلْأَسْبَبَ آ أَسْبَبَ السَّمَوَتِ﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧]، أي: أصِلُ إلى الأسبابِ الحادثة في
السماءِ فأتوصَّلُ بها إلى مَعرِفة ما يَدَّعيه موسى، وتُسمَّى العِمامة والخِمار والثَّوب الطّويل
سبباً، تشبيهاً بالحبل، وكذا مَنهَجُ الطَّريق لشَبَهِه بالحبل، وبالثَّوبِ الممدودِ أيضاً.
وذکر فیه حدیثین:
أحدهما: حديثُ ابن عمر: عن النبيَّّه ﴿ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ قال: ((يقومُ
أحدُهم في رَشْحِه إلى أنصاف أُذُنِ) في رواية صالح بن كَيْسانَ عن نافع عند مسلم (٢٨٦٢).
((حتَّى يَغيبَ أحدُهم))، وكذا تقدَّم في تفسير ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ (٤٩٣٨) من طريق مالك
عن نافع.
والرَّشْح، بفتح الرَّاءِ وسكون الشّينِ المعجَمة بعدها مُهمَلٌ: هو العَرَقُ، شُبِّهَ بَرَشح الإناءِ

٣٥٦
باب ٤٧ / ح ٦٥٣٢
فتح الباري بشرح البخاري
لكَونِه يَخْرُجُ من البَدَنِ شيئاً فشيئاً، وهذا ظاهرٌ في أنَّ العَرَقَ يَحصُلُ لكلِّ شَخصٍ من نفسِه،
وفيه تَعقُّبٌ على مَن جَوَّزَ أن يكون من عَرَقِه فقط أو من عَرَقِهِ وعَرَقِ غیره.
وقال عِيَاض: يحتمل أن يريد عَرَقَ الإنسانِ نفسِه بقَدرِ خَوفه ممّا يُشاهدُه من الأهوال،
ويحتمل أن يريد عَرَقَه وعَرَق غيره، فيُشدَّدُ على بعضٍ ويُحُفَّفُ على بعض، وهذا كلُّه بتَزَاهُمِ
الناس وانضِمام بعضِهم إلى بعضٍ، حتَّى صارَ العَرَقِ يَجري سائحاً في وجه الأرض، كالماءِ في
الوادي بعدَ أن شَرِبَت منه الأرضُ وغاصَ فيها سبعينَ ذِراعاً.
قلت: واستُشكِلَ بأنَّ الجماعةَ إذا وقَفوا في الماءِ الذي على أرضٍ مُعتَدِلةٍ كانت تَغطيةٌ
الماءِ لهم على السَّواء، لكنَّهم إذا اختَلَفوا في الطّولِ والقِصَرِ تَفاوتوا، فكيفَ يكونُ الكلُّ إلى
٣٩٤/١١ الأُذُنِ؟ والجوابُ: أنَّ ذلك من الخوارقِ الواقعة يومَ القيامة، والأَوْلى أن تكون الإشارةُ/
بمَن يَصِلُ الماءُ إلى أُذُنَيه إلى غاية ما يَصِلُ الماءِ، ولا يَنفي أن يَصِل الماءُ لبعضِهم إلى دونِ
ذلك. فقد أخرج الحاكم (٤/ ٥٧١) من حديث عُقْبةَ بن عامر رَفَعَه: ((تَدنو الشمسُ من
الأرضِ يومَ القيامة فيَعرَقُ الناس، فمنهم مَن يَبلُغُ عَرَقُه عَقِبَه، ومنهم مَن يَبلُغ نصفَ
ساقَه، ومنهم مَن يَبلُغْ رُكبَتَه، ومنهم مَن يَبلُغ فخِذَه، ومنهم مَن يَبلُغ خاصرته، ومنهم مَن
يَبْلُغْ مَنكِبَه، ومنهم مَن يَبلُغ فاه - وأشارَ بيَدِه فأَجَمَها فاه - ومنهم مَن يُغَطّيه عَرَقُه))
وضَرَبَ بیدِه علی رأسِه.
وله شاهدٌ عند مسلم (٢٨٦٤) من حديث المقدادِ بن الأسودِ، وليس بتمامه، وفيه:
((تُدنَى الشمس يوم القيامة من الخَلْق حتَّى تكون منهم كمِقدار مِيلٍ، فيكون الناس على
مِقدار أعمالهم في العَرَقِ)) الحديثَ، فإنَّه ظاهرٌ في أنَّهم يَستَوونَ في وصول العَرَق إليهم،
ويتفاوتونَ في حصوله فیھم.
وأخرج أبو يَعْلى (٦٠٢٥) وصَحَّحَه ابن حِبّان (٧٣٣٣) عن أبي هريرة ◌ُ، عن النبيّ وَِّّ،
قال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ قال: ((مقدار نصف يوم من خمسين ألف سنةٍ، فيُهوَّن ذلك
على المؤمن كتَدَلِّي الشمسِ إلى أن تَغْرُبَ)).
١

٣٥٧
باب ٤٧ / ح ٦٥٣٢
كتاب الرقاق
وأخرجه أحمد (١١٧١٧) وابن حِبّان (٧٣٣٤) نحوه من حديث أبي سعيد. والبيهقيُّ في
((البعث)) من طريق عبد الله بن الحارثِ عن أبي هريرة: ((يُشَرُ الناسُ قياماً أربعينَ سنةً شاخصةً
أبصارُهم إلى السماءِ، فيُلِجِمُهم العَرَقُ من شِدّة الكَربِ)).
الحديث الثاني: قوله: ((حدَّثني سليمان)) هو ابنُ بلالٍ، والسَّنَدُ كلُّه مَدَنّونَ.
قولُهُ: ((يَعْرَقُ الناسُ)) بفتحِ الرَّاءِ، وهي مكسورةٌ في الماضي.
قوله: ((يوم القيامة حتَّى يذهب عَرَقُهم في الأرض سبعينَ ذِراعاً، ويُلْجِمُهم العَرَق(١) حتَّى
يَبلُغَ آذانَهم)) في رواية الإسماعيليّ من طريق ابن وهب عن سليمان بن بلال: ((سبعينَ باعاً»،
وفي رواية مسلم (٢٨٦٣) من طريق الدَّراوَرْديِّ عن ثَور: ((وإنَّه لَيَبلُغ إلى أفواه الناس - أو
إلى آذانهم -)» شَكَّ ثَورٌ.
وجاء عن عبد الله بن عَمْرو بن العاص: أنَّ الذي يُلجِمُه العَرَقُ الكافُ، أخرجه البيهقيُّ في
((الْبَعث))(٢) بسندٍ حسنٍ عنه، قال: يَشتَدُّ كَرِبُ ذلك اليوم حتَّى يُلجِمَ الكافرَ العَرَقُ، قيل له:
فأين المؤمنونَ؟ قال: على كراسيَّ من ذهبٍ، ويُظَلَّل عليهم الغمامُ. وبسندٍ قويٌّ عن أبي موسى
قال: الشمس فوق رؤوسِ الناس يوم القيامة، وأعمالهم تُظِلُّهم.
وأخرج ابن المبارَك في ((الزُّهد)(٣) وابن أبي شَيْبة في ((المصنَّف)) (٤٤٧/١١) واللَّفظ له
بسندٍ جيّدٍ عن سلمان قال: تُعطَى الشمسُ يومَ القيامة حَرَّ عشرِ سنين، ثمَّ تُدنَى من جَاجِمٍ
الناس حتَّى تكونَ قابَ قَوسَين، فيَعرَقونَ حتَّى يَرشَحُ العَرَق في الأرضِ قامةً، ثمَّ یَرتَفِعُ حتَّى
يُغَرَغِرَ الرجلُ. زاد ابن المبارك في روايته: ولا يَضُرُّ حَرُّها يومَئذٍ مُؤمِناً ولا مُؤمِنَةً.
قال القُرطُبيّ: المراد مَن يكونُ كاملَ الإيمان، لما يدلُّ عليه حديثُ المِقِدادِ وغيره أنَّهم
(١) لفظة ((العرق)) جاءت في (أ) و(ع) و(س)، وليست في الرواية.
(٢) وهو أيضاً عند ابن المبارك في ((الزهد)) (٦٤٣)، وعند ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ١٢٥/١٣، وروي
مرفوعاً عند ابن حبان (٧٤١٩)، والطبراني (١٤٤٤٥)، وإسناد الموقوف أصح. وجاء عندهم جميعاً
بلفظ: کراسي من نور.
(٣) في رواية نعيم بن حماد (٣٤٧).

٣٥٨
باب ٤٧ / ح ٦٥٣٢
فتح الباري بشرح البخاري
يَتَفاوتونَ في ذلك بحَسَبٍ أعمالهم.
وفي حديث ابن مسعود عند الطبرانيِّ (٨٧٧١) والبيهقيّ: إنَّ الرجلَ لَيَفيضُ عَرَقاً حَتَّى
يسيحَ في الأرضِ قامةً، ثمَّ يَرتَفِع حتَّى يَبلُغ أنفَه، وفي رواية عنه(١) عند أبي يَعْلى (٤٩٨٢)
وصَحَّحَها ابن حِبّان (٧٣٣٥): ((إنَّ الرجل لَيُلجِمُه العَرَق يوم القيامة حتَّى يقول: يا رَبِّ
أرِحني ولو إلى النار))، وللحاكم (٤/ ٥٧٧) والبزَّار (٢) من حديث جابر نحوه، وهو كالضَّريحِ
في أنَّ ذلك كلّه في الموقِف.
وقد وَرَدَ أنَّ التَّفصيلَ الذي في حديث عُقْبة والمقداد يقع مِثله لمن يَدخُل النار، فأخرج
مسلمٌ أيضاً (٢٨٤٥) من حديث سَمُرة رَفَعَه: ((إنَّ منهم مَن تأخُذُه النارُ إلى رُكبَتَه، ومنهم
مَن تأخُذه إلى حُجْزَتِه - وفي روايةٍ: إلى حَقْويه - ومنهم مَن تأخُذه إلى عُنُقِه))، وهذا يحتمل
أن تكون النار فيه مجازاً عن شِدّة الكَربِ الناشئ عن العَرَق فيَتَّحِدُ المَورِدان، ويُمكِّن أن
يكون وَرَدَ في حَقّ مَن يَدخُل النارَ من الموحِّدِينَ، فإنَّ أحوالهم في التَّعذیبِ تختلف بحَسَبٍ
أعمالهم، وأمَّا الكفَّارُ فإنَهم في الغَمَرات.
قال الشَّيخُ أبو محمَّدٍ بن أبي جَمْرةَ: ظاهر الحديث تعميمُ الناس بذلك، ولكن دَلَّتِ
الأحاديث الأُخرى على أنَّه مخصوصٌ بالبعضِ وهم الأكثر، ويُستَئِنَى الأنبياءُ والشُّهَداءُ
ومَن شاءَ الله، فأشدُّهم في العَرَق الكفَّارُ ثمَّ أصحابُ الكبائرِ ثمَّ مَن بعدَهم، والمسلمونَ
٣٩٥/١١ منهم قليلٌ بالنِّسبة / إلى الكفّار كما تقدَّم تقريرُه في حديثِ بَعْثِ النار (٦٥٣٠). قال: والظّاهر
أنَّ المراد بالذِّراع في الحديث المتعارف، وقيل: هو الذِّراع الملَكيّ، ومَن تأمَّلَ الحالة المذكورة
عَرَفَ عظيمَ الهَولِ فيها، وذلك أنَّ النار تَحُفُّ بأرضِ الموقِفِ وتُدنَى الشمسُ من الرُّؤوسِ
قَدرَ ميلٍ، فكيفَ تكونُ حَرارةُ تلكَ الأرض، وماذا يَرويها من العَرَقِ حتَّى يَبْلُغَ منها
سبعينَ ذِراعاً مع أنَّ كلّ واحدٍ لا يَجِدُ إلَّا قَدرَ موضعٍ قَدَمِه؟ فكيفَ تكونُ حالةُ هؤلاءِ في
(١) جاءت عنه هذه الرواية مرفوعة، لكن إسنادها ضعيف.
(٢) كما في ((كشف الأستار)) (٣٤٢٣)، وإسناد هذه الرواية ضعيف جداً.

٣٥٩
كتاب الرقاق
عَرَقِهم مع تَنَوُّعِهم فيه؟ إنَّ هذا لَمِمَّا يَبهَرُ العقولَ ويدلّ على عظيم القُدرة، ويقتضي
الإيمان بأُمورِ الآخرة، وأن ليس للعقلِ فيها مَجَالٌ، ولا يُعتَرَض عليها بعقلٍ ولا قياسٍ ولا
عادةٍ، وإنَّما يُؤْخَذُ بالقَبُولِ ويَدخُل تحت الإيمان بالغيب، ومَن تَوقَّفَ في ذلك دَلَّ على
خسرانه وحرمانه.
وفائدةُ الإخبار بذلك أن يَتَنَبَّهَ السامعُ فيأْخُذَ في الأسباب التي تُخُلِّصُه من تلكَ الأهوال،
ويُبادِر إلى الثَّوبة من التَِّعات، ويَلجَأ إلى الكريمِ الوهّابِ في عَونِه على أسباب السَّلامة، ويَتَضَرَّع
إليه في سَلامَته من دار الهوان، وإدخاله دار الكرامة بمَنِّه وكَرَمِه.
٤٨ - باب القِصاص يوم القيامة
وَهِيَ ﴿ الْمَفَّةُ﴾، لأنَّ فيها الثَّوابَ وحَواقَّ الأُمورِ. الحَقّةُ والَحَاقَّةٌ واحدٌ ..
وَ﴿اَلْقَارِعَةُ﴾ و﴿اَلْغَشِيَةِ﴾ و﴿ الضَّالَّةُ ﴾ و﴿ النَّغَابُنِ﴾: غَبَنَ أهلُ الجِنَّةِ أهلَ النار.
٦٥٣٣ - حدَّثْنا عمرُ بنُ حفصٍ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا الأعمَشُ، حدَّثني شَقِيقٌ، سمعتُ
عبد الله عليه، قال النبيُّ بِّهِ: ((أوَّلُ ما يُقْضَى بينَ الناسِ بالدِّماءِ)).
[طرفه في: ٦٨٦٤]
٦٥٣٤ - حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن سعيدِ بنِ أبي سعيدِ المقبريِّ، عن أبي
هريرةَ، أنَّ رسولَ الله وَ له قال: ((مَن كانت عندَه مَظْلِمَةٌ لأخِيه، فلْيَتَحلَّلْه منها، فإنَّه ليس ثَمَّ
دِينارٌ ولا دِرْهَمٌ من قبلٍ أن يُؤْخَذَ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسناتٌ أُخِذَ من سَيِّئَات
أخِیه، فطُرِ حَت عليه)).
٦٥٣٥ - حدَّثنا الصَّلْتُ بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِ صُدُورِهِم مِّنْ عِلّ ﴾
[الحجر: ٤٧]، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتَادةَ، عن أبي المتوكّلِ الناجِيِّ، أنَّ أبا سعيدِ الخُذْريَّ ◌َـ
قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((يَخُلُصُ المؤمنونَ منَ النار، فيُحْبَسونَ على قَنْطَرةٍ بينَ الجنَّةِ والنار،
فيُقَصُّ لبعضِهم من بعضٍ مَظالِمُ كانت بينَهم في الدُّنْيا، حتَّى إذا هُذِّبُوا ونُقُوا أُذِنَ لهم في

٣٦٠
باب ٤٨ / ح ٦٥٣٥
فتح الباري بشرح البخاري
دخولِ الجنَّةِ، فوالذي نفسُ محمَّدٍ بيَدِهِ، لَأحدُهم أهدَى بمَنْزِلِه في الجنَّةِ منه بمَنْزِلِه كان في
الدُّنْيا)).
قوله: ((باب القِصاص يومَ القيامةِ)) القِصاص بكسر القاف وبمُهمَلتَين: مأخوذٌ من القَصِّ،
وهو القطع، أو من اقتصاص الأثرِ، وهو تَنَبُّعُه، لأنَّ المقتَصَّ يَتَبَّعُ جِنايةَ الجاني ليأخُذَ مِثْلَها،
يقال: اقتَصَّ من غریمِه، واقتَصَّ الحاكمُ لفلانٍ من فلانٍ.
قوله: ((وهي ﴿اَلْمَقَّةُ﴾)) الضَّميرُ للقيامة.
قوله: ((لأنَّ فيها الثَّوابَ، وحَواقَّ الأُمورِ، الحَقّةُ والحاقَةٌ واحدٌ)) هذا أَخَذَه من كلام
٣٩٦/١١ الفَرّاء، قال في ((معاني القرآن)): ﴿الْحَفَّةُ﴾: القيامة، سُمَّت بذلك لأنَّ فيها الثَّوابَ/ وحَواقَّ
الأُمور، ثمّ قال: والحقّةُ والحاقَةُ كلاهما بمعنى واحدٍ.
قال الطََّرَيّ: سُمّيَتِ الحاقّةَ لأنَّ الأُمورَ تُحُقُّ فيها، وهو كقولهم: ليلٌ قائمٌ.
وقال غيره: سُمّيَتِ الحاقّةَ لأنَّها أحقَّت لقوم الجنَّةَ ولقوم النارَ. وقيل: لأنَّها تُحاقق
الكفَّار الذينَ خالَفوا الأنبياء، يقال: حاقَقتُهُ فحَقَقْته، أي: خاصَمتُهُ فخَصَمتُه. وقيل: لأنَّها
حَقٌّ لا شَكَّ فیه.
قوله: ((وَ﴿اَلْقَارِعَةُ﴾)) هو معطوفٌ على الحاقّة، والمرادُ أنَّها من أسماءِ يومِ القيامة،
وسُمّيَت بذلك لأنَّها تَقرَعُ القلوبَ بأهوالها.
قوله: ((و﴿اَلْغَشِيَةِ﴾)) سُمَّت بذلك لأنَّها تَغْشَى الناسَ بإفزاعِها، أي: تَعُمُّهم بذلك.
قوله: ((و﴿الصَّفَّةُ﴾)) قال الطَّبَرِيُّ: أظنُّه من صَخَّ فلانٌ فلاناً: إذا أصَمَّه، وسُمّيَت
بذلك لأنَّ صَيحةَ القيامة مُسمِعةٌ لأُمورِ الآخرة ومُصِمّةٌ عن أُمور الدُّنيا، وتُطلَقُ الصّاخّةُ
أيضاً على الدَّاهية.
قوله: (﴿النَّغَابُنِ﴾: غَبَن أهلُ الجنَّة أهلَ النار)) غَبَنَ بفتح المعجَمة والموخَّدة بعدها نونٌ،
والسَّبَب في ذلك أنَّ أهلَ الجنَّة يَنْزِلونَ منازِلَ الأشقياءِ التي كانت أُعِدَّت لهم لو كانوا سُعَداءَ،