النص المفهرس

صفحات 1-20

فَتَعُ النَّطرى
بشرح صِيُّح البُخَارِيّ
تأليف
الِإِحَامِ الْحَافِظِ شَهَابِ الِّينِ أُحَ بِنْ عَلِ بْنِ حَجَرِالسَّقَّلَافِيّ
٧٧٣ - ٨٥٢ هـ
أشرفَ على تحقيق الكتَّابُ ورَاجَعه
شُغَيِّب الأهتُؤُوطُ عَادكٌ مِّشْد
شارك في تخرّج نصوصه
حقّقٍ هَذَا الجَزِّء وضّجَهُ وعَلَّه عَلَيْ
هَيْثُم ◌َعَبْ التَّفوزْ
عادل مسافر محمّ كَائِل قرهْ بِلَكِىٌ
الجُزِّءُ الْعِشْرُونُ
الرسالة العالمية

3

فَعُ النَّارِي
بشرح صحيح البخاريّ
٢٠

دار الرسالة العالمية
جميع الحقوق محفوظة
يمنع طبع هذا الكتاب أو أي جزء منه بجميع طرق
الطبع والتطوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي
والمسموع والحاسوبي وغيرها الا باذن خطي من:
شركة الرسالة العالمية م.م.
Publishers
الإدارة العامة
Head Office
دمشق - الحجاز
شارع مسلم البارودي
بناء خولي وصلاحي
2625
(963) 11-2212773
(963)11-2234305
الجمهورية العربية السورية
Syrian Arab Republic
info@resalabonline.com
http://www.resalahonline.com
فرع بيروت
BEIRUT/LEBANON
TELEFAX: 815112-319039- 818615
P.O. BOX:117460
71
جَمْعَ الحَقُوقُ محفوظَةٌ لِنَاشِرْ
الطبعة الأولىُ
١٤٣٤ هـ -٢٠١٣م

٥
باب ١ / ح ٦٤١٢
كتاب الرقاق
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كتاب الرّقاق
١ - الصحةُ والفراغُ، ولا عيشَ إلّا عيش الآخرة
٢٢٩/١١
٦٤١٢ - حدّثنا المكِّيُّ بنُ إبراهيمَ، أخبرنا عبدُ الله بنُ سعيدٍ - هو ابنُ أبي هِنْدٍ - عن أبيه،
عن ابنِ عبّاسٍ رضي الله عنهما، قال: قال النبيُّ ◌َّهِ: ((نِعْمَتانِ مَغْبونٌ فيهما كثيرٌ منَ الناسِ:
الصِّحّةُ والفَراغُ)).
وقال عبَّاسِ العَنْبِيُّ: حدَّثنا صَفْوانُ بنُ عيسى، عن عبدِ الله بنِ سعيدِ بنِ أبي هِنْدٍ، عن
أبيه، سمعتُ ابنَ عبَّاسٍ، عن النبيِّ ◌َِّ ... مِثْلَه.
قوله: ((بسم الله الرَّحمن الرحيم. كتاب الرّقاق. الصِّحّة والفَراغ ولا عَيشَ إلّا عيش الآخرة»
كذا لأبي ذرِّ عن السَّرَخْسِيّ، وسَقَطَ عنده عن المُستَمْلِي والكُشْمِيهنيّ: ((الصِّحّة والفَراغ))
ومثلُه للنَّسَفيّ، وكذا للإسماعيليِّ لكن قال: ((وأن لا عيشَ))، وكذا لأبي الوَقْت لكن قال:
((بابٌ لا عَيَشَ))، وفي رواية كَرِيمة عن الكُشْمِيهنيّ: ((ما جاء في الرِّقاق وأن لا عيشَ إلّا
عيش الآخرة».
قال مُغَلْطاي: عَبَّرَ جماعة من العلماء في كُتُبهم بالرَّقائق. قلت: منهم ابن المبارَك
والنَّسائيُّ في ((الكُبرى))، ورأيته(١) كذلك في نسخة مُعتمَدة من رواية النَّسَفيِّ عن البخاريّ،
والمعنى واحد.
والرِّقاق والرَّقائق جمع: رَقِيقة، وسُمِّيَت هذه الأحاديث بذلك؛ لأنَّ في كلٍّ منها ما
يُحِدِث في القلب رِقّة، قال أهل اللُّغة: الرِّقّة: الرَّحمة وضِدُّ الغِلَظ، ويقال للكثير الحياءِ: رَقَّ
وجهُه استحياءً.
(١) تحرَّف في (س) إلى: وروايته.

٦
فتح الباري بشرح البخاري
٢٣٠/١١
وقال الرَّاغِب: متى كانت الرِّقّة في جسم فضِدُّها الصَّفَاقة، / كثوبٍ رَقِيق وثوب صَفِيق،
ومتى كانت في نفسٍ فضِدُّها القَسْوة، كرَقيق القلب وقاسي القلب. وقال الجَوْهريّ:
وترقيقُ الكلام: تحسینُه.
قوله: ((أخبَرنا المكِّ)) كذا للأكثرِ بالألفِ واللّام في أوَّله، وهو اسم بلفظ النَّسَب، وهو من
الطّبقة العُليا من شيوخ البخاريّ، وقد أخرج أحمد (٢٣٤٠) عنه هذا الحديث بعينه.
قوله: ((هو ابن أبي هِنْد)) الضَّمير لِسعيدٍ لا لعبد الله، وهو من تفسير المصنِّف، ووَقَعَ في
رواية أحمد عن مَكّيٍّ (٢٣٤٠) ووكيع (٣٢٠٧) جميعاً: حدّثنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند.
وعبدُ الله المذكور من صِغَار التابعين لأنَّه لَقِيَ بعضَ صِغار الصحابة، وهو أبو أُمامةَ بن
سَهْل.
قوله: ((عن أبيه)) في رواية يحيى القَطّان عن عبد الله بن سعيد: حدَّثني أبي، أخرجه
الإسماعيليّ.
قوله: ((عن ابن عبّاس)) في الرِّواية التي بعدها: سمعت ابن عبّاس.
قوله: ((وقال عبَّاس العَنْبَريّ)) هو بالمهمَلة والموخَّدة: ابن عبد العظيم أحد الحُفّاظ،
بصريّ من أوساط شيوخ البخاريّ، وقد أخرجه ابن ماجَهْ (٤١٧٠) عن العبّاس المذكور،
فقال في كتاب الزّهد من ((السُّنَن)) في باب الحكمة منه: حدَّثنا العبّاس بن عبد العظيم
العَنبَريّ، فذكره سواءً.
قال الحاكم: هذا الحديث صَدَّرَ به ابن المبارك كتابه(١)، فأخرجه عن عبد الله بن سعید
بهذا الإسناد. قلت: وأخرجه التِّرمِذيّ (٢٣٠٤) والنَّسائيُّ (ك١١٨٠٠) من طريقه، قال
التِّرمِذيّ: رواه غيرُ واحد عن عبد الله بن سعيد فَرَفَعوه، ووَقَفَه بعضهم على ابن عبّاس،
وفي الباب عن أنس، انتهى.
(١) يعني كتاب ((الزهد)) (١).

٧
كتاب الرقاق
وأخرجه الإسماعيليّ من طرق عن ابن المبارَك، ثمَّ من وجهَينٍ عن إسماعيل بن جعفر
عن عبد الله بن سعيد، ثمَّ من طريق بُندار عن يحيى بن سعيد القَطّان عن عبد الله به، ثمَّ
قال: قال بُندار: رُبَّما حدَّث به يحيى بن سعيد ولم يَرفَعه. وأخرجه ابن عَديّ (٤٨/٦ و٢٤٢) من
وجه آخر عن ابن عبّاس مرفوعاً.
قوله: ((نِعْمَتان مَغْبون فيهما كثير من الناس: الصِّحّةُ والفَراغ)» كذا لسائرِ الرُّواة، لكن عند
أحمد: ((الفَراغ والصِّحّة))(١)، وأخرجه أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) من طريق إسماعيل بن
جعفر وابن المبارَك ووكيع كلّهم عن عبد الله بن سعيد بسندِهِ: ((الصِّحّة والفَراغْ نِعمَتان
مغبون فيهما كثير من الناس)»، ولم يُبيِّ لمن اللَّفظ(٢).
وأخرجه الدَّارِميُّ (٢٧٠٧) عن مَكّيّ بن إبراهيم شيخ البخاريّ فيه كذلك بزيادة،
ولفظه: ((إنَّ الصِّحّة والفَراغِ نِعمَتان من نِعَم الله)) والباقي سواء، وهذه الزّيادة - وهي قوله: ((من
نِعَم الله)) - وَقَعَت في رواية ابن عَديّ المشار إليها.
وقوله: ((نِعمَتان)) تثنية نِعْمة، وهي الحالة الحسنة، وقيل: هي المنفَعة المفعولة على جهة
الإحسان للغير، والغَبْن بالسُّكون وبالتَّحريك، وقال الجَوْهريّ: هو في البيع بالسُّكونِ
وفي الرَّأي بالتَّحريك، وعلى هذا فيَصِحّ كلٌّ منهما في هذا الخبر، فإنَّ مَن لا يستعملهما فيما
ينبغي، فقد غُبِنَ لكَونِه باعَهما ببَخسٍ ولم يُحمَد رأيه في ذلك.
قال ابن بَطّال: معنى الحديث: أنَّ المرء لا يكون فارغاً حتَّى يكون مَكفيّاً صحيح البَدَن،
فمَن حَصَلَ له ذلك فليَحرِص على أن لا يُغْبَن بأن يَترُك شكرَ الله على ما أنعَمَ به عليه،
ومن شُكره امتثالُ أوامره واجتناب نواهيه، فمَن فَرَّطَ في ذلك فهو المغبون، وأشارَ بقوله:
((كثير من الناس)) إلى أنَّ الذي يوقَّق لذلك قليل.
(١) هذه رواية وكيع عند أحمد (٣٢٠٧)، أما رواية مكّ بن إبراهيم عنده (٢٣٤٠) فهي بلفظ: ((إنَّ الصحة
والفراغ نعمتان من نِعَم الله .. )) إلخ، كرواية الدارمي التي سيشير إليها لاحقاً.
(٢) قد أخرجه الطبراني في «الكبير)) (١٠٧٨٦) بهذا اللفظ من طريق إسماعيل بن جعفر.

٨
باب ١ / ح ٦٤١٢
فتح الباري بشرح البخاري
وقال ابن الجَوْزيّ: قد يكون الإنسان صحيحاً ولا يكون مُتَفرِّغاً لشُغلِه بالمعاش، وقد
يكون مُستَغنياً ولا يكون صحيحاً، فإذا اجتَمَعا فغَلَبَ عليه الكَسَلُ عن الطاعة، فهو
المغبون، وتمام ذلك أنَّ الدُّنيا مزرعة الآخرة، وفيها التِّجارة التي يظهر رِبحُها في الآخرة،
فمَن استعملَ فراغَه وصِخَّته في طاعة الله، فهو المغبوط، ومَن استعملَهما في معصية الله،
فهو المغبون، لأنَّ الفراغ يَعقُبه الشُّغْلُ والصِّحّةَ يَعقُبها السَّقَم، ولو لم يكن إلّا الهَرَم كما
قيلَ:
يَسُرُّ الفَتَى طولُ السَّلامة والبقا فكيف تَرَى طولَ السَّلامةِ يفعلُ
يَرُدّ الفَتَى بعد اعتدالٍ وصِحّةٍ يَنُوءُ إذا رامَ القِيامَ ويُحمَلُ
وقال الطِّييُّ: ضَرَبَ النبيُّ ◌َّ للمُكلَّفِ مثلاً بالتاجرِ الذي له رأس مال، فهو يَبْغي
الرِّبحَ مع سلامة رأس المال، فطريقه في ذلك أن يَتَحرَّى فيمَن يُعامِله ويَلَزَم الصِّدق
والحِذْق لئلّا يُغَن، فالصِّحّة والفراغ رأس المال، وينبغي له أن يُعامِلِ اللهَ بالإيمان، ومُجاهَدةِ
النَّفْس وعدوِّ الدِّين، ليَربَح خيرَي الدُّنيا والآخرة، وقريب منه قول الله تعالى: ﴿هَلْ أَدْلُّكُ
عَلَى نِجَزَقْ نُجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ الآيات [الصف: ١٠]. وعليه أن يَجِتَنِب مُطاوعةَ النَّفس ومُعامَلة
الشَّيطان لئلّا يُضَيِّع رأس ماله مع الرِّبح.
وقوله في الحديث: ((مغبون فيهما كثيرٌ من الناس)) كقوله تعالى: ﴿وَقَلِلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾
[سبأ:١٣]، فالكثير في الحديث في مُقابلة القليل في الآية.
٢٣١/١١
وقال القاضي أبو بكر بن العربيّ: اختُلِفَ في/ أوَّل نِعمة الله على العبد، فقيلَ:
الإيمان، وقيل: الحياة، وقيل: الصِّحّة، والأوَّل أَولى فإنَّه نعمة مُطلَقة، وأمَّا الحياة
والصِّحّة فإنَّهما نعمة دُنيَويَّة، ولا تكون نعمة حقيقة إلّا إذا صاحَبَتِ الإيمان، وحينئذٍ
يُغْبَن فيها كثير من الناس، أي: يذهب رِبحُهم أو يَنقُص، فمَن استَرسَلَ مع نفسه
الأمّارة بالسّوءِ الخالدة إلى الرَّاحة، فَتَرَكَ المحافَظةَ على الحدود والمواظَبةَ على الطاعة
فقد غُبِنَ، وكذلك إذا كان فارغاً، فإنَّ المشغول قد يكون له مَعذِرة بخِلاف الفارغ،

٩
كتاب الرقاق
فإنَّه يَرتَفِع عنه المعذرة وتقوم عليه الحُجّة.
٦٤١٣ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ بِشَّارِ، حدَّثْنا غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن مُعاوِيةَ بنِ قُرّةَ، عن أنسٍ،
عن النبيِّ ◌َّ قال:
((اللهمَّ لا عيش إلا عيشُ الآخِرَهْ فأصلح الأنصارَ والمهاجرَهْ(
٦٤١٤ - حدَّثني أحمدُ بنُ المِقْدامِ، حدَّثنا الفُضَيلُ بنُ سليمانَ، حدَّثنا أبو حازم، حدَّثنا
سَهْلُ بنُ سعدِ الساعدِيُّ: كَّا معَ رسولِ اللهِ وَّهَ في الخندَقِ وهو يَحِفِرُ، ونحنُ نَنْقُلُ التُّرَابَ
وبَصُرَ بنا، فقال:
((اللهمَّ لا عَيشَ إلّا عَيشُ الآخِرَهُ فاغفِرْ للأنصارِ والمهاجِرَةْ))
تابَعَه سَهْلُ بنُ سعدٍ، عن النبيِّ ◌ٍَّ ... مِثلَه.
قوله: ((عن معاوية بن قُرّة)) أي: ابن إياس المُزَنيّ، ولِقُرّةَ صُحْبة، ووَقَعَ في رواية آدم في
فضائل الأنصار (٣٧٩٥) عن شُعْبة: حدَّثنا أبو إياس معاوية بن قُرّة؛ وإياس: هو القاضي
المشهور بالذَّکاءِ.
قوله: ((عن النبيّ وََّ قال: اللهمَّ لا عيشَ إلّا عيشُ الآخره)) في رواية المُستَمْلي: أنَّ
النبيَّ ◌َّ﴾ قال.
قوله: ((فأصلِح الأنصار والمهاجِرَه)) تقدَّم في فضل الأنصار بيانُ الاختلاف على شُعْبة في
لفظه، وأنَّه عَطَفَ عليه رواية شُعْبة عن قَتَادة عن أنس، وزيادة مَن زاد فيه: أنَّ ذلك كان
يوم الخندق، فطابَقَ حديثَ سهل بن سعد المذكور في الذي بعده، وزيادة مَن زاد فيه: أنَّهم
كانوا يقولون:
نحنُ الذينَ بايعوا محمَّدا على الجهادِ ما بَقِينا أبدا
فأجابَهم بذلك، وتقدَّم في غزوة الخندق (٤١٠٠) من طريق عبد العزيز بن صُهَيب عن
أنس أتمَّ من ذلك كلّه، وفيه (٤٠٩٩) من طريق حُميدٍ عن أنس: أنَّ ذلك كان في غَداةٍ باردة

١٠
باب ٢ / ح ٦٤١٥
فتح الباري بشرح البخاري
ولم يكن لهم عَبيد يعملونَ ذلك لهم، فلمَّا رأى ما بهم من النَّصَب والجوع قال ذلك.
قوله: ((الفُضَيل بن سليمان)) هو بالتَّصغير، وهو النُّمَيرِيّ، صَدُوق في حِفظه شيءٍ.
قوله: ((وهو يَحِفِر ونحنُ نَنقُل التُراب)) تقدَّم في فضل الأنصار (٣٧٩٧) من رواية
عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سَهْل: خَرَجَ النبيّ ◌َّه وهم يَحِفِرونَ الخندق ... الحديث،
ويُجمَع بأنَّ منهم مَن كان يَحِفِرِ مع النبيّ وَّةِ، ومنهم مَن كان يَنقُل التُراب.
قوله: ((وبَصُرَ بنا)) بفتح أوَّله وضمِّ الصّاد المهمَلة، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: ويَمُرّ بنا، من
المرور.
قوله: ((فاغفِرْ)) تقدَّم في غزوة الخندق (٤٠٩٨) بلفظ: ((فاغفِر للمُهاجِرينَ والأنصار)»،
وأنَّ الألفاظ المنقولة في ذلك بعضها موزون وأكثرها غير موزون، ويُمكِن رَدُّه إلى الوزن
بضربٍ من الزّحاف، وهو غير مقصود إليه بالوزن، فلا يَدخُل هو في الشِّعر. وفي هذَينِ
الحديثَينِ إشارة إلى تحقير عيْش الدُّنيا لِمَا يَعرِض له من التَّكدير وسُرعة الفَناء.
قال ابن المنّيِّر: مُناسَبة إيراد حديث أنس وسهل مع حديث ابن عبّاس الذي تَضَمَّنته
التَّرجمةُ، أنَّ الناس قد غُبِنَ كثير منهم في الصِّحّة والفراغ؛ لإيثارهم لعَيشِ الدُّنيا على عيش
الآخرة، فأراد الإشارة إلى أنَّ العيشَ الذي اشتغلوا به ليس بشيءٍ، بل العيش الذي شُغِلوا
عنه هو المطلوب، ومَن فاتَه فهو المغبون.
٢- باب مَثل الدّنيا في الآخرة
وقولِه تعالى: ﴿أَنَّمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَوٌ﴾ إلى قوله: ﴿مَتَعُ الْغُرُورِ ﴾ [الحديد: ٢٠].
٢٣٢/١١
٦٤١٥ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي حازمٍ، عن أبيه، عن سَهْلٍ،
قال: سمعتُ النبيَّ نَّه يقول: ((موضعُ سَوْطٍ في الجنَّةِ، خيرٌ منَ الدُّنْيا وما فيها، ولَغَدْوةٌ في
سبيلِ الله أو رَوْحٌ، خيرٌ منَ الذُّنْيا وما فيها)).
قوله: ((باب مَثَل الدُّنْيا في الآخرة)) هذه التَّرجمة بعضُ لفظ حديث أخرجه مسلم (٢٨٥٨)

١١
باب ٢/ ح ٦٤١٥
كتاب الرقاق
والتِّرمِذيّ (٢٣٢٣) والنَّسائيُّ (ك١١٧٩٧) من طريق قيس بن أبي حازم عن المستَورِد بن
شدَّادِ رَفَعَه: ((والله ما الدُّنيا في الآخرة إلّا مِثْلَ ما يجعل أحدُكم إصبعَه في اليَمّ، فليَنظُرِ بِمَ
تَرجِعُ))، وسنده إلى التابعيّ على شرط البخاريّ؛ لأنَّه لم يُرِّج للمُستَورِد، واقتَصَرَ على ذِكْر
حديث سهل بن سعد: ((موضعُ سوطٍ في الجنَّة خير من الدُّنيا وما فيها))، فإنَّ قَدْر السَّوط
من الجنَّة إذا كان خيراً من الدُّنيا، فيكون الذي يُساويها ممّا في الجنَّة دونَ قَدْر السَّوط،
فيوافق ما دلَّ عليه حديث المستَورِد، وقد تقدَّم شرحُ قوله: ((غَدْوة في سبيل الله)) في كتاب
الجهاد (٢٧٩٢).
قال القُرطُبيّ: هذا نحو قوله تعالى: ﴿قُلِّ مَنَعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٧٧]، وهذا بالنّسبة إلى
ذاتها، وأمَّا بالنّسبة إلى الآخرة فلا قدرَ لها ولا خَطَر، وإنَّما أورَدَ ذلك على سبيل التَّمثيل
والتَّقريب وإلّا فلا نسبةَ بين المتناهي وبين ما لا يَتَنَاهَى، وإلى ذلك الإشارة بقوله: ((فليَنظُر
بِمَ يَرجِع))، ووجهه أنَّ القَدْر الذي يَتَعلَّق بالإصبَعِ من ماء البحر لا قدرَ له ولا خَطَر،
وكذلك الدُّنيا بالنّسبة إلى الآخرة، والحاصل أنَّ الدُّنيا كالماءِ الذي يَعلَق في الإصبع من
البحر، والآخرة كسائرِ البحر.
تنبيه: اختُلِفَ في تاء (تَرجِع))، فذكر الرَّامَهُرمُزيّ أنَّ أهل الكوفة رَوَوْه بالمثنّاة، قال:
فجَعَلوا الفعلَ للإصبَع وهي مؤنَّثة، ورواه أهل البصرة بالتَّحتانيَّة، قال: فجَعَلوا الفعلَ
لليَمّ. قلت: أو للواضع.
قوله: ((وقوله تعالى: ﴿أَنَّمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَمْوٌ ﴾ إلى قوله: ﴿مَتَعُ الْغُرُورِ ﴾)» كذا في
رواية أبي ذرِّ، وساقَ في رواية كَرِيمة الآية كلّها، وعلى هذا فتُفتَح الهمزة في ((أَنَّم)) مُحافظة
على لفظ التِّلاوة، فإنَّ أوَّل الآية ﴿أَنَّمَا الْحَيَّوَةُ الذُّنْيَا﴾ إلى آخره، ولولا ما وَقَعَ من سياق
بقيّة الآية لجوَّزتُ أن يكون المصنِّف أراد الآية التي في القتال، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا
اُلْحَيَوَةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌّ وَ إِن تُؤْمِنُواْ وَتَنَّقُواْ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ﴾ الآية [ محمد: ٣٦].
قال ابن عَطيَّة: المراد بالحياة الدُّنيا في هذه الآية ما يَخْتَصّ بدار الدُّنيا من تَصَرُّف، وأمَّا ما

١٢
باب ٢/ ح ٦٤١٥
فتح الباري بشرح البخاري
كان فيها من الطاعة وما لا بدَّ منه ممَّا يُقيم الأَوَدَ ويُعِين على الطاعة، فليس مُراداً هنا،
والزِّينة: ما يُتَزَيَّن به ممّا هو خارج عن ذات الشَّيء ممّا يُحُسَّن به الشَّيء، والتَّاخُر يقع
بالنَّسَبِ غالباً كعادة العرب، والتَّكاثر ذُكِرَ مُتعلَّقه في الآية، وصورة هذا المثال: أنَّ المرء يُولَد
فيَنشَأ فيقوى فيكسِب المال والولد ويَرأَس، ثمَّ يأخُذ بعد ذلك في الانحطاط فيَشيب
ويَضعُف ويَسقَم وتصيبه النَّوائب من مرض ونقص مال وعِزّ، ثمَّ يموت فيَضمَحِلّ أمرُه
ويصير ماله لغيره وتُغيَّر رُسومه، فحاله كحال أرض أصابها مطر فنَبَتَ عليها العُشب نباتاً
مُعجِباً أنيقاً ثمَّ هاجَ، أي: يَبِسَ واصفَرَّ، ثمَّ تَحَطَّمَ وتَفرَّقَ إلى أن اضمَحَلَّ.
قال: واختُلِفَ في المراد بالكفَّار، فقيلَ: جمع كافر بالله، لأنَهم أشدّ تعظيماً للدُّنيا
وإعجاباً بمَحاسِها، وقيل: المراد بهم الزُّرّاع، مأخوذ من كَفْر الحَبّ في الأرض، أي: سَتْره
٢٣٣/١١ بها، وخَصَّهم بالذِّكرِ لأَّهم أهل البَصَر بالنَّبات،/ فلا يُعجِبهم إلّ المُعجِب حقيقةً، انتهى
مُلخَّصاً.
وقوله في آخر الآية: ﴿وَفِ اَلَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾، قال الفَرّاء: لا يُوقَف على ((شدید))،
لأنَّ تقدير الكلام: أنَّها إمّا عذابٌ شديد وإمّا مَغْفِرة من الله ورِضْوان؛ واستَحسَنَ غيرُه
الوقف على ((شديد)) لما فيه من المبالَغة في التَّفير من الدُّنيا، والتَّقدير: للكافرينَ، ويَبْتَدِئ
﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾ أي: للمؤمنينَ.
وقيل: إنَّ قوله: ﴿وَفِ الَْخِرَةِ﴾ قَسيمٌ لقولِه: ﴿أَنَّمَا الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا لَعِبٌ وَلَمْوٌ ﴾، والأوَّل
صِفَة الدُّنيا وهي اللَّعِب وسائر ما ذُكر، والثّاني صِفَة الآخرة وهي عذاب شديد لمن عَصَى،
ومَغْفِرة ورِضوانٌ لمن أطاعَ.
وأمَّا قوله: ﴿وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَآَ﴾ إلى آخره، فهو تأكيد لما سَبَقَ، أي: تَغُرَّ مَن رَكَنَ إليها،
وأمَّا الَّقيّ فهي له بلاغ إلى الآخرة.
ولمَّا أورَدَ الغَزاليّ حديث المستَورِد في ((الإحياء)) عَقَّبَه بأن قال ما مُلخَّصه: اعلم أنَّ مَثَل
أهل الدُّنيا في غَفلَتهم كمَثَلِ قوم رَكِبوا سفينة، فانتَهَوْا إلى جزيرة مُعشِبة فخرجوا لقضاء الحاجة،

١٣
باب ٣ / ح ٦٤١٦
كتاب الرقاق
فحَذَّرَهم الملاح من التَّخِّر فيها، وأمَرَهم أن يُقيموا بقَدرِ حاجتهم، وحَذَّرَهم أن يُقلِعِ بالسَّفينة
ويَترُكهم، فبادَرَ بعضُهم فرَجَعَ سريعاً فصادَفَ أحسنَ الأمكنة وأوسَعَها فاستَقرَّ فيه، وانقَسَمَ
الباقونَ فِرَقاً:
الأولى: اسْتَغْرَقَت في النَّظَر إلى أزهارها المُونِقة وأنهارها المطَّرِدة وثمارها الطيِّية وجواهرها
ومَعادِنها، ثمَّ استَيَقَظَ فبادَرَ إلى السَّفينة فَلَقِيَ مكاناً دونَ الأوَّل فنَجَا في الجملة.
الثّانية: كالأولى، لكنَّها أكَبَّت على تلكَ الجواهر والثِّار والأزهار، ولم تَسمَح نفسُه
لتركِها فحَمَلَ منها ما قَدَرَ عليه، فتَشاغَلَ بجمعِه وحمله فَوَصَلَ إلى السَّفينة فوجَدَ مكاناً
أضيق من الأوَّل، ولم تَسمَح نفسُه برَمي ما استصحَبَه، فصارَ مُثقَلاً به، ثمَّ لم يَلْبَث أن
ذَبَتِ الأزهار ويَبِسَتِ الثِّار وهاجَتِ الرّياح فلم يَجِد بُدّاً من إلقاء ما استصحَبَه، حتَّى نَجَا
بحشاشة نفسه.
الثّالثة: تَوَّت في الغِيَاض وغَفَلَت عن وصيَّة الملّاحِ، ثمَّ سمعوا نِداءَه بالَّحيلِ
فمرَّتِ فَوَجَدَتِ السَّفينة سارت، فَبَقِيَت بما استصحَبَت في البَرّ حتَّى هَلَكَت.
والرَّابعة: اشتَدَّت بها الغَفلةُ عن سماع النِّداء وسارَتِ السَّفينة فَتَقَسَّموا فِرَقاً، منهم مَن
افتَرَسَته السِّباع، ومنهم مَن تاهَ على وجهه حتَّى هَلَكَ، ومنهم مَن ماتَ جوعاً، ومنهم مَن
نَهَشَته الحيّات، قال: فهذا مثل أهل الدُّنيا في اشتغالهم بحُظوظِهم العاجلة، وغَفْلتهم عن
عاقبة أمرهم.
ثمَّ خَتَمَ بأن قال: وما أقْبَحَ مَن يَزعُم أنَّه بصير عاقل أن يَغتَرّ بالأحجار من الذَّهَب
والفِضّة، والهَشِيم من الأزهار والثَّمار، وهو لا يَصحَبُه شيء من ذلك بعد الموت. والله
المستعان.
٣- باب قول النبيّ ◌َّةِ: ((كن في الدّنيا كأنّك غريبٌ))
٦٤١٦ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّنا محمَّدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ أبو المنذِرِ الطَّفَاوِيُّ، عن سليمانَ
الأعمَشِ، قال: حدَّثني مجاهدٌ، عن عبدِ الله بنِ عمر رضي الله عنهما، قال: أخَذَ رسولُ الله وَه

١٤
باب ٣/ ح ٦٤١٦
فتح الباري بشرح البخاري
بمَنْكِي فقال: ((كُن فِي الدُّنْيا كأنَّكَ غَرِيبٌ، أو عابرُ سبيلٍ)).
وكان ابنُ عمَرَ يقول: إذا أمسَيتَ فلا تَنْتَظِرِ الصَّباحَ، وإذا أصبَحْتَ فلا تَتَتَظِرِ المساءَ، وخُذْ
من صِحَّتِكَ لمرضِكَ، ومن حياتِكَ لموتِكَ.
قوله: ((باب قول النبيّ وَّهَلْ كُن في الدُّنْيا كأنَّك غريب)) هكذا تَرجَمَ ببعضِ الخبر إشارةً
إلى ثُبُوت رفع ذلك إلى النبيّ ◌َّهَ، وأَنَّ مَن رواه موقوفاً قَصَّرَ فيه.
قوله: ((عن الأعمَش، حدَّثني مجاهد)) أنكَرَ العُقَيليّ هذه اللَّفظة وهي: حدَّثني مجاهد،
وقال: إنَّما رواه الأعمَشُ بصيغة: عن مجاهد، كذلك رواه أصحاب الأعمَش عنه وكذا
٢٣٤/١١ أصحاب / الطُّفاويِّ عنه، وتفرَّد ابن المَدِينيّ بالتَّصريح، قال: ولم يسمعه الأعمَش من
مجاهد وإنَّما من ليث بن أبي سُلَيم عنه فدَلَّسَه، وأخرجه ابن حِبّان في ((صحيحه)) (٦٩٨) من
طريق الحسن بن قَزَعة: حدَّثنا محمّد بن عبد الرَّحمن الطُّفاويُّ عن الأعمش عن مجاهد،
بالعَنعَنة، وقال: قال الحسن بن قَزَعة: ما سألَني يحيى بن مَعِين إلّا عن هذا الحديث،
وأخرجه ابن حِبّان في (رَوْضة العُقَلاء))(١) من طريق محمّد بن أبي بكر المقدَّمَيّ عن
الطُّفاويِّ بالعَنعَنة أيضاً، وقال: مَكَنتُ مُدّة أظنّ أنَّ الأعمش دَلَّسَه عن مجاهد، وإنَّما سمعَه
من ليث، حتَّى رأيتُ عليّ بن المَدِينيّ رواه عن الطُّفاويّ فصَرَّحَ بالتَّحديث؛ يشير إلى
رواية البخاريّ التي في الباب.
قلت: وقد أخرجه أحمد (٤٧٦٤) والتِّرمِذيّ (٢٣٣٣) من رواية سفيان الثَّوْريّ عن
ليث بن أبي سُلَيم عن مجاهد، وأخرجه ابن عَديّ في ((الكامل)) (٢٣٨/٣) من طريق حمّاد
ابن شُعَيب عن أبي يحيى القَتّات عن مجاهد، وليث وأبو يحيى ضعيفان والعُمدة على طريق
الأعمَش، وللحديثِ طريق أُخرى أخرجه النَّسائيُّ (ك١١٨٠٣) من رواية عَيْدة بن أبي
لُبَابة عن ابن عمر مرفوعاً، وهذا ممّاً يُقوِّي الحديث المذكور، لأنَّ رواته من رجال الصَّحيح،
وإن کان اختُلِفَ في سماع عبدةً من ابن عمر.
(١) ((روضة العقلاء)) ص١٤٨ في ذكر الحبُّ على لزوم القناعة.

١٥
باب ٣/ ح ٦٤١٦
كتاب الرقاق
قوله: ((أخَذَ رسول الله وََّ بِمَنْكِبي)) فيه تعيين ما أُبهم في رواية ليث عند التِّرمِذيّ:
((أَخَذَ ببعضٍ جسدي))، والمنكِب بكسر الكاف: مَجَمَع العَضُد والكَتِفٍ، وضُبِطَ في بعض
الأُصول بالتَّنية.
قوله: ((كُن في الدُّنْيا كأنَّك غريب، أو عابرُ سَبيل)) قال الطِّييُّ: ليست ((أو)) للشَّكِّ بل
للتَّخيير والإباحة، والأحسن أن تكون بمعنى بَلْ، فشَبَّهَ الناسكَ السالك بالغريبِ الذي
ليس له مَسكَن يأويه ولا سَكنٌ يَسكُنه، ثمَّ تَرَقَّى وأضرَبَ عنه إلى عابر السَّبيل؛ لأنَّ
الغريب قد يَسكُن في بلد الغُربة، بخِلَاف عابِرِ السَّبيل القاصد لبلدٍ شاسع، وبينهما أودية
مُرْدية ومَفاوِز مُهلِكة وقُطّاع طريق، فإنَّ من شأنه أن لا يقيمَ لحظة ولا يَسكُن لمحة، ومن
ثَمَّ عَقَّبَه بقوله: إذا أمسَيتَ فلا تَنْتَظِرِ الصَّباحِ ... إلى آخره، وبقوله: وعُدَّ نفسك في أهل
القُبور، والمعنى: استَمِرَّ سائراً ولا تَفْتُر، فإِنَّك إن قَضَّرتَ انقَطَعت وهَلَكت في تلكَ
الأودية، وهذا معنى المشَبَّه به، وأمَّا المشَبَّه فهو قوله: وخُذْ من صِحَّتك لمرضِك، أي: أنَّ
العُمُر لا يَخْلُو عن صِحّة ومرض، فإذا كنت صحيحاً فسِرْ سَيْرِ القصد وزِدْ عليه بقَدْرِ
قوَّتك ما دامت فيك قوّة، بحيثُ يكون ما بك من تلكَ الزّيادة قائماً مقامَ ما لعلَّه يُفوّت
حالة المرض والضَّعف.
زاد عَبْدة في روايته عن ابن عمر: اعبد الله كأنَّك تَراه، وكُنْ في الدُّنيا ... الحديث، وزاد
ليث في روايته: وعُدَّ نفسك في أهل القُبور، وفي رواية سعيد بن منصور (١): وكأنَّك عابرُ
سبیل.
وقال ابن بَطّال: لمَّا كان الغريب قليلَ الانبساط إلى الناس، بل هو مُستَوحِش منهم إذا
لا يَكادُ يَمُرّ بمَن يَعرِفه يتأنَّس به، فهو ذليل في نفسه خائف، وكذلك عابرُ السَّبيل، لا يَنفُذ
في سفره إلّا بقوَّتِه عليه وتخفيفه من الأثقال، غيرَ متشبِّث بما يَمنَعه من قَطْع سفره، معه
زادُه وراحلته يُبلِّغانه إلى بُغيّته من قصده؛ شَبَّهَه بهما، وفي ذلك إشارةٌ إلى إيثار الزُّهد في
(١) وساقها من طريقه ابنُ عساكر في ((تاريخ دمشق)) ٣٣/٦٤.

١٦
باب ٣ / ح ٦٤١٦
فتح الباري بشرح البخاري
الدُّنيا وأخذ البُلْغة منها والكَفَاف، فكما لا يحتاج المسافر إلى أكثرَ ممّا يُبلِّغه إلى غاية سفره،
فكذلك لا يحتاج المؤمن في الدُّنيا إلى أكثرَ مما يُبلِّغه المحَلَّ.
وقال غيره: هذا الحديث أصل في الحثِّ على الفراغ عن الدُّنيا والزُّهد فيها والاحتقار
لها والقَناعة فيها بالبُلْغة.
وقال النَّوويّ: معنى الحديث: لا تَركَنْ إلى الدُّنيا ولا تَتَّخِذها وطناً، ولا تُحدِّثْ نفسك
بالبَقَاءِ فيها، ولا تتعلَّق منها بما لا يَتَعلَّق به الغريب في غير وطنه.
وقال غيره: عابر السَّبيل هو المارّ على الطَّريق طالباً وطنه، فالمرء في الدُّنيا كعَبدِ أرسَلَه
سَيِّده في حاجة إلى غير بلده، فشأنُه أن يُبادِر بفعْل ما أُرسِلَ فيه ثمَّ يعود إلى وطنه، ولا يَتَعلَّق
بشيءٍ غيرِ ما هو فيه.
وقال غيره: المراد أن يُنزِّل المؤمن نفسَه في الدُّنيا مَنزِلة الغريب، فلا يُعلِّق قلبه بشيءٍ من
٢٣٥/١١ بلد الغُربة، بل قلبه مُتعلِّق بوطنِهِ الذي يَرجِع إليه،/ ويجعل إقامته في الدُّنيا ليقضيَ حاجته
وجِهازَه للرُّجوع إلى وطنه، وهذا شأنُ الغريب، أو يكون کالمسافرِ لا يَستَقِرّ في مكان بعينه، بل
هو دائم السَّير إلى بلد الإقامة.
واستُشكِلَ عطفُ عابر السَّبيل على الغريب، وقد تقدَّم جواب الطِّيّيّ، وأجابَ الكِرْمانيُّ
بأنَّه من عطف العامّ على الخاصّ، وفيه نوع من التَّرقّي؛ لأنَّ تَعلَّقاته أقلُّ من تَعلُّقات
الغريب المقيم.
قوله: ((وكان ابن عمر يقول)) في رواية ليث: وقال لي ابن عمر: إذا أصبَحتَ، الحديث.
قوله: ((وخُذ من صِخَّتك)) أي: زمن صِخَّتك (لمرضِك)) في رواية ليث: لسَقَمِك، والمعنى:
اشْتَغِلْ في الصِّحّة بالطاعة، بحيثُ لو حَصَلَ تقصير في المرض لا يُجبر بذلك.
قوله: ((ومن حياتك لموتك)) في رواية ليث: قبل موتك، وزاد: فإنَّك لا تدري يا عبد الله
ما اسمُك غَداً؟ أي: هل يقال له: شَقيّ أو سعيد، ولم يُرِد اسمه الخاصّ به فإنَّه لا يَتغيَّر.
وقيل: المراد: هل هو حَيّ أو ميِّت؟ وهذا القَدرُ الموقوف من هذا تقدَّم محُصَّل معناه في

١٧
باب ٣/ ح ٦٤١٦
كتاب الرقاق
حديث ابن عبّاس أوَّل كتاب الرِّقاق، وجاء معناه من حديث ابن عبّاس أيضاً مرفوعاً
أخرجه الحاكم (٤/ ٣٠٦): أنَّ النبيَّ ◌َِّ قال لرجلٍ وهو يَعِظُه: ((اغتَنِم خمساً قبل خمس:
شَبابَك قبل هَرَمك، وصِخَّتَك قبل سَقَمك، وغِناك قبل فقرك، وفَراغَك قبل شُغلِك،
وحياتك قبل موتك))، وأخرجه ابن المبارك في ((الزُّهد)) (٢) بسندٍ صحيح من مُرسَل عَمْرو
ابن ميمون(١).
قال بعض العلماء: كلام ابن عمر مُتَتَزَع من الحديث المرفوع، وهو مُتَضَمِّن لنهاية قِصَر
الأمَل، وأنَّ العاقل ينبغي له إذا أمسَى لا يَنتَظِرِ الصَّباح، وإذا أصبَحَ لا يَنْتَظِرِ المساء، بل يَظُنّ أنَّ
أجَلَه مُدرِ كه قبل ذلك.
قال: وقوله: خُذ من صِحَّتك ... إلى آخره، أي: اعمَل ما تَلقَى نفعَه بعد موتك، وبادِرْ أيامَ
صِحَّتك بالعملِ الصالح، فإنَّ المرض قد يَطرَأُ فيمتنع من العمل، فيُخشَى على مَن فَرَّطَ في ذلك
أن يَصِلَ إلى المعاد بغير زاد.
ولا يعارض ذلك الحديثُ الماضي في ((الصَّحيح)) (٢٩٩٦): ((إذا مَرِضَ العَبدُ أو سافَرَ،
كَتَبَ الله له ما كان يعمل صحيحاً مُقيماً)، لأنَّ وَرَدَ في حَقّ مَن يعمل، والتَّحذير الذي في
حديث ابن عمر في حَقّ مَن لم يعمل شيئاً، فإنَّه إذا مَرِضَ نَدِمَ على تَركِه العمل، وعَجَزَ لمرضِه
عن العمل فلا يفيدُه النَّدَم.
وفي الحديث مَسُ المعلِّم أعضاءَ المتعلِّم عند التَّعليم والموعوظِ عند الموعِظة، وذلك
للتَّأنيسِ والتَّنبيه، ولا يُفعَل ذلك غالباً إلّا بمَن يَمِيل إليه. وفيه مُخاطَبةُ الواحد وإرادة
الجمع، وحِرصُ النبيّ وَّل على إيصال الخير لأُمَّتِهِ، والحضّ على ترك الدُّنيا والاقتصار على
ما لا بدَّ منهُ.
(١) وأخرجه من طريق ابن المبارك: النسائيُّ في ((الكبرى)) (١١٨٣٢). وحديث ابن عباس عند الحاكم سنده
حسنٌ، وقد سقط ابنُ المبارك في المطبوع منه فليُستدرك من ((تلخيصه)) للذهبي و((إتحاف المهرة)) لابن
حجر (٧٧٠٤).

١٨
فتح الباري بشرح البخاري
٤ - بابٌ في الأمل وطوله
وقولِه تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَةَ فَقَدْ فَازُّ﴾ الآيةَ [آل عمران: ١٨٥].
﴿بِمُزَحْرِجِهِ﴾ [البقرة: ٩٦]: بمُباعِدِه.
وقوله: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ﴾ الآية [الحجر: ٣].
وقال عليُّ بن أبي طالب: ارَحَلَتِ الدُّنْيَا مُدْبِرَةً، وارتَحَلَتِ الآخرةُ مُقبِلةً، ولكلِّ واحدةٍ
منهما بَنُونَ، فكونوا من أبناءِ الآخرةِ ولا تكونوا من أبناءِ الدُّنْيا، فإنَّ اليومَ عملٌ ولا حِسابَ،
وغَداً حِسابٌ ولا عملَ.
٢٣٦/١١ قوله: ((بابٌ في الأمل وطوله)) الأَمَل بفتحَتَين: رَجاءُ ما تُحِبّه النَّس من طول عمر وزيادة
غِنَّى، وهو قريب المعنى من التمنِّي، وقيل: الفَرْق بينهما أنَّ الأمَل ما تقدَّم له سبب، والتمنِّي
بخِلَافه، وقيل: لا يَنفَقُّ الإنسانُ من أمَل، فإن فاتَه ما أمَّلَه عَوَّلَ على التمنِّي، ويقال: الأمل إرادة
الشّخص تحصيلَ شيء يُمكِن حصولُه، فإذا فاتَه تَمنّاه.
قوله: ((وقولِه تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِجَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَةَ فَقَدْ فَازَ﴾ الآية)) كذا
للنَّسَفيِّ، وساقَ في رواية كَرِيمة وغيرها إلى ﴿اَلْغُرُورِ﴾، ووَقَعَ في رواية أبي ذرِّ إلى قوله:
﴿فَقَدْ فَازَ﴾، والمطلوب هنا ما سَقَطَ من روايته، وهو الإشارة إلى أنَّ مُتعلّق الأمَل ليس
بشيءٍ لأنَّه متاع الغرور، شَبَّهَ الدُّنيا بالمتاع الذي يُدَّس به على المُستَامِ ويَغُرَّه حتَّى يشتريَه،
ثمَّ يَتَبَّن له فسادُه ورَداءَته، والشَّيطان هو المدلِّس، وهو الغَرُور - بالفتح - الناشئ عنه
الغُرور - بالضَّمّ -، وقد قُرِئَ في الشّاذِّ هنا بفتح الغَين، أي: متاع الشّيطان، ويجوز أن يكون
بمعنى المفعول وهو المخدوع، فَتَّفِق القراءتان.
قوله: ((﴿بِمُزَحْرِجِهِ،﴾: بمُباعِدِه)) وَقَعَ هذا في رواية النَّسَفيِّ وكذا لأبي ذرِّ عن المُستَمْلِي
والكُشْمِيهنيّ، والمراد أنَّ معنى قوله: ﴿زُحْزِجَ﴾ في هذه الآية ﴿فَمَنْ زُحْرِجَ﴾: بُوعِدَ، وأصل
الَّحزَحة: الإزالة، ومَن أُزيل عن الشَّيء فقد بُوعِدَ منه.

١٩
كتاب الرقاق
وقال الكِرْمانيّ: مُناسَبة هذه الآية للتَّرجمة أنَّ في أوَّل الآية ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْوَّتِ﴾،
وفي آخرها ﴿ وَمَا الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا﴾، أو أنَّ قوله: ﴿فَمَنْ زُحْزِجَ﴾ مُناسِب لقوله: ﴿وَمَا هُوَ
بِمُزَحْرِجِهِ﴾ [البقرة: ٩٦] وفي تلكَ الآية: ﴿يَوَدُّأَحَدُهُمْ لَوْ يُعَتَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾.
قوله: (وقولِهِ: ﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَعُواْ﴾ الآيةَ)) كذا لأبي ذرٍّ، وساقَ في رواية كَرِيمة
وغيرها إلى ﴿يَعْلَمُونَ﴾، وسَقَطَ قوله: ((وقوله)) للنَّسَفيّ. قال الجمهور: هي عامّة، وقال جماعة:
هي في الكفّار خاصّةً والأمر فيه للتَّهديد، وفيه زَجْر عن الانهماك في مَلاذِّ الدُّنيا.
قوله: ((وقال عليّ بن أبي طالب: ارَحَتِ الدُّنْيا مُذْبِرةً ... )) إلى آخره، هذه قِطعة من أثر
لعليٍّ جاء عنه موقوفاً ومرفوعاً، وفي أوَّله شيء مُطابِقٍ للتَّرجمة صريحاً، فعند ابن أبي شَيْبة في
((المصنَّف)) (٢٨١/١٣) وابن المبارَك في ((الزُّهد)) (٢٥٤) من طرق عن إسماعيل بن أبي
خالد وزُبَيد الإِيَامَيّ عن رجل من بني عامر، وسُمَّ في رواية لابنِ أبي شَيْبة: مُهاجِر
العامريّ، وكذا في ((الحِلية)) (٧٦/١) من طريق أبي مريم عن زُبَيد عن مُهاجِر بن عُمَير
قال: قال عليّ: إنَّ أخوف ما أخاف عليكم اتِباع الهوى وطول الأمل، فأمَّ اتِّباع الهوى
فيَصُدّ عن الحقّ، وأمَّا طول الأمَل فيُنسى الآخرة، ألا وإنَّ الدُّنيا ارتَحَلَت مُدِرة ... الحديث
كالذي في الأصل سواء، ومُهاجِر المذكور: هو العامريّ المبهم قبله، وما عرفتُ حاله، وقد
جاء مرفوعاً، أخرجه ابن أبي الدُّنيا في كتاب ((قِصَر الأمَل)) (٣) من رواية اليَمَان بن
حُذَيفة عن عليّ بن أبي حفصة مولى عليّ عن عليّ بن أبي طالب أنَّ رسول الله وَ له قال: ((إنَّ
أشدّ ما أتخوَّف عليكم خَصْلتَينِ)) فذكر معناه، واليَمَان وشیخه لا يُعرفان.
وجاء من حديث جابر، أخرجه أبو عبد الله بن مَندَهْ من طريق المنكَدِر بن محمّد بن المنگَدِر
عن أبيه عن جابر مرفوعاً، والمنكَدِر ضعيف، وتابَعَه عليُّ بن أبي عليّ اللَّهَبيّ عن ابن / المنكَدِر ٢٣٧/١١
بتمامه، وهو ضعيف أيضاً، وفي بعض طرق هذا الحديث: ((فاتِّباع الهوى يَصرِف بقلوبِكم عن
الحقّ، وطولُ الأمَل یَصرِف هِمَمكم إلى الدنيا)).
ومن كلام عليّ أخَذَ بعضُ الحُكماء قوله: الدُّنيا مُدِرة والآخرة مُقبلة، فعَجَبٌ لمن يُقْبِل
على المدبرة، ويُدبِر عن المقبلة.

٢٠
باب ٤
فتح الباري بشرح البخاري
ووَرَدَ في ذَمّ الاسترسال مع الأمَل حديثُ أنس رَفَعَه: ((أربعة من الشَّقاء: مُمود العين،
وقَسْوة القلب، وطول الأمل، والحرصُ على الدُّنيا)) أخرجه البَزَّار (٦٤٤٢) (١)، وعن
عبد الله بن عَمْرو رَفَعَه: («صلاح أوَّل هذه الأُمّة بالزّهادة واليقين، وهلاك آخرها بالبُخلِ
والأمَل)) أخرجه الطبرانيُّ وابن أبي الدُّنيا(٢).
وقيل: إنَّ قِصَر الأمَل حقيقةُ الزُّهد، وليس كذلك بل هو سبب، لأنَّ مَن قَصُرَ أَلُه
زَهِدَ، ويَتَوَلَّد من طول الأمل الكسلُ عن الطاعة، والتَّسويف بالتَّوبة، والرَّغبة في الدُّنيا،
والنِّسيان للآخِرة، والقَسْوة في القلب، لأنَّ رِقَّته وصَفاءَه إنَّما يقع بتذكَّر الموت والقبر
والثَّواب والعِقاب وأهوال القيامة، كما قال تعالى: ﴿فَطَالَ عَلَهُمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾
[الحديد: ١٦]، وقيل: مَن قَصُرَ أمَلُهُ قَلَّ هُّه وتَنوَّرَ قلبه، لأنَّه إذا استَحضَرَ الموتَ اجتهدَ في
الطاعة، وقَلَّ هَُّه، ورَضِيَ بالقليل.
وقال ابن الجَوْزيّ: الأمل مذموم للنّاس إلّا للعلماء، فلولا أمَلُهم لمَا صَنَّفوا ولا ألَّفوا.
وقال غيره: الأمل مطبوع في جميع بني آدم كما سيأتي في الحديث الذي في الباب بعده: ((لا يزال
قلبُ الكبير شاباً في اثنتَين: حُبّ الدُّنيا، وطول الأمل)).
وفي الأمل سِرٌّ لطيف، لأنَّه لولا الأمل ما تَهنَّى أحد بعَيشٍ، ولا طابَت نفسُه أن يَشرَع
في عمل من أعمال الدُّنيا، وإنَّما المذموم منه الاسترسالُ فيه وعَدَم الاستعداد لأمرِ الآخرة،
فمَن سَلِمَ من ذلك لم يُكلَّف بإزالتِهِ.
وقوله في أثَر عليّ: ((فإنَّ اليوم عملٌ ولا حِسابَ، وَغَداً حِسابٌ ولا عملَ)) جَعَلَ اليوم نفسَ
العمل والمحاسبة مُبالَغةً، وهو كقولهم: نَهارُه صائمٌ، والتَّقدير في الموضعین: ولا حسابَ فيه ولا
عمل فيه.
(١) وإسناده ضعيف.
(٢) أخرجه الطبراني في (الأوسط)) (٧٦٥٠)، وابن أبي الدنيا بنحوه في ((قِصَر الأمل)) (٢٠) و((اليقين)) (٣)،
وهو بمجموع طريقيه محتمل للتحسين.