النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
باب ٦٠ / ح ٦٣٩٨ -٦٣٩٩
كتاب الدعوات
المشرِكينَ جائز، وإنَّما النَّهي عن ذلك في حَقّ مَن يُرجَى تألَّفهم ودخولهم في الإسلام،
ويحتمل في التَّوفيق بينهما: أنَّ الجواز حيثُ يكون في الدُّعاء ما يقتضي زَجرهم عن تَمَاديهم
على الكفر، والمنع حيثُ يقع الدُّعاء عليهم بالهلاكِ على كُفْرهم.
والتَّقييد بالهداية يُرشِد إلى أنَّ المراد بالمغفرة في قوله في الحديث الآخر: ((اغفِر لِقومي
فإنَّهم لا يعلمونَ))(١) العَفُ عَّا جَنَوه عليه في نفسه لا مَحوُ ذُنوبهم كلّها، لأنَّ ذَنب الكُفر لا
يُمحَى، أو المراد بقولِه: ((اغفِر لهم)): اهدِهم إلى الإسلام الذي تَصِحّ معه المغفرة، أو المعنى:
اغفِر لهم إن أسلموا، والله أعلم.
٦٠ - باب قول النبيّ وَليّ: ((اللّهمّ اغفر لي ما قدمت وما أخّرت))
٦٣٩٨- حدَّثني محمَّدُ بنُ بِشَّارٍ، حدَّثنا عبدُ الملِك بنُ الصَّبَّاحِ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن أبي
إسحاقَ، عن ابنِ أبي موسى، عن أبيه، عن النبيِّ وََّ، أنَّه كان يَدْعو بهذا الدُّعاءِ: «رَبِّ اغفر لي
خَطِيئَتي وجَهْلي، وإسرافي في أمري كلِّه، وما أنتَ أعلمُ به منّي، اللهمَّ اغفر لي خَطاياي وعَمْدي
وجَهْلِي وهَزْلي، وكلُّ ذلك عندي، اللهمَّ اغفِر لي ما قَدَّمْتُ وما أخَّرْتُ، وما أسرَرْتُ وما أعلَنْتُ،
أنتَ المقدِّمُ وأنتَ المؤَخِرُ، وأنتَ على كلِّ شيءٍ قَدِيرٌ)).
وقال عُبيدُ الله بنُ معاذٍ: حدَّثنا أبي، حدَّثنا شُعْبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي بُرْدةَ بنِ أبي
موسی، عن أبيه، عن النبيِّ ێآ.
[طرفه في: ٦٣٩٩]
٦٣٩٩ - حدَّثني محمَّدُ بنُ المثنَّى، حَدّثنا عُبيدُ الله بنُ عبدِ المَجِيدِ، حدَّثنا إسرائيلُ، حدّثنا
أبو إسحاقَ، عن أبي بكرِ بنِ أبي موسى وأبي بُرْدةَ - أحسِبُه - عن أبي موسى الأشعَرِيِّ، عن
النبيِّ وََّ، أَنَّه كان يَدْعو: «اللهمَّ اغفِر لي خَطِيئَتي وجَهْلي، وإسرافي في أمري، وما أنتَ أعلمُ
به منّي، اللهمَّ اغفِر لِي هَزْلي وجِدّي، وخَطَايَاي وعَمْدي، وكلَّ ذلك عندي)).
قوله: ((باب قول النبيّ وَّةِ: اللهمَّ اغفِرٍ لي ما قَدَّمْت وما أخَّرْت)) كذا تَرجَمَ ببعضِ الخبر، ١٩٧/١١
(١) سلف برقم (٣٤٧٧).

٤٢٢
باب ٦٠ / ح ٦٣٩٩
فتح الباري بشرح البخاري
وهذا القَدر مِنه يَدخُل فيه جميعُ ما اشتَمَلَ عليه، لأنَّ جميع ما ذُكر فيه لا يخلو عن أحد
الأمرَينِ.
قوله: ((عبد المَلِك بن الصَّبّاح)) ما له في البخاريّ سوى هذا الموضع، وقد أورَدَ طريق
معاذ بن معاذ عن شُعْبة عَقِبَه إشارةً إلى أنَّه لم يَنْفَرِد به، وعَكَسَ مسلم (٢٧١٩) فصَدَّرَ
بطريق معاذ ثمَّ أتبَعَه بطريق عبد الملك هذا، قال أبو حاتم الرَّازيُّ: عبد الملك بن الصَّاح
صالحٌ.
قلت: وهي من ألفاظ التَّوثيق لكنَّها من الرُّتبة الأخيرة عند ابن أبي حاتم. وقال: إنَّ مَن
قيل فيه ذلك يُكتَب حديثه للاعتبار، وعلى هذا فليس عبدُ الملِك بن الصَّاح من شرط
الصَّحيح، لكنِ اتِّفاق الشَّيخَينِ على التَّخريج له يدلّ على أنَّه أرفَع رُتبة من ذلك(١)، ولا سيّما
وقد تابَعَه معاذ بن معاذ، وهو من الأثبات.
ووَقَعَ في ((الإرشاد)) للخليليّ: عبد الملك بن الصَّاحِ الصَّنعانيُّ عن مالك(٢) مُتَّهم بسَرِقة
الحديث، حكاه الذَّهَبِيّ في ((الميزان))، وقال: هو المِسمَعَيّ بصريٌّ(٣) صَدُوق، خَرَّجَ له صاحب
((الصَّحیح))، انتهى.
والذي يظهر لي أنَّه غير المِسِمَعيّ، فإنَّ الصَّنْعانيَّ إمّا من صَنْعاء اليمن أو صَنعاء دِمَشق،
وهذا بصريّ قطعاً فافتَرَقا(٤).
قوله: ((عن أبي إسحاق)) هو السَّبيعيّ.
قوله: ((عن ابن أبي موسى)) هكذا جاء مُبهَماً في رواية عبد الملك، وهكذا أورَدَه الإسماعيليّ
(١) كيف وقد وثقه أيضاً ابنُ معين في رواية ابن مُرِزِ عنه ١/ ٩٨، وقال في رواية ابن الجنيد (٤٣٤): ثقة صدوق.
(٢) قال الحافظ في (تهذيب التهذيب)): كذا قال، ولم أر في الرواة عن مالك للخطيب ولا للدار قطني أحداً يقال له:
عبد الملك بن الصباح، فإن كان محفوظاً فهو غير المسمعي.
(٣) تحرَّف في (س) إلى: مصري.
(٤) هذا ليس حجة في التفريق، فإنَّ معمر بن راشد مثلاً بصري سكن صنعاء. فصحَّ أن ينسب إلى كلا البلدين
وكذلك نُسب محمد بن عبد الأعلى القيسي بصرياً صنعانياً.

٤٢٣
باب ٦٠ / ح ٦٣٩٩
كتاب الدعوات
عن الحسن بن سفيان والقاسم بن زَكَريًا، كلاهما عن محمَّد بن بشَّار شيخ البخاريّ فيه.
وأخرجه ابن حِبّان (٩٥٧) في النّوع الثّاني عشر من القسم الخامس من ((صحیحه)) عن عمر
ابن محمد الهَمْداني عن محمَّد بن بشَّار، حدَّثنا عبد الملك بن الصَّح المِسمَعيّ، فذكره.
وسمّاه معاذ عن شُعبة، فقال في روايته: عن أبي بُرْدة بن أبي موسى عن أبيه.
قوله: ((وقال عُبيد الله بن معاذ ... )) إلى آخره، أخرجه مسلم بصريح التَّحديث، فقال:
حدَّثنا عُبيد الله بن معاذ، وكذا قال الإسماعيليّ: حدَّثنا الحسن بن سفيان حدَّثنا عبيد الله بن
معاذ به.
وأشارَ الإسماعيليّ إلى أنَّ في السَّنَد عِلّةً أُخرى فقال: سمعت بعض الحُفّاظ يقول: إنَّ أبا
إسحاق لم يسمع هذا الحديث من أبي بُرْدة، وإنَّما سمعَه من سعيد بن أبي بُرْدة عن أبيه.
قلت: وهذا تعليل غير قادح، فإنَّ شُعْبة كان لا يَروي عن أحدٍ من المدَلِّسينَ إلّا ما
يَتَحقَّق أنَّه سمعَه من شيخه(١).
قوله في الطريق الثالثة: ((إسرائيل، حدَّثنا أبو إسحاق، عن أبي بكر بن أبي موسى وأبي بُرْدة
- أحْسبه - عن أبي موسى الأشعَريّ)) لم أجِد طريق إسرائيل هذه في ((مُستَخرَج الإسماعيليّ))،
وضاقَت على أبي نُعَيم فأورَدَها من طريق البخاريّ ولم يَستَخِرِجها من وجه آخر، وأفادَ
الإسماعيليّ، أنَّ شَرِيكاً وأشعَث وقيس بن الرَّبيع رَووه عن أبي إسحاق عن أبي بُرْدة بن أبي
موسی عن أبيه.
وقد وَقَعَت لي طريق إسرائيل من وجه آخر، أخرجها أبو محمَّد بن صاعِد في ((فوائده))
عن محمَّد بن عَمْرو الهَرَويِّ عن عبيد الله بن عبد المجيد الذي أخرجه البخاريّ من طريقه
بسندِه، وقال في روايته: عن أبي بكر وأبي بُرْدة ابنَي أبي موسى عن أبيهما. ولم يَشُكّ، وقال:
غریبٌ من حديث أبي بكر بن أبي موسى.
(١) كيف وقد نصَّ شعبة فيما نقله عنه الحافظ في ((طبقات المدلسين)) أنه قال: كفيتكم تدليس ثلاثة، وذكر
منهم أبا إسحاق السبيعي. وقد أسنده عنه محمد بن طاهر المقدسي في ((مسألة التسمية)) ص ٤٧.

٤٢٤
باب ٦٠ / ح ٦٣٩٩
فتح الباري بشرح البخاري
قلت: وإسرائيل: هو ابن يونس بن أبي إسحاق، وهو من أثبت الناس في حديث جَدّه.
تنبيه: حكى الكرماني أنَّ في بعض نسخ البخاري: وقال عبد الله بن مُعاذ بالتكبير.
قلت: وهو خطاً محضِّ، وكذا حكى أنَّ في بعض النّسخ من طريق إسرائيل: عبيد الله
ابن عبد الحميد، بتأخير الميم، وهو خطأ أيضاً، وهذا هو أبو علي الخَنفيُّ، مشهورٌ من رجال
((الصحیحین)).
قوله: ((أنَّه كان يَدْعو بهذا الدُّعاء)» لم أرَ في شيء من طرقه مَحَلّ الدُّعاء بذلك.
وقد وَقَعَ مُعظَم آخره في حديث ابن عبَّاس: أنَّه وَّ/ كان يقوله في صلاة اللَّيل، وقد
تقدَّم بيانه قبلُ (٦٣١٧).
١٩٨/١١
ووَقَعَ أيضاً في حديث عليّ عند مسلم (٧٧١): أنَّه كان يقوله في آخر الصلاة.
واختَلَفَتِ الرِّواية: هل كان يقوله قبل السَّلام أو بعده؟ ففي رواية لمسلمٍ (٧٧١/ ٢٠١):
ثمَّ يكون من آخر ما يقول بين التَّشَهُّد والسَّلام: «اللهمَّ اغفر لي ما قَدَّمتُ وما أنَّرتُ، وما
أسرَرتُ وما أسرَفتُ، وما أعلَنتُ، وما أنتَ أعلم به منِّي، أنتَ المقدِّم وأنتَ المؤَخّر، لا إله
إلّا أنتَ)).
وفي رواية له (٧٧١/ ٢٠٢): وإذا سَلَّمَ قال: ((اللهمَّ اغفر لي ما قَدَّمت ... )) إلى آخره.
ويُجمَع بينهما بحَمْلِ الرِّواية الثّانية على إرادة السَّلام، لأنَّ ◌َخَرَج الطَّريقَينِ واحد.
وأورَدَه ابن حِبّان في («صحيحه)) (٢٠٢٥) بلفظ: كان إذا فَرَغَ من الصلاة وسَلَّمَ، وهذا
ظاهر في أنَّه بعد السَّلام، ويحتمل أنَّه كان يقول ذلك قبل السَّلام وبعده، وقد وَقَعَ في حديث
ابن عبّاس نحو ذلك كما بيَّنتُه عند شرحه.
قوله: ((رَبِّ اغْفِرْ لي خطيئتي)) الخطيئة: الذَّنب، يقال: خَطِئَ يَخْطَأُ، ويجوز تسهيل الهمزة
فيقال: خَطِيَّة، بالتَّشدیدِ.
قوله: (وجَهْلي)) الجهل: ضِدّ العلم.

٤٢٥
باب ٦٠ / ح ٦٣٩٩
كتاب الدعوات
قوله: ((وإسرافي في أمري كلّه)) الإسراف: مُجاوزة الحدّ في كلّ شيء، قال الكَرْمانيُّ: يحتمل أن
يَتَعلَّقِ بالإسراف فقط، ويحتمل أن يَتَعلَّق بجميع ما ذُكِرَ.
قوله: ((اغفِر لي خَطاياي وعَمْدي)) وَقَعَ في رواية الكُشْمِيهنيّ في طريق إسرائيل:
((خَطَئي))، وكذا أخرجه البخاريّ في ((الأدب المفرَد)) (٦٨٩) بالسَّنَد الذي في ((الصَّحيح))،
وهو المناسب لِذِكْر العَمْد، ولكنَّ جُهور الزُّواة على الأوَّل، والخَطايا: جمع خطيئة، وعَطف
العَمد عليها من عَطف الخاصّ على العامّ، فإنَّ الخطيئة أعَمّ من أن تكون عن خطأ وعن
عَمد، أو هو من عَطف أحد العامَّينِ على الآخر.
قوله: ((وجَهْلِي وهَزْلِ))(١) وَقَعَ في مسلم: ((اغِفِرِ لِي هَزْلي وجِدّي)) وهو أنسَب، والجِدّ بكسر
الجيم: ضِدّ اهَزْل.
قوله: ((وكلّ ذلك عندي)) أي: موجود أو مُمكِّن.
قوله: ((اللهمَّ اغفِر لي ما قَدَّمْت ... )) إلى آخره، تقدَّم سِرّ المراد به وبيان تأويله.
قوله: ((أنتَ المقدِّم وأنتَ المؤَخِّر)) في رواية مسلم: ((اللهمَّ أنتَ المقدِّم ... )) إلى آخره.
قوله: ((وأنتَ على كلّ شيء قدير)) في حديث عليّ الذي أشرتُ إليه قبلُ: ((لا إله إلّا أنتَ))
بدل قوله: «وأنتَ علی کلّ شيء قدیر)).
قال الطَّبَرُّ بعد أن استَشكَلَ صُدورَ هذا الدُّعاء من النبيّ وَّهِ مع قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ
لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْيِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] ما حاصله: أنَّهَ وَ ◌ّ امَثَلَ ما أمَرَه الله به من
تسبيحه، وسؤاله المغفِرةَ إذا جاء نصرُ الله والفتحُ. قال: وزَعَمَ قوم: أنَّ استغفاره عَّ يقع بطريق
السَّهو والغَفْلة أو بطريق الاجتهاد ممَّا لا يُصادِف ما في نفس الأمر.
وتُعقّبَ بأَنَّه لو كان كذلك لَلَزِمَ مِنه أنَّ الأنبياء يُؤَاخَذونَ بمِثلِ ذلك، فيكونونَ أشدَّ
حالاً من أُمهم.
(١) وقع في (أ) و(س): وجهلي وجِدّي، وهو خطأ، والمثبت على الصواب من (ع).

٤٢٦
باب ٦٠ / ح ٦٣٩٩
فتح الباري بشرح البخاري
وأُجِيبَ بالتزامه. قال المحاسِبيّ: الملائكة والأنبياء أشدّ لله خَوفاً مَّن دونهم، وخَوفُهم
خَوف إجلال وإعظام، واستغفارهم من التَّقصير لا من الذَّنب المحقّق.
وقال عياض: يحتمل أن يكون قوله: ((اغفِر لي خطيئتي)) وقوله: «اغفِر لي ما قَدَّمتُ وما
أخّرتُ)) على سبيل التَّواضُع والاستكانة والخُضوع والشُّكر لِرَبِّه، لمَّا علم أنَّه قد غَفَرَ له. وقيل:
هو محمول على ما صَدَرَ من غَفلة أو سَهو. وقيل: على ما مَضَى قبل النَّة. وقال قوم: وقوع
الصَّغيرة جائز منهم فيكون الاستغفار من ذلك. وقيل: هو مثل ما قال بعضهم في آية الفتح:
﴿ لِيَغْفِرَكَ اللَّهُ مَاتَّقَّذَّمَ مِن ذَنْبِكَ﴾ أي: من ذَنب أبيك آدم ﴿وَمَا تَأَخَّرَ﴾ أي: من ذُنُوب أمَّتك.
وقال القُرطُبيّ في ((المفهم)): وقوع الخطيئة من الأنبياء جائز، لأنَّهم مُكلَّفونَ، فَيَخافونَ
وقوع ذلك ويَتَعَوَّذونَ مِنه. وقيل: قاله على سبيل التَّواضُع والخُضوع لحقِّ الرُّبوبيَّة لِيُقْتَدَى
به في ذلك.
تكميل: نَقَلَ الكِرْمانيُّ تَبَعاً لمُغَلْطاي عن القَرَافِيّ: أنَّ قول القائل في دعائه: اللهمَّ اغفِر
لجميع المسلمينَ، دعاء بالمُحَال، لأنَّ صاحب الكبيرة قد يَدخُل النار، ودخول النار يُنافي
الغُفران.
وتُعقِّبَ بالمنع، وأنَّ المنافيَ للغُفران الخُلُودُ في النار، وأمَّا الإخراج بالشَّفاعة أو العفو
فهو غُفران في الجملة.
١٩٩/١١
وتُعقّبَ أيضاً بالمعارضة بقولِ نوح عليه السلام: ﴿رَّتٍّ اغْفِرْ لِ وَلَوْلِدَنَّ وَلِمَن دَخَلَ
بَيْتِى مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ [نوح: ٢٨]، وقول إبراهيم عليه السلام: ﴿ رَبَّنَا أَغْفِرْ
لِ وَلَوَ لِّدَنَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤١]، وبِأنَّ النبيَّ وَ أُمِّرَ بذلك في
قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِّنَاتِ﴾ [محمد: ١٩].
والتَّحقيق أنَّ السُّؤال بلفظ الثَّعميم لا يَسْتَلِزِم طلب ذلك لِكُلِّ فَرْدٍ بطريق التَّعيين، فلعلَّ
مُراد القَرافيّ مَنع ما يُشعِر بذلك، لا مَنع أصل الدُّعاء بذلك.
ثمَّ إنّي لا يظهر لي مُناسَبة ذِكْر هذه المسألة في هذا الباب، والله أعلم.

٤٢٧
باب ٦١ / ح ٦٤٠٠
كتاب الدعوات
٦١ - باب الدّعاء في الساعة الّتي في يوم الجُمَعة
٦٤٠٠- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثْنا أيوبُ، عن محمَّدٍ، عن أبي
هريرةَ ﴾، قال: قال أبو القاسمِ وَّ: ((في يَوم الجمُعةِ ساعةٌ لا يُوافقُها مسلمٌ وهو قائمٌ يُصَلّي
يَسْألُ اللهَ خيراً، إلّا أعطاه)) وقال بَيَدِهِ، قُلْنا: يُقَلِّلُها، يُزَهِّدُها.
قوله: ((باب الدُّعاء في الساعة التي في يوم الجمعة)) أي: التي تُرجَى فيها إجابة الدُّعاء.
وقد تَرجَمَ في كتاب الجمعة («باب الساعة التي في يوم الجمعة)) (٩٣٥)، ولم يَذْكُر في البابينِ
شيئاً يُشعِر بتعيينِها.
وقد اختُلِفَ في ذلك كثيراً، واقتَصَرَ الخطَّبيُّ منها على وجهَينِ: أحدهما: أنَّها ساعة الصلاة،
والآخر: أنَّها ساعة من النَّهار عند دُنوّ الشمس للغُروبِ.
وتقدَّم سياق الحديث في كتاب الجمعة من طريق الأعرج عن أبي هريرة بلفظ: ((فيه
ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يُصَلّي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إيّاه))، وأشارَ بَيَدِه
يُقَلِّلها. وقد ذكرت شرحه هُناكَ، واستَوعَبت الخِلاف الوارد في الساعة المذكورة فزاد على
الأربعينَ قولاً، واتّفَقَ لي نظير ذلك ليلة القَدْر.
وقد ظَفِرت بحديثٍ يَظهر مِنه وجهُ المناسَبة بينهما في العَدَد المذكور، وهو ما أخرجه
أحمد (١١٦٢٤) وصَحَّحَه ابن خُزَيمةَ (١٧٤١) من طريق سعيد بن الحارث عن أبي سَلَمة
قال: قلت: يا أبا سعيد، إنَّ أبا هريرة حدَّثنا عن الساعة التي في الجمعة، فقال: سألت عنها
النبيّ وَّةِ، فقال: ((إنّ كنت أُعلِمتُها، ثمَّ أُنسيتُها كما أُنسيت ليلة القَدْر)).
وفي هذا الحديث إشارة إلى أنَّ كلّ رواية جاء فيها تعيين وقت الساعة المذكورة مرفوعاً
وهمٌّ، والله أعلم.
قوله: (يَسْألُ الله خيراً) يُقيِّد قولَه في رواية الأعرَج: ((شيئاً)، وأنَّ الفضل المذكور لمن يسأل
الخير، فيَخرُج الشرّ مِثل الدُّعاء بالإثمِ وقَطيعة الرَّحِم، ونحو ذلك.
وقوله: ((وقال بيدِه)) فيه إطلاق القول على الفِعل، وقد وَقَعَ في رواية الأعرَج: وأشارَ بَيَدِه.

٤٢٨
باب ٦٢ / ح ٦٤٠١
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((قُلْنا: يُقَلِّلها، يُزَهِّدها)) يحتمل أن يكون قوله: يُزَهِّدها وَقَعَ تأكيداً لقولِه: يُقَلِّلها،
وإلى ذلك أشارَ الخطّابيّ. ويحتمل أن یکون قال أحدَ اللَّفظینِ فجمعُما الراوي. ثمَّ وجَدته
عند الإسماعيليّ من رواية أبي خَيْئمةَ زُهَير بن حَرْب: يُقَلِّلها ويُزَهِّدها، فجَمَعَ بينهما، وهو
عَطف تأكید.
وقد أخرجه مسلم (١٤/٨٥٢) عن زُهَير بن حَرْب عن إسماعيل شيخ مُسدَّد فيه، فلم
يقع عنده: قلنا، ولفظه: وقال بيَدِه يُقلِّلها يُزهِّدها.
وأخرجه أبو عَوَانة (٢٥٤٨) عن الزَّعْفَرانيّ عن إسماعيل بلفظ: وقال بيدِه هكذا، فقلنا:
يُزَهِّدها أو يُقَلِّلها، وهذه أوضَحِ الرِّوايات، والله أعلم.
٦٢ - باب قول النبيّ ◌َّ: ((يُستجاب لنا في اليهود ولا يُستجاب لهم فينا»
٦٤٠١ - حدَّثنا قُتَيَبةُ، حدَّثنا عبدُ الوهَّاب، حدَّثنا أيوبُ، عن ابنِ أبي مُلَيكةً، عن عائشةَ
رضي الله عنها: أنَّ اليهودَ أتوا النبيَّ وَّهِ، فقالوا: السامُ عليكَ، قال: ((وعليكُم)) فقالت عائشةُ:
السامُ عليكم، ولَعَنَّكُمُ الله، وغَضِبَ عليكُم، فقال رسولُ الله ◌َِّ: ((مَهْلاً يا عائشةُ، عليكِ بالرِّفْقِ،
وإيّاكِ والعُنْفَ والفُحْشَ، قالت: أوَلم تَسْمَع ما قالوا؟ قال: ((أَوَلم تَسْمعي ما قلتُ؟ رَدَدْتُ عليهم،
فیُسْتَجابُ لی فیھم، ولا يُسْتَجابُ لهم فيَّ».
٢٠٠/١١
/ قوله: ((باب قول النبيّ وَ له: يُسْتَجاب لنا في اليهود ولا يُسْتَجاب لهم فينا)) أي: لأنّا نَدعو
عليهم بالحقِّ وهم يَدعُونَ علينا بالظُّلم.
ذكر فيه حديث عائشة في قول اليهود: السام عليكم، وفي قولها لهم: السام عليكم واللَّعنة،
وفي آخره: ((رَدَدتُ عليهم، فيُستَجاب لي فيهم ولا يُستَجاب لهم فيَّ).
ولمسلمٍ (٢١٦٦) من حديث جابر: ((وإنّا نُجاب عليهم ولا يُجابونَ علينا))، ولأحمد
(٢٥٠٢٩) من طريق محمَّد بن الأشعَث عن عائشة في نحو حديث الباب: ((فقال: مَهْ، إنَّ الله
لا يُحِبّ الفُحش ولا التَّفُّش، قالوا قولاً فَرَدَدناه عليهم، فلم يَضُرّنا شيء، ولَزِمَهم إلى
يوم القيامة)).

٤٢٩
باب ٦٣ / ح ٦٤٠٢
كتاب الدعوات
وقد تقدَّم شرحه في كتاب الاستئذان (٦٢٥٦)، وفيه بيان الاختلاف في المراد بذلك،
ويُستَقَادِ مِنه: أنَّ الدّاعي إذا كان ظالماً على مَن دَعَا عليه لا يُستَجاب دعاؤُه، ويُؤيِّده قوله تعالى:
﴿وَمَا دُعَّهُ الْكَفِرِينَ إِلَّا فِ ضَلَالٍ﴾ [الرعد:١٤].
وقوله هُنا: «وإيّاكِ والعُنف)) بضمِّ العين ويجوز كسرها وفتحها، وهو ضِدّ الرِّفق.
٦٣ - باب التّأمین
٦٤٠٢ - حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، قال: الزُّهْريُّ حدَّثَناه، عن سعيدِ بنِ
المسيّبٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَّهِ، قال: ((إذا أمَّنَ القارئُّ فأَمَّنوا، فإنَّ الملائكةَ تُؤَمِّنُ، فمَن وافَقَ
تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الملائكةِ، غُفِرَ له ما تقدَّم من ذَنْبِهِ)).
قوله: ((باب التَّأمين)) يعني: قول: ((آمينَ)) عَقِب الدُّعاء.
ذكر فيه حديث أبي هريرة: ((إذا أمَّنَ القارئ فأمِّنوا))، وقد تقدَّم شرحه في كتاب الصلاة
(٧٨٠)، والمراد بالقارئ هنا: الإمام إذا قرأ في الصلاة، ويحتمل أن يكون المراد بالقارىءٍ أعَمّ
من ذلك.
وورَدَ في التَّأمین مُطلَقاً أحاديث:
منها حديث عائشة مرفوعاً: ((ما حَسَدَتْكم اليهود على شيء ما حَسَدَتكم على السَّلام
والتَّأمين)) رواه ابن ماجَهْ (٨٥٦) وصَحَّحَه ابن خُزَيمةَ (٥٧٤).
وأخرجه ابن ماجَهْ أيضاً (٨٥٧) من حديث ابن عبّاس بلفظ: «ما حَسَدَتكم على آمينَ،
فأكثروا من قول آمينَ».
وأخرج الحاكم (٣٤٧/٣): عن حبيب بن مَسلَمة الفِهريّ، سمعت رسول الله ◌َ ليه يقول:
((لا يَجْتَمِع مَلَأَ فيَدعُو بعضهم ويُؤَمِّن بعضهم، إلّا أجابَهم الله تعالى)).
ولأبي داود (٩٣٨) من حديث أبي زُهَيرِ النُّمَيرِيّ قال: وقَفَ النبيّ ◌َِّ على رجلٍ قد
أَحَّ في الدُّعاء، فقال: ((أوجَبَ إِن خَتَمَ)) فقال: بأيِّ شيء؟ قال: ((بآمينَ)) فأتاه الرجل فقال: ((يا
فلان اختم بآمينَ وأبشِر)) وكان أبو زُهَير يقول: آمينَ مِثْلُ الطابَع على الصَّحيفة.

٤٣٠
باب ٦٤ / ح ٦٤٠٣ - ٦٤٠٤
فتح الباري بشرح البخاري
وقد ذكرت في ((باب جَهر الإمام بالتَّأمينِ)) في كتاب الصلاة (٧٨٠) ما في آمينَ من اللُّغات
والاختلاف في معناها، فأغنى عن الإعادة.
٦٤ - باب فضل التّهليل
٦٤٠٣ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عن مالكٍ، عن سُميٍّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ مُ،
أنَّ رسولَ الله وَّه قال: «مَن قال: لا إلهَ إلّا الله وحدَه لا شَرِيكَ له، له الملكُ وله الحمدُ، وهو
على كلِّ شيءٍ قَدِيرٌ في يومٍ مئةَ مَّةٍ، كانت له عَذْلَ عَشْرِ رِقابٍ، وكُتِيت له منةُ حسنةٍ، وَتُحِيَت
عنه مئةُ سَيَّةٍ، وكانت له حِرْزاً منَ الشَّيطان يومَه ذلك حتَّى يُمْسِيَ، ولم يأتِ أحدٌ بأفضلَ ممّاً
جاء، إلّا رجلٌ عَمِلَ أكثر منه)).
٦٤٠٤ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا عبدُ الملِك بنُ عَمرو، حدَّثنا عمرُ بنُ أبي زائدةَ،
عن أبي إسحاقَ، عن عَمْرِو بنِ ميمونٍ، قال: ((مَن قال عَشْراً ... كان كمَن أعتَقَ رَقَبةً من ولِدِ
إسماعيلَ)».
قال عمرُ: وحذَّثنا عبدُ الله بنُ أبي السَّفَرِ، عن الشَّعْبِيِّ، عن الرّبِيعِ بنِ خُثَيِمٍ، مِثْلَه. فَقلتُ
للَّبِيعِ: ممَّن سمعتَه؟ فقال: من عَمْرِو بنِ ميمونٍ، فأتيتُ عَمْرَو بنَ ميمونٍ فقلتُ: مَمَّن سمعتَه؟
فقال: من ابنِ أبي ليلى، فأتيتُ ابنَ أبي ليلى، فقلتُ: مَمَّن سمعتَه؟ فقال: من أبي أيوبَ الأنصاريِّ
يُحدِّثُه عن النبيِّ ◌َلّهِ.
وقال إبراهيمُ بنُ يوسُفَ: عن أبيه، عن أبي إسحاقَ، حدَّثني عَمْرو بنُ ميمونٍ، عن
عبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي ليلى، عن أبي أيوبَ قولَه.
وقال موسى: حدَّثنا وُهَيبٌ، عن داودَ، عن عامٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي ليلى، عن أبي
أيوبَ، عن النبيِّ ◌ِێ.
وقال إسماعيلُ: عن الشَّعْبِيِّ، عن الرَّبِيعِ قولَه.
وقال آدمُ: حدَّثنا شُعْبَةُ، حدَّثنا عبدُ الملِك بنُ مَيسَرَةَ، سمعتُ هلالَ بنَ بِسافٍ، عن الَّبِيعِ
ابنِ ثُثَيِمٍ وعَمْرِو بنِ ميمونٍ، عن ابنِ مسعودٍ قولَه.

٤٣١
باب ٦٤ / ح ٦٤٠٤
كتاب الدعوات
وقال الأعمَشُ وحُصَينٌ: عن هلالٍ، عن الرَّبِيعِ، عن عبدِ الله قولَه.
ورواه أبو محمَّدٍ الحَضْرَمِيُّ، عن أبي أيوبَ، عن النبيِّ وَِّ: ((كان كمَن أَعتَقَ رَقَبَةً من ولدِ
إسماعيلَ)».
قال أبو عبد الله: والصحیحُ قول عمرو.
قال الحافظ أبو ذرِّ الهَرَوي: صوابه: عُمر، وهو ابن أبي زائدة(١).
٢٠١/١١
قوله: (باب فضل التَّهْليل)) أي: قول: لا إله إلّ الله، وسيأتي بعد باب شيء مَا يَتَعلَّق بذلك.
قوله: ((عن مالك، عن سُمَيّ)) بِمُهمَلةٍ مُصغَّر، وفي رواية أبي بكر بن أبي شَيْبة في ((مُسنَد)(٢)
عن زيد بن الحُبَاب عن مالك: حدَّثني سُميّ مولى أبي بكر، أخرجه ابن ماجَهْ (٣٧٩٨).
وفي رواية عبد الله بن سعيد بن(٣) أبي هند(٤): عن سُميّ مولى أبي بكر بن عبد الرَّحمن
ابن الحارث.
قوله: ((عن أبي صالح)) هو السَّمّان.
قوله: ((عن أبي هريرة)) في رواية عبد الله بن سعيد: أنَّه سمعَ أبا هريرة(٥).
قوله: ((من قال: لا إله إلّ الله وحده لا شَرِيك له، له الملكُ وله الحمدُ، وهو على كلّ شيء قدير)»
هكذا في أكثر الرِّوايات، وورَدَ في بعضها زيادة: ((يُحيي ويُميت))، وفي أُخرى زيادة: «بيَدِه
الخير)) وسأذكر مَن زاد ذلك.
(١) زاد في اليونينية بعد قول أبي ذرٍّ: قلت: وعلى الصواب ذكره أبو عبد الله البخاري في الأصل، أي: لما قال:
قال عمر بن أبي زائدة: وحدَّثنا عبد الله بن أبي السَّفَر.
(٢) لم نقف عليه فيما طبع من ((مسنده))، وهو أيضاً في ((مصنفه)) ٣٠٨/١٠.
(٣) تحرَّف في (س) إلى: عن.
(٤) روايته عند أبي يعلى في ((مسنده الكبير)) الذي برواية ابن المقرئ، كما في ((إتحاف الخيرة المهرة)) للبوصيري
(٨١٧٦)، وهي أيضاً عند أحمد (٨٧١٩)، والنسائي في ((الكبرى)) (٩٧٦٩) لكن لم يزد فيها عندهما على
قوله: عن سُميّ.
(٥) كذا في روايته عند أبي يعلى.

٤٣٢
باب ٦٤ / ح ٦٤٠٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((مئة مرَّة)) في رواية عبد الله بن يوسف عن مالك الماضية في بَدْء الخلق (٣٢٩٣):
(في يومٍ مئةَ مَّة)).
وفي رواية عبد الله بن سعيد: ((إذا أصبَحَ))، ومثله في حديث أبي أُمامةَ عند جعفر الفِرْيابيّ في
(الذِّكر))، ووَقَعَ في حديث أبي ذرٍّ تقييده بأنَّ ذلك في دُبُر صلاة الفجر قبل أن يتكلّم(١)، لكن قال:
٢٠٢/١١ ((عشر مرَّات)) وفي سندهما شهر بن حَوشَب، وقد/ اختُلِفَ علیه، وفيه مقال.
قوله: ((كانت له)» في رواية الكُشْمِيهنيّ من طريق عبد الله بن يوسف الماضية: كان، بالتَّذكير،
أي: القول المذكور.
قوله: ((عَذْل)) بفتح العين، قال الفَرّاء: العَدل بالفتح: ما عَدَلَ الشَّيءَ من غير جِنسه،
وبالكسر: المثل.
قوله: (عَشْر رِقاب)) في رواية عبد الله بن سعيد: ((عَدْلِ رَقَبة))، ويُوافق (٢) روايةَ مالك حديثُ
البراء بلفظ: ((مَن قال: لا إله إلّا الله)) وفي آخره: ((عشر مرَّات، كُنَّ له عَدل رَقَبة)». أخرجه
النَّسائيُّ (ك٩٨٧٦)، وصَحَّحَه ابن حِبّان (٨٥٠) والحاكم (١/ ٥٠١).
ونظيره في حديث أبي أيوب الذي في الباب كما سيأتي التَّنبيه عليه.
وأخرج جعفر الفِرْيابيّ في ((الذِّكر)) من طريق الزُّهْريِّ أخبرني عِكْرمة بن محمَّد الدُّؤَلِيّ أنَّ
أبا هريرة قال: مَن قالها فله عَدل رَقَبة، ولا تَعجِزوا أن تَستَكثِروا من الرِّقاب.
ومثله رواية سُھیل بن أبي صالح عن أبيه، لكنَّه خالَفَ في صحابيّه، فقال: عن أبي عيّاش
الزُّرَقِيّ، أخرجه النَّسائيُّ (ك ٩٧٧١)(٣).
قوله: ((وكُتِبَتْ)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((وكُتِبَ)) بالتَّذکیرِ.
قوله: ((وكانت له حِرْزاً من الشَّيطان)) في رواية عبد الله بن سعيد: «وحُفِظَ یومَه حتَّی
(١) أخرجه الترمذي (٣٤٧٤)، والنسائي في ((الكبرى)) (٩٨٧٨).
(٢) تحرَّف في (س) إلى: ويوافقه.
(٣) وأخرجه أيضاً ابنُ ماجه (٣٨٦٧).

٤٣٣
باب ٦٤ / ح ٦٤٠٤
كتاب الدعوات
يُمسي))، وزاد: ((ومن قال مِثلَ ذلك حین يُمسي كان له مثلُ ذلك))، ومثل ذلك في طرق أُخرى
يأتي التَّنبيه عليها بعدُ.
قوله: ((ولم يأتِ أحدٌ بأفضلَ ممّاً جاء)) كذا هنا: وفي رواية عبد الله بن يوسف: ((ممَّا جاء
به)).
قوله: ((إلّا رَجلٌ عَمِلَ أكثر منه)) في حديث عَمْرو بن شُعَيب عن أبيه عن جَدّه: (لم يَجِئ
أحد بأفضل من عَمَله إلّا مَن قال أفضل من ذلك)) أخرجه النَّسائيُّ (ك١٠٣٣٥) بسندٍ صحيح
إلى عَمْرو.
والاستثناء في قوله: ((إلّا رجل)) مُنقَطِع، والتَّقدير: لكنْ رجلٌ قال أكثر ممّا قاله، فإنَّه يزيد
عليه. ويجوز أن يكون الاستثناء مُتَّصِلاً.
قوله: ((حدَّثنا عبد الله بن محمَّد)) هو المُسنَدِيّ، وعبد الملك بن عَمْرو: هو أبو عامر العَقَديّ،
بفتحِ المهملة والقاف، مشهور بگنیته أكثر من اسمه، وعمر بن أبي زائدة: اسم أبيه خالد، وقيل:
مَيسَرة، وهو أخو زَكَريّا بن أبي زائدة، وزَكَریًا أكثر حديثاً مِنه وأشھَر.
قوله: ((عن أبي إسحاق)) هو السَّبيعيّ، تابِعِيّ صغير، وعَمْرو بن ميمون: هو الأوديّ، تابِعِيّ
كبير مُضرَم أدرَكَ الجاهليَّة.
قوله: ((مَن قال عَشْراً، كان كمَن أعْتَقَ رَقَبة من ولد إسماعيل)» هكذا ذكره البخاريّ
مختصراً، وساقَه مسلم (٢٦٩٣) عن سليمان بن عُبيد الله الغَيْلانيّ، والإسماعيليّ من طريق
عليّ بن مسلم قالا: حدَّثنا أبو عامر العَقَديّ بالسَّنَد المذكور، ولفظه: ((مَن قال: لا إله إلّا الله
وحده لا شَرِيك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلّ شيء قديرٌ عشرَ مرَّات، كان کمَن
أعتَقَ أربعة أنفُس من ولد إسماعيل)).
وهكذا أخرجه أبو عَوَانة في «صحيحه))(١) من طريق رَوْح بن عُبادة، ومن طريق عَمْرو
(١) لم نقف عليه فيما طبع من ((صحيح أبي عوانة))، وهو أيضاً عند أحمد (٢٣٥٨٢) عن روح بن عُبادة، كما
سيذكر الحافظ قريباً.

٤٣٤
باب ٦٤ / ح ٦٤٠٤
فتح الباري بشرح البخاري
ابن عاصم - فرَّقَهما - قالا: حدَّثنا عمر بن أبي زائدة، فذكر مثله سواء.
قوله: ((قال عمر)» كذا لأبي ذرٍّ غير منسوب، ولغيره: عمر بن أبي زائدة، وهو الراوي
المذكور في أوَّل السَّنَد.
قوله: ((وحدَّثنا عبد الله بن أبي السَّفَر)) بفتح المهمَلة والفاء، وسَكَّنَ بعض المغاربة الفاء،
وهو خطأ، وهو معطوف على قوله: عن أبي إسحاق. وقد أوضَحَ ذلك مسلم والإسماعيليّ
في روايتهما المذكورة، فأعادَ مسلم السَّنَد من أوَّله إلى عمر بن أبي زائدة قال: حدَّثنا عبد الله
ابن أبي السَّفَر، فذكره. وكذا وَقَعَ عند أحمد (٢٣٥٨٣) عن رَوْح بن عُبادة، وعند أبي عَوَانة
من روايته، واقتَصَرَ على الموصول في رواية عَمْرو بن عاصم المذكورة عن الشَّعبيّ عن
الرَّبيع بن خُثَيم، بمُعجَمةٍ ومُثَلَّثة مُصفَّر.
قوله: ((مِثْله)) أي: مِثل رواية أبي إسحاق عن عَمْرو بن ميمون الموقوفة.
وحاصل ذلك أنَّ عمر بن أبي زائدة أسنَدَه عن شيخَينِ: أحدهما: عن أبي إسحاق عن
عَمْرو بن ميمون موقوفاً، والثّاني: عن عبد الله بن أبي السَّفَر عن الشَّعبيّ عن الرَّبيع عن
عَمْرو بن ميمون عن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى عن أبي أيوب مرفوعاً.
تنبيه: وَقَعَ قوله: قال عُمر: وحدَّثنا عبد الله بن أبي السَّفَر ... إلى آخره، مُؤَخّراً في
٢٠٣/١١ رواية أبي ذرِّ عن التَّعاليق: عن موسى وعن إسماعيل وعن آدم وعن الأعمَش وحُصَین،/
وقَدَّمَ هذه التَّعاليق كلّها على الطَّريق الثّانية لِعمر بن أبي زائدة، فصارَ ذلك مُشكِلاً لا
يظهر مِنه وجهُ الصَّواب. ووَقَعَ قوله: قال عمر بن أبي زائدة، مُقدَّماً مُعَقَّباً بروايتِه عن
أبي إسحاق عند غير أبي ذرٍّ في جميع الرِّوايات عن الفِرَبريّ، وكذا في رواية إبراهيم بن
مَعِقِل النَّسَفيِّ عن البخاريّ، وهو الصَّواب، ويُؤيِّد ذلك رواية الإسماعيليّ ورواية أبي
عَوَانة المذكورتان.
قوله: ((وقال إبراهيم بن يوسف، عن أبيه) هو ابن أبي إسحاق السَّبيعيّ ((عن أبي إسحاق))
هو جَدّ إبراهيم بن يوسف.

٤٣٥
باب ٦٤ / ح ٦٤٠٤
كتاب الدعوات
قوله: ((حدَّثْنِي عَمْرو بن ميمون ... )) إلى آخره، أفادَت هذه الرّواية التَّصريح بتحديثِ عَمْرو
لأبي إسحاق، وأفادت زیادة ذِكْر عبد الرَّحمن بن أبي ليلى و أبي أيوب في السند.
قوله: ((وقال موسى: حدَّثْنا وُهَيب ... )) إلى آخره مرفوعاً، وَصَلَه أبو بكر بن أبي خَيْئمةَ
في ترجمة الرَّبيع بن خُثَيم من ((تاريخه))(١) فقال: حدَّثنا موسى بن إسماعيل حدَّثنا وُهَيب بن
خالد عن داود بن أبي هند عن عامر الشَّعبيّ، فذكره، ولفظه: ((كان له من الأجر مِثلُ مَّن
أعتَقَ أربعة أنفُس من ولد إسماعيل)).
وقد أخرجه جعفر في ((الذِّكر)) من رواية خالد الطَّحّان عن داود بن أبي هند بسندِه،
لکن لفظه: «کان له عَدْل رقبة ۔أو عشر ◌ِقاب-)).
ثمَّ أخرجه من طريق عبد الوهّاب بن عبد المجيد عن داود، قال، مِثله.
ومن طريق محمَّد بن أبي عَديّ ويزيد بن هارون، كلاهما عن داود، نحوه. وأخرجه
النَّسائيّ (ك٩٨٦١) من روایة یزید.
وهو عند أحمد (٢٣٥٤٦) عن يزيد بلفظ: ((كُنَّ له كَعَدلِ عشر رِقاب))(٢).
وأخرجه الإسماعيليّ من طريق خَلَف بن راشد - قال: وكان ثقةً صاحبَ سُنّة(٣) - عن
داود بن أبي هند، مِثلَه وزاد في آخره: قال: قلت: مَن حدَّثك؟ قال: عبد الرَّحمن، قلت
لعبد الرَّحمن: مَن حدَّثك؟ قال: أبو أيوب عن النبيّ ◌َّهِ، لم يَذْكُر فيه: الرَّبيع بن ◌ُثَيِم.
ورواية وُهَيب تُؤيِّد رواية عمر بن أبي زائدة، وإن كان اختَصَرَ القصَّة فإنَّه وافَقَه في
رفعه وفي كَونِ الشَّعبيّ رواه عن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى عن أبي أيوب.
قوله: ((وقال إسماعيل: عن الشَّعْبِيّ، عن الرَّبيع بن خُثَيم قوله)) إسماعيل: هو ابن أبي
خالد، واقتصار البخاريّ على هذا القَدْر يوهم أنَّه خالَفَ داود في وصله، وليس كذلك،
(١) لم نقف عليه فيما طُبع من ((تاريخه)).
(٢) جاءت الرواية عند أحمد بالشك أيضاً، حيث قال: عشر رقاب أو رقبة.
(٣) كذا قال! مع أنَّ أبا حاتم الرازي قال فيه: مجهول، وكذلك جهّله الذهبي في ((الميزان)) و((المغني في الضعفاء)).

٤٣٦
باب ٦٤ / ح ٦٤٠٤
فتح الباري بشرح البخاري
وإنَّما أراد أنَّه جاء في هذه الطَّريق عن الرَّبيع من قوله، ثمَّ لمَّا سُئلَ عنه وصَلَه(١)، وقد وَقَعَ
لنا ذلك واضحاً في زيادات «الزُّهد)» لابن المبارك رواية الحسين بن الحسن المروزيِّ (١١١٨)،
قال الحسين: حدَّثنا المعتمِر بن سليمان سمعت إسماعيل بن أبي خالد يُحدِّث عن عامر - هو
الشَّعبيّ - سمعت الرَّبيع بن خُثَيم يقول: ((مَن قال: لا إله إلّا الله)) فذكره بلفظ: ((فهو عَدْل
أربع رِقاب))، فقلت: عمَّن تَرويه؟ فقال: عن عَمْرو بن ميمون، فلَقيت عَمراً فقلت: عمَّن
تَرويه؟ فقال: عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، فَلَقيت عبد الرَّحمن فقلت: عمَّن تَرويه؟ فقال:
عن أبي أيوب عن النبيّ وَل.
وكذا أخرجه جعفر في ((الذِّكر)) من رواية خالد الطَّحّان عن إسماعيل بن أبي خالد عن
عامر قال: قال الرَّبيع بن خُثَيم: أُخبِرت أنَّه مَن قال، فذكره، وزاد بعد قوله: ((أربع رِقاب)):
(يُعتِقها)). قلت: عمَّن تَروي هذا؟ فذكر مثله لكن ليس فيه: عن النبيّ وَّ.
ومن طريق عَبْدة بن سليمان عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشَّعبيّ: سمعت الرَّبيع بن
خُثَيم يقول: مَن قال، فذكره دونَ قوله: ((يُعتِقها)) فقلت له: عمَّن تَروي هذا؟ فذكره.
وكذا أخرجه النسائيُّ (ك٩٨٦٢) من روایة یعلی بن عُبید عن إسماعيل مِثله سواء.
وذكر الدّارَ قُطنيُّ: أنَّ ابن عُيَينةَ ويزيد بن عطاء ومحمَّد بن إسحاق ويحيى بن سعيد
الأُمَويّ رَوَوه عن الرَّبيع بن خُثَيم كما قال يَعْلى بن عُبيد، وأنَّ عليّ بن عاصم رَفَعَه عن
إسماعيل.
وأخرجه الإسماعيليّ من طريق محمّد بن إسحاق عن إسماعيل عن جابر سمعت الرَّبيع
ابن خُثَيم يقول فذكره، قال: قلت: فمَن أخبَرَك؟ قال: عَمْرو بن ميمون، قال: فَلَقيت
(١) قد خالف إسماعيلُ بنُ أبي خالد داودَ بنَ أبي هند في رفع الحديث، وأما ما وقع للحافظ في آخر الحديث
في زيادات الحسين المروزي على ((الزهد)) لابن المبارك، فهو تحريف، لأنَّ الذي جاء فيه كما في النسخة
المحققة منه بأيدينا: عن أبي أيوب صاحب النبي وَلي، فتحرف في نسخة الحافظ إلى: عن النبي وَّ، فيتفق
بذلك مع رواية جعفر الفريابي ورواية النسائي، بل نصَّ النسائي على ذلك، فقال: وقفه إسماعيل بن أبي
خالد.

٤٣٧
باب ٦٤ / ح ٦٤٠٤
كتاب الدعوات
عَمراً فقلت: إنَّ الرَّبيع روى لي عنك كذا وكذا أفأنت أخبَرَته؟ قال:/ نعم. قلت: مَن أخبَرَك؟ ٢٠٤/١١
قال: عبد الرَّحمن، فذكر ذلك ... إلى آخره.
قوله: ((وقال آدم: حدَّثنا شُعْبة ... )) إلى آخره، هكذا للأكثر، ووَقَعَ عند الدّارَ قُطنيٍّ: أنَّ
البخاريّ قال فيه: حدَّثنا آدم، وكذا رُوِّیناه في («نسخة آدم بن أبي إياس عن شُعْبة))، رواية
القلانسيّ عنه.
وكذا أخرجه النَّسائيُّ (ك٩٨٦٦) من رواية محمَّد بن جعفر، والإسماعيليُّ من رواية
معاذ بن معاذ، كلاهما عن شُعْبة بسندِه المذكور، وساقا المتن ولفظهما: عن عبد الله - هو
ابن مسعود - قال: لأن أقول: لا إله إلّا الله وحده لا شَرِيك له، الحديث، وفيه: أحَبّ إليَّ
من أن أُعْتِقِ أربع رِقاب.
وأخرجه النَّسائيُّ (ك٩٨٦٧) من طريق منصور بن المعتمر عن هلال بن يساف عن
الرَّبيع وحده عن عبد الله بن مسعود قال: مَن قال، فذكر مثله، لكن زاد: بَيَدِه الخير، وقال
في آخره: کان له عَدْل أربع رِقاب من ولد إسماعيل.
قوله: ((وقال الأعْمَش وحُصَين: عن هلال، عن الرَّبيع، عن عبد الله قوله)) أمَّا رواية الأعمَش
فوصَلَها النَّسائيُّ (ك٩٨٦٣) من طريق وكيع عنه، ولفظه: عن عبد الله بن مسعود قال: مَن قال:
أشهد أن لا إله إلا الله، وقال فيه: کان له عَدْل أربع ڕِقاب من ولد إسماعيل.
وأمَّا رواية حُصَينٍ - وهو ابن عبد الرَّحمن - فَوَصَلَها محمَّد بن فُضَيلِ في كتاب ((الدُّعاء))
له (١٥٢): حدَّثنا حُصَينُ بن عبد الرَّحمن، فذكره، ولفظه: قال عبد الله: مَن قال أوَّلَ النَّهار:
لا إله إلّا الله، فذكره بلفظ: كُنَّ له كعَدْلِ أربع مُحرَّرينَ من ولد إسماعيل. قال: فذكرته
لإبراهیم - یعني النَّخعيَّ - فزاد فيه: بيده الخير.
وهكذا أخرجه النَّسائيُّ(١) من طريق محمَّد بن فُضَيلٍ.
(١) وكذلك عزاه للنسائي المزيُّ في ((تحفة الأشراف)) (٣٤٧١)، ولم نقف عليه في أصولنا الخطية من ((سنن النسائي
الکبری»، فلعله في بعض روايات النسائي التي لم تقع لنا.

٤٣٨
باب ٦٤ / ح ٦٤٠٤
فتح الباري بشرح البخاري
ورُوِّيناها بعُلوّ في ((فوائد أبي جعفر بن البَختَريّ)) (٢٧٨) من طريق عليّ بن عاصم عن
حُصَينٍ، ولفظه: عن هلال قال: ما قَعَدَ الرَّبيع بن خُثَيِم إلّا كان آخرَ قوله: قال ابن مسعود،
فذكره.
وهكذا رواه منصور بن المعتمر عن هلال، وقال في آخره: کان له عدل أربع رِقاب من
ولد إسماعيل. وزاد فيه: بيده الخير. ولم يُفَصِّل كما فصَّلَ حُصَينٌّ. أخرجه النَّسائيُّ (ك ٩٨٦٧)
من روایة یحیی بن یعلی عن منصور.
وأخرجه النَّسائيُّ أيضاً (ك٩٨٦٨) من رواية زائدة عن منصور عن هلال عن الرَّبيع عن
عَمْرو بن ميمون عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى عن امرأة عن أبي أيوب قال: قال رسول الله وَ له:
((مَن قال: لا إله إلّا الله)) مِثل الأوَّل وزاد: ((عشر مرَّات، كُنَّ عَدْلَ نَسَمة)).
وهذه الطَّريق لا تَقدَح في الإسناد الأَوَّل، لأنَّ عبد الرَّحمن صَرَّحَ بأنَّه سمعَه من أبي
أيوب، كما في رواية الأَصِيليّ وغيره، فلعلَّه كان سمعه من المرأة عنه ثمَّ لَقیَه فحدثه به، أو
سمعَه منه ثمَّ ثَبََّتَه فيه المرأةُ.
قوله: ((ورواه أبو محمَّد الحَضْرَميّ، عن أبي أيوب، عن النبيّ وَّ) كذا لأبي ذرٍّ ووافَقَه
النَّسَفيّ، ولغيرهما: وقال أبو محمَّد ... إلى آخره، وأبو محمَّد لا يُعرَف اسمه كما قال الحاكم
أبو أحمد، وكان يَخْدُم أبا أيوب، وذكر المِزّيّ: أنَّه أفلَح مولى أبي أيوب، وتُعقّبَ بأنَّه مشهور
باسمِهِ مُتَلَف في كُنْيَتِهِ. وقال الدّارَ قُطنيُّ: لا يُعرَف أبو محمَّد إلّا في هذا الحديث، وليس
لأبي محمَّد الحَضرَميّ في (الصَّحيح)) إلّا هذا الموضع.
وقد وَصَلَه الإمام أحمد (٢٣٥١٦) والطبرانيُّ (٤٠٨٩) من طريق سعيد بن إياس
الجُرَيري عن أبي الوَرْد - وهو بفتح الواو وسكون الرَّاء واسمه: ثُمامة بن حَزْن(١) بفتحِ
المهمَلة وسكون الزّاي بعدها نون القُشَيريّ - عن أبي محمَّد الْحَضْرَميّ عن أبي أيوب
الأنصاريّ قال: لمَّا قَدِمَ النبيّ وَ ﴿ المدينة نزلَ عليَّ، فقال لي: ((يا أبا أيوب، ألا أُعَلِّمك؟))
(١) كذا قال الحافظ رحمه الله، والمعروف أن تُمَامَةَ بن حَزْن هو والدُ أبي الوَرْد.

٤٣٩
باب ٦٤ / ح ٦٤٠٤
كتاب الدعوات
قلت: بلى يا رسول الله، قال: ((ما من عبْدٍ يقول إذا أصبَحَ: لا إله إلّا الله)) فذكره: ((إلّا كَتَبَ الله له
بها عشرَ حسنات، ومَحا عنه عشرَ سَيِّئَات، وإلّا كُنَّ له عند الله عَدْلَ عشر رِقاب مُحَّرِينَ،
وإلّا كان في ◌ُنّة من الشَّيطان حتَّى يُمسيَ، ولا قالها حين يُمسي إلّا كان كذلك)) قال:
فقلت لأبي محمَّد: أنتَ سمعتَها من أبي أيوب؟ قال: اللَّهِ لَسَمعتُهُ(١) من أبي أيوب.
وروى أحمد (٢٣٥١٨) أيضاً من طريق عبد الله بن يعيش عن أبي أيوب رَفَعَه: ((مَن قال
إذا صَلَّى الصُّبح: لا إله إلّا الله)) فذكره بلفظ: ((عشر مرَّات كُنَّ كعَدلِ أربع ڕِقاب، وكُتِبَ/ له ٢٠٥/١١
بِنَّ عشرُ حسنات، ومُيَ عنه بِهِنَّ عشرُ سَيِّئَات، ورُفِعَ له بِهِنَّ عشْرُ دَرَجات، وكُنَّله حَرَساً من
الشَّيطان حتَّى يُمسي، وإذا قالها بعد المغرب فمِثلُ ذلك)) وسنده حسن.
وأخرجه جعفر في ((الذِّكر))(٢) من طريق أبي رُهْم السَّمَعَيّ - بفتحِ المهمَلة والميم - عن
أبي أيوب عن النبيّ ◌َّه قال: ((مَن قال حين يُصبح)) فذكر مثله، لكن زاد: ((يُحيي ويُميت))
وقال فيه: ((كَعَدلِ عشر رِقاب، وكُنَّ(٣) له مَسْلَحةً من أوَّل نهاره إلى آخره، ولم يعمل عَمَلاً
يومئذٍ يَقهَرُهُنَّ، وإن قاهنَّ حین یُمسي فمثل ذلك)).
وأخرجه أيضاً(٤) من طريق القاسم بن عبد الرَّحمن عن أبي أيوب بلفظ: ((مَن قال
غدوة)) فذَكَر نحوه، وقال في آخره: ((وأجارَه الله يومه من النار(٥)، ومَن قالها عَشيّة كان له
مِثل ذلك)».
قوله: ((قال أبو عبد الله)) هو البخاريّ: (والصَّحيح قول عَمْرو)) كذا وَقَعَ في رواية أبي ذرٍّ عن
المُستَمْلِي وحده، ووَقَعَ عنده: ((عَمْرو)) بفتح العين، ونَبََّ على أنَّ الصَّواب عُمر، بضمِّ العين،
وهو كما قال، ووَقَعَ عند أبي زيد المروزيِّ في روايته: الصَّحیح قول عبد الملك بن عَمْرو.
(١) في (س): والله لقد سمعتها، والمثبت من الأصلين هو الموافق لما في طبعتنا المحققة من ((مسند أحمد)).
(٢) فات الحافظ رحمه الله أن يخرجه من ((مسند أحمد)) (٢٣٥٦٨).
(٣) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: وكان.
(٤) فات الحافظ رحمه الله أن يخرِّجه من ((سنن النسائي الكبرى)) (٩٧٦٨).
(٥) هذا سبق قلم من الحافظ رحمه الله، لأنَّ الرواية: ((أجاره الله من الشيطان)).

٤٤٠
باب ٦٤ / ح ٦٤٠٤
فتح الباري بشرح البخاري
وقال الدّارَ قُطنيُّ: الحديث حديث ابن أبي السَّفَر عن الشَّعبيّ، وهو الذي ضَبَطَ الإسناد.
ومُراد البخاريّ ترجیح رواية عمر بن أبي زائدة عن أبي إسحاق على رواية غيره عنه،
وقد ذكر هو ممَّن رواه عن أبي إسحاق حَفيدَه إبراهيم بن يوسف كما بيَّتُه.
ورواه عن أبي إسحاق أيضاً حَفيدُه الآخر إسرائيل بن يونس، أخرجه جعفر في ((الذِّكر)) من
طريقه عن أبي إسحاق، فزاد في روايته بين عَمْرو وعبد الرَّحمن: الرَّبيع بن خُثَيِمٍ. ووقَفَه أيضاً،
ولفظه عنده: كان له من الأجر مِثْلُ مَن أعتَقَ أربعةَ أنفُسٍ من ولد إسماعيل.
ورواه عن أبي إسحاق أيضاً زُهَير بن معاوية كذلك، أخرجه النَّسائيُّ (ك ٩٨٧٠) من
طريقه، لكن قال: ((كان أعظَمَ أجراً وأفضل)) والباقي مِثل إسرائيل.
وأخرجه أيضاً (٩٨٧٢۵) من رواية زید بن أبي أُنیسة عن أبي إسحاق، لكن لم یذُر
عبدَ الرَّحمن بين الرَّبيع وأبي أيوب.
وأخرجه جعفر في ((الذِّكر)) من طريق أبي الأحوص عن أبي إسحاق فقال: عن عَمْرو
ابن ميمون حدَّثنا مَن سمعَ أبا أيوب، فذكر مِثل لفظ زُهَير بن معاوية.
واختلاف هذه الرِّوايات في عَدَد الرّقاب مع اتّحاد المخرَج يقتضي التَّرجيح بينها،
فالأكثر على ذِكْر أربعة، ويُجمَع بينه وبين حديث أبي هريرة بذِكْر عشرة لقولها: مئة، فيكون مُقابِل
كلّ عشر مرَّت رَقَبَةٌ مِن قَبَل المضاعَفة، فيكون لِكُلِّ مَرَّة بالمضاعَفة رَقَبة، وهي مع ذلك لمطلَقِ
الرِّقاب، ومع وصْف كَون الرَّقَبة من بني إسماعيل يكون مُقابِل العشرة من غيرهم أربعة
منهم، لأنَّهم أشَرَف من غيرهم من العرب فضلاً عن العَجَم، وأمَّا ذِكْر رَقَبة بالإفرادِ في
حديث أبي أيوب فشاذٌ، والمحفوظ أربعة كما بيَّنْتُه.
وجَمَعَ القُرطُبيّ في ((المفهم)) بين الاختلاف على اختلاف أحوال الذّاكِرِينَ، فقال: إنَّما
يَحَصُل الثَّواب الجَسيم لمن قامَ بحَقِّ هذه الكلمات فاستَحضَرَ معانيَها بقلبِهِ وتأمَّلَها بفَهمِه،
ثُمَّ لمَّا كان الذّاكِرِونَ في إدراكاتهم وفُهومهم مُخْتَلِفِينَ كان ثوابهم بحَسَب ذلك، وعلى هذا
يُنَزَّل اختلافُ مقاديرِ الثَّواب في الأحاديث، فإنَّ في بعضها ثواباً مُعيَّناً، ونَجِد ذلك الذِّكر