النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ كتاب الرقاق وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدَّم البِداءة بأهلِ الخير في الذُّكر لشَرَفِهم، وإن كان أهل الشرِّ أكثرَ. وفيه أنَّ المجازاةَ من جِنسِ العمل، فإنَّه قابَلَ المحبّةَ بالمحبّة والكراهةَ بالكراهة. وفيه أنَّ المؤمنينَ يَرَونَ رَبَّهم في الآخرة، وفيه نظرٌ، فإنَّ اللِّقَاءَ أعَمُّ من الرُّؤية، ويحتمل - على بُعدٍ - أن يكونَ في قوله: ((لِقاءَ الله)) حذفٌ تقديرُه: لقاءَ ثوابِ الله ونحو ذلك، ووجه البُعدِ فيه الإتيانُ بمُقابِلِه، لأنَّ أحداً من العُقَلاءِ لا يَكرَه لقاءَ ثوابِ الله، بل كلُّ مَن يَكرَه الموتَ إِنَّا يَكرَهُه خَشْبةَ أن لا يَلقَى ثوابَ الله، إمّا لإبطائه عن دخولِ الجنَّة بالشُّغْلِ بالنَّبِعات، وإمّا لعَدَمِ دخولها أصلاً كالكافر. وفيه أنَّ المحتَضَرَ إذا ظَهَرَت عليه علاماتُ السُّرورِ كان ذلك دليلاً على أنَّه بُشِّرَ بالخير، و كذا بالعكس. وفيه أنَّ مَحَبّةَ لقاءِ الله لا تَدخُلُ في النَّهي عن تَمنّي الموت، لأنَّهَا مُمكِنَةٌ مع عَدَم تَمنّي الموت، كأن تكون المحبّةُ حاصلةً لا يَفتَرِقُ حالُه فيها بحصولِ الموتِ ولا بتأخّره، وأنَّ النَّهي عن تَمّي الموت محمول على حالة الحياة المستَمِّرّة، وأمَّا / عند الاحتضار والمعاينة فلا تَدخُل تحت ٣٦١/١١ النَّهي، بل هي مُستَحَبّة. وفيه أنَّ في كراهة الموت في حال الصِّحّة تفصيلاً، فمَن كَرِهَه إيثاراً للحياة على ما بعد الموت من نعيم الآخرة كان مذموماً، ومَن كَرِهَه خَشْيةَ أن يُفضى إلى المؤاخذة، كأن يكونَ مُقَصِّراً في العملِ لم يَستَعِدَّ له بالأُهبة بأن يَتخلَّصَ من الشَِّعات ويقومَ بأمرِ الله كما يَجِبُ، فهو مَعذورٌ، لكن ينبغي لمن وَجَدَ ذلك أن يُبادِرَ إلى أخذِ الأَهبة، حتَّى إذا حَضَرَه الموتُ لا یکرُه بل يحبُّه لما يرجو بعدَه من لقاءِ الله تعالى. وفيه أنَّ الله تعالى لا يراه في الدُّنيا أحدٌ من الأحياء، وإنَّما يقع ذلك للمؤمنينَ بعد الموتِ أخذاً من قوله: ((والموتُ دونَ لقاءِ الله))، وقد تقدَّم أنَّ اللِّقاء أعَمُّ من الرُّؤية، فإذا انْتَفَى اللِّقاءُ انتَفَتِ الرُّؤْيَةُ، وقد وَرَدَ بأصرَحَ من هذا في ((صحيح مسلم)) من حديث أبي أمامةَ مرفوعاً ٢٨٢ باب ٤١ / ح ٦٥٠٩ فتح الباري بشرح البخاري في حديثٍ طويلٍ وفيه: ((واعلموا أنَّكم لن تَرَوا رَبَّكم حتَّى تموتوا))(١). الحديث الثاني: حديث أبي موسى مِثلُ حديثٍ عُبادة دونَ قوله: فقالت عائشة ... إلى آخره، وكأنَّه أورَدَه استظهاراً لصِحّة الحديث، وقد أخرجه مسلمٌ أيضاً (٢٦٨٦). وبُرَيد بموخَّدةٍ ثمَّ مُهمَلةٍ: هو ابن عبد الله بن أبي بُرْدة. الحديث الثالث: قوله: ((أخبرني سعيد بن المسيّب وعُرْوة بن الزُّبَير في رجالٍ من أهلِ العِلْمِ)) كذا في رواية عَقيلٍ، ومضى في الوفاة النبويَّة (٤٤٣٧) من طريق شُعَيب عن الزُّهْريّ: أخبرني عُرْوة، ولم يَذكُر معه أحداً، ومن طريق يونس عن الزُّهْريّ: أخبرني سعيد ابن المسيّب في رجال من أهل العلم، ولم يَذكُر عُرْوة (٤٤٦٣). وقد ذكرت في كتاب الدَّعَوات (٦٣٤٨) تسميةَ بعض مَن أُبِهِمَ في هذه الرّواية من شيوخ الزُّهْرِيِّ، وتقدَّم شرحُ الحديث مُستَوفَّى في الوفاة النبويَّة. ومُناسَبتُه للتَّرجمة من جهة اختيار النبيّ وَّ لِلِقاءِ الله بعدَ أن خُيِّرَ بين الموتِ والحياة، فاختارَ الموتَ، فينبغي الاستنانُ به في ذلك. وقد ذكر بعض الشُّاح أنَّ إبراهيم عليه السلام قال لمَلَكِ الموتِ لمَّا أتاه ليقِض روحَه: هل رأيت خليلاً يُميتُ خليلَه؟ فأوحى الله تعالى إليه: قل له: هل رأيت خليلاً يَكرَه لقاءَ خليلِه؟ فقال: يا مَلَكَ الموتِ الآن فاقِض. ووجدت في ((المبتَدَأ)) لأبي حُذَيفة إسحاق بن بشر البخاريّ أحد الضُّعَفاء بسندٍ له عن ابن عمر قال: قال مَلَكُ الموت: يا رَبِّ إنَّ عبدَك إبراهيمَ جَزِعَ من الموت، فقال: قل له: الخليلُ إذا طالَ به العهدُ من خَليلِه اشتاقَ إليه، فَبَلَّغَه فقال: نعم يا رَبِّ قد اشتقت إلى لقائك، فأعطاه ريحانةً فشَمَّها فقُبِضَ فيها. (١) قدَّمنا أنَّ الحافظ رحمه الله قد كرَّر عزو هذا الحديث لمسلم في عدة مواضع من شرحه، وليس الحديث عند مسلم، وإنما هو عند ابن ماجه (٤٠٧٧)، وأبي داود (٤٣٢٢)، من حديث أبي أمامة، ولم يسُق أبو داود لفظه، وهو أيضاً عند النسائي في ((الكبرى)) (٧٧١٦) من حديث عبادة بن الصامت. ٢٨٣ باب ٤٢ / ح ٦٥١٠ -٦٥١٤ كتاب الرقاق ٤٢- باب سكرات الموت ٦٥١٠ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ عُبيدِ بنِ ميمونٍ، حدَّثنا عيسى بنُ يونُسَ، عن عمرَ بنِ سعيدٍ، قال: أخبرني ابنُ أبي مُلَيكةَ، أنَّ أبا عَمرِو ذَكْوانَ مولى عائشةَ أخبَرَه، أنَّ عائشةَ رضي الله عنها كانت تقولُ: إنَّ رسولَ اللهِ وَِّ كان بينَ يَدَيهِ رَكْوةٌ - أو عُلْبٌ - فيها ماءٌ - شَكَّ عمرُ - فجَعَلَ يُدخِلُ يده في الماءِ فَيَمْسَحُ بها وجهَه، ويقول: ((لا إلهَ إلّا الله، إنَّ للْمَوْتِ سَكَراتٍ)) ثمَّ نَصَبَ يدَه فجَعَلَ يقول: ((في الرَّفِيقِ الأعلى)) حتَّى قُبِضَ ومالَت يَدُه. قال أبو عبدِ الله: العُلْبةُ منَ الخشبِ، والرَّكْوةُ منَ الأَدَمِ. ٦٥١١ - حدَّثْنا صَدَقةُ، أخبرنا عبْدةُ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: كان رجالٌ منَ الأعراب جُفاً يأتونَ النبيَّ ◌َّه فِيَسْألونَه: متى الساعة؟ فكان يَنظُرُّ إلى أصغَرِهم فيقول: ((إن يَعِشْ هذا لا يُذْرِكْه الهَرَمُ، حتَّی تقومَ علیکم ساعَنُكم)). قال هشامٌ يعني موَهم. ٦٥١٢ - حذَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن محمَّدِ بنِ عَمْرِو بنِ حَلْحَةَ، عن مَعْبَدِ ابنِ كَعْبٍ بنِ مالكِ، عن أبي قَتَادةَ بنِ رِبْعِيِّ الأنصاريِّ، أنَّه كان يُحدِّثُ: أنَّ رسولَ اللهِنَّهُرَّ عليه بجِنازةٍ فقال: ((مُسْتَرِيحٌ ومُسْتَرَاحٌ منه)، قالوا: يا رسولَ الله، ما المستَرِيحُ والمستَراحُ مِنْه؟ قال: ((العبدُ المؤمنُ يَستَرِيحُ من نَصَبِ الدُّنْيا وأذاها إلى رحمةِ الله، والعبدُ الفاجِرُ يَستَرِيحُ منه العبادُ والبلادُ والشَّجَرُ والذَّوابّ)). [طرفه في: ٦٥١٣] ٦٥١٣- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن عبدِ رَبِّه بنِ سعيدٍ، عن محمَّدِ بنِ عَمْرِو بنِ حَلْحَلَةَ، حدَّثْني ابنُ كَعْبٍ، عن أبي قَتَادةَ، عن النبيِّ ◌َِّ، قال: ((مُسْتَرِيحٌ ومُسْتَراحٌ منه، المؤمنُ یَستَرِیح)). ٦٥١٤ - حدَّثنا الحُمَيديُّ، حذَّثنا سفيانُ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ أبي بكرِ بنِ عَمْرِو بنِ خَزْمٍ، سمعَ أنسَ بنَ مالكٍ يقول: قال رسولُ الله وَّ: ((يَتَّبِعُ المَيِّتَ ثلاثةٌ، فَرِجِعُ اثنان وَبْقَى معه واحدٌ: يَتْبَعُه أهلُه ومالُهُ وعَمَلُهُ، فَيَرجِعُ أهلُه ومالُهُ، وَيَبْقَى عملُه)). ٢٨٤ باب ٤٢ / ح ٦٥١٦ فتح الباري بشرح البخاري ٦٥١٥ - حدَّثنا أبو التُّعْمان، حدَّثنا خَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، قال: قال رسولُ اللهِ وَِّ: ((إذا ماتَ أحدُكم عُرِضَ عليه مَفْعَدُه غُدْوةً وعَشِيَّةً، إمّا النارُ وإمّا الجنَّةُ، فيقال: هذا مَفْعَدُكَ حتَّى تُبْعَثَ إليه)). ٦٥١٦ - حذَّثني عليٌّ بنُ الجَعْدِ، أخبرنا شُعْبٌ، عن الأعمَشِ، عن مجاهدٍ، عن عائشةَ، قالت: قال النبيُّ وَّ: ((لا تَسُبّوا الأمواتَ، فإنَّهم قد أفضَوْا إلى ما قَدَّمُوا». ٣٦٢/١١ / قوله: (باب سَكَرات الموتِ)) بفتح المهمَلة والكاف: جمعُ سَكْرةٍ، قال الرَّاغِبُ وغيرُه: السُّكْرُ: حالةٌ تَعرِضُ بين المرءِ وعقلِه، وأكثر ما يُستَعمَل في الشَّرابِ المسكِرِ، ويُطلَق في الغضبِ والعِشقِ، والألَمِ والنُّعاس، والغَشْي الناشئ عن الألَ، وهو المرادُ هنا. وذکر فیه ستة أحاديث: الأول: قوله: ((عن عمرَ بنِ سعيدٍ)) أي: ابنِ أبي حُسَينٍ المكِّيّ. قوله: ((إنَّ رسول الله وَّهِ كان بين يَدَيْهِ رَكْوةٌ - أو عُلْبَةٌ -)) بضمِّ المهمَلة وسكونِ اللّام بعدَها موحّدةٌ. قوله: ((شَكَّ عمرُ)) هو ابن سعيد بن أبي حُسَين راويه، وتقدَّم في الوفاة النبويَّة (٤٤٤٩) بلفظ: يَشُُّ عمر، وفي رواية الإسماعيليّ: شَكَّ ابنُ أبي حُسَينٍ. قوله: ((فَجَعَلَ يُدخِلُ يدَه)) عند الكُشْمِيهنيّ: يَدَيه، بالَّنية، وكذا تقدَّم لهم في الوفاة النبويَّة بهذا الإسناد في أثناءِ حديثٍ أوَّلُه قصَّةُ السِّواك، فاختَصَرَه المؤلِّفُ هنا. قوله: ((فَيَمْسَحُ بها)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: بهما، بالتَّنية، وكذا لهم في الوفاة. قوله: ((إنَّ للموتِ سَكَراتٍ)) وَقَعَ في رواية القاسم عن عائشة عند أصحاب السُّنَنِ سوى أبي داود بسندٍ حسنٍ بلفظ: ثمَّ يقول: ((اللهمَّ أعِنّي على سَكَرات الموتِ))(١). وقد ٣٦٣/١١ تقدَّم شرحُ الحديث مُستَوفَى هناك. وتقدَّم هناك / أيضاً (٤٤٤٦) من رواية القاسم بن محمَّد (١) أخرجه ابن ماجه (١٦٢٣)، والترمذي (٩٧٨)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧٠٦٤ و١٠٨٦٦). ٢٨٥ كتاب الرقاق عن عائشة: ماتَ النبيّ وَِّ وإِنَّه لَبَين حاقِتَتَي وذاقِنَتي، فلا أكره شِدّةَ الموتِ لأحدٍ أبداً بعدَ النبيِّ ◌َّد. وأخرجه التِّرمِذيُّ عنها (٩٧٩) بلفظ: ما أغبِطُ أحداً بهَونِ موتٍ بعدَ الذي رأيت من شدّة موتٍ رسولِ الله ێ. قوله: ((قال أبو عبدِ الله)) هو البخاريّ. قوله: ((العُلْبة من الخشبِ، والرَّكْوةِ من الأَدَم)) ثَبَتَ هذا في رواية المُستَمْلي وحده، وهو المشهورُ في تفسيرهما، ووَفَعَ في ((المحكَمِ)): الرَّكوة: شِبْه تَوْرٍ من أدَمٍ. وقال المُطَرِّزيُّ: دَلٌ صغيرٌ. وقال غيره: كالقَصعة تُتَّخَذُ من جِلٍ، ولها طَوقُ خَشَب. وأمَّا العُلْبة، فقال العَسكريُّ: هي قَدَح الأعراب تُتَّخَذ من جِلد. وقال ابن فارس: قَدَح ضَخم من خَشَب، وقد يُتَّخَذ من جِلد، وقيل: أسفَلُه جِلد وأعلاه خَشَبٌ مُدَوَّرٌ. وفي الحديث أنَّ شِدّة الموت لا تَدُلّ على نقصٍ في المرتبة، بل هي للمؤمنِ إمّا زيادةٌ في حسناته وإمّا تكفيرٌ لسَيِّئاته. وبهذا التَّقرير تظهرُ مُناسَبةُ أحاديثِ البابِ للَّرجمة. الحديث الثاني: قوله: ((صَدَقة)) هو ابن الفضل المروزيُّ، وعبدة: هو ابن سليمان، وهشام: هو ابن عُرْوةَ. قوله: ((كان رجالٌ من الأعْرابِ» لم أقِفْ على أسمائهم. قوله: ((جُفاةً)) في رواية الأكثر بالجيم، وفي رواية بعضِهم بالمهمَلة، وإنَّما وَصَفَهم بذلك أمَّا على رواية الجيم فلأنَّ سُكّانَ البَوادي يَغْلِبُ عليهم الشَّظَفُ وخُشونةُ العيش، فَتَجفو أخلاقُهم غالباً، وأمَّا على رواية الحاءِ فلِقِلّة اعتنائهم بالملابِس. قوله: ((مَتَى الساعةُ؟)) في رواية مسلمٍ (٢٩٥٢) من طريق أبي أُسامةَ عن هشام: كان الأعرابُ إذا قَدِموا على رسول الله وَّه سألوه عن الساعة: متى الساعة؟ وكان ذلك لمَّا طَرَقَ أسماعَهم مِن تَكرار اقترابها في القرآن، فأرادوا أن يَعرِفوا تعيينَ وقتِها. ٢٨٦ باب ٤٢ / ح ٦٥١٦ فتح الباري بشرح البخاري قوله: («فَيَنظُرُ (١) إلى أصغَرهم)) في رواية مسلم: فنَظَرَ إلى أحدَثِ إنسانٍ منهم فقال، ورواية عبدة ظاهرها تَكرير ذلك، ويُؤيِّد سياق مسلم حديث أنس عنده (٢٩٥٣/ ١٣٧): إِنَّ رجلاً سألَ رسول الله وَل﴿ متى تقوم الساعة؟ ولم أقِفْ على اسم هذا بعينِه، لكنَّه يحتمل أن يُفَسَّرِ بذي الخُويصِرة اليَمَانيّ الذي بالَ في المسجد، وسألَ متى تقوم الساعة؟ وقال: اللهمَّ ارَمني ومحمَّداً (٢). ولكنَّ جوابَه عن السُّؤال عن الساعة مُغايرٌ لجوابٍ هذا. قوله: ((إن يَعِشْ هذا لا يُدْرِكْه الهَرَمُ» في حديث أنس عندَ مسلم: وعنده غلام من الأنصار يقال: له محمَّد، وله في رواية أُخرى (١٣٨/٢٩٥٣): وعنده غلام من أزْدِ شَنُوءةَ، بفتح المعجَمة وضمِّ النّونِ ومَدِّ وبعدَ الواو همزةٌ ثمَّ هاءُ تأنيثٍ، وفي أُخرى له (١٣٩/٢٩٥٣): غلام للمغيرة بن شُعْبة وكان من أقَراني. ولا مُغايَرةَ بينهما، وطريق الجمع أنَّه كان من أزْدِ شَنُوءة، وكان حَليفاً للأنصار، وكان يَخِدُمُ المغيرة، وقول أنس: وكان من أقراني، وفي روايةٍ له: من أترابي، يريدُ في السِّنِّ، وكان سِنُّ أنس حينئذٍ نحو سبعَ عشرةَ سنةً. قوله: ((حتَّى تقوم عليكم ساعتُكم، قال هشام)) هو ابن عُرْوةَ راويه ((يعني موتهم)) وهو موصول بالسَّنَدِ المذكور، وفي حديث أنس: ((حتَّى تقوم الساعة)). قال عِيَاض: حديث عائشة هذا يُفسِّرُ حديثَ أنس، وأنَّ المراد ساعة المخاطَبين، وهو نَظير قوله: «أرأيتَكم ليلتَكم هذه؟ فإنَّ على رأسٍ مئة سنة منها لا يبقى على وجه الأرض ◌َمَّن هو عليها الآنَ أحدٌ))، وقد تقدَّم بيانُه في كتاب العلم (١١٦)، وأنَّ المراد انقراض ذلك القَرْن، وأنَّ مَن كان في زَمَنِ النبيِّ وَّهِ إذا مَضَت مئةُ سنة من وقتِ تلكَ المقالة لا يبقى منهم أحدٌ، ووَقَعَ الأمرُ كذلك، فإنَّ آخر مَن بَقِيَ ثَمّن رأى النبيّ ◌َ أبو الطَّفَيَلِ عامرُ بن واثِلَةَ، كما جَزَمَ به مسلمٌ وغيره، وكانت وفاته سنة عشرٍ ومئةٍ من الهجرة، وذلك عندَ رأسٍ (١) كذا في الأصلين و(س)، خلافاً لما جاء في اليونينية دون حكاية خلاف بين رُواة البخاري، حيث جاء فيها: فکان ینظر. (٢) انظر شرحه على ما سلف برقم (٢٢٠) و(٦٠١٠). ٢٨٧ باب ٤٢ / ح ٦٥١٦ كتاب الرقاق مئة سنةٍ من وقت تلكَ المقالة، وقيل: كانت وفاته قبلَ ذلك، فإن كان كذلك فيحتمل أن يكونَ تأخّرَ بعدَه بعضُ مَن أدرَكَ ذلك الَّمان، وإن لم يَتْبُت أنَّه رأى النبيّ ◌َِّ، وبه احتَجَّ جماعةٌ من المحَقِّقينَ على كذِبٍ مَن اذَّعَى الصُّحبةَ أو الرُّؤيةَ مَمَّن تأخّرَ عن ذلك الوقت. وقال الرَّاغِبُ: الساعة جُزء من الزّمان، ويُعبَّر / بها عن القيامة تشبيهاً بذلك لسُرعة ٣٦٤/١١ الحِساب، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْخَسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦٢]، أو لِمَا نَبَّهَ عليه بقوله: ﴿كَهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُواْ إِلَّا سَاعَةٌ مِّن نَّهَارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، وأُطلِقَتِ الساعةُ على ثلاثة أشياءَ: الساعة الكُبرَى: وهي بَعثُ الناس للمُحاسَبة. والوُسطَى: وهي موت أهل القَرن الواحد، نحو ما رُويَ أنَّه رأى عبدَ الله بن ◌ُنيس فقال: ((إن يَطُل عُمُرُ هذا الغلام لم يَمُت حتَّى تقومَ الساعةُ))، فقيلَ: إنَّه آخر مَن ماتَ من الصحابة. والصُّغَرَى: موتُ الإنسان، فساعةُ كلّ إنسان موتُه، ومنه قوله وَ لِّ عند هُبوب الرّيح: ((تَخَوَّفتُ الساعةَ)) (١)؛ يعني موتَه، انتهى. وما ذكره عن عبد الله بن أنيس لم أقِفْ عليه، ولا هو آخر مَن ماتَ من الصحابة جَزْماً. قال الدَّاوُوديُّ: هذا الجواب من مَعاريضِ الكلام، فإنَّه لو قال لهم: لا أدري، ابتداءً مع ما هم فيه من الجفاءِ وقبل تمكُّنِ الإيمان في قلوبِهِم، لارتابُوا، فعَدَلَ إلى إعلامهم بالوقتِ الذي يَنْقَرِضونَ هم فيه، ولو كان تمكَّنَ الإيمانُ في قلوبِهِم لَأفصَحَ لهم بالمراد. وقال ابن الجَوْزيّ: كان النبيّ ◌َّه يتكلّم بأشياءَ على سبيلِ القياس، وهو دليلٌ معمولٌ به، فكأنَّه لمَّا نزلت عليه الآيات في تقريب الساعة كقوله تعالى: ﴿أَفَ أَمْرُ اُللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ (١) لم نقف عليه فيما بأيدينا من مصادر التخريج، لكن جاء في حديث أبي موسى الأشعري قال: خسفت الشمس فقام النبي وَل﴿ فزعاً يخشى أن تكون الساعة. أخرجه البخاري (١٠٥٩)، ومسلم (٩١٢). ٢٨٨ باب ٤٢ / ح ٦٥١٦ فتح الباري بشرح البخاري [النحل: ١]، وقوله تعالى: ﴿ وَمَآ أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ [النحل: ٧٧] حَمَلَ ذلك على أنَّها لا تَزِيد على مُضيِّ قَرْنٍ واحدٍ، ومن ثَمَّ قال في الدَّجّال: ((إن يَخْرُج وأنا فيكم فأنا حَجيجُه))(١)، فجَوَّزَ خروجَ الدَّجّال في حياته، قال: وفيه وجهٌ آخرُ، فذكر نحو ما تقدَّمَ. قلت: والاحتمال الذي أبداه بعيدٌ جدّاً، والذي قبلَه هو المعتمَد، والفَرق بين الخبر عن الساعة وعن الدَّجّال تعيينُ المدّة في الساعة دونَه، والله أعلم. وقد أخبر ◌َّه في أحاديثَ أُخرى حدَّث بها خَواصَّ أصحابِهِ تَدُلُّ على أنَّ بين يَدَي الساعة أُموراً عِظاماً كما سيأتي بعضها صريحاً وإشارةً، ومضى بعضها في علامات النُّبوّة (٣٥٨٦ -٣٦٣٤). وقال الكِرْمانيُّ: هذا الجواب من الأسلوب الحكيم، أي: دَعوا السُّؤال عن وقت القيامة الكُبرَى، فإنَّهَا لا يَعلَمُها إلّا الله، واسألوا عن الوقت الذي يقع فيه انقراضُ عَصرِ كم فهو أولى لكم، لأنَّ مَعرِفَتَكم به تَبعَثُكم على مُلازمة العمل الصالح قبلَ فَوتِه، لأنَّ أحدَكم لا يَدري مَن الذي يَسِقُ الآخرَ. الحديث الثالث: قولُه: ((حدَّثنا إسماعيلُ)) هو ابنُ أبي أويسٍ، وحَلْحَلةُ: بمُهمَلَتَيْنِ مفتوحَتَيْنِ ولامَينِ الأولى ساكنةٌ والثّانية مفتوحة، وقد صَرَّحَ بسماعِه من ابن كعبٍ في الرِّواية الثّانية، والسَّنَدُ كُلُّه مَدَنِيّونَ، ولم يختلف الرُّواةُ في ((الموطَّ)(٢) عن مالكٍ فيه. قوله: ((أنَّ رسول الله وَلَ هُّ)) بضمِّ الميم على البناءِ للمجهول، ولم أقِفْ على اسم المارِّ ولا المرورِ بچِنازَتِه. (١) أخرجه مسلم (٢٩٣٧)، وأبوداود (٤٣٢١)، والترمذي (٢٢٤٠)، وابن ماجه (٤٠٧٥) من حديث النواس بن سمعان. (٢) ((الموطأ)) برواية يحيى الليثي ١/ ٢٤١- ٢٤٢، وبرواية أبي مصعب الزهري (١٠٢٧)، وانظر ((التمهيد)) ٦١/١٣. ٢٨٩ باب ٤٢ / ح ٦٥١٦ كتاب الرقاق قوله: ((عليه)) أي: على النبيِّ نَّه. ووَقَعَ في ((الموطََّتِ)) للدّارَ قُطنيِّ من طريق إسحاقَ ابن عيسى عن مالك بلفظ: مُرَّ برسولِ الله وَ ﴿ِ جِنازةٌ، والباءُ على هذا بمعنى ((على)) وذِكرُ الجنازة باعتبار الميِّت. قوله: ((قال: مُسْتَرِيحٌ)) كذا هنا ووَقَعَ في روايةٍ: فقال، بزيادة الفاء في أوَّله، وكذا في رواية المحاربيّ المذكورة، وكذا للنَّسائيِّ (١٩٣١) من رواية وهب بن كَيْسانَ عن مَعبَد بن مالكٍ(١)، وقال في روايته: كنَّ جُلوساً عند النبيّ ◌َ﴿ إِذ طَلَعَت جِنازٌ. قوله: ((مُسْتَريحُ ومُسْتَراحٌ منه)) الواوُ فيه بمعنى أو، وهي للتَّقسيمِ على ما صَرَّحَ بِمُقتَضاه في جوابٍ سؤالهم. قوله: ((قالوا)) أي: الصحابةُ، ولم أقِفْ على اسم السائلِ منهم بعينِهِ، إلّا أنَّ في رواية إبراهيمَ الحَرْبِيِّ عند أبي نُعَيم: قلنا، فيَدخُلُ فيهم أبو قَتَادة، فيحتمل أن يكون هو السائلَ. قوله: ((ما المستَريحُ والمستَراحُ منه؟» في رواية الدَّارَ قُطْنيّ: وما المستَراحُ منه؟ بإعادة ما. قوله: ((من نَصَبِ الدُّنْيا وأذاها)) زاد النَّسائيُّ في رواية وهب بن كَيْسانَ: ((من أوصابٍ الدُّنيا))، والأوصابُ: جمع وَصَبٍ، بفتح الواو والمهمَلة ثمَّ موحّدةٍ، وهو دَوام الوجَع، ويُطلَق أيضاً على فُتُورِ البَدَن، والنَّصَب بوزنِهِ، لكن أوَّلُه نونٌ: هو التَّعَب، وزنه ومعناه، والأذَى من عطف العامِّ على الخاصّ. قال ابن التِّين: يحتمل / أن يريد بالمؤمنِ النَّقيّ خاصّة، ويحتمل كلّ مُؤمِن، والفاجِر يحتمل أن ٣٦٥/١١ يريد به الكافرَ، ويحتمل أن يَدخُلَ فيه العاصي. وقال الدَّاوُودي: أمَّا استراحةُ العبادِ فلِما يأتي به من المنكر، فإن أنكَروا عليه آذاهم، وإن تَرَكوه أثِموا، واستراحة البلاد ممَّاً يأتي به من المعاصي، فإنَّ ذلك ممّا يَحصُلُ به الجَدْبُ، فيقتضي هلاكَ الحَرْثِ والنَّسْل. (١) نسبه الحافظ هنا لجده، وإلّا فالرواية عند النسائي: معبد بن كعب. ٢٩٠ باب ٤٢ / ح ٦٥١٦ فتح الباري بشرح البخاري وتَعقَّبَ الباجيّ أوَّلَ كلامه بأنَّ مَن نالَه أذاه لا يأْثَمُ بِتَركِهِ، لأنَّه يقدِر (١) أن يُنكِرِ بقلبِهِ أو يُنكِرِ بوجهٍ لا يَنالُه به أذى، ويحتمل أن يكون المراد براحة العبادِ منه لما يقع لهم من ظُلمِهِ، وراحةُ الأرضِ منه لما يقع عليها من غَصْبِها ومَنْعِها من حَقِّها، وصَرْفِه في غیر وجهه، وراحة الدَّوابِّ مَمَّا لا يجوزُ من إتعابها، والله أعلم. قوله في الطريق الثانية: ((يحيى)) هو القَطّان، وعبد رَبّه بن سعيد، كذا وَقَعَ هنا لأبي ذرِّ عن شيوخه الثلاثة، وكذا في رواية أبي زيد المروزيّ، ووَقَعَ عند مسلم (٩٥٠) عن محمّد بن المثنَّى، عن يحيى عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند، وكذا أخرجه أبو يَعْلى(٣) من طريق يحيى القَطّان عن عبد الله بن سعيد، لكن لم یذكُرِ جَدَّه. وكذا عنده وعند مسلم من طريق عبد الرَّزّاق(٣)، وعند الإسماعيليّ أيضاً من طريق عبد الرَّحمن بن محمَّد المحارِبِيّ، قال كلٍّ منهما: حدَّثنا عبد الله بن سعيد. وكذا أخرجه ابن السَّكَن من طريق عبد الرَّزاق عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند. وكذا أخرجه أبو نُعَيم في ((المستخرَجِ))(٤) من طريق إبراهيم الحَرْبيّ عن مُسدَّد شيخ البخاريّ فيه مِثله سواء. قال أبو عليّ الجَيَّانيّ: هذا هو الصَّواب، وكذا رواه ابن السَّكَن عن الفِرَبْريّ فقال في روايته: عن عبد الله بن سعید هو ابن أبي هند، والحديث محفوظ له لا لعبد رَبّه. قلت: وجَزَمَ الِّيُّ في ((الأطراف)) أنَّ البخاريّ أخرجه لعبد الله بن سعيد بن أبي هند بهذا السَّنَد، وعَطَفَ عليه رواية مسلم، ولكنَّ التَّصريحَ بابنِ أبي هند لم يقع في شيءٍ من نُسَخِ البخاريّ. (١) تحرَّف في (س) إلى: بعد. (٢) لم نقف عليه في («مسنده)) المطبوع الذي برواية ابن حمدان، فلعله في ((مسنده الكبير)) برواية ابن المقرئ، وفات الحافظ رحمه الله أن يخرجه من ((مسند أحمد))، إذ الحديث فيه (٢٢٥٣٦) عن يحيى القطان عن عبد الله بن سعید بن أبي هند. (٣) وهو في «مصنفه)) (٦٢٥٤). (٤) وهو أيضاً في ((مستخرجه على صحيح مسلم)) (٢١٢٨). ٢٩١ باب ٤٢ / ح ٦٥١٦ كتاب الرقاق قوله: ((مُسْتَريحُ ومُسْتَراحٌ منه، المؤمنُ يَستَريحُ)) كذا أورَدَه بدون السُّؤال والجوابِ مُقْتَصِراً على بعضه، وأورَدَه الإسماعيليّ من طريق بُندارٍ وأبي موسى عن يحيى القَطّان، ومن طريق عبد الرَّزّاق قال: حدَّثنا عبد الله بن سعيد تامّاً ولفظه: مُرَّ على رسول الله وَل بجِنازةٍ، فذكر مِثْلَ سياق مالك، لكن قال: فقيلَ: يا رسولَ الله، ما مُستَرِيحٌ؟ ... إلى آخره. تنبيه: مُناسَبة دخول هذا الحديث في التَّرجمة أنَّ المِّت لا يَعدو أحدَ القسمَين: إمّا مُستَريحٌ وإمّا مُستَراحٌ منه، وكلَّ منهما يجوزُ أن يُشَدَّدَ عليه عند الموت وأن يُحُفَّفَ، والأوَّلُ هو الذي يَحصُل له سَكَراتُ الموت، ولا يَتَعلَّق ذلك بتَقواه ولا بفُجوره، بل إن كان من أهل التَّقوى ازدادَ ثواباً، وإلّا فيُكفَّر عنه بقَدرِ ذلك، ثمَّ يَستَريحُ من أذَى الدُّنيا الذي هذا خاتِمَتُهُ، ويُؤْيِّدُ ذلك ما تقدَّم من كلام عائشةَ في الحديث الأوَّل. وقد قال عمر بن عبد العزيز: ما أُحِبُّ أن تُهَوَّن عليَّ سَكَراتٌ الموت، إنَّه لَآَخِرُ ما ◌ُكفّر به عن المؤمن. ومع ذلك فالذي يَصُلُ للمؤمنِ من البُشرَى، ومَسَرّة الملائكة بلقائه ورِفْقِهم به، وفَرَحِه بِلِقاءِ رَبِّه يُّهَوِّن عليه كلَّ ما يَحَصُلُ له من ألَم الموت، حتَّى يصير كأنَّه لا يُحِسُّ بشيءٍ من ذلك. الحديث الرابع: قوله: ((سُفْيان)) هو ابن عُيَينَةَ، وليس لشيخِه عبد الله بن أبي بكر في (الصَّحيح)) عن أنس إلّا هذا الحديث. قوله: ((يَتَبعُ المِيِّت)) كذا للسَّرَخْسيِّ والأكثر، وفي رواية المُستَمْلي: «المرء)»، وفي رواية أبي ذرِّ عن الكُشْمِيهنيّ: ((المؤمن))، والأوَّل المعتمَدُ، فهو المحفوظُ من حديث ابنِ عُيَينَةَ، وهو كذلك عند مسلمٍ (٢٩٦٠). قوله: (يَتَبَعُهُ أهلُه ومالُهُ وعَمَلُه)) هذا يقع في الأغلَب، ورُبَّ مَيِّتٍ لا يَتَبَعُه إلّ عملُه فقط، والمرادُ مَن يَتَبَعُ جِنازَتَه من أهلِه ورُفقَتِهِ ودَوابِّه على ما جَرَت بِه عادةُ العرِبِ، وإذا انِقَضَى ٢٩٢ باب ٤٢ / ح ٦٥١٦ فتح الباري بشرح البخاري أمرُ الحزنِ عليه رجعوا، سواءٌ أقاموا بعدَ الدَّفنِ أم لا، ومعنى بَقاءِ عملِهِ أنَّه يَدخُلُ معه القبرَ. وقد وَقَعَ في حديث البراءِ بن عازِبِ الطَّيلِ في صِفَة المسألة في القبرِ عند أحمدَ (١٨٥٣٤) ٣٦٦/١١ وغيره/ ففيه: ((ويأتيه رجلٌ حسنُ الوجه حسنُ الثّابِ حسنُ الرّيح، فيقول: أبشِر بالذي يَسُرُّك، فيقول: مَن أنتَ؟ فيقول: أنا عملك الصالح))، وقال في حَقِّ الكافر: ((ویأتیه رجلٌ قبيحُ الوجه)» الحديثَ، وفيه: ((بالذي يَسوؤك))، وفيه: ((عَمَلُك الخبيث)). قال الكِرْمانيُّ: التَّبَعيَّةُ في حديث أنس بعضها حقيقة وبعضها مجاز، فيُستفاد منه استعمال اللَّفظ الواحد في حقيقته ومجازه. قلت: هو في الأصل حقيقة في الحِسِّ، ويَطرُقُه المجازُ في البعض، وكذا المال، وأمَّا العملُ فعلى الحقيقة في الجميع، وهو مَجَازِّ بالنِّسبة إلى التَّبَعيَّة في الحِسّ. الحديث الخامس: قوله: ((أبو الُّعْمان)) هو محمَّد بن الفضل، والسَّنَدُ إلى نافعٍ بصريّونَ. قوله: ((إذا ماتَ أحدُكم عُرِضَ عليه مَفْعَدُه)) كذا للأكثر، وفي رواية المُستَمْلِي والسَّرَخْسيّ: ((على مَقعَده)). وهذا العَرْضُ يقعُ على الرّوحِ حقيقةً، وعلى ما يَتَّصِلُ به من البَدَنِ الاتّصالَ الذي يُمكِنُ به إدراكُ التَّنعيمِ أو التَّعذيب على ما تقدَّم تقريره، وأبدَى القُرطُبيُّ في ذلك احتمالَين: هل هو على الرّوحِ فقط أو عليها وعلى جُزءٍ من البَدَنِ؟ وحكى ابن بَطّال عن بعض أهل بلدهم: أنَّ المرادَ بالعَرْضِ هنا الإخبار بأنَّ هذا موضع جَزائكم على أعمالكم عند الله، وأُرِيدَ بالتَّكرير تَذكارُهم بذلك، واحتَجَّ بأنَّ الأجسادَ تَفْنَى والعَرْض لا يقع على شيءٍ فانٍ، قال: فبانَ أنَّ العَرْضَ الذي يدوم إلى يوم القيامة إنَّما هو على الأرواح خاصّةً. وتُعقّبَ بأنَّ حَمْلَ العَرْضِ على الإخبار عُدولٌ عن الظّاهِرِ بغير مُقْتَضٍ لذلك، ولا يجوزُ العُدولُ إلّا بصارِفٍ يَصِرِفُه عن الظّاهر. قلت: ويُؤَيِّدُ الحَمْلَ على الظّاهِرِ أنَّ الخبرَ وَرَدَ على العُمومِ في المؤمنِ والكافر، فلو اختَصَّ بالرّوحِ لم يكن للشَّهيدِ في ذلك كبيرُ فائدةٍ، لأنَّ روحَه مُنَعَّمَةٌ جَزماً كما في الأحاديث ٢٩٣ كتاب الرقاق الصَّحيحة(١)، وكذا روح الكافر مُعَذَّبة في النار جَزماً، فإذا ◌ُلَ على الرّوح التي لها التِّصلل بِالبَدَنِ ظَهَرَت فائدةُ ذلك في حَقِّ الشَّهيد، وفي حَقِّ الكافر أيضاً . : قوله: ((غُدْوةً وعَشَّةً)) أي: أوَّلَ النَّهار وآخِرَه بالنّسبة إلى أهلِ الدُّنِيِ .... قوله: ((إمّا النار وإمّا الجنَّة)) تقدَّم في الجنائز (١٣٧٩) من رواية مالك بلفظ: «إن كان من أهل الجنَّة فمن أهل الجنَّة))، وتقدَّم توجيهُه في أواخر كتاب الجنائز، وتقلّم،هناك بحثُ القُرطُبيِّ في ((المفهم)). ثمّ إنَّ هذا العَرْضَ للمؤمنِ المتَّفِي والكافر ظاهرٌ، وَأَمَّا المؤمن لاخلِّطِ فيحتمل أيضاً أن 13 .(٢٢١) حماسة». يُعرَض ◌َعَليه مُقَّدُه من الجنَّة التي تَصيرُ إليها .. ؟ وقلتُ هُ وَ الإِنْفِصَالُ مُعْنِ هَدُلِ الإِشْجَالِ يَظْهُ. من الحديث الذي أخرجه ابن أبي الدُّنيا والطبَانِيُّ(٢) فِصَحَّتَهِ ابنَّ حِبّان (٣١١٣) من حديث أبي هريرة فى قصَّة السُّوّالِ في القبر، ◌ُوَفِيهُ «ثُمَّ يُفْتَحُ لَّهِ بابٌ مِن أَبُوإِبِ الْجَنَّة، فيقال له: هذا مَقِعَدُك وما أعَدَّ الله لك فيها، فيزدادُ غِبطةً وسُروِراً، ثمّ يُفتَحُ له بابٌ من أبواب النار، فيقال له: هذا مَقعَدك وما أعَدَّ الله لك فيها لو عَصَيته، فيزدادُ غِيطَةً وسُروراً)) الحديثَ، وفيه في حَقِّ الكافر: ((ثمَّ يُفتَحُ له بابٌ من ء أَبَّواب النار)) وفيه: ((فيزدادُ حَسْرةً وتُبوراً) في الموضعين، وفيه: ((لو أطَعْتَه)). وأخرج الطبرانيُّ (٩٧٦١) عن ابن مسعود: ((ما من نفس إلّا وتَنظُر في بيت في الجنَّة وبيت في الهر، فيَرَىّ أهل النار البيت الذي في الجنَّة، فيقال: لو عَمِلتُم، ويَرَى أهل الجنَّة البيت الذري في النار، فيقال: لولا أنْ مَنَّ الله عليكم)). ولأحمدَ (٢٥٠٨٩) عن عائشةَ ما يُؤْخَذُ منه أنَّ رُؤيةَ ذلك للنَّجاة أو العذاب في الآخرة، (١) أخرجه مسلم (١٨٨٧)، وابن ماجه (٢٨٠١)، والترمذي (٣٠١١) من حديث ابن مسعود مرفوعاً: ((أرواحهم في جوف طيرٍ خُضْرٍ، لها قناديلُ معلقةٌ بالعرش، تسرَح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل ... )) إلى آخره. (٢) هو في ((معجمه الأوسط)) (٢٦٣٠)، كما قيَّده المنذري في ((الترغيب والترهيب)» ٣٧٣/٤، والهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ٣/ ٥٢. ولم نقف عليه فيما بأيدينا من كتب ابن أبي الدنيا المطبوعة. (١) كنا وقع للحافظ .أو ما في اليونينية في ٣٩٤ باب ٤٣ فتح الباري بشرح البخاري فعلى هذه ◌ُتِمُلَ في الذنبِ الذي قُدِّرَ عليه أنَّ يُعذَّبَ قبلَ أن يَدخُلَ الجنَّةَ أن يقال له مثلاً بعد عَرْضِ مَقعَدِه من الجنَّة: هذا مَقعَدُك من أوَّل وَهْلةٍ لو لم تُذْنِب، وهذا مَقعَدُك من أوَّل وَهْلةٍ لعِصيانكِ شْألُ اللهَ العفو والعافيةَ من كلّ بَليَّة في الحياة وبعد الموت، إنَّه ذو الفضل العظيمتقل ثناله فيه. شْر قوله تد « فيمقالة هذا: مَفْعَدُكِ، حتَّى تُبْعَثَ إليه (١)» في رواية الكُشْمِيهنيّ: «عليه)»، وفي طريق مالكٍ: ((حتَّى يَبعَثَك الله إليه يومَ القيامة))، وقد بيَّت الإشارةَ إليه بعدَ خمسة أبوابٍ. ٣٦٧/١١ ن أَ لَ الحِذْبِه السّلامِو ◌َم حديث ها تثَّ في النَّهي عن سَبِّ الأموات، تقدَّم شرحُه مُستَوَى/ في أواخرِ كتابِ الجنائزِ (١٣٩٣). بيتشاي أوبا ميداً رعا شبيهة عجاب نفخ الصُّور بقالحالي مجامة بالقوة علمية البُوقِ أشبيل. ٧ ﴿رجرة ﴾ [الصافات: ١٩]: صيحة. وقال ابنُ عبَّاس: ﴿النَّاقُورِ﴾ [المدثر:٨]: الصّور. ﴿الرَّحِفَهُ﴾ [النازعات: ٦]: النّفْخَةُ الأولى. ٨٠, .متصلة وَ﴿الرّادِفَةُ﴾ [النازعات: ٧]: النَّفْخةُ الثّانية. قوله: ((باب نَفْخِ الصّورِ)) تَكَرِّرَ ذِكُرُه في القرآن في الأنعام والمؤمنينَ والنَّمل والزُّمَرِ وقّ، وَغيرها، وهو بضمِّ المهمَلةَ وسكونَ الواو، وَيَّتَ كذلك في القراءات المشهورة والأحاديث، وذُكِرَ عن الحسن البصريِّ أَنَّه قرأها بفتح الواوِ جمع صورةٍ، وتأوَّلَه على أنَّ المراد النَّفْخ في الأجسادِ لتُعَادَ إلَيهَا الأرواح. : " - وقال أبو عُبيدة في ((المجاز): يقال: الصُّور - يعني بسكونِ الواو - جمعُ صُورةٍ، كما مقلى (١) كذا وقع للحافظ رحمه الله أنَّ رواية غير الكُشميهني بلفظ: إليه، ورواية الكشميهني يلفظا عليه، وهذا أ خلاف ما في اليونينية حيث جاء فيها رواية غير الكشميهني بحذف الجار والمجرور،وفي روايته بزيادة: إليه، والله تعالى أعلم. باطا لينتايوانهذا بخلاف البديل (بة هيله دفقا مو ٢١٢٥ حسب) ومخ) ٢٩٥ باب ٤٣ كتاب الرقاق يقال: سُوْر المدينة، جمعُ سُورةٍ، قال الشّاعرُ(١): لمَّا أتى خَبَرُ الزُّبَيرِ تَوَاضَعتْ سُوْرُ المدينة. ٠٠ ... فَيَستَوي معنى القراءتَين. وحكى مِثْلَه الطَّبَريُّ عن قومٍ، وزادَ: كالصّوفِ جمع صوفةٍ، قالوا: والمراد بالنفخ في الصُّور، وهي الأجسادُ لتُعادَ فيها الأرواح، كما قال تعالى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى﴾ [الحجر: ٢٩]. وتُعقّبَ قولُه: ((جمع)) بأنَّ هذه أسماءُ أجناسٍ لا ◌ُوعٌ. وبالَغَ النَّحّاس وغيرُه في الردِّ على التَّأويل المذكور، وقال الأزهَرِيُّ: إنَّه خِلَافُ ما عليه أهل السُّنّة والجماعة. قلت: وقد أخرج أبو الشَّيخ في كتاب ((العَظَمة)) (٣٨٩) من طريق وهب بن مُنيٍِّ من قولِهِ، قال: خَلَقَ الله الصّور من لؤلؤةٍ بيضاءَ في صَفاءِ الزُّجاجة، ثمّ قال للعَرش: خُذ الصّور فَتَعلَّق به، ثمَّ قال: كُن، فكان إسرافيلُ، فأمَرَه أن يأخُذَ الصّور فأخَذَه وبه ثُقْبٌ بِعَدَدِ كلِّ روحٍ مخلوقةٍ ونفسٍ مَنفوسةٍ. فذكر الحديثَ، وفيه: ثمَّ تُجمَعُ الأرواحُ كلّها في الصّور، ثُمَّ يأمرُ الله إسرافيلَ فيَنفُخُ فيه فتَدخُلُ كلَّ روحٍ في جسدِها. فعلى هذا فالنَّفْخُ يقعُ في الصّور أوَّلاً لَيَصِلَ النَّفْخُ بالرّوحِ إلى الصّورِ، وهي الأجسادُ، فإضافةُ النَّفخ إلى الصّور الذي هو القَرْنُ حقيقةٌ، وإلى الصّور التي هي الأجسادُ مجازٌ. قوله: ((قال مجاهد: الصّور كَهَيْئَةِ البُوقِ)) وَصَلَه الفِرْيابيّ/ من طريق ابن أبي نَجِيح عن ٣٦٨/١١ مجاهد، قال في قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِ الصُّورِ﴾ [الكهف: ٩٩] قال: كهَيْئة البُوق. وقال صاحبُ (الصِّحاح)): البوق الذي يُزمَر به، وهو معروف، ويقال للباطل؛ يعني يُطلَق ذلك عليه مجازاً لگونِه من چِنْسِ الباطل. تنبيه: لا يَلْزَمُ من كَونِ الشَّيءٍ مذموماً أن لا يُشَبَّه به الممدوحُ، فقد وَقَعَ تشبيه صوتِ الوحي (١) هو جرير بن عطية، كما في ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد ١١٣/٣، وهذا البيت في ((ديوانه)) من قصيدة طويلة يهجو فيها الفرزدق. ٢٩٦ باب ٤٣ فتح الباري بشرح البخاري بصَلْصَلة الجَرَسِ (١) مع النَّهي عن استصحابِ الجَرَس(٢)، كما تقدَّم تقريرُه في بَدْءِ الوحي، والصُّور إنَّما هو قَرْنٌ كما جاء في الأحاديثِ المرفوعة، وقد وَقَعَ في قصَّة بَدْءِ الأذان بلفظ الْبُوقِ(٣) والقَرْنِ في الآلة التي يستعملُها اليهودُ للأذان. ويقال: إنَّ الصّور اسمُ القَرْنِ بلغة أهلِ اليمن، وشاهدُه قولُ الشّاعر: نحنُ نَفَخْناهم غَدَاةَ النَّقْعَينِ نَفْخاً شديداً لا كنَفْخ الصُّورَينِ(٤) وأخرج أبو داود (٤٧٤٢)، والتِّرمِذيُّ (٢٤٣٠ و٣٢٤٤) وحَسَّنَه، والنَّسائيُّ (ك ١١٢٥٠ و١١٣١٧ و١١٣٩٢)، وصَحَّحَه ابن حِبّان (٧٣١٢) والحاكم (٤٣٦/٢) من حديث عبد الله ابن عَمْرو بن العاص قال: جاء أعرابيٌّ إلى النبيّ وَّرِ فقال: ما الصّور؟ قال: ((قَرِنٌ يُنفَخُ فيه)). وللترمذيِّ أيضاً (٢٤٣١ و٣٢٤٣) وحَسَّنَه من حديث أبي سعيد مرفوعاً: ((كيف أنعَمُ وصاحبُ الصّور قد التَّقَمَ القَرْنَ، واستَمَعَ الإِذْنَ متى يُؤْمَرُ بالنَّفْخِ؟)) (٥). وأخرجه الطبرانيّ(٦) (٥٠٧٢) من حديث زيد بن أرقَمَ، وابن مَرْدويه(٧) من حديث أبي هريرة. ولأحمدَ والبيهقيِّ من حديث ابن عبّاس(٨) وفيه: ((جِبْرِيلُ عن يمينه وميكائيل عن يَسارِه (١) يشير إلى حديث عائشة المتقدم برقم (٢)، وهو في مسلم أيضاً (٢٣٣٣). (٢) يشير إلى حديث أبي هريرة عند مسلم (٢١١٣) رفعه: ((لا تصحب الملائكة رُفقةً فيها كلب ولا جرس)). (٣) يشير إلى حديث ابن عُمر المتقدم برقم (٦٠٤). (٤) كذا جاء بلفظ النفخ في المواضع الثلاثة من هذا البيت في (أ)، وكذلك جاء في ((شمس العلوم)) للحِمْيَريّ، وفي (ع) و(س): نفخناهم، نطحاً، كنطح، وهو تلفيق بين روايتين لهذا البيت لأنه روي بلفظ: نطحناهم، نطحاً، كنطح، وهذه الرواية في ((المحكم)) و((الصحاح)) في مادة (صور). (٥) انظر تخريجه في ((المسند)) (١١٠٣٩). (٦) فات الحافظ رحمه الله أن يخرجه من ((مسند أحمد)) (١٩٣٤٥). (٧) فات الحافظ رحمه الله أن يخرجه من ((سنن النسائي الكبرى)) (١١٠١٦)، وهو أيضاً عند إسحاق بن راهويه في «مسنده» (٥٣٨). (٨) وهم الحافظ رحمه الله في نسبة هذا الحديث بهذا اللفظ لابن عباس، وإنما هو لأبي سعيد الخدري، كذلك = ٢٩٧ كتاب الرقاق وهو صاحب الصُّور، يعني إسرافيل)). وفي أسانيد كلٍّ منها مقالٌ. وللحاكم (٥٥٨/٤ - ٥٥٩) بسندٍ حسنٍ عن يزيد بن الأصَمّ عن أبي هريرة رَفَعَه: ((إنَّ طَرْفَ صاحب الصّور مُنذُ وُكِّلَ به مُستَعِدٌّ يَنظُرُ نحو العَرْش، ◌َافةَ أنْ يُؤمَرَ قبلَ أن يَرْتَدَّ إليه طَرْفُه، كأنَّ عينَهِ کَوكَبانِ دُرِّیّان». قوله: ((﴿زَجْرَةٌ﴾: صَيحة)) هو من تفسير مجاهد أيضاً، وَصَلَه الفِرْيابيّ من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ وَجِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾ قال: صَيْحٌ، وفي قوله تعالى: ﴿فَإنَّا هِىَ زَجْرَةٌ وَحِدَةٌ ، فَإِذَا هُمْ بِلسَّاهِرَةِ﴾ قال: صَيحةٌ. قلت: وهي عبارةٌ عن نَفْخِ الصّور النَّخةَ الثّانيةَ، كما عَبَّرَ بها عن النَّفخة الأولى في قوله تعالى: ﴿ مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَحِدَةً تَأْخُذُهُمْ ﴾ الآيةَ [يس: ٤٩]. قوله: ((وقال ابن عبّاس: ﴿النَّاقُورِ﴾: الصّور)) وَصَلَه الطَّرِيُّ (١٥١/٢٩) وابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُرِ ﴾ [المدثر: ٨] قال: الصّور، ومعنى ﴿نُقِرَ﴾: نُفِخَ، قاله في ((الأساس)). وأخرج البيهقيُّ(١) من طريقٍ أُخرى عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِ النَّاقُورِ﴾ قال: قال الرَّسول ◌َالَ: «كيف أَنعَمُ وقد التَّقَمَ صاحبُ القَرنِ القَرنَ)) الحديثَ. تنبيه: اشْتَهَرَ أنَّ صاحب الصُّور إسرافيلُ عليه السلام، ونَقَلَ فيه الحَلِيمَيّ الإجماعَ، ووَقَعَ التَّصريح به في حديث وهب بن مُنبِّه المذكور، وفي حديث أبي سعيد عند البيهقيّ (٢)، وفي = قال السيوطي في ((الحبائك)) ص٣٣، وفي ((الدر المنثور)) عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِلّهِ وَمَكَبِكَتِهِ﴾ الآية [البقرة: ٩٨] وزاد نسبته لمصادر أخرى، وهو في ((البعث والنشور)) للبيهقي، كما قيده السيوطي، وهو مطبوع، لكن الحديث في جملة ما سقط من النسخة التي اعتمدها محققه، وهو عند أحمد (١١٠٦٩)، وأبي داود (٣٩٩٩) وغيرهما، لكن لم يصرَّح فيه بذكر إسرافيل. (١) لم نقف عليه فيما طبع من كتب البيهقي، والظاهر أنه فيما سقط من كتاب ((البعث والنشور))، وهو أيضاً عند أحمد (٣٠٠٨). (٢) هو في ((البعث والنشور)) له كما قدمنا بيانه قريباً، لكنه في جملة ما سقط منه فلم يطبع. ٢٩٨ باب ٤٣ فتح الباري بشرح البخاري حديث أبي هريرة عند ابن مَرْدويه(١)، وكذا في حديث الصّور الطَّويل الذي أخرجه عبدُ ابن مُميدٍ، والطَّبَريّ (٣٠/١٦ و ١١٠/١٧)، وأبو يَعْلى في ((الكبير))، والطبرانيُّ في ((الطِّوالات)) (٣٦)، وعليّ بن مَعبَد في كتاب ((الطاعة والمعصية))، والبيهقيُّ في ((البعث)) (٦٠٩) من حديث أبي هريرة ومَداره علی إسماعيل بن رافع، واضطَرَبَ في سنده مع ضعفه، فرواه عن محمَّد ابن كعب القُرَظيِّ تارةً بلا واسطة وتارةً بواسطة رجلٍ مُبِهَمٍ، ومحمَّد عن أبي هريرة تارة بلا واسطةٍ وتارة بواسطة رجل من الأنصار مُبهَمٍ أيضاً. وأخرجه إسماعيل بن أبي زياد الشّاميّ أحد الضُّعَفاء أيضاً في ((تفسيره)) عن محمَّد بن عَجْلان عن محمَّد بن كعب القُرَظيّ. واعتَرَضَ به (٢) مُغَلْطاي على عبد الحقّ في تضعيفه الحديث بإسماعيل بن رافع، وخَفيَ عليه أنَّ الشّاميَّ أضعَفُ منه، ولعلَّهِ سَرَقَه منه فألصَقَه بابنِ عَجلان. وقد قال الدَّارَقُطنيُّ: إنَّه متروكٌ يَضَعُ الحديثَ، وقال الخليليُّ: شيخٌ ضعيفٌ شَحَنَ ٣٦٩/١١ «تفسيرَه))/ بما لا يُتَابَعُ علیه. وقال الحافظ عماد الدّين ابن كثير في حديث الصّور: جمعه إسماعيل بن رافع من عِدّة آثارٍ، وأصلُه عندَه عن أبي هريرة، فساقَه كلَّه مَساقاً واحداً. وقد صَحَّحَ الحديث من طريق إسماعيل بن رافع القاضي أبو بكر بن العربيّ في ((سِراجه))، وتَبِعَه القُرطُبيُّ في «التَّذكِرة))، وقول عبد الحقّ في تضعيفه أولى، وضَعَّفَه قبلَه البيهقيُّ، فَوَقَعَ في هذا الحديث عند عليّ بن مَعبَد: ((أنَّ الله خلق الصّور فأعطاه إسرافيلَ، فهو واضعُه على فيه شاخصٌ ببَصَره إلى العَرشِ)) الحديثَ، وقد ذكرت ما جاء عن وهب ابن مُنبِّه في ذلك، فلعلَّه أصلُه. وجاء أنَّ الذي يَنفُخُ في الصّور غيره، ففي ((الطبرانيّ الأوسط)) (٩٢٨٣) عن عبد الله (١) وهو أيضاً في ((المعجم الأوسط)) للطبراني (٨٩٤٢)، وأبي نعيم في ((الحلية)) ٤/ ٨٠، وإسناده تالف. (٢) لفظة ((به)) سقطت من (س). ٠٢٩٨ باب ٤٣ كتاب الرقاق ابن الحارث: كنّا عند عائشة فقالت: يا كعبُ، أخبرني عن إسرافيلَ، فذكر الحديثَبوڤیهة ومَلَكُ الصّور جاثٍ على إحدَى رُكَبَتِيهِ، وقد نَصَبَ الأُخرى، يَلْتَقِمُ الصّورَ، مَحَيّلَ ظَهَرَّها شاخصاً بَصَره إلى إسرافيلَ، وقد أُمِرَ إذا رأى إسرافيلَ قد ضَمَّ جناحَيه أن يَنْفُخ في الصّور، فقالت عائشة: سمعتُه من رسول الله وَّةٍ. ورجاله ثقاتٌ إلّا عليّ بن زيد بن جُدْعان ففيه ضعفٌ، فإن ثَبَتَ حُلَ على أنَّهما جميعاً يَنفُخان. ويُؤْيِّدُه ما أخرجه هَنّاد بن السَّرِيِّ في كتاب ((الزّهدِ)) (٦٢٤) بسندٍ صحيح لكنَّه موقوفٌ على عبد الرّحمن بن أبي عَمْرةَ قال: ما من صَباح إلّا ومَلَكان مُوكلان بالصّور، و(٦٢٥) مَن طريق عبد الله بن ضَمْرةً(١) مِثله وزاد: يَنتَظِران متى يَنفُخان؟ ونحوه عند أحمد (٦٨٠٤) من طريق سليمانَ التَّيْميِّ [عن أسلم](٢) عن أبي مُرَيّة(٣) عن النبيّ ◌َّةٍ، أو عن عبد الله بن عَمْرو عن النبيّ وَلَّ، قال: ((النافخان في السماء الثّانية رأسُ أحدِهما بالمشرقِ ورِجلاه بالمغربِ - أو قال بالعكس(٤) - يَنتَظِران متى يُؤمَران أن يَنْفُخا في الصّورِ، فِيَنفُخا)» ورجاله ثقاتٌ، وأخرجه الحاكم من حديث عبد الله بن عَمْرو بغير شَكٌّ(٥). ولابنِ ماجَهْ (٤٢٧٣) والبزَّار(٦) من حديث أبي سعيد رَفَعَه: ((إنَّ صاحبَي الصّور بأيديهما قَرنان يُلاحظان النَّظَر متى يُؤمَران)). وعلى هذا فقوله في حديث عائشة: ((أَنَّه إذا رأى إسرافيلَ (١) كذا جعله الحافظ رحمه الله من قول عبد الله بن ضمرة، وإنما يرويه عبد الله بن ضمرة عن كعب الأحبار، كذا في النسخة المطبوعة عندنا من ((الزهد)). فلعلَّ ذكر كعب سقط من نسخة الحافظ، والله أعلم. (٢) ما بين معقوفين سقط من الأصلين و(س)، وهو ثابت في الرواية. (٣) تحرف في (أ) و(س) إلى: أبي هريرة، وفي طبعة بولاق إلى: أبي هوية، وجاء على الصواب في (ع). (٤) هو بالعكس في الرواية. (٥) الذي وجدناه عند الحاكم (٢/ ٥٠٦) عن عبد الله بن عمرو: أنَّ أعرابياً أتى النبي ◌َّر فسأله عن الصّور، قال: ((قرن ينفخ فيه)). لكنه قال فيه: عن سليمان التيمي عن أسلم العجلي عن بشر بن شغاف عن عبد الله بن عمرو. فلعلَّ الحافظ أراد أنهما حديث واحد وأنَّ بعضهم اختصره. (٦) كما في «کشف الأستار» (٣٤٢٤). ٣٠٠ باب ٤٣ / ح ٦٥١٧ -٦٥١٨ فتح الباري بشرح البخاري ضَمَّ جناحَيه نَفَخَ)) أنَّه يَنفُخُ النَّفخةَ الأولى، وهي نَفخةُ الصَّعْقِ، ثمَّ يَنفُخُ إسرافيلُ النَّفْخَةَ الثّانيةَ وهي نَفخةُ البَعْث)). قوله: (﴿الرَّجِفَةُ﴾: النَّفْخةُ الأولى، و﴿الرَّادِفَةُ﴾: النّفْخُ الثّانيةُ)) هو من تفسير ابن عبّاس أيضاً، وَصَلَه الطََّرِيُّ (٣١/٣٠) أيضاً وابن أبي حاتم بالسَّنَدِ المذكور، وقد تقدَّم بيانه في تفسير سورة ﴿وَالنَِّعَتِ﴾(١)، وبه جَزَمَ الفَرّاء وغيره في ((معاني القرآن)). وعن مجاهدٍ قال: الرَّاجِفةُ: الزَّلْزَلةُ، والرَّادِفةُ: الدَّكْدَكَةُ، أخرجه الفِرْيابيّ والطَّبَريّ وغيرهما عنه، ونحوه في حديث الصّور الطَّويل، قال في رواية عليّ بن مَعبَد: ((ثمَّ تَرتَجُ الأرض وهي الرَّاحِفةُ، فتكون الأرض كالسَّفينة في البحر تَضرِبها الأمواج». ويُمكِن الجمع بأنَّ الَّلْزَلة تَنشَأ عن نَفخة الصَّعْق. ٦٥١٧ - حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثني إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن أبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ وعبدِ الرَّحمنِ الأعْرَجِ، أَنَّهما حَدَّثاه، أنَّ أبا هريرةَ قال: اسْتَبَّ رجلان: رجلٌ منَ المسلمينَ، ورجلٌ منَ اليهودِ، فقال المسلمُ: والذي اصْطَفَى محمَّداً على العالَينَ، فقال اليهوديُّ: والذي اصْطَفَى موسى على العالمينَ، قال: فَغَضِبَ المسلمُ عندَ ذلك فَلَطَمَ وجهَ اليهوديِّ. فذهب اليهوديُّ إلى النبيِّ وَّ، فأخبَرَه بما كان من أمرِه وأمرِ المسلمِ، فقال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((لا تُخُيِّروني على موسى، فإنَّ الناسَ يَصْعَقونَ يومَ القيامةِ، فأكونُ أَوَّلَ(٢) مَن يُفِيقُ، فإذا موسى باطِثٌ بجانبِ العَرْشِ، فلا أدري أكان موسى فيمَن صَعِقَ فأفاقَ قَبْلُ، أو كان ممَّنِ استثنى اللهُ﴾. ٦٥١٨ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، حدَّثنا أبو الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، (١) بين يدي الحديث رقم (٤٩٣٦). (٢) نبّه الحافظ عند شرح الحديث (٣٤٠٨) أنَّ في رواية إبراهيم بن سعد عند أحمد والنسائي: ((فأكون في أول)) بزيادة حرف ((في))، ولم يُشِر رحمه الله تعالى إلى ثبوت هذا الحرف في رواية الكُشميهني هنا حسب ما جاء في اليونينية.