النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
كتاب الرقاق
مَن أهانَ وليّي المؤمنَ فقد استَقبَلَني بالمحاربة، وفي حديث معاذ: ((فقد بارَزَ اللهَ بالمحارَبة))،
وفي حديث أبي أمامةَ وأنسٍ: ((فقد بارَزَني)).
وقد استُشكِلَ وقوعُ المحارَبة وهي مُفَاعَةٌ من الجانبين، مع أنَّ المخلوقَ في أَشْرِ الخالق،
والجواب أنَّه من المخاطَبة بما يُفهَم، فإنَّ الحربَ تَنشَأُ عن العَدَاوة، والعَدَاوةُ تَنشَأُ عن
المخالَفة، وغاية الحرب الهلاك، واللهُ لا يَغْلِبُه غالبٌ، فكأنَّ المعنى: فقد تَعرَّضَ لإهلاكي
إيّاه، فأطلقَ الحربَ وأراد لازِمَه، أي: أعمَلُ به ما يعملُه العدوُّ المحارِب.
قال الفاكهانيُّ: في هذا تهديدٌ شديدٌ، لأنَّ مَن حارَبَه الله أهلَكَه، وهو من المجازِ / البليغ، لأنَّ ٣٤٣/١١
مَن كَرِهَ مَن أحبَّ اللهَ خالَفَ اللهَ، ومَن خالَفَ اللهَ عانَدَه، ومَن عائَدَه أهلَكَه، وإذا ثَبَتَ هذا في
جانبِ المعاداة ثَّبَتَ في جانب الموالاة، فمَن والى أولياءَ الله أكرَمَه الله.
وقال الطُّونِيُّ: لمَّا كان وليُّ الله مَن تَولَّى اللهَ بالطاعة والتَّقوى، تَولّاه الله بالحِفْظ والنُّصرة،
وقد أجرَى الله العادة بأنَّ عدوّ العدوّ صديقٌ، وصديقَ العدوِّ عدوٌّ، فعدُ ولِيِّ الله عدوُ الله، فمَن
عاداه كان كمَن حارَبَه، ومَن حارَبَه فكأنّما حارَبَ اللهَ.
قوله: ((وما تَقْرَّبَ إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ مَّا افتَرَضْتُ عليه)) يجوزُ في ((أحبّ)) الرَّفعُ
والنَّصب، ويَدخُلُ تحت هذا اللَّفظِ جميعُ فرائضِ العَيْن والكِفاية، وظاهرُه الاختصاصُ
بما ابتَدَأ الله فرضيَّتَه، وفي دخول ما أوجَبَه المكلَّف على نفسِه نظرٌ، للتَّقييدِ بقوله:
((افتَرَضتُ عليه))، إلّا إن أُخِذَ من جهة المعنى الأعَمّ، ويُستَفادُ منه أنَّ أداء الفرائض أحبُّ
الأعمال إلى الله.
قال الطُّوفيُّ: الأمرُ بالفرائضِ جازٌِ، ويقعُ بتَركِها المعاقَبةُ، بخِلَاف النَّفْلِ في الأمرَين،
وإن اشتَرَكَ مع الفرائضِ في تحصيلِ الثَّوابِ فكانت الفرائضُ أكمَلَ، فلهذا كانت أحبَّ إلى الله
تعالى وأشدَّ تقريباً، وأيضاً فالفَرْضُ كالأصلِ والأُسِّ والنَّفْلُ كالفَرع والبناء، وفي الإتيان
بالفرائضِ على الوجه المأمورِ به امتثالُ الأمرِ واحترامُ الآمِرِ وتعظيمُه بالانقيادِ إليه وإظهارُ
عَظَمة الرُّبوبِيَّة وذُلِّ العُبوديَّة، فكان التَّقْرُّبُ بذلك أعظَمَ العمل، والذي يُؤَدّي الفرائضَ

٢٤٢
باب ٣٨ / ح ٦٥٠٢
فتح الباري بشرح البخاري
قد يَفعلُه خوفاً من العُقوبة، ومُؤَدّي النَّفل لا يفعلُه إلّا إيثاراً للخدمة، فيُجازَى بالمحبّة
التي هي غايةٌ مطلوبٍ مَن يَتَقَرَّبُ بخِدمَتِهِ.
قوله: ((وما زالَ)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((وما يزال)) بصيغة المضارَعة.
قوله: ((يَتَقَرَّب إلَّ» التَّقُرُّب: طلبُ القُرْب، قال أبو القاسم القُشَيرِيُّ: قُربُ العبد من رَبِّه
يقعُ أوّلاً بإيمانه، ثمَّ بإحسانه، وقُربُ الرَّبِّ من عبده ما يَخُصُّه به في الدُّنيا من عِرْفانه، وفي
الآخرة من رِضْوانه، وفيما بين ذلك من وجوه لُطفه وامتنانه، ولا يَتِمُّ قُربُ العبد من الحقِّ إلّا
بُيُعدِهِ مِن الْخَلْق. قال: وقُربُ الرَّبّ بالعِلْمِ والقُدْرة عام للنّاس، وباللُّطْفِ والنُّصرة خاصٌّ
بالخواصّ، وبالتَّأنيسِ خاصٍّ بالأولياء.
ووَقَعَ في حديث أبي أمامةَ: ((يَتَحَبَّبُ إلىَّ)) بدلَ ((يَتَقَرَّب))، وكذا في حديث ميمونة.
قوله: ((بالنَّوافلِ حتَّى أحْبَبتُه) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((أُحِبَّه)) ظاهرُه أنَّ مَحَبّةَ الله تعالى
للعبد تَقَعُ بمُلازَمة العبد التَّقُرُّبَ بالنَّوافل، وقد استُشكِلَ بما تقدَّم أوَّلاً أنَّ الفرائضَ أحبُّ
العبادات المتقرَّبِ بها إلى الله، فكيفَ لا تُنتِجُ المحبّةَ؟ والجوابُ: أنَّ المرادَ من النَّوافلِ ما
كانت حاويةً للفرائضِ مُشتَمِلةً عليها ومُكمِّلةً لها، ويُؤيِّدُه أنَّ في رواية أبي أمامةَ(١): ((ابن
آدم، إنَّك لن تُدرِكَ ما عندي إلّا بأداءِ ما افتَرَضتُ عليك)).
وقال الفاكِهانيُّ: معنى الحديث: أنَّه إذا أدَّى الفرائض ودامَ على إتيان النَّوافل من
صلاة وصيام وغيرهما، أفضَى به ذلك إلى محبّة الله تعالى.
وقال ابن هُبَيرة: يُؤخَذ من قوله: ((ما تَقرَّب ... )) إلى آخره، أنَّ النافلة لا تُقدَّمُ على
الفريضة، لأنَّ النافلة إنَّما سُمّيَت نافلةً لأنَّها تأتي زائدةً على الفريضة، فما لم تُؤَدَّ الفريضةُ لا
تَحصُلُ النافلة، ومَن أدَّى الفَرضَ ثمَّ زاد عليه النَّل وأدامَ ذلك، تَحقَّقَت منه إرادةُ التَّقُرُّب،
انتھی.
وأيضاً فقد جَرَتِ العادةُ أنَّ التَّقُرُّبَ يكون غالباً بغير ما وَجَبَ على المتقرِّب، كالهديَّة
(١) عند الطبراني في ((الكبير)) (٧٨٨٠).

٢٤٣
باب ٣٨ / ح ٦٥٠٢
كتاب الرقاق
والتُّحفة، بخِلَاف مَن يُؤَدّي ما عليه من خَرَاجٍ، أو يقضي ما عليه من دَينٍ.
وأيضاً فإنَّ من ◌ُملة ما شُرِعَت له النَّوافل جَبرُ الفرائض، كما صَحَّ في الحديث الذي
أخرجه مسلم(١): ((انظُرُوا هل لعَبدي من تَطَوُّع فتُكمَّلُ به فَرِيضَتُه؟)) الحديث بمعناه،
فَتَبَّن أنَّ المرادَ من التَّقُّب بالنَّوافل: أن تقع ممَّن أدَّى الفرائضَ، لا مَن أَخَلَّ بها، كما قال
بعض الأكابر: مَن شَغَلَه الفرضُ عن النَّفْلِ فهو معذورٌ، ومَن شَغَلَه النَّفْلُ عن الفرضِ فهو
مغرورٌ.
قوله: ((فكنت سَمْعَه الذي يَسمَعُ)) زاد الكُشْمِيهنئُّ: ((به)).
قوله: ((وبَصَرَه الذي يُبصِرُ به)) في حديث عائشة في رواية عبد الواحد: ((عينَه التي يُبِصِرُ
بها)»، وفي/ رواية يعقوب بن مجاهد: ((عينَيَه التي يُبْصِرُ بهما)) بالتَّشْنية، وكذا قال في الأُذُنِ ٣٤٤/١١
واليَدِ والرِّجل، وزاد عبد الواحد في روايته: ((وفُؤَادَه الذي يَعِقِلُ به، ولسانَه الذي يتكلّمُ
به»، ونحوه في حديث أبي أمامةَ، وفي حديث ميمونةَ: «وقلبه الذي يَعقِلُ به»، وفي حديث
أنس: ((ومَن أحبَبتُه كنت له سَمعاً وبَصَراً ويَداً ومُؤَيِّداً)).
وقد استُشكِلَ كيفَ يكونُ الباري جلَّ وعَلَا سَمْعَ العبد وبَصَرَه ... إلى آخره؟ والجوابُ
من أو جُهِ:
أحدُها: أنَّه وَرَدَ على سبيل التَّمثيل، والمعنى: كنت كسمعِه(٢) وبَصَرِه في إيثاره أمري، فهو
يُحِبُّ طاعَتِي ويُؤْثِرُ خِدمَتي كما يُحِبّ هذه الجوارحَ.
ثانيها: أنَّ المعنى: كُلّيَّتَه مشغولةٌ بي، فلا يُصغِي بسَمعِه إلّا إلى ما يُرِضِيني، ولا يرى ببَصَره
إلّا ما أمرتُه به.
ثالثها: المعنى: أَجعلُ له مقاصدَه كأنَّه يَناها بسَمعِه وبَصَره ... إلى آخره.
(١) كذا عزاه الحافظ لمسلم، وهو ذهولٌ، وإنما أخرجه أصحاب ((السنن)) أبو داود (٨٦٤)، وابن ماجه (١٤٢٥)،
والترمذي (٤١٣)، والنسائي (٤٦٥) من حديث أبي هريرة، وهو حديث صحيح.
(٢) في (س): سمعه، بإسقاط الكاف، وهو خطأ.

٢٤٤
فتح الباري بشرح البخاري
رابعها: كنت له في النُّصرة كسَمْعِه وبَصَره ويده ورجله في المعاونة على عدوِه.
خامسها: قال الفاكهانيُّ، وسَبَقَه إلى معناه ابنُ هُبَيرة: هو فيما يظهرُ لي أنَّه على حذفٍ
مُضافٍ، والتَّقديرُ: كنت حافظَ سَمعِه الذي يسمعُ به، فلا يسمعُ إلّا ما يَحِلُّ استماعُه، وحافظَ
بَصَره كذلك ... إلى آخره.
سادسها: قال الفاكهانيُّ: يحتمل معنى آخرَ أدَقَّ من الذي قبلَه، وهو أن يكون معنى
سَمعِه: مسموعَه، لأنَّ المصدر قد جاء بمعنى المفعولِ مثل: فلانٌ أَمَلي بمعنى: مأمولي،
والمعنى: أنَّه لا يسمعُ إلّا ذِكْرِي، ولا يَلتَّذُّ إلّا بتلاوة كتابي، ولا يَأنسُ إلّا بمناجاتي، ولا
يَنظُرُ إلّا في عجائبٍ مَلَكُوتي، ولا يَمُدُّ يدَه إلّا فيما فيه رِضايَ، ورِجلُه كذلك، وبمعناه قال
ابن هُبَيرة أيضاً.
وقال الطُّوفيُّ: اتَّفَقَ العلماءُ مَّن يُعتَدّ بقوله أنَّ هذا مَجَازٌ وكِناية عن نُصْرة العبد وتأييده
وإعانته، حتَّى كأنَّه سبحانَه يُنزِّلُ نفسَه من عبده مَنزِلَةَ الآلات التي يستعينُ بها، ولهذا وَقَعَ
في روايةٍ: «فبي يسمعُ وبي يُصِرُ وبِي يَبطِئُ وبِي يَمشي))، قال: والاتَّادِيَّة زَعَموا أنَّه على
حقيقَتِه وأنَّ الحقّ عينُ العبد، واحتَجّوا بمَجيءٍ جِبْرِيلَ في صورة دِحيةً(١)، قالوا: فهو
رُوحَانِيٌّ خَلَعَ صورته وظَهَرَ بمَظهَرِ البشر، قالوا: فالله أقدَرُ على أن يظهرَ في صورة الوجودِ
الكلّيِّ أو بعضِه، تعالى الله عمَّا يقول الظّالمونَ عُلوّاً كبيراً.
وقال الخطّابيُّ: هذه أمثالٌ والمعنى: توفيقُ الله لعبده في الأعمال التي يُباشرُها بهذه الأعضاء،
وتيسيرُ المحبّة له فيها بأن يحفظ جوارحَه عليه، ويَعصِمَه عن مُواقَعة ما يَكرَه الله من
الإصغاء إلى اللهو بسَمعِه، ومن النَّظَر إلى ما نَهَى الله عنه ببَصَرِه، ومن البَطْش فيما لا يَحِلّ له
بَيَدِه، ومن السَّعي إلى الباطلِ برجلِه. وإلى هذا نَحَا الدَّاوُوديّ، ومثله الكَلَاباذيّ، وعَبَّرَ
بقوله: أحفَظُه فلا يَتَصَرَّفُ إلّا في مَحَابِّ، لأنَّه إذا أحبَّه كَرِهَ له أن يَتصرَّفَ فيما يَكرَهُه
منه.
(١) سلف عند البخاري برقم (٣٦٣٣).

٢٤٥
باب ٣٨ / ح ٦٥٠٢
كتاب الرقاق
سابعها: قال الخطَّبيُّ أيضاً: وقد يكون عَبَّرَ بذلك عن سرعة إجابة الدُّعاء والنَّجْح في
الطَّلَب، وذلك أنَّ مَساعيَ الإنسان كلَّها إنَّما تكون بهذه الجوارح المذكورة. وقال بعضهم - وهو
مُتَتَزَع ممَّا تقدَّم -: لا يَتَحَّك له جارحةٌ إلّا في الله والله، فهي كلُّها تَعمَلُ بالحقِّ للحقّ.
وأسنَدَ البيهقيُّ في ((الزُّهد)) (٧٠٠) عن أبي عثمان الحِيريّ(١) أحد أئمّة الطَّريق قال:
معناه: كنتُ أسرعَ إلى قضاء حوائجه من سَمعِه في الاستماع (٢)، وعينِه في النَّظَر، ويده في
اللَّمس، ورِجلِه في المشي. وحَلَه بعض مُتأخّري الصّوفيَّة على ما يَذكُرُونَه من مقام الفَنَاء
والمَحْو، وأنَّه الغاية التي لا شيء وراءَها، وهو أن يكون قائماً بإقامة الله له، مُحِبّاً بمَحبَّتِه
له، ناظراً بنَظَرَه له من غير أن تَبقَى معه بقيَّةٌ تُناط باسمٍ، أو تَقِفُ على رَسْمِ، أو تتعلَّقُ بأمرٍ
أو تُوصَفُ بوصفٍ، ومعنى هذا الكلام: أنَّه يَشْهَدُ إقامةَ الله له حتَّى قامَ، ومَبَّتَه له حتَّى
أحبَّه، ونَظَرَه إلى عبده حتَّى أقبَلَ ناظراً إليه بقلِهِ.
وَمَلَه بعض أهلِ الَّيغ على ما يَدَّعونَه من أنَّ العبد إذا لازَمَ العبادة الظّاهرة والباطنة
حتَّى يُصَفَّى من الكُدورات، أنَّه يصير في معنى الحقّ، تعالى الله عن ذلك، وأنَّه يَفنَى عن
نفسه جُملةً حتَّى يَشْهَد أنَّ الله هو الذّاكر لنفسِه الموحِّد لنفسِه المحِبّ لنفسِه، وأنَّ هذه الأسباب
والرُّسوم تصير عَدَماً صِرفاً في شُهوده وإن لم تُعدَم في الخارج، وعلى الأوجُه كلِّها فلا
مُتَمسَّكَ فيه للاتِّحاديَّةِ / ولا القائلينَ بالوَحْدة المطلقة، لقولِه في بقيَّة الحديث: ((ولَئِن سألَني، ٣٤٥/١١
ولَئِن استَعَاذَني)) فإنَّه كالصَّريح في الردّ عليهم.
قوله: ((وإن سألَني)) زاد في رواية عبد الواحد(٣): ((عَبدي)).
(١) تصحَّف في (س) إلى: الجيزي، بالجيم والزاي، وقد سبق التنبيه إليه في شرح الباب (١٩) بين يدي
الحديث (٦٤٦٩).
(٢) في الأصلين و(س): الاسماع، بإسقاط التاء، وهو خطأ.
(٣) يعني في حديث عائشة عند أحمد وغيره، وقد سبق تخريجه في أول شرح هذا الحديث، لكن هذه الزيادة ليست في
حديثه، وإنما هي في حديث أبي هريرة نفسه من الطريق ذاته التي عند البخاري لكن عند ابن حبان (٣٤٧)
والبيهقي ٣٤٦/٣ و٢١٩/١٠ وأبي نعيم في «الحلية)) ١/ ٤.

٢٤٦
باب ٣٨ / ح ٦٥٠٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((أعْطَيْتُه)) أي: ما سألَ.
قوله: ((ولَئِن استَعاذَني)» ضبطناه بوجهَين: الأشهَرُ بالنّونِ بعد الذّال المعجَمة، والثّاني
بالموحَّدة، والمعنى: أَعَذتُه ممّا يَخاف، وفي حديث أبي أمامةَ: ((وإذا استَنَصَرَ بي نَصَرتُه)»، وفي
حديث أنس: ((نَصَحَنِي فَنَصَحتُ له))، ويُستَفاد منه أنَّ المراد بالنَّوافلِ جميع ما يُنْدَب من
الأقوال والأفعال. وقد وَقَعَ في حديث أبي أُمامةَ المذكور: ((وأحبُّ عبادة عبدي إليَّ
النَّصيحة))، وقد استشكِلَ بأنَّ جماعةً من العُبّادِ والصُّلَحاءِ دَعَوْا وبالَغوا ولم يُجَابُوا،
والجواب: أنَّ الإجابةَ تتنوَُّ: فتارةً يقع المطلوبُ بعينِه على الفَوْر، وتارةً يقعُ ولكن يَتأخّرُ
لحكمةٍ فيه، وتارةً قد تقع الإجابةُ ولكن بغير عينِ المطلوب، حيثُ لا يكون في المطلوب
مَصلَحةٌ ناجِزةٌ وفي الواقع مَصلَحةٌ ناجِزةٌ أو أصلَحُ منها.
وفي الحديث عِظَمُ قَدْر الصلاة، فإنَّه يَنشَأ عنها محبّة الله للعبد الذي يَتقرَّبُ بها، وذلك
لأنَّهَا مَحَلُّ المناجاة والقُربة، ولا واسطةَ فيها بين العبد وربِّه، ولا شيء أقَرُّ لعَينِ العبد
منها، ولهذا جاء في حديث أنس المرفوع: ((وجُعِلَت قُرَّةُ عيني في الصلاة)) أخرجه النَّسائيُّ
(٣٩٣٩ -٣٩٤٠) وغيره (١) بسندٍ صحيح، ومَن كانت قُرّةٌ عينه في شيء فإنَّه يَوَدُّ أن لا يُفارقَه ولا
يَخْرُجَ منه، لأنَّ فيه نعيمَه وبه تَطِيبُ حياتُه، وإنَّما يَحصُل ذلك للعابدِ بالمصابَرة على النَّصَب،
فإنَّ السالك عُرضَةٍ(٢) الآفات والفُتور.
وفي حديث حُذيفة من الزّيادة: «ویکون من أوليائي وأصفيائي، ویکون جاري مع
النبيّينَ والصِّدّيقِينَ والشُّهَداء في الجنَّة)».
وقد تَمَسَّكَ بهذا الحديث بعضُ الجَهَلة من أهلِ التَّجَلّ والرّياضة فقالوا: القلبُ إذا كان
محفوظاً مع الله، كانت خواطِرُه معصومةً من الخطأ؛ وتَعقَّبَ ذلك أهلُ التَّحقيق من أهل
الطَّريق فقالوا: لا يُلتَفَتُ إلى شيءٍ من ذلك إلّا إذا وافَقَ الكتابَ والسُّنّةَ، والعِصْمةُ إنّما هي
(١) كأحمد في («مسنده)) (٢٢٩٣)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٢) تصحفت هذه الكلمة في (أ) إلى: إذا، وفي (س) إلى: إذ، والصواب ما أثبتناه من (ع).

٢٤٧
باب ٣٨ / ح ٦٥٠٢
كتاب الرقاق
للأنبياءِ ومَن عَدَاهم قد يُخْطِئ، فقد كان عمرُ ◌ّهُ رأسَ المُلهَمِينَ، ومع ذلك فكان رُبَّما
رأى الرَّأيَ فُيُخبِرُه بعضُ الصحابة بخِلَافه فيَرجِعُ إليه ويَترُك رأيه، فمَن ظنَّ أنَّه يَكتَفي بما
يقعُ في خاطره عمَّا جاء به الرَّسولُ عليه الصلاة والسَّلام، فقد ارتَكَبَ أعظَم الخَطَأْ، وأمَّا
مَن بالَغَ منهم فقال: حدَّثني قلبي عن رَبّ، فإنَّه أشدُّ خطأ، فإنَّه لا يأمَنُ أن يكون قلبه ◌ِنَّمَا حدَّثُه
عن الشَّيطان، والله المستعان.
قال الطُّوفِيُّ: هذا الحديثُ أصلٌ في السُّلوكِ إلى الله، والوصول إلى مَعرِفَتِهِ ومَيَّتِه، وطريقُه
أداءُ(١) المفتَرَضاتِ الباطنةِ وهي الإيمان، والظّاهرةِ وهي الإسلام، والمركَّبِ منهما وهو الإحسانُ
فيهما كما تَضَمَّنَه حديثُ حِبْرِيل (٢)، والإحسان يَتَضَمَّنُ مقاماتِ السالكينَ من الزُّهد والإخلاص
والمراقَبة وغيرها.
وفي الحديث أيضاً: أنَّ مَن أتى بما وَجَبَ عليه وتَقرَّبَ بالنَّوافلِ لم يُردَّ دعاؤُه، لوجودِ
هذا الوعد الصّادق المؤَكَّد بالقَسَم، وقد تقدَّم الجوابُ عَّ يَتَخلَّفُ من ذلك.
وفيه أنَّ العَبدَ ولو بَلَغَ أعلى الدَّرَجات حتَّى يكونَ محبوباً له، لا يَنقَطِعُ عن الطَّلبِ من الله، لما
فيه من الخضوع له وإظهار العُبوديَّة، وقد تقدَّم تقريرُ هذا واضحاً في أوائل كتاب الدَّعَوات.
قوله: ((وما تَرَدَّدتُ عن شيءٍ أنا فاعلُه تَرَدُّدي عن نفسِ المؤمنِ)) وفي حديث عائشة:
(تَرَّدُّدي عن موتِه))، ووَقَعَ في ((الحِلية)) (٣٢/٤) في ترجمة وهب بن مُنِّه: إنّي لَأَجِدُ في
كتب الأنبياء أنَّ الله تعالى يقول: ما تَرَدَّدتُ عن شيءٍ قَطُّ تَرَدُّدي عن قَبضِ روح المؤمن ...
إلى آخره.
قال الخطَّبيُّ: التردُّدُ في حَقِّ الله غيرُ جائزٍ، والبَدَاءُ عليه في الأَمورِ غيرُ سائغ، ولكن له
تأویلان:
أحدهما: أنَّ العبدَ قد يُشِرِفُ على الهلاكِ في أيام عُمُره، من داءٍ يُصيبُه، وفاقةٍ تَنزِلُ به،
(١) تصحفت هذه الكلمة في (أ) إلى: إذا، وفي (س) إلى: إذ، والصواب ما أثبتناه من (ع).
(٢) سلف برقم (٥٠).

٢٤٨
فتح الباري بشرح البخاري
فيَدعُو اللهُ فيَشِفِيه منها ويدفعُ عنه مكروهَها، فيكون ذلك من فعله كتَردُّدِ مَن يريدُ أمراً،
ثُمَّ يَبْدُو له فيه فيَتَرُكُه ويُعرِضُ عنه، ولا بُدّ له من لقائه إذا بَلَغَ الكتابُ أجَلَه، لأنَّ الله قد
٣٤٦/١١ كَتَبَ الفَناءَ على خلقِه واستأثرَ / بالبقاءِ لنفسِه.
والثاني: أن يكون معناه: ما رَدَّتُ رُسُلي في شيءٍ أنا فاعلُه کتردیدي إياهم في نفسِ المؤمن،
كما رُويَ في قصَّة موسى وما كان من لَطْمه عينَ مَلَكِ الموت، وتَردُّدِه إليه مرَّةً بعد أُخرى(١)،
قال: وحقيقة المعنى على الوجهَين: عَطْفُ الله على العبد ولُطفُه به وشَفَقتُه عليه.
وقال الكَلَاباذيّ ما حاصلُه: أنَّه عَبَّرَ عن صِفَة الفعل بصِفَة الذّات، أي: عن التَّرديد
بالتردُّد، وجَعَلَ مُتَعلَّقَ التَّرديدِ اختلافَ أحوال العبد من ضعفٍ ونَصَبٍ إلى أن تَنْتَقِلَ ◌َحَبَّتُه
في الحياة إلى مَحبَّتِه للموت، فيُقْبَضُ على ذلك. قال: وقد يُحِدِثُ اللهُ في قلبٍ عبده من الرَّغبة
فيها عنده والشَّوْق إليه والمحبّة للقائه ما يشتاق معه إلى الموت، فضلاً عن إزالة الكراهة
عنه، فأخبر أنَّه يَكرَه الموتَ ويَسُوؤُه، ويَكرَه الله مَساءَتَه فيُزيلُ عنه كراهيةَ الموت لما يردِّد(٢)
عليه من الأحوال، فيأتيه الموت وهو له مُؤثِرٌ وإليه مُشتاق. قال: وقد وَرَدَ تَفَعَّلَ بمعنى
فَعَّل، مثل: تَفَكَّرَ وفَكَّرَ، وتَدَبَّرَ ودَبَّرَ، وتَهذَّدَ وهَذَّدَ، والله أعلم.
وعن بعضهم: يحتمل أن يكون تركيب الوليّ يحتمل أن يعيش خمسين سنةً وعمرُه الذي
كُتِبَ له سبعونَ، فإذا بَلَغَها فمَرِضَ دَعَا اللهَ بالعافية فيُحييه عشرينَ أُخرى مثلاً، فعَبَّرَ عن
قَدْرِ الثَّركيبِ وعما انتهى إليه بحَسَبِ الأجَلِ المكتوبِ بالتردُّد.
وعَبَّرَ ابن الجَوْزيِّ عن الثّاني بأنَّ التردُّدَ للملائكة الذينَ يَقْبِضونَ الرُّوحَ، وأضافَ
الحقُّ ذلك لنفسِه لأنَّ تَردُّدَهم عن أمره، قال: وهذا التردُّدُ يَنشَأُ عن إظهار الكراهة، فإن
قيل: إذا أُمِرَ الملَكُ بالقَبْض كيفَ يقعُ منه التردُّد؟ فالجواب: أنَّه يَتَرَدَّدُ فيما لم يُحَدَّ له فيه
(١) سلف برقم (١٣٣٩).
(٢) في (أ): لا يردد، وفي (ع): لا يتردد، وفي (س): لما يورده، والصواب إن شاء الله ما أثبتناه، وهو الموافق
معنی کلام الكلاباذي في كتابه «معاني الأخبار)) ص٤٤.

٢٤٩
باب ٣٨ / ح ٦٥٠٢
كتاب الرقاق
الوقت، كأن يقال: لا تَقِضْ روحَه إلّا إذا رَضِيَ.
ثمَّ ذكر جواباً ثالثاً: وهو احتمال أن يكون معنى التردُّد: اللُّطف به، كأنَّ الملَك يُؤَخِّر
القَبْض، فإنَّه إذا نظرَ إلى قَدرِ المؤمنِ وعِظَم المنفَعة به لأهلِ الدُّنيا احتَرَمَه، فلم يَسُط يدَه
إليه، فإذا ذكر أمرَ رَبِّه لم يَجِدْ بُدّاً من امتثاله.
وجواباً رابعاً: وهو أن يكونَ هذا خِطاباً لنا بما نَعِقِلُ، والرَّبُّ مُنَزَّهُ عن حقيقتِه، بل هو
من جِنس قوله: ((ومَن أتاني يمشي أتيتُه هَرولةً))(١)، فكما أنَّ أحدَنا يريدُ أن يَضرِب ولدَه
تأديباً، فَتَمنَعُه المحبّةُ وتَبعَتُه الشَّفَقَةُ فِيَتَرَدَّدُ بينهما، ولو كان غيرَ الوالِدِ كالمعلِّم لم يَتَردَّد، بل
كان يُبادِرُ إلى ضربِه لتأديِهِ، فأُريدَ تَفهيمُنا تحقيق المحبّة للوليِّ بذكر التردُّد.
وجَوَّزَ الكِرْمانيُّ احتمالاً آخر: وهو أنَّ المراد أنَّه يَقْبِض روح المؤمن بالتَّأنّي والتَّدريج،
بِخِلَاف سائرِ الأُمورِ فإنَّها تَحصُلُ بمُجَّدِ قولِ ((كُن)) سريعاً دُفعةً.
قوله: ((يَكْرَه الموتَ وأنا أكرَه مَساءَتَه)) في حديث عائشة: ((إنَّه يَكرَه الموتَ وأنا أكره
مَساءَتَه))، زاد ابن تَخَلَد عن ابن كَرَامَةَ في آخره: ((ولا بُدَّ له منه))، ووَقَعَت هذه الزّيادةُ أيضاً
في حديث وهب، وأسنَدَ البيهقيُّ في ((الزُّهد)) (٦٩٧) عن الجُنَيد سيِّد الطائفة قال: الكراهة
هنا لما يَلْقَى المؤمنُ من الموت وصُعوبَتِهِ وكَرْبِهِ، وليس المعنى أنّي أكره له الموت، لأنَّ الموت
یُورِدُه إلى رحمة الله ومغفرته، انتھی.
وعَبَّرَ بعضهم عن هذا بأنَّ الموت حَتْمٌ مَقضيّ، وهو مُفارَقة الرُّوح للجسد، ولا تَحصُل
غالباً إلّا بألَمٍ عظيم جدّاً، كما جاء عن عَمْرو بن العاص أنَّه سُئلَ وهو يموت فقال: كأنّي
أتَنَفَّس من خُرْم إبرة، وكأنَّ غُصن شوك يَجُرُّ به من قامَتي إلى هامَتي، وعن كعب أنَّ عمر
سألَه عن الموت فوَصَفَه بنحوِ هذا. فلمَّا كان الموتُ بهذا الوصف، والله يَكرَه أذى المؤمن،
أطلقَ على ذلك الكراهةَ.
(١) سيأتي برقم (٧٤٠٥) من حديث أبي هريرة.

٢٥٠
باب ٣٨ / ح ٦٥٠٢
فتح الباري بشرح البخاري
ويحتمل أن تكون المَسَاءةُ بالنِّسبة إلى طول الحياة لأنَّها تُؤَدّي إلى أرذَلِ العُمُر، وتَنگُّس
الخلق والردِّ إلى أسفَلٍ سافلينَ. وجَوَّزَ الكِرْمانيُّ أن يكون المراد: أكره مُكرَهَه الموتَ، فلا
أُسرِعُ بقَبضٍ روحِه فأكون كالمتردِّد.
قال الشَّيخ أبو الفضل بن عطاء: في هذا الحديث عِظَمُ قَدْر الوليّ، لكَونِهِ خَرَجَ عن
تدبيره إلى تدبير رَبّه، وعن انتصاره لنفسِه إلى انتصار الله له، وعن حَولِه وقوَّتِه بصِدْق
تَوُلِهِ.
٣٤٧/١١ قال: ويُؤخَذ منه أن لا يُحكَمَ لإنسانٍ آذَى وليّاً، ثمَّ لم يُعاجل بمصيبةٍ في نفسِه أو ماله/ أو
ولِهِ، بأنَّه سَلِمَ من انتقام الله، فقد تكون مُصِيبتُه في غير ذلك مما هو أشدُّ عليه كالمصيبة في
الدِّین مثلاً.
قال: ويَدخُلُ في قوله: ((افتَرَضتُ عليه)) الفرائضَ الظّاهرة فعلاً: كالصلاة والزكاة
وغيرهما من العبادات، وتَركاً: كالزِّنى والقتل وغيرهما من المحرَّمات، والباطِنة: كالعِلْم
بالله والحُبّ له والتَّوكُّل عليه والخوف منه وغير ذلك، وهي تَنْقَسِم أيضاً إلى أفعال وتُّروك.
قال: وفيه دلالةٌ على جواز إطلاع الوليّ على المغَيَّبات بإطلاع الله تعالى له، ولا يَمنَعُ من
ذلك ظاهرُ قوله تعالى: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ: أَحَدًا (٦) إِلَّا مَنِ أَرْتَضَى مِن
رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧]، فإنَّه لا يَمنَعُ دخولَ بعضِ أتباعِه معه بالتَّبَعيَّة لصِدقِ قولنا: ما
دَخَلَ على الملِك اليومَ إلّ الوزير، ومن المعلوم أنَّه دَخَلَ معه بعض خَدَمِه.
قلت: الوصف المستَثنَى للرَّسولِ هنا إن كان فيما يَتَعلَّقُ بخُصوصٍ كَونِه رسولاً، فلا
مُشارَكَةَ لأحدٍ من أتباعِه فيه إلّا منه، وإلّا فيحتمل ما قال، والعلم عندَ الله تعالى.
تنبيه: أشكَلَ وجهُ دخول هذا الحديث في باب التَّواضُع حتَّى قال الدَّاوُوديُّ: ليس هذا
الحديث من التَّواضُع في شيء، وقال بعضهم: المناسِبُ إدخالُه في الباب الذي قبلَه: وهو
مُجَاهَدُ المرءِ نفسَه في طاعة الله تعالى، وبذلك تَرجَمَ البيهقيُّ في ((الزّهد)) فقال: فصلٌ في الاجتهادِ
في الطاعة ومُلازَمة العُبودِيَّة.

٢٥١
باب ٣٩ / ح ٦٥٠٣ -٦٥٠٥
كتاب الرقاق
والجواب عن البخاريّ من أوجٍُ:
أحدها: أنَّ النَّقُّب إلى الله بالنَّوافلِ لا يكون إلّا بغاية التَّواضُع لله والتَّوكُّل عليه، ذكره
الکرمانيّ.
ثانيها: ذَكَرَه أيضاً فقال: قيل: التَّرجمة مُستَفادة ممَّا قال: ((كنت سَمْعَه)) ومن التردُّد.
قلت: ويَخْرُج منه جوابٌ ثالثٌ، ويظهر لي رابعٌ، وهو أنَّها تُستَفادُ من لازِمِ قوله: ((مَن
عادَى لي وليّا)) لأنَّه يقتضى الزَّجرَ عن مُعاداة الأولياءِ المستَلِزِمِ لموالاتهم، وموالاةٌ جميع
الأولياء لا تَتأَتَى إلّا بغاية التَّواضع، إذ منهم الأشعَتُ الأغبَرُ الذي لا يُؤْبَه له.
وقد وَرَدَ في الحثِّ على التَّواضُع عِدّةُ أحاديثَ صحيحةٍ لكن ليس شيء منها على
شَرْطِهِ، فاستَغنى عنها بحديثَي الباب، منها حديث عِيَاض بن حِمَارٍ رَفَعَه: ((إنَّ الله تعالى
أَوحَى إليَّ أن تَواضَعُوا حتَّى لا يَفخَرَ أحدٌ على أحدٍ)) أخرجه مسلم (٦٤/٢٨٦٥)
وأبو داود (٤٨٩٥) وغيرهما، ومنها حديث أبي هريرة رَفَعَه: ((وما تَوَاضَعَ أحدٌ لله تعالى إلّا
رَفَعَه)) أخرجه مسلم أيضاً (٢٥٨٨) والتِّرمِذيُّ (٢٠٢٩)، ومنها حديث أبي سعيد رَفَعَه:
((مَن تَواضَعَ لله رَفَعَه الله حتَّى يجعلَه في أعلى عِلِِّينَ)) الحديث، أخرجه ابن ماجَهْ (٤١٧٦)
وصحّحَه ابن حِبّان (٥٦٧٨).
٣٩ - باب قول النبيّ وَّ: ((بُعِثتُ أنا والساعةَ كهاتَينٍ)»
﴿وَمَآ أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ الآيةَ [النحل: ٧٧].
٦٥٠٣ - حذَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ، حدَّثنا أبو غَسّانَ، حدَّثنا أبو حازم، عن سَهْلٍ، قال:
قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((بُعِثْتُ أنا والساعةَ كهاتَينٍ))، ويُشِيرُ بإصبَعَيه فيَهُدُّهما.
٦٥٠٤ - حذَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ - هو الجُعْفيُّ - حدَّثنا وَهْبُ بنُ جَرِير، حدَّثْنَا شُعْبةُ،
عن قَتَادَةَ وأبي التَّحِ، عن أنسٍ، عن النبيِّ وَّةِ، قال: ((بُعِثْتُ أنا والساعةَ كهاتَينٍ)).
٦٥٠٥ - حدَّثني يحيى بنُ يوسُفَ، أخبرنا أبو بكرٍ، عن أبي حَصِينٍ، عن أبي صالحٍ، عن

٢٥٢
باب ٣٩ / ح ٦٥٠٥
فتح الباري بشرح البخاري
أبي هريرةَ، عن النبيِّ ◌َِّ، قال: «بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتينٍ))؛ يعني: إِصْبَعَينِ.
تابَعَه إسرائيلُ، عن أبي حَصِینٍ.
٣٤٨/١١
/ قوله: ((باب قول النبيّ ◌َّهَ: بُعِثْت أنا والساعةَ كهاتَينٍ)) قال أبو البَقَاء العُكبَريّ في
((إعراب المسنَد)): ((الساعةَ)) بالنَّصبِ والواو فيه بمعنى ((مع))، قال: ولو قُرِئَ بالرَّفع لَفَسَدَ
المعنى، لأنَّه لا يقال: ((بُعِثَتِ)) الساعة، ولا هو في موضع المرفوع لأنَّها لم تُوجَد بعدُ. وأجازَ
غيرُه الوجهَين، بل جَزَمَ عِيَاض بأنَّ الرَّفع أحسن، وهو عطفٌ على ضمير المجهولِ في
(بُعِثْتُ)) قال: ويجوز النَّصب، وذكر نحو توجيه أبي البَقَاء وزادَ: أو على ضميرٍ يدلُّ عليه الحال
نحو: فانتَظِروا، كما قُدِّرَ في نحو: جاء البَرَدُ والطَّيَالِسةُ فاستَعِدّوا.
قلت: والجواب عن الذي اعتَلَّ به أبو البَقَاء أوَّلاً: أن يُضَمِّن ((بُعِثْتُ)) معنًى يجمعُ
إرسالَ الرَّسولِ ومَجَيءَ الساعة نحو: جِئتُ، وعن الثّاني: بأنَّهَا نُزِّلَت مَنْزِلَةَ الموجودِ مُبالَغةً
في تَحَقُّقِ مَجَيئها، ويُرجِّح النَّصْبَ ما وَقَعَ في تفسير سورة ((والنازعات)) من هذا ((الصَّحيح))
(٤٩٣٦) من طريق فُضَيلِ بن سليمان عن أبي حازم بلفظ: ((بُعِثتُ والساعةَ)) فإنَّه ظاهرٌ في
أنَّ الواو للمعيَّة.
قوله: (﴿وَمَآ أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْجِ اٌلْبَصَرِ﴾ الآيَةَ)) كذا لأبي ذرِّ، وفي رواية الأكثر:
﴿أَوْ هُوَ أَقْرَبُّ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾، كذا للجميع معطوفاً على الحديث بغير
فصلٍ، وهو يُوهِمُ أن تكون بَقِيَّتَه، وليس كذلك، بل التَّقدير: وقولِ الله عزَّ وجلَّ، وقد
ثَبَتَ ذلك في بعض النُّسَخ.
ولمَّا أراد البخاريُّ إدخالَ أشراطِ الساعة وصِفَة القيامة في كتاب الرِّقاق، استَطَرَدَ من
حديث الباب الذي قبلَه المشتَمِل على ذِكْر الموتِ الدَّالِّ على فَناءِ كلِّ شيءٍ، إلى ذِكْر ما يدلُّ
على قُربِ القيامة، وهو من لطيفٍ ترتيبِه. ثمَّ ذكر فيه ثلاثةَ أحاديثَ عن سهلٍ وأنسٍ وأبي
هريرة بلفظٍ واحدٍ، وفي حديث سهلٍ وأبي هريرة زيادةُ الإشارة.
قوله: ((عن سَهْل)) في رواية سفيان عن أبي حازمٍ: سمعتُ من سهل بن سعد صاحب

٢٥٣
كتاب الرقاق
رسول الله وَل﴾، كما تقدَّم في كتابِ اللِّعان (٥٣٠١).
قوله: ((بُعِثْتُ أنا والساعةَ)) المراد بالساعة هنا: يومُ القيامة، والأصل فيها قِطعةٌ من
الزَّمان، وفي عُرْف أهل الميقات جُزء من أربعةٍ وعشرينَ جُزءاً من اليوم واللَّيلة، وثَبَتَ
مِثْلُه في حديث جابر رَفَعَه: ((يومُّ الجمعة اثنتا عشْرةَ ساعةً))، وقد بيَّنْتُ حالَه في كتاب
الجمعة (٨٨١و ٩٣٥).
وأُطلِقِت في الحديث على انخِرام قَرْنِ الصحابة، ففي ((صحيح مسلم)) (٢٩٥٢) عن
عائشةَ: كان الأعرابُ يسألونَ رسولَ الله وَّهِ عن الساعة، فنَظَرَ إلى أحدَثِ إنسانٍ منهم
فقال: ((إنْ يَعِش هذا لم يُدرِكِه الهَرَمُ، قامت علیکم ساعتكم))، وعندَه (٢٩٥٣) من حديث
أنس نحوه.
وأُطلِقَت أيضاً على موتِ الإنسان الواحد.
قوله: ((كهاتَينٍ)) كذا وَقَعَ عند الكُشْمِيهَنيِّ في حديث سهل، ولغيره: ((كهاتَينِ هكذا»،
وكذا وَقَعَ في رواية سفيان لكن بلفظ: ((کهذِه من هذه، أو کهاتَينِ))، وفي رواية يعقوب بن
عبد الرَّحمن عن أبي حازم عند مسلم (٢٩٥٠): ((بُعِثتُ أنا والساعة هكذا))، وفي رواية
فُضَیلٍ بن سليمان: قال بإصبِعَیه هكذا.
قوله: ((ويشير بإصْبَعَيه فيَمُدُّهما)) في رواية سفيان: وفَرَّق بين إصبَعَيه السَّابةِ
والوُسطَى، وفي رواية فُضَيلٍ بن سليمان ويعقوب: بالوُسطَى والتي تَلِي الإبهامَ،
وللإسماعيليِّ من رواية عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه: وجَمَعَ بين إصْبَعَيه وفرَّقَ بينهما
شيئاً.
وفي رواية أبي ضَمْرة عن أبي حازم عند ابن جَرِير (١): وضمَّ بين إصبَعَيه الوُسطَى والتي
تَلي الإبهام وقال: ((وما مَثَلِي ومَثَلُ الساعة إلّا كفرَسَيْ رِهانٍ)).
ونحوه في حديث بُرَيدة بلفظ: ((بُعِثتُ أنا والساعة، إن كادَت لَتَسبِقُني)) أخرجه أحمد
(١) في ((تاريخه)) ١٤/١.

٢٥٤
فتح الباري بشرح البخاري
(٢٢٩٤٧) والطَّبَريّ(١)، وسندُه حسنٌ.
وفي حديث المستَورِد بن شدَّادٍ: ((بُعِثْتُ فِي نَفَسِ الساعة، سَبَقتُها كما سَبَقَت هذه لهذه))
الإصبَعَيه السَّابة والوُسطَى، أخرجه التِّرمِذيّ (٢٢١٣) والطَّبَريّ(٢)، وقوله ((فِي نَفَسٍ))
بفتح الفاء، وهو كِنايةٌ عن القُرْب، أي: بُعِثتُ عندَ تَنَفُّسِها، ومثله في حديث أبي جَبيرة
- بفتح الجيم وكسر الموحَّدة - الأنصاريّ عن أشياخ من الأنصار، أخرجه الطَّبَريّ،
وأخرجه أيضاً عن أبي جَبيرة مرفوعاً بغير واسطة بلفظٍ آخرَ سأُنبِّه عليه.
٣٤٩/١١ / قوله في حديث أنس: ((وأبي التَّاح)) بفتح المثناة وتشديد التحتانية وآخره مُهمَلة: اسمه
يزيد بن حُميدٍ، ووَقَعَ عند مسلم (١٣٤/٢٩٥١) في رواية خالد بن الحارث عن شُعْبة:
سمعتُ قَتَادة وأبا التَّاحِ يُحدِّثان أنَهما سمعا أنساً، فذكره وزاد في آخره: هكذا، وقَرَنَ شُعْبةُ
المسبِّحةَ والوُسطَى، وأخرجه من طريق ابنٍ أبي (٣) عَديٍّ عن شُعْبة عن حمزة الضَّبِّيّ وأبي
التَّاحِ مِثْلَه، وليس هذا اختلافاً على شُعْبة بل كان سمعَه من ثلاثةٍ، فكان يُحدِّث به تارةً
عن الجميع وتارةً عن البعض، وقد أخرجه الإسماعيليّ من طريق عاصم بن عليٍّ عن شُعْبة
فجَمَعَ الثلاثةَ.
ووَفَعَ لمسلمٍ (٢٩٥١/ ١٣٣) من طريق غُندَرٍ عن شُعْبة عن قَتَادة: حدَّثنا أنس، کروایة
البخاريِّ وزادَ: قال شُعْبةُ: وسمعت قَتَادةَ يقول في قَصَصِه: کفَضلِ إحداهما على الأُخرى، فلا
أدري أذكره عن أنسٍ أو قاله فَتَادة؛ أي: من قِبَلِ نفسِه.
وأخرجه الطَّبَريُّ من هذا الوجه بلفظ: فلا أدري أذكره عن أنسٍ أو قاله هو، وزاد في رواية
عاصم بن عليٍّ: هكذا، وأشارَ بإصبَعَيه الوُسطَى والسَّابة قال: وكان يقول - يعني قَتَادة -:
کفَضْلٍ إحداهما على الأخرى.
(١) في ((تاريخه)) ١/ ١٥.
(٢) المصدر السابق ١/ ١٥.
(٣) لفظ ((أبي)) سقط من (س).

٢٥٥
باب ٣٩ / ح ٦٥٠٥
كتاب الرقاق
قلت: ولم أرَها في شيء من الطّرق عن أنسٍ، وقد أخرجه مسلم (١٣٥/٢٩٥١) من
طريق مَعبَدٍ - وهو ابنِ هلالٍ - والطَّبَريّ(١) من طريق إسماعيل بن عُبيد الله، كلاهما عن
أنسٍ، وليس ذلك فيه، نعم وجدتُ هذه الزّيادة مرفوعة في حديث أبي جَبِيرةَ بن الضَّحّاك
عند الطَّبَريّ.
قوله في حديث أبي هريرة: ((حدَّثني يحيى بن يوسف)) في رواية أبي ذرٍّ: حدَّثنا.
قوله: ((حدَّثنا أبو بكرٍ)) في رواية غير أبي ذرٍّ: أخبرنا أبو بكرٍ، وهو ابن عيَّاشٍ.
قوله: ((عن أبي حَصينٍ)) في رواية ابن ماجَهْ (٤٠٤٠): حدَّثنا أبو حَصينٍ، بفتح المهمَلة
أوَّلَه، وأبو صالحٍ: هو ذَكْوان، والإسنادُ كلُّه كوفيّونَ.
قوله: ((كهاتَينِ، يعني إصْبَعِينٍ)) كذا في الأصل، ووَقَعَ عند ابن ماجَهْ عن هَنّاد بن
السَّرِيّ عن أبي بكر بن عيَّش: وجَمَعَ بين إصبعَيْهِ، وأخرجه الطَّبَرِيُّ (٢) عن هَنّادٍ بلفظ:
وأشارَ بِالسَّابة والوُسطَى، بَدَل قوله: يعني إصبعين.
وقد أخرجه الإسماعيليّ عن الحسن بن سفيان عن هَنّاد بلفظ: كهذه من هذه؛ يعني
إصبعيه، وله من رواية أبي طالب عن الدُّوريّ: وأشارَ أبو بكر بإصبعيه السَّابة والتي
تليها، وهذا يدلُّ على أنَّ في رواية الطََّريّ إدراجاً، وهذه الزّيادة ثابتة في المرفوع لكن من
حديث أبي هريرة كما تقدَّمَ.
وقد أخرجه الطَّبَرَيُّ (٣) من حديث جابر بن سَمُرة: كأنّي أنظُرُ إلى إصبعَي رسولِ اللهِ وَل
أشارَ بالمسبِّحة والتي تليها وهو يقول: ((بُعِثتُ أنا والساعة كهذه من هذه)) وفي رواية له
عنه: وَمَعَ بين إصبعيه السَّابة والوُسطَى، والمراد بالسَّابة - وهي بفتح المهمَلة وتشديد
الموخَّدة : الإصبع التي بين الإبهام والوسطَى وهي المراد بالمسبِّحة، سُمّيَت مُسَبِّحةً لأنَّها
(١) في ((تاريخه)) ١٣/١.
(٢) المصدر السابق ١/ ١٢.
(٣) المصدر السابق ١ / ١٢.

٢٥٦
باب ٣٩ / ح ٦٥٠٥
فتح الباري بشرح البخاري
يُشار بها عند التَّسبيح وتُحرَّكُ في التَّشَهُّدِ عند التَّهليل إشارةً إلى التَّوحيد، وسُمّيَت سَبّابة لأنَّهم
کانوا إذا تَسَابُوا أشاروا بها.
قوله: ((تابَعَه إسرائيل)) يعني: ابن يونس بن أبي إسحاق ((عن أبي حَصِينٍ)) يعني بالسَّنَدِ
والمتن، وقد وَصَلَه الإسماعيليّ من طريق عُبيد الله بن موسى عن إسرائيل بسندِه قال: مِثل
رواية هَنّاد عن أبي بكر بن عيَّاش، قال الإسماعيليّ: وقد تابَعَهما قيسُ بن الرَّبيع عن أبي
حَصینٍ.
قال عِيَاض وغيره: أشارَ بهذا الحديث على اختلاف ألفاظِهِ إلى قِلّة المدّة بينه وبين الساعة،
والتَّفاوت إمّا في المجاورة وإمّا في قَدْر ما بينهما، ويَعضُده قوله: ((كفضلِ إحداهما على
الأُخرى))، وقال بعضهم: هذا الذي يَتَّجِه أن يقال، ولو كان المراد الأوَّل لَقامَتِ السّاعة،
الاتّصال إحدَى الإصبعَينِ بالأُخرى.
قال ابن التِّين: اختُلِفَ في معنى قوله: ((كهاتَينٍ))، فقيلَ: كما بين السَّابة والوُسطَى في الطُّول،
وقيل: المعنى: ليس بينه وبينها شيء(١).
وقال القُرطُبيّ في ((المفهِم)): حاصل الحديث تقريب أمر الساعة وسُرعة مجيئها، قال: وعلى
رواية النَّصب يكون التَّشبيه وَقَعَ بالانضِمام، وعلى الرَّفع وَقَعَ بالنَّفَاوُت.
٣٥٠/١١ وقال البَيْضاويّ: معناه: أنَّ نِسبة تَقَدُّم البِعْثة النبويَّة/ على قيام الساعة كنِسْبة فضل إحدَى
الإصبعينِ على الأُخرى، وقيل: المراد استمرار دعوته لا تَفتَرِقُ إحداهما عن الأُخرى، كما أنَّ
الإصبعينِ لا تَفتَرِق إحداهما عن الأُخرى.
ورَجَّحَ الطِّيُّ قول البَيْضاويّ بزيادة المستورد فيه.
وقال القُرطُبيّ في ((التَّذكِرة)): معنى هذا الحديث تقريبُ أمر الساعة، ولا مُنافاة بينه وبين
(١) هكذا في (أ) و(ع): شيء، وفي (س): نبي، وهو كذلك في المطبوع من ((التوضيح)) لابن الملقن ٥٩٢/٢٩،
وكلاهما محتمل.

٢٥٧
باب ٣٩ / ح ٦٥٠٥
كتاب الرقاق
قوله في الحديث الآخر: ((ما المسؤول عنها بأعلمَ من السائل))(١)، فإنَّ المراد بحديثٍ
الباب: أنَّه ليس بينه وبين الساعة نبيّ، كما ليس بين السَّابة والوُسطَى إصبع أُخرى، ولا
يَلْزَم من ذلك عِلمُ وقتها بعينِهِ، لكنَّ سياقه يفيد قُربَها وأنَّ أشراطها مُتَتابعة كما قال تعالى:
﴿فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطِهَا﴾ [محمد: ١٨]، قال الضَّحّاك: أوَّل أشراطها بِعْثة محمَّد ◌َّ. والحكمة في
تَقدُّم الأشراط إيقاظُ الغافلينَ وحَثّهم على التَّوبة والاستعداد.
وقال الكِرْمانيُّ: قيل: معناه الإشارة إلى قُرْب المجاورة، وقيل: إلى تَفاوت ما بينهما
طولاً، وعلى هذا فالنَّظَر في القول الأوَّل إلى العَرْض، وقيل: المراد ليس بينهما واسطة، ولا
مُعارَضة بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] ونحو ذلك، لأنَّ
عِلمَ قُربها لا يَستَلِزِم عِلمَ وقت ◌َجيئها مُعيَّناً، وقيل: معنى الحديث: أنَّه ليس بيني وبين
القيامة شيء، هي التي تَلِيني كما تَلي السَّابة الوُسطَى، وعلى هذا فلا تَنافي بين ما دَلَّ عليه
الحديث وبين قوله تعالى عن الساعة: ﴿لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩].
وقال عِيَاض: حاولَ بعضُهم في تأويله أنَّ نِسبةَ ما بين الإصبعَينِ كنسبة ما يَقِيَ من
الدُّنيا بالنِّسبة إلى ما مَضَى، وأنَّ جُملَتها سبعة آلاف سنة، واستَندَ إلى أخبار لا تَصِحّ. وذكر
ما أخرجه أبو داود (٤٣٥٠) في تأخير هذه الأُمة نصفَ يوم وفَسَّرَه بخمس مئة سنةٍ،
فيُؤْخَذ من ذلك أنَّ الذي بَقِيَ نصفُ سُبع، وهو قريب ممَّا بين السَّابة والوُسطَى في
الطُّول، قال: وقد ظَهَرَ عَدَمُ صِحّة ذلك لوقوع خِلافه ومُجاوزة هذا المقدار، ولو كان ذلك
ثابتاً لم يقعْ خِلَافُه.
قلت: وقد انضافَ إلى ذلك مُنذُ عهد عِيَاضٍ إلى هذا الحينِ ثلاثُ مئة سنةٍ.
وقال ابن العربيّ: قيل: الوُسطَى تزيد على السَّابة نصفَ سُبُعِها، وكذلك الباقي من
الدُّنيا من البِعْثة إلى قيام الساعة.
قال: وهذا بعيدٌ ولا يُعلَمُ مِقدارُ الدُّنيا، فكيف يَتحَصَّلُ لنا نصفُ سُبُع أمَدٍ مجهولٍ؟
(١) سلف برقم (٥٠).

٢٥٨
باب ٣٩ / ح ٦٥٠٥
فتح الباري بشرح البخاري
فالصَّواب الإعراض عن ذلك.
قلت: السابق إلى ذلك أبو جعفر بن جَرِير الطَّبَرِيُّ، فإنَّه أورَدَ في مُقدِّمة ((تاريخه)»
(١/ ١٠) عن ابن عبّاس قال: الدُّنيا جمعةٌ من ◌ُمَعَ الآخرة سبعة آلاف سنةٍ، وقد مضى ستّةُ
آلاف ومئة سنة، وأورَدَه من طريق يحيى بن يعقوب عن حَمَّاد بن أبي سليمان عن سعيد بن
جُبَير عنه. ويحيى: هو أبو طالب القاصُّ الأنصاريّ، قال البخاريّ: مُنكَر الحديث، وشيخه
هو فقيه الكوفة وفيه مَقَالٌ.
ثمَّ أورَدَ الطَّبَريُّ عن كعبِ الأحبار قال: الدُّنيا ستّةُ آلاف سنة، وعن وهب بن مُنَبِّه
مِثْلُه، وزاد: أنَّ الذي مضى منها خمسةُ آلافٍ وستُّ مئة سنة؛ ثمَّ زَيَّفَهما ورَجَّحَ ما جاء عن
ابن عبّاس.
ثُمَّ أَورَدَ حديث ابن عمر الذي في ((الصحيحين))(١) مرفوعاً: ((ما أجَلُكم في أجَلِ مَن
كان قبلَكم إلّا من صلاة العصرِ إلى مغربِ الشمس))، ومن طريق مُغِيرة بن حَكيمٍ عن ابنِ
عمرَ بلفظ: ((ما بَقِيَ لأُمَّتي من الدُّنيا إلّا كمِقْدار إذا صُلِّيت العصر))، ومن طريق مجاهد
عن ابن عمر: كنَّا عند النبيّ بَّهِ والشمسُ على قُعَيَقِعانَ مُرتَفِعة بعد العصر فقال: ((ما
أعمارُكم في أعمار مَن مضى، إلّا كما بَقِيَ من هذا النَّهار فيما مضى منه))، وهو عند أحمد أيضاً
(٥٩٦٦) بسندٍ حسنٍ.
ثمَّ أورَدَ حديث أنس: خَطَبنا رسول الله پلي يوماً وقد كادَتِ الشمس تَغِیب، فذكر نحو
الحديث الأوَّل عن ابن عمرَ، ومن حديث أبي سعيد بمعناه، قال: عند غُروب الشمس: ((إنَّ مثل
ما بِيَ من الدُّنیا فیما مضى منها، کبقيّة یومِکم هذا فيما مضى منه)).
وحديث أبي سعيد أخرجه أيضاً وفيه عليّ بن زيد بن جُدْعان، وهو ضعيفٌ، وحديث
أنس أخرجه أيضاً وفيه موسى بن خَلَف، ثمَّ ◌َمَعَ بينهما بما حاصله أنَّه حَمَلَ قوله: ((بعد
٣٥١/١١ صلاة العصر)) على ما إذا صُلِّيت في وَسَطِ / من وقتِها. قلت: وهو بعيدٌ من لفظ أنسٍ وأبي
-
(١) سلف في البخاري برقم (٥٥٧) وغيره، وليس هو في مسلم.

٢٥٩
كتاب الرقاق
سعيد، وحديث ابن عمر صحيحٌ مُتَّفَقٌ عليه، فالصَّوابُ الاعتمادُ عليه، وله مَحَمَلان:
أحدهما: أنَّ المراد بالنّسبة(١) التَّقريب، ولا يُراد حقيقةُ المِقدار، فبه يجتمع مع حديث
أنس وأبي سعید علی تقدیر ثُبُوتِهما.
والثّاني: أن يُحِمَلَ على ظاهره، فيُقدَّم حديث ابن عمرَ لصِحَّتِه، ويكون فيه دلالة على أنَّ
مُدّةَ هذه الأُمّة قَدْرِ خُمس النَّهار تقريباً.
ثُمَّ أَيَّدَ الطََّرِيُّ كلامه بحديثِ الباب وبحدیثِ أبي ثَعلَبه الذي أخرجه أبو داود (٤٣٤٩)
وصَحَّحَه الحاكم (٤٢٤/٤) ولفظه: ((والله لا تَعجِزُ هذه الأُمّةُ من نصف يومٍ)) ورواته ثقاتٌ
ولكن رَجَّحَ البخاريُّ وقفَه.
وعند أبي داود أيضاً (٤٣٥٠) من حديث سعد بن أبي وقّاصٍ بلفظ: ((إنّي لَأرجو أن لا
تَعجَزَ أمَّتي عند رَبِّها أن يُؤَخِّرَهم نصفَ يومٍ))، قيل لسعدٍ: كم نصفُ يومٍ؟ قال: خمسُ مئة
سنة، ورواته موثَّقونَ إلّا أنَّ فيها انقطاعاً.
قال الطََّريّ: ونصفُ اليومِ خمسُ مئة سنة أخذاً من قوله تعالى: ﴿وَإِنّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ
كَأَلْفٍ سَنَةٍ﴾ [الحج: ٤٧]، فإذا انضَمَّ إلى قول ابن عبّاس: أنَّ الدُّنيا سبعةُ آلاف سنة،
تَوافَقَتِ الأخبار، فيكون الماضي إلى وقت الحديث المذكور ستّة آلاف سنة وخمس مئة سنة
تقريباً.
وقد أورَدَ السُّهَيلِيُّ(٢) كلامَ الطََّريّ وأيَّدَه بما وَقَعَ عنده في حديث المستَورِد، وأكَّدَه
بحديثِ زَمْلِ رَفَعَه: ((الدُّنيا سبعة آلاف سنة، بُعِثتُ في آخرها».
قلت: وهذا الحديث إنَّما هو عن ابن زَمْل، وسندُه ضعيفٌ جدّاً، أخرجه ابن السَّكَن في
((الصحابة)) وقال: إسناده مجهولٌ، وليس بمعروفٍ في الصحابة، وابن قُتَيبة في ((غريب
الحديث)) (٤٧٩/١-٤٨٠)، وذكره في الصحابة أيضاً ابن مَندَهْ وغيره، وسَمّه بعضُهم
(١) تصحفت في (س) إلى: بالتشبيه.
(٢) في ((الروض الأنف)) ٢٩٥/٢.

٢٦٠
فتح الباري بشرح البخاري
عبدَ الله وبعضُهم الضَّحّاك، وقد أورَدَه ابن الجَوْزيّ في ((الموضوعات))(١)، وقال ابن الأثير:
ألفاظُه مصنوعةٌ.
ثُمَّ بيَّن السُّهَيليُّ أنَّه ليس في حديث ((نصف يوم) ما يَنفي الزّيادةَ على الخمس مئة، قال:
وقد جاء بيانُ ذلك فيما رواه جعفر بن عبد الواحد بلفظ: ((إن أحسنَت أمَّتي فبَقَاؤُها يومٌ
من أيام الآخرة، وذلك ألف سنة، وإن أساءَت فنصفُ يوم))(٢)، قال: وليس في قوله:
(بُعِثْتُ أنا والساعةَ كهاتَينٍ)) ما يُقْطَعُ به على صِحّة التَّوِيلِ الماضي، بل قد قيل في تأويله:
إنَّه ليس بينه وبين الساعة نبيٌّ مع التَّقريبِ لمجيئِها. ثمَّ جَوَّزَ أن يكون في عَدَد الحروف التي
في أوائل السُّوَر مع حذف المكرَّرِ ما يوافقُ حديثَ ابن زَمْل، وذكر أنَّ عِدَّتَها تِسعُ مئة
وثلاثة.
قلت: وهو مَبنيٌّ على طريقة المغاربة في عَدِّ الحروف، وأمَّا المشارقةُ فَيَنقُصُ العَدَدُ
عندَهم مثَّتَينِ وعشرة، فإنَّ السّينَ عند المغاربة بثلاثِ مئة والصّاد بستّين، وأمَّا المشارقةُ
فالسّين عندَهم ستّونَ والصّاد تسعون، فيكون المِقِدارُ عندَهم ستَّ مئة وثلاثة وتسعين،
وقد مَضَت وزيادةٌ عليها مئة وخمس وأربعونَ سنة، فالحَملُ على ذلك من هذه الحَيثيّة
باطِلٌ، وقد ثَبَتَ عن ابن عبّاس الزَّجرُ عن عَدِّ أبي جادٍ(٣)، والإشارة إلى أنَّ ذلك من جُملة
السِّحر، وليس ذلك ببعيدٍ، فإنَّه لا أصل له في الشَّريعة.
وقد قال القاضي أبو بكر بن العربيّ - وهو من مشايخ السُّهَيليِّ - في («فوائد ڕِ حلَتِه)) ما
نَصُّهُ: ومن الباطن علمٌ(٤) الحروف المقَطَّعة في أوائل السّور، وقد تَحصَّلَ لي فيها عِشرونَ
قولاً وأزيَدُ، ولا أعرِفُ أحداً يَحَكُم عليها بعِلْمٍ، ولا يَصِل فيها إلى فَهْم، إلّا أنّ أقول؛
(١) بل هو في كتابه الآخر ((العلل المتناهية)) برقم (١١٧١).
(٢) وهذا خبر موضوع، وسيشير الحافظُ إلى وضعه في آخر شرح هذا الحديث.
(٣) ثبت عنه هذا في ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٨/ ٦٠٢ موقوفاً عليه، وأما ما روي عنه في ذلك مرفوعاً إلى
النبي ◌َّ عند الطبراني في ((الكبير)) (١٠٩٨٠)، ففي إسناده أحد الكذّابين.
(٤) المثبت من الأصلين، وسقط لفظ ((علم)) من (س) وتحرَّف ((الباطن)) فيها إلى: الباطل، باللام.