النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
باب ٣٥ / ح ٦٤٩٨
كتاب الرقاق
خُذَيفةُ، قال: حدَّثْنا رسولُ اللهِ وَِّ حديثَينِ رأيتُ أحدَهما، وأنا أَنْتَظِرُ الآخَرَ، حدَّثْنَا: «أنَّ الأمانةَ
نَزَّلَت في جَذْرِ قلوبِ الرِّجال، ثمَّ عَلِمُوا منَ القرآنِ، ثمَّ عَلِمُوا منَ السُّنّةِ».
وحدَّثنا عن رَفْعِها قال: ((ينامُ الرجلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأمانةُ من قَلْبِهِ، فَيَظَلُّ أثَرُها مِثلَ أَثَرِ
الوَكْتِ، ثمَّ ينامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ، فَيَبْقَى أَثَرُها مِثلَ المَجْلِ كَجَمْرٍ دَخْرَجْتَه على رِجْلِكَ، فَيَقِطَ
فَتَرَاهُ مُنتَبِراً وليس فيه شيءٌ، فيُصبِحُ الناسُ يَتَبايعونَ، فلا يَكادُ أحدُهم يُؤَدّي الأمانةَ، فيقال:
إنَّ في بني فلانٍ رجلاً أمِيناً، ويقال للرجلِ: ما أعقَلَه! وما أظرَفَه! وما أجلَدَه! وما في قَلْبِهِ مِثْقَالُ
حَبّةِ خَرْدَلٍ من إيمانٍ».
ولقد أَتَى عليَّ زمانٌ وما أُبالي أيَّكم بايعتُ، لَئِن كان مسلماً رَدَّه عليَّ الإسلامُ، وإن كان
نَصْرانياً رَدَّه عليَّ ساعِيهِ، فأمَّا اليومَ فما كنتُ أُبَايِعُ إلّا فلاناً وفلاناً.
قال الفِرَبْريُّ: قال أبو جعفر: حدَّثْتُ أبا عبد الله، فقال: سمعتُ أحمدَ بنَ عاصمٍ يقول:
سمعت أبا عُبيدٍ يقول: قال الأصمعيُّ وأبو عَمْرو وغيرُهما: جَذْرُ قلوبِ الرِّجال، الجَذْر:
الأصلُ من كلِّ شيءٍ، والوَكْتُ: أَثَرُ الشيءِ، الیسیرُ منه.
[طرفاه في: ٧٠٨٦، ٧٢٧٦]
٦٤٩٨ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني سالم بنُ عبدِ الله،
أنَّ عبدَ الله بنَ عمرَ رضي الله عنهما قال: سمعتُ رسولَ الله وَّهِ يقول: ((إنَّما الناسُ كالإبلِ
المئةٍ، لا تكادُ تَجِدُ فيها راحلةً)).
قولُهُ: ((باب رَفْع الأمانةِ) هي ضِدُّ الِيانة، والمرادُ برفعِها: إذهابُها بحيثُ يكونُ الأمينُ
معدوماً أو شبه المعدوم.
وذکر فیه ثلاثة أحاديث:
٣٣٤/١١
الحديث الأول: قوله: ((حدَّثْنا محمَّد بن سِنَان)) بكسر المهمَلة ونُونَين، وقد تقدَّم في أوَّل
كتاب العلم (٥٩) بهذا الإسناد مقروناً برواية محمَّد بن فُلَيح عن أبيه، وساقَه هناك على لفظه،

٢٢٢
باب ٣٥ / ح ٦٤٩٨
فتح الباري بشرح البخاري
وفيه قصَّةُ الأعرابيِّ الذي سألَ عن قيام الساعة.
قوله: ((إذا ضُيِّعَتِ الأمانةُ)) هذا جوابُ الأعرابيِّ الذي سألَ عن قيام الساعة، وهو
القائلُ: كيف إضاعَتُها؟
قوله: ((إذا أُسْنِدَ)) قال الكِرْمانيُّ: أجابَ عن كيفيَّة الإضاعة بما يدلُّ على الزَّمان؛ لأنَّه
يَتَضَمَّنُ الجوابَ، لأنَّه يَلزَمُ منه بيانُ أنَّ كيفيَّتَها هي الإسنادُ المذكور، وقد تقدَّم هناك
بلفظ: ((وُسِّدَ)) مع شرحِه، والمراد من الأمر: جِنسُ الأُمورِ التي تتعلَّقُ بالدِّينِ كالخِلَافة
والإمارة والقضاءِ والإفتاءِ وغير ذلك.
وقوله: ((إلى غير أهلِه)) قال الكِرْمانيُّ: أتى بكلمة ((إلى)) بدلَ اللّام ليدلَّ على تضمينٍ
معنى الإسناد.
قوله: ((فانتَظِرِ الساعةَ)) الفاءُ للتَّفْريع، أو جواب شرطٍ محذوفٍ، أي: إذا كان الأمرُ
کذلك فانتظر.
قال ابن بَطّال: معنى ((أُسنِدَ الأمرُ إلى غير أهلِه)): أنَّ الأئمَّةَ قد انتَمَنَهم الله على عباده
وفَرَضَ عليهم النَّصيحةَ لهم، فينبغي لهم تَولِيةُ أهلِ الدِّين، فإذا قَلَّدوا غيرَ أهلِ الدّين، فقد
ضَيَّعوا الأمانةَ التي قَلَّدَهم الله تعالى إيّاها.
الحديث الثاني: حدیث ◌ُذيفةً في ذِكْر الأمانة وفي ذِكْر رفعها، وسيأتي بسنده ومتنه في
كتاب الفتن (٧٠٨٦) ويُشرَحُ هناك إن شاء الله تعالی.
والجَذْرُ بفتح الجيم وكسرها: الأصلُ في كلِّ شيءٍ.
والوَكْتُ بفتح الواو وسكونِ الكاف بعدها مُثّةٌ: أثرُ النار ونحوُه.
والمَجْلُ بفتح الميم وسكونِ الجيم بعدَها لامٌّ: هو أثر العمل في الكَفّ.
والمُنتَبِ بنونٍ ثمَّ مُثنّاةٍ مفتوحةٍ ثمَّ موخَّدةٍ مكسورةٍ: وهو المُتَنَقِّط.
قوله: ((ولا يَكادُ أحدُهم)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((أحدٌ)) بغير ضميرٍ.

٢٢٣
كتاب الرقاق
قوله: ((مِن إیمان)) قد يُفهَمُ منه أنَّ المراد بالأمانة في الحدیث الإیمانُ، ولیس کذلك، بل
ذکر ذلك لگونها لازِمةَ الإیمان.
قوله: ((بايعتُ)) قال الخطَّبيُّ: تأوَّلَه بعض الناس على بَيْعة الخِلَافة، وهذا خطأُ، كيفَ
يكونُ وهو يقول: إن كان نصرانيّاً رَدَّه عليَّ ساعِيهِ، فهل يُبابعُ النَّصرانيّ على الخِلَافة؟ وإنَّما
أراد مُبايعةَ البيع والشِّراء.
قوله: ((رَدَّ عليَّ الإسلامُ)) في رواية المُستَمْلي: ((بالإسلام)) بزيادة موحّدةٍ.
قوله: ((نَصْرانيّاً رَدَّه عليَّ ساعِيهِ)) أي: والِيهِ الذي أُقيمَ عليه ليُنصِفَ منه، وأكثر ما
يُستَعمَل الساعي في ولاة الصَّدَقة، ويحتمل أن يُرادَ به هنا الذي يَتَولَّى قبضَ الجِزية.
قوله: ((إلّا فلاناً وفلاناً) يحتمل أن يكون ذكره بهذا اللَّفظ، ويحتمل أن يكون سَمَّى اثنَيْنِ
من المشهورينَ بالأمانة إذ ذاكَ فأبهَمَهما الراوي، والمعنى: لست أثِقُ بأحدٍ أَأْتِنُه على بيع ولا
شِراءٍ إلّا فلاناً وفلاناً.
قوله: ((قال الفِرَبْريّ)» ثَبَتَ ذلك في رواية المُستَمْلي وحدَه، وأبو جعفر الذي روى عنه
هنا: هو محمّد بن أبي حاتم البخاريُّ وَرّاقُ البخاريّ، أي: ناسخُ كُتُبِهِ.
وقوله: ((حَدَّثتُ أبا عبد الله)) يريد البخاريَّ، وحَذَفَ ما حدَّثه به لعَدَم احتياجِه له
حينئذٍ.
وقوله: ((فقال: سمعتُ)) القائلُ: هو البخاريُّ، وشيخُه أحمدُ بن عاصم: هو البلخيّ، وليس
له في البخاريّ إلّا هذا الموضع، وأخرج عنه البخاريُّ في ((الأدب المفرَدِ)).
قوله: ((سمعتُ أبا عُبيدٍ)) هو القاسمُ بن سَلّام المشهورُ صاحبُ كتاب ((غريب الحديث))
وغيره من التَّصانيف، وليس له في البخاريِّ إلّ هذا الموضعَ، وكذا الأصمعيُّ وأبو عَمْرو.
وقوله: ((قال الأصمعيّ)) هو عبد الملك بن قُرَيب، وأبو عَمْرو: هو ابن العلاء.
قوله: ((وغيرهما)) ذكره الإسماعيليّ عن سفيان الثَّوْريّ بعدَ أن أخرج الحديثَ من طريق

٢٢٤
باب ٣٥ / ح ٦٤٩٨
فتح الباري بشرح البخاري
عبد الله بن الوليد العَدَنيِّ عن سفيان الثَّوْريّ، ثمَّ قال في آخره: قال سفيان: الجَذْرُ:
الأصل.
قوله: ((الجَذْرُ: الأصلُ من كلِّ شيءٍ)) أَتَّفَقوا على التَّفْسير، ولكن عند أبي عَمرِو أنَّ الجِذرَ
بکسر الجيم، وعندَ الأصمعيِّ بفتحِها.
قوله: ((والوَكْت: أَثَرُ الشَّيءِ اليسيرُ منه)) هذا من كلام أبي عُبيدٍ أيضاً، وهو أخصُّ ممّاً
تقدَّم لتقییدِه بالیسیر.
٣٣٥/١١
الحديث الثالث: حديث ابن عمر، سندُه معدودٌ في أصحِ الأسانید.
قوله: ((إِنَّا الناس كالإبلِ المئة، لا تكاد تَجِدُ فيها راحلةً)) في رواية مسلم (٢٥٤٧) من
طريق مَعمَر عن الزّهْريّ: ((تَجِدونَ الناسَ كإبلٍ مئةٍ، لا يَجِدُ الرجلُ فيها راحلةً))، فعلى أنَّ
الرِّوايةَ بغير ألِفٍ ولامٍ، وبغير ((تكاد)) فالمعنى: لا تَجِدُ في مئة إبلِ راحلةً تَصلُحُ للرُّكوب،
لأنَّ الذي يَصلُحُ للُّكوبِ ينبغي أن يكونَ وَطيئاً سهلَ الانقياد، وكذا لا تَجِدُ في مئةٍ من
الناس مَن يَصلُح للصُّحبة بأن يُعاوِنَ رَفيقَه ويُلينُ جانبَه، والرّواية بإثبات: ((لا تكاد)) أَولِی
لما فيها من زيادة المعنى ومُطابقة الواقع، وإن كان معنى الأوَّل يَرجِعُ إلى ذلك، ويُحمَل النَّفي
المطلَق على المبالَغة، وعلى أنَّ النادرَ لا حُكمَ له.
وقال الخطَّبيُّ: العربُ تقولُ للمئة من الإبل: إبلٌّ، يقولون: لفلانٍ إبلِّ، أي: مئةُ بعيرٍ،
ولفلانٍ إِلانٍ، أي: مثَتان. قلت: فعلى هذا فالرِّواية التي بغير ألفٍ ولام يكونُ قولُه: مئة،
تفسيراً لقولِه: إبل، لأنَّ قوله: ((كإبلٍ)) أي: كمئة بعيرٍ، ولمَّا كان مُجرَّد لفظ إبلٍ ليس
مشهورَ الاستعمال في المئة، ذكر المئةَ توضيحاً ورفعاً للإلباس، وأمَّا على رواية البخاريِّ
فاللّمُ للچِنْس.
وقال الرَّاغِبُ: الإبلُ اسم مئة بعيرٍ، فقوله: ((كالإبلِ المئة)) المرادُ به عشرةُ آلاف، لأنَّ
التَّقدير: كالمئة المئة. انتهى، والذي يظهرُ - على تسليم قوله - لا يَلزَم ما قال: إنَّ المراد عشرة
آلافٍ، بل المئة الثّانية للتَّأكید.

٢٢٥
باب ٣٥ / ح ٦٤٩٨
كتاب الرقاق
قال الخطَّبيُّ: تأوَّلوا هذا الحديث على وجهَين:
أحدهما: أنَّ الناس في أحكام الدّينِ سواءٌ لا فضلَ فيها لشريفٍ على مشروفٍ، ولا
الرَفِيعٍ على وَضِيعِ، كالإبلِ المئةِ التي لا يكونُ فيها راحلٌ وهي التي تُرحَلُ لتُركَبَ،
والرَّاحلةُ فاعلةٌ بمعنى مفعولةٍ، أي: كلّها حَمولةٌ تَصلُحُ للحَمْل، ولا تَصلُح للرَّحْلِ
والرُّكوب عليها.
والثّاني: أنَّ أكثرَ الناس أهلُ نقصٍ، وأمَّا أهلُ الفضل فعَدَدُهم قليلٌ جدّاً، فهم بمَنزِلة
الرَّاحلة في الإبلِ الحَمُولة، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧].
قلت: وأورَدَ البيهقيُّ هذا الحديث في كتاب القضاء في تسوية القاضي بين الخَصمَينِ(١)
أخذاً بالتَّأويلِ الأوَّل، ونُقِلَ عن ابن قُتَيبَةَ: أنَّ الرَّاحِلةَ هي النَّجِيبةُ المختارةُ من الإبل
اللُّكوب، فإذا كانت في إبلِ عُرِفَت، ومعنى الحديث: أنَّ الناس في النَّسَب كالإبلِ المئة التي
لا راحلةَ فيها، فهي مُستَويةٌ.
وقال الأزهَريُّ: الرَّاحلةُ عند العرب: الذَّكَرُ النَّجيبُ والأُنْثَى النَّجيبة، والهاءُ في
الرَّاحلة للمُبالَغة، قال: وقول ابن قُتَيْبَ غَلَطٌّ، والمعنى: أنَّ الزّاهدَ في الدُّنيا الكاملَ فيه
الرَّاغِبَ في الآخرة قليلٌ، كقِلّة الرَّاحلة في الإبل.
وقال النَّوويّ: هذا أجوَدُ، وأجوَدُ منهما قولُ آخرِينَ: إنَّ المرضيَّ الأحوالِ من الناس
الكاملَ الأوصافِ قليلٌ. قلت: هو الثّاني، إلّا أنَّه خَصَّصَه بالزاهد، والأَولى تعميمُه كما قال
الشَّيخ.
وقال القُرطُبيّ: الذي يناسبُ التَّمثيلَ أنَّ الرجل الجوادَ الذي يَحمِل أثقالَ الناس
والحَالات عنهم ويَكشِف كُرَبَهم عَزيزُ الوجود، كالرَّاحلة في الإبل الكثيرة.
وقال ابن بَطّال: معنى الحديث: أنَّ الناس كثيرٌ والمرضِيَّ منهم قليلٌ، وإلى هذا المعنى
أومأ البخاريُّ بإدخاله في ((باب رفع الأمانة))، لأنَّ مَن كانت هذه صِفَتَه فالاختيارُ عَدَمُ
(١) في كتابه ((السنن الكبرى)) ١٣٥/١٠.

٢٢٦
باب ٣٦ / ح ٦٤٩٩
فتح الباري بشرح البخاري
مُعَاشَرَتِه. وأشارَ ابن بَطّال إلى أنَّ المراد بالناس في الحديث: مَن يأتي بعدَ القُرونِ الثلاثة الصحابةِ
والتابعين وتابعيهم، حيثُ يصيرون يخونونَ ولا يُؤْتَنونَ. ونَقَلَ الكِرْ مانيُّ هذا عن مُغَلْطاي
ظنّاً منه أنَّه كلامُه لكَونِه لم يَعِزُه، فقال: لا حاجة إلى هذا التَّخصيص، لاحتمال أن يُرادَ أنَّ
المؤمنينَ قليلٌ بالنّسبة للكفَّار، والله أعلم.
٣٦- باب الرِّياء والسُّمعة
٦٤٩٩- حدّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن سفيانَ، حدَّثني سَلَمَةُ بنُ كُهَيلٍ. وحدَّثنا
أبو نُعَيم، حدَّثنا سفيانُ، عن سَلَمَةَ، قال: سمعتُ جُنْدُباً يقول: قال النبيُّ وَّهِ - ولم أسمَعْ
أحداً يقول: قال النبيُّنَّه غيرَه - فَدَنَوْتُ منه فسمعتُه يقول: قال النبيُّ ◌َّهِ: ((مَن سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ
به، ومَن يُرائي يُرائي اللهُ به).
[طرفه في: ٧١٥٢]
٣٣٦/١١
قوله: ((باب الرّياء والسُّمْعة)) الرِّياءُ بكسر الرَّاء وتخفيف التَّحتانيَّة والمدّ، وهو مُشتَقٌّ
من الرُّؤية، والمراد به: إظهارُ العبادة لقصدِ رُؤية الناس لها فيَحمَدوا صاحبَها، والسُّمْعةُ
بضمِّ المهمَلة وسكون الميم: مُستَقّةٌ من: سَمِعَ، والمراد بها نحوُ ما في الرّياء، لكنَّها تتعلَّق
بحاسّة السَّمع، والرّياء بحاسّة البَصَر.
وقال الغَزاليّ: المعنى: طلبُ المنزلة في قلوب الناس بأن يُرِيَهم الخِصالَ المحمودة،
والمرائي هو العامل. وقال ابن عبد السَّلام: الزّياءُ: أن يعمل لغير الله، والسُّمعة: أن يُخُفيَ
عملَه لله ثمَّ يُحدِّثَ به الناسَ.
قوله: ((يجبى)) هو ابن سعيد القَطّان، وسفيان في الطَّريقَين: هو الثَّوْريّ، والسَّنَد الثّاني
أَعلى من الأوَّل، ولم يَكتَفِ به مع عُلوّه لأنَّ في الرِّواية الأولى مَزايا: وهي جَلالُ القَطّان،
وما وَقَعَ في سياقه من تصريح سفيان بالتَّحديث، ونِسبةُ سَلَمَةَ شيخ الثَّوْريِّ: وهو سَلَمة
ابن كُهَيل - بالنَّصغير - ابن حُصَينِ الحَضرَميّ، والسَّنَد الثّاني كلُّهُ كوفيّونَ.
قوله: ((ولم أسمَع أحداً يقول: قال النبيّ ◌ََّ، غيرَه)) وثَبَتَ كذلك عند مسلم في روايةٍ

٢٢٧
باب ٣٦ / ح ٦٤٩٩
كتاب الرقاق
(٢٩٨٧)، وقائل ذلك: هو سَلَمة بن كُهَيل، ومُرادُه أنَّه لم يسمع من أحد من الصحابة
حديثاً مُسنَدَاً إلى النبيّ وَّهَ إلّا من جُندُبٍ، وهو ابن عبد الله البَجَلِيُّ الصحابيُّ المشهورُ،
وهو من صِغار الصحابة.
وقال الكِرْمانيُّ: مُرادُه: لم يَبْقَ من أصحاب النبيّ ◌َّ حينئذٍ غيرُه في ذلك المكان. قلت:
احتَرَزَ بقوله: ((في ذلك المكان)) عمَّن كان من الصحابة موجوداً إذ ذاكَ بغير المكان الذي
كان فيه جُندُبٌّ، وليس كذلك، فإنَّ جُندُباً كان بالكوفة إلى أن ماتَ وكان بها في حياة
جُندُبٍ أبو جُحَيفةَ السُّوَائِيُّ، وكانت وفاته بعد ◌ُندُبٍ بستٌّ سنين، وعبدُ الله بن أبي أوفَ
وكانت وفاته بعد جُندُبِ بعشرينَ سنةً، وقد روى سَلَمةُ عن كلٌّ منهما، فَتَعَّنَ أن يكون
مُرادُه أنَّه لم يسمع منهما ولا من أحدهما ولا من غيرهما ممَّن كان موجوداً من الصحابة بغير
الكوفة بعدَ أن سمعَ من جُندُبِ الحديثَ المذكور عن النبيّ وَّل شيئاً.
قوله: ((مَن سَمَّعَ)) بفتح المهملة والميم الثَّقيلة والثّانية مِثلُها.
وقوله: ((ومَن يُرائي)) بضمِّ التحتانية والمدِّ وكسر الهمزة والثّانية مِثلُها، وقد ثَبَتَتِ الياء
في آخر كلٍّ منهما، أمَّ الأُولى فللإشباع، وأمَّ الثّانية فكذلك، أو التَّقدير: فإنَّه يُرائي به الله.
ووَقَعَ في رواية وكيع عن سفيان عند مسلم (٢٩٨٧): ((مَن يُسمِّعْ يُسمِّعِ الله به، ومَن
يُرائي يُرائي الله به)).
ولابنِ المبارَكِ في ((الزّهد))(١) من حديث ابن مسعود: مَن سَمَّعَ سَمَّعَ الله به، ومَن راءَى
راءَى الله به، ومَن تَطاولَ تَعاظُاَ خَفَضَه الله، ومَن تَواضَعَ تَخْشُّعاً رَفَعَه الله، وفي حديث ابن
عبَّاس عند ... (٢): (مَن سَمَّعَ سَمَّعَ الله به، ومَن راءَی راءَى الله به)).
ووَقَعَ عند الطبرانيِّ (١٦٩٧) من طريق محمّد بن جُحَادة عن سَلَمة بن کُهَيل عن جابر في
آخر هذا الحديث: ((ومَن كان ذا لسانَينِ في الدُّنيا، جَعَلَ الله له لسانَينِ من نارٍ يومَ القيامة)).
(١) في ((الزهد)) رواية نعيم بن حماد برقم (٧٤).
(٢) بياض في الأصل، وهو عند مسلم برقم (٢٩٨٦).

٢٢٨
فتح الباري بشرح البخاري
قال الخطَّبيُّ: معناه: مَن عَمِلَ عملاً على غير إخلاصٍ، وإنَّما يريدُ أن يراه الناس ويسمعوه،
جُوزِيَ على ذلك بأن يُشَهِّرَه الله ويَفضَحَه ويُظهِرَ ما كان يُبطِئُه.
وقيل: مَن قَصَدَ بعَمَلِهِ الجاهَ والمنزلةَ عند الناس ولم يُرِدْ به وجهَ الله، فإنَّ الله يجعله
حديثاً عند الناس الذينَ أراد نَيلَ المنزلة عندهم، ولا ثوابَ له في الآخرة، ومعنى ((يُرائي)):
٣٣٧/١١ يُطلِعهم على أنَّه فعل ذلك لهم لا لوجهه، ومنه قوله تعالى: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا
وَزِينَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِهَا﴾ إلى قوله: ﴿مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥]، وقيل: المرادُ:
مَن قَصَدَ بَعَمَلِهِ أن يَسمعَه الناس ويَرَوه ليُعظِّموه، وتَعلُوَ مَنزِلتُه عندهم، حَصَلَ له ما
قَصَدَ، وكان ذلك جزاءَه على عمله، ولا يُثاب عليه في الآخرة.
وقيل: المعنى: مَن سَمَّعَ بعُيوبِ الناس وأذاعَها، أظهَرَ اللهُ عُيوبَه وسَمَّعَه المكروه.
وقيل: المعنى: مَن نَسَبَ إلى نفسه عملاً صالحاً لم يفعله، واذَّعَى خيراً لم يصنعه، فإنَّ الله
يَفضَحُه ويُظهِرُ كَذِبَه. وقيل: المعنى: مَن يُرائي الناسَ بعَمَلِهِ، أراه الله ثوابَ ذلك العمل
وحَرَمَه إياه.
قيلَ: معنى ((سَمَّعَ الله به): شَهَّرَه أو مَلَأ أسماعَ الناس بسوءِ الثَّنَاءِ عليه في الدُّنيا أو في القيامة
بما يَنطَوي عليه من خُبْث السَّريرة.
قلت: وَرَدَ في عِدّة أحاديثَ التَّصريحُ بوقوع ذلك في الآخرة فهو المعتمَدُ، فعند أحمدَ
(٢٢٣٢٢) والدَّارِمِيّ (٢٧٤٨) من حديث أبي هند الدَّاريّ رَفَعَه: ((مَن قامَ مَقَامَ ریاءٍ وسُمعةٍ،
راءَى اللهُ به يومَ القيامة وسَمَّعَ به)).
وللطبراني (١٠١/١٨) من حدیث عوف بن مالك نحوه، وله (٢٠/ ٢٣٧) من حديث
معاذ مرفوعاً: ((ما من عبدٍ يقوم في الدُّنيا مقامَ سُمعةٍ ورياء، إلّا سَمَّعَ الله به على رُؤوسِ
الخلائقِ يومَ القيامة)).
وفي الحديث استحبابُ إخفاء العمل الصالح، لكن قد يُستَحَبّ إظهاره ممَّن يُقتَدَى به
على إرادَته الاقتداءَ به، ويُقدَّرُ ذلك بقَدْرِ الحاجة.

٢٢٩
كتاب الرقاق
قال ابن عبد السَّلام: يُستَثَنَى من استحباب إخفاء العمل مَن يُظهِرُه ليُقْتَدَى به أو
ليُنْتَفَعَ به ككتابة العلم، ومنه حديثُ سهل الماضي في الجمعة (٩١٧): ((لِتأتمُّوا بي ولتَعلَّموا
صلاتي».
قال الطَّبَرِيُّ: كان عمر(١) وابن مسعود وجماعةٌ من السَّلَفِ يَتَهجَّدونَ في مَساجدِهم،
ويَتَظاهَرونَ بمحاسنِ أعمالهم ليُقْتَدَى بهم، قال: فمَن كان إماماً يُستَنُّ بعَمَلِهِ، عالماً بما لله
عليه، قاهراً لشيطانه، استَوى ما ظَهَرَ من عملِه وما خَفِيَ لصِحّة قَصْدِه، ومَن كان بخلاف
ذلك فالإخفاءُ في حَقِّه أفضل، وعلى ذلك جَرَى عمل السَّلَف.
فمن الأوَّل: حديثُ حَمَّادِ بن سَلَمة عن ثابت عن أنس قال: سمعَ النبيُّ ◌َل﴿ رجلاً يقرأ
ويَرفَع صوتَه بالذِّكرِ فقال: ((إنَّه أوّابٌ)) قال: فإذا هو المِقِدادُ بن الأسود، أخرجه الطََّريّ.
ومن الثّاني: حديث الزُّهْرِيِّ عن أبي سَلَمة عن أبي هريرة قال: قامَ رجلٌ يُصَلّ فَجَهَرَ
بالقراءة فقال له النبيّ وَِّ: ((لا تُسمِعْني وأسمِعْ رَبَّك)) أخرجه أحمدُ (٨٣٢٦) وابن أبي
خَيْئمةَ، وسنده حسنٌ.
٣٧ - باب من جاهدَ نفسَه في طاعة الله
٦٥٠٠ - حدَّثنا هُدْبةُ بنُ خالدٍ، حدَّثنَا هَمَّامٌ، حدَّثنا قَتَادةُ، حدَّثنا أنسُ بنُ مالكِ، عن معاذٍ
ابنِ جبلٍ عَّ، قال: بينما أنا رَدِيفُ النبيِّ وَّه ليس بيني وبينَهَ إلّا آخِرةُ الرَّحْلِ، فقال: ((يا معاذُ»
قلتُ: لَيكَ رسولَ الله وسَعْدَيكَ، ثمَّ سارَ ساعةً فقال: ((يا معاذُ)) قلتُ: لَبِّكَ رسولَ الله
وسَعْدَيكَ، ثمَّ سارَ ساعةً فقال: ((يا معاذُ بنَ جبلٍ)) قلتُ: لَبِّكَ رسولَ الله وسَعْدَيكَ، قال:
((هل تَذْري ما حَقُّ الله على عبادِه؟)) قلتُ: الله ورسوله أعلمُ، قال: ((حَقُّ الله على عبادِه أن
يَعبُدُوه ولا يُشرِكوا به شيئاً))، ثمَّ سارَ ساعةً ثمَّ قال: ((يا معاذُ بنَ جبلٍ)) قلتُ: لَبِّكَ رسولَ الله
وسَعْدَيكَ، قال: ((هل تَدْري ما حَقُّ العِبادِ على الله إذا فَعَلوه؟)) قلتُ: الله ورسوله أعلمُ، قال:
((حَقُّ العبادِ على الله أن لا يُعذِّبَهم)).
(١) كذا في الأصلین، وفي (س): كان ابن عمر.

٢٣٠
باب ٣٧ / ح ٦٥٠٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب مَن جاهَدَ نفسَه في طاعة الله عزَّ وجلَّ)) يعني: بيان فضل مَن جاهَدَ، والمراد
٣٣٨/١١ بالمجاهَدة: كَفُّ النَّفس عن / إرادَتها من الشّغْل بغير العبادة، وبهذا تظهرُ مُناسَبةُ التَّرجمة
حدیثِ الباب.
وقال ابن بَطّال: جهاد المرءِ نفسَه هو الجهاد الأكمل، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ
رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَوَى﴾ الآيَةَ [النازعات: ٤٠]، ويقعُ بمَنْع النَّس عن المعاصي، وبمَنعِها
من الشُّبُهات، وبمَنعِها من الإكثار من الشَّهَوات المباحة لتتوفّرَ لها في الآخرة.
قلت: ولئلّا يَعتادَ الإكثارَ فيأَلَفه فيَجُرُّه إلى الشُّبُهات، فلا يأمَنُ أن يقع في الحرام.
ونَقَلَ القُشَيرِيُّ عن شيخه أبي عليّ الدَّقّق: مَن لم يكن في بدايتِهِ صاحبَ مجاهدةٍ، لم
يَجِدْ من هذا الطَّريق شَمّةً.
وعن أبي عَمْرو بن نُجَيدٍ: مَن كَرُمَ عليه دينُه، هانَت عليه نفسُه.
قال القُشَيريُّ: أصلُ مُجاهَدة النَّفْسِ فَطْمُها عن المألوفات وحَملُها على غيرِ هَواها،
وللنَّفْسِ صِفَتان: انهماكٌ في الشَّهَوات، وامتناعٌ عن الطاعات، فالمجاهدةُ تَفَعُ بِحَسَبٍ
ذلك.
قال بعض الأئمّة: جهاد النَّفْس داخلٌ في جهادِ العدوّ، فإنَّ الأعداءَ ثلاثةٌ: رأسُهم
الشَّيطان، ثمَّ النَّفسُ لأنَّها تدعو إلى اللَّذّات المفضية بصاحبها إلى الوقوع في الحرام
الذي يُسخِطُ الرَّبَّ، والشَّيطان هو المُعِين لها على ذلك ويُزيِّنُه لها، فمَن خالَفَ هَوَى
نفسِه قَمَعَ شيطانَه، فمُجاهَدَته نفسَه حَلُها على اتِّباع أوامرِ الله واجتناب نَواهِيه، وإذا
قويَ العبدُ على ذلك سَهُلَ عليه جهادُ أعداء الدّين، فالأوَّل الجهاد الباطن، والثّاني
الجهاد الظاهر.
وجهادُ النَّفْسِ أربعُ مراتبَ: حَملُها على تَعلُّم أُمور الدّين، ثمَّ حَلُها على العملِ بذلك، ثمَّ
◌َلُها على تعليم مَن لا يَعلَم، ثمَّ الدُّعاء إلى توحيدِ الله وقتال مَن خالَفَ دينَه وجَحَدَ نِعَمَه.
وأقوى المُعِين على جهاد النَّفس جهادُ الشَّيطان بدَفْع ما يُلقِي إليه من الشُّبهة والشكّ، ثمَّ

٢٣١
باب ٣٧ / ح ٦٥٠٠
كتاب الرقاق
تحسينِ ما نُهُيَ عنه من المحرَّمات، ثمَّ ما يُفْضى الإكثارُ منه إلى الوقوع في الشُّبُهات، وتمامُ
ذلك من المجاهدة أن يكونَ مُتَقِّظاً لنفسِه في جميع أحواله، فإنَّه متى غَفَلَ عن ذلك استَهواه
شيطانُه ونفسُه إلى الوقوع في المنهيّات، وبالله التَّوفيق.
قوله: ((همَّام)) هو ابنُ يحيى.
قوله: ((أنس، عن معاذ بن جبلِ)) هكذا رواه همَّام عن قَتَادة، ومُقتَضاه التَّصريحُ بأنَّه من
مُسنَدٍ معاذ، وخالَفَه هشامٌ الدَّستُوائيُّ عن قَتَادة فقال: عن أنس أنَّ النبيَّ ◌َِّ قال - ومعاذٌ
رديفُه على الرَّحْل -: ((يا معاذ))، وقد تقدَّم في أواخر كتاب العلم (١٢٨)، ومُقتَضاه أنَّه من
مُسنَد أنس والمعتمَد الأوَّل، ويُؤيِّده أنَّ المصنِّف أتْبَعَ روايةَ هشام روايةَ سليمان التَّيْميِّ عن
أنس (١٢٩) قال: ذُكِرٍ لي أنَّ النبيَّلَه قال لمعاذ؛ فدَلَّ على أنَّ أنساً لم يسمعه من النبيِّ لَّه
واحتَمَلَ قوله: ذُكِرَ، على البناءِ للمجهولِ أن يكون أنس ◌َلَه عن معاذ بواسطةٍ أو بغير
واسطةٍ، وقد أشرتُ في شرحِه في العلم إلى احتمال أن يكون أنسٌ حَمَلَه عن عَمْرو بن ميمون
الأَوْديِّ عن معاذ، أو عن عبد الرّحمن بن سَمُرة عن معاذ.
وهذا كلُّه بناءً على أنَّه حديثٌ واحدٌ، وقد رَجَحَ لي أنَّهما حديثان، وإن اََّدَ مَرَجُهما عن
قَتَادة عن أنس ومتنُهما في كَونِ معاذ رِدْفَ النبيِّ وَِّ، للاختلاف فيما وَرَدا فيه، وهو أنَّ
حديث الباب في حَقّ الله على العبادِ وحَقِّ العبادِ على الله، والماضي فيمَن لَقِيَ اللهَ لا يُشِرِكُ به
شيئاً، وكذا رواية أبي عثمان النَّهْديِّ (٢٢٠٣٩) وأبي رَزِين (٢٢٠٤١) وأبي العَوّام (٢٢٠٤٠)
كلّهم عن معاذ عند أحمد، ورواية عَمْرو بن ميمونَ موافقةٌ لرواية حديث الباب(١)، ونحوُها
روايةُ عبد الرَّحمن بن سَمُرة عن معاذ عند النَّسائيِّ (ك١٠٩٠٩)، والرّواية الأُخرى موافقةٌ
لرواية هشام التي في العلم (١٢٨)، وقد أشرتُ إلى شيء من ذلك في ((باب اسم الفرس
والحِمار)) من كتاب الجهاد (٢٨٥٦).
وقد جاء عن أنسٍ عن معاذ نحوُ حديث الباب، أخرجه أحمد (٢٢٠٥٨) من طريق
(١) رواية عمرو بن ميمون سلفت في الجهاد برقم (٢٨٥٦).

٢٣٢
باب ٣٧ / ح ٦٥٠٠
فتح الباري بشرح البخاري
الأعمَش عن أبي سفيان عن أنس قال: أتينا معاذاً فقلنا: حَدِّثنا من غرائبٍ حديث
رسولِ الله وَ له؛ فذكر مِثْلَ حديثِ هَمَّام عن قَتَادة.
قوله: (بَيْنا أنا رَدِيف)) تقدَّم بيانه في أواخر كتاب اللِّباس قبل الأدبِ ببابَينِ (٥٩٦٧).
قوله: ((ليس بيني وبينه إلّا آخِرةُ الرَّحْلِ)» بفتحِ الرَّاء وسكونِ الحاءِ المهمَلة: هو للبعير
٣٣٩/١١ كالسَّرْج للفَرَس، وآخِرُه/ بالمدِّ وكسر المعجَمة بعدَها راءٌ: هي العودُ الذي يُعَل خلفَ
الرَّاكبِ يَسْتَنِدُ إليه، وفائدةُ ذِكْره المبالَغةُ في شِدّةِ قُربِهِ، ليكونَ أوقَعَ في نفسِ سامعِه أنَّه
ضَبَطَ ما رواه.
ووَقَعَ في رواية مسلم (٤٨/٣٠) عن هَدّابٍ بن خالدٍ - وهو هُدبةُ شيخ البخاريِّ فيه -
بسندِه هذا: مُؤْخَرة، بَدَل: آخِرة، وهي بضمِّ الميم وسكون الهمزة وفتح الخاء.
ووقع في رواية عمرو بن ميمون عن معاذ: کنت رِدفَ النبيّ ◌َلژ على حمار يقال له:
عُفَير، وقد تقدَّم ضبطُه في الجهاد (٢٨٥٦)، ووَقَعَ عند أحمد (٢٢٠٧٣) من رواية
عبد الرَّحمن بن غَنْم عن معاذ: أنَّ النبيَّ ◌َ رَكِبَ على حمارٍ يقال له: يَعفورٌ رَسَنُه من
لیفٍ.
ويُمكِنُ الجمعُ بأنَّ المرادَ بآخِرة الرَّحْل: موضعُ آخِرة الرَّحل، للتَّصريح هنا بكونه كان
على حمار، وإلى ذلك أشارَ النَّوويُّ ومَشَى ابنُ الصَّلاح على أنَّهما قضيَّتَان، وكأنَّ مُستنَدَه أنَّه
وَقَعَ في رواية أبي العَوّام عند أحمد: على جملِ أحمرَ، ولكنَّ سندَه ضعيفٌ.
قوله: ((فقال: يا معاذ، قلت: ◌َبَّكَ)) تقدَّم بيانُ ذلك في كتاب الحجِّ (١٥٤٩).
قوله: ((رسولَ الله)) بالنَّصبِ على النِّداءِ، وحرفُ النِّداءِ محذوفٌ، ووَقَعَ في العلم (١٢٨)
بإثباته.
قوله: (ثمَّ سارَ ساعةً)) فيه بيان أنَّ الذي وَقَعَ في العلم: ((قال: لَبَّكَ يا رسولَ الله وسعدَيكَ،
قال: يا معاذ))، لم يقع النِّداءُ الثّاني على الفَوْر بل بعدَ ساعةٍ.
قوله: ((فقال» في رواية الكُشْمِیھنیّ: ثمّ قال.

٢٣٣
باب ٣٧ / ح ٦٥٠٠
كتاب الرقاق
قوله: ((يا معاذُ بنَ جبلٍ)) تقدَّم ضبطُه في العلم.
قوله: ((قال: هل تَدْرِي)) وَقَعَ في رواية مسلم (٤٨/٣٠) المشار إليها بعد قوله:
((وسعدیكَ)) الثّانية: ثمَّ سارَ ساعة ثمّ قال: «هل تَدري))، وفي رواية موسى بن إسماعيل
عن همَّام الماضية في الاستئذان (٦٢٦٧) بعد المرّة الأولى: ثمَّ قال مِثْلَه ثلاثاً؛ أي: النِّداء
والإجابة، وقد تقدَّم نحوه في العلم، وهو لتأكيدِ الاهتمام بما يُخِرُه به ويبالغ في تَفْهُمِه
وضبطه.
قوله: «هل تَدْري ما حَقُّ الله على عباده؟)) الحقّ: كلُّ موجودٍ مُتَحقِّقٍ، أو ما سيُوجَدُ لا
تَحَالَةَ، ويقال للكلام الصِّدق: حَقٍّ، لأنَّ وقوعَه مُتَحقّقٌ لا تَرَدُّدَ فيه، وكذا الحقّ المستَحقُّ
على الغير إذا كان لا تَرَدُّدَ فيه، والمراد هنا: ما يَسْتَحِقُّه الله على عبادِهِ ممَّا جعله مُحتَّماً عليهم،
قاله ابن الشَّيْمِيِّ في ((التَّحرير))، وقال القُرطُبيُّ: حَقّ الله على العبادِ: هو ما وَعَدَهم به من
الثَّوابِ وألزَمَهم إيّاه بخِطابِهِ.
قوله: ((أن يَعبُدوه ولا يُشرِكوا به شيئاً)) المراد بالعبادة: عملُ الطاعات واجتنابُ
المعاصي، وعَطَفَ عليها عَدَمَ الشِّركِ لأنَّه تمامُ التَّوحيد، والحكمةُ في عطفِه على العبادة
أنَّ بعضَ الكفرة كانوا يَدَّعونَ أَّهم يَعبُدونَ اللهَ، ولكنَّهم كانوا يَعبُدونَ آلهةً أُخرى،
فاشتَرَطَ نفيَ ذلك، وتقدَّم أنَّ الجملة حاليَّةٌ والتَّقدير: يَعْبُدُونَه في حال عَدَمِ الإشراكِ
به.
قال ابن حِبّان: عبادة الله إقرارٌ باللِّسان، وتصديقٌ بالقلبِ، وعملٌ بالجوارح، ولهذا
قال في الجواب: ((فما حَقُّ العباد إذا فَعَلوا ذلك؟))، فعَبَّرَ بالفعلِ ولم يُعِر بالقول.
قوله: «هل تَدْري ما حَقُّ العباد على الله إذا فَعَلوه؟)) الضَّمير لما تقدَّم من قوله: ((يَعبُدُوه
ولا يُشِرِكوا به شيئاً)، وفي رواية مسلم: ((إذا فعلوا ذلك)).
قوله: ((حَقُّ العباد على الله أن لا يُعذِّبَهم)) في رواية ابن حِبّان (٢١٠) من طريق عَمْرو بن
میمون: «أن يَغْفِرَ هم ولا يُعذُّبهم»، وفي رواية أبي عثمان: «يُدخِلھم الجنَّة))، وفي رواية أبي

٢٣٤
باب ٣٧ / ح ٦٥٠٠
فتح الباري بشرح البخاري
العَوّامِ مِثْلُه وزاد: ((ويَغْفِر لهم)، وفي رواية عبد الرَّحمن بن غَنْمِ: ((أن يُدخِلهم الجنَّةَ))(١).
قال القُرطُبيُّ: حَقُّ العبادِ على الله: ما وَعَدَهم به من الثَّواب والجزاء، فحَقَّ ذلك
ووَجَبَ بحُكمٍ وَعِدِه الصِّدق، وقولِه الحقّ، الذي لا يجوزُ عليه الكذِبُ في الخبرِ ولا
الخُلْفُ في الوعد، فالله سبحانه وتعالى لا يَجِبُ عليه شيءٌ بحُكمِ الأمر، إذ لا آمِرَ فوقَه، ولا
حُکمَ للعقلِ لأنَّہ کاشفٌ لا مُوچِبٌ، انتھی.
وتَسَّكَ بعض المعتَزِلة بظاهره، ولا مُتَمسَّكَ لهم فيه مع قيام الاحتمال. وقد تقدَّم في
العلمِ عِدّةُ أجوبةٍ غيرُ هذه، ومنها: أنَّ المراد بالحقِّ هنا المتحقِّق الثّابِت أو الجَدير، لأنَّ
إحسانَ الرَّبِّ لمن لم يَتَّخِذ ربّاً سواه جَديٌّ في الحِكْمة أن لا يُعذِّبَه، أو المراد أنَّه كالواجبِ في
٣٤٠/١١ تَحَقُّقِه وتأكُّدِه، أو / ذُكِرَ على سبيل المقابلة.
قال: وفي الحديث جوازُ رُكوبِ اثْنَينِ على حمارٍ، وفيه تَواضُعُ النبيِّ وَّةِ، وفضلُ معاذ
وحُسْنُ أدبه في القولِ وفي العلمِ برَدِّه لما لم يُحِطْ بحقيقَتِهِ إلى عِلْم الله ورسولِهِ، وقُربُ مَنِزِلَتِه
من النبيِّ وَطِّ.
وفيه تَكرارُ الكلام لتأكيدِه وتفهيمِه، واستفسارُ الشَّيخ تِلميذَه عن الحُكم ليَختبِرَ ما
عندَه، ويُبيِّنَ له ما يُشكِّلُ علیه منه.
وقال ابن رَجَبٍ في شرحِه لأوائل البخاريّ: قال العلماءُ: يُؤخَذ من مَنْع معاذٍ من تبشير
الناس لئلّا يَتَّكِلوا، أنَّ أحاديث الرُّخَصِ لا تُشاعُ في عُمومِ الناس، لئلّا يَقصُرَ فَهِمُهم عن
المرادِ بها، وقد سمعَها معاذ فلم يَزِدَد إلّا اجتهاداً في العملِ وخَشْيَةً لله عزَّ وجلَّ، فأمَّا مَن لم
يَبلُغ مَنزِلتَه فلا يُؤمَنُ أن يُقصِّر انكالاً على ظاهرِ هذا الخبر، وقد عارَضَه ما تَواتَرَ من
نصوص الكتاب والسُّنّة: أنَّ بعضَ عُصاة الموحِّدِينَ يَدخُلونَ النارَ.
فعلى هذا فيجب الجمعُ بين الأمرَين، وقد سَلَكوا في ذلك مَسالكَ:
(١) رواية أبي عثمان عند أحمد برقم (٢٢٠٣٩)، ورواية أبي العوّام عنده برقم (٢٢٠٤٠)، وكذا رواية
عبد الرحمن بن غنم عنده برقم (٢٢٠٧٣).

٢٣٥
كتاب الرقاق
أحدها: قول الزُّهْريّ: إنَّ هذه الرُّخصة كانت قبل نزول الفرائض والحدود، وسيأتي
ذلك عنه في حديث عثمان في الوضوء(١)، واستَبعَدَه غيرُه من أنَّ النَّسْخَ لا يَدخُل الخبر،
وبأنَّ سماع معاذٍ لهذه كان مُتأخّراً عن أكثرِ نزول الفرائض.
وقيل: لا نَسخَ بل هو على عُمومِه، ولكنَّه مُقيَّدٌ بشرائطَ كما تُرَبُ الأحكامُ على أسبابها
المقتضَية المتوقِّفة على انتفاءِ الموانع، فإذا تَكامَلَ ذلك عَمِلَ المقتَضي عملَه، وإلى ذلك أشارَ
وهبُ بنُ مُنِّهِ بقوله المتقدِّم في كتاب الجنائز(٢) في شرح أنَّ ((لا إلهَ إلّا الله مِفتاحُ الجِنَّة)):
ليس من مِفتاحٍ إلّا وله أسنانٌ.
وقيل: المراد تَركُ دخول نار الشِّرك، وقيل: تَركُ تعذيبٍ جميع بَدَنِ الموحِّدينَ لأنَّ النار
لا تَحِق مواضع السُّجود، وقيل: ليس ذلك لكلِّ مَن وَخَّدَ وعَبَدَ، بل يَخْتَصُ بمَن أخلَصَ،
والإخلاصُ يقتضي تحقيقَ القلبِ بمعناها، ولا يُتصوَّر حصولُ التَّحقيق مع الإصرار على
المعصية، لامتلاءِ القلب بمَحبّة الله تعالى وخَشيَتِه، فتَنبَعِث الجَوارحُ إلى الطاعة وتَنكَفُّ عن
المعصية، انتهى مُلخَّصاً.
وفي آخر حديثٍ أنس عن معاذ في نحو هذا الحديث: فقلت: ألا أُخبِرُ الناسَ؟ قال:
((لا، لئلّا يَتَكِلوا))، فأخبر بها معاذٌ عند موته تأثّماً. وقد تقدَّم الكلامُ على ذلك في كتاب
العلم (١٢٨- ١٢٩).
تنبيه: هذا من الأحاديثِ التي أخرجها البخاريُّ في ثلاثة مواضع عن شيخٍ واحدٍ
بسندٍ واحدٍ (٣)، وهي قليلةٌ في كتابِه جدّاً، ولكنَّه أضافَ إليه في الاستئذان موسى بن
إسماعيل، وقد تَتَبَّعَ بعضُ مَن لَقِيناه ما أخرجه في موضعَينِ بسندٍ، فَبَلَغَ عِدَّتُها زيادةً على
(١) هذه الإحالة في كتاب الحافظ ابن رجب المسمَّى «فتح الباري شرح صحيح البخاري))، وحديث عثمان
في الوضوء عند البخاري برقم (١٥٩- ١٦٠)، وقول الزهري المشار إليه انظره بنحوه عند مسلم (٣٣)
(٢٦٤).
(٢) بين يدي الحديث رقم (١٢٣٧).
(٣) في اللباس (٥٩٦٧)، والاستئذان (٦٢٦٧)، وحديث الباب.

٢٣٦
باب ٣٨ / ح ٦٥٠١ - ٦٥٠١م
فتح الباري بشرح البخاري
العشرينَ، وفي بعضِها يتصرَّفُ في المتنِ بالاختصار منه.
٣٨- باب التّواضع
٦٥٠١ - حدّثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا زُهَيْرٌ، حدَّثنا مُميدٌ، عن أنسٍ ﴾: كان النبيِّ وَل
ناقةٌ.
٦٥٠١°م- قال: وحدَّثني محمَّدٌ، أخبرنا الفَزَاريُّ وأبو خالدِ الأحمرُ، عن مُميدِ الطَّويلِ، عن
أنسٍ، قال: كانت ناقةٌ لرسولِ الله ◌ِ لهِ تُسمَّى العَضْباءَ، وكانت لا تُسبَقُ، فجاء أعرابٌّ على
قَعُودٍ له فسَبَقَها، فاشتَّ ذلك على المسلمينَ وقالوا: سُبِقَتِ العَضْباءُ، فقال رسولُ اللهِوَّةِ: ((إنَّ
حَقّاً على الله أن لا يَرفَعَ شيئاً منَ الُّنْيا إلّا وَضَعَه)).
/ قوله: ((باب التَّواضُع)) بضمِّ الضّاد المعجَمة: مُستَقٌّ من الضِّعَة - بكسر أوَّلِه - وهي
٣٤١/١١
الهَوَان، والمراد بالتَّواضُع: إظهارُ التنزّلِ عن المرتَبة لمن يُرادُ تعظيمُه، وقيل: هو تعظيمُ مَن
فوقَه لفضله.
وذکر فیه حدیثین:
أحدهما: حديث أنس في ذِكْر الناقة لمَّا سُبِقَت، وقد تقدَّم شرحُه في كتاب الجهاد في
(باب ناقة النبيّ وٍَّ)) (٢٨٧٢)، وزَعَمَ بعضُهم أنَّه لا مَدخَلَ له في هذه التَّرجمة، وغَفَلَ عمَّا
وَفَعَ في بعضٍ طرقِه عند النَّسائيِّ (٣٥٩٢) بلفظ: ((حَقٌّ على الله أن لا يَرفَعَ شيءٌ نفسَه في
الدُّنيا إلّا وَضَعَه)) فإنَّ فيه إشارةً إلى الحثِّ على عَدَمِ التَرفُّع، والحثَّ على التَّواضُع، والإعلامَ
بأنَّ أُمور الدُّنيا ناقصةٌ غيرُ كاملة.
قال ابن بَطّال: فيه هَوان الدُّنيا على الله، والتَّنبيه على تَرْك المباهاة والمفاخرة، وأنَّ كلّ
شيء هانَ على الله فهو في مَحَلّ الضِّعَةِ، فحَقّ على كلِّ ذي عقلِ أن يَزْهَدَ فيه ويُقِلَّ مُنافَسَتَه
في طلبه.
وقال الطَّبَرُّ: في التَّواضُعِ مَصلَحة الدّين والدُّنيا، فإِنَّ الناسَ لو استعملوه في الدُّنيا لَزالَت

٢٣٧
باب ٣٨ / ح ٦٥٠٢
كتاب الرقاق
بينهم الشَّحناءُ، ولاستَراحوا من تَعَبِ المباهاة والمفاخَرة.
قلت: وفيه أيضاً حُسْنُ خُلُقِ النبيِّلَّهِ وتَواضُعُه، لكَونِهِ رَضِيَ أنَّ أعرابيّاً يُسابِقُه. وفيه
جواز المسابقة.
وزُهَيْرٌ فِي السَّنَدَ الأوَّل: هو ابن معاوية أبو خَيْئمةَ الْجُعْفيّ، ومحمَّدٌ في السَّنَد الثّاني: هو
ابن سَلام، وجَزَمَ به الكَلَاباذيّ، ووَقَعَ كذلك في نسخة من رواية أبي ذرٍّ، والفَزَاريّ: هو
مروان بن معاوية، ووَهِمَ مَن زَعَمَ أنَّه أبو إسحاق إبراهيم بن محمَّد بن الحارث، نعم رواية
أبي إسحاق الفَزَاريِّ له قد تقدَّمَت في الجهاد (٢٨٧١)، وأبو خالد الأحمر: هو سليمان بن
حَيّانَ.
الحديث الثاني:
٦٥٠٢ - حدَّثني محمَّدُ بنُ عُثْمانَ بنِ كَرَامة، حدَّثنا خالدُ بنُ مَلَدٍ، حدَّثنا سليمانُ بنُ بلالٍ،
حدَّثني شَرِيكُ بنُ عبدِ الله بنِ أبي نَمِرٍ، عن عطاءٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ◌ِّهِ:
((إنَّ الله قال: مَن عادَى لي وَليّاً فقد آذَنْتُهُ بالحَرْبِ، وما تَقرَّبَ إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ مَّاً
افتَرَضْتُ عليه، وما زالَ عبدي يَتَقَرَّبُ إلَّ بالنَّوافلِ حتَّى أحبَبتُه، فكنتُ سَمْعَه الذي يَسْمَعُ،
وبَصَرَه الذي يُبْصِرُ به، ويَدَه التي يَبْطِشُ بها، ورِجْلَه التي يَمْشي بها، وإن سألَنِي أَعطَيْتُه(١)،
ولَئِنِ اسْتَعَاذَني لأُعِيذَنَّه، وما تَرَدَّدْتُ عن شيءٍ أنا فاعلُه، تَرَدُّي عن نَفْسِ المؤمنِ، يَكْرَه الموتَ
وأنا أكرَه مَسَاءَتَه)).
قوله: ((محمَّد بن عُثْمان بن كرامة)) بفتح الكاف والرَّاءِ الخفيفة، هو من صِغار شيوخ البخاريّ،
وقد شارَكَه في كثير من شيوخِه منهم خالد بن تَخَلَد شيخُه في هذا الحديث، فقد أخرج عنه
البخاريّ كثيراً بغير واسطةٍ منها في ((باب الاستعاذة من الجُبْن)) في كتاب الدَّعَوات (٦٣٦٩)،
وهو أقربُها إلى هذا.
قوله: ((عن عطاء)) هو ابن يَسَار، ووَقَعَ كذلك في بعض النَّسخ، وقيل: هو ابن أبي رباح،
(١) هكذا هو في شرح الحافظ ابن حجر، والذي في النسخة اليونينية دون خلاف: ((لأعطينه)).

٢٣٨
باب ٣٨ / ح ٦٥٠٢
فتح الباري بشرح البخاري
والأوَّل أصحُّ، نَبَّهَ على ذلك الخطيب، وساقَ الذَّهَبِيُّ في ترجمة خالد من ((الميزان)) - بعدَ أن
ذكر قولَ أحمد فيه: له مَناكير، وقولَ أبي حاتم: لا يُحْتَجُّ به، وأخرج ابن عَديِّ عشرة
أحاديث من حديثه استَنكَرَها - هذا الحديثَ من طريق محمّد بن مَخَلَد عن محمّد بن عثمان
ابن كَرَامة شيخ البخاريّ فيه، وقال: هذا حديث غريب جدّاً، لولا هَيْبةُ «الصَّحيح)) لَعَدُّوه
في مُنكَرات خالدٍ بن تَخَلَد، فإنَّ هذا المتنَ لم يُروَ إلّا بهذا الإسناد، ولا خَرَّجَه مَن عَدَا
البخاريّ، ولا أظنُّه في ((مُسنَد أحمدَ)».
قلت: ليس هو في ((مُسنَد أحمد)) جَزماً، وإطلاق أنَّه لم يُروَ هذا المتنُ إلّا بهذا الإسناد مردودٌ،
ومع ذلك فشَرِيكٌ شيخُ شيخ خالدٍ فيه مَقالُ أيضاً، وهو راوي حديث المعراج الذي زاد فيه
ونَقَصَ وقَدَّمَ وأَخَرَ، وتفرَّد فيه بأشياءَ لم يُتَابَع عليها كما يأتي القول فيه مُستَوعَباً في مكانه
(٧٥١٧)، ولكن للحديثِ طرقٌ أُخرى يدلُّ مجموعُها على أن له أصلاً:
منها عن عائشةَ أخرجه أحمد في ((الزُّهد)) وابن أبي الدُّنيا (١) وأبو نُعَيم في ((الحِلية)) (٥/١)
والبيهقيُّ في ((الزُّهد)) (٦٩٨ ,٦٩٩) من طريق عبد الواحد بن ميمون عن عُرْوة عنها،
وذكر ابن حِبّان وابن عَديٍّ أنَّه تفرَّد به، وقد قال البخاريُّ: إنَّه مُنكَرُ الحديث، لكن
٣٤٢/١١ أخرجه/ الطبرانيّ(٢) من طريق يعقوب بن مجاهد عن عُرْوة، وقال: لم يَرْوه عن عُرْوة إلّا
يعقوب وعبد الواحد.
ومنها عن أبي أمامةَ أخرجه الطبرانيُّ (٧٨٣٣ و ٧٨٨٠)، والبيهقيُّ في ((الزّهد)) (٧٠٢)
بسندٍ ضعیفٍ.
ومنها عن عليٍّ عند الإسماعيليّ في ((مُسنَد عليٌّ)).
وعن ابن عبَّاس أخرجه الطبرانيُّ (١٢٧١٩)، وسندُهما ضعيفٌ.
(١) ابن أبي الدنيا في ((الأولياء)) (٤٥)، أما عزوه لأحمد في ((الزهد)) فهو ذهولٌ، فهو عنده في («مسنده)) برقم
(٢٦١٩٣).
(٢) في ((الأوسط)) برقم (٩٣٥٢)، وإسناده من هذا الوجه جيّد.

٢٣٩
باب ٣٨ / ح ٦٥٠٢
كتاب الرقاق
وعن أنس أخرجه أبو يَعْلى والبزَّار والطبرانيُّ، وفي سنِدِه ضعفٌ أيضاً(١).
وعن حُذَيفةَ أخرجه الطبرانيُّ مختصراً (٢)، وسنده حسنٌ غريبٌ.
وعن معاذ بن جبلِ أخرجه ابن ماجَهْ (٣٩٨٩)، وأبو نُعَيم في ((الحِلية)) (٥/١) مختصراً
وسندُه ضعيفٌ أيضاً.
وعن وهب بن مُنِِّ مقطوعاً أخرجه أحمد في ((الزُّهد))(٣)، وأبو نُعَيم في ((الحِلية))
(١١/١).
وفيه تَعقُّبٌ على ابن حِبّان حيثُ قال بعدَ إخراج حديث أبي هريرة (٣٤٧): لا يُعرَفُ
لهذا الحديث إلّا طريقان - يعني غيرَ حديث الباب - وهما هشامُ الكِنانيُّ عن أنس،
وعبد الواحد بن ميمون عن عُرْوة عن عائشة، وكلاهما لا يَصِحّ. وسأذكر ما في رواياتهم
من فائدةٍ زائدةٍ.
قوله: ((إنَّ الله تعالى)) قال الكِرْمانيُّ: هذا من الأحاديث القُدسيَّة، وقد تقدَّم القولُ فيها
قبلَ ستّة أبوابٍ. قلت: وقد وَقَعَ في بعضٍ طرقِهِ: أنَّ النبيَّ وَّهِ حدَّث به عن جِبْرِيل عن الله
عزَّ وجلَّ، وذلك في حديث أنسٍ.
قوله: ((مَن عادَى لي وليّاً)) المراد بوليِّ الله: العالمُ بالله، المواظِب على طاعته المخلص في
عبادَته. وقد استُشكِلَ وجود أحدٍ يُعادِيه، لأنَّ المعاداةَ إنَّما تَقَعُ من الجانبينِ ومن شأن الوليِّ
الحِلْم والصَّفح عمَّن يَجِهَل عليه، وأُجيبَ بأنَّ المعاداةَ لم تَنحَصِر في الخصومة والمعاملة
الدُّنْيَويَّة مثلاً، بل قد تقع عن بُغضٍ يَنشَأْ عن التَّعصُّبِ كالرَّافضِّ في بُغْضِه لأبي بكرٍ،
والمبتَدِع في بُغضِه للسُّنِّيّ، فَتَقَعُ المعاداةُ من الجانبين، أمَّا من جانب الوليِّ فِلِلَّه تعالى وفي الله،
(١) أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (٦٠٩)، ولم نقف عليه عند أبي يعلى والبزار، ولم يَعزُه لهما الهيثمي في
((مجمع الزوائد)) ١٠/ ٢٧٠.
(٢) لم نقف عليه في شيء من كتبه المطبوعة، لكن أخرج أبو نعيم في ((الحلية)) ١١٦/٦ بعضه ضمن حديث عن
الطبراني واسمه سليمان بن أحمد.
(٣) في أخبار موسی علیه السلام منه ص٦٥.

٢٤٠
باب ٣٨ / ح ٦٥٠٢
فتح الباري بشرح البخاري
وأمَّا من جانب الآخَر فلِمَا تقدَّمَ، وكذا الفاسق المتجاهر يُبغِضه الوليُّ في الله، ويُبغِضه
الآخَر لإنكاره عليه ومُلازَمَتِهِ لنَهِه عن شَهَواته، وقد تُطلَقُ المعاداةُ ويُراد بها الوقوع من
أحد الجانبين بالفعلِ ومن الآخَر بالقوّة.
قال الكِرْمانيُّ: قوله: ((لي)) هو في الأصل صِفَةٌ لقولِه: ((وليّا)) لكنَّه لمَّا تقدَّم صارَ
حالاً.
وقال ابن هُبَيرةَ في ((الإفصاح)): قوله: ((عادى لي ولياً)) أي: امّخِذَه عدوّاً، ولا أرَى المعنى
إلّا أنَّه عاداه من أجلٍ ولايتِهِ، وهو وإن تَضَمَّنَ التَّحذيرَ من إيذاء قلوبٍ أولياءِ الله ليس
على الإطلاق، بل يُستَئِنَى منه ما إذا كانت الحالُ تقتضي نزاعاً بين وليَّينِ في مُخَاصَمةٍ، أو
مُحاكَمَةٍ تَرجِعُ إلى استخراجِ حَقٌّ، أو كَشْف غامضٍ، فإنَّه جَرَی بین أبي بكرٍ وعمرَ مُشاجَرةٌ،
وبين العبَّاس وعليٍّ، إلى غير ذلك من الوقائع، انتهى مُلخَّصاً موضّحاً.
وتَعقَّبَه الفاكِهانيُّ: بأنَّ مُعاداة الوليّ لكَونِه وليّاً لا يُفهَمُ، إلّا إن كان على طريق الحَسَدِ
الذي هو تَّي زوال وِلايته، وهو بعيدٌ جدّاً في حَقّ الوليِّ، فتأمَّله. قلت: والذي قَدَّمته أَولى
أن يُعتَمَد.
قال ابن هُبَيرة: ويُستَفاد من هذا الحديث تقديمُ الإعذار على الإنذار، وهو واضحٌ.
قوله: ((فقد آذَنْتُه)) بالمدِّ وفتح المعجَمة بعدها نونٌ، أي: أعلمتُه، والإيذانُ: الإعلام،
ومنه أُخِذَ الأَذَان.
قوله: ((بالحَرْبِ)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((بحَربٍ))، ووَقَعَ في حديث عائشةَ: ((مَن عادَى
لي وليّا))، وفي روايةٍ لأحمدَ (٢٦١٩٣): ((مَن أَذَلَّ(١) لي وليًا))، وفي أُخرى له: ((مَن آذَى))(٢)، وفي
حديث ميمونةَ مِثلُه: ((فقد استَحلَّ مُحارَبَتي))(٣)، وفي رواية وهبٍ بن مُنبِّهِ موقوفاً: قال الله:
(١) تحرَّف في (س) إلى: ((من آذى)).
(٢) هذه الرواية في حديث عائشة ليس لأحمد، وإنما هي لغيره ممن خرَّج حديثها كما سلف في أول شرح هذا
الحديث.
(٣) أخرجه أبو يعلى (٧٠٨٧)، ولفظه في المطبوع منه: ((فقد استحقَّ محاربتي))، وإسناده ضعيف جدّاً.