النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
باب ١٦ / ح ٦٤٤٧
كتاب الرقاق
وَقَعَ لجماعةٍ منهم أبو ذَرِّ ووُجِّهَ إليه فأجابَ، ولذلك نَسَبَه لنفسِه، وأمَّا المارّ فلم أقِف على
اسمه.
ووَقَعَ في رواية أُخرى لابنِ حِبّان (٦٨٥): سألَني رسولِّ عن رجل من قُرَيش
فقال: ((هل تَعرِف فلاناً؟)) قلت: نعم ... الحديث، ووَقَعَ في «المغازي)) لابن إسحاق ما قد
يُؤخَذ منه أنَّه عُيَينة بن حِصْن الفَزَاريُّ أو الأقرع بن حابس التَّميميّ كما سأذكره.
قوله: ((فقال)) أي: المسؤول.
قوله: ((رجلٌ من أشراف الناس)) أي: هذا رجل من أشراف الناس، ووَقَعَ كذلك عند
ابن ماجَهْ (٤١٢٠) عن محمَّد بن الصَّاح عن ابن(١) أبي حازم.
قوله: ((هذا والله حَرِيّ)) بفتح الحاء وكسر الرَّاء المهمَلتَينِ وتشديد آخره، أي: جَدير وحَقيق
وزناً ومعنّى، ووَقَعَ في رواية إبراهيم بن حمزة: قالوا: حَريٌّ.
قوله: ((إِنْ خَطَبَ أن يُنكَح)) بضمٍّ أوَّله وفتح ثالثه، أي: تُجاب خِطَتُه ((وإن شَفَعَ أن
يُشفَّع)) بتشديد الفاء، أي: تُقبَل شفاعتُه، وزاد إبراهيم بن حمزة في روايته: وإن قال أن
يُستَمَع، وفي رواية ابن حِبّان (٦٨٥): إذا سألَ أُعطِىَ، وإذا حَضَرَ أُدخِلَ.
قوله: ((ثمَّ مَّ رجل)) زاد إبراهيم: من فُقراء المسلمينَ، وفي رواية ابن حِبّان: مِسْكين من
أهل الصُّفّة.
قوله: ((هذا خيرٌ مِن مِلْء)) بكسر الميم وسكون اللّام مهموز.
قوله: ((مِثْل)) بكسر اللّام ويجوز فتحها، قال الطِّيبِيُّ: وَقَعَ التَّفضيل بينهما باعتبار مُميّزه
وهو قوله: ((هذا)»(٢) لأنَّ البيان والمبيِّن شيء واحد، زاد أحمد (٢١٣٩٥) وابن حِبّان (٦٨١):
= النسائي في ((الكبرى)) (١١٧٨٥) وابن حبان (٦٨٥) بلفظ: ثم سألني عن رجلٍ من قريش ... ثم سألني
عن رجل من أهل الصُّفة؛ وستأتي الإشارة إليه بعد قليل، ولم نقف عليه عند أبي يعلى.
(١) لفظ ((ابن)) سقط من (س).
(٢) في (س): قوله بعد هذا، بزيادة لفظ ((بعد)).

١٠٢
باب ١٦ / ح ٦٤٤٧
فتح الباري بشرح البخاري
((عند الله يوم القيامة))، وفي رواية ابن حِبّان الأخرى (٦٨٥): ((خيرٌ مِن طِلاع الأرض من
الآخر))، وطِلاع بكسر المهمَلة وتخفيف اللّام وآخره مُهمَلة، أي: ما طَلَعَت عليه الشمس
من الأرض، كذا قال عِيَاض، وقال غيره: المراد ما فوقَ الأرض، وزاد في آخر هذه الرّواية:
فقلت: يا رسول الله، أفَلا تُعطِي هذا كما تُعطي الآخر؟ قال: ((إذا أُعطِىَ خيراً فهو أهله، وإذا
صُرِفَ عنه فقد أُعطِىَ حسنةً)).
وفي رواية أبي سالم الجَيشانيّ عن أبي ذرٍّ فيما أخرجه محمَّد بن هارون الرُّويانيّ في ((مُسنَده))
وابن عبد الحَكَم في (فُتُوحِ مِصر))(١) ومحمّد بن الرَّبيع الجِيزيّ في ((مُسنَد الصحابة الذينَ نزلوا
مِصر)) ما يُؤْخَذ منه تسمية المارّ الثّاني، ولفظه: أنَّ النبيَّي ◌َِّ قال له: «كيف تَرَى جُعَيلاً؟»
قلت: مِسْكيناً كشَكْلِهِ من الناس، قال: ((فكيف تَرَى فلاناً؟»قلت: سيِّداً من السادات، قال:
((فجُعَيلٌ خير من مِلء الأرض مِثلَ هذا)). قال: فقلت: يا رسول الله، ففلانٌ هكذا، وتَصنَع به
ما تَصنَع؟ قال: ((إنَّه رأسُ قومه فأتألَّفهم)).
وذكر ابن إسحاق في ((المغازي)(٢) عن محمَّد بن إبراهيم التَّيْمِيِّ مُرسَلاً أو مُعضَلاً قال:
قيلَ: يا رسول الله، أعطَيتَ عُيَينَةَ والأقرَعَ مئةً مئةً وتَرَكت جُعَيلاً! قال: ((والذي نفسي
بَيَدِه، لَجُعَيلُ بن سُرَاقة خير من طِلاع الأرض مِثْلَ عُيَينَةَ والأقرع، ولكنّي أتَأَلَّفهما وأكِلُ
٢٧٨/١١ جُعَيلاً إلى إيمانه)(٣)، والجُعَيْلِ المذكور ذِكْر في حديث أخيه عَوف بن / سُرَاقة في غزوة بني
قُرَيظة(٤)، وفي حديث العِرْباض بن سارية في غزوة تَبُوك(٥)، وقيل فيه: جِعَال بكسر أوَّله
وتخفيف ثانيه ولعلَّه صُفِّرَ، وقيل: بل هما أخوان.
(١) ((فتوح مصر)) ص ٢٨٥، ورجاله ثقات.
(٢) انظر («سيرة ابن هشام)) ٢/ ٤٩٦ في قصة توزيع غنائم حنين، ورواه من طريق ابن إسحاق أيضاً البيهقي
في ((دلائل النبوة)) ١٨٣/٥.
(٣) أخرجه أبونعيم في «الحلية)) ١/ ٣٥٣ من طريق ابن إسحاق، بهذا الإسناد.
(٤) رواه أبو نعيم في (معرفة الصحابة)) (٥٥٢٩) وفيه: أنَّ عين جعيلِ أُصيبت يوم قريظة.
(٥) رواه الواقدي في ((مغازيه)) ١٠٣٦/٣ وسماه چِعال بن سراقة.

١٠٣
باب ١٦ / ح ٦٤٤٨
كتاب الرقاق
وفي الحديث بيانُ فضل جُعَيل المذكور، وأنَّ السِّيادة بمُجرَّدِ الدُّنيا لا أثر لها، وإنَّما الاعتبار
ئے
في ذلك بالآخرة كما تقدَّم: «أنَّ العَيش عَيش الآخرة)) (٦٤١٣)، وأنَّ الذي يَفُوته الحظُّ من الدُّنيا
يُعاضُ عنه بحَسنةِ الآخرة، ففيه فضيلة للفقرِ كما تَرجَمَ به، لكن لا حُجّة فيه لتفضيل الفقير على
الغني، قال ابن بَطّال: لأَنَّه إن كان فُضِّلَ عليه لفَقْره، فكان ينبغي أن يقول: خيرٌ من مِلء
الأرض مثله لا فقیرَ فیھم، وإن کان لفضله فلا حُجّة فیه.
قلت: يُمكِنِهِم أن يَلتَزِموا الأوَّل والحَيْثِيَّةُ مَرعيَّة، لكن تَبيَّن من سياق طُرُق القصَّة أنَّ
جهة تفضيله إنَّما هي لفضلِه بالتَّقوى، وليست المسألة مفروضة في فقير مُتَّقٍ وغنيٍّ غير
مُتَّقِ، بل لا بدَّ من استوائهما أوَّلاً في التَّقوى، وأيضاً فما في التَّرجمة تصريحٌ بتفضيل الفقر
على الغِنَى، إذ لا يَلزَمُ من ثُبُوت فضيلة الفقر أفضليَّته، وكذلك لا يَلزَمُ من ثُبُوت أفضليَّة
فقير على غَنِيّ أَفَضليَّةَ كلِّ فقير على كلّ غنيّ.
٦٤٤٨ - حدَّثنا الحُمَيديُّ، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا الأعمَشُ، قال: سمعتُ أبا وائلٍ، قال:
عُدْنا خَبّاباً، فقال: هاجَرْنا معَ النبيِّ وَلَهِ نُرِيدُ وجهَ اللهِ، فَوَقَعَ أجْرُنا على الله، فمِنّا مَن مَضَى لم
يأخُذْ من أجْرِه، منهم مُصعَبُ بنُ عُمَيرٍ، قُتِلَ يومَ أُحُدٍ وتَرَكَ نَمِرةً، فإذا غَطَّينا رأسَه بَدَتْ
رِجْلاه، وإذا غَطَينا رِجْلَيَه بَدَا رأسُه، فأمَرَنا النبيُّ ◌َّهِ أَن نُغَطِّيَ رأسَه، ونَجْعَلَ علی رِجْلَیه من
الإذْخِرِ، ومِنّا مَن ابنَعَت له ثَمَرَتُه فھو یہَدِمُها.
الحديث الثاني: حديث خَبّاب بن الأرتّ، وقد تقدَّم بعض شرحه في الجنائز (١٢٧٦)
فيما يَتَعلَّق بالكَفَن(١) ونحو ذلك، وذُكِرَ في موضعَينٍ من الهجرة (٣٨٩٧ و٣٩١٣)، وأحلتُ
بشرحِه على المغازي(٢)، فلم يَتَّفِقِ ذلك ذُهولاً.
قوله: ((حدَّثنا الحُمَيديّ، حدَّثنا سُفْيان)) هو ابن عُيَينَ ((عن الأعمَش)) وَقَعَ في أوائل الهجرة
(١) تحرَّف في (س) إلى: بالكسر.
(٢) بل أحال في الجنائز والهجرة إلى كتاب الرقاق، وهو في المغازي برقم (٤٠٤٧) و(٤٠٨٢)، وأحال هناك أيضاً
إلى كتاب الرقاق؛ وقد يكون الحافظ رجع إلى هذه المواضع جميعاً وغيّر عبارته إلى ما هي عليه الآن بعد أن أحال
على المغازي، ولم يتنبه إلى ذلك هنا.

١٠٤
فتح الباري بشرح البخاري
بهذا السَّنَد سواء: حدَّثنا الأعمَش.
قوله: ((عُدْنا)) بضمِّ المهمَلة من العِيادة.
قوله: ((هاجَرْنا مع رسول الله بَّه إلى المدينة)) أي: بأمره وإذنه، أو المراد بالمعيَّة الاشتِراكُ
في حُكم الهجرة، إذ لم يكن معه حِسّاً إلّا الصِّدّيق وعامر بن فُهَيرة.
قوله: (نَبْتَغِي وَجْهَ الله)) أي: جهةَ ما عنده من الثَّواب لا جهة الدُّنيا.
قوله: (فَوَقَعَ)) في رواية الثَّوْريّ كما مضى في الهجرة عن الأعمَش: فَوَجَبَ، وإطلاق
الوجوب على الله بمعنى إيجابه على نفسه بوَعِدِه الصّادِقِ، وإلّا فلا يجب على الله شيء.
قوله: ((أجْرُنا على الله)) أي: إثابتُنا وجزاؤُنا.
قوله: ((لم يأكل من أجْره شيئاً)) أي: من عَرَض الدُّنيا، وهذا مُشكِل على ما تقدَّم من
تفسير ابتغاء وجه الله، ويُجمَع بأنَّ إطلاق الأجر على المال في الدُّنيا بطريق المجاز بالنّسبة
لثواب الآخرة، وذلك أنَّ القصد الأوَّل هو ما تقدَّم لكن منهم مَن ماتَ قبل الفُتوح
كُمُصعَبٍ بن عُمَير، ومنهم مَن عاشَ إلى أن فُتِحَ عليهم، ثمَّ انقَسَموا: فمنهم مَن أعرَضَ
عنه وواسَى به المحاويجَ أوَّلاً فأوَّلاً، بحيثُ بَقِيَ على تلكَ الحالة الأولى، وهم قليل منهم
أبو ذَرّ، وهؤلاءِ مُلتَحِقونَ بالقسم الأوَّل.
ومنهم مَن تَبَسَّطَ في بعض المباح فيما يَتَعلَّق بكَثْرة النِّساء والسَّراريّ، أو الخَدَم والملابس
ونحو ذلك، ولم يَستَكثِر، وهم کثیر ومنهم ابن عمر.
ومنهم مَن زاد فاستَكثَرَ بالتِّجارة وغيرها مع القيام بالحقوقِ الواجبة والمندوبة، وهم
كثير أيضاً منهم عبد الرَّحمن بن عَوْف.
وإلى هذَينِ القسمَينِ أشارَ خَّاب، فالقسم الأوَّل وما التَحَقَ به تَوفَّرَ له أجرُه في الآخرة،
والقسم الثّاني مُقْتَضَى الخبر أنَّه يُحسَب عليهم ما وَصَلَ إليهم من مال الدُّنيا من ثوابهم في
الآخرة.

١٠٥
باب ١٦ / ح ٦٤٤٨
كتاب الرقاق
ويُؤْيِّده ما أخرجه مسلم (١٩٠٦) من حديث عبد الله بن عَمْرو رَفَعَه: ((ما من غازيةٍ
تَغْزُو فَتَغْنَم وتَسلَم إلّا تَعَجَّلوا ثُلُني أجرهم)) الحديث، ومن ثَمَّ آثرَ كثير من السَّلَف ◌ِقِلّة
المال وقَنِعوا به، إمّا لِيَتَوفَّر لهم ثوابهم في الآخرة، وإمّا ليكونَ أقلَّ لحسابهم عليه.
قوله: ((منهم مُصعَب بن عُمَير)) بصيغة التَّصغير: هو ابن هاشم(١) بن عبد مناف بن
عبد الدَّار بن قُصَيّ، يجتمع مع النبيّ وَ لَه في قُصَيّ، وكان يُكْنى أبا عبد الله، من السابقينَ إلى
الإسلام وإلى هجرة المدينة، قال البراء: أوَّل مَن قَدِمَ علينا مُصعَب بن عُمَير وابن أمّ مكتوم
وكانا يُقرِئان القرآن، أخرجه المصنِّف في أوائل الهجرة (٣٩٢٤)، وذكر ابن إسحاق: أنَّ
النبيَّ ◌ََّ أرسَلَه مع أهل العَقَبة الأولى يُقرِئهم ويُعلِّمهم، وكان مُصعَب وهو بمكّة/ في ثروة ٢٧٩/١١
ونِعمة فلمَّا هاجَرَ صارَ في قِلّة، فأخرج التِّرمِذيّ (٢٤٧٦) من طريق محمّد بن كعب:
حدَّثني مَن سمعَ عليّاً يقول: بينَما نحنُ في المسجد إذ دَخَلَ علينا مُصعَب بن عُمَير، وما
عليه إلّا بُرْدة له مرفوعة بفَرْوةٍ، فَكَى رسول الله وَّي لمَّا رآه للَّذي كان فيه من النَّعيم
والذي هو فيه اليوم.
قوله: ((قُتِلَ يومٍ أُحُد)) أي: شهيداً، وكان صاحبَ لواء رسول الله وَ ل﴿ يومئذٍ، ثَبَتَ ذلك
في مُرسَل عُبيد بن عُمَير بسندٍ صحيح عند ابن المبارك في كتاب ((الجهاد)) (٩٥).
قوله: (وتَرَك نَمِرةً) بفتح النُّون وكسر الميم ثمَّ راء: هي إزار من صوف مُطَّط أو بُرْدة.
قوله: ((أينَعَت)) بفتح الهمزة وسكون التَّحتانيَّة وفتح النُّون والمهمَلة، أي: انتَهَت
واستَحقَّتِ القَطْف، وفي بعض الرِّوايات: يَنَعَت بغير ألف وهي لُغة، قال القَزّاز: وأينَعَت
أکثر.
قوله: ((فهو يَهدِبُها)) بفتح أوَّله وسكون ثانيه وكسر المهمَلة ويجوز ضَمّها بعدها موحّدة،
أي: يقطِفها.
قال ابن بَطّال: في الحديث ما كان عليه السَّلَف من الصِّدق في وصف أحوالهم. وفيه أنَّ
(١) تحرَّف في (س) إلى: هشام.

١٠٦
باب ١٦ / ح ٦٤٤٩
فتح الباري بشرح البخاري
الصَّبر على مُكابَدة الفقر وصُعوبته من منازِل الأبرار.
وفيه أنَّ الكَفَن يكون ساتراً لجميع البَدَن، وأنَّ الميّت يصير كلُّه عورة، ويحتمل أن
یکون ذلك بطريق الكمال، وقد تقدَّم سائر ما يَتَعلَّق بذلك في كتاب الجنائز.
ثمّ قال ابن بَطّال: ليس في حديث خَبّاب تفضيلُ الفقير على الغني، وإنَّما فيه أنَّ هِجرتَهم لم
تكن لدُنيا يُصيبونَها ولا نِعمةٍ يَتَعَجَّونَها، وإنَّما كانت لله خالصة ليُثِيبَهم عليها في الآخرة،
فمَن ماتَ منهم قبل فتح البلاد تَوفَّرَ له ثوابه، ومَن بَقِيَ حتَّى نالَ من طيِّبات الدُّنيا خُشِيَ
أن يكون عُجِّل لهم أجر طاعتهم، وكانوا على نعيم الآخرة أحرَص.
الحديث الثالث:
٦٤٤٩ - حدَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا سَلْمُ بنُ زَرِيرٍ، حدَّثنا أبو رَجاءٍ، عن عِمْرانَ بنِ حُصَينٍ
رضي الله عنهما، عن النبيِّ وَّةِ، قال: «اطَّلَعْتُ في الجنَّةِ فرأيتُ أكثرَ أهلِها الفقراءَ، واطَّلَعْتُ في
النارِ فرأيتُ أكثرَ أهلِها النِّساءَ)).
تابَعَه أيوبُ وعَوْفٌ.
وقال صَخْرٌ وحَّدُ بنُ نَجِيحٍ: عن أبي رَجَاءٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ.
قوله: ((سَلْم)) بفتح المهمَلة وسكون اللّام ((بن زَرِير)» بزاٌّ ثمَّ راءٍ وزن عظيم،
وأبو رَجاء: هو العُطَارديّ، وقد تقدَّم بهذا السَّنَد والمتن في صِفَة الجنَّة من بَدْء الخلق
(٣٢٤١)، ويأتي شرحه في صِفَة الجنَّة والنار من كتاب الرِّقاق هذا (٦٥٤٦).
قوله: ((تابَعَه أيوب وعَوْف، وقال حَمَّاد بن نَجِيح وصَخْر عن أبي رَجَاء: عن ابن عبّاس»
أمَّا مُتَابَعة أيوب، فوَصَلَها النَّسائيُّ (ك٩٢١٥ و٩٢١٦)، وتقدَّم بيان ذلك واضحاً في کتاب
النِّكاح (٥١٩٨).
وأمَّا مُتَابَعة عوف، فوَصَلَها المؤلِّف في كتاب النِّكاح (٥١٩٨).
وأمَّا مُتَابَعة حَمَّد بن نَجِيح - وهو الإسكاف - البصريّ، فَوَصَلَها النَّسائيُّ (ك٩٢١٩)

١٠٧
كتاب الرقاق
من طريق عثمان بن عمر بن فارس عنه، وليس له في الكتابينِ سوى هذا الحديث الواحد،
وقد وثّقه و کیع وابن معِین وغيرهما.
وأمَّا مُتَابَعة صخر - وهو ابن جُوَيريةَ - فوَصَلَها النَّسائيُّ أيضاً (ك٩٢١٩) من طريق
المُعاَى بن عِمرانَ عنه، وابن مَندَهْ في كتاب ((التَّوحيد)) من طريق مسلم بن إبراهيم حدَّثنا
صخر بن جويريةَ وحَمّاد بن نَجيح قالا: حدَّثنا أبو رَجَاء به، وقد وَقَعَت لنا بعُلوّ في
((الجَعْديّات)) (٣١٦٢) من رواية عليّ بن الجَعْد عن صخر قال: سمعت أبا رَجاء حدَّثنا ابن
عبَّاس به، قال التِّرمِذيّ بعد أن أخرجه (٢٦٠٣) من طريق عَوْف: وقال أيوب: عن أبي
رَجَاء عن ابن عبّاس، وكِلا الإسنادَينِ ليس فيه مقال، ويحتمل أن يكون عند أبي رَجَاء عن
كلِّ منهما.
وقال الخطيب في ((المُدرَج)) (٨٧٩/٢): روى هذا الحديث أبو داود الطَّيالسيّ (٨٧٢) عن
أبي الأشهَب وجَرِير بن حازم وسَلْم بن زَرير وحَمَّاد بن نَجيح وصخر بن جُوَيريةَ عن أبي رَجَاء
عن عِمر انَ وابن عبّاس به، ولا نعلم أحداً جَمَعَ بين هؤلاء، فإنَّ الجماعة رَوَوه عن أبي رَجَاء عن
ابن عبّاس، وسَلْم ◌ِنَّما رواه عن أبي رَجَاء عن عِمرانَ، ولعلَّ جَرِيراً كذلك، وقد جاءتِ الرِّواية
عن أيوب عن أبي رَجَاء بالوجهَين، ورواه سعيد بن أبي عَرُوبة ومَطَرَ(١) عن أبي رَجَاء عن
عِمرانَ، فالحديث عن أبي رَجَاء عنهما، والله أعلم.
قال ابن بَطّال: ليس قوله: ((اطَّلَعتُ في الجنَّة فرأيت أكثر أهلها الفقراء» يُوجِب فضل
الفقير على الغني، وإنَّما معناه أنَّ الفقراء في الدُّنيا أكثر من الأغنياء، فأخبر عن ذلك، کما تقول:
أكثر أهل الدُّنيا الفقراء إخباراً عن الحال، وليس الفقر / أدخلهم الجنَّة وإنَّما دخلوا بصلاحهم مع ٢٨٠/١١
الفقر، فإنَّ الفقير إذا لم يكن صالحاً لا يَفضُل.
(١) في (أ) و(س): سعيد بن أبي عروبة عن فطر، وفي (ع): سعيد بن أبي عروبة وفطر، وكلاهما وقع فيه
تحريف، والمثبت هو الصواب وهو الموافق لما في كتاب الخطيب البغدادي، ومطرٌ هذا: هو ابن طَهمان
الورّاق، وروايته محرَّجة عند الخطيب.

١٠٨
فتح الباري بشرح البخاري
قلت: ظاهر الحديث التَّحريض على تَرْك التَّوسُّع من الدُّنيا، كما أنَّ فيه تحريض النِّساء
على المحافظة على أمر الدّين لئلّا يَدخُلنَ النار، كما تقدَّم تقرير ذلك في كتاب الإيمان (٢٩)
في حديث: («تَصَدَّقنَ فإنّ رأيتُكُنَّ أكثر أهل النار)) قيلَ: بِمَ؟ قال: ((بكُفرِهِنَّ) قيل: يَكْفُرنَ بالله؟
قال: (يَكْفُرنَ الإحسان))(١).
الحديث الرابع:
٦٤٥٠ - حدَّثنا أبو مَعْمَرٍ، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي عَرُوبةَ، عن قَتَادةَ، عن
أنسٍ ◌َُ، قال: لم يأكلِ النبيُّ وَِّ على خِوَانٍ حَتَّى ماتَ، وما أكَلَ خُبْزاً مُرفَّقاً حتَّى ماتَ.
قوله: ((حدَّثنا أبو مَعْمَر)) هو عبد الله بن محمَّد بن عَمْرو بن الحجّاج.
قوله: ((عن أنس)) في رواية همَّام عن قتادة: كنَّا نأتي أنس بن مالك، وسيأتي في الباب
الذي بعده.
قوله: ((على ◌ِوَان)) بكسر المعجَمة وتخفيف الواو، وتقدَّم شرحه في كتاب الأطعمة
(٥٣٨٦).
قوله: ((وما أكَلَ خُبْزاً مُرقَقاً حتَّى ماتَ)) قال ابن بَطّال: تَركُه عليه الصلاة والسَّلام
الأكلَ على الخِوان وأكلَ المَرَفَّق، إنَّما هو لدفع طيِّبات الدُّنيا اختياراً لطيِّبات الحياة
الدَّائمة، والمال إنَّما يُرغَب فيه ليُستَعانَ به على الآخرة، فلم يَحتَج النبيُّ بَّ إلى المال من
هذا الوجه. وحاصله: أنَّ الخبر لا يدلّ على تفضيل الفقر على الغِنَى، بل يدلّ على فضل
القَناعة والكَفاف وعَدَمِ التَّبسُّط في مَلاذِ الدُّنيا، ويُؤيِّده حديث ابن عمر: لا يُصيب عبدٌ
من الدُّنيا شيئاً إلّا نَقَصَ من دَرَجاته، وإن كان عند الله كريماً، أخرجه ابن أبي الدُّنيا(٢)،
(١) الحديث الذي أشار إليه هو حديث ابن عباس، وليس فيه الحثُّ على الصدقة، وقد وقع هذا الأمر في حديث أبي
سعيد الخدري في نحو هذا السياق، وقد سلف في كتاب الحيض برقم (٣٠٤).
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في ((الزهد)) (٢٩٧)، وفي ((ذم الدنيا)) (٣١١)، وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة في ((مصنفه))
٣٢٣/١٣، وهناد في ((الزهد)) (٥٥٧).

١٠٩
باب ١٦ / ح ٦٤٥١
كتاب الرقاق
قال المنذريُّ: وسنده جيِّد، والله أعلم.
الحديث الخامس:
٦٤٥١ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ أبي شَيْبةَ، حدَّثنا أبو أسامةَ، حدَّثنا هشامٌ، عن أبيه، عن عائشةً
رضي الله عنها، قالت: لقد تُوقِّيَ النبيُّ وَّ﴿ وما في رَقِّ من شيءٍ يأكلُه ذو كَبِدٍ، إلا شَطْرُ شَعيِرٍ
فِي رَفِّ لي، فأكَلْتُ منه حتَّى طالَ عليَّ، فكِلْتُهُ فَفَنِيَ.
قوله: ((حدَّثنا عبد الله بن أبي شَيْبة)) هو أبو بكر وأبو شَيْبة جدُّه لأبيه، وهو ابن محمَّد
ابن أبي شَيْبة واسمه إبراهيم، أصله من واسط وسَكَنَ الكوفة، وهو أحد الحُفّاظ الكِبار،
وقد أكثرَ عنه المصنِّف وكذا مسلم، لكن مسلم يُكنّه دائماً والبخاريّ يُسمّيه، وقَلَّ أن
گنّاه.
قوله: ((وما في بيتي شيء ... )) إلى آخره، لا يُخالف ما تقدَّم في الوصايا (٢٧٣٩) من
حديث عَمْرو بن الحارث المُصطَلِقِيّ: ما تَرَكَ رسول الله ◌َِّ عند موته ديناراً ولا دِرْهماً
ولا شيئاً؛ لأنَّ مُرادَه بالشَّيِ المنفيِّ ما تَخَلَّفَ عنه ممَّا كان يَخْتَصّ به، وأمَّا الذي أشارَت إليه
عائشة، فكان بقيَّةَ نَفَقَتها التي تَخْتَصّ بها، فلم يَتَّحِد المورِدان.
قوله: ((يأكله ذو كَبِد)) شَمِلَ جميعُ الحيوان وانتَفَى جميع المأكولات.
قوله: ((إلّا شَطْرُ شَعير)) المراد بالشَّطرِ هنا البعض، والشَّطر يُطلَق على النِّصف وعلى ما
قارَبَه، وعلى الجهة وليست مُرادةً هنا، ويقال: أرادت نصفَ وَسْق.
قوله: ((في رَفِّ لي)) قال الجَوْهريّ: الرَّفّ: شِبهُ الطاق في الحائط، وقال عِيَاض:
الرَّفّ: خَشَب يُرفَع عن الأرض في البيت يُوضَع فيه ما يُراد حفظه. قلت: والأوَّل أقرب
للمُراد.
قوله: ((فأكَلْتُ منه حتَّى طالَ عليَّ، فكِلْته)) بكسر الكاف ((فَنِيَ)) أي: فَرَغَ.
قال ابن بَطّال: حديث عائشة هذا في معنى حديث أنس في الأخذ من العيش بالاقتصاد
وما يَسُدّ الجَوْعة. قلت: إنَّما يكون كذلك لو وَقَعَ بالقصدِ إليه، والذي يظهر أنَّه ◌َ كان

١١٠
باب ١٦ / ح ٦٤٥١
فتح الباري بشرح البخاري
يُؤثِر بما عنده، فقد ثَبَتَ في ((الصحیحین))(١): أنَّه کان إذا جاءه ما فتَحَ الله علیه من خيبر
وغيرها من تمر وغيره يَدَّخِر قُوتَ أهله سنةً، ثمَّ يجعل ما بَقِيَ عنده عُدّة في سبيل الله تعالى؛
ثمَّ كان مع ذلك إذا طَرَأ عليه طارئ أو نزلَ به ضيفٌ يشير على أهله بإيثارهم، فرُبَّما أدَّى
ذلك إلى نَفاد ما عندهم أو مُعظَمه.
وقد روى البيهقيُّ(٢) من وجه آخرَ عن عائشة قالت: ما شَبِعَ رسول الله وَّ ثلاثة أيام
مُتَوالیة، ولو شِئنا لَشَبعنا، ولكنَّه کان یُؤثِر على نفسه.
وأمَّا قولها: ((فكِلتُه ففَنِيَ)) قال ابن بَطّال: فيه أنَّ الطَّعام المَكِيل يكون فناؤُه معلوماً
للعِلْم بكَيلِهِ، وأنَّ الطَّعام غير المَكِيل فيه البَرَكة؛ لأنَّه غير معلومٍ مِقدارُه.
قلت: في تعميم كلّ الطَّعام بذلك نظرٌ، والذي يظهر أنَّه كان من الخصوصيَّة لعائشة
بِبَرَكَة النبيّ وََّ، وقد وَقَعَ مثل ذلك في حديث جابر الذي أذكُرُه آخرَ الباب، ووَقَعَ مثل
ذلك في مِزوَد أبي هريرة الذي أخرجه التِّرمِذيّ (٣٨٣٩) وحَسَّنَه والبيهقيُّ في ((الدَّلائل))
(١٠٩/٦) من طريق أبي العالية عن أبي هريرة: أتيتُ رسول الله وَّهِ بَتَمَراتٍ فقلت: ادعُ لي
٢٨١/١١ فيهنَّ بالبَرَكة،/ قال: فَقَبَضَ ثمَّ دَعَا، ثمَّ قال: ((خُذهُنَّ فاجعَلُهُنَّ في مِزوَد، فإذا أردتَ أن تأخذ
منهُنَّ فأدخِلُ يدك فخُذْ ولا تَنْتُرهُنَّ نَثراً))، فحَمَلتُ من ذلك كذا وكذا وَسْقاً في سبيل الله،
وكنَّا نأكُل ونُطعِم، وكان المِوَد مُعلَّقاً بحَقْوِي لا يُفارقه، فلمَّا قُتِلَ عثمان انقَطَعَ.
وأخرجه البيهقيُّ أيضاً من طريق سهل بن زياد عن أيوب عن محمَّد عن أبي هريرة
مُطوَّلاً، وفيه: ((فأدخِل يدك فخُذْ ولا تُكفِئ فيُكفأ علیك))، ومن طريق يزيد بن أبي منصور
عن أبيه عن أبي هريرة نحوه.
ونحوه ما وَقَعَ في عُكّة المرأة، وهو ما أخرجه مسلم (٢٢٨٠) من طريق أبي الزُّبَير عن
جابر: أنَّ أمّ مالك كانت تُهدي للنبيِّ وَّهِ في عُكّة لها سَمناً، فيأتيها بَنُوها فيسألونَ الأُذْمَ،
(١) البخاري (٥٣٥٧) ومسلم (١٧٥٧).
(٢) في ((الشعب)) (٥٦٤٠).

١١١
كتاب الرقاق
صَلى الله
وَسَلـ
فتَعمَد إلى العُكّة فَتَجِدُ فيها سَمْناً، فما زالَ يُقيم لها أُدَمَ بيتها حتَّى عَصَرَته، فأتتِ النبيّ
فقال: ((لو تَركتِيها ما زالَ قائماً».
وقد استُشكِلَ هذا النَّهيُّ مع الأمر بكَيلِ الطَّعام وترتيبِ البَرَكة على ذلك كما تقدَّم في
البيوع (٢١٢٨) من حديث المقدام بن مَعدِي كَرِبَ بلفظ: ((كِيلوا طعامكم يُبارَكْ لكم
فيه))، وأُجيبَ بأنَّ الكَيل عند المبايَعة مطلوب من أجل تَعلَّقْ حَقّ المتبايعين، فلهذا القصد
يُندَب، وأمَّا الكَيلُ عند الإنفاق فقد يَبعَث عليه الشُُّّ فلذلك كُرهَ، ويُؤيِّده ما أخرجه
مسلم (٢٢٨١) من طريق مَعقِل بن عُبيد الله عن أبي الزُّبَير عن جابر: أنَّ رجلاً أتى النبيَّ ◌َله
يَستَطِعِمِهِ، فَأَطعَمَه شَطَرَ وَسْق شعير، فما زالَ الرجل يأكل منه وامرأته وضَيفُهما حتَّى كالَه،
فأتى النبيَّ ◌َ ◌ّه فقال: ((لو لم تَكِلْه لَأكَلتُم منه ولَقامَ لكم)).
قال القُرطُبيّ: سبب رفع النَّماء من ذلك عند العَصْر والكَيل - والله أعلم - الالتِفاتُ بعينِ
الحِرص مع مُعاينة إدرار نِعَم الله ومواهب كراماته وكَثْرة بَرَكاته، والغَفْلة عن الشُّكر عليها
والثِّقة بالذي وَهَبَها والميل إلى الأسباب المعتادة عند مُشاهَدة خَرْق العادة.
ويُستَفاد منه: أنَّ مَن رُزِقَ شيئاً أو أُكرِم بكرامةٍ أو لُطِفَ به في أمر ما، فالمتعيَّن عليه موالاةُ
الشُّكر ورُؤية المِنّة لله تعالى، ولا يُحدِث في تلك الحالة تغييراً، والله أعلم.
١٧ - بابٌ كيف كان عيش النبيّ وَلا وأصحابه
وتخلّيهم من الدّنيا
٦٤٥٢ - حدَّثني أبو نُعَيم بنحوٍ من نِصْفِ هذا الحديثِ، حدَّثنا عمرُ بنُ ذَرٍّ، حدَّثنا مجاهدٌ:
أنَّ أبا هريرةَ كان يقول: اللَّهِ الذي لا إلهَ إلّا هو، إن كنتُ لَأَعتَمِدُ بكَبِدي على الأرضِ منَ
الجوعِ، وإن كنتُ لأَشُدُّ الحجرَ على بَطْني منَ الجوع، ولقد قَعَدْتُ يوماً على طريقِهمِ الذي
يَخْرُجونَ منه، فمَرَّ أبو بكرٍ فسألتُه عن آيةٍ من كتاب الله، ما سألتُه إلّا لِيُشبِعَنِي، فمرَّ ولم يَفْعَلْ،
ثمَّ مَرَّ بي عمرُ فسألتُه عن آيةٍ من كتاب الله، ما سألتُه إلّا لِيُشبِعَنِي، فمرَّ فلم يَفْعَلْ، ثمَّ مَّ بي
أبو القاسمِ لَِّ فَتَبَسَّمَ حينَ رآني، وعَرَفَ ما في نفسي وما في وجهي، ثمَّ قال لي: ((يا أبا هِرِّ))

١١٢
باب ١٧ / ح ٦٤٥٢
فتح الباري بشرح البخاري
قلتُ: لَبِّكَ رسولَ الله، قال: ((الحَقْ))، ومَضَى فَتَبِعْتُهُ فَدَخَلَ، فأستَأذِنُ فَأَذِنَ لي، فدَخَلَ فَوَجَدَ
لَبِناً في قَدَحِ، فقال: ((مِن أينَ هذا اللَّبَن؟)) قالوا: أهداه لكَ فلانٌ أو فلانةُ، قال: ((أبا هِرِّ)) قلتُ:
لَّيكَ يا رسولَ الله، قال: ((الحَقْ إلى أهلِ الصُّفّةِ فادْعُهم لي)»، قال: وأهلُ الصُّفّةِ أضْيافُ
الإسلامِ، لا يأوُونَ على أهلٍ ولا مالٍ ولا على أحدٍ، إذا أتتْه صَدَقةٌ بَعَثَ بها إليهم، ولم يَتَناوَل منها
شيئاً، وإذا أتْه هَدِيَّةٌ أرسَلَ إليهم وأصاب منها، وأشرَكَهم فيها، فساءني ذلك فقلتُ: وما هذا اللَّبَنُ
في أهلِ الصُّفّةِ؟! كنتُ أحقَّ أن أُصِيبَ من هذا اللَّبَنِ شَرْبةً أنقوَّى بها، فإذا جاء أمرَني فكنتُ أنا
أُعْطِيهم، وما عَسَى أن يَبلُغَني من هذا اللََّنِ، ولم يكن من طاعةِ الله وطاعةِ رسولِهِنَّهَ بُّدٌّ، فأتيتُهم
فَدَعَوْتُهم فأقبَلُوا، فاستأذَنوا فَأَذِنَ لهم، وأخَذُوا مَجَالسَهم منَ البيت.
قال: ((يا أبا هِّ)) قلتُ: لَبَّكَ يا رسولَ الله، قال: ((خُذْ فأعطِهم))، قال: فأخَذْتُ القَدَحَ
فَجَعَلْتُ أُعطِيه الرجلَ فِيَشْرَبُ حتى يَرْوَى، ثمَّ يَرُدُّ عليَّ القَدَحَ فَأُعطِيه الرجلَ فِيَشْرَبُ حتى
يَرْوَى، ثمَّ يُردُّ عليَّ القَدَحَ فِيَشْرَبُ حتَّى يَرْوَى، ثمَّ يُردُّ عليَّ القَدَحَ، حتَّى انتَهَيتُ إلى النبيِّ وَل
وقد رَوِيَ القومُ كلَّهم، فأخَذَ القَدَحَ فَوَضَعَه على يدِهِ، فَنَظَرَ إليَّ فَتَسَّمَ، فقال: ((أباهِّ)) قلت:
لَبَّكَ يا رسولَ الله، قال: (بَقِيتُ أنا وأنتَ)) قلتُ: صَدَقْتَ يا رسولَ الله، قال: ((اقْعُدْ فاشرَبْ))،
فقَعَدْتُ فشَرِبتُ، فقال: ((اشرَبْ))، فَشَرِبتُ، فما زالَ يقول: ((اشرَبْ)) حتَّى قلتُ: لا والذي
بَعَثَكَ بالحقِّ، ما أجِدُ له مَسْلَكاً، قال: ((فَأَرِني)) فأعطَيْتُهُ القَدَحَ، فحَمِدَ اللهَ وسَمَّى وشَرِبَ
الفَضْلةَ.
قوله: ((بابٌ)) بالتنوين («كيف كان عَيشُ النبيّ ◌َّهِ وأصحابه؟)) أي: في حياته ((وتَخْلِّهم عن
٢٨٣/١١
الدُّنيا)) أي: عن مَلاذّها والتَّسُّط فيها.
ذکر فیه ثمانية أحاديث:
الحديث الأول: قوله: ((حدَّثنا أبو نُعَيم بنحوٍ من نِصْف هذا الحديث)) قال الكِرْمانيُّ: هذا
يَستَلِزِم أن يكون الحديث بغير إسنادٍ؛ يعني غيرَ موصول، لأنَّ النِّصف المذكور مُبهَم لا
يُدرَى أهو الأوَّل أو الثّاني.

١١٣
كتاب الرقاق
قلت: يحتمل أيضاً أن يكون قَدرُ النِّصف الذي حدَّثه به أبو نُعَيم مُلفَّقاً من الحديث
المذكور، والذي يَتَبادَر من الإطلاق أنَّه النِّصف الأوَّل، وقد جَزَمَ مُغَلْطايُ وبعض شيوخنا
أنَّ القَدْر المسموع له منه هو الذي ذكره في ((باب إذا دُعيَ الرجل فجاء هل يَستأذِن)) من كتاب
الاستئذان (٦٢٤٦) حيثُ قال: حدَّثنا أبو نُعَيم حدَّثنا عمر بن ذَرّ (ح) وأخبرنا محمَّد بن
مُقاتل أخبرنا عبد الله - هو ابن المبارك - أخبرنا عمر بن ذَرِّ أخبرنا مجاهد عن أبي هريرة
قال: دَخَلتُ مع رسول الله وَ لَه فِوَ جَدَ لَبناً في قَدَح فقال: ((أبا هِرّ، الحَقْ أهَلَ الصُّفّة فادعُهم
إليَّ))، قال: فأتيتهم فدَعَوتهم، فأقبلوا فاستأذَنوا فأذِنَ لهم فدخلوا. قال مُغَلْطاي: فهذا هو
القَدْر الذي سمعَه البخاريّ من أبي نُعَيم؛ واعتَرَضَه الكِرْمانيُّ فقال: ليس هذا ثُلُثَ الحديث
ولا رُبعَه فضلاً عن نصفه.
قلت: وفيه نظر من وجهَينٍ آخرَين: أحدهما: احتمال أن يكون هذا السِّياق لابنِ
المبارك، فإنَّه لا يَتَعيَّن كونُه لفظ أبي نُعَيم، ثانيهما: أنَّه مُنتَزَع من أثناء الحديث، فإنَّه ليس
فيه القصّة الأولى المتعلّقة بأبي هريرة، ولا ما في آخره من حصول البَرَكة في اللَّبَن ... إلى
آخره.
نعم، المحرَّر قول شيخنا في ((النُّكَت على ابن الصَّلاح)) ما نَصُّه: القَدرُ المذكور في الاستئذان
بعض الحديث المذكور في الرِّقاق.
قلت: فهو ممَّا حدَّثه به أبو نُعَيم، سواء كان بلفظه أم بمعناه، وأمَّا باقيه الذي لم يسمعه
منه، فقال الكِرْمانيُّ: إنَّه يصير بغير إسنادٍ فيعود المحذور، كذا قال، وكأنَّ مُراده أنَّه لا
يكون مُتَّصِلاً لعَدَمِ تصريحه بأنَّ أبا نُعَيم حدَّثه به، لكن لا يَلزَمُ من ذلك محذورٌ بل يحتمل
كما قال شيخنا: أن يكون البخاريّ حدَّث به عن أبي نُعَيم بطريق الوِجَادة أو الإجازة، أو
◌َمَلَه عن شيخ آخر غير أبي نُعَيم. قلت: أو سمعَ بقيَّة الحديث من شيخٍ سمعَه من أبي
نُعَیم.
ولهذَينِ الاحتمالَينِ الأخيرَينِ أوردتُه في ((تغليق التَّعليق)) (١٦٩/٥-١٧٠)، فأخرجتُه من

١١٤
باب ١٧ / ح ٦٤٥٢
فتح الباري بشرح البخاري
طريق عليّ بن عبد العزيز عن أبي نُعَيم تامّاً، ومن طريقه أخرجه أبو نُعَيم في ((المستخرَج))،
والبيهقيُّ في ((الدَّلائل)) (٦/ ١٠١- ١٠٢)، وأخرجه النَّسائيُّ في ((السُّنَن الكُبرَى)) (١١٨٠٨)
عن أحمد بن يحيى الصُّوفيّ عن أبي نُعيم بتمامه.
واجتَمَعَ لي ثمّن سمعَه من عمر بن ذرِّ شيخ أبي نُعَيم أيضاً جماعة: منهم رَوْح بن عُبادة
أخرجه أحمد (١٠٦٧٩) عنه، وعليّ بن مُسهِر ومن طريقه أخرجه الإسماعيليّ وابنُ حِبّان
في ((صحيحه)) (٦٥٣٥)، ويونس بن بُكَير ومن طريقه أخرجه التِّرمِذيّ (٢٤٧٧)
والإسماعيليّ والحاكم في ((المستدرَك)) (١٥/٣ -١٦) والبيهقيّ(١)، وسأذكر ما في رواياتهم
من فائدة زائدة.
٢٨٤/١١ ثمَّ قال الكِرْمانيُّ/ مُجيباً عن المحذور الذي اذَّعاه ما نَصُّه: اعتَمَدَ البخاريّ على ما ذكره
في الأطعمة (٥٣٧٥) عن يوسف بن عيسى، فإنَّه قريب من نصف هذا الحديث، فلعلَّه
أراد بالنِّصفِ هنا ما لم يَذْكُره ثَمّةَ، فيصير الكلُّ مُسنَداً بعضُه عن يوسف وبعضُه عن أبي
نُعَیم.
قلت: سند طريق يوسف مُغايٍرٍ لطريق أبي نُعَيم إلى أبي هريرة، فيعود المحذور بالنِّسبة
إلى خُصوص طريق أبي نُعَيم، فإنَّه قال في أوَّل كتاب الأطعمة: حدّثنا يوسف بن عيسى
حدَّثنا محمّد بن فُضَيلِ عن أبيه عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: أصابني جَهْد، فذكر
سؤاله عن الآية وذكر مُرورَ رسول الله ◌ِ ◌ّ به، وفيه: فانطَلَقَ بي إلى رَحْله فأمَرَ لي بعُسِّ من
لَبَن فشَرِبتُ منه ثمَّ قال: ((عُد)) فذكره، ولم يَذكُر قصَّة أصحاب الصُّفّة ولا ما يَتَعلَّق بالبَرَكة التي
وَقَعَت في اللََّن، وزاد في آخره ما دار بين أبي هريرة وعمر ونَدَمَ عمر على كونه ما استَتَبَعَه، فَظَهَرَ
بذلك المغايرةُ بين الحديثَينِ في السَّنَدَين، وأمَّا المتن ففي أحد الطَّريقَينِ ما ليس في الآخر، لكن
ليس في طريق أبي حازم من الزّيادة كبيرُ أمر، والله أعلم.
قوله: ((عمر بن ذَرّ)) بفتح المعجَمة وتشديد الرَّاء.
(١) لم نقف عليه من هذا الطريق في كتابه ((الدلائل)) ولا في غيره من كتبه.

١١٥
باب ١٧/ ح ٦٤٥٢
كتاب الرقاق
قوله: ((أنَّ أبا هريرة كان يقول)) في رواية رَوْح(١) ويونس بن بُكَير وغيرهما: حدَّثنا مجاهد
عن أبي هريرة.
قوله: ((اللَّهِ الذي لا إله إلّا هو)) كذا للأكثر بحذفٍ حرف الجرّ من القَسَم، وهو في
روايتنا بالخفض، وحكى بعضهم جوازَ النَّصب، وقال ابن التِّين: رُوِّيناه بالنَّصب، وقال
ابن جِنِّيّ: إذا حُذِفَ حرف القَسَمِ نُصِبَ الاسم بعده بتقدير الفعل، ومن العرب مَن يَجُرّ
اسم الله وحده مع حذف حرف الجرّ فيقول: اللَّهِ لَأقومَنَّ، وذلك لكَثْرة ما يستعملونَه. قلت:
وثَبَتَ في رواية رَوْحِ ويونس بن بُكَير وغيرهما بالواو في أوَّله، فتَعيَّنَ الجُّ فيه.
قوله: ((إنْ كنتُ)) بسكونِ النُّون مُحُفَّفة من الثَّقيلة.
وقوله: (لَأَعتَمِدُ بكَبِدي على الأرض من الجوع)) أي: أُلْصِق بطني بالأرض، وكأنَّه كان
يستفيد بذلك ما يستفيده من شَدّ الحجر على بطنه، أو هو كناية عن سقوطه إلى الأرض
مَغشياً عليه كما وَقَعَ في رواية أبي حازم في أوَّل الأطعمة (٥٣٧٥): فلَقِيتُ عمر بن الخطّاب
فاستقرأتُه آية، فذكره، قال: فمَشَيت غيرَ بعيدٍ فخَرَرتُ على وجهي من الجَهْد والجوع، فإذا
رسول الله ◌َّي على رأسي، الحديث.
وفي حديث محمَّد بن سِيرِين عن أبي هريرة الآتي في كتاب الاعتصام (٧٣٢٤): لقد
رأيتُني وإنّي لَأَخِرُّ ما بين المِنْبَرَ والحُجرة من الجوع مَغشيّاً عليَّ، فيَجيء الجائي فيَضَعُ رِجلَه
على عُنُقُي يُرَى أنَّ بي الجنون، وما بي إلّ الجوع.
وعند ابن سعد (٢٥٦/١) من طريق الوليد بن رباح عن أبي هريرة: كنت من أهل
الصُّفّة، وإن كان لَيُغشَى عليَّ فيما بين بيت عائشة وأُمّ سَلَمة من الجوع. ومضى أيضاً في
مناقب جعفر (٣٧٠٨) من طريق سعيد المقبريِّ عن أبي هريرة: وإنّ كنت ألزَمُ رسول الله وَلـ
لِشِبَع بطني، وفيه: كنت أَلصِقُ بطني بالحَصَى من الجوع، وإن كنت لَأستَقرِئ الرجل الآية
وهي معي كي يَنقَلِبَ بي فيُطْعِمَني، وزاد فيه التِّرمِذيّ (٣٧٦٩): وكنت إذا سألت جعفرَ
(١) رواية روح عند أحمد (١٠٦٧٩) مثل رواية المصنف: أن أبا هريرة كان يقول.

١١٦
باب ١٧ / ح ٦٤٥٢
فتح الباري بشرح البخاري
ابن أبي طالب لم يُجِبني حتَّى يذهب بي إلى منزله.
قوله: ((وإن كنتُ لَأَشُدّ الحجرَ على بَطْني من الجوع)) عند أحمد (٨٣٠١) في طريق عبد الله
ابن شَقِيق: أقمتُ مع أبي هريرة سنة فقال: لو رأيتُنا وإنَّه لَيأتي على أحدنا الأيامُ ما يَجِد
طعاماً يُقيم به صُلبَه، حتَّى إن كان أحدُنا لَيأخُذ الحجرَ فيَشُدّ به على أخَصِ بطنه، ثمَّ يَشُدّه
بئویِه ليُقیم به صُلبَه.
قال العلماء: فائدة شَدّ الحجر المساعدةُ على الاعتدال والانتصاب، أو المنعُ من كَثْرَة التَّحَلُّل
من الغذاء الذي في البطن لكَونِ الحجر بقَدرِ البطن، فيكون الضَّعف أقلّ، أو لتقليلِ حرارة
الجوع ببَرَدِ الحجر، أو لأنَّ فيه الإشارة إلى كسر النَّفْس.
وقال الخطَّبيُّ: أشكَلَ الأمرُ في شَدّ الحجر على البطن من الجوع على قوم، فتَوهَّموا أنَّه
تصحيف، وزَعَموا أنَّه الحُجَز - بضمٍّ أوَّله وفتح الجيم بعدها زاي - جمع الحُجْزة التي يُشَدّ
٢٨٥/١١ بها الوَسَط، قال: ومَن أقامَ بالحِجازِ وعَرَفَ عادتهم / عَرَفَ أنَّ الحجر واحد الحجارة، وذلك أنَّ
المجاعة تَعتَريهم كثيراً فإذا خَوَى بطنُه لم يُمكِن معه الانتصاب، فيَعمِدُ حينئذٍ إلى صفائحَ
رِقاق في طول الكَفّ أو أكبر فيَربِطها على بطنه، وتُشَدّ بعِصابةٍ فوقها، فتَعتَدِل قامَتُهُ بعضَ
الاعتدال، والاعتماد بالكَبِدِ على الأرض ممَّا يُقارِب ذلك. قلت: سَبَقَه إلى الإنكار المذكور
أبو حاتم بن حِبّان في ((صحيحه))، فلعلَّه أشارَ إلى الردّ عليه، وقد ذكرتُ كلامه وتعقّبتُه في
((باب التَّنكيل لمن أراد الوصال) من كتاب الصيام (١٩٦٥).
قوله: ((ولقد قَعَدْت يوماً على طريقهم الذي يَخْرُجونَ منه)) الضَّمير للنبيِّ ◌َّ وبعض
أصحابه مَّن كان طريق منازلهم إلى المسجد مُتَّحِدة.
قوله: ((فمرَّ أبو بكر فسألته عن آية، ما سألته إلّا لِيُشبِعَني)) بالمعجَمة والموخَّدة من الشِّبَع،
ووَقَعَ في رواية الكُشْمِيهنيّ: ليَستَبِعني، بمُهمَلة ومُثنَّتَينٍ وموخَّدة، أي: يَطلُب منّي أن أَتَبَعه
ليُطعِمني، وثَبَتَ كذلك في رواية رَوْح وأكثر الرُّواة.
قوله: ((فمرَّ ولم يَفْعَل)) أي: الإشباع أو الاستتباع.

١١٧
باب ١٧ / ح ٦٤٥٢
كتاب الرقاق
قوله: ((حتَّى مرَّ بي عمر)) يشير إلى أنَّه استَمرَّ في مكانه بعد ذهاب أبي بكر إلى أن مرَّ
عمر، ووَقَعَ في قصَّة عمر من الاختلاف في قوله: ليُشبِعني، نَظِير ما وَقَعَ في التي قبلها،
وزاد في رواية أبي حازم (٥٣٧٥): فدَخَلَ داره وفَتَحَها عليَّ، أي: قرأ الذي استَفْهَمتُه عنه.
ولعلَّ العُذرَ لكلٍّ من أبي بكر وعمر حملُ سؤال أبي هريرة على ظاهره، أو فَهِما ما أرادَ ولكن لم
يكن عندهما إذ ذاكَ ما يُطعِمانه.
لكن وَقَعَ في رواية أبي حازم من الزّيادة: أنَّ عمر تأسَّفَ على عَدَم إدخاله أبا هريرة
دارَه، ولفظه: فلقيتُ عمر فذكرتُ له وقلت له: ولَّى الله ذلك مَن كان أحقّ به منك يا عمر،
وفيه: قال عمر: والله لأن أكون أدخَلُك، أحبُّ إليَّ من أن يكون لي حُمْرِ النَّعَم؛ فإنَّ فيه إشعاراً
بأنَّه كان عنده ما يُطعِمه إذ ذاكَ، فترجَّح الاحتمال الأوَّل، ولم يُعرِّج على ما رَمَزَه أبو هريرة من
كِنايته بذلك عن طلب ما يُؤْكَل. وقد استَنكَرَ بعضُ مشائخِنا ثُبُوتَ هذا عن أبي هريرة لاستبعادِ
مُواجَهة أبي هريرة لعمر بذلك، وهو استبعاد مُستَبعَد.
قوله: (ثُمَّ مَرَّ بي أبو القاسمِ وَّ فِتَبَسَّمَ حين رآني، وعَرَفَ ما في نفسي)) استَدَلَّ أبو هريرة
بِتَبَسُّمِهِ وَِّ على أنَّه عَرَفَ ما به، لأنَّ التَّسُّم تارةً يكون لما يُعجِبُ، وتارةً يكون لإيناس مَن
تَبسَّمَ إليه، ولم تكن تلكَ الحال مُعجِبَةً فَقَويَ الحملُ على الثّاني.
قوله: ((وما في وَجْهي)) كأنَّه عَرَفَ من حال وجهه ما في نفسه من احتياجه إلى ما يَسُدّ رَمَقَه.
ووَقَعَ في رواية عليّ بن مُسِهِر ورَوْحٍ: وعَرَفَ ما في وجهي أو نفسي، بالشكّ(١).
قوله: ((ثمّ قال لي: يا أبا هّ)) في رواية عليّ بن مُسِهِر: فقال: ((أبو مِّ)) وفي رواية رَوْح:
فقال: ((أبا هِّ)) فأمَّا النَّصب فواضح، وأمَّا الرَّفع فهو على لغة مَن لا يُعرِب(٣) لفظ الكُنية، أو
هو للاستفهام، أي: أنتَ أبو هِرّ؟
(١) رواية علي بن مسهر عند ابن حبان (٦٥٣٥) والإسماعيلي، رواية روح عند أحمد (١٠٦٧٩)، لكن
الذي في نسخنا من ((صحيح ابن حبان)) و ((مسند أحمد)»: ما بوجهي وما في نفسي. بواو الجمع وليس
بالشك.
(٢) تحرَّف في (س) إلى: يعرف.

١١٨
باب ١٧ / ح ٦٤٥٢
فتح الباري بشرح البخاري
وأمَّا قوله: ((هِّ) فهو بتشديد الرَّاء، وهو من رَدّ الاسم المؤنَّث إلى المذكَّر والمصغَّر إلى المكبَّر،
فإنَّ كُنْتَه في الأصل أبو هريرة؛ تصغير هِرّة مؤنَّئاً، وأبو هِّ مُذكَّر مُكَبَّر، وذكر بعضهم أنَّه يجوز
فيه تخفيف الرَّاء مُطلَقاً فعلى هذا يُسَكَّن، ووَقَعَ في رواية يونس بن بُكَير: فقال: ((أبو هريرة))(١)
أي: أنتَ أبو هريرة، وقد ذكرتُ توجيهه قبلُ.
قوله: ((قلت: لَبِّكَ رسول الله)) كذا فيه بحذفٍ حرف النِّداء، ووَقَعَ في رواية عليّ بن مُسهِر:
فقلت: لَبَّكَ يا رسول الله وسَعدَيْكَ.
قوله: ((الحَقْ)) بهمزة وَصْل وفتح المهمَلة، أي: اتبَعْ.
قوله: ((ومَضَی فاتَّبَعْته)) زاد في رواية عليّ بن مُسهِر: فلَحِقته.
قوله: ((فَدَخَلَ)) زاد عليّ بن مُسهِر: إلى أهله.
قوله: ((فَأَستَأذِنُ)) بهمزةٍ بعد الفاء والُّون مضمومة فعلُ مُتَكلِّم، وعَبَّرَ عنه بذلك مُبالَغة في
التَّحَقُّق، ووَقَعَ في رواية عليّ بن مُسهِر ويونس وغيرهما: فاستأذَنتُ.
قوله: ((فأذِنَ لي، فدَخَلَ)) كذا فيه، وهو إمّا تَكرار لهذه اللَّفظة لوجودِ الفَصْل أو الْتِفات،
ووَقَعَ في رواية عليّ بن مُسهِر: فدَخَلتُ، وهي واضحة.
قوله: «فوجَد/ لبناً في قَدَح» في رواية عليّ بن مُسهِر: فإذا هو بلَبَنٍ في قَدَح، وفي رواية يونس:
فوَجَدَ قَدَحاً من اللَّبَن.
٢٨٦/١١
قوله: («فقال: من أينَ هذا اللَّبَن؟)) زاد رَوْح: ((لكم))، وفي رواية ابن مُسهِر: فقال لأهلِه:
((من أين لكم هذا؟)).
قوله: ((قالوا: أهداه لك فلانٌ أو فلانةُ)) كذا بالشكّ، ولم أقِفْ على اسم مَن أهداه، وفي
رواية روح: أهداه لنا فلان أو آل فلان، وفي رواية يونس: قيل: أهداه لنا فلان.
قوله: ((الحَقْ إلى أهل الصُّفّة)) كذا عَدَّى ((الحَقْ)) بإلى، وكأنَّه ضَمَّنَها معنى: انطَلِقِ،
(١) كذا قال، ورواية يونس بن بكير هذه عند الترمذي (٢٤٧٧) والحاكم (١٥/٣-١٦) والإسماعيلي،
والذي عند الترمذي والحاكم فيها ((أبا هريرة)) بالنصب على النداء.

١١٩
باب ١٧ / ح ٦٤٥٢
كتاب الرقاق
ووَقَعَ في رواية رَوْح بلفظ: ((انطَلِقٍ)).
قوله: ((قال: وأهلُ الصُّفّة أضيافُ الإسلام)) سَقَطَ لفظ ((قال)) من رواية رَوْح(١) ولا بُدَّ
منها، فإنَّه كلام أبي هريرة قاله شارحاً لحال أهل الصُّفّة، وللسَّبَبِ في استدعائهم، فإنَّه ◌ِل
كان يُخُصّهم بما يأتيه من الصَّدَقة ويُشرِكهم فيما يأتيه من الهديَّة، وقد وَقَعَ في روایة یونس
ابن بُكَير هذا القَدرُ في أوَّل الحديث، ولفظه عن أبي هريرة: قال: كان أهل الصُّفّة أضيافَ
الإسلام لا يأوونَ على أهل ولا مال، والله الذي لا إله إلّا هو .. إلى آخره، وفيه إشعار بأنَّ
أبا هريرة كان منهم.
قوله: ((لا يأوونَ على أهلٍ ولا مالٍ)) في رواية رَوْح والأكثر: إلى بَدَل: على.
قوله: ((ولا على أحد)) تعميم بعد تخصيص فشَمِلَ الأقارب والأصدقاءَ وغيرهم. وقد
وَقَعَ في حديث طلحة بن عَمْرو عند أحمد (١٥٩٨٨) وابن حِبّان (٦٦٨٤) والحاكم
(١٤/٣ -١٥): كان الرجل إذا قَدِمَ على النبيّ وَّهِ وكان له بالمدينة عَرِيف نزلَ عليه، فإذا لم
يكن له عريف نزلَ مع أصحاب الصُّفّة.
وفي مُرسَل يزيد بن عبد الله بن قُسَيط عند ابن سعد (١/ ٢٥٥): كان أهل الصُّفّة ناساً
فقراءَ لا منازلَ لهم، فكانوا ينامونَ في المسجد لا مَأوى لهم غيره.
وله من طريق نُعَيم المُجمِر عن أبي هريرة: كنت من أهل الصُّفّة، وكنّا إذا أمسَينا
حَضَرَنا رسولُ الله ◌َّه فيأمر كلَّ رجل فيَنصَرِف برجلٍ أو أكثر، فيبقى مَن بَقِيَ عشرة أو
أقلُّ أو أكثر، فيأتي النبيّ وَّ بِعَشائه فنَتَعَشَى معه، فإذا فَرَغنا قال: ((ناموا في المسجد)).
وتقدَّم في ((باب علامات النُّبّة)) (٣٥٨١) وغيره حديثُ عبد الرَّحمن بن أبي بكر: أنَّ
أصحاب الصُّفّة كانوا ناساً فقراء، وأنَّ النبيَّ ◌َ ◌ّ قال: ((مَن كان عنده طعامُ اثنَينِ فليذهب
بثالثٍ)) الحديث.
(١) كذا قال، ورواية روح هذه عند أحمد (١٠٦٧٩)، وقد ثبت فيها لفظ ((قال)) لكن سقط من رواية علي بن
مسهر عند ابن حبان (٦٥٣٥).

١٢٠
باب ١٧ / ح ٦٤٥٢
فتح الباري بشرح البخاري
ولأبي نُعَيم في ((الحِلية)) (١ / ٣٤١) من مُرسَل محمَّد بن سِيرِين: كان رسول الله وََّ إذا
صَلَّى قَسَمَ ناساً من أصحاب الصُّفّة بين ناس من أصحابه، فيذهب الرجلُ بالرجلِ
والرجلُ بالرجلينِ حتَّى ذكر عشرةً، الحديث.
وله (٣٣/٢) من حديث معاوية بن الحكم: بَيْنا أنا مع رسول الله وَلَه في الصُّفّة فجَعَلَ
يوجِّه الرجلَ مع الرجل من الأنصار والرجلينِ والثلاثة، حتَّى بَقِيتُ في أربعة ورسول الله وَّل
خامسُنا فقال: ((انطَلِقوا بنا))، فقال: ((يا عائشة عَشِّينا)) الحديث.
قوله: ((إذا أتتْه صَدَقة بَعَثَ بها إليهم ولم يَتناول منها شيئاً) أي: لنفسِه، وفي رواية رَوْح:
ولم يُصِب منها شيئاً، وزاد: ولم يَشَرَكْهم فيها(١).
قوله: ((وإذا أتتْه هَديَّة أرسَلَ إليهم، وأصاب منها وأشرَكَهم فيها)) في رواية عليّ بن
مُسِهِر: وشَرَّكَهم، بالتَّشديدِ وقال: فيها أو منها، بالشكّ، ووَقَعَ عند يونس: الصَّدَقة
والهديّة، بالتَّعريفِ فيهما، وقد تقدَّم في الزكاة (١٤٩١) وغيرها بيان أنَّه ◌َ له كان يقبل الهديَّة
ولا يقبل الصَّدَقة، وتقدَّم في الهِبة (٢٥٧٦) من حديث أبي هريرة مختصراً من رواية محمّد
ابن زياد عنه: كان النبيّ ◌َ﴿ إذا أُتيَ بطعام سألَ عنه فإن قيل: صَدَقة، قال لأصحابه:
((كُلُوا)) ولم يأكل، وإن قيل: هَديَّة، ضَرَبَ بِيَدِه فأكَلَ معهم، ولأحمد (٨٠١٤) وابن حِبّان
(٦٣٨٢) من هذا الوجه: إذا أُتيَ بطعامٍ من غير أهله. ويُجمَع بين هذا وبين ما وَقَعَ في
حديث الباب بأنَّ ذلك كان قبل أن تُبنَى الصُّفّة، فكان يَقسِم الصَّدَقة فيمَن يَستَحِقّها،
ويأكل من الهديَّة مع مَن حَضَرَ من أصحابه.
وقد أخرج أبو نُعَيم في ((الحِلية)) (١/ ٣٤٠) من مُرسَل الحسن قال: بُنْيَت صُفّة في
المسجد لضُعَفاء المسلمينَ.
ويحتمل أن يكون ذلك باختلاف حالَين: فيُحمَل حديث الباب على ما إذا لم يَضُرْه
٢٨٧/١١ أحد، فإنَّه يُرسِل / ببعضِ الهديَّة إلى أهل الصُّفّة، أو يَدعُوهم إليه كما في قصَّة الباب، وإن خَضَرَه
(١) هذه الزيادة في رواية علي بن مسهر عند ابن حبان (٦٥٣٥) وليست في رواية روح.