النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
باب ٣١ / ح ٦٤٩١
كتاب الرقاق
قوله: ((عن النبيّ ◌َّ) في رواية مُسدَّدٍ عند الإسماعيليّ: عن رسولِ الله وََّ، ولم أرَ في
شيءٍ من الطّرقِ التَّصريحَ بسماع ابن عبّاسٍ له من النبيِّ ◌َّ.
قوله: ((فيما يَرْوي عن رَبِّه)) هذا من الأحاديث الإلهيّة، ثمَّ هو مُخْتَمِلٌ أن يكونَ ممّا تَلَقّاه ◌َه
عن ربِّه بلا واسطةٍ، ويحتمل أن يكون ممَّا تَلَفّاه بواسطة الملَك، وهو الرَّاجح.
وقال الكِرْمانيُّ: يحتمل أن يكون من الأحاديثِ القُدسيَّة، ويحتمل أن يكون للبيان لما
فيه من الإسناد الصَّريح / إلى الله حيثُ قال: ((إنَّ الله كَتَبَ))، ويحتمل أن يكونَ لبيان الواقع ٣٢٤/١١
وليس فيه أنَّ غيره ليس كذلك، لأَنَّه وَِّ لا يَنطِقُ عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يُوحَى، بل
فيه أنَّ غيره كذلك إذ قال: ((فيما يَروِيه)) أي: في جُملة ما يَرويه، انتهى مُلخَّصاً.
والثّاني لا يُنافي الأوَّل وهو المعتمَد، فقد أخرجه مسلمٌ (١٣١/ ٢٠٧) من طريق جعفر
ابن سليمان عن الجَعْد، ولم يَسُق لفظَه، وأخرجه أبو عَوَانَ (٢٤٢) من طريق عَفّان،
وأبو نُعَيم من طريق قُتَيبةَ، كلاهما عن جعفر بلفظ: ((فيما يَروي عن رَبِّه قال: إنَّ رَبَّكم
رحيمٌ، مَن هَمَّ بحَسنةٍ)(١)، وسيأتي في التَّوحيد (٧٥٠١) من طريق الأعرَجِ عن أبي هريرة
بلفظ: عن رسولِ الله وَ لّ قال: ((يقول الله عزَّ وجلَّ: إذا أراد عبدي أن يعملَ))، وأخرجه
مسلمٌ (١٢٨) بنحوِه من هذا الوجه، ومن طرق أُخرى، منها عن العلاء بن عبد الرَّحمن
عن أبيه عن أبي هريرة عن النبيّ ◌َ ◌ّه قال: ((قال الله عزَّ وجلَّ: إذا هَمَّ عبدي)).
قوله: ((إنَّ الله عزَّ وجلَّ كَتَبَ الحسناتِ والسَّيِّئَات)) يحتمل أن يكون هذا من قول الله
تعالى، فيكون التَّقدير: قال الله: إنَّ الله كَتَبَ، ويحتمل أن يكون من كلام النبيّ وَّهِ تَحِكِيه
عن فِعْل الله تعالى، وفاعل ((ثمَّ بيَّن ذلك)): هو الله تعالى، وقوله: (فمَن هَمَّ) شرحُ ذلك.
قوله: ((ثُمَّ بيَّن ذلك)) أي: فَصَّلَه بقوله: ((فمَن هَمَّ))، والمجمَلُ قوله: ((كَتَبَ الحسنات
والسَّيِّات))، وقوله: ((كَتَبَ)) قال الطُّوفيُّ: أي: أمَرَ الحَفَظةَ أن تَكتُبَ، أو المراد: قَدَّرَ ذلك
في عِلْمِه على وَفْقِ الواقع منها.
(١) وأخرجه أحمد (٢٥١٩) عن عفان عن جعفر بن سليمان، وانظر تتمة تخريجه هناك.

٢٠٢
باب ٣١ / ح ٦٤٩١
فتح الباري بشرح البخاري
وقال غيرُه: المراد: قَدَّرَ ذلك وعَرَّفَ الكَتَبَةَ من الملائكة ذلك التَّقديرَ، فلا يحتاج إلى
الاستفسار في كلِّ وقتٍ عن كيفيَّة الكتابة لكَونِه أمراً مفروغاً منه، انتهى.
وقد يُعكِّرُ على ذلك ما أخرجه مسلمٌ (١٢٩) من طريق همَّام عن أبي هريرة رَفَعَه قال:
((قالت الملائكةُ: رَبِّ ذاكَ عبدُك يريدُ أن يعملَ سَيِّئَةً، وهو أبصَرُ به، فقال: ارقُبُوه، فإن
عَمِلَها فاكتُبوها))، فهذا ظاهرُه وقوعُ المراجَعة، لكنَّ ذلك مخصوصٌ بإرادة عملِ السَّيِّئَة،
ويحتمل أن يكون ذلك وَقَعَ في ابتداء الأمر، فلمَّا حَصَلَ الجوابُ استَقَرَّ ذلك، فلا يُحتاج إلى
المراجَعة بعده.
وقد وجدتُ عن الشافعيِّ ما يوافقُ ظاهرَ الخبر، وأنَّ المؤاخذةَ إِنَّمَا تَقَعُ لمن هَمَّ على
الشَّيءٍ فشَرَعَ فيه، لا مَن هَمَّ به ولم يَتَّصِل به العمل، فقال في صلاة الخوفِ لمَّا ذكر العملَ
الذي يُبطِلُها ما حاصلُه: إنَّ مَن أحرَمَ بالصلاة وقَصَدَ القتالَ فشَرَعَ فيه، بَطَلَت صلاتُه،
ومَن تَحَرَّمَ وقَصَدَ إلى العدوِّ لو دَهَمَه دَفَعَه بالقتال، لم تَبطُل.
قوله: ((فمَنْ هَمَّ)) كذا في رواية ابن سِيرِين عن أبي هريرة عند مسلمٍ، وفي رواية الأعرَج
في التَّوحيد (٧٥٠١): ((إذا أرادَ))، وأخرجه مسلمٌ من هذا الوجه بلفظ: ((إذا هَمَّ)) كذا عندَه
(٢٠٣/١٢٨) من رواية العلاء بن عبد الرّحمن عن أبيه عن أبي هريرة، فهما بمعنَى واحدٍ،
ووَقَعَ لمسلمٍ أيضاً من رواية همَّام عن أبي هريرة بلفظ: ((إذا تَحدَّث))، وهو محمولٌ على حديثٍ
النَّفْسِ لتوافقَ الرِّوايات الأُخرى، ويحتمل أن يكون على ظاهره ولكن ليس قَيداً في كتابة
الحسنة، بل بمُجرَّدِ الإرادة تُكتَبُ الحسنة، نعم وَرَدَ ما يدلُّ على أنَّ مُطلَقَ الهَمِّ والإرادة لا
يكفي، فعند أحمد (١٩٠٣٥) وصَحَّحَه ابن حِبّان (٦١٧١) والحاكم (٨٧/٢) من حديث
خُرِيمٍ بن فاتِكِ رَفَعَه: ((ومَن هَمَّ بحَسنةٍ يَعلمُ الله أنَّه قد أَشْعَرَ بها قلبَه وحَرَصَ عليها)»، وقد
تَسَّكَ به ابن حِبّان فقال بعدَ إيراد حديث الباب في ((صحيحه)): المراد بالهَمِّ هنا العَزْمِ. ثمَّ قال:
ويحتمل أنَّاللهَ يَكتُب الحسنةَ بمُجرَّدِ الهَمِّ بها وإن لم يَعِزِمْ عليها، زيادةً في الفضل.
قوله: ((فلم يَعمَلْها)» يَتناولُ نفيَ عملِ الجوارح، وأمَّا عملُ القلبِ فيحتمل نفيه أيضاً إن

٢٠٣
باب ٣١ / ح ٦٤٩١
كتاب الرقاق
كانت الحسنةُ تُكتَبُ بمُجرَّدِ الهمّ كما في مُعظَم الأحاديث، لا إن قُيَِّت بالتَّصميم كما في حديث
خُرَيمِ، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ حديث أبي ذرِّ عند مسلم (٨٤): أنَّ الكَفَّ عن الشرِّ صَدَقةٌ.
قوله: (كَتَبَها الله له)) أي: للَّذِي هَمَّ بالحسنة ((عندَه)) أي: عند الله ((حَسنةً كاملةً)) كذا ثَبَتَ
في حديث ابن عبّاس دونَ حديث أبي هريرة وغيرِهِ وصفُ الحسنة بكونها كاملةً، وكذا
قوله: ((عنده))، وفيها نوعان من التَّأكيد: فأمَّا / العِنديَّةُ، فإشارةٌ إِلى الشَّرَف، وأمَّا الكمالُ، ٣٢٥/١١
فإشارةٌ إلى رَفْع تَوهُّم نقصِها لكونها نَشَأت عن الهَمِّ المجَرَّد، فكأنَّه قيل: بل هي كاملةٌ لا
نقصَ فيها.
قال النَّوويُّ: أشارَ بقوله: ((عنده) إلى مزيد الاعتناءِ به، وبقوله: ((كاملةً)) إلى تعظيم الحسنة
وتأكيدِ أمرها، وعكس ذلك في السَّيِّئة فلم يَصِفْها بكاملةٍ بل أكَّدَها بقوله: ((واحدة)) إشارةً إلى
تخفيفها مُبالَغةً في الفضل والإحسان.
ومعنى قوله: ((كَتَبَها الله)) أمَرَ الحَفَظة بكتابتها، بدليلٍ حديث أبي هريرة الآتي في
التَّوحيد بلفظ: ((إذا أراد عبدي أن يعمل سَيِّئة، فلا تَكتُبوها علیه حتَّی یعملها»، وفيه دليلٌ
على أنَّ الملَكَ يَطَّلِعُ على ما في قلبِ الآدميّ، إمّا بإطلاع الله إيّاه، أو بأن يَخِلُقَ له عِلمً يُدرِكُ
به ذلك، ويُؤيِّدُ الأوَّلَ ما أخرجه ابن أبي الدُّنيا عن أبي عمرانَ الجَوْنيِّ قال: ((يُنادَى الملَكُ:
اكتُب لفلانٍ كذا وكذا، فيقول: يا رَبِّ إنَّه لم يعمله، فيقول: إنَّه نَوَاه).
وقيل: بل يَجِدُ المَلَكُ للهَمِّ بالسَّيِّئَة رائحةً خبيثةً وبالحسنة رائحةً طيِّبة، وأخرج ذلك
الطَّبَرِيُّ عن أبي مَعشَرِ المدنيّ، وجاء مِثلُه عن سفيان بن عُبَينَةَ، ورأيت في ((شرح مُغَلْطاي)»:
أنَّه وَرَدَ مرفوعاً!
قال الطُّوفيُّ: إِنَّمَا كُتِبَتِ الحسنةُ بمُجرَّدِ الإرادة، لأنَّ إرادة الخير سببٌ إلى العمل، وإرادة
الخير خير، لأنَّ إرادة الخير من عمل القلب، واستُشكِلَ بأنَّه إذا كان كذلك فكيفَ لا
تُضاعَفُ لعُمومٍ قولِه: ﴿مَن جَّةَ بِالَْنَةِ فَلَهُ عَشْرٌ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠].
وأُجيبَ بحَملِ الآية على عملِ الجَوارح، والحديث على الهَمِّ المجَرَّد، واستُشكلَ أيضاً

٢٠٤
باب ٣١ / ح ٦٤٩١
فتح الباري بشرح البخاري
بأنَّ عملَ القلبِ إذا اعتُبِرَ في حصولِ الحسنة فكيفَ لم يُعتَبَرَ في حصولِ السَّيِّئَة؟ وأُجيبَ
بأنَّ تركَ عملِ السَّيِّئَة التي وَقَعَ الهَمُّ بها يُكفِّرُها، لأنَّه قد نَسَخَ قَصْدَه السَّيِّئَةَ وخالَفَ هَوَاه،
ثمّ إنَّ ظاهرَ الحديث حصولُ الحسنة بمُجرَّدِ التَّرك، سواء كان ذلك لمانع أم لا، ويَتَّجِه أن
يقال: يَتَفاوتُ عِظَمُ الحسنة بحَسْبِ المانع، فإن كان خارجياً مع بقاء قصدِ الذي هَمَّ بفعلٍ
الحسنة، فهي عظيمةُ القَدْر، ولا سيّما إن قارَنَهَا نَدَمٌ على تَفويتِها واستَمرَّتِ النِّيَّة على فعلِها
عندَ القُدرة، وإن كان التَّركُ من الذي هَمَّ من قِبَلِ نفسِه، فهي دونَ ذلك، إلّا إن قارَنَها
قصدُ الإعراض عنها ◌ُملةً والرَّغبةُ عن فعلِها، ولا سيَّما إن وَقَعَ العملُ في عكسِها، كأن
يريدَ أَن يَتَصَدَّقَ بِدِرْهم مثلاً فصَرَفَه بعَينِهِ في معصيةٍ، فالذي يظهرُ في الأخير أن لا تُكتَبَ
له حَسنةٌ أصلاً، وأمَّا ما قبلَه فعلى الاحتمال.
واستُدِلَّ بقوله: ((حَسنةً كاملةً)) على أنَّها تُكتَبُ حَسنةً مُضاعَفةً، لأنَّ ذلك هو الكمالُ،
لكنَّه مُشكِلٌ لأَنَّه (١)، يَلزَمُ منه مُساواةُ مَن نَوَى الخيرَ بمَن فَعَلَه في أنَّ كلَّا منهما يُكتَب له
حسنة.
وأُجيبَ بأنَّ التَّضعيف في الآية يقتضي اختصاصَه بالعاملِ، لقولِه تعالى: ﴿مَنْ جََّ
بِالْحَسَنَةِ﴾، والمجيءُ بها هو العملُ، وأمَّا الناوي فإنَّمَا وَرَدَ أنَّه يُكتَب له حَسنةٌ، ومعناه:
يُكتَب له مِثْلُ ثواب الحسنة، والتَّضعيفُ قَدرٌ زائدٌ على أصلِ الحسنة، والعلمُ عندَ الله
تعالى.
قوله: ((فإن هَمَّ بها وعَمِلَها كَتَبَها اللهُ له عندَه عَشْرَ حسناتٍ)) يُؤْخَذُ منه رفعُ تَوهُم أنَّ حَسنةً
الإرادة تُضافُ إلى عَشَرةِ التَّضعيف، فتكونُ الجملةُ إحدى عشرةَ على ما هو ظاهر رواية جعفر
بن سليمان عند مسلم ولفظه: «فإن عَمِلَها كُتِبَت له عشرَ أمثالها)»(٢)، وكذا في حديث أبي هريرة
وفي بعض طرقِه احتمال، ورواية عبد الوارث في الباب ظاهرة فيما قلتُه، وهو المعتمَد.
(١) لفظ ((لأنه)) سقط من (س).
(٢) بل هي في رواية جعفر بن سليمان عند أبي نعيم في ((مستخرجه على مسلم)) (٣٣٨)، أما مسلم في ((صحيحه)) فقد
خرَّج رواية جعفر هذه (١٣١) (٢٠٨) إلّا أنه لم يسق لفظها.

٢٠٥
باب ٣١ / ح ٦٤٩١
كتاب الرقاق
قال ابن عبد السَّلام في ((أماليه)): معنى الحديث: إذا هَمَّ بحَسنةٍ كُتِبَت له حَسنةً، فإن
عَمِلَها كُمِّلَت له عشرةً، لأنّا نأخُذُ بقَيْدِ كَونِها قد هَمَّ بها، وكذا السَّيِّئَةُ إذا عَمِلَها لا تُكتَبُ
واحدةً للهَمِّ وأُخرى للعَمَل، بل تُكتَب واحدةً فقط.
قلت: الثّاني صريحٌ في حديث هذا الباب، وهو مُقْتَضَى كَونها في جميع الطّرقِ لا تُكتَبُ
بِمُجرَّدِ الهَمّ، وأمَّا حَسنةُ الهَمِّ بالحسنة فالاحتمالُ قائمٌ، وقوله: بقَيدِ کَونها قد هَمَّ بها، يُعگِّرُ
عليه مَن عَمِلَ حَسنةً بَغْتَةً من غير أن يَسْبِقَ له أنَّ هَمَّ بها، فإنَّ قضيَّةَ كلامه أنَّه يُكتَبُ له
تسعةٌ، وهو خِلَافُ ظاهر الآية ﴿ مَنْ جَآءَ بِالْحَنَةِ فَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ﴾، فإِنَّه يَتَنَاولُ مَن هَمَّ بها
ومَن لم يَهُمَّ، والتَّحقيقُ: / أنَّ حسنةَ مَن هَمَّ بها، تَندَرِجُ(١) في عشرة العملِ، لكن تكونُ حَسنةٌ مَن ٣٢٦/١١
هَمَّ بها أعظَمَ قَدراً مَّن لم يَهمَّ بها، والعلمُ عندَ الله تعالى.
قوله: ((إلى سبع مئةِ ضِعْفٍ)) الضِّعفُ في اللُّغة: المثل، والتَّحقيقُ أنَّه اسمٌ يقعُ على
العَدَدِ بشرطِ أن يكون معه عَدَدٌ آخر، فإذا قيل: ضِعفُ العشرة، فُهِمَ أنَّ المراد عِشرونَ،
ومن ذلك لو أقَرَّ بأنَّ له عندي ضِعفَ دِرْهم، لَزِمَه دِرْهمان، أو ضعفَي دِرْهمٍ، لَزِمَه
ثلاثةٌ.
قوله: ((إلى أضْعاف كثيرة)) لم يقع في شيء من طرق حديث أبي هريرة: ((إلى أضعاف
كثيرة)) إلّا في حديثه الماضي في الصيام (١٩٠٤)، فإنَّ في بعض طرقه عند مسلم
(١٦٤/١١٥١): ((إلى سبع مئة ضِعف إلى ما شاءَ الله))، وله (٢٦٨٧) من حديث أبي ذرِّ
رَفَعَه: ((يقول الله: مَن عَمِلَ حَسنةً فله عشر أمثالها وأَزِيد)» وهو بفتح الهمزة وكسر الزّاي،
وهذا يدلُّ على أنَّ تضعيف حَسنةِ العمل إلى عشرةٍ مجزومٌ به، وما زاد عليها جائزٌ وقوعُه
بحَسَبِ الزّيادة في الإخلاص وصِدق العَزْم وحضور القلب وتَعَدّي النَّع، كالصَّدَقة
الجارية، والعلم النافع، والسُّنّة الحسنة، وشَرَف العمل ونحو ذلك، وقد قيل: إنَّ العمل
الذي يُضاعَف إلى سبع مئةٍ خاصٍّ بالنَّفَقة في سبيل الله، وتَسَّكَ قائلُه بما في حديث خُرَیم
(١) وقع هنا زيادة مقحمة في (س): ((في العمل)).

٢٠٦
باب ٣١ / ح ٦٤٩١
فتح الباري بشرح البخاري
ابن فاتِك المشار إليه قريباً رَفَعَه(١): ((مَن هَمَّ بحَسنةٍ فلم يعملها)) فذكر الحديث، وفيه:
((ومَن عَمِلَ حسنة كانت له بعشر أمثالها، ومَن أنفَقَ نَفَقة في سبيل الله كانت له بسبعة مئة
ضِعفٍ، وتُعقّبَ بأَنَّه صريحٌ في أنَّ النَّفَقة في سبيل الله تُضاعَف إلى سبع مئةٍ، وليس فيه
نفيُ ذلك عن غيرها صريحاً، ويدلّ على التَّعميم حديثُ أبي هريرة الماضي في الصيام: ((كلّ عملٍ
ابن آدم يُضاعَفُ، الحسنةُ بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضِعفٍ)) الحديثَ.
واختُلِفَ في قوله تعالى: ﴿ وَاللهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٦١]، هل المراد المضاعَفةُ إلى
سبعٍ مئةٍ فقط، أو زيادة على ذلك؟ فالأوَّل هو المحقَّقُ من سياق الآية، والثّاني مُخْتَمَلٌ،
ويُؤيِّد الجوازَ سَعَةُ الفضل.
قوله: ((ومَن هَمَّ بسَيَِّةٍ فلم يَعمَلها، كَتَبَها الله له عنده حسنة كاملة)) المراد بالكمال عِظَم
القَدْر كما تقدَّم لا التَّضعيف إلى العشرة، ولم يقع التَّقييد بكاملةٍ في طرق حديث أبي هريرة،
وظاهرِ الإطلاق كتابةُ الحسنة بمُجرَّدِ التَّرك، لكنَّه قَيَّدَه في حديث الأعرج عن أبي هريرة
كما سيأتي في كتاب التَّوحيد (٧٥٠١) ولفظه: ((إذا أراد عبدي أن يعملَ سَيِئة، فلا تَكتُبوها
عليه حتَّى يعملَها، فإن عَمِلَها فاكتبوها له بمِثلِها، وإن تَرَكَها من أجلي فاكتُبوها له حسنةً)»،
وأخرجه مسلم (٢٠٣/١٢٨) من هذا الوجه، لكن لم يقع عنده: ((من أجلي))، ووَقَعَ عنده من
طريق همَّام عن أبي هريرة: ((وإن تَرَكَها فاكتبوها له حَسنةً، إنَّما تَرَكَها من جَرّايَ)) بفتح
الجيم وتشديد الرَّاء بعد الألف ياء المتكلِّم، وهي بمعنى: مِن أجْلي.
ونَقَلَ عِيَاض عن بعض العلماء: أنَّه ◌َلَ حديث ابنِ عبَّاس على عُمومه، ثمَّ صَوَّبَ حمَلَ
مُطلَقِه على ما ڤُيِّدَ في حديث أبي هريرة.
قلت: ويحتمل أن تكون حَسنةُ مَن تَرَكَ بغير استحضار ما قُيِّدَ به دونَ حَسَنة الآخر، لما تقدَّم
أَنَّ تَرْك المعصية كَفّ عن الشّ، والكَفّ عن الشّ خير، ويحتمل أيضاً أن يُكتَب لمن هَمَّ بالمعصية
ثُمَّ تَرَكَها حسنةٌ مُجرَّدة، فإن تَرَكَها من تَخَافة رَبِّه سبحانه كُتِبَت حسنةً مُضاعَفة.
(١) وهو عند أحمد (١٩٠٣٥) وغيره.

٢٠٧
باب ٣١ / ح ٦٤٩١
كتاب الرقاق
وقال الخطّبيُّ: مَحَلّ كتابة الحسنة على التَّرك أن يكونَ التارك قد قَدَرَ على الفعل ثمَّ
تَرَكَه، لأنَّ الإنسانَ لا يُسمَّى تاركاً إلّا مع القُدْرة، ويَدخُل فیه مَن حالَ بینه وبین حرصه
على الفعل مانعٌ، كأن يَمشيَ إلى امرأةٍ لِيَزْنيَ بها مثلاً فيَجِدَ الباب مُغلَقاً ويَتعسَّر فتحُه، ومثله
مَن تمكَّنَ من الزِّنى مثلاً فلم يَنْتَشِرْ، أو طَرَقَه ما تخاف من أَذاه عاجلاً.
ووَقَعَ في حديث أبي كَبْشة الأنماريّ ما قد يعارض ظاهرَ حديث الباب، وهو ما
أخرجه أحمد (١٨٠٢٤) وابن ماجَهْ (٤٢٢٨) والتِّرمِذيّ (٢٣٢٥) وصَحَّحَه بلفظ: ((إنَّما
الدُّنيا لأربعةٍ)) فذكر الحديث، وفيه: «وعبدٍ رَزَقَه الله مالاً ولم يَرْزُقه عِلماً، فهو يعمل في
ماله بغير عِلْم لا يَتَّقي فيه رَبَّه، ولا يَصِلْ فيه رَحِمَه، ولا يرى لله فيه حَقّاً، فهذا بأخبَث
المنازِل، ورجلٍ لم يَرزقه الله مالاً ولا عِلماً، فهو يقول: لو أنَّ لي مالاً/ لَعَمِلت فيه بعَمَلِ ٣٢٧/١١
فلان، فهما في الوِزْر سواءٌ»، فقيلَ: الجمع بين الحديثَينِ بالتَّنزيلِ على حالتَين، فتُحمَل
الحالة الأولى على مَن هَمَّ بالمعصية همّاً مُجرَّداً من غير تصميم، والحالة الثّانية على مَن صَمَّمَ
على ذلك وأصَرَّ عليه.
وهو موافقٌ لما ذهب إليه الباقلانيّ وغيره، قال المازَرِيّ: ذهب ابن الباقلانيّ - يعني:
ومَن تَبِعَه - إلى أنَّ مَن عَزَمَ على المعصية بقلبِهِ ووَطَّنَ عليها نفسَه أنَّه يأثَم، وحَمَلَ
الأحاديث الواردة في العفو عمَّن هَمَّ بسَيِّئَةٍ ولم يعملها، على الخاطرِ الذي يَمُرُّ بالقلب ولا
يَستَقِرّ. قال المازَرِيّ: وخالَفَه كثيرٌ من الفقهاءِ والمحدِّثينَ والمتكلِّمينَ، ونَقَلَ ذلك عن نَصِّ
الشافعيّ، ويُؤيِّدُه قولُه في حديث أبي هريرة فيما أخرجه مسلمٌ (١٢٩) من طريق همَّام عنه
بلفظ: («فأنا أغفِرُها له ما لم يعملها)»، فإنَّ الظّهر أنَّ المراد بالعملِ هنا عملُ الجارحة بالمعصية
المهموم به.
وتَعقَّبَهَ عِيَاض بأنَّ عامّة السَّلَف وأهل العلم على ما قال ابن الباقلانيّ، لاتِّفاقهم
على المؤاخَذة بأعمال القلوب، لكنهم قالوا: إنَّ العَزْم على السَّيِّئَة يُكتَب سَيِّئَة مُجرَّدة لا
السَّيِّئَةُ التي هَمَّ أن يعملَها، كمَن يأمر بتحصيل معصية ثمَّ لا يفعلُها بعد حصولها، فإنَّه

٢٠٨
باب ٣١ / ح ٦٤٩١
فتح الباري بشرح البخاري
يأثَمُ بالأمرِ المذكور لا بالمعصية، وممّا يدلّ على ذلك حديث: ((إذا التَّقَى المسلمان
بسيفَيهما فالقاتل والمقتول في النار))، قيل: هذا القاتلُ فما بالُ المقتول؟ قال: ((إِنَّه كان
حريصاً على قتل صاحبِه))، وسيأتي سياقه وشرحه في كتاب الفتن (٧٠٨٣)، والذي يظهر أنَّه
من هذا الجِنس، وهو أنَّه يُعاقَب على عَزْمِه بمقدار ما يَستَحِقّه، ولا يُعاقَب عقاب مَن
باشَرَ القتلَ حِسّاً.
وهُنا قسمٌ آخرُ: وهو مَن فعل المعصية ولم يَتُب منها، ثمَّ هَمَّ أن يعود إليها، فإنَّه يُعاقَب
على الإصرار كما جَزَمَ به ابن المبارك وغيره في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُواْ عَلَ مَا فَعَلُواْ﴾
[آل عمران: ١٣٥]، ويُؤيِّده أنَّ الإصرار معصية اتّفاقاً، فمَن عَزَمَ على المعصية وصَمَّمَ عليها،
كُتِبَت عليه سَيِّئَة، فإذا عَمِلَها كُتِبَت عليه معصية ثانية.
قال النَّوويّ: وهذا ظاهرٌ حسنٌ لا مَزِيدَ عليه، وقد تَظاهَرَت نصوصُ الشَّريعة بالمؤاخذة
على عَزْم القلب المستَقِرّ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَحِشَةُ ﴾ الآية [النور: ١٩]،
وقوله: ﴿أَجْتَنِبُواْ كَثِيرًا مِّنَ الَّنِ ﴾ [الحجرات: ١٢] وغير ذلك.
وقال ابنُ الجَوْزيّ: إذا حدَّث نفسَه بالمعصية لم يُؤْاخَذ، فإن عَزَمَ وصَمَّمَ زاد على
حديث النَّفْس، وهو من عمل القلب. قال: والدَّليل على التَّفريق بين الهَمّ والعَزْمِ أنَّ مَن
كان في الصلاة فَوَقَعَ في خاطَرَه أن يَقطَعَها لم تَنْقَطِع، فإن صَمَّمَ على قطعها بَطَلَت.
وأُجيبَ عن القول الأوَّل: بأنَّ المؤاخذة على أعمال القلوب المستَقِّة بالمعصية، لا
تَستَلِزِمُ المؤاخذة على عمل القلب بقصدٍ معصية الجارحة إذا لم يعمل المقصود، للفَرْقِ
بين ما هو بالقصدِ وما هو بالوسيلة. وقَسّمَ بعضهم ما يقع في النَّفْس أقساماً يظهر منها
الجواب عن الثّاني، أضعَفُها أن يَخْطُر له ثمَّ يذهب في الحال، وهذا من الوسوسة وهو
مَعفوٌّ عنه وهو دونَ التردُّد، وفَوقَه أن يَتَرَدَّد فيه فيَهُمُّ به ثمَّ يَنْفِر عنه فيَتَرُكه، ثمَّ يَهمّ به
ثمَّ يَتْرُك كذلك ولا يَستَمِرّ على قصده، وهذا هو التردُّد فيُعفَى عنه أيضاً، وفوقَه أن يَمِيل
إليه ولا يَنْفِر عنه لكن لا يُصَمِّم على فعله، وهذا هو الهَمّ فيُعفَى عنه أيضاً، وفوقَه أن

٢٠٩
باب ٣١ / ح ٦٤٩١
كتاب الرقاق
يَمِيلَ إليه ولا يَنِفِر منه بل يُصَمِّم على فعله، فهذا هو العَزْمِ وهو مُنتَهَى الهَمّ، وهو على
قسمین:
القسم الأوَّل: أن يكون من أعمال القلوب صِرفاً، كالشكِّ في الوَحْدانيَّة أو النُّبّة أو
البَعْث، فهذا كفر ويُعاقَب عليه جَزماً، ودونه المعصيةُ التي لا تَصِلُ إلى الكفر، كمَن يُحِبّ
ما يُبِغِض اللهُ ويُبِغِض ما يُحِبّه الله، ويُحِبّ للمسلم الأذَى بغير مُوجِب لذلك، فهذا يأثَم،
ويَلتَحِقِ به الكِبرُ والعُجْب والبَغْي والمكر والحسد.
وفي بعض هذا خِلاف، فعن الحسن البصريّ: أنَّ سوءَ الظَّنّ بالمسلم وحَسَدَه مَعفوٌ
عنه، وحَلوه على ما يقع في النَّس ممَّا لا يُقدَر على دَفْعه، لكن مَن يقع له ذلك مأمورٌ
بمُجاهدة النَّفس على تَركِه.
والقسم الثّاني: أن يكونَ من أعمال الجوارح، كالزِّنى والسَّرِقة فهو الذي وَقَعَ فيه النِّزاع،
فذهبت طائفة/ إلى عَدَم المؤاخَذة بذلك أصلاً، ونُقِل عن نَصّ الشافعيّ، ويُؤيِّده ما وَقَعَ في ٣٢٨/١١
حديث خُرَيم بن فاتك المنَبَّه عليه قبلُ(١)، فإِنَّه حيثُ ذكر الهَمَّ بالحسنة قال: ((عَلِمَ الله أنَّه
أشعَرَها قلبَه وحَرَصَ عليها))، وحيثُ ذكر الهَمّ بالسَّيِّئَة لم يُقيِّدْ بشيءٍ بل قال فيه: ((ومَن هَمَّ
بِسَيَِّّةٍ لم تُكتَب عليه))، والمقامُ مَقَامُ الفضل، فلا يَلِيقِ النَّحجيرُ فيه.
وذهب كثير من العلماء إلى المؤاخَذة بالعَزمِ المصَمَّم، وسألَ ابنُ المبارَك سفيانَ الثَّوْريَّ:
أَيُؤَاخَذُ العبدُ بما يَهُمُّ به؟ قال: إذا جَزَمَ بذلك.
واستَدَلَّ كثير منهم بقوله تعالى: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]،
وحَلوا حديث أبي هريرة الصَّحيح المرفوع: ((إنَّ الله ◌َجاوزَ لأُمَّتي عمَّا حدَّثت به أنفُسَها، ما لم
تَعمَلْ به أو تَكلَّمْ)) على الْخَطَرَات كما تقدَّمَ (٢٥٢٨).
ثُمَّ افتَرَقَ هؤلاء، فقالت طائفة: يُعاقَب عليه صاحبُهُ في الدُّنيا خاصّة بنحوِ الهَمّ والغَمّ،
وقالت طائفة: بل يُعاقَب عليه يوم القيامة لكن بالعِتَابِ لا بالعذاب، وهذا قول ابنِ جُرَيج
(١) وهو عند أحمد (١٩٠٣٥) وغيره.

٢١٠
باب ٣١ / ح ٦٤٩١
فتح الباري بشرح البخاري
والرَّبيع بن أنسٍ وطائفة، ونُسِبَ ذلك إلى ابنِ عبّاس أيضاً، واستَدَلّوا بحديثِ النَّجَوَى الماضي
شرحه في ((بابٍ سَتْر المؤمن على نفسه)» من كتاب الأدب (٦٠٧٠).
واستَثْنَى جماعةٌ ممَّن ذهب إلى عَدَم مُؤَاخَذة مَن وَقَعَ منه الهَمُّ بالمعصية، ما يقع في
الحَرَم المكِّيّ ولو لم يُصَمِّم لقولِه تعالى: ﴿وَمَن يُرِّدٍ فِيهِ بِإِلْحَامٍ بِظُلْمِ تُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ
أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]، ذكره السُّدِّيّ في ((تفسيره)) عن مُرّة عن ابن مسعود، وأخرجه أحمد
(٤٠٧١) من طريقه مرفوعاً، ومنهم مَن رَجَّحَه موقوفاً (١)، ويُؤيِّد ذلك أنَّ الحَرَمِ يَجِبُ
اعتقادُ تعظيمه فمَن هَمَّ بالمعصية فيه خالَفَ الواجبَ بانتهاكِ حُرمَتِه، وتُعقِّبَ هذا البحث
بأنَّ تعظيم الله آكَدُ من تعظيمِ الحَرَم، ومع ذلك فمَن هَمَّ بمعصيَتِه لا يُؤاخِذُه، فكيفَ
يُؤاخذ بما دونه؟
ويُمكِن أن يُجابَ عن هذا: بأنَّ انتهاك حُرْمة الحَرَم بالمعصية تَستَلزِم انتهاكَ حُرْمة الله،
لأنَّ تعظيم الحَرَم من تعظيم الله، فصارت المعصية في الحَرَم أشدَّ من المعصية في غيره، وإن
اشتَرَكَ الجميع في تَرْك تعظيم الله تعالى، نعم مَن هَمَّ بالمعصية قاصداً الاستخفافَ بالْحَرَمِ
عَصَى، ومَن هَمَّ بمعصية الله قاصداً الاستخفافَ بالله كفرَ، وإنَّما المعفوُّ عنه مَن هَمَّ بمعصيةٍ
ذاهلاً عن قصد الاستخفاف، وهذا تفصيل جيّد ينبغي أن يُستَحضَر عند شرح حديث:
((لا يَزْني الزّاني وهو مُؤْمِن))(٢).
وقال السُّبْكيّ الكبير: الهاجِسُ لا يُؤاخَذ به إجماعاً، والخاطِرُ - وهو جَرَيان ذلك
الهاجِس - وحديث النَّفْس - لا يُؤَاخَذ بهما للحديثِ المشار إليه، والهَمّ: وهو قَصْدُ فعلِ
المعصية مع التردُّد، لا يُؤاخَذ به لحديثِ الباب، والعَزْم: وهو قوّة ذلك القصد والجزم به
ورَفْع التردُّد، قال المحَقِّقونَ: يُؤاخَذ به، وقال بعضهم: لا، واحتَجَّ بقولِ أهل اللَّغة: هَمَّ
بالشَّيء: عَزَمَ عليه، وهذا لا يكفي.
(١) والوقف أرجح على ما هو مبيَّن في التعليق على الحديث في ((المسند)).
(٢) سلف برقم (٢٤٧٥) من حديث أبي هريرة.

٢١١
باب ٣١ / ح ٦٤٩١
كتاب الرقاق
قال: ومن أدلّة الأوَّل حديثُ: ((إذا التَّقَى المسلمانِ بسيفَيهما)) الحديث(١)، وفيه: أنَّه كان
حريصاً على قتل صاحبِهِ، فعُلِّلَ بالخِرْص، واحتَجَّ بعضهم بأعمال القلوب ولا حُجّة معه،
لأنّها على قسمين:
أحدهما: لا يَتَعلَّق بفعلِ خارجيٍّ، وليس البحثُ فيه.
والثّاني: يَتَعلَّق بالملتَقَيِينِ عَزَمَ كلَّ منهما على قتل صاحبِه، واقتَرَنَ بعَزِه فعلُ بعض ما
عَزَمَ عليه، وهو شَهْرُ السِّلاح وإشارَتُه به إلى الآخر، فهذا الفعل يُؤْاخَذ به سواء حَصَلَ
القتلُ أم لا. انتهى، ولا يَلزَمُ من قوله: ((فالقاتل والمقتول في النار)) أن يكونا في درجةٍ
واحدةٍ من العذاب بالاتّفاق.
قوله: «فإن هو هَمَّ بها فعَمِلَها، كَتَبَها الله له سَيِّئَةً واحدة)) في رواية الأعرَج: ((فاكتبوها له
بِمِثْلِها)»، وزاد مسلم (٢٦٨٧) في حديث أبي ذرٍّ: («فجَزاؤُه بمِثلِها أو أغفِرُ))، وله في آخر
حديث ابن عبّاس: ((أو يَمحُوها))(٢)، والمعنى: أنَّ الله يَمحُوها بالفضل أو بالتَّوبة أو
بالاستغفار أو بعَمَلِ الحسنة التي تُكفِّر السَّيِّئَة، والأوَّل أشبَه لظاهرٍ حديث أبي ذرٍّ، وفيه رَدّ
لقولٍ مَن ادَّعَى أنَّ الكبائر لا تُغفَرُ إلّا بالتَّوبة، ويُستَفادُ من التَّأكيد بقوله: ((واحدة)) أنَّ
السَّيِّئَة لا تُضاعَف كما تُضاعَف الحسنة، وهو على وَفْق قوله تعالى: ﴿فَلَ يُجْزَّ إِلَّا مِثْلَهَا﴾
[الأنعام: ١٦٠].
/ قال ابن عبد السَّلام في ((أماليه)): فائدة التَّأكيد دفعُ تَوهُم مَن يَظُنّ أنَّه إذا عَمِلَ ٣٢٩/١١
السَّيِّئَة كُتِبَت عليه سَيِّئَةُ العملِ وأُضيفَت إليها سَيِّئَةُ الهَمِّ، وليس كذلك، إنَّما يُكتَبُ عليه
سَيِّئَةٌ واحدةٌ.
وقد استَثنَى بعضُ العلماء وقوعَ المعصية في الحَرَم المكِّيّ، قال إسحاق بن منصور: قلت
(١) سيأتي في الفتن برقم (٧٠٨٣) من حديث أبي بكرة.
(٢) عند مسلم (١٣١) (٢٠٨) قال: وزاد: ((ومحاها الله))، كذا بدون شك، واللفظ الذي أورده الحافظ في
حديث ابن عباس عند أحمد (٢٥١٩).

٢١٢
باب ٣١ / ح ٦٤٩١
فتح الباري بشرح البخاري
لأحمدَ: هل وَرَدَ في شيء من الحديث أنَّ السَّيِّئَة تُكتَب بأكثرَ من واحدة؟ قال: لا، ما
سمعتُ إلّا بِمَكّةَ لتعظيمِ البلد.
والجمهور على التَّعميم في الأزمنة والأمكنة، لكن قد يَتَفاوتُ بالعِظَم، ولا يَرِدُ على
ذلك قوله تعالى: ﴿مَن يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِنَةٍ يُضَعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾
[الأحزاب: ٣٠]، لأنَّ ذلك وَرَدَ تعظيماً لحقِّ النبيِّ وَّهِ، لأنَّ وقوعَ ذلك من نسائه يقتضي أمراً
زائداً على الفاحشة وهو أذَى النبيِّ وَّهِ، وزاد مسلمٌ (٢٠٨/١٣١) بعد قوله: ((أو يَمحوها)):
((ولا يَهلِكُ على الله إلّ هالكٌ)) أي: مَن أصَرَّ على التَّجَرّي على السَّيِّئَة عَزماً وقولاً وفعلاً،
وأعرَضَ عن الحسنات همّاً وقولاً وفعلاً.
قال ابن بَطّال: في هذا الحديث بيانُ فضل الله العظيم على هذه الأمة، لأنَّه لولا ذلك
كادَ لا يَدخُل أحدٌ الجنَّةَ، لأنَّ عملَ العباد للسَّيِّئَات أكثرُ من عملِهِم الحسنات، ويُؤيِّد ما
دَلَّ عليه حديثُ الباب من الإثابة على الهَمِّ بالحسنة، وعَدَمِ المؤاخَذة على الهَمِّ بالسَّيِّئَة، قولُه
تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] إذ ذكر في السّوءِ الافتِعالَ الذي يدلُّ
على المعالجة والتكلُّفِ فيه، بخِلَاف الحسنة.
وفيه ما يَتَرتَّب للعبد على هِجْران لَذَّتِهِ وتَركِ شَهوتِهِ من أجلِ رَبّه، رغبةً في ثوابه ورهبةً
من عقابه.
واستُدِلَّ به على أنَّ الحَفَظَةَ لا تَكتُبُ المباحَ للتَّقْبِيدِ بالحسنات والسَّيِّئَات، وأجابَ بعض
الشُّرّاح بأنَّ بعض الأئمّة عَدَّ المباحَ من الحَسَن، وتُعقِّبَ بأنَّ الكلام فيما يَتَرتَّب على فعلِهِ حَسنةٌ،
وليس المباح ولو سُمّيَ حسناً كذلك، نعم قد يُكتَبُ حَسنةً بالنّيّة وليس البحثُ فيه، وقد تقدَّم في
((باب حِفْظ اللِّسان)) قريباً شيء من ذلك (٦٤٧٤ -٦٤٧٨)، وفيه أنَّ الله سبحانه وتعالى بفضلِه
وكَرَمه جَعَلَ العدلَ في السَّيّة، والفضلَ في الحسنة، فضاعَفَ الحسنةَ ولم يُضاعِف السَّيِّئَة، بل
أضافَ فيها إلى العَدلِ الفضلَ فأدارَها بين العُقوبة والعفو بقوله: ((كُتِبَت له واحدةٌ أو يَمحُوها»،
وبقوله: ((فجَزاؤُه بِمِثلِها أو أغفِر)).

٢١٣
كتاب الرقاق
وفي هذا الحديث رَدٌّ على الكَعْبِيِّ في زَعمِه: أن ليس في الشَّرعِ مُباحٌ، بل الفاعل إمّا
عاصٍ وإمّا مُثابٌ، فمَن اشْتَغَلَ عن المعصية بشيءٍ، فهو مُثابٌ، وتَعقَّبوه بما تقدَّم: أنَّ
الذي يُثابُ على تَركِ المعصية هو الذي يَقصِدُ بتَركِها رِضا الله كما تقدَّمَتِ الإشارة إليه،
وحكى ابنُ التِّين أنَّه يَلزَمِه أنَّ الزّانيَ مثلاً مُثابٌ لاشتغاله بالزِّنى عن معصيةٍ أُخرى، ولا
يخفى ما فيه.
٣٢- باب ما يُتَّقى من ◌ُقَّرات الذّنوب
٦٤٩٢- حذَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا مَهْدِيٌّ، عن غَيْلانَ، عن أنسٍ ، قال: إنَّكم
لَتَعمَلونَ أعمالاً هي أدَقُّ في أعيُنِكم منَ الشَّعْرِ، إن كنَّا لنَعُدُّها على عَهْدِ النبيِّ وَّهُ مِنَ
المُوبِقَات.
قال أبو عبد الله: يعني بذلك: المُهْلِكات.
قوله: ((باب ما يُتَّقَى من مُقَّرات الذُّنوبِ)) التَّعبير بالمحقَّرات وَقَعَ في حديث سهل بن سعد
رَفَعَه: ((إيّكم ومُحُقَّراتِ الذُّنوب، فإِنَّمَا مَثَلُ مُقَّرات الذُّنوبِ كمَثَلِ قوم نزلوا بطنَ وادٍ، فجاء ذا
بعودٍ وجاء ذا بعودٍ حَتَّى جَمَعوا ما أنضَجُوا به خُبزَهم، وإِنَّ مُقَّرات الذُّنوبِ متى يُؤْخَذْ بها
صاحبُها تُهلِكْه)) أخرجه أحمد (٢٢٨٠٨) بسندٍ حسنٍ.
ونحوه عند أحمد (٣٨١٨) والطبرانيّ (١٠٥٠٠) من حديث ابن مسعود، وعند النَّسائيِّ
(ك ١١٨١١) وابن ماجَهْ (٤٢٤٣) عن عائشة: أنَّ النبيَّ ◌َ ﴿ قال لها: ((يا عائشة، إيّاكِ ومُقَّراتِ
الذُّنوب، فإنَّ لها من الله طالباً)) وصَحَّحَه ابن حِبّان (٥٥٦٨).
قوله: ((مَهْديّ)) هو ابن ميمون، وغَيْلان بمُعجَمةٍ ثمَّ تحتائيَّةٍ وزن عَجْلان: هو/ ابن جامع (١)، ٣٣٠/١١
والسَّنَد كلّه بصريّونَ.
(١) بل هو غيلان بن جرير المعولي الأزدي البصري، أما غيلان بن جامع فليس من رجال البخاري، ثم هو کوفي
وليس بصريّاً، وهذا ذهولٌ عجيب من الحافظ رحمه الله. وقد وقع التنبيه على ذلك في حاشية على هامش نسخة
(أ)، فكأن ناسخ (ع) أخذها وأدرجها في كلام الحافظ بدل الكلام المثبت هنا!

٢١٤
باب ٣٣ / ح ٦٤٩٣
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((هي أدَقُّ)) أفعَلُ تفضيل من الدِّقّة - بكسر الدَّال - إشارةً إلى تحقيرها وتَهوينِها،
وتُستَعمَل في تدقيق النَّظَر في العمل والإمعان فيه، أي: تَعمَلونَ أعمالاً تَحَسَبونَهَا هَيِّئَةً وهي
عظيمةٌ، أو تَؤُول إلى العِظَم.
قوله: ((إن كنّا لَتَعُدُّها)) كذا للأكثرِ بلام التَّأكيد، وفي رواية أبي ذرِّ عن السَّرَخْسِيِّ
والمُستَمْلي بحذفِها وبحذفِ الضَّمير أيضاً ولفظُهما: إن كنَّا نَعُدّ، وله عن الكُشْمِيهنيّ: إن
كنَّا نَعُذُّها، و((إنْ)) مُقَّفةٌ من الثَّقيلة وهي للتَّأكید.
قوله: ((من المُوِقات)) بموخَّدةٍ وقافٍ، وسَقَطَ لفظُ: ((من)) للسَّرَخسيِّ والمُستَمْلي
أيضاً.
قوله: ((قال أبو عبد الله)) هو المصنِّف ((يعني بذلك المُهلِكات)) أي: المُوبِقة هي المُهلِكة،
ووَقَعَ للإسماعيليِّ من طريق إبراهيم بن الحجّاج عن مَهديٍّ: كنَّا نَعُدُّها ونحنُ مع
رسولِ الله ◌ُ له من الكبائر؛ وكأنَّه ذكره بالمعنى.
وقال ابن بَطّال: المحقَّراتُ إذا كَثُرَت صارت كِياراً مع الإصرار، وقد أخرج أسَد بن
موسى في ((الزُّهد)) عن أبي أيوب الأنصاريّ قال: إنَّ الرجل لَيعملُ الحسنةَ فِيَئِقُ بها ويَنْسَى
المحقَّرات، فيَلقَى اللهَ وقد أحاطَت به، وإنَّ الرجلَ لَيعملُ السَّيِّئَةَ فلا يزالُ منها مُشِفِقاً حتَّى
يَلقَى الله آمِناً.
٣٣- بابٌ الأعمالُ بالخواتيم وما ◌ُخاف منها
٦٤٩٣ - حدَّثنا عليُّ بِنُ عيَّاش، حدَّثنا أبو غَسّانَ، قال: حدَّثني أبو حازم، عن سَهْلِ بنِ سعدٍ
الساعدِيِّ، قال: نَظَرَ النبيُّ ◌َلَه إلى رجلٍ يقاتلُ المشركينَ، وكان من أعظَمِ المسلمينَ غَناءً عنهم،
فقال: (مَن أحبَّ أن يَنظُرُ إلى رجلٍ من أهلِ النارِ، فَلْيَظُرُ إلى هذا»، فتَبِعَه رجلٌ، فلم يَزَلْ على ذلك
حتَّى مُرِعَ فاستَعْجَلَ الموتَ، فقال بِذُّبَابِةِ سيفِهِ فَوَضَعَه بينَ ثَدْبَيِهِ، فَتَحامَلَ عليه حتَّى خَرَجَ من بينِ
كَتِفَيْهِ، فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((إنَّ العبدَ لَيَعمَلُ - فيما يَرَى الناسُ - عملَ أهلِ الجنَّةِ، وإِنَّه لَمِن أهلِ النار،
ويَعمَلُ - فيما يَرَى الناسُ - عملَ أهلِ النارِ، وهو من أهلِ الجنَّةِ، وإنَّما الأعمالُ بِخَواتِيمِها)».

٢١٥
باب ٣٤ / ح ٦٤٩٤
كتاب الرقاق
قوله: («بابٌّ الأعْمالُ بالخَواتيم وما يُخافُ منها)) ذكر فيه حديثَ سهل بن سعد في قصّة
الذي قتل نفسه، وفي آخره: ((وإنَّما الأعمال بالخواتيم))، وتقدَّم شرح القصَّة في غزوة خيبر
من كتاب المغازي (٤٢٠٢ و٤٢٠٧)، ويأتي شرح آخره في كتاب القَدَرِ (٦٦٠٧) إن شاء الله
تعالی.
وقوله: ((غَناءً)) بفتح المعجَمة بعدها نونٌ ممدود، أي: كِفايةً، وأغنى فلانٌ عن فلان:
نابَ عنه وجَرَى مَجَرَاه، وذُبابة السَّيف: حَدُّه وطَرَفُه.
قال ابن بَطّال: في تغييب خاتمة العملِ عن العبد حِكمةٌ بالغةٌ وتدبيرٌ لطيفٌ، لأنَّه لو
عَلِمَ وكان ناجياً أُعجِبَ وكَسِلَ، وإن كان هالكاً ازدادَ عُتوّاً، فحُجِبَ عنه ذلك ليكونَ بین
الخوف والرَّجاء.
وقد روى الطَّبَرِيُّ عن حفص بن حُميدٍ قال: قلت لابنِ المبارك: رأيتُ رجلاً قتل رجلاً ظُلماً،
فقلت في نفسي: أنا أفضلُ من هذا، فقال: أمنُك على نفسِك أشدُّ من ذَنِهِ.
قال الطََّرَيُّ: لأنَّه لا يدري ما يَؤُولُ إليه الأمرُ، لعلَّ القاتلَ يتوب فتُقبَل توبتُه، ولعلَّ
الذي أنكَرَ عليه يُخْتَمُ له بخاتمة السّوء.
٣٤- بابٌ العزلة راحةٌ من خُلّاط السّوء
٦٤٩٤- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: حدَّثني عطاءُ بنُ يزيدَ، أَنَّ
أبا سعيدٍ حدَّثه، قال: قيلَ: يا رسولَ الله.
وقال محمَّدُ بنُ يوسُفَ: حَدَّثنا الأوْزاعيُّ، حدَّثنا الزُّهْرِيُّ، عن عطاءِ بنِ يزيدَ اللَّثِّ،
عن أبي سعيدِ الخُذْريِّ، قال: جاء أعرابٌّ إلى النبيِّ وَلّ فقال: يا رسولَ الله، أيُّ الناسِ خيرٌ؟
قال: ((رجلٌ جاهَدَ بنفسِه ومالِهِ، ورجلٌ في شِعْبٍ منَ الشِّعابِ يَعبُدُ رَبَّه، ويَدَعُ الناسَ من
شَرِّهِ».
تَابَعَه الثُّعْمَانُ والزُّبَيدِيُّ وسليمانُ بنُ كَثير، عن الزّهْريِّ.

٢١٦
باب ٣٤ / ح ٦٤٩٤
فتح الباري بشرح البخاري
وقال مَعْمَرٌ: عن الزُّهْرِيِّ، عن عطاءٍ أو عُبيدِ الله، عن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ وَّ.
وقال يونسُ وابنُ مُسافرٍ ويحيى بنُ سعيدٍ: عن ابنِ شِهابٍ، عن عطاءٍ، عن بعضِ أصحاب
النبيِّ ◌َّ، عن النبيِّ آلّ.
٣٣١/١١
/ قوله: ((بابٌ العُزْلةُ راحةٌ للمُؤْمِنِ من خُلّاط السّوء)» لفظ هذه التَّرجمة أثرٌ أخرجه ابن أبي
شَيْبة (١٣/ ٢٧٥) بسندٍ رجاله ثقات عن عمر أنَّه قاله، لكن في سندِه انقطاعٌ.
وخُلّاط بضمِّ المعجَمة وتشديد اللّام للأكثر، وهو جمعٌ مُستَغرَبٌ، وذكره الكِرْمانيُّ
بلفظ: ((خُلُط)) بغير ألِفٍ وهو بضمَّتَينِ مُفَّفاً، كذا ذكره الصَّغَانُّ في ((العُباب))، قال
الخطّابيُّ: جمع خَلِيط، والخَلِيطِ يُطلَق على الواحد كقولِ الشّاعر:
بانَ الخَلِيطُ ولو طُووِعْت ما بانا
وعلى الجمع كقوله:
إِنَّ الْخَلِيطِ أَجَدّوا البَيْن يومَ نَأَوا
ويُجمَعُ أيضاً على خُلُط، بضمَّتَينِ مُقَّفاً، قال الشّاعر:
ضرباً يُفرِّقُ بين الجِيرة الخُلُطِ
قال: والخِلاط بالكسر والتَّخفيف: المخالطة.
قلت: فلعلَّه الذي وَقَعَ في هذه التَّرجمة، ووَقَعَ عند الإسماعيليّ: ((خُلَطَاء)) بدلَ
((خُلَاط))، وأخرجه الخطَّبيُّ في كتاب ((العُزلة))(١) بلفظ: خَليط، وقال ابن المبارَك في كتاب
((الرَّقائق)) (١١): عن شُعْبة عن خُبَيب بن عبد الرّحمن عن حفص بن عاصم قال: قال عمر:
خُذوا حَظَّكم من العُزلة، وما أحسنَ قولَ الْجُنَيد - نَفَعَ الله ببركتِه - مُكابَدةُ العُزلة أيسَرُ من
مُداراة الخُلطة.
وقال الخطَّبيُّ: لو لم يكن في العُزلة إلّ السَّلامُ من الغِيبة ومن رُؤية المنكَرِ الذي لا
(١) («العزلة)) ص١٢. والمراد هنا أثر عمر.

٢١٧
باب ٣٤ / ح ٦٤٩٤
كتاب الرقاق
يُقدَرُ على إزالتِه، لكان ذلك خيراً كثيراً.
وفي معنى التَّرجمة ما أخرجه الحاكم (٣/ ٣٤٣ -٣٤٤) من حديث أبي ذرٍّ مرفوعاً بلفظ:
((الوِ حدةٌ خيرٌ من جَليس السّوءِ)) وسندُه حسنٌ، لكن المحفوظ أنَّه موقوفٌ عن أبي ذرٍّ أو
عن أبي الدَّرداء، أخرجه ابن أبي عاصم(١).
ثم ذکر في الباب حدیثین:
الأول: قوله: ((وقال محمَّد بن يوسُف)) هو الفِرْيابيّ، وقَرَنَه هنا برواية أبي اليَمَان،
وأفرَدَها في الجهاد (٢٧٨٦) فساقَه على لفظه هناك، وقد وَصَلَه مسلمٌ (١٢٤/١٨٨٨) عن
عبد الله بن عبد الرّحمن الدَّارِميِّ عن محمَّد بن يوسف.
قوله: ((جاء أعْرابيّ)) تقدَّم في أوائل الجهاد أنّي لم أقِفْ على اسمِه، وأنَّ أبا ذرِّ سألَ عن
ذلك، لكن لا يَحِسُنُ أن يقال في حَقِّه: أعرابيٌّ.
قوله: ((أيُّ الناسِ خيرٌ)» تقدَّم في الجهاد بلفظ: أفضل، وسأذكر له ألفاظاً أُخرى.
قوله: ((قال: رجل جاهَدَ)) هذا لا يُنافي جوابَه الآخر الماضيَ في الإيمان (١١): ((مَن سَلِمَ
الناسُ من لسانه ويَدِه))، ولا غير ذلك من الأجوبة المختَلِفة، لأنَّ الاختلافَ في ذلك
بحَسَبِ اختلاف الأشخاص والأحوال والأوقات/ كما تقدَّم تقریرُه، وقد تقدَّم شرحُ هذا ٣٣٢/١١
الحديث في الجهاد.
قوله: ((ورجلٌ في شِعْبٍ من الشِّعابِ ... )) إلى آخره، هو محمولٌ على مَن لا يَقدِرُ على
الجهاد، فيُسْتَحَبُّ في حَقِّه العزلةُ لَيَسلَمَ ويَسلَم غيرُه منه، والذي يظهر أنَّه محمول على ما
بعد عَصْر النبيّ ◌َلّ.
وقوله: (يَعْبُدُ رَبَّه)) زاد مسلم (١٨٨٩) من وجهٍ آخر: ((ويُقيم الصلاةَ ويُؤتي الزكاةَ حتَّى يأتيَه
الیقینُ، لیس من الناس إلّا في خیرٍ».
(١) في ((الزهد)) له برقم (٦٥) عن أبي ذر موقوفاً.

٢١٨
باب ٣٤ / ح ٦٤٩٤
فتح الباري بشرح البخاري
ولِلنَّسائيِّ (٢٥٦٩) من حديث ابن عبّاسِ رَفَعَه: «ألا أُخبِرُكم بخير الناس؟ رجلٌ مُمسِكٌ
بِعَنَانِ فرسِه)) الحديثَ، وفيه: ((ألا أُخبِرُكم بالذي يَتلوه؟ رجلٌ مُعتَزِلٌ في غُنَيَمَةٍ يُؤَدّي حَقَّ الله
فيها))، وأخرجه التِّرمِذيُّ (١٦٥٢) واللَّفظُ له، وقال: حسنٌ.
وقوله هنا: ((تابَعَه التُّعْمان)) هو ابن راشدٍ الْجَزَريّ، ومُتَابَعَتُه وَصَلَها أحمدُ (١١١٢٥) عن
وهبٍ بن جَرِير حدَّثنا أبي سمعت النُّعمان بن راشدٍ به.
قوله: ((والزُّبَيدِيُّ)) هو محمَّد بن الوليد الشّاميّ، وطريقه وَصَلَها مسلمٌ أيضاً (١٨٨٨/
١٢٢) من روایة یحیی بن حمزة عنه.
قوله: ((وسلیمان بن کثیر» هو العَبْديّ، وطريقه وَصَلَها أبو داود (٢٤٨٥) عن أبي الوليد
الطَّيالسيِّ عنه بلفظ: سُئلَ أيُّ المؤمنينَ أَكمَلُ إيماناً؟
قوله: ((وقال مَعْمَرٌ: عن الزُّهْريِّ، عن عطاء أو عُبيد الله)) هو ابن عبد الله بن عُتبةَ،
كذا بالشكّ، وكذا أخرجه أحمد (١١٣٢٢) عن عبد الرَّزّاق وقال في سياقه: مَعمَر
يَشُكّ، وقد أخرجه مسلم (١٨٨٨ /١٢٢) عن عبد بن حُميدٍ عن عبد الرَّزّاق عن مَعمَر
فقال: عن عطاء، بغير شَكِّ، وكذا وَقَعَ لنا بعُلوٍّ في ((مُسنَدِ عبد بن حُميدٍ)) (٩٧٥) ولم
يَشُكَّ.
قوله: ((وقال يونس)) هو ابن يزيدَ الأَيَّليُّ، وطريقه وَصَلَها الذُّهْلُّ في ((الزُّهرِیّات)»،
وأخرجه ابن وَهْبٍ في ((جامعِه)) عن یونُسَ.
قوله: ((وابن مُسافِرِ)) هو عبد الرَّحمن بن خالد بن مُسافر، وطريقه وَصَلَها الذُّهْلِيُّ في
((الزُّهريّات)) من طريق اللَّيث بن سعد عنه.
قوله: ((ويحيى بن سعيد)) هو الأنصاريّ، وطريقه وَصَلَها الذُّهْلِيُّ أيضاً من طريق سليمان
ابن بلال عنه.
قوله: ((عن بعض أصحاب النبيّ وََّ)) هذا لا يخالف الرِّواية الأولى، لأنَّ الذي حَفِظَ

٢١٩
باب ٣٥ / ح ٦٤٩٥
كتاب الرقاق
اسمَ الصحابيِّ مُقَدَّمٌ على مَن أبهَمَه، وقد بيَّنتُ لفظَ مَعمَر ولفظَ الزُّبَيديِّ في كتاب الجهاد
(٢٧٨٦).
الحديث الثاني:
٦٤٩٥ - حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا الماجِشُونُ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي صَعْصَعةً، عن أبيه،
عن أبي سعيدٍ، أنَّه سمعَه يقول: سمعتُ النبيَّ ◌َّهِ يقول: ((يأتي على الناسِ زمانٌ خيرُ مالٍ
المسلمِ الغنمُ، يَتَبَعُ بها شَعَفَ الجبالِ ومواقعَ القَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ».
قوله: ((حدَّثنا الماجِشُون)) بكسر الجيم وبالشّينِ المعجَمة: هو عبد العزيز بن عبد الله بن
أبي سَلَمة، وقد تقدَّم في علامات النُبوّة (٣٦٠٠) عن أبي نُعَيم أيضاً، ولكن قال فيه: حدَّثنا
عبد العزيز بن أبي سَلَمة بن الماجِشُون، فنَسَبَه إلى جَدِّه، ولا مُغايرةَ بين قوله: الماجِشون
وابن الماحِشون، فإنَّ كلَّا من عبد الله وأولادِه(١) يقال له: الماجشون.
قوله: ((عن عبد الرَّحمن بن أبي صَعْصَعَ)) هو عبد الرَّحمن بن عبد الله بن عبد الرَّحمن بن
أبي صَعصَعة، قد روى مالك (٩٧٠/٢) عنه هذا الحديث وجَوَّد نَسَبَه، وبيَّنْتُ ذلك في
كتاب الإيمان (١٩) في ((باب من الدِّينِ الفِرارُ من الفتن)).
قوله: ((عن أبيه)) في رواية يحيى بن سعيد الأنصاريّ عن عبد الرَّحمن هذا: أنَّه سمعَ
أباه، أخرجه أحمد (٢) والإسماعيليّ.
قوله: ((يأتي على الناس زمانٌ خيرُ مال المسلمِ الغنمُ)) كذا أورَدَه هنا، وفي الكلام حذفٌ
تقديره: يكون فيه، وتقدَّم في علامات النُّبّة عن أبي نُعَيم بهذا الإسناد بلفظ: ((يأتي على
الناس زمان يكون الغنمُ فيه خيرَ مال المسلم))، ووَقَعَ في رواية مالك: «يُوشِكُ أن يكون
خيرُ مال المسلم ... )) إلى آخره، وتقدَّم إيضاحُه.
(١) زاد في (ع) وحدها: وأولاد أولاده.
(٢) عند أحمد (١١٢٥٤): يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري، عن أبيه، فقلب اسم الرجل ولم
یذکر التصريح بالسماع فيه.

٢٢٠
باب ٣٥ / ح ٦٤٩٦ -٦٤٩٧
فتح الباري بشرح البخاري
ولفظُه هنا صريحٌ في أنَّ المراد بخيريَّة العُزلة أن تَفَعَ في آخر الزّمان، وأمَّا زمنُه ◌َِّ فكان
الجهادُ فيه مطلوباً، حتَّى كان يجب على الأعيان إذا خَرَجَ الرَّسُولُ وَ لَه غازياً أن يَخْرُجَ معه إلّا مَن
كان معذوراً، وأمَّا مَن بعده فيختلفُ ذلك باختلاف الأحوال، وسيأتي مزيد بيان لذلك في كتاب
الفتن (٧٠٨٨) إن شاء الله تعالى.
والشّعب بكسر أوَّلِه: الطَّريقُ في الجبلِ أو الموضع فيه، وشَعَفٌ بفتح المعجَمة ثمَّ المهمَلة
ثُمَّ فاء: رأس الجبل.
وذكر الخطَّبيُّ في كتاب ((العُزلة)): أنَّ العُزلة والاختلاطَ يختلف باختلاف مُتعلّقاتهما،
فتُحمَلُ الأدلّةُ الواردةُ في الحضِّ على الاجتماع على ما يَتَعلَّقُ بطاعة الأئمَّة وأُمورِ الدّين،
٣٣٣/١١ وعكسُها في عكسِه، وأمَّا الاجتماع والافتِراقُ بالأبدان،/ فمَن عَرَفَ الاكتِفاءَ بنفسِه في حَقّ
مَعاشِه ومحافظة دينِهِ، فالأَولى له الانكِفافُ عن مُخَالَطة الناس، بشرطِ أن يُحافظَ على الجماعة
والسَّلام والردِّ وحقوقِ المسلمين من العيادة وشُهودِ الجِنازة ونحوِ ذلك، والمطلوبُ إنّما
هو تَركُ فُصولِ الصُّحبة لما في ذلك من شَغْلِ البالِ وتضييع الوقت عن المُهِمّات، ويجعل
الاجتماع بمَنْزِلة الاحتياج إلى الغَداءِ والعَشاء، فیَقتَصِرُ منه على ما لا بُدَّله منه، فهو آروُ
للبَدَنِ والقلب، والله أعلم.
وقال القُشَيرِيُّ في ((الرِّسالة)»: طريقُ مَن آثَرَ العُزلةَ أن يَعتَقِدَ سَلامةَ الناس من شَرِّه لا
العكس، فإنَّ الأوَّل يُنتِجُه استصغارُه نفسَه وهي صِفَةُ المتواضِع، والثّاني شهودُه مَزيَّةً له
على غيره، وهذه صِفَةُ المتكبِِّ.
٣٥- باب رَفْع الأمانة
٦٤٩٦- حدَّثنا محمَّدُ بنُ سِنَانٍ، حدَّثْنَا فُلَيِحُ بنُ سليمانَ، حدَّثنا هلالُ بنُ عليٍّ، عن عطاءِ
ابنِ يَسارٍ، عن أبي هريرةَ عُه، قال: قال رسولُ الله ◌ََّ: ((إذا ضُيِّعَتِ الأمانةُ، فانتَظِرِ الساعةَ»
قال: كيفَ إضاعَتُها يا رسولَ الله؟ قال: ((إذا أُسْنِدَ الأمرُ إلى غيرِ أهلِه، فانتَظِرِ الساعةَ)).
٦٤٩٧ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ كَثير، أخبرنا سفيانُ، حدَّثنا الأعمَشُ، عن زيدِ بنِ وَهْب، حدَّثنا