النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ باب ١٧ / ح ٦٤٥٢ كتاب الرقاق أحد يُشرِكه في الهديَّة، فإن كان هناك فضلٌ أرسَلَه إلى أهل الصُّفّة أو دعاهم. ووَقَعَ في حديث طلحة بن عَمْرو الذي ذكرته آنِفاً (١): وكنت فيمَن نزلَ الصُّفّة فرافَقتُ رجلاً فكان يُجرَی علينا من رسول الله ﴾ كلَّ يوم مُدٌّ من تمر بین كلّ رجلين، وفي رواية أحمد (١٥٩٨٨): فنزلتُ في الصُّفّة مع رجل، فكان بيني وبينه كلَّ يوم مُّدٌّ من تمر؛ وهو محمول أيضاً على اختلاف الأحوال: فكان أوَّلاً يُرسِل إلى أهل الصُّفّة بما حَضَرَه، أو يَدعُوهم أو يُفرِّقهم على مَن حَضَرَ إن لم يَحَضُرِه ما يكفيهم، فلمَّا فُتِحَت فَدَك وغيرها صارَ يُجرَى عليهم من التَّمر في كلّ يوم ما ذكر. وقد اعتَنَى بجمع أسماء أهل الصُّفّة أبو سعيد بن الأعرابيّ وتَبِعَه أبو عبد الرّحمن السُّلَمَيّ فزاد أسماءً، وجَمَعَ بينهما أبو نُعَيم في أوائل ((الحِلية)) (٣٤٧/١-٣٧٨ ١/٢-٢٦) فسَرَدَ جمیع ذلك. ووَفَعَ في حديث أبي هريرة الماضي في علامات النُّبَّةِ(٢): أنَّهم كانوا سبعينَ. وليس المراد حَصْرهم في هذا العَدَد، وإنَّما هي عِدّة مَن كان موجوداً حين القصَّة المذكورة، وإلّا فمجموعهم أضعافُ ذلك كما بيَّنّا من اختلاف أحوالهم. قوله: ((فساءَفي ذلك)) زاد في رواية عليّ بن مُسهِر: والله، والإشارة إلى ما تقدَّم من قوله: ((ادْعُهم لي)) وقد بيَّن ذلك بقوله: ((فقلتُ)) أي: في نفسي ((وما هذا اللَّبَنُ)) أي: ما قَدْرُه ((في أهل الصُّفّة؟))، والواو عاطفةٌ على شيء محذوف، ووَقَعَ في روایة یونس بحذفِ الواو، زاد في روايته: وأنا رسوله إليهم، وفي رواية عليّ ابن مُسهِر: وأين يقع هذا اللَّبَن من أهل الصُّفّة وأنا ورسولِ الله؟ وهو بالجرِّ عطفاً على أهل الصُفّة، ويجوز الرَّفع والتَّقدير: وأنا ورسولُ الله معهم. (١) وهو عند ابن حنبل (٦٦٨٤) وغيره. (٢) لم يمض حديث أبي هريرة هذا في علامات النبوة، ولكن سلف حديثٌ آخر لأبي هريرة في الصلاة برقم (٤٤٢) وفيه: أنه رأى سبعين من أهل الصُّفة، وسيشير إليه الحافظ لاحقاً. ١٢٢ باب ١٧ / ح ٦٤٥٢ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وكنت أرجو أن أُصيبَ من هذا اللَّبَن شَرْبةً أتقَوَّى بها)) زاد في رواية رَوْح: يومي وليلتي. قوله: ((فإذا جاء)) كذا فيه بالإفراد، أي: مَن أمَرَني بطلبِه، وللأكثر: فإذا جاؤوا، بصيغة الجمع. قوله: ((أمَرَني)) أي: النبيُّونَ ((فكنتُ أنا أُعطيهم))، وكأنَّه عَرَفَ بالعادة ذلك لأنَّه كان يُلازِمِ النبيَّ وَّهِ ويَخْدُمه، وقد تقدَّم في مناقب جعفر من حديث طلحة بن عبيد الله: كان أبو هريرة مِسْكيناً لا أهل له ولا مال، وكان يدور مع رسول الله وَّل حيثُما دار، أخرجه البخاريّ في («تاريخه)) (١٣٣/٦)، وتقدَّم في البيوع (٢٠٤٧) وغيره (٢٣٥٠) من وجه آخر عن أبي هريرة: كنت امرءاً مِسْكيناً ألزم رسول الله ێ﴾ لشبع بطني، ووَقَعَ في روایة یونس ابن بُكَير: فسيأمُرُني أن أُديرَه عليهم، فما عَسَى أن يصيبني منه؟ وقد كنت أرجو أن أُصيبَ منه ما يُغنيني؛ أي: عن جوع ذلك اليوم. قوله: ((وما عَسَى أن يَبلُغني من هذا اللَّبَن؟)) أي: يَصِل إليَّ بعد أن يَكتَفوا منه. وقال الکِرْمانيُّ: لفظ ((عَسَی)) زائد. قوله: ((ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله بُدِّ)) يشير إلى قوله تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]. قوله: ((فأتيتُهم فدَعَوْتهم)) قال الكِرْ مانيُّ: ظاهره أنَّ الإتيان والدَّعوة وَقَعَ بعد الإعطاء، وليس كذلك؛ ثمَّ أجابَ بأنَّ معنى قوله: فكنت أنا أُعطيهم، عطفٌ على جواب: فإذا جاؤوا، فهو بمعنى الاستقبال، قلت: وهو ظاهر من السِّياق. قوله: ((فأقبَلوا فاستأذَنوا فأذِنَ لهم، فأخَذوا مَجالسَهم من البيت)) أي: فقَعَدَ كلَّ منهم في المجلِس الذي يَلِيق به، ولم أقِفْ على عَدَدهم إذ ذاكَ، وقد تقدَّم في أبواب المساجد في أوائل كتاب الصلاة (٤٤٢) من طريق أبي حازم عن أبي هريرة: رأيت سبعينَ من أصحاب الصُّفّة ... الحديث، وفيه إشعار بأنَّهم كانوا أكثر من ذلك، وذكرتُ هناك أنَّ أبا عبد الرّحمن ١٢٣ كتاب الرقاق السُّلَميّ وأبا سعيد بن الأعرابيّ والحاكم (١٨/٣) اعتَنَوا بجمع أسمائهم، فذكر كلٌّ منهم مَن لم يَذكُر الآخر، وجمع الجميعَ أبو نُعَيم في ((الحِلية))(١)، وعِدَّتهم تَقْرُب من المئة، لكنَّ الكثير من ذلك لا يَثْبُت، وقد بيَّن كثيراً من ذلك أبو نُعَيم، وقد قال أبو نُعَيم: كان عدد أهل الصُّفّة يختلف بحَسَبِ اختلاف الحال، فُرُبَّما اجتَمَعوا فكَثُرُوا، ورُبَما تَفرَّقوا/ إمّا لغَزْوٍ ٢٨٨/١١ أو سَفَر أو استغناء(٢) فقَلُّوا. ووَقَعَ في ((عوارف السَّهْرَوَرْديّ)): أنَّهم كانوا أربع مئة. قوله: ((فقال: يا أبا هِّ)) في رواية عليّ بن مُسهِر: فقال: ((أبو هريرة))، وقد تقدَّم توجيه ذلك. قوله: ((خُذْ فأعطِهم)) أي: القَدَحَ الذي فيه اللََّن، وصرَّحَ به في روایة یونس. قوله: ((أُعْطيه الرجلَ فِيَشْرَبِ حتَّى يَرْوى، ثمَّ يَرُدّ عليَّ القَدَحَ فَأَعْطيه الرجلَ)) أي: الذي إلی جنبه. قال الكِرْ مانيُّ: هذا فيه أنَّ المعرفة إذا أُعيدَت مَعرِفةً لا تكون عينَ الأوَّل، والتَّحقيق أنَّ ذلك لا يَطَّرِد بل الأصل أن تكون عينَه، إلّا أن تكون هناك قَرِينة تَدُلّ على أنَّه غيره، مِثل ما وَقَعَ هنا من قوله: حتَّى انتَهَيتُ إلى النبيّ ◌َِّ، فإنَّه يدلّ على أنَّه أعطاهم واحداً بعد واحد إلی أن کان آخرهم النبيّ ێ. قلت: وَقَعَ في رواية يونس: ثمَّ يَرُدّه فأُناوِلُه الآخر، وفي رواية عليّ بن مُسهِر: قال: ((خذ فناوِلهم)) قال: فجَعَلتُ أُنَاوِل الإناء رجلاً رجلاً فيَشرَب، فإذا رَوِيَ أخذته فناولته الآخر، حتَّى رَوِيَ القوم جميعاً. وعلى هذا فاللَّفظ المذكور من تَصَرُّف الزُّواة، فلا حُجّة فيه تَزْمِ القاعدة. قوله: ((حتَّى انتَهِيتُ إلى النبيّ ◌َّه وقد رَوِيَ القومُ كلّهم)) أي: فأعطيته القَدَح. (١) انظر ((الحلية)) ١/ ٣٣٧ وما بعدها. (٢) تحرَّف في (س) إلى: استفتاء، بالفاء والمثنّاة. ١٢٤ باب ١٧ / ح ٦٤٥٢ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فأخَذَ القَدَح)) زاد رَوْحٍ: وقد بَقِيَت فيه فَضْلة. قوله: ((فَوَضَعَه على يده، فتَظَرَ إليَّ فَتَبَسَّمَ)) في رواية عليّ بن مُسهِر: فَرَفَعَ رأسه فَتَسَّمَ. كأنَّه ◌ِ ◌ّ كان تَفرَّسَ في أبي هريرة ما كان وَقَعَ في تَوُّمه أن لا يَفضُل له من اللَّبَن شيء كما تقدَّم تقريره، فلذلك تَبسَّم إليه إشارةً إلى أنَّه لم يَفُتْه شيء. قوله: ((فقال: أبا هِّ)) كذا فيه بحذفٍ حرف النِّداء، وفي رواية عليّ بن مُسهِر: فقال: ((أبو هريرة))، وقد تقدَّم توجيهه. قوله: ((بقيتُ أنا وأنتَ)) كأنَّ ذلك بالنّسبة إلى مَن حَضَرَ من أهل الصُّفّة، فأمَّا مَن كان في البيت من أهل النبيّ وَّه فلم يَتعرَّض لِذِكْرِهم، ويحتمل أنَّ البيت إذ ذاكَ ما كان فيه أحد منهم، أو كانوا أخَذوا كِفايتَهم، وكان اللََّن الذي في ذلك القَدَح نصيبَ النبيّ ◌ِّ. قوله: ((اقعُد فاشرَبْ)) في رواية عليّ بن مُسهِر: قال: ((خُذْ فاشرَب)). قوله: ((فما زالَ يقول: اشرَبْ)) في رواية رَوْحٍ: فما زالَ يقول لي. قوله: ((ما أجِدُ له مَسْلَكاً)) في رواية رَوْحٍ: فيَّ مَسلَكاً. قوله: ((فأرِني)) في رواية رَوْحٍ: فقال: ((ناوِلني القَدَح)). قوله: ((فحَمِدَ الله وسَمَّى)) أي: حَمِدَ الله على ما مَنَّ به من البَرَكة التي وَقَعَت في اللَّبَن المذكور مع قِلَّته، حتَّى رَوِيَ القومُ كلّهم وأَفضلوا، وسَمَّى في ابتداء الشُّرب. قوله: ((وشَرِبَ الفَضْلة)) أي: البقيَّة، وهي رواية عليّ بن مُسِهِر، وفي رواية رَوْحِ: فَشَرِبَ من الفضلة، وفيه إشعار بأنَّه بَقِيَ بعد شربه شيء، فإن كانت محفوظةً فلعلَّه أعَدَّها لمن بَقِيَ في البيت إن كان. وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدَّمَ: استحبابُ الشُّرب من قُعود، وأنَّ خادم القوم إذا دار عليهم بما يَشْرَبونَ يَتَنَاولُ الإناء من كلّ واحد، فيَدِفَعه هو إلى الذي يليه، ولا يَدعُ الرجلَ يُناوِل رَفيقَه، لما في ذلك من نوع امتهان الضَّيف. ١٢٥ باب ١٧ / ح ٦٤٥٢ كتاب الرقاق وفيه مُعجِزة عظيمة، وقد تقدَّم لها نظائر في علامات النَّبوّة (٣٥٧١-٣٥٨١) من تکثیر الطَّعام والشَّراب بَبَرَكَتِهِّهِ. وفيه جواز الشِّبَع ولو بَلَغَ أقصَى غايته، أخذاً من قول أبي هريرة: لا أجِدُ له مَسلَكاً، وتقرير النبيِّ وَّ على ذلك خِلَافاً لمن قال بتحريمِه، وإذا كان ذلك في اللَّبَن مع رِقَّته ونُفوذه، فكيفَ بما فوقَه من الأغذية الكثيفة؟ لكن يحتمل أن يكون ذلك خاصّاً بما وَقَعَ في تلكَ الحال، فلا يُقاس علیه. وقد أورَدَ التِّرمِذيّ (٢٤٧٨) عَقِبَ حديث أبي هريرة هذا حديثَ ابن عمر رَفَعَه: ((أكثرُهم في الدُّنيا شِبَعاً أطولهم جوعاً يوم القيامة)) وقال: حسن، وفي الباب عن أبي جُحَيفةَ. قلت: وحديث أبي جُحَيفةَ أخرجه الحاكم (١٢١/٤) وضَعَّفَه أحمد(١). وفي الباب أيضاً حديث المقدام بن مَعْدي كَرِبَ رَفَعَه: ((ما مَلَأَ ابنُ آدم وِعاءً شَرّاً من بطنٍ)) الحديث، أخرجه التِّرمِذيّ أيضاً (٢٣٨٠) وقال: حسن صحيح. ويُمكِن / الجمعُ بأن ٢٨٩/١١ يُحِمَلِ الزَّجرُ على مَن يَتَّخِذ الشِّبَع عادة، لما يَتَرتَّب على ذلك من الكَسَل عن العبادة وغيرها، ويُحمَل الجوازُ على مَن وَقَعَ له ذلك نادِراً، ولا سيّما بعد شِدّة جوع واستبعادِ حصول شيء بعده عن قُرْب. وفيه أنَّ كِتمانَ الحاجة والتّلويح بها أَولى من إظهارها والتَّصريح بها. وفيه كَرَمُ النبيّ ◌َّه وإيثاره على نفسه وأهله وخادمه. وفيه ما كان بعضُ الصحابة عليه في زمن النبيّ ◌َّ﴾ من ضِيق الحال، وفضل أبي هريرة وتَعقُّفه عن التَّصريح بالسُّؤال، واكتِفاؤُه بالإشارة إلى ذلك، وتقديمه طاعةَ النبيّ وَلّ على حَظّ نفسه مع شِدّة احتياجه، وفضل أهل الصُّفّة. وفيه أنَّ المدعوَّ إذا وَصَلَ إلى دار الدَّاعي لا يَدخُل بغير استئذان، وقد تقدَّم البحث فيه (١) وكذا حديث ابن عمر ضعيف أيضاً، بل ضعيف جداً، وقد أخرجه أيضاً ابن ماجه (٣٣٥٠)، وانظر تمام تخريجه والكلام علیه فیه. ١٢٦ باب ١٧ / ح ٦٤٥٣ فتح الباري بشرح البخاري في كتاب الاستئذان(١) مع الكلام على حديث: ((رسولُ الرجل إذنُه)). وفيه جلوسُ كلّ أحد في المكان اللائق به. وفيه إشعارٌ بِمُلازَمة أبي بكر وعمر للنبيِّ وَِّ. ودعاءُ الكبير خادمَه بالكُنية. وفيه ترخيم الاسم على ما تقدَّمَ، والعمل بالفِرَاسة، وجواب المنادي بلَبَّيكَ، واستئذان الخادم على مخدومه إذا دَخَلَ مَنزِله، وسؤال الرجل عمَّا يَجِدُه في مَنزِله ممّا لا عهدَ له به ليُرتِّب على ذلك مُقتَضاه. وقَبُولُ النبيِّ وَّرِ الهديَّة، وتَناوُله منها وإيثاره ببعضِها الفقراء، وامتناعُه من تَناوُل الصَّدَقة، ووضعُه لها فيمَن يَستَحِقّها، وشُرْب الساقي آخِراً وشُرب صاحب المنزل بعده، والحمد على النِّعَم، والتَّسمية عند الشُّرب. تنبيه: وَقَعَ لأبي هريرة قصَّة أُخرى في تكثير الطَّعام مع أهل الصُّفّة، فأخرج ابن حِبّان (٦٥٣٣) من طريق سَلِيم بن حَيّان عن أبيه عنه قال: أتت عليَّ ثلاثة أيام لم أَطعَمْ، فجئت أُريد الصُّفّة فجَعَلتُ أسقُط، فجَعَلَ الصِّبيان يقولون: جُنَّ أبو هريرة، حتَّى انتَهَيت إلى الصُّفّة فوافَقتُ رسول الله بَّهِ أتى بقَصعةٍ من ثَريد، فدَعَا عليها أهل الصُّفّة وهم يأكلونَ منها، فجعلتُ أتطاول كَي يَدْعُوَني، حتَّى قاموا وليس في القَصْعة إلّا شيء في نواحيها، فجمعه رسول الله وَ ◌ّ فصارَ لُقمةً فوَضَعَها على أصابعه فقال لي: «كُلْ باسم الله»، فوالذي نفسي بيَدِه ما زِلتُ آكُل منها حتَّى شَبِعت. الحدیث الثاني: ٦٤٥٣ - حدَّثنا مُسَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن إسماعيلَ، حدَّثنا قيسُ، قال: سمعتُ سَعْداً يقول: إنّي لأَوَّلُ العربِ رَمَى بِسَهْمٍ في سبيلِ الله، ورأيتُنَا نَغْزو وما لنا طعامٌ إلّا وَرِقُ الْحُلَةِ وهذا السَّمُرُ وإِنَّ أَحَدنا لَيَضَعُ كما تَضَعُ الشَّاةُ ما له خِلْطٌ، ثمَّ أصبَحَت بنو أَسَدٍ تُعَزِّرُني على الإسلام خِبتُ إذاً وضَلَّ سَعْبِي. (١) في ((باب إذا دُعي الرجل فجاء هل يستأذن)) بين يدي الحديث رقم (٦٢٤٦). ١٢٧ باب ١٧ / ح ٦٤٥٣ كتاب الرقاق قوله: ((يحيى)) هو ابن سعيد القَطّان، وإسماعيل: هو ابن أبي خالد، وقیس: هو ابن أبي حازم، وسعد: هو ابن أبي وقّاص. قوله: ((إنِّي لَأَوَّلُ العرب رَمَى بسَهْمٍ في سبيل الله)) زاد التِّرمِذيّ (٢٣٦٥) من طريق بَيَان عن قيس: سمعتُ سعداً يقول: إنّي لَأوَّلُ رجل أهراقَ دَماً في سبيل الله، وفي رواية ابن سعد في ((الطَّقات)) (١٤٠/٣) من وجه آخر عن سعد: أنَّ ذلك كان في السَّرِيَّة التي خرج فيها مع عُبيدة بن الحارث في ستّينَ راكِباً، وهي أوَّل السَّرايا بعد الهجرة. قوله: ((ورأيتُنا)) بضمِّ المثنّاة. قوله: ((ورق الحُبُلَة)) بضمِّ المهمَلة والموخَّدة وبسكونِ الموخَّدة أيضاً، ووَقَعَ في مناقب سعد بالترُّدِ بين الرَّفع والنَّصب(١). قوله: ((وهذا السَّمُر)) بفتح المهمَلة وضمِّ الميم، قال أبو عبيد وغيره: هما نوعان من شَجَر البادية، وقيل: الحُبلة ثَمَر العِضَا، والعِضَاه - بكسر المهمَلة وتخفيف المعجَمة - شجرُ الشَّوك، كالطَّحِ والعَوسَجِ. قال النَّوويّ: وهذا جيِّد على رواية البخاريّ لعطفِه الورق على الحُبلة. قلت: هي رواية أُخرى عند البخاريّ بلفظ: إلّ الحُبلة وورق السَّمُر (٢)، وكذا وَقَعَ عند أحمد (١٥٦٦) وابن سعد (١٤٠/٣) وغيرهما، وفي رواية بيان عند التِّرمِذيّ (٢٣٦٥): ولقد رأيتُني أغزو في العِصابة من أصحاب رسول الله وَلّهِ، ما نأكُل إلّ ورقَ الشَّجَر والحُبلة. وقال القُرطُبيّ: وَقَعَ في رواية الأكثر عند مسلم: إلّا ورق الحُبلة هذا السَّمُر، وقال ابن الأعرابيّ: الحُبلة: ثَمَر السَّمُر يُشبِهِ اللُّوبِيَا، وفي رواية التَّيْمِيِّ والطََّرِيِّ في مسلم (١) يريد: بين الضم والفتح، وهذا التردد وقع في الأطعمة (٥٤١٢) بلفظ: إلا ورق الحُبلة أو الحَبَلة، أما الرواية التي في المناقب (٣٧٢٨) فلفظها: إلا ورق الشجر. (٢) كذا قال الحافظ، ولم نقف على هذه الرواية عند البخاري، وإنما هي رواية الحميدي في ((مسنده)) (٧٨) عن سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد، وأما رواية أحمد وابن سعد فهي كرواية البخاري في هذا الموضع. ١٢٨ باب ١٧ / ح ٦٤٥٣ فتح الباري بشرح البخاري (٢٩٦٦): وهذا السَّمُر، بزيادة واو. قال القُرطُبيّ: ورواية البخاريّ أحسنُها للتَّفْرِقة بين الورق والسَّمُر، ووَقَعَ في حديث عُتبة بن غَزْوانَ عند مسلم (٢٩٦٧): لقد رأيتُني سابعَ سَبْعةٍ مع رسول الله ◌َّ ما لنا طعامٌ إلّا ورق الشَّجَر، حتَّى قَرِ حَت أشداقُنا. قوله: (لَيَضَعُ)) بالضّادِ المعجَمة: كِناية عن / الذي يخرج منه في حال التَّغُوُّط. ٢٩٠/١١ قوله: ((كما تَضَعُ الشّاة» زاد بیانٌ في روايته: والبعير. قوله: ((ما له خِلْط)) بكسر المعجَمة وسكون اللّام، أي: يصير بَعَراً لا يَخْتَلِط من شِدّة اليَيَس الناشئ عن قَشَف العيش، وتقدَّم بيانه في شرح الحديث المذكور في مناقب سعد بن أبي وقّاص ﴾. قوله: ((ثمَّ أصبَحَت بنو أسَد)) أي: ابن خُزَيمةَ بن مُدرِكة بن الياس بن مُضَر، وبنو أسَد هم إخوة كِنانة بن خُزيمةَ جَدّ قُرَيش، وبنو أسَد كانوا فيمَن ارتَدَّ بعد النبيّ ◌َِّهِ وَتَبِعوا طُلَيحة بن خُويلِد الأسَديَّ لمَّ اذَّعَى النُّبوّة، ثمَّ قاتَلهم خالد بن الوليد في عهد أبي بكر وكَسَرَهم ورَجَعَ بَقِيَّتهم إلى الإسلام، وتابَ طُلَيحة وحَسُنَ إسلامه، وسَكَنَ مُعظَمهم الكوفة بعد ذلك، ثمَّ كانوا مَمَّن شَكَا سعد بن أبي وقّاص وهو أمير الكوفة إلى عمر حتَّى عَزَلَه، وقالوا في ◌ُملة ما شَكَوه: إِنَّه لا يُحسِن الصلاة، وقد تقدَّم بيان ذلك واضحاً في باب ((وجوب القراءة على الإمام والمأموم)) من أبواب صِفَة الصلاة (٧٥٥)، وبيَّنت أسماء مَن كان منهم من بني أسَد المذكورين. وأغرَبَ النَّوِيُّ فنَقَلَ عن بعض العلماء: أنَّ مُرادَ سعد بقوله: ((فأصبَحَت بنو أسد)): بنو الزُّبَير بن العَوَّام بن خويلد بن أسد بن عبد العُزَّى بن قُصَيّ، وفيه نظر، لأنَّ القصَّة إن كانت هي التي وَقَعَت في عهد عمر، فلم يكن للزُّبَيرِ إذ ذاكَ بَنُونَ يَصِفهم سعد بذلك ولا يَشكُو منهم، فإنَّ أباهم الزُّبَير كان إذ ذاكَ موجوداً وهو صديق سعد، وإن كانت بعد ذلك فیحتاج إلی بیان. ١٢٩ باب ١٧ / ح ٦٤٥٣ كتاب الرقاق قوله: ((تُعَزِّرُني)) أي: تُوقِفني، والتَّعزير: التَّوقيف على الأحكام والفرائض، قاله أبو عُبيد الهَرَويّ، وقال الطََّريُّ: معناه: تُقوِّمني وتُعلِّمني، ومنه: تعزير السُّلطان وهو التَّقويم بالتَّأديب، والمعنى: أنَّ سعداً أنكَرَ أهليَّة بني أسَد لتعليمِه الأحكام مع سابقتِه وقديم صُحبَته. وقال الحَرْبيّ: معنى ((تُعَزِّرني): تَلُومني وتُعتِبني، وقيل: توبِّخني على التَّقصير. وقال القُرطُبيّ بعد أن حكى ذلك: في هذه الأقوال بُعدٌ عن معنى الحديث، قال: والذي يظهر لي أنَّ الأليَق بمعناه أنَّ المراد بالتَّعزير هنا: الإعظام والتَّوقير، كأنَّه وَصَفَ ما كانت عليه حالتهم في أوَّل الأمر من شِدّة الحال وخُشونة العيش والجَهْد، ثمَّ إنَّهم اَّسَعَت عليهم الدُّنيا بالفُتوحات ووُلّوا الولایات، فعَظّمھم الناس بشُهْرتِهِم وفضلهم، فكأنَّ كَرِهَ تعظيم الناس له، وخَصَّ بني أسد بالذِّكرِ لأَّهم أفرَطوا في تعظيمه، قال: ويُؤيِّده أنَّ في حديث عُتبة بن غَزْوانَ الذي بعده في مسلم (٢٩٦٧) نحو حديث سعد في الإشارة إلى ما كانوا فيه من ضيق العيش، ثمَّ قال في آخره: فالتَقَطتُ بُرْدة فشَقَقتُها بيني وبين سعد بن مالك - أي: ابن أبي وقّاص - فاتَّزَرتُ بنصفِها واتَّزَرَ سعد بنصِفِها، فما أصبَحَ مِنّا أحد إلّا وهو أمير على مِصر من الأمصار. انتهى، وكان عُتبة يومئذٍ أمير البصرة وسعد أمير الكوفة. قلت: وهذا كلّه مردود لما ذكرته من أنَّ بني أسَد شَكَوه وقالوا فيه ما قالوا، ولذلك خَصَّهم بالذِّكر، وقد وَقَعَ في رواية خالد بن عبد الله الطّحان عن إسماعيل بن أبي خالد في آخر هذا الحديث في مناقب سعد (٣٧٢٨) بعد قوله: ((وضَلَّ عملي)): وكانوا وَشَوْا به إلى عمر قالوا: لا يُحسِنِ يُصَلّى، ووَقَعَ كذلك هنا في رواية مُعتَمِر بن سليمان عن إسماعيل عند الإسماعيليّ، ووَقَعَ في بعض طرق هذا الحديث الذي فيه ((أنَّهم شَكَوه)) عند مسلم (١٦٠/٤٥٣): ((فقال سعد: أتُعلِّمُني الأعراب الصلاة؟)) فهذا هو المعتمَد. وتفسير التَّعزير على ما شَرَحَه مَن تقدَّم مستقيم، وأمَّا قصَّة عُتبة بن غَزْوانَ، فإنّما قال ١٣٠ باب ١٧ / ح ٦٤٥٤ فتح الباري بشرح البخاري في آخر حديثه ما قال لأنَّه خَطَبَ بذلك وهو يومئذٍ أمير، فأراد إعلامَ القوم بأوَّل أمره وآخره إظهاراً منه للتَّواضُع، والتحدُّث بنعمة الله والتَّحذير من الاغترار بالدُّنيا، وأمَّا سعد فقال ذلك بعد أن عُزِلَ وجاء إلى عمر فاعتَذَرَ، وأنكَرَ على مَن سَعَی فيه بما سَعَى. قوله: (على الإسلام» في روایة بیان: على الدِّين. قوله: ((خِبْتُ إذاً وضَلَّ سَعْبي)) في رواية خالد: عَمَلي؛ كما تَرَى، وكذا هو في مُعظَم ٢٩١/١١ الرِّوايات، وفي رواية/ بيان(١): لقد خِبتُ إذاً وضَلَّ عملي. ووَقَعَ عند ابن سعد (١٤٠/٣) عن يَعْلِى ومحمّد ابنَي عُبيد عن إسماعيل بسندِه في آخره: وضَلَّ عَمَلِيَهْ، بزيادة هاء في آخره وهي هاء السَّكت. قال ابن الجَوْزيّ: إن قيل: كيف ساعَ لسعدٍ أن يمدح نفسَه ومن شأن المؤمن تركُ ذلك لُثُبُوتِ النَّهي عنه؟ فالجواب: أنَّ ذلك ساغَ له لمَّا عَيَّرَه الْجُهّال بأنَّه لا يُحسِن الصلاة، فاضطُرَّ إلى ذِكْر فضله، والِدحة إذا خَلَت عن البَغْي والاستطالة وكان مقصود قائلها إظهارَ الحقّ وشكر نِعمة الله لم يُكرَه، كما لو قال القائل: إنّ لحافظٌ لكتابِ الله عالمٌ بتفسيره وبالفقه في الدّين، قاصداً إظهار الشُّكر أو تعريف ما عنده ليُستَفادَ، ولو لم يقل ذلك لم يُعلَم حاله، ولهذا قال يوسف عليه السلام: ﴿إِنِّ حَفِيظُ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]، وقال عليّ: سَلُوني عن كتاب الله، وقال ابن مسعود: لو أعلمُ أحداً أعلمَ بكتاب الله منِّي لَأتيته (٢)؛ وساقَ في ذلك أخباراً وآثاراً عن الصحابة والتابعين تُؤيِّد ذلك. الحديث الثالث: ٦٤٥٤ - حدَّثني عُثْمانُ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن الأسوَدِ، عن عائشةَ، قالت: ما شَبِعَ آَلُّ محمَّدٍ وَلِ مِنْذُ قَدِمَ المدينةَ من طعامِ بُرِّ ثلاثَ لَيالٍ تِباعاً حتَّى قُبِضَ. (١) عند الترمذي (٢٣٦٥)، ورواية خالد سبقت الإشارة إليها قبل أسطر، وهي عند البخاري فيما سلف برقم (٣٧٢٨). (٢) أثر علي أخرجه الأزرقي في ((أخبار مكة)) ١/ ٥٠، وابن عبد البر في ((جامع بيان العلم)) (٧٢٦)، وأثر ابن مسعود سلف عند البخاري برقم (٥٠٠٢). ١٣١ باب ١٧ / ح ٦٤٥٤ كتاب الرقاق قوله: ((حدَّثني عُثْمان)) هو ابن أبي شَيْبة، وجَرِير: هو ابن عبد الحميد، ومنصور: هو ابن المعتمِر، وإبراهيم: هو النَّخَعَيّ، والأسود: هو ابن يزيد، وهؤلاءِ كلّهم كوفيّونَ. قوله: ((ما شَبِعَ الُّ محمَّد)) أي: النبيّ ◌َِّ((مُنْذُ قَدِمَ المدينة)) يَخْرُج ما كانوا فيه قبل الهجرة ((من طعام بُّ)) يَخَرُج ما عَدَا ذلك من أنواع المأكولات ((ثلاث ليالٍ)) أي: بأيامها (تباعاً)) يَخْرُج التَّفاريق ((حتَّى قُبِضَ)) إشارة إلى استمراره على تلك الحال مُدّة إقامته بالمدينة، وهي عشر سنين بما فيها من أيام أسفاره في الغَزْو والحجّ والعمرة. وزاد ابن سعد (١/ ٤٠١ و٤٠٢) من وجه آخر عن إبراهيم: وما رُفِعَ عن مائدته كِسرةُ خُبز فضلاً حتَّى قُبِضَ، ووَقَعَ في رواية الأعمَش عن منصور فيه بلفظ: ما شَبِعَ رسول الله وَلَ(١)، وفي رواية عبد الرَّحمن بن عايِس عن أبيه عن عائشة: ما شَبِعَ آل محمَّد من خُبْزِ بُرّ مأدوم، أخرجه مسلم(٢)، وفي رواية عبد الرّحمن بن يزيد عن الأسود عن عائشة: ما شَبعَ آل محمَّد ◌َلّ من خُبز الشَّعير يومينِ مُتابعينِ حتَّى قُبِضَ، أخرَجاه(٣). وعند مسلم (٢٩٧٤) من رواية يزيد بن قُسَيط عن عُرْوة عن عائشة: ما شَبِعَ رسول الله ونَ﴾ من خبز وزيت في يوم واحد مرَّتَين. وله (٤) من طريق مسروق عنها: والله ما شَبِعَ من خبزٍ ولحمٍ في يوم مرَّتَين. وعند ابن سعد أيضاً (١/ ٤٠١) من طريق الشَّعبيّ [عن مسروق](٥) عن عائشة: أنَّ رسول الله ﴿ ﴿ كانت تأتي عليه أربعة أشهُر ما يَشبَع من خبز البُرِّ. وفي حديث أبي هريرة نحو حديث الباب ذكره المصنّف في الأطعمة (٥٤١٤) من طريق (١) بل هي رواية الأعمش عن إبراهيم، وهي عند مسلم (٢٩٧٠) (٢١). (٢) نعم رواية عبد الرحمن بن عابس عند مسلم برقم (٢٩٧٠) (٢١) لكن دون قولها: ((مأدوم))، وقد سلفت الرواية نفسها بهذا اللفظ عند البخاري برقم (٥٤٣٨) وستأتي أيضاً برقم (٦٦٨٧). (٣) بل مسلم وحده برقم (٢٩٧٠) (٢٢). (٤) بل عند الترمذي برقم (٢٣٥٦). (٥) ما بين المعقوفين سقط من الأصلين و(س)، واستدركناه من ((طبقات ابن سعد)). ١٣٢ باب ١٧ / ح ٦٤٥٤ فتح الباري بشرح البخاري سعيد المقبريِّ عنه: ما شَبِعَ رسول الله ﴿ ﴿ ثلاثة أيام تباعاً من خُبز حِنطة حتَّى فارَقَ الدُّنيا (١). وأخرجه مسلم أيضاً عن أبي هريرة: خَرَجَ رسول الله وَ لاَ من الدُّنيا ولم يَشبَع من خُبز الشَّعير في اليوم الواحد غَداءً وعَشاءً(٢). وتقدَّم أيضاً في حديث سهل بن سعد: ما شَبِعَ رسول الله وَّ شَبْعْتَينِ في يومٍ حَتَّى فارَقَ الدُّنيا، أخرجه ابن سعد (١/ ٤٠٧) والطبرانيُّ (٥٨٤٨)، وفي حديث عِمرانَ بن حُصَينٍ: ما شَبِعَ من غَداء أو عَشاء حتَّى لَقِيَ الله، أخرجه الطبرانيُّ (٢٩١/١٨). قال الطَّرِيُّ: استَشكَلَ بعض الناس كَونَ النبيّ وَ وأصحابه كانوا يَطْوونَ الأيام جوعاً، مع ما ثَبَتَ أنَّه كان يَرفَع لأهلِهِ قُوتَ سنة، وأنَّه قَسَمَ بين أربعة أنفُس ألف بعير ممّاً أفاءَ الله عليه، وأنَّه ساقَ في عُمرَته مئة بَدَنة فَنَحَرَها وأطعَمَها المساكين، وأنَّه أمَرَ لأعرابيِّ بقطیعِ من الغنم وغير ذلك، مع من کان معه من أصحاب الأموال کأبي بكر وعمر وعثمان وطلحة وغيرهم، مع بَذْلهم أنفسَهم وأموالهم بين يَدَيه، وقد أمَرَ بالصَّدَقة فجاء أبو بكر بجميع ماله وعمر بنصفِه، وحَثَّ على تجهيز جيش العُسْرة فجَهَّزَهم عثمان بألفِ بعير، إلى غير ذلك، والجواب: أنَّ ذلك كان منهم في حالة دونَ حالةٍ لا لعَوَزٍ وضِيق، بل تارةً للإيثار وتارةً لكراهة الشِّبَع ولكثرة الأكل، انتھی. وما نفاه مُطلَقاً فيه نظرٌ لما تقدَّم من الأحاديث آنفاً، وقد أخرج ابن حبان في ((صحيحه) ٢٩٢/١١ (٦٨٤) عن عائشة: مَن حدَّثكم أنّا كنّا نَشبَع من التَّمر فقد كذَبَكم، فلمَّا افتُتِحَت قُرَيظة/ أصَبْنا شيئاً من التَّمر والوَدَك. وتقدَّم في غزوة خَيْبر (٤٢٤٢) من رواية عِكْرمة عن عائشة: لمَّا فُتِحَت خَيْبر قلنا: الآن نَشَبَع من الثَّمر. (١) لفظ رواية المقبري: خرج رسول الله وَ ليل من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير، وأما اللفظ المذكور فهو لأبي حازم عن أبي هريرة، وهو عند مسلم (٢٩٧٦) (٣٣) والترمذي (٢٣٥٨). (٢) لم نقف على هذه الرواية عند مسلم ولا عند غيره. ١٣٣ كتاب الرقاق وتقدَّم في كتاب الأطعمة (٥٣٨٣) حديث منصور بن عبد الرَّحمن عن أمّه صَفيَّة بنت شَيْبة عن عائشة: تُؤُفِّ رسول الله ◌ِ له حين شَبِعنا من الثَّمر. وفي حديث ابن عمر (٤٢٤٣): لمَّا فُتِحَت خَيْبر شَبِعنا من التَّمر. والحقّ أنَّ الكثير منهم كانوا في حال ضِيقٍ قبل الهجرة حيثُ كانوا بمَكّة، ثمَّ لمَّا هاجروا إلى المدينة كان أكثرهم كذلك، فواساهم الأنصار بالمنازلِ والمنائح، فلمَّا فُتِحَت لهم النَّضير وما بعدها رَدُّوا عليهم مَنائحَهم كما تقدَّم ذلك واضحاً في كتاب الهبة (٢٥٦٧ و ٢٦٣٠). وقريبٌ من ذلك قوله وَّهِ: ((لقد أُخِفتُ في الله وما يُخَافُ أَحَد، ولقد أُوذيتُ في الله وما يُؤذَى أَحد، ولقد أتت عليّ ثلاثونَ من يوم وليلةٍ مالي ولبِلالِ طعامٌ یأكله أحد إلّا شيء يُوارِيه إبطُ بلال)) أخرجه التِّرمِذيّ (٢٤٧٢) وصَحَّحَه، وكذا أخرجه ابن حِبّان (٦٥٦٠) بمعناه. نعم، كان ◌َّه يختار ذلك مع إمكان حصول التَّوسُّع والتَّبسُّط في الدُّنيا له، كما أخرج التِّرمِذيّ (٢٣٤٧) من حديث أبي أمامةَ: ((عَرَضَ عليَّ رَبّ ليجعلَ لي بَطحاءَ مَكّة ذهباً فقلت: لا يا رَبّ، ولكن أشبَعُ يوماً وأجوع يوماً، فإذا جُعْت تَضَرَّعت إليك، وإذا شَبِعتُ شَكَرتُك))، وسأذكر حديث عائشة في ذلك في الحديث الخامس. الحديث الرابع: ٦٤٥٥- حدَّثني إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، حدَّثنا إسحاقُ - هو الأزْرَقُ - عن مِسعَرِ بنِ كِدَامِ، عن هلالٍ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: ما أكَلَ أَلُّ محمَّدٍ وَه أكلتَينِ في يومٍ إلّا إحداهما تَمْرٌ. قوله: ((إسحاق بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن)) هو البَغَويّ، وهلال المذكور في السَّنَد: هو الوَزّان، وهو ابن ◌ُمیدٍ. ١٣٤ باب ١٧ / ح ٦٤٥٦ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((ما أكل آلُ محمَّد)) في رواية أحمد بن مَنِيع عن إسحاق الأزرق بسندِه المذكور هنا: ما شَبِعَ محمَّد، بحذفِ لفظ ((آل))، وقد تقدَّم أنَّ آل محمَّد قد يُطلَق ويُراد به محمَّد نفسه. قوله: ((أكلَتَينِ في يوم إلّا إحداهما تَمْر)) فيه إشارة إلى أنَّ الثَّمر كان أيسَرَ عندهم من غيره، والسَّبَب ما تقدَّم في الأحاديث التي قبله، وفيه إشارة إلى أنَّهم رُبَّما لم يَجِدوا في اليوم إلّا أكلة واحدة، فإن وَجَدوا أكلتینِ فإحداهما تمر. ووَفَعَ عند مسلم (٢٩٧١) من طريق وكيع عن مِسعَر بلفظ: ما شَبِعَ آلُّ محمَّد يومين من خُبز البُرِّ إلّا وأحدهما تمر. وقد أخرج ابن سعد (٤٠٦/١) من طريق عمرانَ بن زيد (١) المدنيّ: حدَّثني والدي قال: دَخَلنا على عائشة فقالت: خَرَجَ - تعني النبيَّ وَّه ـ من الدُّنيا ولم يَملَأ بطنه في يوم من طعامَين، كان إذا شَبِعَ من الثَّمر لم يَشبَع من الشَّعير، وإذا شَبِعَ من الشَّعير لم يَشبَع من النَّمر. وليس في هذا ما يدلّ على ترك الجمع بين لونَين، فقد تَرجَمَ المصنِّف في الأطعمة للجواز، وأورَدَ حديث (٥٤٤٩): «كان يأكل القِّاء بالرُّطَب))، وتقدَّم شرحه هناك وبيان ما يَتَعلَّق بذلك. الحديث الخامس: ٦٤٥٦ - حدَّثني أحمدُ بنُ رَجاءٍ، حدَّثنا النَّضْرُ، عن هشامٍ، قال: أخبرني أبي، عن عائشةَ، قالت: كان فِراشُ رسولِ الله وَلِّ مِن أَدَم، وحَشْوُه من لِيفٍ. قوله: ((النَّضْرِ)) هو ابن شُمَيلِ، بالمعجَمة مُصغّرٌ. قوله: ((كان فِراشُ رسول الله وَّر من أَدَم)) بفتح الهمزة والمهمَلة (٢) («حَشوُه ليفٌ)) في رواية ابن نُمَير عن هشام عند ابن ماجَهْ (٤١٥١) بلفظ: كان ضِجاع رسول الله وَلِ أَدَماً حَشؤُه ليفٌ، والضِّجاع بكسر الضّاد المعجَمة بعدها جيم: ما يُرقَد عليه، وتقدَّم في «باب (١) تحرَّف في (س) إلى: يزيد. وعمران بن زيد المدني ووالده جهَّلهما الذهبي في ((ميزان الاعتدال)). (٢) بدل ((المهملة)) في (س): الموحدة، وهو تحريف. ١٣٥ باب ١٧/ ح ٦٤٥٧ - ٦٤٥٩ كتاب الرقاق ما كان النبيّ وَ﴿ يَتَجوَّز من اللِّباس والبُسْط)) من كتاب اللِّباس (٥٨٤٣) حديث عمر الطّويل في قصَّة المرأتينِ اللَّتَينِ تَظاهَرَتا على النبيّ وَّ، وفيه: فإذا النبيّ نَّ على حصير قد أثَّرَ في جنبه، وتحت رأسه مِرفَقة من أَدَم حَشوُها لِيف. وأخرجه البيهقيُّ في «الدَّلائل)) (٣٣٧/١) من حديث أنس بنحوِه وفيه: وِسادة، بَدَل: مِرفَقة، ومن طريق الشَّعبيّ عن مسروق عن عائشة (٣٤٥/١): دَخَلَت عليَّ امرأة فرأت فِراشَ النبيّ ◌َ﴿ عَباءةً مَثنيَّة، فَبَعَثَت إليَّ يفِراشِ حَشوُه صوف، فدَخَلَ النبيّ ◌ََّ فرآه فقال: ((رُدّيه يا عائشة، والله لو شِئتُ أجرَى الله معي جبالَ الذَّهَب والفِضّة)). وعند أحمد (٣٧٠٩) وأبي داود الطَّيالسيّ (٢٧٥) من حديث ابن مسعود: اضطَجَعَ رسول الله وَّ على حَصيرٍ فأثَّرَ في جنبه، فقيلَ له: ألا نأتيك بشيءٍ يَقِيك منه؟ فقال: ((ما لي وللدُّنيا، إنَّما أنا والدُّنيا كراكِبِ استَظلَّ تحت شجرة ثمَّ راحَ وتَرَكَها». الحدیث السادس: حديث أنس. ٦٤٥٧ - حدَّثنا هُدْبةُ بنُ خالدٍ، حدَّثْنَا هَمَّامُ بنُ يحيى، حدَّثْنَا قَتَادةُ، قال: كنّا نأتي أنسَ بنَ مالكٍ وخَبّازُه قائمٌ، وقال: كُلُوا، فما أعلمُ النبيَّ وَّهَ رَأَى رَغِيفاً مُرقَّقاً حتَّى لَحِقَ بالله، ولا رَأى شاةً سَمِيطاً بعينِهِ قَطُّ. قوله: ((وَخَبّازُه قائم)) لم أقِفْ على اسمه، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَى في ((باب الخبز المرقَّق»/ ٢٩٣/١١ من كتاب الأطعمة (٥٣٨٦). ٦٤٥٨ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا يحيى، حدَّثنا هشامٌ، أخبرني أَبي، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: كان يأتي علينا الشَّهْرُ ما نُوقِدُ فيه ناراً، إِنَّما هو التمرُ والماءُ، إلّا أن نُؤْتَى باللُّحَيم. ٦٤٥٩ - حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله الأُوَيْسيُّ، حدَّثنا ابنُ أبي حازم، عن أبيه، عن یزیدَ ابنِ رُومانَ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ، أنَّهَا قالت لعُرْوةَ: ابنَ أُخْتي، إن كنَّا لَتَنظُرُّ إلى الهلالِ ثلاثةَ أهِلّةٍ فِي شَهْرَينٍ، وما أُوقِدَت في أبياتِ رسولِ اللهِوَّهِ نارٌ، فقلتُ: ما كان يُعِيشُكم؟ قالت: الأسوَدان: التمرُ والماءُ، إلّا أنَّه قد كان لرسولِ الله وَّهِ جِيرانٌ منَ الأنصار كان لهم مَنائحُ، ١٣٦ فتح الباري بشرح البخاري وكانوا يَمْنحونَ رسولَ اللهِوَ ◌ّ من أبياتهم فيَسْقِيناهُ. الحديث السابع: حديث عائشة، ذكره من طريقَينِ وقد سَقَطَتِ الثّانية للنَّسَفيِّ وأبي ذرٍّ، وثَبَتَت للباقينَ، وهي عند الجميع في كتاب الهبة (٢٥٦٧). قوله في الطَّريق الأولى: ((يحيى)) هو القَطّان، وهشام: هو ابن عُرْوة. قوله: ((كان يأتي علينا الشَّهرُ ما نُوقِدٍ فيه ناراً إِنَّا هو التمر والماء، إلّا أن نُؤْتَى باللُّحَيمِ، كذا فيه بالتَّصغير إشارة إلى قِلَّته. وقوله في الطَّريق الثّانية: ((ابن أبي حازم)) هو عبد العزيز بن سَلَمة بن دينار، وفي الإسناد ثلاثة من التابعين في نَسَقٍ من أهل المدينة: أبو حازم ويزيد وعُرْوة. قوله: ((ابنَ أُخْتي)) بحذفٍ حرف النِّداء، أي: يا ابن أُختي، لأنَّ أمّه أسماء بنت أبي بكر. قوله: ((إن كنَّا لَتَنظُر إلى الهلال ثلاثة أهِلّة في شَهرَين)) المراد بالهلال الثّالث: هلال الشَّهر الثّالث، وهو يُرَى عند انقضاء الشَّهرَين، وبُرُؤيَتِهِ يَدخُل أوَّل الشَّهر الثّالث، ووَقَعَ في رواية سعيد عن أبي هريرة عند ابن سعد (١/ ٤٠١): كان يَمُرّ برسولِ الله ◌َِّ هلال ثمَّ هلال ثمَّ هلال، لا يُوقَد في شيء من بُيُوته نار لا لخبزٍ ولا لطَبخٍ. قوله: ((فقلتُ: ما كان يُعِيشكم؟)) بضمٍّ أوَّله، يقال: أعاشَه الله، أي: أعطاه العيْش، وفي رواية أبي سَلَمة عن عائشة(١) نحوه، وفيه: قلت: فما كان طعامكم؟ قالت: الأسودانِ: التَّمر والماء. وفي حديث أبي هريرة قالوا: بأيِّ شيء كانوا يعيشون؟ نحوه. وفي هذا إشارة إلى ثاني الحال بعد أن فُتِحَت قُرَيظة وغيرها، ومن هذا ما أخرجه التِّرمِذيّ (٣٣٥٦) من حديث الزُّبَير قال: لمَّ نزلت: ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَيِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر:٨] قلت: وأيُّ نعيمٍ نُسأل عنه وإنَّما هو الأسودان النَّمر والماء؟ قال: ((إنَّه سيكون)). قال الصَّغَانيّ: الأسودان يُطلَق على التَّمر والماء، والسَّوَاد للتَّمرِ دونَ الماء فتُعِتا بنَعتٍ واحد (١) عند ابن ماجه (٤١٤٥). ١٣٧ باب ١٧ / ح ٦٤٦٠ كتاب الرقاق تغليباً، وإذا اقتَرَنَ الشَّيئان سُمّيا باسم أَشهَرهما. وعن أبي زيد: الماء يُسمَّى الأسودَ واستَشهَدَ لذلك بشِعرٍ. قلت: وفيه نظر، وقد تقع الخِفّة أو الشَّرَف موضع الشُّهرة، کالعُمَرَینِ لأبي بكر وعمر، والقَمَرَينِ للشمس والقمر. قوله: ((إلّا أنَّه قد كان لرسولِ اللهِ وَّهِ جيرانٌ من الأنصار)» زاد أبو هريرة في حديثه: جزاهم الله خيراً. قوله: ((كان لهم مَنائحُ)) جمعُ مَنيحة، بنونٍ وحاء مُهمَلة، وعند التِّرمِذيّ (٢٣٦٠) وصَحَّحَه من حديث ابن عبّاس: كان النبيّ وَّ يبيت اللَّياليَ المتابعة وأهلُه طاوِينَ لا يَجِدُونَ عَشاءً. وعند ابن ماجَهْ (٤١٥٠) من حديث أبي هريرة: أُتيَ النبيّ ◌َّل بطعام سُخْن فأَكَلَ، فلمَّا فَرَغَ قال: ((الحمد لله، ما دَخَلَ بطني طعامٌ سُخن مُنذُ كذا وكذا)) وسنده حسن. ومن شواهد الحديث ما أخرجه ابن ماجَهْ (٤١٤٧) بسندٍ صحيح عن أنس: سمعت رسول الله وَ له يقول مِراراً: ((والذي نفس محمَّد بيدِه، ما أصبَحَ عند آلِ محمَّد صاعُ حَبّ ولا صاعُ تمر)) وإِنَّ له يومَئذٍ لَتِسِعُ نِسوة. وله شاهد عند ابن ماجَهْ (٤١٤٨) عن ابن مسعود. الحديث الثامن: ٦٤٦٠- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ فُضَيلِ، عن أبيه، عن عُمارةَ، عن أبي زُرْعةَ، عن أبي هريرةَ عَظُ، قال: قال رسولُ الله ◌ََّ: ((اللهمَّ ارْزُقْ آَلَ محمَّدٍ قُوتاً)). قوله: ((عن أبيه)) هو فُضَيل بن غَزْوانَ، وعُمارة: هو ابن القعقاع، وأبو زُرْعة: هو ابن عَمْرو بن جَرِیر. قوله: ((اللهمَّ ارزُقْ آل محمَّد قُوتاً)) هكذا وَقَعَ هنا، وفي رواية الأعمش عن عمارة عند مسلم (١٨/٢٩٦٩) والتِّرمِذيّ (٢٣٦١) والنَّسائيِّ (ك١١٨٠٩) وابن ماجَهْ (٤١٣٩): ((اللهمَّ اجعل رِزقَ آل محمَّد قُوتاً)) وهو المعتمَد، فإنَّ اللَّفظ الأوَّل صالح لأن يكون دعاءً ١٣٨ فتح الباري بشرح البخاري بطلبٍ القُوت في ذلك اليوم، وأن يكون طلبَ لهم القوت، بخِلَاف اللَّفظ الثّاني فإنَّه يُعيِّن الاحتمال الثّاني وهو الدَّالُّ على الكَفَاف، وقد تقدَّم تقرير ذلك في الباب الذي قبله، وعلى ذلك شَرَحَه ابن بَطّال فقال: فيه دليل على فضل الكَفَاف وأَخْذ البُلْغة من الدُّنيا والزُّهد فيما فوق ذلك رغبةً في تَوفُّر نعيم الآخرة، وإيثاراً لما يبقى على ما يَفنَى، فينبغي أن تَقتَديَ به أمَّتُه في ذلك. وقال القُرطُبيّ: معنى الحديث أنَّه طلبَ الكَفافَ، فإنَّ القوتَ ما يَقُوتِ البَدَنَ وَيَكُفّ عن الحاجة، وفي هذه الحالة سلامة من آفات الغِنَى والفقر جميعاً، والله أعلم. ١٨ - باب القصد والمداومة على العمل ٦٤٦١ - حدَّثنا عَبْدانُ، أخبرنا أبي، عن شُعْبةَ، عن أشعَثَ، قال: سمعتُ أَبي، قال: سمعتُ مسروقاً، قال: سألتُ عائشةَ رضي الله عنها: أيُّ العملِ كان أحبَّ إلى النبيِّ وَّ؟ قالت: الدَّائمُ، قال: قلتُ: في أيِّ حِينٍ كان يقوم؟ قالت: كان يقومُ إذا سَمِعَ الصّارِخَ. ٢٩٤/١١ ٦٤٦٢ - حدَّثنا قُتَيةُ، عن مالك، عن هشامِ بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، أنَّها قالت: كان أحبُّ العملِ إلى رسولِ الله وَّ الذي يَدُومُ علیه صاحبُه. قوله: ((باب القَصْد)) بفتح القاف وسكون المهمَلة: هو سُلوك الطَّريق المعتَدِلة، أي: استحباب ذلك، وسيأتي أنَّهم فَسَّروا السَّدَاد بالقصد، وبه تظهر المناسبة. ٢٩٥/١١ قوله: ((والمداومة على العمل)) أي: الصالح. ذكر فيه ثمانية أحاديث أكثرها مُكرَّر وفي بعضها زيادة على بعض، ومحصَّل ما اشتَمَلَت عليه الحثُّ على مُداوَمة العمل الصالح وإن قَلَّ، وأنَّ الجنَّة لا يَدخُلها أحد بعَمَلِه بل برحمة الله، وقصَّةُ رُؤية النبيِّوَِّ الجنَّةَ والنارَ في صلاته، والأوَّل هو المقصود بالتَّرجمة، والثّاني ذُكِرَ استطراداً وله تَعلُّق بالتَرجمة أيضاً، والثّالث يَتَعلَّق بها أيضاً بطريقٍ خَفيّ. ١٣٩ باب ١٨ / ح ٦٤٦٣ كتاب الرقاق الحديث الأول: قوله: ((حدَّثْنا عَبْدانُ)) هو عبد الله بن عثمان بن جَبَلَةَ بن أبي رَوّادٍ، وأشعَثُ: هو ابن سُلَيم بن الأسود، وأبوه يُكْنى أبا الشَّعثاء بمُعجَمةٍ ثمَّ مُهمَلة ثمَّ مُثلَّثة، وهو بها أشهَرُ، وقد تقدَّم هذا الحديث بهذا الإسناد في ((باب مَن نامَ عند السَّحَر)) من كتاب التَّهجُّد (١١٣٢)، وتقدَّم شرحه هناك. والمراد بالصّارخ: الدِّيك. وقوله هنا: ((قلتُ: في أيّ حينٍ كان يقوم؟)) وَقَعَ في رواية الكُشْمِيهنيّ: فأيُّ حين؟ وقد تقدَّم هناك بلفظ: قلت: متى كان يقوم؟ وأعقَبَه برواية أبي الأحوص عن أشعَث بلفظ: إذا سمعَ الصّارِخَ قامَ فصَلَّى؛ اختَصَرَه، وأخرجه مسلم (٧٤١) من هذا الوجه بتمامه وقال فيه: قلت: أيّ حين كان يُصَلّي؟ فذكره. الحديث الثاني: حديث عائشة أيضاً من طريق عُرْوة عنها أنَّها قالت: ((كان أحبُّ العمل إلى رسول الله وَّ الذي يدوم عليه صاحبه))، وهذا يُفسِّر الذي قبله، وقد ثَبَتَ هذا من لفظ النبيّ ◌َدليل كما في الحديث الذي يلي الذي بعده. الحديث الثالث: حديث أبي هريرة من رواية سعيد المقبريِّ عنه. ٦٤٦٣ - حدَّثنا آدمُ، حدَّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ، عن سعيدِ المقبُريِّ، عن أبي هريرةَ ﴾، قال: قال رسولُ الله وَّةِ: ((لن يُنَجِّيَ أحداً منكم عملُه)) قالوا: ولا أنتَ يا رسولَ الله؟ قال: ((ولا أنا، إلّا أن يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ برحمةٍ، سَدِّدوا وقارِبوا واغْدُوا ورُوحُوا، وشيئاً منَ الدُّلْجَةِ، والقَصْدَ القَصْدَ قَبلُغوا)). قوله: ((لن يُنَجِّيَ أحداً منكم عملُه)) في رواية أبي داود الطَّالسيّ (٢٤٤١) عن ابن أبي ذِئْب: ((ما منكم من أحد يُنَجّيه عمله))، وأخرجه أبو نُعَيم من طريقه، وتقدَّم في ((كفَّارة المرض))(١) من طريق أبي عُبيد عن أبي هريرة بلفظ: «لن يُدخِلَ أحداً عملُه الجنَّة)). وأخرجه مسلم أيضاً (٢٨١٦/ ٧٥) وهو كَلفظ عائشة في الحديث الرَّابع هنا، ولمسلمٍ (٢٨١٦/ ٧٣) من طريق ابن عَوْن عن محمَّد بن سِيرِين عن أبي هريرة: «ليس أحدٌ منكم يُنَجّيه (١) بل في ((تمني المريض الموت)) برقم (٥٦٧٣). ١٤٠ باب ١٨ / ح ٦٤٦٣ فتح الباري بشرح البخاري عمله))، ومن طريق الأعمَش عن أبي صالح عن أبي هريرة (٧٦/٢٨١٦): أنَّه ((لن يَنْجُوَ أحد منكم بعَمَلِهِ)). وله (٢٨١٧) من حديث جابر: ((لا يُدخِلُ أحداً منكم عملُه الجنَّة، ولا ◌ُجیرُه من النار)). ومعنى قوله: ((يُنجِّي)) أي: يُخُلِّص، والنَّجاة من الشَّيء: التَّخَلُّص منه. قال ابن بَطّال في الجمع بين هذا الحديث وقوله تعالى: ﴿ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِىّ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] ما مُحُصَّله: أن تُحمَل الآية على أنَّ الجنَّة تُنال المنازِلُ فيها بالأعمال، فإنَّ دَرَجات الجنَّة مُتَفَاوِتة بحَسَبٍ تَفاوت الأعمال، وأن يُحمَل الحدیث على دخول الجنَّة والخُلود فيها. ثمَّ أورَدَ على هذا الجواب قولَه تعالى: ﴿سَلَمُ عَلَيْكُمْ أَدْ خُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢]، فصَرَّحَ بأنَّ دخول الجنَّة أيضاً بالأعمال، وأجابَ بأنَّه لفظ مُجُمَل بَّنه الحديث، والتَّقدير: ادخُلوا منازِلَ الجنَّة وقُصورها بما كنتم تعملون، وليس المراد بذلك أصل ٢٩٦/١١ الدُّخول، ثمَّ قال: ويجوز/ أن يكون الحديث مُفسِّراً للآية، والتَّقدير: ادخُلوها بما كنتُم تَعمَلونَ مع رحمة الله لكم وتَفَضُّله عليكم، لأنَّ اقتسام منازل الجنَّة برحمته، وكذا أصل دخول الجنَّة هو برحمتِهِ حيثُ أهَمَ العاملينَ ما نالوا به ذلك، ولا يخلُو شيء من مجازاتِه لعبادِه من رحمته وفضله، وقد تَفَضَّلَ عليهم ابتداءً بإيجادِهم، ثمَّ برزقِهم ثمَّ بتعليمِهم. وقال عِيَاض: طريق الجمع: أنَّ الحديث فَسَّرَ ما أُجِلَ في الآية؛ فذكر نحواً من كلام ابن بَطّال الأخير، وأنَّ من رحمة الله توفيقَه للعَمَلِ وهِدايته للطّاعة، كلّ ذلك لم يَسْتَحِقَّه العامل بعَمَلِه، وإنَّما هو بفضلِ الله وبر حمته. وقال ابن الجَوْزيّ: يَتَحَصَّل عن ذلك أربعة أجوبة: الأوَّل: أنَّ التَّوفيق للعَمَلِ من رحمة الله، ولولا رحمةُ الله السابقة ما حَصَلَ الإيمان ولا الطاعة التي يَحصُل بها النَّجاة. الثّاني: أنَّ منافع العبد لسَيِّدِه، فعَمَلُه مُستَحَقٌ لمولاه، فمهما أنعَمَ عليه من الجزاء فهو من فضله.