النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ كتاب الرقاق الغِنَى غِنَى النَّفس كما تقدَّم تقريرُه (١). وقوله: ((ومَن يَتَصَبَّرْ)) أي: يُعالج نفسه على ترك السُّؤال، ويَصبِر إلى أن يَحَصُّل له الرِّزق. وقوله: ((يُصَبِّرْه الله)) أي: فإنَّه يُقوِّيه ويُمَكِّنه من نفسه، حتَّى تنقادَ له ويُذْعِن لتَحَمُّلِ الشِّدّة، فعند ذلك يكون الله معه فيُظْفِرِه بمطلوبِهِ. وقال ابن الجَوْزيّ: لمَّا كان التَّعفُّف يقتضي سَتْر الحال عن الخلق وإظهار الغِنَى عنهم، فيكون صاحبه مُعامِلاً لله في الباطن، فيقع له الرِّبح على قَدْر صَدْقه في ذلك، وإنَّما جُعِلَ الصَّبر خيرَ العطاء لأنَّه حَبسُ النَّفْس عن فعل ما تُحِبّه، وإلزامها بفعل ما تكره في العاجل مَّا لو فَعَلَه أو تَرَكَه لَتْأَذَّى به في الآچِل. وقال الطِّيبُّ: معنى قوله: ((مَن يَستَعِفِفْ يُعِفَّه / الله)) أي: إن عَفَّ عن السُّؤال ولو لم ٣٠٥/١١ يُظهِر الاستغناء عن الناس، لكنَّه إن أُعطِيَ شيئاً لم يَترُكه، يَملأ الله قلبه غِنَّى بحيثُ لا يحتاج إلى سؤال، ومَن زاد على ذلك فأَظهَرَ الاستغناء والصبر (٢) ولو أُعطِيَ لم يَقبَل، فذاكَ أرفعُ درجةً، فالصَّبر جامع لمكارم الأخلاق. وقال ابن التِّين: معنى قوله: ((يُعفَّه الله)): إمّا أن يَرْزُقه من المال ما يَستَغني به عن السُّؤال، وإمّا أن يَرْزُقه القناعة، والله أعلم. الحديث الثاني: حديث المغيرة. ٦٤٧١ - حدَّثْنا خَلّادُ بنُ يحيى، حدَّثْنا مِسعَرٌ، حدَّثنا زيادُ بنُ عِلَاقَةَ، قال: سمعتُ المغيرةَ ابنَ شُعْبةَ يقول: كان النبيُّ ◌َ﴿ يُصَلّي حَتَّى تَرِمَ - أو تَنَفِخَ - قَدَماهُ، فيقالُ له، فيقولُ: ((أَفَلا أكونُ عبداً شَكُوراً؟)). قوله: ((حتَّى تَرِمَ)) بكسر الرَّاء. (١) في الباب رقم (١٥) من هذا الكتاب: باب الغنى غنى النفس. (٢) هكذا في (أ)، وفي (ع): وتصبَّر، وفي (س): فتصبَّ، وكله صحيح. ١٦٢ فتح الباري بشرح البخاري وقوله: ((أو تَنتَفِخ)) شٌَّ من الراوي وهو بمعناه. وقوله: ((فیقال له)) القائل له ذلك عائشة. قوله: ((أفلا أكون عبداً شَكُوراً؟)) تقدَّم شرحه مع شرح بقيَّة الحديث مُستَوفَّى في أوائل أبواب التَّهجُّد (١١٣٠). ووجه مُناسَبته للتَّرجمة: أَنَّ الشُّكر واجبٌ وتَرْك الواجب حرام، وفي شَغْلِ النَّفْس بفعلِ الواجب صبرٌ عن فعل الحرام. والحاصل: أنَّ الشُّكر يَتَضَمَّن الصَّبر على الطاعة والصَّبر عن المعصية، قال بعض الأئمَّة: الصَّبر يَستَلِمِ الشُّكرَ، لا يَتِمّ إلّ به، وبالعكس فمتى ذهب أحدُهما ذهب الآخر، فمَن كان في نِعْمة فقَرْضُه الشُّكر والصَّبر، أمَّا الشُّكر فواضح، وأمَّا الصَّبر فعن المعصية، ومَن كان في بَليَّة فَرضُه الصَّبر والشُّكر، أمَّا الصَّبر فواضح، وأمَّا الشُّكر فالقيام بحَقِّ الله عليه في تلك البَليَّة، فإنَّ لله على العبد عُبوديّة في البلاء، كما له عليه عُبوديَّة في النَّعماء. ثمَّ الصَّبر على ثلاثة أقسام: صبر عن المعصية فلا يَرتَكِبُها، وصبر على الطاعة حتَّى يُؤَدّیَها، وصبر على البليَّة فلا يَشكُو رَبَّه فيها، والمرء لا بدَّله من واحدة من هذه الثلاث، فالصَّبر لازِمٌ له أبداً لا خروج له عنه، والصَّبر سبب في حصول كلّ کمالٍ، وإلى ذلك أشارَ أَالر بقوله في الحديث الأوَّل: ((إنَّ الصَّبر خيرٌ ما أُعطيَه العبدُ)). وقال بعضهم: الصَّبر تارةً يكون لله، وتارةً يكون بالله، فالأوَّل: الصّابر لأمرِ الله طلباً لمرضاتِه، فَيَصبِر على الطاعة ويَصبِر عن المعصية، والثّاني: المفَوِّض لله بأن يَبرَأ من الحَوْل والقوّة، ويُضيف ذلك إلى رَبِّه. وزاد بعضهم: الصَّبر على الله: وهو الرِّضا بالمقدور، فالصَّبر لله يَتَعلَّق بإلاهِيَّتِه ومَبَّته، والصَّبر به يَتَعلَّق بمَشيئِه وإرادته، والثّالث: يَرجِع إلى القسمَينِ الأوَّلَينِ عند التَّحقيق، فإنَّه لا يَخْرُج عن الصَّيرِ على أحكامه الدّينَيَّة: وهي أوامره ونَواهِيه، والصَّيرِ على ابتلائه: وهو أحكامه الكَونِيَّة، والله أعلم. ١٦٣ باب ٢١ / ح ٦٤٧٢ كتاب الرقاق ٢١ - باب ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] قال الرَّبیعُ بنُ ئیم: مِن كلِّ ما ضاقَ على الناس. ٦٤٧٢- حدَّثني إسحاقُ، حدَّثْنَا رَوْحُ بنُ عُبادةَ، حدَّثنا شُعْبةُ، قال: سمعتُ حُصَينَ بنَ عبدِ الرَّحمنِ، قال: كنتُ قاعداً عندَ سعيدِ بنِ جُبَيٍ فقال: عن ابنِ عبّاسٍ، أنَّ رسولَ الله وَه قال: ((يَدخُلُ الجنَّةَ من أمتي سبعون ألفاً بغيرِ حِسابٍ، همُ الَّذِينَ لا يَستَرِقُونَ، ولا يَتَطَيَّرونَ، وعلى رَبِّهِم يَتَوَكَّلونَ)). قوله: ((بابٌ ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُّهُ﴾﴾) استعملَ لفظ الآية ترجمةً لتَضَمُّنِها الَّرغيب في التَّوكُّل، وكأنَّه أشارَ إلى تقييد ما أُطلِقَ في حديث الباب قبلَه، وأنَّ كلَّ من الاستغناء والتَّصَبُّر والتَّعفُّف إذا كان مقروناً بالتَّوكُّلِ على الله، فهو الذي يَنفَع ويَنْجَع. وأصل التَّوكُّل: الوُكُول، يقال: وَكَلتُ أمري إلى فلان، أي: ألجأْتُه إليه واعتَمَدتُ فيه عليه، ووَكَلَ فلانٌ فلاناً: استَكفاه أمرَه ثقةٌ بكِفايتِهِ. والمراد بالتَّوكُّل: اعتقادُ ما دَلَّت عليه هذه الآية ﴿وَمَا مِن دَآبَةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦]، وليس المراد به تَركَ التَّسَبُّب والاعتماد على ما يأتي من المخلوقينَ، لأنَّ ذلك قد يَجُرّ إلى ضِدّ ما يراه من التَّوكُّل. وقد سُئلَ أحمد عن رجل جَلَسَ في بيته أو في المسجد، وقال: لا أعمَلُ شيئاً حتَّى/ يأتيني ٣٠٦/١١ رزقي، فقال: هذا رجل جَهِلَ العلمَ، فقد قال النبيّ ◌ََّ: ((إنَّالله جَعَلَ رِزقي تحت ظِلّ رُمحي))، وقال: ((لو تَوَّلْتُم على الله حَقَّ تَوَكُّله لَرَزَقَكم كما يَرْزُق الطَّيْرِ، تَغْدُو خماصاً وتَرُوحِ بِطاناً))، فذكر أنَّهَا تَغُدُو وتَروحُ في طلب الرِّزْق، قال: وكان الصحابة يَتَّجِرونَ ويعملونَ في نخيلهم، والقُدْوة بهم، انتهى. والحديث الأوَّل سَبَقَ الكلام عليه في الجهاد(١)، والثّاني أخرجه التِّرمِذيّ (٢٣٤٤) والحاكم (٣١٨/٤) وصَخَّحاه. (١) علَّقه البخاري فيما سلف بين يدي الحديث رقم (٢٩١٤) عن ابن عمر، وأخرجه أحمد (٥١١٤). ١٦٤ باب ٢٢ / ح ٦٤٧٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وقال الرَّبيع بن خُثَيم)) بِمُعجَمةٍ ومُثَلَّة مُصفَّر. قوله: ((من كلّ ما ضاقَ على الناس)) وَصَلَه الطبري(١) وابن أبي حاتم من طريق الرَّبيع ابن مُنذِر الثَّوْري عن أبيه عن الرَّبيع بن خُثَيم قال في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَبْعَل لَّهُ. مَخْرَجًا﴾ الآية [الطلاق: ٢] قال: من كلّ شيء ضاقَ على الناس. والرَّبيع المذكور من كِبار التابعين، صَحِبَ ابنَ مسعود، وكان يقول له: لو رآك رسولُ الله ◌َّه لَأحبَّك. أورَدَ ذلك أحمد في ((الزُّهد)(٢) بسندٍ جيّد، وحديثه مُخرَّج في ((الصحيحين)) وغيرهما، والرَّبيع بن مُنذِر لم يُرِّجوا عنه، لكن ذكره البخاريّ وابن أبي حاتم ولم يذكُرا فيه جرحاً، وذكره ابن حِبّان في ((الثِّقات))، وأبوه مُتَّفَق على توثيقه والتَّخريج عنه. قوله: ((حدَّثني إسحاق)) هو ابن منصور كما أوضحتُه في المقدِّمة، وغَلِطَ مَن قال: إنَّه ابن إبراهيم، وسيأتي شرح الحديث مُستَوّ في ((باب يَدخُل الجنَّة سبعونَ ألفاً)) بعد ثمانية وعشرينَ باباً (٦٥٤١) إن شاء الله تعالى. ٢٢ - باب ما يُكرَه من قیلَ وقالَ ٦٤٧٣ - حذَّثنا عليُّ بنُ مسلمٍ، حدَّثنا هُشَيمٌّ، أخبرنا غيرُ واحدٍ منهم مُغِيرةُ وفلانٌ ورجلٌ ثالثٌ أيضاً، عن الشَّعْبِيِّ، عن وَرّادٍ كاتبِ المغيرةِ بنِ شُعْبَةَ: أنَّ مُعاوِيةَ كَتَبَ إلى المغيرةِ: أنِ اكتُبْ إليَّ بحديثٍ سمعتَه من رسولِ الله ◌ِّهِ، قال: فَكَتَبَ إليه المغيرةُ: إنّ سمعتُه يقول عندَ انصِرافه منَ الصلاةِ: «لا إلهَ إلّا اللهُ وحدَه لا شَرِيكَ له، له الملكُ وله الحمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قدی). قال: وكان يَنْهَى عن قيلَ وقالَ، وكَثْرةِ السُّؤالِ، وإضاعةِ المالِ، ومَنْعِ وهاتٍ، وعُقوقٍ الأُمُّهات، ووَأْدِ البنات. (١) تحرَّف في (أ) و(س) إلى: الطبراني، والتصويب من (ع)، فهو عند ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) ١٣٩/٢٨. (٢) ((الزهد)) ص٣٣٣ و٣٣٤. ١٦٥ باب ٢٢ / ح ٦٤٧٣ كتاب الرقاق وعن هُشَيمِ، أخبرنا عبدُ الملِك بنُ عُمَيرِ، قال: سمعتُ وَرّاداً يُحدِّثُ هذا الحديثَ عن المغيرةٍ عن النبيّ قوله: ((باب ما يُكرَه من قيلَ وقالَ)) ذكر فيه حديث المغيرة بن شُعْبة في ذلك، قال أبو عُبيد: جَعَلَ القالَ مَصدَراً كأنَّه قال: نَهَى عن قِيلِ وقولٍ، تقول: قلتُ قولاً وقِيلاً وقالاً، والمراد أنَّه نَهَى عن الإكثار بما لا فائدة فيه من الكلام، وهذا على أنَّ الرِّواية فيه بالتَّنوين، وقال غيره: هما اسمان، يقال: كثير القيل والقال، وفي حرف ابن مسعود: ((ذلكَ عِيسَى ابنُ مَرْيَم قالُ الحقِّ) [مريم: ٣٤] بضمِّ اللّام. وقال ابن دقيق العيد: الأشهَرُ فيه فتح اللّام فيهما على سبيل الحكاية، وهو الذي يقتضيه المعنى، لأنَّ القيلَ والقالَ إذا كانا اسمَينِ كانا بمعنَى واحدٍ كالقول، فلا يكون في عطف أحدهما على الآخر كبير فائدة، بخلاف ما إذا كانا فِعِلَين. وقال المحِبّ الطَّبَرَيُّ: إذا كانا اسمَينٍ يكون الثّاني تأكيداً، والحكمة في النَّهي عن ذلك أنَّ الكَثْرة من ذلك لا يُؤْمَنُ معها وقوع الخطأ. قلت: وفي التَّرجمة إشارة إلى أنَّ جميع ذلك لا يُكرَه، لأنَّ من عُمومه ما يكون في الخبر المَحْض فلا يُكرَه، والله أعلم. وذهب بعضهم إلى أنَّ المراد حكايةُ أقاويل الناس والبحث/ عنها، كما يقال: قال فلان كذا، ٣٠٧/١١ وقيل عنه كذا، ممَّا يُكرَه حكايتُهُ عنه، وقيل: هو أن يَذكُرَ للحادثة عن العلماء أقوالاً كثيرة، ثمَّ يعمل بأحدِها بغير مُرَجِّح، أو يُطلِقِها من غير تَثُبُّت ولا احتياطٍ لبيان الَّاجح. والنَّهي عن كَثْرة السُّؤال يتناول الإلحافَ في الطَّلَب، والسُّؤْالَ عنَّا لا يعني السائل. وقيل: المراد بالنَّهي المسائل التي نزلَ فيها: ﴿لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤَّكُمْ [المائدة: ١٠١]، وقيل: يَتَناول الإكثارَ من تفريع المسائل، ونُقِلَ عن مالك أنَّه قال: والله إنّي لَأخشَى أن يكون هذا الذي أنتم فيه من تفريع المسائل. ومن ثَمَّ كَرِهَ جماعةٌ من السَّلَف السُّؤال عمّا لم يقع، لما يَتَضَمَّن من التكلُّف في الدِّين، والتَّنْطُّع، والرَّجم بالظَّنِّ من غير ضرورة. ١٦٦ باب ٢٢ / ح ٦٤٧٣ فتح الباري بشرح البخاري وقد تقدَّم كثير من هذه المباحث عند شرح الحديث في كتاب الصلاة (٨٤٤)، وأنَّ المراد بالنَّهي عن كَثْرة السُّؤال في المال. ورَجَّحَه بعضهم لمناسَيتِه لقوله: ((وإضاعة المال))، وتقدَّم شيء من هذا في كتاب الزكاة (١٤٧٧). وأمَّا مَن فَشَّرَه بكَثْرة سؤال الناس عن أحوالهم وما في أيديهم، أو عن أحداث الزّمان وما لا يعني السائلَ، فإنَّه بعيد، لأَنَّه داخلٌ في قوله: نَهَى عن قيل وقال، والله أعلم. قوله: ((حدَّثنا عليّ بن مسلم)) كذا للأكثر، ووَقَعَ للگُشْمِیھيِّ وحده: وقال عليّ بن مسلم، وجَزَمَ أبو نعيم في ((المستخرج)) بما علیه الجمهور. قوله: ((أخبرنا غيرُ واحد منهم مُغِيرة)) هو ابن مِقسم الضَّبِّيّ ((وفلان ورجل ثالث)) المراد بفلانٍ: مُالِد بن سعید، فقد أخرجه ابن خُزيمةَ في ((صحیحہ)) (٧٤٢) عن زياد بن أيوب ويعقوب بن إبراهيم الدَّورَقيّ قالا: حدَّثنا هُشَيم أخبرنا غير واحد منهم مغيرة ومجالد. وكذا أخرجه أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) من طريق أبي خَيْئمة عن هُشَيم، وكذا أخرجه أحمد (١٨١١١) عن هُشَيم، وأخرجه النَّسائيُّ (١٣٤٣) عن يعقوب الدَّورَقيّ، لكن قال في روايته: عن غير واحد منهم مغيرةُ، ولم يُسمِّ مجالداً، وأخرجه أيضاً (١٣٤٣) عن الحسن بن إسماعيل عن هُشَيم أخبرنا مُغيرة وذكر آخرَ؛ ولم يُسمِّه وكأنَّه مُجالد، وأخرجه أبو يَعْلى عن زكريّا بن يحيى عن هُشَيم عن مُغيرة عن الشَّعبيّ، ولم يَذكُر مع مغيرةَ أحداً. وأمَّا الرجل الثّالث فيحتمل أنَّه داود بن أبي هند، فقد أخرجه ابن حبان في «صحيحه» (٢٠٠٦) من طريق يحيى بن أبي بُكَير الكِرْمانيّ عن هُشَيم قال: أخبرنا داود بن أبي هند وغيره عن الشَّعبيّ به، ويحتمل أن يكون زكريّا بن أبي زائدة أو إسماعيلَ بن أبي خالد، فقد أخرجه الطبرانيُّ (٨٩٧/٢٠) من طريق الحسن بن عليّ بن راشد الواسطيِّ عن هُشَيم عن مُغيرةَ وزكريّا بن أبي زائدة ومجالد وإسماعيل بن أبي خالد كلّهم عن الشَّعبيّ، والحسن المذكور ثقة من شيوخ أبي داود، تَكلَّمَ فيه عَبْدان بما لا يَقدَح فيه، وقال ابن عَديّ: لم أرَ له حديثاً مُنكَراً. ١٦٧ باب ٢٢ / ح ٦٤٧٣ كتاب الرقاق قوله: ((فكَتَبَ إليه المغيرةُ)) ظاهره أنَّ المغيرة باشَرَ الكتابة، وليس كذلك، فقد أخرجه ابن حِبّان (٥٥٥٦) من طريق عاصم الأَحوَل عن الشَّعبيّ: أنَّ معاوية كَتَبَ إلى المغيرة: اكتُبْ إليَّ بحديثٍ سمعتَه من رسول الله وَل﴾(١)، فدَعَا غلامه وَرّاداً فقال: اكتُب، فذكره. وقوله: ((لا إلهَ إلّا الله)) إلى قوله: ((وهو على كلّ شيء قدير)) زاد في نسخة الصَّغَانيّ هنا: ثلاث مرّات. وأخرجه الطبرانيُّ (٩٠٨/٢٠) من طريق عبد الملك بن عُمَير عن ورّادٍ: كَتَبَ معاوية إلى المغيرة: اكتُبْ إليَّ بشيءٍ سمعتَه من رسول الله وَِّ، قال: فَكَتَبتُ إليه بخَطّي. ولم أَقِفْ على تسمية مَن كَتَبَ لمعاويةً صريحاً، إلّا أنَّ المغيرة كان معاويةُ أمَّرَه على الكوفة في سنة إحدى وأربعينَ إلى أن مات سنة خمسين أو في التي بعدها، وكان كاتب معاوية إذ ذاكَ عُبيد ابن أَوس الغَسّانيّ. وفي الحديث حُجّة على مَن لم يعمل في الرِّواية بالمكاتَبة، واعتَلَّ بعضهم بأنَّ العُمْدة حينئذٍ على الذي بَلَّغَ الكتاب، كأن يكون الذي أرسَلَه أمَرَه أن يُوصِل الكتاب وأن يُبلِّغ ما فيه مُشافَهة، وتُعقِّبَ بأنَّ هذا يحتاج إلى نَقْل، وعلى تقدير وجوده فتكون الرِّواية عن مجهول، ولو فُرِضَ أنَّه ثقة عند مَن أرسَلَه ومَن أُرسِلَ إليه، فتجيءُ فيه مسألةُ التَّعديل على الإبهام، والمرجَّح عَدَمُ الاعتداد به. قوله: ((وعن / هُشَيم، أخبرنا عبد الَلِك بن عُمَير)) هو موصول بالطَّريق التي قبله، وقد ٣٠٨/١١ وَصَلَه الإسماعيليّ من رواية يعقوب الدَّورَقيّ وزياد بن أيوب قالا: حدَّثنا هُشَيم عن عبد الملك به. قوله: ((عن النبيّ ◌ََّ)) كذا أطلقَ، وظاهره أنَّ الرِّواية كالتي قبلها، وهو كذلك عند الإسماعيليّ. وأخرجه أبو نُعَيم من طريق أبي الرَّبيع الزُّهرانيّ عن هُشَيم، فقال في سياقه: كَتَبَ معاوية إلى (١) قوله: ((من رسول الله وَلِيٌ)) من (ع) وحدها، وسقط من (أ) و(س). ١٦٨ فتح الباري بشرح البخاري المغيرة: أن اكتُبْ إليَّ بشيءٍ سمعتَه من رسول الله ◌َّله، فذكره. ٢٣ - باب حِفْظ اللّسان ((ومَن كان يُؤْمِنُ بالله واليومِ الآخِرِ فليَقُلْ خيراً أو ليَصْمُتْ)). وقولِ الله تعالى: ﴿مَايَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَنِيدٌ﴾ [ق:١٨]. قوله: ((باب حِفْظ اللِّسان)) أي: عن النُّطْق بما لا يَسُوغ شَرعاً ممّا لا حاجة للمُتَكلُّم به. ٣٠٩/١١ وقد أخرج أبو الشَّيخ في / كتاب ((الثَّواب)) والبيهقيُّ في ((الشُّعَب)) (٤٩٥٠) من حديث أبي جُحَيفةَ رَفَعَه: ((أنَّ أحبّ الأعمال إلى الله حِفظُ اللِّسان)). قوله: ((ومَن كان يُؤْمِن بالله ... )) إلى آخره، وَقَعَ عند أبي ذرٍّ: وقول النبيّ ◌َّ: ((ومَن كان يُؤمِن بالله ... )) إلى آخره، وقد أورَدَه موصولاً في الباب بلفظه. قوله: ((وقول الله تعالى: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِبُ عَنِيدٌ﴾)» کذا لأبي ذرِّ، وللأکثر: وقوله: ﴿مَا يَلْفِظُ﴾ ... إلى آخره، ولابنِ بَطّال: وقد أنزلَ الله تعالى: ﴿ مَّايَلْفِظُ ﴾ الآية، وقد تقدَّم ما يَتَعلَّق بتفسيرها في تفسير سورة قّ(١). وقال ابن بَطّال: جاء عن الحسن: أنَّما يَكتُبان كلَّ شيء، وعن عِكْرمة: يَكتُبان الخير والشرَّ فقط، ويُقوِّي الأوَّلَ تفسير أبي صالح في قوله تعالى: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] قال: تَكتُّب الملائكة كلَّ ما يَتَلَفَّظ به الإنسان، ثمّ يُثِت الله من ذلك ما له وما عليه، ويَمحُو ما عَدَا ذلك. قلت: هذا لو ثَبَتَ كان نَصّاً في ذلك، ولكنّه من رواية الكَلْبِيّ وهو ضعيف جدّاً. والرّقيب: هو الحافظ، والعَتيد: هو الحاضر. ووَرَدَ في فضل الصَّمت عِدّة أحاديث، منها: حديث سفيان بن عبد الله الثَّقفيّ: قلتُ: يا رسول الله، ما أخوَفُ ما تَخاف عليَّ؟ قال: ((هذا)) وأخَذَ بلسانه، أخرجه (١) انظر: ج ١٤/ ٢٩٧ -٢٩٨. ١٦٩ باب ٢٣ كتاب الرقاق التّرمِذيّ (٢٤١٠) وقال: حسن صحيح. وتقدَّم في الإيمان (١٠) حديث: ((المسلم مَن سَلمَ المسلمونَ من لسانه ويده)). ولأحمد (١٨٦٤٧) وصَحَّحَه ابن حِبّان (٣٧٤) من حديث البراء: ((وكُفَّ لسانَك إلّا من خیر)). وعن عُقْبةَ بن عامر: قلت: يا رسول الله، ما النَّجاة؟ قال: ((أمسِكْ عليك لسانَك)) الحديث، أخرجه التِّرمِذيّ (٢٤٠٦) وحَسَّنَه. وفي حديث معاذ مرفوعاً: ((ألا أُخبِرُك بمَلَاكِ الأمر كلّه؟ كُفَّ هذا)) وأشارَ إلى لسانه، قلت: يا رسول الله، وإنّا لَمُؤْاخَذونَ بما نَتكلّم به؟ قال: ((وهل يَكُبّ الناسَ في النار على وجوههم إلّا حصائدُ ألسِنَتَهم)) أخرجه أحمد (٢٢٠١٦) والتِّرمِذيّ (٢٦١٦) وصَحَّحَه والنَّسائيُّ (ك١١٣٣٠) وابن ماجَهْ (٣٩٧٣)، كلَّهم من طريق أبي وائل عن معاذ مُطوَّلاً، وأخرجه أحمد أيضاً (٢٢٠٦٨) من وجه آخر عن معاذ، وزاد الطبرانيُّ (٢٠/ ١٣٧) في رواية مختصرة: ((ثُمَّ إِنَّك لن تزال سالماً ما سَكَتَّ، فإذا تَكلَّمتَ كُتِبَ عليك أو لك)). وفي حديث أبي ذرِّ مرفوعاً: ((عليكَ بطولِ الصَّمت، فإنَّه مَطَرَدة للشَّيطان)) أخرجه أحمد والطبرانيُّ (١٦٥١) وابن حِبّان (٣٦١) والحاكم وصَخَّحاه(١). وعن ابن عمر (٢) رَفَعَه: ((مَن صَمَتَ نَجَا)) أخرجه التِّرمِذيّ (٢٥٠١) ورواتهثقات. وعن أبي هريرة رَفَعَه: ((من حُسْن إسلام المرء تَرِكُه ما لا يعنيهِ)) أخرجه التِّرمِذيّ (٢٣١٧) وحَسَّنَه. وذكر المصنف في الباب أربعة أحاديث: (١) أحمد والحاكم أخرجا أصل الحديث مطوَّلاً، إلّا أنهما لم يخرجا هذه القطعة فيه، انظر ((مسند أحمد)) (٢١٥٤٦)، و((مستدرك الحاكم)) ٥٩٧/٢. (٢) هكذا في أصول ((الفتح)): ابن عمر، وهو نظير ما وقع له في شرح الحديثین (٦٠١٨) و٦٠١٩) من الجزء ١٨، والصواب من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. ١٧٠ باب ٢٣ / ح ٦٤٧٤ فتح الباري بشرح البخاري الأول: ٦٤٧٤- حدَّثني محمَّدُ بنُ أبي بكرِ المُقدَّمِيُّ، حدَّثنا عمرُ بنُ عليٍّ، سمعَ أبا حازم، عن سَهْلِ ابنِ سعدٍ، عن رسولِ اللهِوَ ﴿ قال: ((مَن يَضْمَنْ لي ما بينَ لَحْبَيْه وما بينَ رِجْلَيه، أضْمَنْ له الجنّةَ)). [طرفه في: ٦٨٠٧] قوله: ((حدَّثْني)) كذا لأبي ذرٍّ وللباقينَ: حدَّثنا، وكذا للجميع في هذا السَّنَد بعَينِهِ في المحاربينَ (٦٨٠٧)، وعمر بن عليّ المقدَّميّ بفتح القاف وتشديد الدَّال: هو عَمّ محمّد بن أبي بكر الراوي عنه، وقد تقدَّم أنَّ عمر مُدلِّس لكنَّه صَرَّحَ هنا بالسَّماع. قوله: ((عن سَهْل بن سَعْد)) هو الساعديّ. قوله: ((مَن يَضْمَنْ)) بفتح أوَّله وسكون الضّاد المعجَمة، والجزمُ من الضَّمان بمعنى الوفاء بتَركِ المعصية، فأطلقَ الضَّمَانَ وأراد لازِمَه وهو أداء الحقّ الذي عليه، فالمعنى: مَن أدَّى الحقَّ الذي على لسانه من النُّطْق بما يجب عليه، أو الصَّمتِ عمَّا لا يَعنيه، وأدَّى الحقّ الذي على فَرْجه من وضعه في الحلال وكَفّه عن الحرام. وسيأتي في المحاربين (٦٨٠٧) عن خليفة بن خَيّاط عن عمر بن عليّ بلفظ: ((مَن تَوكَّلَ))، وأخرجه التِّرمِذيّ (٢٤٠٨) عن محمّد بن عبد الأعلى عن عمر بن عليّ بلفظ: ((مَن تَكَفَّلَ))، وأخرجه الإسماعيليّ عن الحسن بن سفيان قال: حدَّنا محمَّد بن أبي بكر المقدَّمَيّ. وعمر بن عليّ: هو الفَلّاس، وغيرهما قالوا: حدَّثنا عمر بن عليّ بلفظ: ((مَن حَفِظَ)). ومثله عند أحمد (١٩٥٥٩) وأبي يعلى (٧٢٧٥) من حديث أبي موسی بسندٍ حسن، وعند الطبرانيِّ (٩١٩) من حديث أبي رافع بسندٍ جَيِّد، لكن قال: ((فَقْمَيْه)) بَدَل ((لَحْيَيه)) وهو بمعناه، والفَقْم بفتح الفاء وسكون القاف. قوله: (لَحْيَيه)) بفتح اللّام وسكون المهمَلة والَّينية: هما العظمان في جانبي الفم، والمراد بما بينهما: الِّسان وما يَتَأَتَّى به النُّطْق، وبما بين الرِّجلَين: الفَرْج. ١٧١ باب ٢٣ / ح ٦٤٧٥-٦٤٧٦ كتاب الرقاق وقال الدَّاوُوديّ: المراد بما بين اللَّحيَين: الفم، قال: فيَتناول الأقوال / والأكل والشُّرب ٣١٠/١١ وسائر ما يَتْتَّى بالفَمِ من الفعل، قال: ومَن تَحَفَّظَ من ذلك أَمِنَ من الشرِّ كلّه، لأنَّه لم يَبقَ إلّا السَّمع والبَصَر. كذا قال، وخَفِيَ عليه أنَّه بَقِيَ البَطشُ بالْيَدَين، وإنَّما مَحَمَلُ الحديث على أنَّ النُّطق باللِّسان أصل في حصول كلّ مطلوب، فإذا لم يَنطِقِ به إلّا في خيرٍ سَلِمَ. وقال ابن بَطّل: دَلَّ الحديث على أنَّ أعظم البلاء على المرء في الدُّنيا لسانُه وفَرِجُه، فمَن وُقِيَ شَرَّهما وُقِيَ أعظم الشرّ. قوله: ((أضْمَنْ له)) بالجزم جواب الشَّرط، وفي رواية خليفة: ((تَوَّلتُ له بالجنَّة)»، ووَقَعَ في رواية الحسن(١): ((تَكَفَّلتُ له)). قال التِّرمِذيّ: حديث سهل بن سعد حسن صحيح، وأشار إلى أنَّ أبا حازم تفرَّد به عن سهل، فأخرجه (٢٤٠٩) من طريق محمَّد بن عَجْلان عن أبي حازم عن أبي هريرة بلفظ: ((مَنْ وَقَاهُ الله شَرَّ ما بين لَحَيَيه وشَرَّ ما بين رِجَلَيه، دَخَلَ الجنَّة)) وحَسَّنَه، ونَبَّهَ على أنَّ أبا حازم الراوي عن سهل غيرُ أبي حازم الراوي عن أبي هريرة، قلت: وهما مَدَنّان تابعيّان، لكن الراوي عن أبي هريرة اسمه سَلْمان، وهو أكبر من الراوي عن سهل واسمه سَلَمة، ولهذا اللَّفظ شاهد من مُرسَل عطاء بن يَسَار في ((الموطَّأ)) (٩٨٧/٢-٩٨٨). ٦٤٧٥ - حدَّثني عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ عَ﴾، قال: قال رسولُ اللهِ وَّ: ((مَن كان يُؤْمِنُ بالله واليومِ الآخِرِ فلْيَقُل خيراً أو ليَصْمُتْ، ومَن كان يُؤْمِنُ بالله واليومِ الآخِرِ فلا يُؤْذِ جارَه، ومَن كان يُؤْمِنُ بالله واليومِ الآخِرِ فليُكْرِمْ ضَفَه)). ٦٤٧٦ - حدّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا ليثٌ، حدَّثنا سعيدٌ المقبُريُّ، عن أبي شُرَيحِ الخُزَاعيِّ، (١) يعني: الحسن بن سفيان عن محمد بن أبي بكر المقدَّمي، وهذه الرواية أخرجها الإسماعيلي في ((مستخرجه)) كما سلف، ورواية حليفة - وهو ابن خياط - ستأتي عند البخاري برقم (٦٨٠٧). ١٧٢ باب ٢٣ / ح ٦٤٧٧ - ٦٤٧٨ فتح الباري بشرح البخاري قال: سمعَ أُذُنَايَ ووَعَاهَ قَلْبِي النبيَّ نَه يقول: ((الضِّيافةُ ثلاثةُ أيام، جائزَتَه))، قيلَ: ما جائزَتُه؟ قال: ((يومٌّ وليلةٌ، ومَن كان يُؤْمِنُ بالله واليومِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيفَه، ومَن كان يُؤْمِنُ بالله واليومِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خيراً أو ليَسكُتْ)). الحديث الثاني: حديث أبي هريرة، تقدَّم شرحه في أوائل كتاب الأدب (٦٠١٨)، وفيه الحثُّ على إكرام الضَّيف ومَنْع أذَى الجار، وفيه: ((مَن كان يُؤمِن بالله واليوم الآخِرِ، فليَقُلْ خيراً أو ليَصمُتْ)). الحديث الثالث: حديث أبي شُرَيح، وقد تقدَّم شرحه أيضاً هناك (٦٠١٩)، وفيه: «فليَقُلْ خيراً أو ليَسكُت))، وفيه إكرام الضَّيف أيضاً، وتوقيت الضِّيافة بثلاثة أيام. وقوله: «الضّيافة ثلاثةُ أيام، جائزتُه، قيل: وما جائزتُه؟ قال: يوم وليلة)) وقد تقدَّم في الأدب (٦٠١٩) بلفظ: ((فليُكرِم ضيفَه جائزَتَه)) قال: وما جائزتُه؟ قال: ((يوم وليلة))، وعلى ما هنا فالمعنى: أعطُوا جائزَتَه، فإنَّ الرّواية بالنَّصب، وإن جاءت بالرَّفع فالمعنى: تَتَوجَّه عليكم جائزَتُه، وقد تقدَّم بيانُ الاختلاف في توجيهه، ووَقَعَ قوله: ((يوم وليلة)) خبراً عن الجائزة، وفيه حذف تقديرُه: زمان جائزَتِه، أو تَضْييف يوم وليلة. ٦٤٧٧ - حدَّثنا إبراهيمُ بنُ حمزةَ، حدَّثنا ابنُ أبي حازمٍ، عن يزيدَ، عن محمَّدِ بنِ إبراهيمَ، عن عيسى بنِ طَلْحةَ التَّيْميِّ، عن أبي هريرةَ، سمعَ رسولَ الله ◌َّهِ يقول: ((إنَّ العبدَ لَيتكلَّمُ بالكَلِمةِ ما يَتَبِيَّنُ فيها، يَزِلَّ بها في النار أَبعَدَ ممََّ بينَ المشرقِ)). [طرفه في: ٦٤٧٨] ٦٤٧٨ - حدَّثني عبدُ الله بنُ مُنِيرٍ، سمعَ أبا النَّضْرِ، حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ عبدِ الله - يعني: ابنَ دِينارٍ - عن أبيه، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وََّ، قال: ((إنَّ العبدَ لَيتكلَّمُ بالكلمةِ من رِضْوانِ الله لا يُلْقي لها بالاً، يَرفَعُ اللهُ بها دَرَجَاتٍ، وإنَّ العبدَ لَيتكلَّمُ بالكلمةِ من سَخَطِ الله لا يُلْقي لها بالاً، يَهْوي بها في جَهنَّمَ)). الحديث الرابع: أو رَدَه من طريقَين. ١٧٣ باب ٢٣ / ح ٦٤٧٨ كتاب الرقاق قوله: ((حدَّثنا)) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره: حدَّثني، بالإفرادِ في الموضعين. قوله: ((ابن أبي حازم)) هو عبد العزيز بن سَلَمة(١) بن دينار، ووَقَعَ عند أبي نُعَيم في ((المستخرَج)) من طريق إسماعيل القاضي عن إبراهيم بن حمزة شيخ البخاريّ فيه: أنَّ عبد العزيز بن أبي حازم وعبد العزيز بن محمَّد الدَّراوَرْديّ حَدَّثاه عن يزيد، فيحتمل أن يكون إبراهيم لمَّا حدَّث به البخاريّ اقتَصَرَ على ابن أبي حازم، ويحتمل أن يكون حدَّث عنهما فحَذَفَ البخاريُّ ذِكْر عبد العزيز الدَّرَاوَرْديّ، وعلى الأوَّل لا إشكال، وعلى الثّاني يَتَوقَّف الجواز على أنَّ اللَّفظ للاثنَينِ سواءٌ، وأن المذكور ليس هو لفظ المحذوف، أو أنَّ المعنى عليهما مُتَّحِد تفريعاً على جواز الرِّواية بالمعنى، ويُؤيِّد الاحتمال الأوَّل أنَّ البخاريّ أخرج بهذا الإسناد بعَينِه إلى محمَّد بن إبراهيم حديثاً جَمَعَ فيه بين ابن أبي حازم والدَّراوَرْديّ، وهو في ((باب فضل الصلاة)) في أوائل كتاب الصلاة (٥٢٨). قوله: ((عن يزيد)) هو ابن عبد الله المعروف بابنِ الهادِ، ووَقَعَ منسوباً في رواية إسماعيل المذكورة، ومحمَّد بن إبراهيم: هو التَّيْمَيّ، ورجال هذا الإسناد كلّهم مَدَنيّونَ، وفيه ثلاثة من التابعين في نَسَقٍ، وعيسى بن طلحة: هو ابن عُبيد الله التَّيْمِيّ، وثَبَتَ كذلك في رواية أبي ذرِّ، وطلحة: هو أحدُ العَشَرة. قوله: ((إنَّ العبد لَيتكلّمُ) كذا للأكثر، ولأبي ذرٍّ: ((يتكلّم)) بحذفِ اللّام. قوله: ((بالكَلِمةِ)) أي: الكلام المشتَمِل على ما يُفهِم الخير أو الشرَّ سواء طالَ أم قَصُرَ، كما يقال: کلمة الشَّهادة، وكما يقال للقصيدة: كلمة فلان. قوله: ((ما يَتَبَّن فيها)) أي: لا يَتَطلَّب معناها، أي: لا يُثبِتِها بفِكْرِه ولا يَتأمَّلها حتَّى يَتَثَبَّت فيها، فلا يقولها إلّا إن ظَهَرَتِ المصلحةُ في القول. وقال بعض الشُّاح: المعنى أنَّه لا يُبيِّنها بعِبارةٍ واضحة، وهذا يَلزَم منه أن يكون بيَّن وتَبيَّن بمعنی واحد. (١) قوله: ((بن سلمة)) سقط من (س). ١٧٤ باب ٢٣ / ح ٦٤٧٨ فتح الباري بشرح البخاري ٣١١/١١ ووَقَعَ في رواية الدَّراوَرْديّ عن يزيد بن الهاد / عند مسلم (٢٩٨٨/ ٥٠): ((ما يَتَبيَّن ما فيها)) وهذه أوضَحُ، و((ما)) الأولى نافية و((ما)) الثّانية موصولة أو موصوفة، ووَقَعَ في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((ما يَتَّقي بها)) ومعناها يَؤُول لما تقدَّمَ. قوله: ((يَزِلّ بها)) بفتح أوَّله وكسر الزّاي بعدها لام، أي: يَسقُط. قوله: ((أبعَدَ ممّا بين المشرق)) كذا في جميع النُّسَخ التي وَقَعَت لنا في البخاريّ، وكذا في رواية إسماعيل القاضي عن إبراهيم بن حمزة شيخ البخاريّ فيه عند أبي نُعَيم، وأخرجه مسلم (٤٩/٢٩٨٨) والإسماعيليّ من رواية بكر بن مُضَر عن يزيد بن الهاد بلفظ: ((أبعَدَ ما بين المشرق والمغرب))، وكذا وَقَعَ عند ابن بَطّال، وشَرَحَه الكِرْمانيُّ على ما وَقَعَ عند البخاريّ فقال: قوله: ((ما بينَ المشرق)) لفظ ((بين)) يقتضى دخولَه على المتعَدِّد والمشرقُ متعدِّد معنَى، إذ مَشِرِقُ الصَّيف غير مَشِرِق الشِّتاء وبينهما بُعْد كبير، ويحتمل أن يكون اكتَفَى بأحدِ المتقابِلَينِ عن الآخر مِثل: ﴿سَرَبِيلَ تَقِيكُمُ الْحَزَّ﴾ [النحل: ٨١]، قال: وقد ثَبَتَ في بعضها بلفظ: ((بين المشرق والمغرب)). قال ابن عبد البَرّ: الكلمة التي يَهوي صاحبُها بسببها في النار، هي التي يقولها عند السُّلطان الجائر، وزاد ابن بَطّال: بالبَغْي أو بالسَّعي على المسلم فتكون سبباً لهلاكه، وإن لم يُرِد القائلُ ذلك لكنَّهَا رُبَّما أدَّت إلى ذلك، فيُكتَب على القائل إنمُها، والكلمة التي تُرفَع بها الدَّرَجات ويُكتَب بها الرِّضوان هي التي يَدَفَع بها عن المسلم مَظْلمةً، أو يُفرِّج بها عنه كُربةً أو يَنصُر بها مظلوماً. وقال غيره في الأولى: هي الكلمة عند ذي السُّلطان يُرضِيه بها فيما يُسخِط الله، قال ابن التِّين: هذا هو الغالب، ورُبَما كانت عند غير ذي السُّلطان ممَّن يَتَأَى منه ذلك. ونُقِلَ عن ابن وَهْبِ أَنَّ المراد بها التلفُّظ بالسّوءِ والفُحش، ما لم يُرِد بذلك الجَحْد لأمرِ الله في الدِّين. وقال القاضي عِيَاض: يحتمل أن تكون تلكَ الكلمة من الحَنَا والرَّفَث، وأن تكون في التَّعريض بالمسلم بكبيرةٍ أو بمُجونٍ، أو استخفاف بحَقِّ النُّة والشَّريعة، وإن لم يَعتِقِدْ ذلك. ١٧٥ باب ٢٣ / ح ٦٤٧٨ كتاب الرقاق وقال الشَّيخ عِزّ الدّين بن عبد السَّلام: هي الكلمة التي لا يَعرِف القائلُ حُسنَها من قُبحها، قال: فيَحرُم على الإنسان أن يتكلّم بما لا يَعرِف حُسنَه من قُبحه. قلت: وهذا الذي يجري على قاعدة مُقدّمة الواجب. وقال النَّوويّ: في هذا الحديث حَثٌّ على حِفظ اللِّسان، فينبغي لمن أراد أن يَنطِقِ أن يَتَكَبَّر ما يقول قبل أن يَنطِقِ، فإن ظَهَرَت فيه مَصلَحةٌ تَكلَّمَ وإلّا أمسَكَ. قلت: وهو صريحُ الحديث الثّاني والثّالث. تنبيه: وَقَعَ في رواية أبي ذرِّ تأخيرُ طريق عيسى بن طلحة عن الطَّريق الأُخرى، ولغيره بالعكس، وسَقَطَ طريق عيسى بن طلحة عند النَّسَفيّ أصلاً، والله أعلم. قوله في الطَّريق الثّانية: ((سمعَ أبا النَّضْر)) هو هاشم بن القاسم، والتَّقدير: أنَّه سمعَ، ويُحذَف لفظ ((أَنَّه)) في الكتابة غالباً. قوله: ((عن أبي صالح)) هو ذَكْوان، وفي الإسناد ثلاثة من التابعين في نَسَق. قوله: ((لا يُلْقِي لها بالاً)) بالقاف في جميع الرِّوايات، أي: لا يَتَأَمَّلُها بخاطِرِه ولا يَتَفَكَّر في عاقبتها ولا يَظُنّ أنَّهَا تُؤَثِّر شيئاً، وهو من نحو قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيْئاً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥]، وقد وَقَعَ في حديث بلال بن الحارث المُزَفيِّ الذي أخرجه مالك وأصحاب ((السُّنَن)) وصَخَّحَه التِّرمِذيّ وابن حِبّان والحاكم بلفظ: ((إنَّ أحدكم لَيتكلّمُ بالكلمة من رِضْوان الله، ما يَظُنّ أن تَبلُغ ما بَلَغَت، يَكتب الله له بها رِضوانَه إلى يوم القيامة))(١) وقال في السُّخْط ◌ِمِثلَ ذلك. قوله: ((يرفعُ اللهُ بها دَرَجات)) كذا في رواية المُستَمْلِي والسَّرَخْسِيّ، وللنَّسَفيّ والأكثر: ((يَرفَع الله له بها دَرَجات))، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: ((يَرفَعُه الله بها دَرَجات)). (١) أخرجه مالك ٢/ ٩٨٥، والترمذي (٢٣١٩)، وابن ماجه (٣٩٨٩) والنسائي في ((الكبرى)) (١١٧٦٩)، وابن حبان (٢٨٠) و(٢٨١)، والحاكم ٤٥/١ و٤٦. ١٧٦ باب ٢٤ / ح ٦٤٧٩ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((يَهْوِي)) بفتح أوَّله وسكون الهاء وكسر الواو، قال عِيَاض: المعنى: يَنِزِل فيها ساقطاً، وقد جاء بلفظ: ((يَنْزِل بها في النار))(١) لأنَّ دَرَكات النار إلى أسفلَ، فهو نزول سقوط، ٣١٢/١١ وقيل: أهوی من قريب، وهَوَی من/ بعید. وأخرج التِّرمِذيّ (٢٣١٤) هذا الحديث من طريق محمّد بن إسحاق قال: حدَّثني محمَّد ابن إبراهيم التَّيْميُّ بلفظ: ((لا يرى بها بأساً يَهُوِي بها في النار سبعينَ خَريفاً». ٢٤ - باب البكاء من خَشْية الله عزَّ وجلَّ ٦٤٧٩- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ بشَّارٍ، حدَّثنا يحيى، عن عُبيدِ الله، قال: حدَّثني خُبَيبُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، عن حفصِ بنِ عاصمٍ، عن أبي هريرةَ عَهُ، عن النبيِّ وََّ، قال: ((سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ، رجلٌ ذَكَرَ اللهَ ففاضَتْ عَيْناهُ)). قوله: ((باب البُكاء من خَشْية الله عزَّ وجلَّ)) ذكر فيه طَرَفاً من حديث السَّبعة الذينَ يُظِلّهم الله في ظِلّه، ولفظه: ((رجل ذَكَرَ الله ففاضَت عيناه)) كذا اقتَصَرَ عليه، وتقدَّم بتمامه في أبواب المساجد (٦٦٠) مع شرحه وفيه: ((ذكر اللهَ خالياً) ووَرَدَ هنا بدونِها، وثَبَتَت في رواية ابن خُزَيمةَ(٢) عن محمَّد بن بشَّار شيخ البخاريّ فيه، أخرجه الإسماعيليّ عنه مختصراً کما هنا. ويحيى: هو ابن سعيد القَطّان، وعُبيد الله: هو ابن عمر العُمَريّ، وخُبَيَب بمُعجَمةٍ وموخَّدتَینِ مُصفَّر. ووَقَعَ هنا (٣): ((فِي ظِلّه))، وبيَّنتُ هناك مَن رواه بلفظ: ((في ظِلّ عَرْشه)» وظِلُّ كلّ شيء بِحَسَبِهِ، ويُطلَق أيضاً بمعنى النَّعيم ومنه: ﴿أُكُلُهَا دَآئٌِ وَظِلُهَا﴾ [الرعد: ٣٥]، وبمعنى (١) وهي رواية عيسى بن طلحة عن أبي هريرة عند مسلم (٢٩٨٨) (٤٩). (٢) وهو عند ابن خزيمة أيضاً بهذا الإسناد بتمامه، في ((صحيحه)) برقم (٣٥٨). (٣) كذا وقع في أصول ((الفتح)) التي بين أيدينا: ((هنا))، والصواب: هناك؛ أي: في أبواب المساجد، أما هنا في كتاب الرقاق فليس في شيء من روايات ((الصحيح)) عبارة ((في ظله)) على ما في النسخة اليونينية. ١٧٧ باب ٢٥ / ح ٦٤٨٠ كتاب الرقاق الجانب ومنه: ((يسير الرَّاكِبُ في ظِلّها مئةَ عام))(١)، وبمعنى السِّتر والكَنَف والخاصّة، ومنه: أنا في ظِلّك، وبمعنى العِزّ ومنه: أسبَغَ اللهُ ظِلَّك. وقد وَرَدَ في البُكاء من خَشْية الله على وَفْق لفظ التَّرجمة حديث أبي رَْجانة رَفَعَه: ((حُرِّمَتِ النار على عينٍ بَكَت من خَشْية الله)) الحديث، أخرجه أحمد (١٧٢١٣) والنَّسائيُّ (ك٨٨١٨) وصَحَّحَه الحاكم (٨٣/٢)، وللتِّرمذي (١٦٣٩) نحوه عن ابن عبّاس ولفظه: ((لا تَمسُّها النار)) وقال: حسن غريب، وعن أنس نحوه عند أبي يَعْلى (٤٣٤٦)، وعن أبي هريرة بلفظ: ((لا يَلِجُ النارَ رجلٌ بَكَى من خَشْية الله)) الحديث، وصَحَّحَه التِّرمِذيّ (١٦٣٣ و٢٣١١) والحاكم (٢٦٠/٤). ٢٥ - باب الخوف من الله ٦٤٨٠ - حذَّثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبةَ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن رِبْعِيٍّ، عن حُذَيفةَ، عن النبيِّ وَّةِ، قال: ((كان رجلٌ مَمَّن كان قبلَكم يُسيءُ الظَّنَّ بعَمَلِهِ، فقال لأهلِه: إذا أنا مُتُّ فخُذوني، فَذَرُّوني في البحرِ في يومٍ صائفٍ، ففَعَلوا به، فجَمَعَه اللهُ، ثمّ قال: ما حَمَلَكَ على الذي صَنَعْتَ؟ قال: ما حَمَلَنِي إِلا تَخَافَتُكَ، فَغَفَرَ له)). قوله: ((باب الخوف من الله عزَّ وجلَّ)) هو من المقامات العَليَّة، وهو من لوازم الإيمان، ٣١٣/١١ قال الله تعالى: ﴿وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَأَخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوُا﴾ [فاطر: ٢٨]، وتقدَّم (٢٠) حديث: ((أنا أعلَمُكم بالله وأشدُّكم له خَشْيةً))، وكلّما كان العبد أقرَبَ إلى رَبّه، كان أشدَّ له خَشْیة ممَّن دونه. وقد وَصَفَ الله تعالى الملائكةَ بقوله: ﴿ يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]، والأنبياءَ بقوله: ﴿الَّذِينَ يَُلِّغُونَ رِسَلَتِ اَللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ، وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٩]، وإنَّما (١) سلف الحديث عند البخاري برقم (٣٢٥١) و(٣٢٥٢). ١٧٨ باب ٢٥ / ح ٦٤٨٠ فتح الباري بشرح البخاري كان خوفُ المقرّبين أشدّ، لأنَّهم يُطالَبونَ بما لا يُطالَب به غيرهم فيُراعُونَ تلك المنزلة، ولأنَّ الواجب لله منه الشُّكر على المنزلة، فيُضاعَف بالنّسبة لعُلوِّ تلكَ المنزلة، فالعبدُ إن كان مستقيماً فخَوفُه من سوء العاقبة لقولِه تعالى: ﴿يَحُولُ بَيْنَ اٌلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤]، أو نُقصانِ الدَّرَجة بالنّسبة، وإن كان مائلاً فخوفُه من سوء فعله، ويَنفَعُه ذلك مع النَّدَم والإقلاع، فإنَّ الخوف يَنشَأ من مَعرِفة قُبْح الجِناية والتَّصديق بالوعيدِ عليها، وأن يُحُرَم التَّوبةَ، أو لا يكون مَمَّن شاءَ الله أن يَغْفِرَ له، فهو مُشِفِقٌ من ذَنِه طالبٌ من رَبّه أن يُدخِله فیمَن يَغْفِر له. ويَدخُل في هذا الباب الحديثُ الذي قبله، وفيه أيضاً: ((ورجلٌ دَعَته امرأةٌ ذات جَمال ومال فقال: إنّ أخاف الله))، وحديث الثلاثة أصحاب الغار، فإنَّ أحدهم الذي عَفَّ عن المرأة خوفاً من الله وتَرَكَ لها المال الذي أعطاها، وقد تقدَّم بيانه في ذِكْر بني إسرائيل من أحاديث الأنبياء (٣٤٦٥). وأخرج التِّرمِذيّ (٢٤٩٦) وغيره من حديث أبي هريرة (١) قصَّة الكِفْل وكان من بني إسرائيل، وفيه أيضاً أنَّه عَفَّ عن المرأة وتَرَكَ المال الذي أعطاها خوفاً من الله. ثمَّ ذكر قصَّة الذي أَوصَى بأن يُحِرَق بعد موته من حديث حُذَيفة وأبي سعيد، وقد تقدَّم شرحه في ذِكْر بني إسرائيل أيضاً (٣٤٥٢). قوله: (جَرِير)) هو ابن عبد الحميد، ومنصور: هو ابن المعتمِر، ورِبْعيّ: هو ابن حِرَاش، بالحاءِ المهمَلة وآخره شِين مُعجَمة، والسَّنَد كلّه كوفيّونَ. قوله: ((عن حُذَيفة، عن النبيّ وَّ)» تقدَّم في ذِكْر بني إسرائيل تصريح حُذَيفة بسماعِه له من النبيّ وَّةَ، وَقَعَ في ((صحيح أبي عَوَانة)) (٤٤٣) من طريق والانَ العَبْدِيّ(٢) عن (١) بل هو من حديث ابن عمر، وأخرجه عنه أحمد (٤٧٤٧)، وأبو يعلى (٥٧٢٦)، وابن حبان (٣٨٧)، والحاکم ٤/ ٢٥٤ -٢٥٥. (٢) كذا وقع في أصول ((الفتح)) التي بين أيدينا: العبدي، وهو خطأ، والصواب أنه عَدويّ، كما وقع على الصواب في ((تعجيل المنفعة)) للحافظ ابن حجر نفسه (١١٤٦)، وكذلك هو في ((التاريخ الكبير)) ٨/ ١٨٥. ١٧٩ باب ٢٥ / ح ٦٤٨٠ كتاب الرقاق حُذَيفة عن أبي بكر الصِّدّيق ◌َهَ ذِكْر هذه القصَّة بعد ذِكْر حديث الشَّفاعة بطولِه، وذكر فيه أنَّ الرجل المذكور آخرُ أهل النار خروجاً منها، وسيأتي التَّنبيه عليه في الشَّفاعة (٦٥٧٣) إن شاء الله تعالى، وتبيينُ شُذوذ هذه الرّواية من حيثُ المتن كما ظَهَرَ شذوذُها من حيثُ السَّنَد. قوله: ((كان رجل ممَّن كان قبلكم)) تقدَّم أنَّه من بني إسرائيل، ومن ثَمَّ أورَدَه المصنّف هناك (٣٤٥٢). قوله: ((يُسيء الظَّنَّ بعَمَلِه)) تقدَّم هناك أنَّه كان نبّاشاً. قوله: ((فَذَرُّوني)) قَدَّمتُ هناك فيه ثلاث روايات: بالتَّخفيفِ بمعنى التَّرك، والتَّشديد بمعنى التَّفريق، وهو ثُلاثيّ مُضاعَف، تقول: ذَرَرتُ المِلحَ أذُرّه، ومنه الذَّرِيرة: نوع من الطِّيب. قال ابن التِّين: ويحتمل أن يكون بفتح أوَّله، وكذا قرأناه، ورُوِّيناه بضمِّها، وعلى الأوَّل هو من الذَّرّ، وعلى الثّاني من التَّذرية، وبهمزة قطع وسكون المعجَمة من: أَذْرَتِ العينُ دَمعَها، وأذرَيتُ الرجل عن الفرس، وبالوصلٍ من: ذَرَوت الشَّيءَ، ومنه: ﴿نَذْرُوهُ الرّيَحُ﴾ [الكهف: ٤٥]. قوله: ((في البحر)) سيأتي نظيره في حديث سلمان، وفي حديث أبي سعيد: ((في الرّيح))، ووَقَعَ في حديث أبي هريرة الآتي في التَّوحيد (٧٥٠٦): ((واذرُوا نصفه في البَرّ ونصفه في البحر)). / قوله: ((في يومٍ صائفٍ)) تقدَّم في رواية عبد الملك بن عُمَير عن ربعيّ (٣٤٧٩) بلفظ: ٣١٤/١١ ((فَذَرُّوني في اليَمّ في يوم حازٌ)) بحاءٍ مُهمَلة وزاي ثقيلة، كذا للمَروَزيِّ والأُصِيلِّ، ولأبي ذرِّ عن المُستَمْلِي والسَّرَخْسِيّ وكَرِيمة عن الكُشْمِيهنيّ بالرَّاءِ المهمَلة، وهو المناسب لرواية الباب، ووُجِّهَت الأولى بأنَّ المعنى أنَّه يَحُزّ البَدَنَ لِشِدّة حَرّه، ووَقَعَ في حديث أبي سعيد الذي بعده: ((حتَّى إذا كان ربحٌ عاصفٌ)). ١٨٠ فتح الباري بشرح البخاري وذكر بعضهم رواية المروزيِّ بنونٍ بدلَ الزّاي، أي: حانَّ ريحُه، قال ابن فارس: الحون(١): ریح تَجِنُّ كحنینِ الإبل. ٦٤٨١- حدَّثنا موسى، حدَّثْنا مُعتَمِرٌ، سمعتُ أَبي، حدَّثنا قَتَادةُ، عن عُقْبةَ بنِ عبدِ الغافرِ، عن أبي سعيد ◌َُّ، عن النبيِّ وَّهَ ذَكَرَ رجلاً: «فيمَن كان سَلَفَ - أو قبلَكم - آتاه الله مالاً ووَلَداً - يعني أعطاه - قال: فلمَّا حُضِرَ قال لَبَنِيه: أيَّ أبٍ كنتُ؟ قالوا: خيرَ أبٍ، قال: فإنَّه لم يَبْتَِرْ عندَ الله خيراً)) فَسَّرَها قَتَادةُ: لم يَدَّخِرْ ((وإن يَقدَمْ على الله يُعذّبْه، فانظُرُوا فإذا مُتُّ فاحرِقوني، حتَّى إذا صِرْتُ فخاً فاسحقوني - أو قال: فاسھَگُوني - ثمَّ إذا كان رِبِحٌ عاصفٌ فأذْرُوني فيها، فأخَذَ مَواثِيقَهم على ذلك، ورَبِّي، ففَعَلوا، فقال الله: كُنْ، فإذا رجلٌ قائمٌ، ثمَّ قال: أيْ عَبْدي، ما حَلَكَ على ما فعلتَ؟ قال: تَخَافَتُكَ - أو فَرَقُ منكَ - فِما تَلافَاهُ أنْ رَحِمَه اللهُ». فحَدَّثْتُ أبا عُثْمانَ، فقال: سمعتُ سَلْمانَ غيرَ أنَّه زادَ: ((فأذْرُوني في البحرِ)) أو كما حدَّث. وقال معاذٌ: حدّثنا شُعْبةُ، عن قَتَادَةَ، سمعتُ عُقْبةَ، سمعتُ أبا سعيدٍ، عن النبيِّوَله. قوله في الحديث: ((عن أبي سعيد)) تقدَّم القول في تابعيِّه، وموسى: هو ابن إسماعيل التَّبُوذَكيّ، ومُعتَمِر: هو ابن سليمان التَّيْمِيّ، والسَّنَد كلُّه بصريّونَ. قوله: ((فیمَن سَلَفَ -أو فيمن كان قبلكم ) شَكٌّ من الراوي عن قتادة، وتقدّم في رواية أبي عَوَانة عن قَتَادة (٣٤٧٨) بلفظ: ((أَنَّ رجلاً كان قبلكم)). قوله: ((آتاه الله مالاً وولداً؛ يعني: أعطاه)) كذا للأكثرِ وهو تفسير للفظ ((آتاه)) وهي بالمدِّ بمعنى العطاء، وبالقَصْر بمعنى المَجِيء، ووَقَعَ في رواية الكُشْمِيهنيّ هنا: ((مالاً)) ولا معنى لإعادتِها بمُفرَدِها. (١) هكذا في أصول («الفتح»، وكذا هو عند العيني في ((عمدة القاري)) ٧٣/٢٣، والظاهر أنهما نقلاه عن شيخهما ابن الملقِّن، فهو كذلك في كتابه «التوضيح لشرح الجامع الصحيح)) ٦٥٦/١٩، والصواب: الحَنُون، بزيادة نون بعد الحاء، كذلك هو في ((مجمل اللغة)) لابن فارس ٢١٩/١ مادة (حن).