النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
باب ٣٢ / ح ٦,٣٥٨
كتاب الدعوات
المروزيِّ - وهو من كِبار الشافعيَّة - قال: أنا أعتَقِد وجوبها، قال البيهقيُّ: وفي الأحاديث
الثّابِتَة دلالة على صِحّة ما قال.
قلت: وفي كلام الطَّحاويِّ في ((مُشكِلِه)) ما يدلّ على أنَّ حَرمَلة نَقَلَه عن الشافعيّ.
واستُدِلَّ به على مشروعيَّة الصلاة على النبيّ ◌َّه وآله في التَّشَهُّد الأوَّل، والمصَحَّح عند
الشافعيَّة استحباب الصلاة عليه فقط، لأنَّه مَبنيّ على التَّخفيف، وأمَّ الأوَّل فبناه الأصحاب
على حُكم ذلك في التَّشَهُّد الأخير إن قلنا بالوجوبِ.
قلت: واستُدِلَّ بتعليمِه وَّله لأصحابِه الكيفيَّة بعد سؤالهم عنها بأنَّها أفضل كيفيّات
الصلاة عليه، لأنَّه لا يختار لنفسِه إلّ الأشرَف الأفضل، ويَتَرتَّب على ذلك لو حَلَفَ أن
يُصَلّي عليه أفضل الصلاة، فطريق البِرّ أن يأتي بذلك، هكذا صَوَّبَه النَّوويّ في ((الرَّوضة)»
بعد ذِكْر / حكاية الرَّافعيّ عن إبراهيم المروزيِّ أنَّه قال: يَبَرّ إذا قال: كلَّما ذكره الذّاكِرونَ، ١٦٧/١١
وكلَّما سَها عن ذِكْرِه الغافلونَ. قال النَّوويّ: وكأنَّه أخَذَ ذلك من كَون الشافعيّ ذكر هذه
الكيفيَّة.
قلت: وهي في خُطبة ((الرِّسالة))، لكن بلفظ: (غَفَلَ)) بَدَل ((سَها)). وقال الأذرَعيّ:
إبراهيم المذكور كثير النَّقل من ((تعليقة القاضي حُسَين))، ومع ذلك فالقاضي قال: في
طريق البِرّ يقول: اللهمَّ صَلِّ على محمَّد كما هو أهله ومُستَحَقّه، وكذا نَقَلَه البَغَويُّ في
((تعليقه))(١).
قلت: ولو جَمَعَ بينها فقال ما في الحديث وأضافَ إليه أثر الشافعيّ وما قاله القاضي لكان
أشمَل، ويحتمل أن يقال: يَعمِد إلى جميع ما اشتَمَلَت عليه الرِّوايات الثّابِتة، فيَستَعمِل منها
ذِكْراً يَحِصُل به البِرّ.
وذكر شيخنا مَجَد الدّين الشّيرازيّ في جُزء له في فضل الصلاة على النبيّ ◌َّ عن بعض
(١) كذا سماه الحافظ، وإنما للبغوي كتاب ((التهذيب)) لخَّصَ فيه كتاب ((التعليق الكبير)) لشيخه القاضي حسين
المروزي. انظر بيان ذلك في ترجمة القاضي حسين في ((تهذيب الأسماء واللغات)).

٣٦٢
باب ٣٢ / ح ٦٣٥٨
فتح الباري بشرح البخاري
العلماء أنَّه قال: أفضل الكيفيّات أن يقول: اللهمَّ صَلِّ على محمَّد عبدك ورسولك النبيّ
الأُمّيّ، وعلى آله وأزواجه وذُرَيَّته وسَلِّم، عَدَد خلقك ورِضا نفسك وزنة عرشك ومِداد
كلماتك.
وعن آخر نحوه، لكن قال: عَدَد الشَّفع والوَتر، وعَدَد كلماتك التامّة. ولم يُسمّ قائلها.
والذي يُرشِد إليه الدَّليل أنَّ البِرِّ يَحصُل بما في حديث أبي هريرة لقولِهِ مَّ: ((مَن سَرَّه أن
يَكتال بالِكيال الأولَى إذا صَلَّى علينا فليَقُل: اللهمَّ صَلِّ على محمَّد النبيّ وأزواجه أمَّهات
المؤمنينَ وذُرَيَّته وأهل بيته، كما صَلَّيت على إبراهيم)) الحديث(١)، والله أعلم.
تنبيه: إن كان مُستَنَد المروزيِّ ما قاله الشافعيّ، فظاهر كلام الشافعيّ أنَّ الضَّمير لله تعالى،
فإنَّ لفظه: وصَلَّى الله على نبيّه كلَّما ذكره الذّاكِرِونَ، فكان حَقُّ مَن غَيَّرَ عِبَارَته أن يقول: اللهمَّ
صَلِّ على محمَّد كلَّما ذكرك الذّاكِرِونَ ... إلى آخره.
واستُدِلَّ به على جواز الصلاة على غير الأنبياء، وسيأتي البحث فيه في الباب الذي
بعده.
واستُدِلَّ به على أنَّ الواو لا تقتضى التَّرتيب، لأنَّ صيغة الأمر ورَدَت بالصلاة والتَّسليم
بالواو في قوله تعالى: ﴿صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ﴾، وقَدَّمَ تعليم السَّلام قبل الصلاة كما قالوا:
عَلِمِنا كيف نُسلِّم عليك فكيف نُصلّي عليك؟
واستُدِلَّ به على رَدّ قول النَّخَعيِّ: يُجزِئ في امتثال الأمر بالصلاة قوله: السَّلام عليك
أيّها النبيّ ورحمة الله وبَرَكاته في التَّشَهُّد، لأنَّه لو كان كما قال لَأرشَدَ النبيّ ◌َّ أصحابه إلى
ذلك، ولمَا عَدَلَ إلى تعليمهم كيفيَّةً أُخرى.
واستُدِلَّ به على أنَّ إفراد الصلاة عن التَّسليم لا يُكرَه، وكذا العكس، لأنَّ تعليم
التَّسليم تقدَّم قبل تعليم الصلاة كما تقدَّم، فأُفرِدَ التَّسليم مُدّةً في التَّشَهُّد قبل الصلاة عليه،
وقد صَرَّحَ النَّوويّ بالكراهة، واستَدَلَّ بُوُرودِ الأمر بهما معاً في الآية، وفيه نظر. نعم يُكرَه
(١) عند أبي داود (٩٨٢).

٣٦٣
باب ٣٢ / ح ٦٣٥٨
كتاب الدعوات
أن يُفرِد الصلاة ولا يُسَلِّم أصلاً، أمَّا لو صَلَّى في وقت وسَلَّمَ في وقت آخر، فإنَّه يكون
مُمَثِلاً.
واستُدِلَّ به على فضيلة الصلاة على النبيّ وَّة، من جهة وُرُود الأمر بها، واعتناء الصحابة
بالسُّؤال عن كيفيَّتها، وقد وَرَدَ في التَّصريح بفضلِها أحاديثُ قويَّة لم يُرِّج البخاريّ منها
شيئاً، أمثَلُها:
ما أخرجه مسلم (٤٠٨) من حديث أبي هريرة رَفَعَه: ((مَن صَلَّى عليَّ واحدةً صَلَّى الله عليه
عشراً).
وله شاهد عن أنس عند أحمد (١١٩٩٨)، والنَّسائيِّ (١٢٩٧)، وصَحَّحَه ابن حِبّان
(٩٠٤).
وعن أبي بُرْدة بن نِيار وأبي طلحة كلاهما عند النَّسائيِّ (ك ٩٨١٠)، ورواتهما ثقات،
ولفظ أبي بُرْدة: ((مَن صَلَّى عليَّ من أمَّتي صلاة مُخُلِصاً من قلبه، صَلَّى الله عليه بها عشر صَلَوات،
ورَفَعَه بها عشر دَرَجات، وكَتَبَ له بها عشر حسنات، ومحا عنه عشر سَيِّئَات))، ولفظ أبي
طلحة عنده (١٢٨٣) نحوه، وصحَّحه ابن حِبّان (٩١٥).
ومنها: حديث ابن مسعود رَفَعَه: ((إنَّ أولى الناس بي يوم القيامة أكثرُهم عليَّ صلاةً»
وحَسَّنَهَ التِّرمِذيّ (٤٨٤)، وصَخَّحَه ابن حِبّان (٩١١).
وله شاهد عند البيهقيِّ (٢٤٩/٣) عن أبي أمامةَ بلفظ: ((صلاة أمَّتي تُعرَض عليَّ في كلّ
يوم ◌ُمعة، فمَن كان أكثرَهم عليَّ صلاةً كان أقرَبَهم منِّي منزلةً)) ولا بأس بسنده.
وورَدَ الأمر بإكثار الصلاة عليه يوم الجمعة من حديث أوس بن أوس، وهو عند أحمد
(١٦١٦٢)، وأبي داود (١٠٤٧)(١)، وصَخَّحَه ابن حِبّان (٩١٠)، والحاكم (٢٧٨/١).
ومنها: حديث: ((البخيل مَن / ذُكِرتُ عنده فلم يُصَلِّ عليَّ)) أخرجه التِّرمِذيّ (٣٥٤٦)، ١٦٨/١١
والنَّسائيُّ (ك ٨٠٤٦ و٩٨٠٠ و٩٨٠١)، وابن حِبّان (٩٠٩)، والحاكم (٥٤٩/١)، وإسماعيل
(١) فات الحافظ رحمه الله أن يخرج الحديث أيضاً من ((سنن ابن ماجه)) (١٠٨٥)، و((سنن النسائي)) (١٣٧٤).

٣٦٤
باب ٣٢ / ح ٦٣٥٨
فتح الباري بشرح البخاري
القاضي (٣٢)، وأطنَبَ في تخريج طرقه وبيان الاختلاف فيه من حديث عليٍّ ومن حديث ابنه
الحسين، ولا يَقصُّر عن درجة الحسن.
ومنها: حديث: ((مَن نَسِيَ الصلاة عليَّ خَطِئَ طريق الجنَّة)) أخرجه ابن ماجَهْ (٩٠٨)
عن ابن عبّاس، والبيهقيُّ في ((الشُّعَب)) (١٥٧٤) من حديث أبي هريرة، وابن أبي حاتم من
حديث جابر، والطبرانيُّ (٢٨٨٧) من حديث حُسَين بن عليّ. وهذه الطّرق يَشُدّ بعضها
بعضاً.
وحديث: ((رَغِمَ أنف رجل ذُكِرت عنده فلم يُصَلُّ عليّ)) أخرجه الترمذيّ (٣٥٤٥) من
حديث أبي هريرة. وصَحَّحَه الحاكم (٥٤٩/١).
وله شاهد من حديث أبي ذرِّ في الطبرانيّ(١). وآخر عن أنس عند ابن أبي شَيْبة (٢). وآخر
مُرسَل عن الحسن عند سعيد بن منصور(٣).
وأخرجه ابن حِبّان من حديث أبي هريرة (٩٠٧)، بلفظ: ((من ذُكِرِتَ عنده، فلم
يصلُّ علیك، فمات، فدخل في النار، فأبعده الله))، وله شاهد عنده(٤) من حديث مالك
ابن الحويرث (٤٠٩). ومن حديث عبد الله بن عبَّاس عند الطبرانيِّ (١١١١٥ و١٢٥٥١).
ومن حديث عبد الله بن جعفر عند الفِزیابيّ. وعند الحاکم (٤/ ١٥٣) من حدیث کعب
ابن عُجرة بلفظ: ((بَعُدَ مَن ذُكِرتُ عنده فلم يُصَلِّ عليّ). وعند الطبرانيّ(٥) من حديث
جابِرِ رَفَعَه: ((شَقِيَ عبد ذُكِرت عنده فلم يُصَلُّ عليَّ». وعند عبد الرَّزّاق من مُرسَل
(١) لم نقف عليه فيما طبع من ((معجم الطبراني الكبير))، وليس في معجميه الآخرين، وقد أخرجه أيضاً القاضي
إسماعيل في ((فضل الصلاة على النبي ◌َّر)) (٣٧)، وابن أبي عاصم في كتاب ((الصلاة على النبي (وَلّ)) (٢٩)
من طریقین عن أبي ذر.
(٢) هو في ((مسنده)) إذ أورده الحافظ في ((المطالب العالية)) (٣٣٢٨).
(٣) وهو أيضاً عند القاضي إسماعيل في ((فضل الصلاة على النبي (وَصير)) (٣٨).
(٤) قوله: ((بلفظ: من ذكرتَ عنده فلم يصلُّ عليك ... )) إلى هنا سقط من (س).
(٥) هو في ((معجمه الأوسط)) (٣٨٧١)، كما نص عليه الزيلعي في ((تخريج أحاديث الكشاف)) ١٣٤/٣ -
١٣٥.

٣٦٥
باب ٣٢ / ح ٦٣٥٨
كتاب الدعوات
قَتَادة(١): ((من الجَفَاء أن أُذكَر عند رجل فلا يُصَلّي عليّ)).
ومنها حديث أبيّ بن كعبٍ: أنَّ رجلاً قال: يا رسولَ الله، إنّي أُكثِرِ الصلاةَ، فما أجعَلُ
لك من صلاتي؟ قال: ((ما شِئتَ)) قال: الثُّلث؟ قال: ((ما شِئتَ، وإن زِدت فهو خير)» إلى أن
قال: أجعَلُ لك كلَّ صلاتي؟ قال: ((إذاً تُكفَى هَمَّك)) الحديث، أخرجه أحمد وغيره بسندٍ
حسن(٢).
فهذا الجيِّد من الأحاديث الواردة في ذلك، وفي الباب أحاديث كثيرة ضعيفة وواهية،
وأمَّا ما وضَعَه القُصّاص في ذلك فلا يُحِصَى كَثْرَةً، وفي الأحاديث القويَّة غُنية عن ذلك.
قال الحَلِيميّ: المقصود بالصلاة على النبيّ وَّ: التَّقَرُّب إلى الله بامتثال أمره وقضاء حَقّ
النبيّ وَّ علينا.
وتَبِعَه ابن عبد السَّلام فقال: ليست صلاتنا على النبيّ وَ ﴿ شفاعةً له، فإنَّ مِثلنا لا
يَشِفَع ◌ِثِلِه، ولكنَّ الله أمَرَنا بمُكافَأة مَن أحسن إلينا، فإن عَجَزنا عنها كافَأْناه بالدُّعاء (٣)،
فأرشَدَنا الله لما عَلِم عَجْزَنا عن مُكافأة نبيّنا إلى الصلاة عليه.
(١) وقع في مطبوع عبد الرزاق (٣١٢١) أنَّ هذا المرسل بهذا اللفظ لمحمد بن علي - يعني الباقر - من طريق
محمد بن سلم وابن عيينة عن عمرو بن دينار عنه، والظاهر أنَّ ما وقع في المطبوع ناشئ عن سقط وقع
في النسخة التي اعتمدها محققه، وقد ساق ابنُ القيم في ((جلاء الأفهام)) ص ٢٢٠ إسناد عبد الرزاق من
طريق أبي سعيد بن الأعرابي عن الدبَري عن عبد الرزاق، فقال: عن معمر عن قتادة، فذكره، وأسند
القاضي إسماعيل (٤٢) عن علي بن المديني عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن محمد بن علي الباقر
رفعه: ((من ينسى الصلاة عليَّ خَطِئ طريق الجنة))، فلعلَّ هذا المرسل رواه عبد الرزاق قبل مرسل قتادة،
فسقط متن رواية محمد بن علي، ثم سقط إسناد رواية قتادة، فصار إسناد محمد بن علي لمتن قتادة خطأً،
والله تعالى أعلم.
(٢) هذا لفظ الترمذي (٢٤٥٧)، وهو عند أحمد (٢١٢٤٢) بلفظ: قال رجل: يا رسول الله، أرأيت إن جعلتُ
صلاتي كلها عليك؟ قال: ((إذاً يكفيك الله ما أهمَّكَ من دُنياك وآخرتك)).
(٣) يشير بذلك إلى قوله وَ﴾: ((من صنع إليكم معروفاً فكافئوهُ، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له، حتى
تروا أنكم قد کافأتموه) أخرجه أبو داود (١٦٧٢)، والنسائي (٢٥٦٧) من حديث عبد الله بن عمر بن
الخطاب. وصححه الحاكم ٢/ ٦٤.

٣٦٦
باب ٣٢ / ح ٦٣٥٨
فتح الباري بشرح البخاري
وقال ابن العربيّ: فائدة الصلاة عليه تَرجِع إلى الذي يُصَلّي عليه، لِدلالة ذلك على
نُصوع العقيدة وخُلوص النّيّة وإظهار المحبّة، والمداومة على الطاعة والاحترام للواسطة
الكريمة {آلّ.
وقد تَمَسَّكَ بالأحاديثِ المذكورة مَن أوجَبَ الصلاة عليه كلَّما ذُكِرَ، لأنَّ الدُّعاء بالرّغمِ
والإبعاد والشَّقاء، والوصف بالبُخلِ والجفاء يقتضي الوعيد، والوعيد على التَّرك من علامات
الوجوب، ومن حيثُ المعنى أنَّ فائدة الأمر بالصلاة عليه مُكافَأته على إحسانه، وإحسانه
مُستَمِّ، فَيَتَأكَّد إذا ذُكِرَ.
وتَسَّكوا أيضاً بقولِه: ﴿لَّا تَجْعَلُواْ دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور:
٦٣]، فلو كان إذا ذُكِرَ لا يُصَلَّى عليه لكان كَآحادِ الناس. ويَتأكَّد ذلك إذا كان المعنى بقولِه:
﴿دُعَاءَ الرَّسُولِ﴾: الدُّعاء المتعلِّق بالرَّسولِ.
وأجابَ مَن لم يوجِب ذلك بأجوبةٍ:
منها: أنَّه قولٌ لا يُعرَف عن أحد من الصحابة والتابعينَ فهو قول مُتَرَع، ولو كان ذلك
على عُمومه لَلَزِمَ المُؤَذِّنَ إذا أذَّنَ، وكذا سامعَه، ولَلَزِمَ القارئَ إذا مرَّ ذِكْره في القرآن، ولَلَزِمَ
الدّاخل في الإسلام إذا تَلَفَّظَ بالشَّهادَتَينِ، ولَكان في ذلك من المشَقّة والخَرَج ما جاءتِ الشَّريعة
السَّمْحة بخِلَافه، ولَكان الثَّناء على الله كلَّما ذُكِرَ أحقّ بالوجوبِ، ولم يقولوا به.
وقد أطلقَ القُدُوريّ وغيره من الحنفيَّة أنَّ القول بوجوبِ الصلاة عليه كلَّما ذُكِرَ مخالف
للإجماع المنعَقِد قبل قائله، لأنَّه لا يُحفَظ عن أحد من الصحابة أنَّه خاطَبَ النبيّ وَّ فقال: يا
رسول الله صَلَّى الله عليك، ولأنَّه لو كان كذلك لم يَتَفرَّغ السامع لعبادة أُخرى.
وأجابوا عن الأحاديث بأنَّهَا خَرَجَت ◌َخَرَج المبالَغة في تأكيد ذلك وطلبه، وفي حَقّ مَن/
اعتادَ تَرك الصلاة عليه دَيدَناً.
١٦٩/١١
وفي الجملة لا دلالة على وجوب تَكُرُّر ذلك بتَكَرُّرِ ذِكْره ◌َّ في المجلس الواحد.
واحتَجَّ الطَّبَرِيُّ لِعَدَمِ الوجوب أصلاً مع ورود صيغة الأمر بذلك: بالاتّفاق من جميع

٣٦٧
باب ٣٢ / ح ٦٣٥٨
كتاب الدعوات
المتقدِّمينَ والمتأخِّرينَ من عُلَماء الأُمّة على أنَّ ذلك غیرُ لازِم فرضاً، حتَّی یکون تارکُه عاصياً،
قال: فدَلَّ ذلك على أنَّ الأمر فيه للنَّذْبِ ويَحَصُل الامتثالُ لمن قاله ولو كان خارجَ الصلاة.
وما ادَّعاه من الإجماع مُعارض بدعوى غيره الإجماع على مشروعيَّة ذلك في الصلاة،
إمّا بطريق الوجوب وإمّا بطريق النَّب، ولا يُعرَف عن السَّلَف لذلك مخالف إلّا ما
أخرجه ابن أبي شَيْبة والطَّبَريّ عن إبراهيم النَّخَعَيّ: أنَّه كان يرى أنَّ قول المصَلّ في التَّشَهُّد:
السَّلام عليك أيها النبيّ ورحمة الله وبَرَكاته، يُجْزِئ عن الصلاة، ومع ذلك لم يُخالف في أصل
المشروعيَّة، وإنَّما ادَّعَى إجزاء السَّلام عن الصلاة، والله أعلم.
ومن المواطِن التي اختُلِفَ في وجوب الصلاة عليه فيها: التَّشَهُّد الأوَّل، وخُطبة الجمعة
وغيرها من الخُطَب، وصلاة الجنازة.
ومَّا يَتَأكَّد وورَدَت فيه أخبار خاصّة أكثرها بأسانيد جيِّدة: عَقِب إجابة المُؤَذِّن(١)، وأوَّل
الدُّعاء وأوسَطه وآخره، وفي أوَّله آكَد(٢)، وفي آخر القُنوت(٣)، وفي أثناء تكبيرات العيد(٤)،
وعند دخول المسجد والخروج مِنه(٥)، وعند الاجتماع والتَّفَرُّق(٩)، وعند السَّفَر والقُدوم(٧)،
(١) أخرجه مسلم (٣٨٤) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.
(٢) انظر ((نتائج الأفكار)) للحافظ ٤/ ٥٠-٥١، فقد ضعَّف الحديث الدالّ على ذلك.
(٣) ضعَّف ذلك الحافظُ في (نتائج الأفكار)) ١٥٣/٢ -١٥٤.
(٤) أخرجه القاضي إسماعيل (٨٨) عن ابن مسعود وحذيفة وأبي موسى الأشعري موقوفاً، وصحّح إسناده
السخاوي في ((القول البديع)) ص٢٠٤.
(٥) أخرجه أحمد (٢٦٤١٦)، والترمذي (٣١٤) من حديث فاطمة الزهراء، وأعله الترمذي بالانقطاع،
ووافقه الحافظ في «نتائج الأفكار)) ١/ ٢٨١.
(٦) أما الصلاة على النبي ◌َّلير عند الاجتماع فأخرجه أحمد (٩٨٤٣)، والترمذي (٣٣٨٠) من حديث أبي
هريرة، وحسّنه الترمذي، وأخرجه النسائي في ((الكبرى)) (١٠١٧١) من حديث أبي سعيد الخدري،
وصححه الحافظ في ((نتائج الأفكار)) ٢٩/٤. وأما عند التفرق فأخرجه النسائي في ((الكبرى)) (١٠١٧٢)
من حديث جابر بن عبد الله، والحاكم ١/ ٤٩٢ من حديث أبي هريرة.
(٧) أخرجه مالك في ((موطئه)) برواية محمد بن الحسن الشيباني (٩٤٨) عن ابن عمر أنه كان إذا أراد سفراً أو
قدم من سفر جاء قبر النبي ◌َّلقر فصلى عليه، ودعا ثم انصرف.

٣٦٨
باب ٣٣ / ح ٦٣٥٩ - ٦٣٦٠
فتح الباري بشرح البخاري
وعند القيام لِصلاة اللَّيل(١)، وعند ختم القرآن، وعند الهَمّ والكَرْب(٣)، وعند التَّوبة من
الذَّنب (٣)، وعند قراءة الحديث، وتبليغ العلم، والذِّكر(٤)، وعند نِسْيان الشَّيء(٥).
ووَرَدَ ذلك أيضاً في أحاديث ضعيفة، وعند استلام الحَجَر، وعند طَنين الأُذُن، وعند
التَّبية، وعَقِب الوضوء، وعند الذَّبح، والعُطاس، ووَرَدَ المنعُ منها عندهما أيضاً(٦).
وورَدَ الأمر بالإكثار منها يوم الجمعة في حديث صحيح كما تقدَّمَ.
٣٣- بابٌ هل يُصلّى على غير النبيّ ◌َّ؟
وقَولُه تعالى: ((إنَّ صَلَوَاتِك(٧) سَكَنٌّ لهم)) [التوبة: ١٠٣].
٦٣٥٩ - حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن عَمْرِو بنِ مُرّةَ، عن ابنِ أبي أوْنَ، قال:
كان إذا أتى رجلٌ النبيَّ نَّهِ بِصَدَقَتِهِ، قال: ((اللهمَّ صَلِّ عليه)»، فأتاه أبي بصدقةٍ فقال: ((اللهمَّ
صَلِّ على آلٍ أبي أوْنَى)).
٦٣٦٠- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمةَ، عن مالكِ، عن عبدِ الله بنِ أبي بكرٍ، عن أبيه، عن
عَمْرِو بنِ سُلَيم الزُّرَقِيِّ، قال: أخبرني أبو مُميدِ الساعِدِيُّ أنَّهم قالوا: يا رسولَ الله، كيفَ نُصَلّي
عليكَ؟ قال: ((قولوا: اللهمَّ صَلِّ على محمَّدٍ وأزواجِهِ وذُرِّيَّتِهِ، كما صَلَّيتَ على آلِ إبراهيمَ، وبارك
على محمَّدٍ وأزْواجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كما بارَكْتَ على آلِ إبراهيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ)).
(١) أخرجه النسائي في ((الكبرى)) (١٠٦٣٧)، والطبراني في «الكبير)) (٨٧٩٨) من قول ابن مسعود، وإسناده
منقطع.
(٢) تقدم فيه قريباً حديث أبي بن كعب، وحسّنه الحافظ.
(٣) أخرجه ابن أبي عاصم في ((الصلاة على النبي پڼ) (٤٠)، وقال الحافظ في (جزء حدیث إن أولى الناس بي
أکثرهم عليَّ صلاة»: رجاله رجال الصحيح.
(٤) أخرجه إسماعيل بن محمد الأصبهاني في ((الترغيب والترهيب)) (١٦٧٢) من حديث أبي هريرة.
(٥) ذكر فيه السخاوي في ((القول البديع)) ٢٢٧/١ عدة أحاديث، ضعَّفها جميعاً.
(٦) انظر ما يدل على ذلك في «القول البديع) للسخاوي ص١٧٦ و٢٠٩ و٢٢٤ و٢٢٥.
(٧) كذلك قرأها بالجمع ابنُ كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم، وقرأها بالإفراد حمزةٌ
والكسائي وحفص عن عاصم. انظر ((زاد المسير)) لابن الجوزي ٢٩٥/٢.

٣٦٩
باب ٣٣ / ح ٦٣٦٠
كتاب الدعوات
قوله: ((باب هل يُصَلَّى على غير النبيّ وَلِ؟)) أي: استقلالاً أو تَبَعاً، ويَدخُل في الغير الأنبياءُ
والملائكةُ والمؤمنونَ.
فأمَّا مسألة الأنبياء فوَرَدَ فیها أحاديث:
أحدها: حديث عليّ في الدُّعاء بحِفظِ القرآن، ففيه: ((وصَلِّ عليَّ وعلى سائر النبيّينَ))
أخرجه التِّرمِذيّ (٣٥٧٠) والحاكم (٣١٦/١).
وحديث بُرَيدة رَفَعَه: ((لا تَترُكَنَّ في التَّشَهُّد الصلاة عليَّ وعلى أنبياء الله)) الحديث،
أخرجه البيهقيُّ(١) بسندٍ واهٍ.
وحديث أبي هريرة رَفَعَه: ((صَلّوا على أنبياء الله)) الحديث، أخرجه إسماعيل القاضي (٤٥)
بسندٍ ضعيف(٢).
وحديث ابن عبّاس رَفَعَه: ((إذا صَلَّيْتُم عليَّ فصَلّوا على أنبياء الله، فإِنَّ الله بَعَثَهم كما بَعَثَنِي))
أخرجه الطبرانيُّ، ورُوِّيناه في ((فوائد العِيسَويّ)) وسنده ضعيف أيضاً.
وقد ثَبَتَ عن ابن عبّاس اختصاص ذلك بالنبيِّ وَّهِ، أخرجه ابن أبي شَيْبة (٥١٩/٢)
من طريق عثمان بن حَكيم عن عِكْرمة عنه قال: ما أعْلَم الصلاة تنبغي / على أحدٍ من أحدٍ إلّا ١٧٠/١١
على النبيّ ێ، وهذا سند صحيح.
وحُكيَ القول به عن مالك، وقال: ما تُعبِّدنا به، وجاء نحوه عن عمر بن عبد العزيز.
وعن مالك: يُكرَه.
وقال عياض: عامّة أهل العلم على الجواز، وقال سفيان: يُكرَه أن يُصَلَّى إلّ على نبيّ،
ووجَدت بخَطِّ بعض شُيُوخي: مذهب مالك: لا يجوز أن يُصَلَّى إلّا على محمَّد، وهذا غير
معروف عن مالك، وإنَّما قال: أكره الصلاة على غير الأنبياء، وما ينبغي لنا أن نَتَعَدَّى ما أُمِرنا
(١) لم نقف عليه فيما بأيدينا من كتب البيهقي المطبوعة، وهو في ((مسند البزار)) (٤٤٦٢).
(٢) خرَّجه الحافظ أيضاً في ((نتائج الأفكار)) ٤/ ٥٣ من ((مسند أحمد بن مَنيع))، وهو أيضاً في ((مسند البزار))
(٩٤١٢).

٣٧٠
باب ٣٣ / ح ٦٣٦٠
فتح الباري بشرح البخاري
به. وخالَفَه يحيى بن يحيى فقال: لا بأس به، واحتَجَّ بأنَّ الصلاة دعاء بالرّحمة، فلا يُمنَع إلّا
بنَصِّ أو إجماع.
قال عياض: والذي أميل إليه قول مالك وسفيان، وهو قول المحَقِّقينَ من المتكلِّمينَ
والفقهاء، قالوا: يُذكَر غير الأنبياء بالرِّضا والغُفران، والصلاة على غير الأنبياء - يعني
استقلالاً - لم تكن من الأمر المعروف، وإنّما أُحدِثَت في دولة بني هاشم(١).
وأمَّا الملائكة فلا أعرِفُ فيه حديثاً نَصّاً، وإنَّما يُؤْخَذ ذلك من الذي قبله إن ثَبَتَ، لأَنَّ الله
تعالی سَمّاهم رُسُلاً.
وأمَّا المؤمنونَ فاختُلِفَ فيه، فقيلَ: لا تَجوز إلّا على النبيّ وَ له خاصّة، وحُكيَ عن مالك
كما تقدَّمَ.
وقالت طائفة: لا تَّجوز مُطلَقاً استقلالاً، وتَجوز تَبَعاً فيما وَرَدَ به النَّصّ أو أُلِقَ به،
لقولِه تعالى: ﴿لَّا تَجْعَلُواْ دُعَلَةُ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]، ولأنَّه لمَّا
عَلَّمَهم السَّلام قال: ((السَّلام علينا وعلى عباد الله الصالحينَ))، ولمَّا عَلَّمَهم الصلاة قَصَرَ
ذلك عليه وعلى أهل بيته، وهذا القول اختارَه القُرطُبيّ في ((المفهم)) وأبو المعالي من
الحنابلة، وقد تقدَّم تقريره في تفسير سورة الأحزاب (٤٧٩٧)، وهو اختيار ابن تَيميةً من
المتأخِّرينَ.
وقالت طائفة: تَجوز تَبَعاً مُطلَقاً، ولا تَجوز استقلالاً، وهذا قول أبي حنيفة وجماعة.
وقالت طائفة: تُكرَه استقلالاً لا تَبَعاً، وهي رواية عن أحمد.
وقال النَّوويّ: هو خِلاف الأَولى.
وقالت طائفة: تَجوز مُطلَقاً، وهو مُقتَضَى صنيع البخاريّ، فإنَّه صَدَّرَ بالآية وهي قوله
تعالى: ﴿وَصَلّ عَلَيْهِمْ﴾، ثمَّ عَلَّقَ الحديث الدّالّ على الجواز مُطلَقاً، وعَقَّبَه بالحديث الدّالّ على
الجواز تَبَعاً.
(١) عبارة القاضي في ((الشفا)) ٢/ ٨٣: أحدثه الرافضة والمتشيّعة في بعض الأئمة.

٣٧١
باب ٣٣ / ح ٦٣٦٠
كتاب الدعوات
فأمَّا الأوَّل، وهو حديث عبد الله بن أبي أوثَى، فتقدَّم شرحه في كتاب الزكاة (١٤٩٧).
ووَقَعَ مِثلُه عن قيس بن سعد بن عُبادة: أنَّ النبيَّ ◌َّهِ رَفَعَ يَدَيه، وهو يقول: ((اللهمَّ
اجعَل صَلَواتِك ورحمتَك على آل سعد بن عُبادة)) أخرجه أبو داود (٥١٨٥) والنَّسائيُّ
(ك ١٠٠٨٤)، وسنده جيّد(١).
وفي حديث جابر: أنَّ امرأته قالت للنبيِّ وَّ: صَلِّ عليَّ وعلى زوجي، ففَعَلَ. أخرجه
أحمد (١٤٢٤٥ و١٥٢٨١) مُطوَّلاً ومختصراً، وصَحَّحَه ابن حِبّان (٩١٦).
وهذا القول جاء عن الحسن ومجاهد، ونَصَّ عليه أحمد في رواية أبي داود، وبِه قال
إسحاق وأبو ثَور وداود والطََّريّ، واحتَجّوا بقوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِى يُصَلّى عَلَيْكُمْ وَمَكَبِكَتُهُ﴾
[الأحزاب: ٤٣]، وفي ((صحيح مسلم)) (٢٨٧٢) من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((إنَّ الملائكة تقول
لروحِ المؤمن: صَلَّى الله عليك وعلى جسدك)).
وأجابَ المانعونَ عن ذلك كلّه بأنَّ ذلك صَدَرَ من الله ورسوله، ولَمَا أن يُخُصّا مَن شاءا
بما شاءا، وليس ذلك لأحدٍ غیرھما.
وقال البيهقيُّ: يُحمَل قول ابن عبّاس بالمنع إذا كان على وجه التَّعظيم، لا ما إذا كان
على وجه الدُّعاء بالرَّحمة والبَرَكة.
وقال ابن القَيِّم: المختار أن يُصَلَّى على الأنبياء والملائكة وأزواج النبيّ وَّهِ وآله وذُرّيَّته
وأهل الطاعة على سبيل الإجمال، وتُكرَه في غير الأنبياء لشخص مُفرَد بحيثُ يصير شِعاراً،
ولا سيَّما إذا تُرِك في حَقّ مِثله أو أفضلَ مِنه، كما يفعله الرَّافضة، فلو اتَّفَقَ وقوع ذلك مُفرَداً
في بعض الأحايين من غير أن يُتَّخَذ شِعاراً لم يكن به بأس، ولهذا لم يَرِدِ في حَقّ غير مَن أُمِرَ
النبيّ وَّه بقولِ ذلك لهم - وهم مَن أدَّى زَكاته - إلّا نادِراً، كما في قصَّة زوجة جابِرٍ وآل
سعد بن عُبادة.
تنبيه: اختُلِفَ في السَّلام على غير الأنبياء بعد الاتّفاق على مشروعيَّته في تَحيَّة الحيّ، فقيلَ:
(١) في إسناده انقطاع، وقال البخاري في ((التاريخ الكبير)) ١١٤/١: لم يصحّ إسناده.

٣٧٢
باب ٣٤ / ح ٦٣٦١
فتح الباري بشرح البخاري
يُشرَع مُطلَقاً، وقيل: بل تَبَعاً، ولا يُفرَد لِواحدٍ لِكَونِه صارَ شِعاراً للرَّافضة، ونَقَلَه النَّوويّ
عن الشَّيخ أبي محمَّد الجوينيّ.
١٧١/١١ قوله في ثاني حديثَي الباب: ((عبد الله/ بن أبي بكر، عن أبيه)) هو أبو بكر بن محمَّد بن عَمْرو بن
خَزْم الأنصاريّ، مُخْتَلَف في اسمه، وقيل: كُنْيته اسمه، وروايته عن عَمْرو بن سُلَيم من الأقران،
وولده من صِغار التابِعِينَ، ففي السَّنَد ثلاثة من التابِعِينَ في نَسَق، والسَّنَد كلّه مَدَنّونَ.
قوله: ((وذُرِّيَّته)) بضمِّ المعجَمة وحُكيَ كسرها: هي النَّسل، وقد يَخْتَصّ بالنِّساءِ والأطفال،
وقد يُطلَق على الأصل، وهي من ذَرَأْ، بالهمز، أي: خلقَ، إلّا أنَّ الهمزة سُهُلَت لِگثْرة الاستعمال،
وقيل: بل هي من الذَّ، أي: خُلِقوا أمثال الذَّ، وعليه فليس مَهموز الأصل، والله أعلم.
واستُدِلَّ به على أنَّ المراد بآلٍ محمَّد: أزواجه وذُرَيَّته، كما تقدَّم البحث فيه في الكلام على
آل محمَّد في الباب الذي قبله.
واستُدِلَّ به على أنَّ الصلاة على الآل لا تجب لِسُقوطِها في هذا الحديث، وهو ضعيف،
لأَنَّه لا يخلو أن يكون المراد بالآلِ غير أزواجه وذُرّيَّته أو أزواجه وذُرّيَّته، وعلى تقدير كلّ
مِنهما لا يَنْهَض الاستدلال على عَدَم الوجوب، أمَّا على الأوَّل فِلِتُبوتِ الأمر بذلك في غير هذا
الحديث، وليس في هذا الحديث المنع مِنه، بل أخرج عبد الرَّزّاق (٣١٠٣) من طريق ابن
طاووسٍ عن أبي بكر بن محمَّد بن عَمْرو بن حَزْم عن رجل من الصحابة، الحديث المذكور
بلفظ: ((صَلِّ على محمَّد وأهل بيته وأزواجه وذُرّيَّته))، وأمَّا على الثّاني فواضح.
واستَدَلَّ به البيهقيُّ على أنَّ الأزواج من أهل البيت، وأيَّدَه بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ
اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الْرِّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣].
٣٤ - باب قول النبيّ وَّهِ: ((من آذيتُه فاجعله له زكاةً ورحمةً»
٦٣٦١ - حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرني يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ،
قال: أخبرني سعيدُ بنُ المسيّبِ، عن أبي هريرةَ ، أَنَّه سمعَ النبيَّ ◌ََّ يقول: ((اللهمَّ فأيُّما مُؤْمِنٍ
سَبَيْتُه، فاجْعَلْ ذلك له قُرْبةً إليكَ يومَ القيامةِ)).

٣٧٣
باب ٣٤ / ح ٦٣٦١
كتاب الدعوات
قوله: ((باب قول النبيّ وَّهِ: مَن آذَيته فاجْعَلْه له زَكاة ورحمة)) كذا تَرجَمَ بهذا اللَّفظ،
وأورَدَه بلفظ: ((اللهمَّ فأيُّما مُؤمِن سببتُه فاجعَل ذلك له قُربةً إليك يوم القيامة)) أورَدَه من
طريق يونس - وهو ابن يزيد - عن ابن شهاب، وقد أخرجه مسلم (٢٦٠٢/ ٩٢) من هذا
الوجه مثله.
وظاهر سياقه أنَّه حُذِفَ مِنه شيء من أوَّله، وقد بيَّنْه مسلم (٢٦٠٢/ ٩٣) من طريق
ابن أخي ابن شِهاب عن عَمّه بهذا الإسناد بلفظ: ((اللهمَّ إنّ التَّخذت عندك عهداً لن تُخُلِفَنيه،
فَأَيُّمَا مُؤْمِن سَبَبْتُه أو جَلَدتُه، فاجعَل ذلك كفَّارةً له يوم القيامة)).
ومن طريق أبي صالح عن أبي هريرة (٨٩/٢٦٠١) بلفظ: ((اللهمَّ إنَّما أنا بَشَر، فأيُّما رجل
من المسلمينَ سبَبتُه أو لَعَتُه أو جَلَدتُه، فاجعلها له زكاة ورحمة)».
ومن طريق الأعرج (٢٦٠٢/ ٩٠) عن أبي هريرة مِثل رواية ابن أخي ابن شهاب، لكن
قال: ((فأيُّ المؤمنينَ آذَيتُه، شَتَمتُه، لَعَنته، جَلَدتُه، فاجعَلْها له صلاة وزكاة، وقُربة تُقرِّبه بها
إليك يوم القيامة)).
ومن طريق سالم (٢٦٠٢/ ٩١) عن أبي هريرة بلفظ: ((اللهمَّ إنَّما محمَّد بَشَر يَغضَب كما
يَغضَب البشر، وإنّي قد اتّخذت عندك عهداً)) الحديث، وفيه: ((فأيّما مُؤمِن)) والباقي بمعناه
بلفظ: ((أو)).
وأخرج من حديث عائشة (٢٦٠٠) بيان سبب هذا الحديث، قالت: دَخَلَ على
رسول الله ﴿ ﴿ رجلان فكَلَّماه بشيءٍ لا أدري ما هو، فأغضَباه، فسَبَّهما ولَعَنَهما، فلمَّا خَرَجا
قلت له، فقال: ((أوَما علمتِ ما شارَطتُ عليه رَبّ؟ قلت: اللهمَّ إنَّما أنا بَشَر، فأيُّ المسلمينَ
لَعَنْتُه أو سبَبتُه، فاجعله له زكاة وأجراً».
وأخرجه من حديث جابر نحوه (٢٦٠٢).
وأخرجه من حديث أنس (٢٦٠٣)، وفيه تقييد/ المدعوّ عليه بأن يكون ليس لذلك ١٧٢/١١
بأهلِ، ولفظه: ((إنَّما أنا بَشَر أرضَى كما يَرضَى البشر، وأغضَب كما يَغْضَب البشر، فأُما أحدٍ

٣٧٤
باب ٣٤ / ح ٦٣٦١
فتح الباري بشرح البخاري
دَعَوت عليه من أمَّتي بدعوةٍ ليس لها بأهلِ، أن يجعلها له طَهوراً وزكاة، وقُربة يُقرِّبه بها مِنه
يوم القيامة)) وفيه قصَّة لَأُمّ سُلَیم.
قوله: ((اللهمَّ فأيما مُؤْمِن)) الفاء جواب الشَّرط المحذوف لِدلالة السّياق عليه.
قال المازَرِيّ: إن قيل: كيف يَدعُو ◌َ لّهِبِدَعوةِ على مَن ليس لها بأهلِ؟ قيلَ: المراد بقوله: ليس
لها بأهل عندك في باطِن أمره، لا علی ما یظھر مما يقتضيه حاله وچِنایته حين دعائي عليه،
فكأنَّه يقول: مَن كان باطِن أمره عندك أنَّه ثمّن تَرضَى عنه، فاجعَل دَعوتي عليه التي اقتَضاها ما
ظَهَرَ لي من مُقْتَضَى حاله حينئذٍ طَهوراً وزكاة، قال: وهذا معنى صحيح لا إحالة فيه، لأنَّه وَله
كان مُتَعَبَّداً بالظَّواهر، وحِساب الناس في البَواطِن على الله. انتهى.
وهذا مبنيٌّ على قول من قال: إنَّه كان يجتهد في الأحكام، ويحكم بما أدَّى إليه اجتهاده،
وأمَّا مَن قال: كان لا يَحكم إلّا بالوحي، فلا يتأتّى مِنه هذا الجواب.
ثمَّ قال المازَرِيّ: فإن قيل: فما معنى قوله: ((وأغضَبُ كما يَغضَب البشر))؟ فإنَّ هذا يشير
إلى أنَّ تلكَ الدَّعوة وَقَعَت بحُكمِ سَوْرة الغضب، لا أنَّها على مُقْتَضَى الشَّرع، فيعود
السُّؤال، فالجواب: أنَّه يحتمل أنَّه أراد أنَّ دَعْوته عليه أو سَبَّه أو جَلْدَه كان ممَّا خُيِّرَ بين
فِعله له عُقوبةً للجاني، أو تركه والزّجر له بما سوى ذلك، فيكون الغضب لله تعالى بَعَثَه
علی لعنه أو جَلْدِه، ولا یکون ذلك خارجاً عن شَرْعه.
قال: ويحتمل أن يكون ذلك خَرَجَ تَخَرَج الإشفاق وتعليم أمَّته الخوف من تَعَدّي
حُدود الله، فكأنَّه أظهَرَ الإشفاق من أن يكون الغضب تَحمِله على زيادة في عُقوبة الجاني
لولا الغضب ما وَقَعَت، أو إشفاقاً من أن يكون الغضب يَحمِله على زيادة يسيرة في عُقوبة الجاني
لولا الغضب ما زادَت، ويكون من الصَّغائر على قول مَن يُجُوِّزها، أو يكون الَّجر يَحَصُل
بدونها. ويحتمل أن يكون اللَّعن والسَّبّ يقع مِنه من غير قصد إليه، فلا يكون في ذلك كاللَّعنة
الواقعة رغبةً إلى الله وطلباً للاستجابة.
وأشارَ عياض إلى ترجيح هذا الاحتمال الأخير فقال: يحتمل أن يكون ما ذكره من

٣٧٥
باب ٣٥ / ح ٦٣٦٢
كتاب الدعوات
سَبّ ودعاء غير مقصود ولا مَنْويّ، ولكن جَرَى على عادة العرب في دَعْم كلامها، وصِلَةِ
خِطابها عند الخَرَج والتَّأكيد للعَتَبِ، لا على نيَّة وقوع ذلك، كقولهم: عَقْرَى حَلْقَى،
وتَرِبَت يمينُك، فأشفَقَ من موافقة أمثالها القَدَرَ، فعاهَدَ رَبّه ورَغِبَ إليه أن يجعل ذلك
القولَ رحمةً وقُربةً، انتهى.
وهذا الاحتمال حسنٌ إلّا أنَّه يَرِدُ عليه قوله: ((جَلَدتُه)) فإنَّ هذا الجواب لا يَتَمَشَى فيه،
إذ لا يقع الجَلْد عن غير قصد، وقد ساقَ الجميع مَساقاً واحداً، إلّا إن مُلَ على الجَدْدة
الواحدة فینّجِه.
ثمَّ أبدَى القاضي احتمالاً آخر فقال: كان لا يقول ولا يفعل وَّ في حال غَضَبه إلّ الحقّ،
لكن غَضَبه لله قد يَحمِله على تعجيل مُعاقَبة مخالفِه وتَرك الإغضاء والصَّفح، ويُؤيِّده حديث
عائشة: ما انتَقَمَ لنفسِه قَطّ إلّا أن تُنتَهَك حُمات الله، وهو في ((الصَّحيح) (١).
قلت: فعلى هذا فمعنى قوله: ((ليس لها بأهلِ)) أي: من جهة تَعُّن التَّعجيل.
وفي الحديث كمال شَفَقَتِهِ وَّهِ على أمَّته، وجميل خُلُقْه وكَرَم ذاته، حيثُ قَصَدَ مُقابَلة ما
وَقَعَ منه بالخير والتَّكريم، وهذا كلّه في حَقّ المعيَّن وفي زمنه واضح، وأمَّا ما وَقَعَ منه بطريق
التَّعميم لغير مُعيَّن حتَّى يَتناول مَن لم يُدرِك زمنَه وَ ◌ّه فما أظنُّه يَشمَله، والله أعلم.
٣٥- باب التعۇُّد من الفتن
٦٣٦٢ - حدَّثنا حفصُ بنُ عمرَ، حدَّثنا هشامٌ، عن قَنَادةَ، عن أنسٍ ﴾: سألوا رسولَ الله وَال
حتَّى أحفَوْه المَسْألَةَ، فَغَضِبَ فصَعِدَ المِنْبَ، فقال: ((لا تَسْألُونني اليومَ عن شيءٍ إلّا بَيَّنْتُه لكم))
فجَعَلْتُ أَنظُرُ يَمِيناً وشِمالاً، فإذا كلُّ رجلٍ لافٍّ رأسَه في ثَوْبِهِ يَبْكي، فإذا رجلٌ كان إذا لاحَی
الرِّجالَ يُدْعَى لغيرِ أبيه، فقال: يا رسولَ الله، مَن أبي؟ قال: ((حُذافةٌ)) ثمَّ أنشأ عمرُ، فقال: رَضِينا بالله
رَبَّ، وبالإسلامِ دِيناً، وبِمحمَّدٍ وَّه رسولاً، نعوذُ بالله منَ الفِتَنِ، فقال رسولُ الله ◌َّةِ: ((ما رأيتُ في
الخيرِ والشرِّ كاليومٍ قَطَّ، إنَّه صُوِّرَت لي الجنَّةُ والنارُ، حَتَّى رأيتُهما وراءَ الحائطِ)).
(١) أخرجه البخاري (٣٥٦٠)، ومسلم (٢٣٢٧).

٣٧٦
باب ٣٦ / ح ٦٣٦٣
فتح الباري بشرح البخاري
وكان قَتَادةُ يَذْكُرُ عندَ هذا الحديثِ هذه الآيةَ: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ
إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١].
١٧٣/١١ قوله: ((باب التَّعَوُّذ من الفِتَن)) ستأتي هذه التَّرجمة وحديثها في كتاب الفتن (٧٠٨٩)،
وتقدَّم شيء من شرحه يَتَعلَّق بسببٍ نزول الآية المذكورة في آخر الحديث في تفسير سورة
المائدة (٤٦٢١).
وقوله: («أحْفَوْه)) بحاءٍ مُهمَلة ساكنة وفاء مفتوحة، أي: ألَحّوا عليه، يقال: أحفَيته: إذا حَمَلته
على أن يَبحَث عن الخبر.
وقوله: ((لافٍّ)) بالرَّفع، ويجوز النَّصب على الحال.
وقوله: ((إذا لاحَى)) بمُهمَلةٍ خفيفة، أي: خاصَمَ.
وفي الحديث أنَّ غَضَب رسول الله وَّهَ لا يَمنَع من حُكمه، فإنَّه لا يقول إلّ الحقّ في
الغضب والرِّضا. وفیه فهمُ عمر وفضل عِلمه.
٣٦- باب التعوُّذ من غلبة الرّجال
٦٣٦٣ - حدَّثنا قُتَيةٌ، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ جعفرٍ، عن عَمْرِو بنِ أبي عَمٍو مولى المطَّلِبِ بنِ
عبدِ الله بنِ حَنْطَبٍ، أنَّه سمعَ أنسَ بنَ مالكٍ يقول: قال النبيُّ وٍَّ لأبي طَلْحةَ: ((التَمِسْ لي
غلاماً من غِلْمانكم يَخْدُمُني)) فخَرَجَ بي أبو طَلْحةَ يُرْدِفُني وراءَه، فكنتُ أخدُمُ رسولَ اللهِ وَّ
كلَّما نزلَ، فكنتُ أسمَعُهُ يُكثِرُ أن يقولَ: ((اللهمَّ إنّي أعوذُ بكَ منَ الهَمِّ والحَزَنِ، والعَجْزِ
والكَسَلِ، والبُخْلِ والجُبنِ، وضَلَعِ الدَّينِ، وغَلَبةِ الرِّجال)).
فلم أزَل أخدُمُه حتَّى أقبَلْنا من خَيبَ، وأقبَلَ بصَفِيَّةَ بنت حُبَيٍّ قد حازَها، فكنتُ أراه يُحَوّي
وراءَه بعَباءةٍ أو كِساءٍ، ثمَّ يُرْدِفُها وراءَه، حتَّى إذا كنّا بالصَّهْباءِ صَنَعَ حَيْساً في نِطَعٍ، ثمَّ أرسَلَني
فدَعَوْتُ رجالاً فأكَلُوا، وكان ذلك بناءَه بها، ثمَّ أقبَلَ حتَّى إذا بَدا له أُحُدٍّ، قال: ((هَذا جَبَلٌ
يُحِبُنا ونُحِبُّه))، فلمَّا أشَرَفَ على المدينةِ قال: ((اللهمَّ إنّي أَحَرِّمُ ما بينَ جبلَيها، مِثْلَ مَا حَرَّمَ به إِبراهيمُ
مَّةَ، اللهمَّ بارِْ هم في مُدِّهم وصاعِهم)).

٣٧٧
باب ٣٦ / ح ٦٣٦٣
كتاب الدعوات
قوله: ((باب التَّعَوُّذ من غَلَبة الرِّجال)) ذكر فيه حديث أنس في قصَّة خَیبَرَ، وذکر
صَفيَّة بنت حُيَيّ، وتقدَّم شرح ذلك في المغازي وغيرها(١)، وسيأتي مِنه التَّعَوُّذ مُفرَداً
بعد أبواب(٢).
قوله: ((فكنتُ أسمَعُهُ يُكثِر أن يقول)) استُدِلَّ به على أنَّ هذه الصّيغة لا تَدُلّ على الدَّوام
ولا الإكثار، وإلّا لما كان لقوله: ((يُكثِرِ)) فائدة، وتُعقِّبَ بأنَّ المراد / بالدَّوام أعَمّ من الفِعل ١٧٤/١١
والقوّة، ويظهر لي أنَّ الحاصل أنَّه لم يُعرَف لذلك مُزيلاً، ويفيد قوله: يُكثِر، وقوع ذلك من
فعله كثيراً.
قوله: ((من الهَمّ والحَزَن)) إلى قوله: ((والجُبْن)) يأتي شرحه قريباً.
قوله: ((وضَلَع الدَّين)) أصل الضَّلَع، وهو بفتح المعجَمة واللّم: الاعوجاج، يقال:
ضَلَعَ بفتحِ اللّام، يَضَع، أي: مال، والمراد به هنا: ثِقَل الدَّين وشِدَّته، وذلك حيثُ لا تَجِد
مَن عليه الدَّين وفاءً ولا سيّما مع المطالَبة. وقال بعض السَّلَف: ما دَخَلَ هَمّ الدَّين قلباً إلّا
أذهَبَ من العقل ما لا يعود إليه.
قوله: ((وغَلَبة الرِّجال)) أي: شِدّة تَسَلَّطهم، كاستيلاءِ الرِّعاع هَرْجاً ومَرْجاً.
قال الكِرْمانيُّ: هذا الدُّعاء من جوامع الكلم، لأنَّ أنواع الرَّذائل ثلاثة: نفسانيَّة وبَدَنِيَّة
وخارجيَّة، فالأُولى: بحَسَبٍ القوى التي للإنسان، وهي ثلاثة: العقليَّة والغضبيَّة والشَّهوانيَّة،
فالهَمّ والحَزَن يَتَعلَّق بالعقليّة، والجُبن بالغضبيَّة، والبُخل بالشَّهوائيَّة. والعجز والكَسَل
بالبَدَنيَّة.
والثّاني: يكون عند سلامة الأعضاء وتمام الآلات والقوى، والأوَّل عند نقصان عُضو
ونحوه، والضَّلَعِ والغَلَبة بالخارجيَّة، فالأوَّل ماليّ والثّاني جاهيّ، والدُّعاء مُشْتَمِل على جميع
ذلك.
(١) انظر الحديث وأطرافه برقم (٣٧١).
(٢) برقم (٦٣٦٧) و(٦٣٦٩) و(٦٣٧١).

٣٧٨
باب ٣٧-٣٨م / ح ٦٣٦٤ - ٦٣٦٦
فتح الباري بشرح البخاري
٣٧ - بابُ التعوُّذ من عذاب القبر
٦٣٦٤ - حدَّثنا الحُمَيديُّ، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا موسى بنُ عُقْبةَ، قال: سمعتُ أمَّ خالدٍ
بنتَ خالدٍ - قال: ولم أسمَع أحداً سمعَ منَ النبيِّ وَّهِ غيرَها - قالت: سمعتُ النبيَّ،وَهِ يَتَعَوَّذُ
من عذاب القبرِ.
قوله: ((باب الثَّعَوُّذ من عذاب القبر)» تقدَّم الكلام عليه في أواخر كتاب الجنائز (١٣٧٦).
قوله: (سُفْيان)) هو ابن عُيَينَةَ، وأُمّ خالد بنت خالد اسمها: أَمَة - بتخفيفِ الميم - بنت
خالد بن سعيد بن العاص، تقدَّم ذِكْرها في اللُّباس (٥٨٢٣)، وأنَّهَا وُلِدَت بأرضِ الحَبَشة لمَّا
هاجَرَ أبَواها إليها، ثمَّ قَدِموا المدينة وكانت صغيرةً في عهد النبيّ وَِّ، وقد حَفِظَت عنه.
٣٧م- بابُ التعوّذ من البخل
٦٣٦٥ - حدَّثنا آدمُ، حدّثنا شُعْبةُ، حدَّثنا عبدُ الملِك، عن مُصْعَبٍ، كان سَعْدٌ يأمرُ
بخمسٍ، ويَذْكُرُ هُنَّ عن النبيِّ وَِّ: أنَّه كان يأمرُ بِنَّ: «اللهمَّ إنّي أعوذُ بكَ منَ البُخْلِ، وأعوذٌ
بكَ منَ الجُبنِ، وأعوذُ بكَ أن أُرَدَّ إلى أرذَلِ العُمُرِ، وأعوذُ بكَ مِن فِتْنِةِ الدُّنْيا، يعني: فِتْنَةً
الذَّجّال، وأعوذُ بكَ من عذاب القبرِ)».
٦٣٦٦ - حدَّثْنِي عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبةَ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن أبي وائلٍ، عن مسروقٍ،
عن عائشةَ، قالت: دَخَلَت عليَّ عجوزان من عُجُزِ يهودِ المدينةِ، فقالتا لي: إنَّ أهلَ القُبُورِ
يُعَذَّبونَ فِي قُبُورِهم، فكَذَّبتُهما ولم أُنْعِم أن أُصَدِّقَهما، فخَرَجَتا ودَخَلَ عليَّ النبيُّ ◌َّهِ، فقلتُ له:
يا رسولَ الله، إنَّ عجوزَينٍ، وذَكَرْتُ له، فقال: ((صَدَقَتا، إنَّهم يُعذَّبونَ عذاباً تَسْمَعُهُ البَهائمُ
كلُّها)) فما رأيتُهُ بَعْدُ في صلاةٍ إلَّا تَعَوَّذَ من عذاب القبرِ.
قوله: ((باب التَّعَوُّذ من البُخْل)) كذا وَقَعَت هذه التَرجمة هنا للمُستَمْلي وحده، وهي غَلَطٌ
من وجهَينِ:
أحدهما: أنَّ الحديث الأوَّل في الباب وإن كان فيه ذِكْرِ البُخل، لكن قد تَرجَمَ لهذه التَّرجمة
بعينها بعد أربعة أبواب، وذکر فیه الحدیث المذکور بعينه.

٣٧٩
باب ٣٧م / ح ٦٣٦٦
كتاب الدعوات
ثانيهما: أنَّ الحديث الثّاني مُخْتَصّ بعذاب القبر لا ذِكْر للبُخلِ فيه أصلاً، فهو بقيَّة من الباب
الذي قبله، وهو اللائق به.
وقوله: ((عن(١) عبد المَلِك)) هو ابن عُمَیر، كما سيأتي منسوباً في الباب المشار إليه.
قوله: ((عن مُصْعَب))/ هو ابن سعد بن أبي وقّاصٍ، وسيأتي قريباً من رواية غُندَر عن شُعْبة ١٧٥/١١
عن عبد الملك عن مُصعَب بن سعد.
ولعبد الملك بن عُمَير فيه شيخ آخر، فقد تقدَّم في كتاب الجهاد من طريق أبي عَوَانة (٢٨٢٢)
عن عبد الملك بن عُمَير عن عَمْرو بن ميمون عن سعد، وقال في آخره: قال عبد الملك:
فحَدَّثت به مُصعَباً فصَدَّقَه.
وأورَدَه الإسماعيليّ من طريق زائدة عن عبد الملك عن مُصعَب، وقال في آخره: فحَدَّثتُ به
عَمْرو بن ميمون، فقال: وأنا حذَّثني بِهِنَّ سعد.
وقد أورَدَه التِّرمِذيّ (٣٥٦٧) من طريق عُبيد الله بن عَمْرو الرَّقّيّ عن عبد الملِك عن
مُصعَب بن سعد وعَمْرو بن ميمون جميعاً عن سعد، وساقَه على لفظ مُصعَب، وكذا أخرجه
النَّسائيُّ من طريق زائدة عن عبد الملِك عنهما(٢).
وأخرجه البخاريّ (٦٣٧٤) من طريق زائدة عن عبد الملك عن مُصعَب وحده.
وفي سياق عَمْرو: أنَّه كان يقول ذلك دُبُر الصلاة، وليس ذلك في رواية مُصعَب، وفي
روایة مصعب ذِكْر البُخل وليس في رواية عَمْرو.
وقد رواه أبو إسحاق السَّبيعيّ عن عَمْرو بن ميمون عن ابن مسعود، هذه رواية زكريّا
عنه، وقال إسرائيل عنه: عن عَمْرو عن عمر بن الخطّاب.
(١) كذا جاء في الأصلين و(س): عن، مع أنَّ الذي في اليونينية دون حكاية خلاف بين رواة البخاري:
حدَّثنا، وكذلك في النسخة التي بأيدينا برواية أبي ذر الهروي.
(٢) وكذا عزاهُ المزي في ((تحفة الأشراف)) (٣٩١٠) للنسائي في عمل اليوم والليلة، ولم نقف عليه فيما طبع من
((سنن النسائي الكبرى)).

٣٨٠
باب ٣٧م / ح ٦٣٦٦
فتح الباري بشرح البخاري
ونَقَلَ التِّرمِذيّ عن الدَّارِمِيِّ أنَّه قال: كان أبو إسحاق يَضطَرِب فيه.
قلت: لعلَّ عَمْرو بن ميمون سمعَه من جماعة، فقد أخرجه النَّسائيُّ (ك٩٨٨٦) من
رواية زُهَير عن أبي إسحاق عن عَمْرو عن أصحاب رسول الله وَّهِ، وقد سُمِّيَ منهم ثلاثةٌ
كما تَرَی(١).
وقوله: ((أنّه کان یأمر» في رواية الگُشْمِيهنيّ: يأمرنا، بصيغة الجمع.
وجَرِير المذكور في الحديث الثّاني: هو ابن عبد الحميد، ومنصور: هو ابن المعتمِر، من صِغار
التابِعِينَ، وأبو وائل: هو شَقِيق بن سَلَمة، وهو ومسروق شيخه من كِبار التابعينَ، ورجال
الإسناد كلّهم كوفيّونَ إلى عائشة، ورواية أبي وائل عن مسروق من الأقران.
وقد ذكر أبو عليّ الجيَّانيّ أنَّه وَقَعَ في رواية أبي إسحاق المُستَمْلي عن الفِرَبريّ في هذا
الحديث: منصور عن أبي وائل ومسروق عن عائشة، بواوٍ، بَدَل: عن، قال: والصَّواب الأوَّل،
ولا يُحفَظ لأبي وائل عن عائشة روايةٌ.
قلت: أمَّا كَونُه الصَّوابَ فصوابٌ، لاتِّفاق الرُّواة في البخاريّ على أنَّه من رواية أبي وائل
عن مسروق، وكذا أخرجه مسلم (٥٨٦) وغيره (٢) من رواية منصور.
وأمَّا النَّفي فمردود، فقد أخرج التِّرمِذيّ من رواية أبي وائل عن عائشة حديثَينِ:
أحدهما (٢٣٩٧): ما رأيت الوَجَع على أحد أشدّ مِنه على رسول الله وَلّر. وهذا أخرجه
الشَّيخان والنَّسائيُّ وابن ماجَهْ من رواية أبي وائل عن مسروق عن عائشة(٣).
والثّاني (٦٧١): ((إذا تَصَدَّقَتِ المرأة من بيت زوجها)) الحديث. أخرجه أيضاً من رواية
عَمْرو بن مُرّة سمعت أبا وائل عن عائشة. وهذا أخرجه الشَّيخان أيضاً من رواية منصور
(١) وقد أخرج النسائي في ((الكبرى)) روايتي زكريا وإسرائيل برقم (٩٨٨٤) و(٩٨٨٥).
(٢) کالنسائي (٢٠٦٧).
(٣) البخاري (٥٦٤٦)، ومسلم (٢٥٧٠)، وابن ماجه (١٦٢٢) والنسائي في ((السنن الكبرى)) (٧٠٥٠)
و(٧٤٤٢).