النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
باب ٢٥ / ح ٦٤٨١
كتاب الرقاق
قوله: ((فإنَّه لم يَبتَثِّرْ عندَ الله خيراً، فَسَّرَها قَتَادة: لم يَدَّخِرْ)) كذا وَقَعَ هنا ((يَبْتَتِر)) بفتح أوَّله
وسكون الموحّدة وفتح المثنّة بعدها تحتانيَّة مهموزة ثمَّ راء مُهمَلة، وتفسير قَتَادة صحيح
وأصله من البَثيرة بمعنى الذَّخيرة والخَبيئة، قال أهل اللُّغة: بَأَرتُ الشَّيءَ وابتأَرْتُه أباَّرُه
وأبتَيِرُه: إذا خَبَتُه، ووَقَعَ في رواية ابن السَّكَن: (لم يأْتِرِ (١)» بتقديم الهمزة على الموحّدة،
حكاه عِيَاض، وهما صحيحان بمعنّى واحدٍ، والأوَّل أشهر، ومعناه: لم يُقدِّم خيراً، كما جاء
مُفَسَراً في الحديث، يقال: بَأرتُ الشَّيءَ وابتأرتُه وائبَتَرتُه: إذا ادَّخَرتَه، ومنه قيل للحُفرة:
البِئر، ووَقَعَ في التَّوحيد (٧٥٠٨) في رواية أبي زيد المروزيِّ فيما اقتَصَرَ عليه عِيَاض، وقد
ثَبَتَ عندنا كذلك في رواية أبي ذرٍّ: ((لم يَبْتَيِّر، أو لم يَبْتَئِّز» بالشكِّ في الزّاي أو الرَّاء، وفي رواية
الجُرجاني بنونٍ بَدَل الموحَّدة والزّاي، قال: وكلاهما غير صحيح، وفي بعض الرِّوايات في غير
البخاريّ ((يَبتِهِز)) بالهاءِ بَدَل الهمزة وبالزّاي، و((يَمْتَثِر)) بالميمِ بَدَل الموخَّدة وبالرَّاءِ أيضاً(٢)،
قال: وكلاهما صحيح أيضاً كالأوَّلَين.
قوله: ((وإن يَقدَمْ على الله يُعذّبْه)) كذا هنا بفتح الدَّال وسكون القاف: من القُدوم، وهو
بالجزمِ على الشَّرطيَّة، وكذا ((يُعذِّبْه)) بالجزم على الجزاء، والمعنى: إن بُعِثَ يوم القيامة على
هيئته يَعرِفه كلَّ أحد، فإذا صارَ رَماداً مَبثوثاً في الماء والرّيح لعلَّه يَخْفَى.
ووَقَعَ في حديث حُذَيفة عند الإسماعيليّ من رواية أبي خَيْئمةَ عن جَرِير بسندٍ حديث
الباب: ((فإنَّه إن يَقدِرْ عليَّ رَبّ لا يَغْفِرْ لي)»، وكذا في حديث أبي هريرة: ((لَئِن قَدَرَ الله عليَّ»،
وتقدَّم توجيهه مُستَوفَّى في ذِكْر بني إسرائيل (٣٤٨١).
ومن اللَّطائف أنَّ من جُملة الأجوبة عن ذلك ما ذكره شيخُنا ابن الملقِّن في ((شرحه)):
أنَّ الرجل قال ذلك لمَا غَلَبَه من الخوف وغَطَّى على فهمه من الجَزَع، فيُعذَر في ذلك،
وهو نَظِير الخبر المرويّ في قصَّة الذي يَدخُل الجنَّة آخرَ مَن يَدخُلها فيقال: ((إِنَّ لك مِثلَ
(١) في (س): ((يأبتر)) بتقديم الباء الموحدة على التاء، وهو تصحيف صححناه من الأصلين ومن ((المشارق)) للقاضي
عياض ١/ ٧٥ حيث نصَّ على تقديم التاء المثناة على الباء الموحّدة.
(٢) وقعت هذه الرواية عند مسلم (٢٧٥٧) (٢٨) في حديث أبي عوانة عن قتادة بلفظ: ((ما امتأَر)).

١٨٢
باب ٢٥ / ح ٦٤٨١
فتح الباري بشرح البخاري
الدُّنيا وعشرة أمثالها، فيقول للفَرَح الذي دَخَلَه: أنتَ عبدي وأنا رَبُّك، أخطاً من شِدّة
الفَرَح)).
قلت: وتمام هذا أنَّ أبا عَوَانة (٤٤٣) أخرج في حديث حُذَيفة عن أبي بكر الصِّدّيقِ: أنَّ
الرجل المذكور في حديث الباب هو آخر أهل الجنَّة دخولاً الجنَّة، فعلى هذا يكون وَقَعَ له
من الخَطَأ بعد دخول الجنَّة نَظير ما وَقَعَ له من الخَطَأ عند حضور الموت، لكن أحدهما من
غَلَبة الخوف، والآخر من غَلَبَةِ الفَرَح.
قلت: والمحفوظ أنَّ الذي قال: أنتَ عبدي، هو الذي وَجَدَ راحلته بعد أن ضَلَّت،
وقد نَبَّهتُ عليه فيما مضى (٣٤٨١ و٦٣٠٩)(١).
قوله: ((فأحْرِقوني)) في حديث حُذَيفة هناك (٣٤٥٢ و٣٤٧٩): «فاجمعوا لي حَطَباً كثيراً
ثُمَّ أَورُوا ناراً، حتَّى إذا أكَلَت لحمي وخَلَصَت إلى عَظْمي)).
قوله: ((فاسحَقوني، أو قال: فاسهَكوني)) هو شَكٍّ من الراوي، ووَقَعَ في رواية أبي عَوَانة:
((اسحَقوني)) بغير شَكّ، والسَّهْك بمعنى السَّحْق، ويقال: هو دونه، ووَقَعَ في حديث حُذَيفة
٣١٥/١١ عند الإسماعيليّ:/ ((احِرِ قوني ثمَّ اطحَنوني ثمَّ ذَرُّوني)).
قوله: ((ثُمَّ إذا كان)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((حتَّى إذا كان)).
قوله: ((فأخَذَ مَواثيقَهم على ذلك، ورَبّ)) هو من القَسَم المحذوف جوابه، ويحتمل أن
يكون حكايةَ الميثاق الذي أخَذَه، أي: قال لمن أوصاه: قل: ورَبّي لَأفعَلَنَّ ذلك، ويُؤْيِّده أنَّ
عند مسلم (٢٧٥٧): (فأخَذَ منهم يمينا)(٢)، لكن يُؤيِّد الأوَّل أنَّه وَقَعَ في رواية مسلم
أيضاً: ((ففَعَلوا به ذلك ورَبّ)» فتَعيَّنَ أنَّه فَسَمٌ من المخبِرِ.
وزَعَمَ بعضهم أنَّ الذي في البخاريّ هو الصَّواب، ولا يخفى أنَّ الذي عند مسلم لعلَّه
أصوب.
(١) وانظر قصة من يدخل الجنة آخر من يدخلها عند البخاري برقم (٨٠٦) و(٦٥٧٣).
(٢) عند مسلم: ((فأخذ منهم ميثاقاً))، ولم نقع على الرواية التي ذكرها الحافظ!

١٨٣
باب ٢٥ / ح ٦٤٨١
كتاب الرقاق
ووَقَعَ في بعض النُّسَخِ من مسلم: ((وذُرّي)) بضمِّ المعجَمة وتشديد الرَّاء المكسورة بَدَل
((ورَبّ)) أي: فعَلوا ما أمَرَهم به من التَّذرية. قال عِيَاض: إن كانت محفوظة فهي الوجه،
ولعلَّ الذّالَ سَقَطَت لبعضِ النُّاخ ثمَّ صُحِّفَتِ اللَّفظة، كذا قال، ولا يخفى أنَّ الأوّل
أوجَه لأنَّه يَلزَمُ من تصويب هذه الرّواية تَّخْطِئة الحُفّاظ بغير دليل، ولأنَّ غايتها أن تكون
تفسيراً أو تأكيداً لقوله: ((ففَعَلوا به ذلك)) بخِلَاف قوله: ((ورَبّ)» فإنَّها تزيد معنى آخر غير
قوله: ((وذُرّي))، وأبعَدَ الكِرْمانيُّ فجَوَّزَ أن يكون قوله في رواية البخاريّ: ((ورَبَّى)) بصيغة
الماضي من التَّربية، أي: رَبَّى أَخْذَ المواثيق بالتَّأكيدات والمبالغات، قال: لكنَّه موقوف على
الرِّواية.
قوله: ((فقال الله: كُنْ)) في رواية أبي عَوَانة، وكذا في حديث حُذيفة الذي قبله:
((فجَمَعَه الله))، وفي حديث أبي هريرة: ((فأمَرَ الله الأرضَ فقال: اجمعي ما فيك منه،
ففَعَلَت))(١).
قوله: ((فإذا رجلٌ قائم)) قال ابن مالك: جازَ وقوع المبتَدَأ نَكِرِةً مَحْضة بعد ((إذا)»
المفاجِئة لأنَّها من القرائن التي تَحصُل بها الفائدة، كقولِك: خَرَجتُ فإذا سَبُعٌ.
قوله: ((َخَافَتُك - أو فَرَقُ منك -)) بفتح الفاء والرَّاء، وهو شَكٍّ من الراوي، وفي رواية أبي
عَوَانة: (َافَتُك)) بغير شَكّ، وتقدَّم بلفظ: ((خَشْيتُك)) في حديث حُذَيفة (٣٤٧٩)، وبيان
الاختلاف فيه فيما مضى وهو بالرَّفع، ووَقَعَ في حديث حُذَيفة: ((من خَشْيَتَك))، ولبعضِهم:
(خَشيَتَك)) بغير ((مِن)) وهي بفتح التاء، وجَوَّزوا الكسر على تقدير حذفها وإبقاء عملها.
قوله: ((فما تَلَافاه أن رَحِمَه)) أي: تَدارَكَه و ((ما)) موصولة، أي: الذي تَلافاه هو الرَّحمة، أو
نافية وصِيغة الاستثناء محذوفة، أو الضَّمير في ((تَلافاه)) لعَمَلِ الرجل، وقد تقدَّم بيان
الاختلاف في هذه اللَّفظة هناك، وفي حديث حُذَيفة: ((فَغَفَرَ له))، وكذا في حديث أبي
هريرة.
(١) سلف في الأنبياء برقم (٣٤٨١).

١٨٤
باب ٢٥ / ح ٦٤٨١
فتح الباري بشرح البخاري
قالت المعتَزِلة: غَفَرَ له لأنَّه تابَ عند موته ونَدِمَ على فعله، وقالت المرجِئة: غَفَرَ له
بأصلِ توحيده الذي لا تَضُرّ معه معصية.
وتُعقِّبَ الأوَّل بأنَّه لم يَرِدْ أنَّه رَدَّ المَظْلِمة، فالمغِفِرة حينئذٍ بفضلِ الله لا بالتَّوبة، لأنَّها لا
تَتِمّ إلّا بأخذِ المظلوم حَقَّه من الظّلم، وقد ثَبَتَ أنَّه كان نبّاشاً.
وتُعقِّبَ الثّاني بأنَّه وَقَعَ في حديث أبي بكر الصِّيق المشار إليه أوَّلاً(١) أنَّه عُذِّبَ، فعلى
هذا فتُحمَل الرَّحمة والمغفرة على إرادة ترك الخلود في النار، وبهذا يُرَدّ على الطائفتَينِ معاً:
على المرجئة في أصل دخول النار، وعلى المعتَزِلة في دعوى الخلود فيها.
وفيه أيضاً رَدٍّ على مَن زَعَمَ من المعتَزِلة أنَّه بذلك الكلام تابَ فَوَجَبَ على الله قَبُول
توبته، قال ابن أبي جَمْرة: كان الرجل مُؤمِناً لأنَّه قد أيقَنَ بالحِساب وأنَّ السَّيِّئَات يُعاقَب
عليها، وأمَّا ما أوصى به فلعلَّه كان جائزاً في شَرعِهم ذلك لتصحيح الثَّوبة، فقد ثَبَتَ في
شَرْع بني إسرائيل قتلُهم أنفُسَهم لصِحّة التَّوبة.
قال: وفي الحديث جواز تسمية الشَّيء بما قَرُبَ منه، لأنَّه قال: حَضَرَه الموتُ، وإنَّما
الذي حَضَرَه في تلك الحالة علاماتُه.
وفيه فضل الأُمّة المحمَّديَّة لمَا خُفِّفَ عنهم من وَضْع مِثل هذه الآصار، ومَنَّ عليهم
بالحَنيفيَّة السَّمْحة. وفيه عِظَم قُدْرة الله تعالى أن جَمَعَ جسدَ المذكور بعد أن تَفرَّقَ ذلك
التَّرِيقَ الشَّديد. قلت: وقد تقدَّم أنَّ ذلك إخبارٌ عمَّا يكون يوم القيامة، وتقرير ذلك
مُستَوفَّى(٢).
قوله: ((قال: فحَدَّثْتُ أبا عُثْمان)) القائل: هو سليمان التَّيْمِيُّ والد مُعتَمِر، وأبو عثمان: هو
٣١٦/١١ النَّهْدي عبد الرَّحمن بن مَلّ./
وقوله: ((سمعت سلمانَ غير أنَّه زادَ)) حَذَفَ المسموع الذي استثنى منه ما ذكر، والتقدير:
(١) والذي أخرجه أبو عوانة في ((صحيحه)) (٤٤٣).
(٢) انظر شرح الحديث السالف برقم (٣٤٨١).

١٨٥
باب ٢٦ / ح ٦٤٨٢
كتاب الرقاق
سمعت سلمانَ يُحدِّث عن النبيّ وَلّهِ بِمِثْل هذا الحديث غير أنَّه زادَ.
قوله: ((أو كما حدَّث)) شَكٌّ من الراوي، يشير إلى أنَّه بمعنى حديث أبي سعيد لا بلفظه كلّه،
وقد أخرج الإسماعيليّ حديث سلمان من طريق صالح بن حاتم بن وَرْدان وحُميدٍ بن مَسعَدة
قالا: حدثنا مُعتَمِر سمعتُ أَبي سمعت أبا عثمان سمعت هذا من سلمان، فذكره.
قوله: ((وقال معاذ ... )) إلى آخره، وَصَلَه مسلم (٢٧/٢٧٥٧)، وقد مضى التَّنبيه عليه
أيضاً هناك.
٢٦ - باب الانتهاء عن المعاصي
٦٤٨٢ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ العلاءِ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن بُرَيدِ بنِ عبدِ الله بنِ أبي بُرْدةَ، عن
أبي بُرْدَ، عن أبي موسى، قال: قال رسولُ الله ◌ََّ: «مَثَلِ ومَثَلُ ما بَعَثَنِي اللهُ، كَمَثَلِ رجلٍ أنى
قوماً، فقال: رأيتُ الجيشَ بعَيني وإنّ أنا النَّذِيرُ العُرْيانُ، فالنَّجَاءَ النَّجاءَ، فأطاعَه طائفةٌ،
فأدْلَجَوا على مَهلِهِم فنَجَوْا، وكَذَّبَتْه طائفةٌ، فصَبَّحَهم الجيشُ فاجْتاحَهم)).
[طرفه في: ٧٢٨٣]
قوله: ((باب الانتهاء عن المعاصي)) أي: تركها أصلاً ورأساً، والإعراض عنها بعد الوقوع
فیھا.
ذکر فیه ثلاثة أحاديث:
الأول: قوله: ((بُرَيد)) بموخَّدةٍ وراء مُهمَلة مُصفَّر.
قوله: ((مَثَلي)) بفتح الميم والمثلَّثة، والمثَل: الصِّفة العجيبة الشَّأن يُورِدُها البليغُ على سبيل
التَّشبيه لإرادة التَّقريب والتَّفهيم.
قوله: ((ما بَعَثَني الله)) العائد محذوف، والتَّقدير: بَعَثَني الله به إليكم.
قوله: ((أتى قوماً)) التَّنكير فيه للشُّيُوع.
قوله: ((رأيتُ الجيش)) بالجيم والشّين المعجمة، واللّام فيه للعهد.

١٨٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((بعَينِي)) بالإفراد، وللكُشْمِيهني بالتَّنية بفتح النُّون والتَّشديد، قيل: ذكر العينَينِ
إرشاداً إلى أنَّه تَحَقَّقَ عنده جميع ما أخبر عنه تَحَقُّقَ مَن رأى شيئاً بعينِهِ، لا يَعتَريه وهمٌّ ولا
يخالطه شٌّ.
قوله: ((وإنّ أنا النَّذِيرُ العُزْيان)) قال ابن بَطّال: النَّذير العُريان: رجل من خَثْعَم ◌َلَ عليه
رجل يوم ذي الخَلَصة، فقَطَعَ يدَه ويد امرأته، فانصَرَفَ إلى قومه فحَذَّرَهم، فضُرِبَ به المثَل
في تحقيق الخبر.
قلت: وسَبَقَ إلى ذلك يعقوبُ بن السِّكّيت وغيره، وسَمَّى الذي حَمَلَ عليه عوفُ بن
عامر اليَشكُريّ، وأنَّ المرأة كانت من بني كنانة. وتُعقّبَ باستبعادِ تنزيل هذه القصَّة على
لفظ الحديث، لأنَّه ليس فيها أنَّه كان عُرِياناً.
وزَعَمَ ابن الكَلْبِيّ: أنَّ النَّذير العُريان امرأةٌ من بني عامر بن كعب،/ لمَّا قتل المنذِرُ بن
ماء السماء أولاد أبي داود وكان جارَ المنذِر خَشِيَت على قومها، فَرَكِبَت جملاً ولَحِقَت بهم
وقالت: أنا النَّذير العُريان.
٣١٧/١١
ويقال: أوَّل مَن قاله أبرَهُ الْحَبَشِيّ لمَّا أصابته الرَّمْية بتِهَامة ورَجَعَ إلى اليمن، وقد
سَقَطَ لحمه.
وذكر أبو بشر الآمِديّ: أنَّ زَنْبراً - بزاي ونون ساكنة ثمَّ موخَّدة - بن عَمْرو الخَتْعَميَّ
كان ناكِحاً في آل زُبَيد، فأرادوا أن يَغْزُوا قومَه وخَشُوا أن يُنذِرَ بهم، فحَرَسَه أربعة نَفَر،
فصادَفَ منهم غِرّة فقَذَفَ ثيابه وعَدا، وكان من أشدّ الناس عَدْواً فأنذَرَ قومه.
وقال غيره: الأصل فيه أنَّ رجلاً لَقِيَ جيشاً فسَلَبوه وأسَروه، فانفَلَتَ إلى قومه فقال:
إنّ رأيت الجيش فسَلَبوني، فرأوه عُرياناً فَتَحقَّقوا صِدقَه، لأنَّهم كانوا يَعرِفُونَه ولا يَتَّهمونَه
في النَّصيحة ولا جَرَت عادته بالتعرّي، فقَطَعوا بصِدقِه لهذه القرائن، فضَرَبَ النبيُّ وَلـ
لنفسِه ولما جاء به مثلاً بذلك، لما أَبْداه من الخوارق والمعجِزات الدَّالَّة على القطع بصِدِقِهِ،
تقريباً لأفهام المخاطَبين بما يألفونَه ويَعِرِفونَه.

١٨٧
باب ٢٦ / ح ٦٤٨٢
كتاب الرقاق
قلت: ويُؤيِّده ما أخرجه الرَّامَهُرمُزيّ في ((الأمثال)) (٧)، وهو عند أحمد أيضاً (٢٢٩٤٨)
بسندٍ جيِّ من حديث عبد الله بن بُرَيدة عن أبيه قال: خَرَجَ النبيُّ نَّهِ ذات يوم فنادَى
ثلاث مرَّات: ((أيّها الناس، مَثَلي ومَثَلُكُم مَثَلُ قوم خافوا عدوّاً أن يأتيَهم، فبَعَثُوا رجلاً
يَتَرايا لهم، فبينما هم كذلك إذ أبصَرَ العدوَّ، فأقبَلَ ليُنذِرَ قومَه فخَشِيَ أن يُدرِكَه العدوّ قبل
أن يُنذِرَ قومه، فأهوى بثوبِه: أيّها الناس أُتَيْتُم - ثلاث مرَّات -)). وأحسنُ ما فُشِّرَ به
الحديث من الحدیث.
وهذا كلّه يدلّ على أنَّ العُريان من التعرِّي، وهو المعروف في الرِّواية، وحكى الخطّابيُّ
أنَّ محمَّد بن خالد رواه بالموحّدة، قال: فإن كان محفوظاً فمعناه: الفصيح بالإنذار لا يَكْني
ولا يُورِّي، يقال: رجلٌ عُريان، أي: فصيح اللِّسان.
قوله: ((فالنَّجاءَ النَّجاءَ)» بالمدِّ فيهما، وبمَدِّ الأولى وقَصْر الثّانية، وبالقصرِ فيهما تخفيفاً،
وهو منصوب على الإغراء، أي: اطلُبُوا النَّجاءَ بأن تُسرِعوا الهرب، إشارة إلى أنَّهم لا
يُطيقونَ مُقاومةً ذلك الجيش.
قال الطِّييُّ: في كلامه أنواع من التَّأكیدات:
أحدها: ((بعيني))، ثانيها: قوله: ((وإنّ أنا))، ثالثها: قوله: ((العُريان)) لأنَّه الغايةُ في
قُرب العدوّ، ولأنَّه الذي يَخْتَصّ في إنذاره بالصِّدق.
قوله: ((فأطاعَه طائفة)) كذا فيه بالتَّذكير لأنَّ المراد بعض القوم.
قوله: «فأدْلَجوا)» بهمزة قطع ثمَّ سكون، أي: ساروا أوَّلَ اللَّيل أو ساروا اللَّيلَ كلّه على
الاختلاف في مدلول هذه اللَّفظة، وإمّا بالوصلِ والتَّشديد على أنَّ المراد به سَيْر آخر اللَّيل،
فلا يناسب هذا المقام.
قوله: ((على مَهَلهم)) بفتحَتَينِ والمراد به الهِينة والسُّكون، وبفتح أوَّله وسكون ثانيه:
الإمهال وليس مُراداً هنا، وفي رواية مسلم (٢٢٨٣): ((على مُهْلَتهم) بزيادة تاء تأنيث،
وضَبَطَه النَّوويّ بضمِّ الميم وسكون الهاء وفتح اللّام.

١٨٨
باب ٢٦ / ح ٦٤٨٣
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وكَذَّبَتْه طائفة)) قال الطِّييُّ: عَبَّرَ في الفِرقة الأولى بالطاعة، وفي الثّانية بالتكذيبِ
لِيُؤْذِنَ بأنَّ الطاعة مسبوقة بالتَّصديق، ويُشعِرِ بأنَّ التَّكذيب مُستَتبع للعِصْيان.
قوله: ((فصَبَّحَهم الجيش)) أي: أتاهم صباحاً، هذا أصله ثمَّ كَثُرَ استعماله حتَّى استُعمِلَ
فيمَن طَرَقَ بَغْتة في أيِّ وقت كان.
قوله: ((فاجْتاحَهم)) بجيمٍ ثمَّ حاء مُهمَلة، أي: استأصَلهم، من جُحْت الشَّيء أجُوحُه:
إذا استأصَلتَه، والاسم: الجائحة وهي الهلاك، وأُطلِقَت على الآفة لأنَّها مُهلِكة.
قال الطِّيبِيُّ: شَبَّهَ وَّ نفسَه بالرجل وإنذارَه بالعذابِ القريب بإنذار الرجل قومَه
بالجيشِ المصبِّح، وشَبَّهَ مَن أطاعَه من أمَّته ومَن عَصاه بمَن كذَّبَ الرجلَ في إنذاره ومَن
صَدَّقَه.
٦٤٨٣- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، حدَّثنا أبو الزِّنادِ، عن عبدِ الرَّحمنِ أنَّه حدَّثه،
أنَّه سمعَ أبا هريرةَ ه، أنَّه سمعَ رسولَ الله ◌ِّهِ يقول: ((إِنَّا مَثَلِي ومَثَلُ الناسِ، كمَثَلِ رجلٍ
اسْتَوْقَدَ ناراً، فلمَّا أضاءَت ما حَوْلَه، جَعَلَ الفَرَاشُ وهذه الدَّوابُّ التي تَقَعُ في النار يَقَعْنَ فيها،
فِجَعَلَ يَزَعُهُنَّ وَيَغْلِينَه فَيَقْتَحِمْنَ فيها، فأنا آخِذٌ بحُجَزِكم عن النار، وأنتم تَفَخَّمُونَ فيها)).
الحديث الثاني: حديث أبي هريرة، جَزَمَ الِزِّيّ في ((الأطراف)) بأنَّ البخاريّ ذكره في
أحاديث الأنبياء ولم يَذكُر أنَّه أورَدَه في الرِّقاق، فوجدتُه في أحاديث الأنبياء في ترجمة
سليمان عليه السلام (٣٤٢٦) لكنَّه لم يَذْكُر إلّا طَرَفاً منه، ولم أستَحِضِرِه إذ ذاكَ في الرِّقاق
فشَرَحتُه هناك، ثمَّ ظَفِرِتُ به هنا فأذكُرُ الآنَ مِن شرحه ما لم يَتقدَّم.
قوله: ((استَوْقَدَ)) بمعنى: أوقَدَ، وهو أبلَغ، والإضاءة: فرطُ / الإنارة.
٣١٨/١١
قوله: ((فلمَّا أضاءَت ما حَوْله)) اختَصَرَها المؤلِّف هناك، ونَسَبتُها أنا لتخريج أحمد
(٨١١٧) ومسلم (١٨/٢٢٨٤) من طريق همَّام، وهي في رواية شُعَيب كما تَرَى، وكأنَّه
تَبرَّكَ بلفظ الآية. ووَقَعَ في رواية مسلم: ((ما حولها)» والضَّمير للنّارِ، والأوَّل للَّذي
أو قَدَ النار، وحولُ الشَّيء: جانبُه الذي يُمكِن أن ينتقل إليه، وسُمّيَ بذلك إشارة إلى

١٨٩
باب ٢٦ / ح ٦٤٨٣
كتاب الرقاق
الدَّوَران، ومنه قيل للعام: حولٌ.
قوله: ((الفَرَاش)) جَزَمَ المازَرِيّ بأنَّهَا الْجَنادِبِ، وتَعقَّبَه عِيَاض فقال: الْجُدُب هو
الصَّرَار. قلت: والحقّ أنَّ الفَراش اسم لنوع من الطَّير مُستَقِلّ له أجنحة أكبر من جُثَّته،
وأنواعه مُخْتَلِفة في الكِبَرَ والصِّغَر، وكذا أجنِحَته، وعطفُ الدَّواب على الفَراش يُشعِر بأنَّهَا
غیر الجنادب والجراد.
وأغرَبَ ابن قُتَيبة فقال: الفَراش: ما تَهَافَتَ في النار من البَعُوض، ومُقتَضاه أنَّ بعض
البعوض هو الذي يقع في النار ويُسمَّى حينئذِ الفَراش.
وقال الخليل: الفَراش كالبَعُوض، وإِنَّمَا شَبَّهَه به لكَونِه يُلقي نفسه في النار، لا أنَّه
يشارك البعوض في القَرْص.
قوله: ((وهذه الدَّوابِ التي تقع في النار يَقَعْنَ فيها)) القول فيه كالقولِ في الذي قبله،
اختَصَرَه هناك فنسبتُه لتخريج أبي نُعيم وهو في روایة شُعَیب كما تَرَى. ويَدخُل فیما يقع في
النار البَعوضُ والبَرَغَش، ووَقَعَ في كلام بعض الشُّرّاح: البَقّ، والمراد به البَعوض.
قوله: ((فَجَعَلَ)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((وجَعَلَ))، ومن هذه الكلمة إلى آخر الحديث لم
يَذكُره المصنّف هناك.
قوله: ((فجَعَلَ الرجلُ يَزَعُهُنَّ)) بفتح النَّحتانيَّة والزّاي وضمِّ العين المهمَلة، أي: يَدفَعُهُنَّ،
وفي رواية: ((يَنزِعُهُنَّ)) بزيادة نون(١)، وعند مسلم (١٨/٢٢٨٤) من طريق همَّام عن أبي
هريرة: ((وجَعَلَ يَحِجِزُهُنَّ ويَغْلِنَه فيَتَفَخَّمنَ فيها)).
قوله: ((فَيَقْتَحِمْنَ فيها)) أي: يَدخُلنَ، وأصله القَحْم: وهو الإقدام والوقوع في الأُمور
الشّاقّة من غير تَثُبُّت، ويُطلَق على رَمي الشَّيء بغتةً، واقتَحَمَ الدَّار: هَجَمَ عليها.
قوله: («فأنا آخِذٌ)) قال النَّوويّ: رُويَ باسم الفاعل، ويُروى بصيغة المضارَعة من
المتكلِّم. قلت: هذا في رواية مسلم، والأوَّل هو الذي وَقَعَ في البخاريّ، وقال الطِّييُّ:
(١) هذه هي الرواية في النسخة اليونينية دون إشارة إلى خلاف فيها.

١٩٠
فتح الباري بشرح البخاري
الفاء فيه فصيحة، كأنَّه لمَّا قال: ((مَثَلي ومَثَل الناس ... )) إلى آخره، أتى بما هو أهمُّ وهو
قوله: ((فأنا آخِذ بحُجَزِكم))، ومن هذه الدَّقيقة التَّفَتَ من الغَيْبة في قوله: ((مَثَل الناس)»
إلى الخِطاب في قوله: ((بحُجَزِكم))، كما أنَّ مَن أخَذَ في حديث مَن له بشأنِهِ عِناية، وهو
مُشْتَغِل في شيء يورِّطه في الهلاك، يَجِدُ لِشِدّة حِرْصه على نَجَاته أنَّه حاضر عنده، وفيه
إشارة إلى أنَّ الإنسان إلى النَّذير أحوجُ منه إلى البشير، لأنَّ جِبِلَّته مائلة إلى الحظّ العاجل
دونَ الحظّ الآجِل.
وفي الحديث ما كان فيه وَّ من الرَّأفة والرّحمة والحرص على نجاة الأُمّة، كما قال
تعالى: ﴿حَرِيصُ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].
قوله: ((بحُجَزِكم)) بضمِّ المهمَلة وفتح الجيم بعدها زايٌ: جمع حُجْزة، وهي مَعِقِد
الإزار، ومن السَّراويل موضعُ التِّكّة، ويجوز ضَمُّ الجيم في الجمع.
قوله: ((عن النار)) وضَعَ المسبّب موضعَ السَّبَب، لأنَّ المراد أنَّه يَمنَعهم من الوقوع في
المعاصي التي تكون سبباً لولوچِ النار.
قوله: ((وأنتم)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((وهم)) وعليها شرح الكِرْمانيّ فقال: كان القياس
أن يقول: وأنتم، ولكنَّه قال: وهم، وفيه التِفات، وفيه إشارة إلى أنَّ مَن أخَذَ رسولُ الله ◌َئِه
بحُجْزَتِه لا اقتحام له فيها، قال: وفيه أيضاً احتراز عن مُواجَهَتهم بذلك. قلت: والرِّواية
بلفظ: ((وأنتم)) ثابتة تَدفَع هذا.
ووَقَعَ في رواية مسلم: ((وأنتم تَفَلَّونَ(١) بفتح أوَّله والفاء واللّام الثَّقيلة وأصله: تَتَفَلَّتُونَ،
وبضمِّ أوَّله وسكون الفاء وفتح اللّام، ضَبَطوه بالوجهَينِ وكلاهما صحيح، تقول: تَفَلَّتَ منّي
وأفلَتَ مِنِّي، لمن كان بيَدِك فعالَجَ الهربَ منك حتَّى هَرَبَ.
وقد تقدَّم بيان هذا التَّمثيل، وحاصله: أنَّه شَبَّهَ تَهافُت أصحاب الشَّهَوات في المعاصي
(١) لفظة: ((تفلتون)) وقعت عند مسلم (٢٢٨٥) من رواية جابر، أما رواية أبي هريرة عنده فهي مثل رواية البخاري،
وكان الأجدر أن يشرحها عند اللفظ التالي: قوله: ((وأنتم تقحمون)).

١٩١
باب ٢٦ / ح ٦٤٨٣
كتاب الرقاق
التي تكون سبباً في الوقوع في النار، بتَهافُتِ الفَراش بالوقوع في النار اتِّباعاً لشَهَواتها، وشَبَّهَ ذَّه
العُصاةَ عن المعاصي بما حَذَّرَهم به وأنذَرَهم، بذَبِّ صاحب النارِ الفراشَ عنها.
وقال عِيَاض: شَبََّ تَساقُط / أهل المعاصي في نار الآخرة بتَساقُطِ الفَراش في نار الدُّنيا. ٣١٩/١١
قوله: ((تَقَخَّمونَ فيها)) في رواية همَّام عند مسلم: ((فَيَغْلِيونّ)) النُّون مُثقَّلة، لأنَّ أصله:
فيَغْلِبونَني، والفاء سببيَّة، والتَّقدير: أنا آخِذٌ بحُجَزِكم لأُخَلِّصكم من النار، فجَعَلْتُم الغَلَبة
مُسَبَّةً عن الأخذ.
قوله: (تَقَخَّمونَ)) بفتح المثنّة والقاف والمهمَلة المشدَّدة، والأصل: تَتَفَخَّمونَ، فخُذِفَت
إحدى التاءَين.
قال الطِّييُّ: تحقيق التَّشبيه الواقع في هذا الحديث يَتَوقّف على معرفة معنى قوله:
﴿وَمَنْ يَنَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الَِّمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وذلك أنَّ حُدود الله مَحَارِمُه ونواهيه
كما في الحديث الصَّحيح: ((ألا إنَّ حِمَى الله مَحَارمُه))(١)، ورأس المحارم حُبّ الدُّنيا وزينتها
واستيفاء لَذَّتها وشَهَواتها، فشَبَّهَ وَّهِ إظهارَ تلك الحدود ببياناته الشّافية الكافية من الكتاب
والسُّنّة باستنقاذِ الرِّجال من النار، وشَبَّهَ فُشوَّ ذلك في مشارق الأرض ومَغَاربها بإضاءة تلك
النار ما حول المستَوقِد، وشَبَّهَ الناسَ وعَدَمَ مُبالاتهم بذلك البيان والكَشْف، وتَعَدّيَهم حدودَ الله
وحِرصَهم على استيفاء تلكَ اللَّذّات والشَّهَوات ومَنْعَه إيّاهم عن ذلك بأخذٍ حُجَزهم، بالفَراش
اللاتي يَقْتَحِمِنَ في النار، ويَغْلِنَ المستَوقِدَ على دفعهنَّ عن الاقتحام، كما أنَّ المستَوقِد كان غَرَضه
من فعله انتفاعَ الخلق به من الاستضاءة والاستدفاء وغير ذلك، والفراشُ لجهلِها جَعَلَته سبباً
لهلاكها، فكذلك كان القصدُ بتلك البيانات، اهتداءَ الأُمّة واجتنابها ما هو سبب هلاكهم، وهم
مع ذلك لجهلِهِم جَعَلوها مُقْتَضيةً لتَرَدّيهم.
وفي قوله: ((آخِذٌ بحُجَزِكم)) استعارة، مثَّل حالة مَنِعِه الأُمّة عن الهلاك بحالة رجل أخَذَ
بحُجزة صاحبه الذي یکاد يهوي في مَهواة مُهلِكة.
(١) سلف برقم (٥٢).

١٩٢
فتح الباري بشرح البخاري
الحديث الثالث:
٦٤٨٤ - حدَّثنا أبو نُعَيم، حذَّثنا زكريًّا، عن عامٍ، قال: سمعتُ عبدَ الله بنَ عَمرٍو يقول: قال
النبيُّ ◌َّ: ((المسلمُ مَن سَلِمَ المسلمونَ من لسانِهِ ويَدِه، والمهاجِرُ مَن هَجَرَ ما نَى اللهُ عنه)).
قوله: ((زكريّا)) هو ابن أبي زائدة، وعامر: هو الشَّعبيّ.
قوله: ((المسلم)) تقدَّم شرحه في أوائل كتاب الإيمان (١٠).
قوله: ((والمهاجِر مَن هَجَرَ ما نَهَى الله عنه)) قيل: خُصَّ المهاجر بالذِّكرِ تَطيباً لقلبٍ مَن لم يُهاجِر
من المسلمينَ لفَوَاتِ ذلك بفتحِ مَّة، فأعلمَهم أنَّ مَن هَجَرَ ما نهى الله عنه، كان هو المهاجِرَ
الكاملَ، ويحتملُ أن يكونَ ذلك تنبيهاً للمُهاجِرِينَ أن لا يَتَّكِلوا على الهجرة فيُقصِّروا في العمل.
وهذا الحديث من جَوَامع الكَلِم التي أُوتِيَهَا وَِّ، والله أعلم.
٢٧ - باب قول النبيّ ◌ُّ: ((لو تعلمون ما أعلمُ
لضحكتم قليلاً ولبکیتم کثیراً»
٦٤٨٥ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهابٍ، عن سعيدِ بنِ
المسيّبِ: أنَّ أبا هريرةَ ﴾ كان يقول: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((لو تعلمون ما أعلمُ، لَضَحِكْتُم
قليلاً وَبَگیتُم کثیراً)).
[طرفه في: ٦٦٣٧]
٦٤٨٦ - حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن موسى بنِ أنسٍ، عن أنسٍ ﴾، قال:
قال النبيُّ ◌َّ: ((لو تعلمونَ ما أعلمُ، لَضَحِكْتُم قليلاً ولَبَكَيْتُم كثيراً».
قوله: ((باب قول النبيّ وَّ: لو تعلمون ما أعلمُ ... )) إلى آخره، ذكر فيه حديث أبي هريرة
بلفظ التَّرجمة.
وقوله: ((عن سعيد بن المسيّب)) في رواية حَجّاج بن محمَّد عن اللَّيث بسندِه: أخبرني سعيد،
وحديث أنس كذلك، وهو طَرَف من حديثٍ تقدَّم في تفسير المائدة (٤٦٢١)، ويأتي شرحُه

١٩٣
باب ٢٨ / ح ٦٤٨٧
كتاب الرقاق
في كتاب الاعتصام (٧٢٩٤) إن شاء الله تعالى، والمراد بالعلم هنا: ما يَتَعلَّقُ بعَظَمة الله وانتقامه
مَمَّن يَعْصِيهِ، والأهوال التي تَقَعُ عند النَّرْع والموت وفي القبر ويومَ القيامة، ومُناسَبة كَثْرة البُكاء
وقِلّة الضَّحِك في هذا المقام واضحةٌ، والمراد به التَّخويف.
وقد جاء لهذا الحديث سببٌ أخرجه سُنَيد في ((تفسيره)) بسندٍ / واهٍ، والطبرانيُّ عن ابن ٣٢٠/١١
عمر: خَرَجَ رسول الله وَّةٍ إلى المسجد فإذا بقوم يَتَحدَّثونَ ويَضحَكونَ، فقال: ((والذي
نفسي بيَدِه)) فذكر هذا الحديثَ(١).
وعن الحسن البصريّ: مَن علم أنَّ الموت مَورِدُه، والقيامةَ مَوعِدُه، والوقوفَ بين يَدَي الله
تعالى مَشْهَدُه، فحَقُّه أن يَطُولَ في الدُّنيا حزنُه.
قال الكِرْمانيُّ: في هذا الحديث من صِناعة البَديع مُقَابَلةُ الضَّحِكِ بالبُكاء، والقِلّة بالكَثْرة،
ومُطابقةُ كلٍّ منهما.
٢٨ - بابٌ حُجِبت النار بالشّهوات
٦٤٨٧ - حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ،
أنَّ رسولَ الله ◌ٍِّ قال: ((حُجِبَتِ النارُ بِالشَّهَواتِ، وَحُجِبَتِ الجنَّةُ بالمَکارِهِ».
قوله: ((بابٌ حُجِبَتِ النارُ بِالشَّهَوات)) كذا للجميع، ووَقَعَ عند أبي نُعَيم: ((حُفَّت)) بدلَ
((حُجِبَت)) أي: غُطّيَت بها، فكانت الشَّهَواتُ سبباً للوقوع في النار.
قوله: ((حدَّثنا إسماعيل)» هو ابن أبي أُويسٍ.
قوله: ((حدَّثني مالك)) هذا الحديث ليس في ((الموطَّأ))، وقد ضاقَ على الإسماعيليّ مَرَجُه
(١) بنحو ما أورده الحافظ أخرجه ابن حبان (١١٣) و(٣٥٨) من حديث أبي هريرة نفسه قال: مرَّ
رسول الله وَيقر على رهط من أصحابه يضحكون، فقال: ((لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً
ولبكيتم كثيراً» فأتاه جبريل فقال: ((إن الله يقول لك: لمَ تُقنِّط عبادي؟ فقال: فرجع إليهم وقال:
سدِّدوا وأبشروا))، وإسناده قوي، وقد أشار إليه الحافظ وخرّجه من ابن حبان في شرحه على حديث
عائشة السالف برقم (٦٤٦٧).

١٩٤
باب ٢٨ / ح ٦٤٨٧
فتح الباري بشرح البخاري
فأخرجه عن الهيثم بن خَلَف عن البخاريّ، وأخرجه أبو نُعَيم من وجه آخر عن إسماعيل،
وأخرجه الدَّارَقُطنيُّ في ((الغرائب)) من رواية إسماعيلَ، ومن طريق سعيد بن داود
وإسحاق بن محمَّد الفَرْويّ أيضاً عن مالك، وأخرجه أيضاً من رواية عبد الله بن وَهْبٍ
عن مالك به لكن وَقَفَه.
قوله: ((عن أبي الزِّنادِ)) في رواية سعيد بن داود: أخبرنا أبو الزّناد.
قوله: ((عن الأعرج، عن أبي هريرة» في رواية سعيد بن داود: أنَّ عبد الرَّحمن بن هُرمُزَ
أخبره أنَّه سمع أبا هريرة يقول.
قوله: ((حُجِبَت)) كذا للجميع في الموضعين إلّ الفَرْويّ فقال: ((حُفَّت)) في الموضعين،
وكذا هو عند مسلم (٢٨٢٣) من رواية وَرْقاءَ بن عمر عن أبي الزناد، وكذا أخرجه مسلم
(٢٨٢٢) والتِّرمِذيّ (٢٥٥٩) من حديث أنس.
وهو من جَوَامع كَلِمِهِ وَّهِ وبديع بَلاَتِهِ فِي ذَمِّ الشَّهَوات وإن مالَت إليها النُّفُوس،
والحضِّ على الطاعات وإن كَرِهَتها النُّوسُ وشَقَّ عليها.
وقد وَرَدَ إيضاحُ ذلك من وجهٍ آخر عن أبي هريرة، فأخرج أبو داود (٤٧٤٤)
والتِّرمِذيّ (٢٥٦٠) والنَّسائيُّ (٣٧٦٣) وابن حِبّان (٧٣٩٤) والحاكم (٢٦/١ و٢٧) من
وجه آخر عن أبي هريرة رَفَعَه: «لمَّا خَلَقَ الله الجنَّةَ والنارَ أرسَلَ جِبْرِيل إلى الجنَّة فقال:
انظر إليها، قال: فَرَجَعَ إليه، فقال: وعِزَّتِك لا يسمعُ بها أحدٌ إلّا دَخَلَها، فأمَرَ بها فحُفَّت
بالمكاره، فقال: ارجِعْ إليها، فَرَجَعَ فقال: وعِزَّتِك لقد خِفتُ أن لا يَدخُلَها أحدٌ، قال:
اذهب إلى النار فانظر إليها، فَرَجَعَ فقال: وعِزَّتِك لا يسمعُ بها أحدٌ فيَدخُلَها، فأمَرَ بها
فحُفَّت بالشَّهَوات، فقال: ارجِعْ إليها، فرَجَعَ فقال: وعِزَّتِك لقد خَشِيتُ أن لا يَنجُوَ
منها أحد)».
فهذا يُفسِّرُ رواية الأعرَج، فإنَّ المراد بالمكاره هنا: ما أُمِرَ المكلَّفُ بمُجاهَدة نفسِه فيه
فِعلاً وتَركاً، كالإتيان بالعبادات على وجهها والمحافظة عليها واجتناب المنهيّات قولاً وفعلاً،

١٩٥
باب ٢٨ / ح ٦٤٨٧
كتاب الرقاق
وأطلق عليها المكاره لمَشَقَّتِها على العامل وصُعوبَتِها عليه، ومَن ◌ُملَتها الصَّبرُ على المصيبة
والتَّسليمُ لأمرِ الله فيها، والمراد بالشَّهَوات: ما يُستَلَذُّ من أُمور الدُّنيا ممّا مَنَعَ الشَّرع من
تعاطيه، إمّا بالأصالة وإمّا لِكَوْن فعلِه يَستَلِمُ تركَ شيءٍ من المأمورات، ويلتحقُ بذلك
الشُّبُهاتُ والإكثارُ ممَّا أُبِيحَ خَشْيَةَ أن تُوقِعَ في المحرَّم، فكأنَّه قال: لا يُوصَلُ إلى الجنَّة إلّا
بارتكابٍ المشَقّات المعبَرِ عنها بالمكروهات، ولا إلى النار إلّا بتعاطي الشَّهَوات، وهما
محجوبَتان، فمَن هَتَكَ الحِجابَ اقتَحَم. ويحتمل أن يكون هذا الخبرُ وإن كان بلفظ الخيرِ
فالمراد به النَّهيُ.
وقوله: ((حُفَّت)) بالمهمَلة والفاء: من الحِفَاف، وهو ما يُحيط بالشَىءٍ حَتَّى لا يُتوصَّل
إليه إلّا بِتَخَطّيه، / فالجنَّةُ لا يُتوصَّل إليها إلّا بقطع مَفاوِزِ المكاره، والنار لا يُنجَى منها إلّا ٣٢١/١١
بِتَركِ الشَّهَوات.
وقال ابن العربيّ: معنى الحديث: أنَّ الشَّهَوات جُعِلَت على حِفاقَي النار وهي جَوانِبُها،
وتَوهَّمَ بعضُهم أنَّهَا ضُرِبَ بها المِثلُ فجَعَلَها في جوانبها من خارج، ولو كان ذلك ما كان
، فمَن الطَّلَعَ
الشهوات
المكاره
مثلاً صحيحاً، وإنَّما هي من داخل، وهذه صورتُها:
الحِجَابَ فقد وافَعَ ما وراءَه، وكلّ مَن تَصَوَّرَها من خارج فقد ضَلَّ عن معنى الحديث. ثمَّ
قال: فإن قيل: فقد جاء في البخاريّ: ((حُجِبَتِ النارُ بالشَّهَوات) فالجواب: أنَّ المعنى واحدٌ، لأنَّ
الأعمَى عن التَّقوى الذي قد أخَذَتِ الشَّهَواتُ سمعَه وبَصَرَه يراها ولا يرى النار التي هي فيها،
وذلك لاستيلاءِ الجَهالة والغَفْلة على قلبِهِ، فهو كالطائر يرى الحَبَّ في داخلِ الفَخِّ وهي محجوبةٌ
به ولا يرى الفَخَّ لغَلَبة شهوة الحَبّة على قلبِه وتَعلَّقِ بالِه بها.
قلت: بالَغَ كعادتِه في تضليلٍ مَن حَمَلَ الحديثَ على ظاهره، وليس ما قاله غيرُه ببعيدٍ،
وأنَّ الشَّهَوات على جانبِ النار من خارج، فمَن واقَعَها وخَرَقَ الِحِجابَ دخل النار، كما أنَّ
الذي قاله القاضي مُتَمَلٌ، والله أعلم.
تنبيه: أدخَلَ ابن بَطّالٍ في هذا الباب حديثَي الباب الذي بعده، وحَذَفَ التَّرجمةَ التي

١٩٦
باب ٢٩ / ح ٦٤٨٨-٦٤٨٩
فتح الباري بشرح البخاري
تلیه وهي ثابتةٌ في جميع الأصول، وفيها الحديثان، وليس في الذي قبلها إلّا حديث أبي
هريرة.
٢٩ - بابٌ الجنّةُ أقرب إلى أحدكم من شِرَاك نعله،
والنار مثل ذلك
٦٤٨٨ - حذَّثني موسى بنُ مسعودٍ، حدَّثنا سفيانُ، عن منصورٍ والأعمَشِ، عن أبي وائلٍ،
عن عبدِ الله ◌ُ، قال: قال النبيُّ وَّ: ((الجنَّةُ أقرَبُ إلى أحدِكم من شِرَاكِ نَعْلِهِ، والنارُ مِثلُ
ذلك)».
٦٤٨٩ - حدَّثني محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدّثنا غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن عبدِ الملِكِ بنِ عُمَيرٍ، عن
أبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَ لِّ، قال: «أصدَقُّ بيتٍ قاله الشّاعرُ:
ألا كلُّ شيءٍ مَا خَلَ اللهَ بَاطِلُ))
قوله: ((بابٌّ الجنَّةُ أقرَبُ إلى أحدِكم من شِراكِ نَعْلِهِ)) هذه التَّرجمةُ حَذَفَها ابن بَطّال، وذكر
الحديثَيْنِ اللَّذَينِ فيها في البابِ الذي قبلها، والمناسَبةُ ظاهرةٌ لكن الذي ثَبَتَ في الأُصول
التَّعْرِقَةُ.
الحديث الأول: قوله: ((حدَّثْنا موسى بن مسعود)) هو أبو حُذيفةَ النَّهْديُّ، وهو بگنْتِه أشھَر،
وسفيان شيخه: هو الثَّوْريّ، وعبد الله: هو ابن مسعود، والسَّنَدُ كلُّه كوفيّونَ.
قوله: ((شِرَاك)) تقدَّم ضبطُه وبيانُه في أواخرِ كتابِ اللِّباس(١)، وأنَّه السَّيرُ الذي يَدخُل
فيه إصبَعُ الرِّجل، ويُطلَق أيضاً على كلّ سَيرٍ وُقِيَ به القَّدَم.
قال ابن بَطّال: فيه أنَّ الطاعةَ مُوصِلةٌ إلى الجنَّة، وأنَّ المعصيةَ مُقرِّبةٌ إلى النار، وأنَّ الطاعةً
والمعصية قد تكون في أيسَر الأشياء.
وتقدَّم في هذا المعنى قريباً (٦٤٧٧) حديثُ: ((إِنَّ الرجل لَيتكلَّمُ بالكلمة)) الحديث،
(١) عند شرح الحديث (٥٨٥٥) في «باب لا يمشي في نعل واحدة)).

١٩٧
باب ٢٩ / ح ٦٤٨٩
كتاب الرقاق
فينبغي للمَرءِ أن لا يَزهَدَ في قليلٍ من الخير أن يأتيَه، ولا في قليلٍ من الشرِّ أن يَجْتِبَه، فإنَّه لا
يَعلَمُ الحسنةَ التي يرحُه الله بها، ولا السَّيِّئَةَ التي يَسخَطُ عليه بها. وقال ابنُ الجَوْزيّ: معنى
الحديث: أنَّ تحصيلَ الجنَّة سهلٌ بتصحيح القصدِ وفِعْل الطاعة، والنار كذلك بمُوافَقة
الهوى وفعل المعصية.
الحديث الثاني: حديث أبي هريرة، وقد / تقدَّم في أوائل السِّيرة النبويَّة (٣٨٤١) وفي ٣٢٢/١١
الأدب (٦١٤٧).
قوله: (أصدَقُ بيتٍ)) أطلقَ البيتَ على بعضِه مجازاً، فإنَّ الذي ذكره نصفُه وهو المِصراعُ
الأوَّل المسَمَّى عَرُوض البيت، وأمَّا نصفُه الثّاني وهو المسمَّى بالضَّرْب فهو:
وكلُّ نعيمٍ لا محالةَ زائلٌ
ويحتملُ أن يكون على سبيل الاكتِفاء، فأشارَ بأوَّل البيت إلى بَقيَّتِه والمرادُ كلُّه، وعكسُه
ما مضى في ((باب ما يجوزُ من الشِّعرِ)) في كتابِ الأدبِ بلفظ: ((أصدَقُ كلمةٍ))، فإنَّ المراد بها
القَصيدةُ، وقد أطلقَها وأراد البيتَ.
وتقدَّم شرح هذا الحديث في أيام الجاهليَّة (٣٨٤١)، وأورَدَه فيها أيضاً بلفظ:
((أصدَقُّ كلمةٍ)) وهو المشهور، وذكرتُ هناك أنَّ في رواية شَرِيكٍ عند مسلم (٢٢٥٦)
بلفظ: ((أشعَرُ كلمةٍ تَكلَّمَت بها العرب)» وبَحثُ السُّهَيلِّ في ذلك، وذكرتُ أيضاً ما أورَدَه
ابن إسحاقَ في ((السِّيرة)) فيما جَرَى لعثمانَ بن مَظعُونٍ مع لَبِيدِ بن ربيعةَ ناظِمِ هذا البيت،
حيثُ قال له لمَّا أنشَدَ المِصراعَ الأوَّلَ: صَدَقتَ، ولمَّا أنشَدَ المِصراعَ الثّانيَ: كَذَبتَ، ثمَّ
قال له: نعيمُ الجنَّة لا يزول، وذكرتُ توجيهَ كلّ من الأمرَين، وأنَّ كلَّ مَن صَدَّقَ بأنَّ ما
خَلَا اللهَ باطلٌ، فقد صَدَّقَ بُيُطْلان ما سواه، فيَدخُل نعيمُ الجنَّة، بما حاصلُه: أنَّ المراد
بالباطلِ هنا الهالك، وكلُّ شيءٍ سوى الله جائزٌ عليه الفَناءُ، وإن خُلِقَ فيه البَقَاءُ بعد ذلك
كنعيمِ الجنَّة، والله أعلم.
وقال ابن بَطّال هنا: قوله: ((ما خَلَا اللّهَ باطل)) لفظٌ عامٌ أُريدَ به الخُصوص، والمراد أنَّ

١٩٨
باب ٣٠ / ح ٦٤٩٠
فتح الباري بشرح البخاري
كلّ ما قَرُبَ من الله فليس بباطلٍ، وأمَّا أُمورُ الدُّنيا التي لا تَؤولُ إلى طاعة الله فهي الباطِلُ.
انتهى، ولعلَّ الأوَّلَ أَولى.
تنبيه: مُناسَبةُ هذا الحديث الثّاني للتَّرجمة خَفيَّةٌ، وكأنَّ التَّرجمة لمَّا تَضَمَّنَت ما في
الحديث الأوَّل من التَّحريض على الطاعة ولو قَلَّت، والزَّجر عن المعصية ولو قَلَّت، أنَّ (١)
مَن خالَفَ ذلك إِنَّا يُخالفُه لرغبةٍ في أمر من أُمور الدُّنيا، وكلّ ما في الدُّنيا باطلٌ كما صَرَّحَ
به الحديثُ الثّاني، فلا ينبغي للعاقل أن يُؤثِّرَ الفانيَ على الباقي.
٣٠- بابٌ ليَنظُر إلى من هو أسفل منه ولا ينظر
إلى مَن هو فوقه
٦٤٩٠ - حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ،
عن رسولِ الله وَ ﴿، قال: ((إذا نظرَ أحدُكم إلى مَن فُضِّلَ عليه في المال والخَلْقِ، فَلْيَنظُرُ إلى مَن
هو أسفَلَ منه)).
قوله: ((بابٌ لِيَنظُرُ إلى مَن هو أسفَلَ منه، ولا يَنظُرُ إلى مَن هو فوقَه)) هذا لفظُ حديثٍ
أخرجه مسلمٌ (٩/٢٩٦٣) بنحوِه من طريق الأعمَش عن أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ:
((انظُرُوا إلى مَن هو أسفَلَ منكم، ولا تَنظُرُوا إلى مَن هو فوقَكم)).
قوله: «حدّثنا إسماعيل) هو ابن أبي أُويسٍ.
قوله: ((عن أبي الزناد) في رواية ابن وهب عن مالك: حدَّثني أبو الزّناد، أخرجه الدَّارَقُطنيُّ في
((الغرائب)).
قوله: ((عن الأعرج)) في رواية سعيد بن داود عن مالك: حدَّثني أبو الزِّناد أنَّ
عبد الرّحمن بن هُرمُز أخبَرَه أنَّه سمعَ أبا هريرة، أخرجه الدَّارَ قُطنيُّ أيضاً، وضاقَ مَرَجُه
على أبي نُعَيم فأخرجه من طريق القاسم بن زكريّا عن البخاريّ، وأخرجه الإسماعيلُّ من
(١) في (س): فيفهم أن، بزيادة ((فيفهم)).

١٩٩
باب ٣٠ / ح ٦٤٩٠
كتاب الرقاق
طريق حُميدٍ بن قُتَيبةَ عن إسماعيل، والدَّارَ قُطنيُّ من وجهَينِ عن إسماعيل.
قوله: ((إذا نظرَ أحدُكم إلى مَن فُضِّلَ)) بالفاءِ والمعجَمة على البناء للمجهول.
قوله: ((في المال والخَلْقِ)) بفتح الخاء، أي: الصّورة، ويحتمل أن يَدخُلَ في ذلك الأولادُ
والأتباعُ وكلُّ ما يَتَعلَّقُ بزينة الحياة الدُّنيا، ورأيته في نسخةٍ مُعتمَدةٍ من ((الغرائب))
للدّارَ قُطْنيّ: ((والخُلُقَ)) بضمِّ الخاءِ واللّام.
قوله: ((فلْيَنظُرُ إلى مَن هو أسفَلَ منه)) في رواية عبد العزيز بن يحيى عن مالك: «فليَنظُر
إلى مَن تحته)) أخرجه الدَّارَ قُطنُّ أيضاً. ويجوزُ في ((أسفَلَ)) الرَّفعُ والنَّصبُ، والمرادُ بذلك ما
يَتَعلَّقُ بالدُّنيا.
قوله: ((ممَّن فُضِّلَ عليه)) كذا ثَبَتَ في آخر هذا الحديث/ عند مسلم (٨/٢٩٦٣) من ٣٢٣/١١
طريق المغيرة بن عبد الرَّحمن عن أبي الزِّناد، وكذا ثَبَتَ لمالكِ الذي أخرجه البخاريّ من
طريقه عند الدَّارَقُطنيِّ من رواية سعيد بن داود عنه بسندٍ صحيحٍ، وزاد مسلم من طريق
أبي صالح المذكورة: ((فهو أجدَرُ أن لا تَزِدَرُوانِعمةَ الله عليكم)) أي: هو حقيقٌ بعَدَمِ الازدِراء،
وهو افتِعالٌّ من: زَرَيتُ عليه وأزرَيتُ به: إذا تَنقَّصتُه.
وفي معناه ما أخرجه الحاكم (٣١٢/٤) من حديث عبد الله بن الشِّخّير رَفَعَه: ((أقِلُّوا
الدُّخولَ على الأغنياء، فإنَّه أحرَى أن لا تَزِدَرُوا نِعمةَ الله)».
قال ابن بَطّال: هذا الحديثُ جامعٌ لمعاني الخير، لأنَّ المرءَ لا يكون بحالٍ تتعلَّق بالدِّينِ
من عبادة رَبِّه مُجْتَهِداً فيها، إلّا وَجَدَ مَن هو فوقَه، فمَتَى طَلَبَت نفسُه اللَّحاقَ بهِ اسْتَقْصَرَ
حالَه، فيكون أبداً في زيادةٍ تُقرِّبُه من رَبّه، ولا يكون على حالٍ خَسيسةٍ من الدُّنيا، إلّا وَجَدَ
من أهلِها مَن هو أخَسُّ حالاً منه، فإذا تَفَكَّرَ في ذلك عَلِمَ أنَّ نِعمةَ الله وَصَلَت إليه دونَ
كثيرٍ ممَّن فُضِّلَ عليه بذلك من غير أمرٍ أَوْجَبَه، فيُلزِمُ نفسَه الشُّكرَ، فَيَعظُمُ اغتباطُه بذلك في
مَعادِهِ.
وقال غيرُه: في هذا الحديث دَواءُ الدَّاء، لأنَّ الشَّخص إذا نظرَ إلى مَن هو فوقَه، لم يأمَنْ

٢٠٠
باب ٣١ / ح ٦٤٩١
فتح الباري بشرح البخاري
أن يُؤَثِّرَ ذلك فيه حَسَداً، ودواؤه أن يَنظُرَ إلى مَن هو أسفَل منه ليكونَ ذلك داعياً إلى
الشُّكر. وقد وَقَعَ في نسخة عَمْرو بن شُعَيب عن أبيه عن جَدِّه رَفَعَه قال: ((خَصْلَتان مَن
كانتا فيه، كَتَبَه الله شاكراً صابراً: مَن نظرَ في دُنياه إلى مَن هو دونَه، فحَمِدَ اللهَ على ما فضَّلَه
به عليه، ومَن نظرَ في دينه إلى مَن هو فوقَه فاقتَدَى به، وأمَّا مَن نظرَ في دُنياه إلى مَن هو فوقَه
فَأَسِفَ على ما فاتَه، فإنَّه لا يُكتَبُ شاكراً ولا صابراً)(١).
٣١ - باب من همَّ بحسنةٍ أو بسيّئَّةٍ
٦٤٩١ - حدَّثنا أبو مَعْمَرٍ، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، حدَّثنا جَعْدُ بنُ دِينارٍ، حدَّثنا أبو رَجاءٍ
العُطَارِدِيُّ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، عن النبيِّ وَِّ فيما يَرْوي عن رَبِّه عزَّ وجلَّ، قال:
قال: ((إنَّ اللهَ كَتَبَ الحسناتِ والسَّيِّئَات، ثمَّ بيَّن ذلك، فمَن هَمَّ بحسنةٍ فلم يَعمَلْها، كتبها الله
له عنده حسنةً كامِلةً، فإن هو هَمَّ بها فعَمِلَها، كَتَبَها الله له عندَه عَشْرَ حَسَناتٍ، إلى سبعٍ مئةِ
ضِعْفٍ، إلى أضْعافٍ كثيرةٍ، ومَن هَمَّ بسَيِّةٍ فلم يَعمَلْها، كَتَبَها الله له عنده حسنةً کامِلةً، فإن
هو هَمَّ بها فعَمِلَها، كَتَبَها الله له سَيِّةً واحدةً».
قوله: ((باب مَن هَمَّ بحسنةٍ أو بسيِّئَةٍ)) الهُمُّ: ترجيحُ قَصْدِ الفعل، تقولُ: هَمَمتُ بكذا،
أي: قَصَدْتُهُ بِهِمَّتي، وهو فوقَ مُجرَّدِ خُطورِ الشَّيءٍ بالقلب.
قوله: ((حدَّثنا أبو مَعْمَر)) هو عبد الله بن عَمْرو بن الحجّاجِ المِنْقَريّ، بكسر الميم وسكون
النُّون وفتح القاف وعبد الوارث: هو ابن سعيد، والسَّنَد كلّه بصريّونَ، وجعْد ابن دینار
تابعيٌّ صغيرٌ، وهو الجَعْدُ أبو عثمان الراوي عن أنسٍ في أواخر النَّفَقات (٥١٦٣) وفي
غيرها (٥٤٥٠).
قوله: ((عن ابن عبّاس)) في رواية الحسن بن ذَكْوانَ عن أبي رَجَاء: حدَّثني ابن عبّاس،
أخرجه أحمد (٢٠٠١).
(١) أخرجه الترمذي (٢٥١٢) من هذا الطريق، وراويه عن عمرو بن شعيب هو المثنَّى بن الصبَّاح، وهو
ضعيف الحديث.