النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
باب ٤٣ / ح ٦٥١٨
كتاب الرقاق
قال النبيُّ ◌َّ: ((يَصْعَقُّ الناسُ حينَ يَصْعَقونَ، فأكونُ أوَّلَ مَن قامَ، فإذا موسى آخِذٌ بالعَرْشِ،
فما أدري أكان فيمَن صَعِقَ)).
رواه أبو سعيدٍ، عن النبيِّ وَله.
ثم ذكر المصنف حديث أبي هريرة: ((إنَّ الناس يَصعَقونَ))، وقد تقدَّم شرحُه في قصّة
موسى عليه السلام من أحاديث الأنبياء (٣٤٠٨)، وذكرتُ فيه ما نُقِلَ عن ابن حَزْمِ أنَّ
النَّفخ في الصّور يقعُ أربعَ مرَّاتٍ، وتَعقُّبَ كلامه في ذلك.
ثمَّ رأيت في كلام ابن العربيّ أنَّها ثلاث: نَفخةُ الفَزَع كما في الثَّمل، ونَفخةُ الصَّعْقِ كما
في الزُّمَر، ونَفخةُ البَعْث وهي المذكورة في الزُّهَر أيضاً.
﴿ إِلَا مَنْ
قال القُرطُبيُّ: والصَّحيح أنَّهما نَفخَتان فقط، لُبُوتِ الاستثناءِ بقوله تعالى:
ـه
شَآءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] في كلٍّ من الآيتين، ولا يَلزَم من مُغايرة الصَّعْقِ للفَزَع أن لا يَحِصُلا معٍ مِنِ
عمله
ثمَّ وجدت مُستَنَد ابن العربيّ في حديث الصّور الطَّويل، فقال فيه: ((ثمَّ يُنْفَخْ في الصُّورِ
ثلاث نَفَخات: نَفخة الفَزَعِ، ونَفخة الصَّعْق، ونَفخة القيام لرَبِّ العالمينَ)) أخرجه الطَّْرَيُّ
/F
النَّفخة الأولى.
هكذا مختصراً، وقد ذكرت أنَّ سنده ضعيف ومُضطَرِب.
وقد ثَبَتَ في ((صحيح مسلم)) (٢٩٤٠) من حديث عبد الله بن عَمْرو أنَّهما نَفخَتان،
ولفظه في أثناء حديث مرفوع: ((ثمَّ يُنفَخ في الصّور فلا يسمعُه أحدٌ إلّا أصغَى لِيتاً ورَفَعَ
لِيْتاً(١)، ثمَّ يُرسِل الله مَطَراً كأنَّه الطَّلُّ، فتَنْبُتُ منه أجسادُ الناس، ثمَّ يُنفَخ فيه أُخرى، فإذا
هم قيامٌ يَنظُرُونَ)).
وأخرج البيهقيُّ (٢) بسندٍ قويٍّ/ عن ابن مسعود موقوفاً: ثمَّ يقوم مَلَك الصُّور بين السماء ٣٧٠/١١
(١) أصغى: أمال، واللّيت بكسر اللام: صَفْحة العنق، وهي جانبه؛ ذكره النووي.
(٢) تقدم غير مرة أنَّ هذه الآثار يرويها البيهقي في كتاب ((البعث والنشور))، وهو مطبوع لكن ينقص منه
بعض الأحاديث سقطت من أصله الخطّي المعتمد، فلعلها يُعثَر عليها في أصوله الخطيّة الأخرى التي لم
. يعتمدها محقق المطبوع، وعلمنا أنها في ((البعث والنشور)) من خلال تقييد السيوطي لذلك في ((الدر
المنثور)) عند تخريجه للكثير من تلك الأحاديث التي لم نقف عليها في المطبوع. وهذا الأثر المذكور أخرجه =

٣٠٢
باب ٤٣ / ح ٦٥١٨
فتح الباري بشرح البخاري
والأرض فيَنفُخُ فيه، والصّور قَرْنٌ، فلا يبقى لله خلقٌ في السَّماوات ولا في الأرض إلّا ماتَ
إلّا مَن شاءَ رَبُّك، ثمَّ يكون بين النَّفْخَتَينِ ما شاءَ الله أن يكون.
وفي حديث أوسٍ بن أوسِ الثَّقفيِّ رَفَعَه: ((إنَّ أفضلَ أيامِكم يومُ الجمعة فيه الصَّعْقةُ
وفيه النَّفخة)) الحديثَ، أخرجه أحمد (١٦١٦٢)، وأبو داود (١٠٤٧)، والنَّسائيُّ (١٣٧٤)،
وصَحَّحَه ابن خُزَيمةَ (١٧٣٣)، وابن حِبّان (٩١٠)، والحاكم (٢٧٨/١).
وقد تقدَّم في تفسير سورة الزُّمَر (٤٨١٤) من حديث أبي هريرة: ((بين النَّفْخَتَيْنِ
أربعونَ)).
وفي كلِّ ذلك دلالةٌ على أنّهما نفختان فقط، وقد تقدَّم شرحُه هناك، وفيه شرح قول أبي
هريرةُ لُّمَّا قيل له: أربعونَ سنةً: أَبَيتُ، بالموخَّدة، ومعناه: امتَنَعتُ من تبينِه لأنني لا
أُعْلَمُه، فلا أخوضُ فيه بالرَّأي.
وقال القُرطُبيُّ في ((التَّذكِرة)): يحتمل قوله: امتَنَعتُ، أن يكون عنده علم منه، ولكنَّه لم
يُفْسِّرِه لأنَّه لم تَدعُ الحاجةُ إلى بيانه، ويحتمل أن يريد: امتَنَعتُ أن أسألَ عن تفسيره، فعلى
أحمد
الثّاني لا يكونُ عندَه عِلمٌ منه. قال: وقد جاء أنَّ بين النَّفْخَتَينِ أربعينَ عاماً.
قلت: وَقَعَ كذلك في طريقٍ ضعيفٍ عن أبي هريرة في ((تفسير ابن مَرْدويه)»، وأخرج
ابن المبارَك في ((الزَّقائقِ)) من مُرسَلِ الحسن: ((بين النَّفْخَتَينِ أربعونَ سنةً(١): الأولى يُميتُ الله
بها كلَّ حَيٍّ، والأُخرى يُحيي الله بها كلّ مَيِّت)).
ونحوه عند ابن مَرْدويه من حديث ابن عبّاس وهو ضعيف أيضاً، وعنده أيضاً ما
يدلُّ على أنَّ أبا هريرة لم يكن عنده عِلمٌ بالَّعيين، فأخرج عنه بسندٍ جيّدٍ أنَّه لمَّا قالوا:
= أيضاً نعيم بن حماد في ((الفتن)) (١٦٥٧)، وحنبل بن إسحاق في ((الفتن)) (٤٤)، والطبراني في ((الكبير))
(٩٧٦١)، والحاكم ٤٩٦/٤-٤٩٧ وغيرهم.
(١) لكن ورد في ((الدر المنثور)) للسيوطي عند تفسير الآية (٦٨) من سورة الزمر ما يخالفه، حيث خرَّج هذا
المرسل عن الحسن من عبد بن محُميد بلفظ: بلغني أنَّ رسول الله وَ ل﴿ه قال: ((بين النفختين أربعون» يقول
الحسن: فلا ندري أربعين سنة أو أربعين شهراً أو أربعين ليلة.

٣٠٣
كتاب الرقاق
أربعونَ ماذا؟ قال: هكذا سمعتُ.
وأخرج الطَّبَريُّ (٢٤/ ٣٢) بسندٍ صحيح عن فَتَادة، فذكر حديث أبي هريرة مُنقَطِعاً
ثمَّ قال: قال أصحابُه: ما سألناه عن ذلك ولا زادَنا عليه، غير أنَّهم كانوا يَرَونَ مِن رأيهم
أنَّهَا أربعونَ سنةً. وفي هذا تَعقُّبٌ على قول الحَلِيمِيّ: اتَّفَقَتِ الرِّوايات على أنَّ بين النَّفْخَتَيْنِ
أربعينَ سنةً.
قلت: وجاء فيما يُصنَعُ بالموتَى بين النَّفْخَتَينِ ما وَقَعَ في حديث الصّورِ الطَّويل أنَّ جميع
الأحياء إذا ماتوا بعد النَّفخة الأولى ولم يَبْقَ إلّا الله، قال سبحانَه: أنا الجَّارُ، لمن الملكُ اليومَ؟ فلا
يُحِيبُه أحدٌ، فيقول: لله الواحدِ القَهّار.
وأخرج النَّحاس من طريق أبي وائل عن عبد الله أنَّ ذلك يقع بعدَ الحَشرِ، ورَجَّحَه. ورَجَّحَ
القُرطُبيّ الأوَّل. ويُمكِنُ الجمعُ بأنَّ ذلك يقع مرَّتَين، وهو أَوْلى.
وأخرج البيهقيُّ من طريق أبي الزَّعْراء: كنّا عند عبد الله بن مسعود، فذكر الدَّجّالَ إلى
أن قال: ثمَّ يكونُ بين النَّفْخَتَينِ ما شاءَ الله أن يكونَ، فليس في بني آدمَ خلقٌ إلّا في الأرضِ
منه شيءٌ، قال: فيُرسِلُ الله ماءً من تحت العَرشِ فتَنَبُتُ جُسمائُهم ولُحْمانهم من ذلك الماء كما
تَنْبُتُّ الأرضُ من الرَّيّ، ورواته ثقاتٌ إلّا أنَّه موقوفٌ (١).
تنبيه: إذا تَقرَّرَ أنَّ النَّفْخةَ للخروج من القُبور فكيف يسمَعُها الموتَى؟ والجوابُ: يجوز
أن تكون نَفخةُ البَعْث تَطُولُ إلى أن يَتكامَلَ إحياؤُهم شيئاً بعدَ شيءٍ.
وتقدَّم الإلمامُ في قصَّة موسى (٣٤٠٨) بشيءٍ ثمّاً وَرَدَ في تعيينِ مَن استَئِنَى اللهُ تعالى في
قولِه تعالى: ﴿فَصَعِقَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَن فِ اُلْأَرْضِ إِلَّ مَنْ شَآءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨]، وحاصلُ
ما جاء في ذلك عشرةُ أقوالٍ:
الأوَّلُ: أنَّهم الموتَى كلَّهم لكَونِهِم لا إحساسَ لهم فلا يُصعَقونَ، وإلى هذا جَنَحَ القُرطُبُّ
في «المفهمِ)) وفيه ما فيه، ومُستنَدُه أنَّه لم يَرِدْ في تعيينِهم خبرٌ صحيحٌ.
(١) هذا الأثر هو قطعة من أثر طويل ذكر الحافظ رحمه الله قريباً قطعةً أخرى منه وقوَّى إسناده، وهنا تَوقَّف!

٣٠٤
باب ٤٣ / ح ٦٥١٨
فتح الباري بشرح البخاري
وتَعقَّبَه صاحبُهُ القُرطُبيُّ في ((التَّذكِرة)) فقال: قد صَحَّ فيه حديثُ أبي هريرة.
وفي ((الزّهد)) لهنّادِ بن السَّرِيّ عن سعيد بن جُبَير موقوفاً: هم الشَّهَداء. وسنده إلى سعيدٍ
صحيحٌ، وسأذكر حديث أبي هريرة في الذي بعدَه. وهذا هو القول الثّاني.
الثّالث: الأنبياءُ، وإلى ذلك جَنَحَ البيهقيُّ في تأويل الحديث في تجويزِه أن يكون موسى
٣٧١/١١ ممَّن استَثَنَى اللهُ، قال: ووجهُه عندي / أنَهم أحياءٌ عندَ رَبِّهِم كالشُّهَداء، فإذا نُفِخَ في الصّور
النَّفخةُ الأولى صَعِقوا، ثمَّ لا يكون ذلك موتاً في جميع معانيه إلّا في ذهاب الاستشعار.
وقد جَوَّزَ النبيّ ◌َ﴿ أن يكون موسى مَمَّن استَئِنَى اللهُ، فإن كان منهم فإنَّه لا يذهبُ
استشعارُه في تلكَ الحالة بسببٍ ما وَقَعَ له في صَعْقة الطُّور. ثمَّ ذكر أثر سعيد بن جُبَير في
الشُّهَداء، وحديث أبي هريرة عن النبيّ وَِّ: أنَّه سألَ جِبْرِيلَ عن هذه الآية: مَن الذينَ لم
يَشَأ الله أن يَصعَقوا؟ قال: هم شُهَداء الله عزَّ وجلَّ. صَخَّحَه الحاكم (٢٥٣/٢) ورواته
ثقاتٌ، وَرَجَّحَه الطََّريّ.
الرَّابع: قال يحيى بن سَلّام في «تفسيره)»: بَلَغَني أنَّ آخر مَن یبقی چِبْریلُ وميكائيل
وإسرافيلُ ومَلَك الموت، ثمَّ يموت الثلاثةُ، ثمَّ يقول الله لمَلَكِ الموت: مُت، فيموت.
قلت: وجاء نحوُ هذا مُسنَداً في حديث أنسٍ أخرجه البيهقيُّ وابن مَرْدويه بلفظ:
((فكان مَمَّن استَثْنَى اللهُ ثلاثةٌ جِبْرِيلُ وميكائيل ومَلَكُ الموتِ)) الحديثَ، وسندُه ضعيفٌ، وله
طريق أُخرى عن أنسٍ ضعيفةٌ أيضاً عند الطََّريّ (٢٨/٢٤) وابن مَرْدويه، وسياقه أتمّ.
وأخرج الطَّبَريُّ (٢٤/ ٢٨) بسندٍ صحيح عن إسماعيل السُّدِّيِّ ووَصَلَه إسماعيل بن
أبي زياد الشّاميّ في ((تفسيره)) عن ابن عبّاس مِثل يحيى بن سَلّام.
ونحوه عن سعيد بن المسيّب، أخرجه الطََّرِيُّ، وزاد: ليس فيهم حَلَةُ العَرشِ، لأنَّهم
فوقَ السَّماوات.
الخامس: يُمكِنُ أن يُؤْخَذ مَّا في الرَّابع.
السادس: الأربعة المذكورونَ وحَمَلةُ العَرش، وَقَعَ ذلك في حديث أبي هريرة الطّويل

٣٠٥
باب ٤٣ / ح ٦٥١٨
كتاب الرقاق
المعروف بحديثِ الصُّور، وقد تقدَّمَتِ الإشارةُ إليه وأنَّ سندَه ضعيفٌ مُضطَرِبٌ، وعن
كعب الأحبار نحوه، وقال: هم اثنا عشرَ، أخرجه ابن أبي حاتم، وأخرجه البيهقيُّ من طريق
زيد بن أسلَمَ مقطوعاً، ورجاله ثقاتٌ. وجَمَعَ في حديث الصُّور بين هذا القول وبين القول:
أَهم الشُّهَداء، ففيه: فقال أبو هريرة: يا رسول الله، فمَن استُثنيَ حينَ الفَزَع؟ قال: ((الشُّهَداء)»،
ثمَّ ذكر نَفْخةَ الصَّعْقِ على ما تقدَّم.
السابع: موسى وحدَه، أخرجه الطَّبَرَيُّ بسندٍ ضعيفٍ عن أنس وعن قَتَادة، وذَكَره
الثّعلَمُّ عن جابرٍ.
الثّامن: الولدانُ الذينَ في الجنَّة والحُورُ العِين.
التاسع: هم وخُزّان الجنَّة والنار وما فيها من الحيّات والعَقارب. حكاهما الثَّعلَبيُّ عن
الضَّحّاكِ بن مُزاحِمٍ.
العاشر: الملائكةُ كلُّهم، جَزَمَ به أبو محمَّد بن حَزْمٍ في ((الِلَلِ والنِّحَلِ)) فقال: الملائكةُ
أرواحٌ لا أرواحَ فيها، فلا يموتونَ أصلاً.
وأمَّا ما وَقَعَ عند الطَّبَريّ بسندٍ صحيح عن قَتَادة قال: قال الحسن: يَستَثني الله وما
يَدَعُ أحداً إلّا أذاقَه الموتَ. فيُمكِنُ أن يُعَدَّ قولاً آخرَ.
قال البيهقيُّ: استَضعَفَ بعضُ أهلِ النَّظَرِ أكثرَ هذه الأقوال، لأنَّ الاستثناءَ وَقَعَ من
سُكّان السَّماوات والأرضِ وهؤلاءٍ ليسوا من سُكّانها، لأنَّ العَرشَ فوقَ السَّماوات، فحَمَلَتُه
ليسوا من سُكّانها، وجِبْريلُ وميكائيل من الصّافّينَ حولَ العرش، ولأنَّ الجنَّةَ فوقَ السَّماوات،
والجنَّةَ والنارَ عالَمَان بانفرادِهما خُلِقَتا للبقاء.
ويدلُّ على أنَّ المستَثنَى غيرُ الملائكة ما أخرجه عبد الله بن أحمد في زَوائِدِ ((المسنَدِ))
(١٦٢٠٦)، وصَحَّحَه الحاكمُ(١) (٤/ ٥٦٠) من حديث لَقيط بن عامر مُطوَّلاً وفيه:
(تَلبَثُونَ ما لَبِثُم ثمَّ تُبعَث الصّائحة، فَلَعَمْرُ إِلهِك ما تَدَعُ على ظهرها من أحدٍ إلّا
(١) لكن إسناده مسلسل بالمجاهيل كما بيَّناه في ((المسند)).

٣٠٦
باب ٤٤ / ح ٦٥١٩-٦٥٢١
فتح الباري بشرح البخاري
مات، حتَّى الملائكة الذينَ مع رَبِّك)).
قوله في رواية أبي الزِّناد، عن الأعرَج: «فما أدري أكان فيمَن صَعِقَ؟)) كذا أورَدَه مختصراً
وبَقيّتُه: ((أم لا))، أورَدَه الإسماعيليُّ من طريق محمَّد بن يحيى عن شيخ البخاريِّ فیه.
قوله: ((رواه أبو سعيد)) يعني الْخُذْريَّ ((عن النبيّ ◌َّ)) يعني: أصل الحديث، وقد تقدَّم
موصولاً في كتاب الإشخاص (٢٤١١)، وفي قصّة موسى من أحاديث الأنبياء (٣٤٠٨)،
وذکرتُ شرحَه في قصَّة موسی أيضاً.
٤٤- بابٌ يقبض الله الأرض يومَ القيامة
رواه نافعٌ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ ێ.
٦٥١٩- حدَّثنا محمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا يونسُ، عن الزّهْريِّ، حدَّثني
سعيدُ بنُ المسيّبِ، عن أبي هريرةَ عُه، عن النبيِّ وَّةِ، قال: ((يَقْبِضُ اللهُ الأرضَ، ويَطْوي السماءَ
بِيَمِينِه، ثمَّ يقول: أنا الَلِكُ أينَ ملوكُ الأرضِ؟».
٦٥٢٠ - حدّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّثُ، عن خالدٍ، عن سعيدِ بنِ أبي هلالٍ، عن زيدِ
ابنِ أسلَمَ، عن عطاءِ بنِ يَسارٍ، عن أبي سعيدِ الخُدْرِيِّ، قال النبيُّ وَّةَ: ((تكونُ الأرضُ يومَ
القيامةِ خُبْزَةً واحدةً يَتَكَفَّؤُها الجَبَارُ بَيَدِه، كما يَكْفَأُ أحدُكم خُبْزَتَه فِي السَّفَرِ نُزُلاً لأهلِ الجنَّةِ»،
فأتى رجلٌ منَ اليهودِ، فقال: بارَكَ الرَّحمنُ عليكَ يا أبا القاسم، ألا أُخبِرُكَ بنُزُلِ أهلِ الجنَّةِ يومَ
القيامةِ؟ قال: (بَلَى)) قال: تكونُ الأرضُ خُبْزَةً واحدةً، كما قال النبيُّ وَّهِ، فَنَظَرَ النبيُّ وَّل إلينا،
ثمَّ ضَحِكَ حتَّى بَدَت نَواجِذُه، ثمّ قال: ألا أُخبِرُكَ بإدامِهم؟ قال: إدامُهم بالامٌ ونونٌ، قالوا:
ما هذا؟ قال: ثَوْرٌ ونونٌ، يأكلُ من زائدةٍ كَبِدِهما سبعون ألفاً.
٦٥٢١ - حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ، أخبرنا محمَّدُ بنُ جعفٍ، قال: حدَّثني أبو حازمٍ، قال:
سمعتُ سَهْلَ بنَ سعدٍ، قال: سمعتُ النبيَّ نَّ ال يقول: ((يُحْشَرُ الناسُ يومَ القيامةِ على أرضٍ بيضاءَ
عَفْراءَ كَقُرْصٍ نَقِيٌّ)). قال سَهْلٌ، أو غيرُه: ((ليس فيها مَعْلَمٌ لِأَحدٍ)).

٣٠٧
كتاب الرقاق
/ قوله: ((بابٌ يَقْبِضُ الله الأرضَ يومَ القيامةِ)) لمَّا ذكر ترجمةَ نَفْخ الصّور أشارَ إلى ما وَقَعَ ٣٧٢/١١
في سورة الزُّمَرِ قبلَ آيَة النَّفْخِ: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُّهُ يَوْمَ
اَلْقِيَامَةِ﴾ الآيةَ [الزمر: ٦٧]، وفي قوله تعالى: ﴿فَإِذَانُفِخَ فِ الصُّورِ نَفْخَةٌ وَحِدَةٌ (٢) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ
وَالْجِبَالُ فَدُ كَتَادَكَةُ وَحِدَةً ﴾ [الحاقة: ١٣ - ١٤] ما قد يُتَمَسَّك به أنَّ قَبِضَ السَّماوات والأرضِ يقعُ
بعدَ النَّفْخِ في الصّورِ أو معه، وسيأتي.
قوله: ((رواه نافعٌ، عن ابن عمر، عن النبيّ ◌َّ) سَقَطَ هذا التَّعليقُ هنا في رواية بعض شيوخٍ
أبي ذرِّ، وقد وَصَلَه في كتابِ التَّوحيدِ (٧٤١٢)، ويأتي شرحُه هناك إن شاءَ الله تعالى.
ثم ذکر في الباب ثلاثة أحاديث:
الحديث الأول: قوله: ((عبد الله)) هو ابن المبارك، ویونس: هو ابن یزیدَ.
قوله: ((عن أبي سَلَمة(١)) كذا قال يونس، وخالَفَه عبد الرَّحمن بن خالد فقال: عن
الزُّهْريِّ عن سعيد بن المسيّب، كما تقدَّم في تفسير سورة الزّمَر، وهذا الاختلافُ لم يَتعرَّض
له الدَّارَ قُطْنيُّ في «العِلَل)).
وقد أخرج ابن خُزَيمةَ في كتاب «التَّوحيد)) (١٦٦/١ و١٦٧) الطَّريقَينِ، وقال: هما
محفوظان عن الزُّهْريّ، وسأُشبِعُ القولَ فيه إن شاء الله تعالى في كتابِ التَّوحيدِ مع شرح الحديث
إن شاء الله تعالى، وأقتَصِرُ هنا على ما يَتَعلَّقُ بتَبديلِ الأرضِ لمُناسَبة الحال.
قوله: ((يَقْبِضُ اللهُ الأرضَ ويَطْوي السماءَ بيمينه)) زاد في رواية ابن وَهْبٍ عن يونس (٧٣٨٢):
((يومَ القيامة)).
قال عِيَاضٌ: هذا الحديثُ جاء في ((الصَّحيح)) على ثلاثة ألفاظٍ: القَبضُ والطَّيُّ والأخذ،
(١) كذا قال الحافظ، وهو وهمٌ منه رحمه الله، لأنَّ الذي في إسناد الحديث هنا إنما هو سعيد بن المسيب وليس
أبو سلمة، كذلك رواية يونس بن يزيد هنا وفيما سيأتي برقم (٧٣٨٢)، وأما رواية عبد الرحمن بن خالد
ابن مسافر فهي بذكر أبي سلمة، وقد تقدمت عند البخاري برقم (٤٨١٢) فالأمر على عكس ما قال
الحافظ هنا. وأما جزم الحافظ بأنَّ الدارقطني لم يتعرض لهذا الحديث في ((العلل)) فخطأ، لأنه ذكره في
السؤال رقم (١٤٢١) منه.

٣٠٨
باب ٤٤ / ح ٦٥٢١
فتح الباري بشرح البخاري
وكلَّها بمعنى الجمع، فإنَّ السَّماوات مبسوطةٌ والأرضَ مَدحوّةٌ ممدودةٌ، ثمَّ رَجَعَ ذلك إلى
معنى الرَّفع والإزالة والتَّبديل، فعادَ ذلك إلى ضَمِّ بعضِها إلى بعض وإبادَتِها، فهو تمثيلٌ
٣٧٣/١١ لصِفَة قَبضٍ هذه المخلوقات وجمعِها بعدَ بَسطِها وتَفرُّقها، دلالة على المقبوض والمبسوط/ لا
على البَسطِ والقَبض، وقد يحتمل أن يكون إشارةً إلى الاستيعاب. انتهى. وسيأتي مزيدُ بیانٍ
لذلك في کتاب النّوحیدِ إن شاء الله تعالی.
وقد اختُلِفَ في قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]،
هل المرادُ ذاتُ الأرضِ وصِفَتُها أو تَبديل صِفَتها فقط؟ وسيأتي بيانُه في شرح ثالث أحاديثٍ
هذا الباب إن شاء الله تعالى.
الحديث الثاني: قوله: ((عن خالد)) هو ابن يزيدَ، وفي رواية شُعَيب بن اللَّيث عن أبيه:
حدَّثني خالد بن يزيدَ(١)، والسَّنَدُ كلُّه بصريّونَ إلى سعيدٍ، ومنه إلى مُنتَهاه مَدَنيّونَ.
قوله: ((تكونُ الأرضُ يومَ القيامةِ) يعني: أرض الدُّنيا (خُبزة) بضمِّ الخاء المعجمة وسكون
الموحّدة وفتح الزّاي. قال الخطَّبيُّ: الخبزة: الطُّلمة، بضمِّ المهمَلة وسكون اللّام، وهو
عَجينٌ يوضَعُ في الحفرة بعد إيقادِ النار فيها، قال: والناس يُسمّونَها الملّةَ، بفتح الميم وتشديد
اللّام، وإنَّما الملّةُ الحُفرةُ نفسُها.
قوله: ((يَتَكَفَّؤُها الجَبّارُ)) بفتح المثنّاة والكاف وتشديد الفاء المفتوحة بعدها همزةٌ، أي: يُميلُها،
مِن كَفَأْتُ الإناءَ: إذا قَلَبْتَه، وفي رواية مسلمٍ (٢٧٩٢): ((يَكفَؤُها)» بسكونِ الكاف.
قوله: ((كما يَكْفَأُ أحدُكم خُبْزَتَه في السَّفَرِ)) قال الخطّبيُّ: يعني خُبزَ الملّة الذي يصنعُه المسافرُ،
فإنَّهَا لا تُدحَى كما تُدحَى الزُّقاقةُ، وإنَّما تُقَلَّبُ على الأيدي حتَّى تَستَويَ، وهذا على أنَّ السَّفَرَ،
بفتح المهمَلة والفاء، ورواه بعضُهم بضمٍّ أوَّلِه جمع سُفرة، وهو الطَّعام الذي يُتَّخَذ للمُسافِ،
ومنه سُمّيَتِ السُّفرة.
قوله: ((نُزُلاً لأهلِ الجنَّةِ)) النُّزُلُ، بضمِّ النُّون والزاي وقد تُسكّن: ما يُقدَّمُ للضَّيفِ وللعسكر،
(١) هي رواية مسلم (٢٧٩٢).

٣٠٩
باب ٤٤ / ح ٦٥٢١
كتاب الرقاق
يُطلَق على الرِّزق وعلى الفَضْل، ويقال: أصلَحَ للقوم نُزُلهم، أي: ما يَصلُحُ أن يَنزِلوا عليه
من الغذاء، وعلى ما يُعَجَّلُ للضَّيفِ قبل الطَّعام، وهو اللّائقُ هنا.
قال الدَّاوُوديُّ: المرادُ أنَّه يأكل منها مَن سَيصيرُ إلى الجنَّة من أهل المحشَر، لا أنَّهم لا
يأكلونَها حتَّى يَدخُلوا الجنَّةَ. قلت: وظاهرُ الخيرِ يُخالفُه، وكأنَّه بَنَى على ما أخرجه الطََّرِيُّ
عن سعيد بن جُبَير قال: تكون الأرض خُبزةً بيضاءَ يأكلُ المؤمنُ من تحتٍ قَدَمَيه. ومن
طريق أبي مَعشَرٍ عن محمَّد بن كعبٍ أو محمَّد بن قيسٍ نحوه.
وللبيهقيِّ بسندٍ ضعيفٍ عن عِكْرمةَ: تُبدَّلُ الأرضُ مِثلَ الخبزة يأكل منها أهلُ الإسلام
حتَّى يَفرُغوا من الحِساب. وعن أبي جعفر الباقرِ نحوه. وسأذكر بقيَّة ما يَتَعلَّق بذلك في
الحدیث الذي بعده.
ونَقَلَ الطِّييُّ عن البَيْضاويّ: أنَّ هذا الحديثِ مُشكِلٌ جدّاً، لا من جهة إنكار صُنع الله
وقُدرَتِه على ما يَشاءُ، بل لِعَدَمِ التَّوقيفِ على قلبٍ جِرْمِ الأرضِ من الطّبْع الذي عليه إلى
طَبع المطعومِ والمأكول، مع ما ثَبَتَ في الآثار أنَّ هذه الأرضَ تَصيرُ يومَ القيامة ناراً وتَنضَمُّ
إلى جَهَنَّمَ، فلعلَّ الوجهَ فيه أنَّ معنى قوله: خُبزةً واحدةً، أي: كَخُبزةٍ واحدةٍ من نَعِتِها كذا وكذا،
وهو نَظير ما في حديث سهلٍ - يعني المذكور بعده -: كَقُرصة النَّقي، فضَرَبَ المثَل بها لاستدارَتها
وبياضها، فضربُ المثَلِ في هذا الحديث بخُبزةٍ تُشبِهِ الأرضَ في مَعنْيَين:
أحدُهما: بيان الهيئة التي تكون الأرض عليها يومَئذٍ.
والآخر: بيان الخبزة التي يُهَيُِّها الله تعالى نُزُلاً لأهلِ الجنَّة، وبيان عِظَم مِقدارها ابتداعاً
واختراعاً.
قال الطِّبيُّ: وإِنََّا دَخَلَ عليه الإشكالُ لأنَّه رأى الحديثَينِ في بابِ الحَشِرِ فظنَّ أنَّهما
لشيءٍ واحدٍ، وليس كذلك، وإنَّما هذا الحديث من بابٍ وحديثُ سهلٍ من بابٍ، وأيضاً
فالتَّشبيه لا يَسْتَلِزِمُ المشارَكةَ بين المشَبَّه والمشَبَّ به في جميع الأوصاف، بل يكفي حُصولُه في
البعض، وتقريرُه أنَّ شَبَّهَ أرضَ الحَشرِ بالخبزة في الاستواءِ والبياض، وشَبَّهَ أرضَ الجنَّة في

٣١٠
باب ٤٤ / ح ٦٥٢١
فتح الباري بشرح البخاري
كَونِها نُزُلاَ لأهلِها ومُهَيَّأةً لهم تَكرِمةً، بعُجالة الرَّاكِبِ زاداً يَقنَعُ به في سفره.
قلت: آخر كلامه يُقرِّرُ ما قال القاضي: أنَّ كَون أرض الدُّنيا تَصير ناراً محمولٌ على حقیقَتِهِ،
وأنَّ كَونَها تَصير خُبزةً يأكل منها أهل الموقِف محمولٌ على المجاز. والآثار التي أوردتها عن
٣٧٤/١١ سعيد بن جُبَير وغيره تَرُدُّ عليه، والأَوْلِى الْحَملُ على الحقيقة مهما أمكنَ، وقُدرةُ/ الله تعالى
صالحةٌ لذلك، بل اعتقادُ كَونِه حقيقةً أبلَغُ(١).
ويُستَفاد منه أنَّ المؤمنينَ لا يُعاقَبونَ بالجوع في طول زمان الموقِف، بل يَقلِبُ الله لهم
بقُدرَتِهِ طَبعَ الأرضِ حتَّى يأكلوا منها من تحت أقدامهم ما شاءَ الله بغير عِلاج ولا ◌ُلفةٍ،
ويكون معنى قوله: ((نُزُلاً لأهلِ الجنَّة)) أي: الذينَ يصيرونَ إلى الجنَّة، أعَمَّ من كَونِ ذلك يقعُ
بعدَ الدُّخولِ إليها أو قبلَه، والله أعلم.
قولُهُ: ((فأتى رجلٌ)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: فأتاه.
قوله: ((من اليهودِ) لم أقِفْ على اسمِه.
قوله: ((فَظَرَ النبيُّ ◌َ إلينا، ثمَّ ضَحِكَ)) يريدُ أنَّه أعجَبَه إخبارُ اليهود عن كتابِهِم بنَظير
ما أخبر به من جهة الوحي، وكان يُعجِبُهُ موافَقَةُ أهلِ الكتابِ فيما لم يُنزَل عليه (٢)، فكيفَ
بِمُوافَقَتِهِم فيما أُنزِلَ عليه.
قوله: (حتَّى بَدَت نَواجِذُه) بالنّونِ والجيم والذّال المعجَمة: جمعُ ناجِذٍ، وهو آخر الأضراس،
ولكلٍّ إنسانٍ أربعُ(٣) نَواجِذَ، وتُطلَقُ النَّواجِذُ أيضاً على الأنيابِ والأضراس.
قوله: «ثمّ قال» في رواية الگُشْمِیھنیّ: فقال.
(١) زاد بعد هذا في (س) عبارة: وكون أهل الدنيا، هكذا جاءت مقطوعة، ولم ترد في الأصلين، فلذلك
حذفناها.
(٢) يشير إلى حديث عبد الله بن عباس المتقدم عند البخاري برقم (٣٥٥٨) قال: وكان رسول الله،وَ له يحبُّ
موافقة أهل الكتاب فیما لم يؤمر فيه بشيءٍ.
(٣) كذا ذكّر العدد هنا مع أنَّ الناجذ مذكّر أيضاً، وقد يجوز ذلك على تأويل الناجذ بالسنّ، والله أعلم.

٣١١
باب ٤٤ / ح ٦٥٢١
كتاب الرقاق
قولُهُ: ((ألا أُخْبِرُك؟)) في رواية مسلم: ألا أُخبِرُكم؟.
قولُهُ: ((بإداِهم)) أي: ما يُؤْكَلُ به الخبز.
قوله: ((بالَامٌ)): بفتح الموحّدة بغير همزٍ.
وقولُهُ: ((ونُونٌ)) أي: بلفظ أوَّل السّورة.
قوله: ((قالوا)) أي: الصحابةُ، وفي رواية مسلمٍ: فقالوا.
قوله: «ما هذا؟)» في رواية الگُشْمِيهنيّ: وما هذا؟ بزيادة واوٍ.
قوله: ((قال: ثَوْرٌ ونونٌ)) قال الخطَّبيُّ: هكذا رَوَوه لنا، وتأمَّلتُ النُّسَخَ المسموعةَ من
البخاريِّ من طريق حمَّد بنِ شاكرٍ وإبراهيمَ بن مَعقِلٍ والفِرَبريّ، فإذا كلّها على نحوٍ واحدٍ.
قلت: وكذا عند مسلم، وكذا أخرجه الإسماعيليّ وغيره.
قال الخطَّبيُّ: فأمَّا نونٌ: فهو الحوتُ، على ما فُسِّرَ في الحديث، وأمَّا بالامُ فدَلَّ التَّفسيرُ
من اليهوديِّ على أنَّه اسمٌ للثّور، وهو لفظٌ مُبهَمٌ لم يَنتَظِم، ولا يَصِحُّ أن يكون على التَّفْرِقة
اسماً لشيءٍ، فيُشبِهِ أن يكونَ اليهوديُّ أراد أن يُعَمّيَ الاسمَ، فقطَعَ الهِجاء وقَدَّمَ أحدَ
الحرفَين، وإنَّما هو في حَقِّ الهِجاءِ: لام ياء، هِجاء: لَأَى بوزن لَعَا، وهو الثَّور الوحشيّ
وجمعُه ألْآء بثلاثِ هَمَزاتٍ وزن أجبال، فصَخَّفوه فقالوا: بالامٌ، بالموخَّدة، وإنَّما هو بالياءِ
آخِرِ الحروفِ وكَتَبوه بالهِجاءِ فأشكَلَ الأمر. هذا أقرَبُ ما يقع لي فيه إلّا أن يكون إِنَّا عَبَّرَ
عنه بلسانه، ويكون ذلك بلسانهم، وأكثر العِبرانيَّة فيما يقوله أهلُ المعرفة مقلوبٌ عن
لسان العرب، بتقديم في الحروفِ وتأخيرٍ، والله أعلمُ بصِخَّتِهِ.
وقال عِيَاض: أورَدَ الحُميديُّ في اختصاره - يعني ((الجمع بين الصحيحين)) - هذا الحديث
بلفظ: باللَّأَى، بكسر الموخَّدة وألِفٍ وصلٍ ولام ثقيلة بعدها همزة مفتوحة خفيفة، بوزنٍ
الرَّحَى، واللَّأَى: الثَّورُ الوحشيُّ. قال: ولم أرَ أحداً رواه كذلك فلعلَّه من إصلاحه، وإذا كان
هكذا بَقِيَتِ الميمُ زائدةً إلّا أن يُدَّعَى أنَّهَا حُرِّفَت عن الياء المقصورة، قال: وكلّ هذا غيرُ مُسَلَّم
لما فيه من التكلُّفِ والتَّعَشُّف.

٣١٢
باب ٤٤ / ح ٦٥٢١
فتح الباري بشرح البخاري
قال: وأَوْلى ما يقال في هذا أن تَبقَى الكلمةُ على ما وَقَعَ في الرّواية، وتُحمَّلُ على أنَّها
عِبرانيَّةٌ، ولذلك سألَ الصحابةُ اليهوديَّ عن تفسيرها، ولو كانت اللَّأى لَعَرَفوها لأنَّها من
لسانهم.
وجَزَمَ النَّوويُّ بهذا فقال: هي لَغْظةٌ عِبرانيَّةٌ معناها ثَورٌ.
قوله: ((يأكل من زائدة كَبِدِهما سبعون ألفاً» قال عِيَاضٌ: زيادةُ الكَبِدِ وزائدَتُها: هي
القِطعةُ المنفَرِدةُ المتعلِّقَةُ بها، وهي أطيبُه، ولهذا خُصَّ بأكلِها السَّبعونَ ألفاً، ولعلَّهم الذينَ
يَدخُلُونَ الجنَّةَ بغيرِ حِسَابٍ فُضِّلوا بأطيَبِ النُّؤُل، ويحتمل أن يكون عَبَّرَ بالسَّبعينَ عن
العَدَدِ الكثير ولم يُرِدِ الخَصرَ فيها.
وقد تقدَّم في أبواب الهجرة قُبيل المغازي في مسائل عبد الله بن سَلَام (٣٩٣٨): أنَّ أوَّل
٣٧٥/١١ طعام يأكله أهل الجنَّة زيادة كَبِد / الحوت، وأنَّ عند مسلم (٣١٥) في حديث ثوبانَ: «تُحفةُ
أهل الجنَّة زيادةُ كَبِد النّونِ))، وفيه: ((غِذاؤُهم على أثرها أن يُنحَرّ لهم ثَورُ الجنَّة الذي كان
يأكلُ من أطرافها))، وفيه: ((وشرابُهم عليه من عينٍ تُسمَّى سَلْسبيلاً)).
وأخرج ابن المبارَك في ((الزُّهد))(١) بسندٍ حسنٍ عن كعب الأحبار: أنَّ الله تعالى يقول
لأهلِ الجنَّة إذا دخلوها: إنَّ لكلِّ ضَيفٍ (٢) جَزُوراً، وإنّ أجزُرُكم اليومَ حوتاً وثَوراً،
فيُجَزَرُ لأهلِ الجنَّة.
الحديث الثالث: قوله: ((محمَّد بن جعفر)) أي: ابن أبي كثيرٍ، وأبو حازم: هو سَلَمةُ بنُ
دینار.
قوله: ((يُحْشَرُ الناسُ)) بضمٍّ أوَّلِه.
(١) لم يخرّجه ابن المبارك في ((الزهد))، لكن أخرجه نعيم بن حماد في زياداته على ((الزهد» لابن المبارك (٤٣٢) من
روايته عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير، عن أبي العوّام مؤذن إيلياء أنه سمع كعباً يقول
فذكره. وفي نعیم وابن لهيعة کلام معروف، فالحكم على خبر هما بأنه حسنٌ غیر حسنِ.
(٢) تحرَّف في (أ) إلى: ضعف، وسقطت اللفظة من (ع) فصارت: لكل جزوراً، وجاءت على الصواب في
(س).

٣١٣
باب ٤٤ / ح ٦٥٢١
كتاب الرقاق
قوله: ((أرض عَفْراء(١)) قال الخطّابِيُّ: العَفَر: بياضٌ ليس بالناصع.
وقال عِيَاضُ: العَفَر: بياضٌ يَضرِبُ إلى حُمرةٍ قليلاً، ومنه سُمّيَ عَفَرِ الأرضِ، وهو
وجهها.
و
وقال ابنُ فارسٍ: معنى عَفْراء: خالصةُ البياض.
وقال الدَّاوُوديُّ: شديدة البياض. كذا قال، والأوَّل هو المعتمَد.
قوله: (كَقُرْصَةِ النَّقَيِّ(٢)) بفتح النّونِ وكسر القاف، أي: الدَّقيق النَّقَيِّ من القِشْر(٣)
والنُّخّال. قاله الخطَّابيّ.
قوله: ((قال سَهْل - أو غيره -: ليس فيها مَعْلَم لأحدٍ)» هو موصولٌ بالسَّنَدِ المذكور،
وسهلٌ: هو راوي الخبر، و((أو)) للشَّكِّ، والغير المبهم لم أقِفْ على تسميته.
ووَقَعَ هذا الكلامُ الأخيرُ لمسلمٍ من طريق خالدِ بن ◌َلَد عن محمَّد بن جعفر مُدرَجاً
بالحديث، ولفظه: ((ليس فيها عَلمٌ لأحدٍ))، ومثله لسعيد بن منصور عن ابن أبي حازم عن
أبيه.
والعَلَم والمَعلَمُ بمعنَى واحدٍ، قال الخطَّبيُّ: يريد أنَّهَا مُستَويةٌ.
والمَعلَم بفتح الميم واللّم بينهما مُهمَلةٌ ساكنةٌ: هو الشَّيءُ الذي يُستَدَلّ به على
الطَّريق.
وقال عِيَاض: المراد أنَّها ليس فيها علامة سُكنَى ولا بناء ولا أثر، ولا شيء من العلامات
التي يُهْتَدَى بها في الطََّقات، كالجبلِ والصَّخرة البارزة.
(١) في اليونينية دون حكاية خلاف بين رواه البخاري: أرضٍ بيضاءَ عفراءَ.
(٢) كذا وقع للحافظ رحمه الله معرّفاً بأل التعريف، والذي في اليونينية دون حكاية خلاف بين رواه البخاري:
نقيّ، غیر معرّف.
(٣) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: الغش. وصوّبناه من ((أعلام الحديث)) للخطابي ٢٢٦٨/٣.

٣١٤
فتح الباري بشرح البخاري
وفيه تعريضٌ بأرضِ الدُّنيا، وأنَهَا ذَهَبَت وانقَطَعَتِ العَلَاقَةِ(١) منها.
وقال الدَّاوُوديُّ: المراد أنَّه لا يَجوز أحدٌ منها شيئاً إلّا ما أدرَكَ منها.
وقال أبو محمَّد بن أبي جَمْرة: فيه دليل على عظيم القُدرة والإعلام بجُزئيّات يومٍ
القيامة، ليكونَ السامعُ على بصيرةٍ فيُخلِّص نفسه من ذلك الهَول، لأنَّ في مَعرِفة جُزئيّات
الشَّيءٍ قبلَ وقوعِه رياضةَ النَّس، وحَمْلَها على ما فيه خَلاصُها، بخِلَاف مَجَيء الأمر بَغتةً،
وفيه إشارة إلى أنَّ أرض الموقف أكبر من هذه الأرض الموجودة جدّاً، والحكمة في الصّفة
المذكورة أنَّ ذلك اليوم يومُ عَدلٍ وظُهورِ حَقٍّ، فاقتَضَتِ الحكمة أن يكونَ المحَلُّ الذي يقع
فيه ذلك طاهراً عن عمل المعصية والظُّلم، وليكونَ تَجَلّيه سبحانَه على عباده المؤمنينَ على
أرضٍ تَليقُ بعَظَمته، ولأنَّ الْحُكم فيه إنَّما يكون الله وحدَه، فناسَبَ أن يكون المحَلُّ خالصاً
له وحدَه، انتهى مُلخَّصاً.
وفيه إشارةٌ إلى أنَّ أرض الدُّنيا اضمَحَلَّت وأُعِدِمَت، وأنَّ أرض الموقِف تُجدَّد.
وقد وَقَعَ للسَّلَفِ في ذلك خِلاف في المراد بقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ
وَالسَّمَوَتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]: هل معنى تَبديلِها تغييرُ ذاتها وصفاتها، أو تغيير صفاتها فقط؟
وحديث الباب يُؤْيِّد الأوَّل.
وأخرج عبد الرَّزّاق(٢) وعبد بن حُميدٍ والطَّبَريّ (٢٤٩/١٣ -٢٥٠) في ((تفاسيرهم))،
والبيهقيُّ في ((البعث))(٣) من طريق عَمْرو بن ميمون عن عبد الله بن مسعود في قوله تعالى:
﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ الآيةَ، قال: تُبدَّلُ الأرض أرضاً كأنَّهَا فِضّةٌ لم يُسفَك فيها
(١) في الأصلين و(س): العلاقة، وسياق الكلام يدل على أنها العلامة وليس العلاقة، والله أعلم.
(٢) رواية عبد الرزاق في ((تفسيره)) ١/ ٣٤٤ عن الثوري عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون من قوله.
وانظر لزاماً روايات الطبري للأثر ٢٤٩/١٣ -٢٥٠.
(٣) تحرف في الأصلين و(س) إلى: ((الشعب))، وإنما هو في ((البعث)) كما قيده السيوطي في (الدر المنثور)) لأنَّ مثل هذه
الأخبار يروبها البيهقي في ((البعث))، وليس في ((الشعب)) ولأننا لم نقف عليه في ((الشعب))، وكذلك لم نقف عليه
في «البعث)) لما قدمناه أنه سقط من مطبوعته بعض الأحاديث والله تعالى أعلم.

٣١٥
باب ٤٤ / ح ٦٥٢١
كتاب الرقاق
دَمٌ حرام، ولم يُعمَل عليها خطيئة. ورجاله رجال الصَّحيح، وهو موقوف، وأخرجه البيهقيُّ
من وجه آخر مرفوعاً، وقال: الموقوف أصحّ.
وأخرجه الطَّبَرِيُّ (١٣/ ٢٥٠) والحاكم (١) من طريق عاصم عن زِرّ بن حُبَيْشٍ عن ابن
مسعود بلفظ: أرض بيضاء كأنَها سَبيكةُ فِضّةٍ. ورجاله موثَّقونَ أيضاً.
ولأحمد(٢) من حديث أبي أيوب: أرض كالفِضّة البيضاء، قيل: فأين الخلقُ يومَئذٍ؟ قال: ((هم
أضياف الله لن يُعجِزَهم ما لَدَيه)).
ولِلطَّبَرِيِّ (٢٥٠/١٣) من طريق سِنان بن سعد عن أنس مرفوعاً (٣): يُبدِّلها الله بأرضٍ
من فِضّةٍ لم يُعمَل عليها الخَطايا. وعن عليٍّ (٢٥١/١٣) موقوفاً نحوه.
ومن طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد: أرضٌ كأنَّهَا فِضّةٌ والسَّماوات كذلك. وعن عليّ:
والسَّماوات من ذهبٍ. وعند عبدٍ من طريق الحَكَم بن أبانَ عن ◌ِكْرمة / قال: بَلَغَنا أنَّ هذه ٣٧٦/١١
الأرض - يعني أرض الدُّنيا - تُطوى وإلى جنبها أُخرى يُشَرُ الناسُ منها إليها.
وفي حديث الصّور الطَّويل(٤): «تُبدَّلُ الأرضُ غيرَ الأرضِ والسَّماواتُ، فَيَسُطُها ويَسْطَحها
ويَمُدّها مَدّ الأديم العُكَاظِيّ لا تَرَى فيها ◌ِوجاً ولا أمْتاً، ثمَّ يَزجُر الله الخلق زَجرةً واحدةً، فإذا
هم في هذه الأرض المبدَّلة في مثل مواضعهم من الأُولى، ما كان في بطنها كان في بطنِها، وما كان
على ظهرها كان عليها، انتهى.
(١) رواية الحاكم ٤/ ٥٧٠ من طريق هبيرة بن يَریم عن ابن مسعود.
(٢) كذا عَزاه الحافظ هنا لأحمد، ومن بعد السيوطي في ((الدر المنثور)) عند تفسير الآية (٤٨) من سورة
إبراهيم، ولم نقف عليه في ((مسند أحمد))، ولم يذكره الحافظ في ((أطراف المسند))، ولا في ((إتحاف المهرة))
فالظاهر أنه في بعض كتبه الأخرى، وزاد السيوطي نسبته لابن جرير وابن أبي حاتم، وهو عند ابن جرير
٢٥٣/١٣-٢٥٤، وعند ابن أبي حاتم ٢٢٥٣/٧.
(٣) كذا قال الحافظ رحمه الله، وإنما هو عند الطبري في موضعين ٢٥٠/١٣ و٢٥١، وعند عثمان بن سعيد
الدارمي في (الردّ على الجهمية)) (١٤١) موقوفاً على أنس من قوله.
(٤) خرّجه الحافظ في الباب السابق.

٣١٦
باب ٤٤ / ح ٦٥٢١
فتح الباري بشرح البخاري
وهذا يُؤخَذ منه أنَّ ذلك يقع عَقِب نَفخة الصَّعْق بعد الحَشر الأوَّل، ويُؤيِّده قوله تعالى:
﴿وَإِذَا الْأَرَضُ مُدَّتْ ل وَأَلْقَتْ مَا فِهَا وَتَحَلَّتْ﴾ [الانشقاق: ٣ - ٤].
وأمَّا مَن ذهب إلى أنَّ التَّغيير إنَّما يقع في صفات الأرض دونَ ذاتها، فمُستَنَدُه ما أخرجه
الحاكم (٤ / ٥٧٥) عن عبد الله بن عَمْرو قال: إذا كان يوم القيامة مُدَّتِ الأرض مَدَّ الأَدِيمِ
وحُشِرَ الخلائق. ومن حديث جابر رَفَعَه (٤/ ٥٧٠): ((تُمَدُّ الأرضُ مَدَّ الأديم، ثمَّ لا
يكون لابنِ آدم منها إلّا موضع قَدَمَيه))، ورجاله ثقاتٌ إلّا أنَّه اختُلِفَ على الزّهْرِيِّ في
صحابِّه.
ووَقَعَ في ((تفسير الكَلْبِيِّ)) عن أبي صالح عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ
غَيِّرَ الْأَرْضِ﴾ قال: يُزاد فيها ويُنقَصُ منها، وتَذْهَبُ آكامُها وجبالها وأوديَتُها وشَجَرُها، وتُمَدُّمَدَّ
الأدِيمِ العُكاظيّ. وعزاه الثَّعلَيُّ في «تفسيره)» لرواية أبي هريرة، وحكاه البيهقيُّ عن أبي منصور
الأزهريّ.
وهذا وإن كان ظاهرُه يُخالفُ القولَ الأوَّل، فيُمكِنُ الجمعُ بأنَّ ذلك كلّه یقع لأرضِ
الدُّنيا، لكنَّ أرض الموقِف غيرها، ويُؤيِّدُه ما وَقَعَ في الحديث الذي قبله: أنَّ أرض الدُّنيا
تَصير خُبزةً، والحكمةُ في ذلك ما تقدَّم أنَّها تُعَدُّ لأكلِ المؤمنينَ منها في زمان الموقف، ثمَّ
تَصير نُزُلاً لأهلِ الجنَّة.
وأمَّا ما أخرجه الطََّرَيُّ من طريق المِنْهال بن عَمْرو عن قيس بن السَّكَنِ عن عبد الله
ابن مسعود قال: الأرض كلّها نارٌ(١) يوم القيامة. فالذي قبله عن ابن مسعود أصحُ
سنداً.
ولعلَّ المراد بالأرضِ في هذه الرِّواية أرض البحر، فقد أخرج الطَّبَريُّ أيضاً (١٣/ ٢٥٢) من
طريق كعب الأحبار قال: يصير مكانُ البحر ناراً.
(١) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: تأتي، والتصويب من ((جامع البيان)) للطبري حيث قدّم لذكر هذا الأمر بطوله:
وقال آخرون: تبدَّل ناراً، ثم ذكره، وعليه يدل كلام الحافظ بعده.

٣١٧
كتاب الرقاق
وفي ((تفسير الربيع بن أنس))(١) عن أبي العالية عن أُبيّ بن كعب: تصير السَّماوات جِنَاناً(٢)،
ويصیر مكانُ البحرِ ناراً.
وأخرج البيهقيُّ في ((البعث)) من هذا الوجه في قوله تعالى: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَنَاً
دَّكَّةً وَحِدَةً ﴾ [الحاقة: ١٤] قال: يصيران غَبَرَةً في وجوه الكفَّار.
قلت: ويُمكِنُ الجمع بأنَّ بعضها يصير ناراً وبعضها غُباراً وبعضها يصير خُبزةً.
وأمَّا ما أخرجه مسلمٌ (٢٧٩١) عن عائشة: أنَّها سألَتِ النبيّ وَّر عن هذه الآية ﴿يَوْمَ
تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ أين يكون الناس حينئذٍ؟ قال: ((على الصِّراط))، وفي رواية التِّرمِذيّ
(٣٢٤١): ((على جِسر جَهَنَّمَ))، ولأحمد (٢٤٨٥٦) من طريق ابن عبَّاس عن عائشة: ((على
متنِ(٣) جَهَنَّمَ)).
وأخرج مسلم أيضاً (٣١٥) من حديث ثوبانَ مرفوعاً: ((يكونونَ في الظُّلمة دونَ
الجِسر)).
فقد جَعَ بينها البيهقيُّ بأنَّ المراد بالجِسِرِ الصِّراطُ، كما سيأتي بيانه في ترجمة مُستَقِلّة، وأنَّ في
قوله: ((على الصِّراط)) مجازاً لكَونِهِم يُجَاوِزونَه، لأنَّ في حديث ثوبانَ زيادةً يَتَعَّنُ المصيرُ إليها
لُبوتها، وكأنَّ ذلك عند الزّجرة التي تقع عند نَقْلهم من أرض الدُّنيا إلى أرض الموقف، ويشير
إلى ذلك قوله تعالى: ﴿كَلَّ إِذَا دُكَتِ الْأَرْضُ ذَكَثً ا وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفَّا صَفًّا وَجِاْىََّ
يَوْمَيِذِبِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: ٢١ -٢٣].
(١) ومن طريقه أخرجه أبو نعيم في ((صفة الجنة)) (١٤٧).
(٢) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: جفافاً، والتصويب من كلام الحافظ الآتي قريباً عند بيان معنى تبدُّل
السماوات.
(٣) كذا جاء في نسخة الحافظ من ((مسند أحمد)) بلفظ: ((متن))، وكذلك في النسخة التي وقعت لابن کثیر، حيث ذكر
الحديث في ((النهاية في الفتن والملاحم)) ١/ ٣٥٣ بهذا اللفظ، والذي في أصولنا الخطية من ((مسند أحمد)) بلفظ:
((جسر)) كالترمذي.

٣١٨
باب ٤٥
فتح الباري بشرح البخاري
واختُلِفَ في السَّماوات أيضاً، فتقدَّم قولُ مَن قال: إنَّها تصير جِناناً(١)، وقيل: إنَّها إذا
طُوِيَت تُكَوَّر شَمسُها وقَمَرُها وسائرُ نُجومِها، وتصير تارةً كالمُهْلِ وتارة كالدِّهان.
وأخرج البيهقيُّ في ((البعث)) من طريق السُّدِّيِّ عن مُرّة عن ابن مسعود قال: السماء
تكون ألواناً كالمُهْلِ وكالدِّهان، وواهيةً وَتَشَقَّقُ، فتكون حالاً بعد حال.
وجَمَعَ بعضهم بأَّها تَنشَقُّ أَوَّلاً فَتَصيرُ كالوردة وكالدِّهان، وواهية، وكالمُهْل، وتُكوَّر
الشمس والقمر وسائر النُّجوم ثمَّ تُطوى السَّماوات وتُضاف إلى الجِنان.
ونَقَلَ القُرطُبيّ في ((الَّذكِرة )) عن أبي الحسن بن حَيدَرةَ صاحبٍ ((الإفصاح): أنَّه جَمَعَ
٣٧٧/١١ بين هذه الأخبار بأنَّ تبديل السَّماوات والأرض يقع مرَّتَين: إحداهما: تُبدَّلُ صفاتهما/
فقط، وذلك عند النَّفْخة الأولى، فتَنَشِرُ الكَواكِبُ وتُحْسَفُ الشمسُ والقمرُ وتَصيرُ السماءُ
كالمُهْل، وتُكشَط عن الرُّؤوس، وتسير الجبال، وتموج الأرض وتَنشَقُّ، إلى أن تَصير الهيئة
غير الهَيْئة، ثمَّ بين النَّفْخَتَينِ تُطوى السماء والأرض، وتُبدَّلُ السماءُ والأرضُ ... إلى آخر
كلامه في ذلك، والعلمُ عندَ الله تعالی.
٤٥ - باب الحشر
٣٧٨/١١ / قوله: ((باب الحَشْر)) قال القُرطُبيُّ: الحَشر: الجمعُ، وهو أربعةٌ: حَشْرانِ في الدُّنيا،
وحَشْرانٍ في الآخرة، فالذي في الدُّنيا أحدُهما: المذكورُ في سورة الحشرِ [٢] في قوله تعالى:
﴿ هُوَ الَّذِىَ أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن دِيَرِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾، والثّاني: الحشرُ المذكور
في أشراطِ الساعة الذي أخرجه مسلم (٢٩٠١) من حديث حُذَيفة بن أَسِيدٍ رَفَعَه: «إنَّ
الساعة لن تقوم حتَّى تَرَوْا قبلَها عشرَ آیات)) فذكره.
وفي حديث ابن عمر عند أحمد (٤٥٣٦) وأبي يَعْلى (٥٥٥١) مرفوعاً: ((تَخْرُج نار قبْل
يوم القيامة من حَضْرَ موتَ فَتَسُوق الناس)) الحديثَ، وفيه: فما تأمُرُنا؟ قال: ((عليكم بالشّام)»،
(١) تحرف في (س) إلى: جفاناً، وجاء على الصواب في (أ) موافقاً لقول الحافظ قريباً.

٣١٩
باب ٤٥
كتاب الرقاق
وفي لفظٍ آخر (١): ((ذلك نار تَخرُج من قَعْرِ عَدَن تُرَخِّلُ الناسَ إلى المحشَرِ)).
قلت: وفي حديث أنس في مسائل عبد الله بن سَلَام لمَّ أسلَمَ: ((أمَّا أوَّلُ أشراطِ الساعة
فنارٌ تَحَشُرُ الناسَ من المشرقِ إلى المغرِبِ))، وقد قَدَّمت الإشارة إليه في ((باب طُلوع الشمس
من مغربها))(٢)، وأنَّه مذكورٌ في بَدْءِ الخلق.
وفي حديث عبد الله بن عَمْرو عند الحاكم (٤/ ٥٤٨) رَفَعَه: ((تُبعَثُ نارٌ على أهلِ
المشرقِ فتَحشُرُهم إلى المغرب، تَبيتُ معهم حيثُ باتُوا وتَقِيلُ معهم حيثُ قالُوا، ويكون لها
ما سَقَطَ منهم وتَخَلَّفَ، تَسوقُهم سوقَ الجَمَلِ الكَسيِرِ)).
وقد أشكَلَ الجمع بين هذه الأخبار، وظَهَرَ لي في وجه الجمع: أنَّ كَونها تَخرُج من قَعْر عَدَن
لا يُنافي حَشرها الناسَ من المشرق إلى المغرب، وذلك أنَّ ابتداء خروجها من قَعْر عَدَن، فإذا
خَرَجَتِ انْتَشَرَت في الأرضِ كلِّها.
والمراد بقوله: ((أَحْشُرُ الناسَ من المشرقِ إلى المغربِ)) إرادةُ تعميمِ الحَشرِ لا خُصوصُ
المشرق والمغرب، أو أنَّها بعد الانتشار / أوَّلَ ما تَحشُر أهل المشرق، ويُؤيِّد ذلك أنَّ ابتداء ٣٧٩/١١
الفتن دائماً من المشرق كما سيأتي تقريره في كتاب الفتن (٧٠٩٢)، وأمَّا جَعْلُ الغاية إلى
المغربِ فلأنَّ الشّام بالنّسبة إلى المشرقِ مغربٌ، ويحتمل أن تكون النار في حديث أنس كِنايةً
عن الفتنِ المنتَشِرة (٣) التي أثارَتِ الشّرَّ العظيمَ والْتَهَبَت كما تَلتَهِبُ النارُ، وكان ابتداؤُها من
قِبَل المشرق حتَّى خَرِبَ مُعظَمُه، وانحَشَرَ الناس من جهة المشرق إلى الشّام ومِصرَ وهما من
جهة المغرب، كما شُوهِدَ ذلك مِراراً من المُغْل من عهد چِنكِزِخان ومَن بعده، والنار التي
في الحديث الآخر على حقيقَتِها، والله أعلم.
والحشر الثّالثُ: حَشرُ الأموات من قُبورهم وغيرها بعد البعث جميعاً إلى الموقف، قال الله
(١) هذا اللفظ لحذيفة بن أَسِيد، وهو عند مسلم (٢٩٠١).
(٢) عند شرح الحديث (٦٥٠٦)، والحديث في أول أحاديث الأنبياء (٣٣٢٩)، وليس في بدء الخلق.
(٣) تحرَّفت في (أ) إلى: المسيرة، وسقطت اللفظة من (ع).

٣٢٠
باب ٤٥ / ح ٦٥٢٢
فتح الباري بشرح البخاري
عزَّ وجلَّ: ﴿وَحَشَرْنَهُمْ فَمَّ تُغَادِرٌ مِنْهُمْ أَحَدًا ﴾ [الكهف: ٤٧].
والرَّابع: حَشرُهم إلى الجنَّة أو النار، انتهى مُلخَّصاً بزياداتٍ.
قلت: الأوَّل ليس حَشراً مُستَقِلًّا، فإنَّ المراد حَشر كلِّ موجود يومئذٍ، والأوَّل إِنَّا وَقَعَ
لِفِرقةٍ مخصوصة، وقد وَقَعَ نَظيرُه مِراراً، تَخْرُجُ طائفةٌ من بلدها بغير اختيارها إلى جهة
الشّام، كما وَقَعَ لبني أُميَّةَ أوَّلَ ما تَولَّى ابنُ الزُّبَيرِ الْخِلَافَةَ، فأخرجهم من المدينة إلى جهة
الشّام، ولم يَعُدَّ ذلك أحدٌ حَشراً.
وذکر المصنف فیه ستة أحاديث:
٦٥٢٢- حدَّثنا مُعلَّى بنُ أسَدٍ، حدَّثنا وُهَيبٌ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه، عن أبي
هريرةَ عُ، عن النبيِّ وَطِّ، قال: ((يُحْشَرُ الناسُ على ثلاثٍ طَرائقَ: راغِبِينَ وراهبِينَ، واثنان على
بَعِيرٍ، وثلاثةٌ على بَعِيرٍ، وأربعةٌ على بَعِيرٍ، وعَشَرَةٌ على بَعِيرٍ، وَثُرُ بَقِيَّتَهمُ النارُ، تَقِيلُ معهم
حيثُ قالُوا، وتَبِيتُ معهم حيثُ باتُوا، وتُصْبِحُ معهم حَيثُ أصبَحُوا، وتُسِي معهم حَيثُ
أمسوْا».
الحديث الأول: قوله: ((وُهَيب)) بالتَّصغير: هو ابن خالد، وابن طاووسٍ: هو عبد الله،
وصَرَّحَ به في رواية مسلمٍ (٢٨٦١).
قوله: ((على ثلاث طَرائقَ)) في رواية مسلمٍ: ((ثلاثة))(١)، والطَّرائق جمع طريق، وهي تُذكَّرُ
وتُؤنَّث.
قوله: ((راغِبين وراهبينَ)) في رواية مسلم: ((راهبينَ)) بغير واوٍ (٢)، وعلى الرِّوايتَينِ فهي
الطَّرِيقَةُ الأُولى.
قوله: ((واثنانِ على بعيرٍ، ثلاثةُ على بعيرٍ، أربعةٌ على بعيرٍ، عَشَرَةٌ على بعيرٍ)) كذا فيه بالواو في
(١) كذا وقع للحافظ رحمه الله، والذي في مطبوع مسلم، وكذا في شروحه الحاضرة: ثلاث، بالتذكير!
(٢) كذا وقعت رواية البخاري للحافظ بالواو، مع أنَّ الذي في اليونينية دون حكاية خلاف بغير الواو،
کروایة مسلم.