النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
باب ٣٢ / ح ٦٣٥٨
كتاب الدعوات
وإنَّما الخِلَاف في الصلاة على غير الأنبياء استقلالاً، وقد شُرِعَ الدُّعاء للآحادِ بما دَعا به
النبيّ ◌َّ لنفسِه في حديث: ((اللهمَّ إنّي أسألُك من خير ما سألَك مِنه محمَّد)) وهو حديث
صحيح أخرجه مسلم. انتهى مُلخَّصاً.
وحديث جابر ضعيف، ورواية يزيد أخرجها أحمد (١٨١٣٣) أيضاً عن محمَّد بن
فُضیل عنه، وزاد في آخره: قال یزید: فلا أدري أشيء زاده عبد الرَّحمن من قِبَلِ نفسه أو رواه عن
كعب؟ وكذا أخرجه الطَّبَريّ (٣٣٤) من رواية محمَّد بن فُضَيلِ.
وورَدَت هذه الزّيادة من وجهَينٍ آخرَينٍ مرفوعینِ :.
أحدهما: عند الطبرانيّ (٢٧١/١٩) من طريق فِطر بن خليفة عن الحكم بلفظ: ((تقولون:
اللهمَّ صَلِّ على محمَّد إلى قوله: وآلِ إبراهيم وصَلِّ علينا معهم، وبارك على محمَّد)) مِثله، وفي
آخره: ((وبارك علينا معهم)) ورواتُه موثَّقونَ، لكنَّه فيما أحسِب مُدَرَجٌ لما بيَّنْه زائدة عن
الأعمش.
ثانيهما: عند الدّارَقُطنيِّ (١٣٣٨) من وجه آخر عن ابن مسعود مِثلُه، لكن قال: اللهمَّ،
بَدَل الواو في ((وصَلِّ)» وفي ((وبارك))، وفيه عبد الوهّاب بن مجاهد، وهو ضعيف.
وقد تَعقَّبَ الإسنَويُّ ما قال النَّوويّ، فقال: لم يَستَوعِب ما ثَبَتَ في الأحاديث مع
اختلاف کلامه.
وقال الأذرَعيُّ: لم يُسبَق إلى ما قال، والذي يظهر أنَّ الأفضل لمن تَشَهَّدَ أن يأتي بأكمَل
الرّوايات ويقولَ كلَّ ما ثَبَتَ، هذا مرَّة وهذا مرَّة، وأمَّا التَّلفيق فإنَّه يَستَلِزِم إحداث صِفَةٍ
في التَّشَهُّد لم تَرِد مجموعةً في حديث واحد، انتهى.
وكأنَّه أخَذَه من كلام ابن القَيِّم فإنَّه قال: إنَّ هذه الكيفيَّة لم تَرِد مجموعة في طريق من
الطُّرق، والأولى أن يُستَعمَلَ كلّ لفظ ثَبَتَ على حِدة، فِذلك يَحَصُل الإتيان بجميع ما وَرَدَ
بخلاف ما إذا قال الجميعَ دفعةً واحدةً، فإنَّ الغالب على الظَّنّ أنَّه وَّه لم يَقُله كذلك.
وقال الإسنَويُّ أيضاً: كان يَلزَم الشَّيخَ أن يجمع الألفاظ الواردة في التَّشَهُّد.

٣٤٢
باب ٣٢ / ح ٦٣٥٨
فتح الباري بشرح البخاري
وأُجِيبَ بأنَّه لا يَلزَم من كونه لم يُصرِّح بذلك أن لا يَلتَزِمَه.
وقال ابن القَيِّم أيضاً: قد نَصَّ الشافعيّ على أنَّ الاختلاف في ألفاظ التَّشَهُّد ونحوه
كالاختلاف في القراءات، ولم يَقُل أحد من الأئمّة باستحبابِ التِّلاوة بجميع الألفاظ المختلفة في
الحرف الواحد من القرآن، وإن كان بعضهم أجازَ ذلك عند التَّعليم للتمُّن. انتهى.
والذي يظهر أنَّ اللَّفظ إن كان بمعنى اللَّفظ الآخر سواء، كما في («أزواجه)» و «أُمَّهات
المؤمنينَ)) فالأَولى الاقتصار في كلّ مرَّة على أحدهما، وإن كان اللَّفظ يَستَقِلُّ بزيادة معنّی لیس في
اللَّفظ الآخر البَّة، فالأولى الإتيان به، ويُحمل على أنَّ بعض الرُّواة حَفِظَ ما لم يحفظ الآخرُ كما
تقدَّمَ، وإن كان يزيد على الآخرِ في المعنى شيئاً ما فلا بأس بالإتيان به احتياطاً.
وقالت طائفة منهم الطَّبَريّ: إنَّ ذلك من الاختلاف المباح، فأيّ لفظ ذكره المرء أَجْزأ،
والأفضل أن يَستَعمِل أكمَلَه وأبلَغَه. واستَدَلَّ على ذلك باختلاف النَّقل عن الصحابة، فذكر ما
نُقِلَ عن عليّ، وهو حديث موقوف طويل أخرجه سعيد بن منصور(١) والطََّريّ(٢) والطبرانيّ(٣)
وابن فارس، وأوَّله: اللهمَّ داحي المدحُوّات، إلى أن قال: اجعَل شَرائف صَلَواتك ونَواميَ
بَرَكاتك ورأفةً تحتُِّك(٤) على محمَّد عبدك ورسولك، الحديث.
وعن ابن مسعود بلفظ: اللهمَّ اجعَل صَلَواتك وبَرَكاتك ورحمتك على سَيِّد المرسَلينَ
إمام المتَّقينَ وخاتم النبّينَ محمَّد عبدك ورسولك، الحديث أخرجه ابن ماجَهْ (٩٠٦)
والطّريّ(٥).
وادَّعَى ابن القَيِّمِ: أنَّ أكثر الأحاديث بل كلّها مُصرِّحة بذِكْر محمَّد وآلٍ محمَّد، ویِذِكْر
آلِ إبراهيم فقط، أو بذكرٍ إبراهيم فقط. قال: ولم يجئ في حديث صحيح بلفظ: إبراهيم
(١) ومن طريقه أخرجه أبو نعيم في ((الرواة عن سعيد بن منصور)) (١٤).
(٢) في ((تهذيب الآثار)) (٣٥٢).
(٣) وهو في ((المعجم الأوسط)) له (٩٠٨٩).
(٤) تصحف في (س) إلى: تحيتك.
(٥) في ((تهذيب الآثار)) (٣٥٣).

٣٤٣
باب ٣٢ / ح ٦٣٥٨
كتاب الدعوات
وآلٍ إبراهيم معاً، وإنَّما أخرجه البيهقيّ (٣٧٩/٢) من طريق يحيى بن السَّاق عن رجل من
بني الحارث عن ابن مسعود، ويحيى مجهول وشيخه مُبهَم فهو سند ضعيف. وأخرجه ابن
ماجَة (٩٠٦) من وجه آخر قويّ، لكنَّه موقوف على ابن مسعود. وأخرجه النَّسائيّ (١٢٩١)
والدّارَ قُطنيّ(١) من حديث طلحة.
قلت: وغَفَلَ عَّا وَقَعَ في ((صحيح البخاريّ)) كما تقدَّم في أحاديث الأنبياء (٣٣٧٠) في ١٥٩/١١
ترجمة إبراهيم عليه السلام من طريق عبد الله بن عيسى بن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى عن
عبد الرَّحمن بن أبي ليلى بلفظ: ((كما صَلَّيتَ على إبراهيم وعلى آلِ إبراهيم، إنَّك حَميد عَجَيد))
و کذا في قوله: ((كما باركت)).
وكذا وَقَعَ في حديث أبي مسعود البدريّ من رواية محمَّد بن إسحاق عن محمَّد بن إبراهيم
عن محمَّد بن عبد الله بن زيد عنه، أخرجه الطََّريّ (٣٤٣).
بَل أخرجه الطََّريّ (٣٣٢) أيضاً في رواية الحَكَم عن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى، أخرجه
من طريق عَمْرو بن قيس عن الحَكَم بن عُتَية، فذكره بلفظ: ((على محمَّد وآلٍ محمَّد، إنَّك
حَميد ◌َجَيد))، ويلفظ: ((على إبراهيم وعلى آلِ إبراهيم، إنَّك حَميد مَجيد)). وأخرجه أيضاً (٣٣٨)
من طريق الأجلَح عن الحگم مِثله سواء.
وأخرج أيضاً من طريق حَنظَلة بن عليّ عن أبي هريرة ما سأذكره.
وأخرجه أبو العبّاس السَّاج من طريق داود بن قيس عن نُعَيم المُجمِر عن أبي هريرة:
أنَّهم قالوا: يا رسول الله، كيف نُصلّي عليك؟ قال: ((قولوا: اللهمَّ صَلِّ على محمَّد وعلى آلٍ
محمَّد، وبارك على محمَّد وعلى آلٍ محمَّد، كما صَلَّيت وبارَكت على إبراهيم وآلِ إبراهيم(٣)،
إنَّك حميد مجيد)).
(١) في («السنن)) (١٣٣٩) ولكن من حديث أبي مسعود الأنصاري.
(٢) قدَّم الحافظ أنَّ أبا العباس السّرّاج زاد في روايته: ((في العالمين))، وكذا زادها سَمّويه (٨٣)، وأخرجه من
هذه الطريق بدونها كما هنا الطبريُّ في ((تهذيب الآثار)) (٣٤٧).

٣٤٤
باب ٣٢ / ح ٦٣٥٨
فتح الباري بشرح البخاري
ومن حديث بُرَيدة رَفَعَه (١): ((اللهمَّ اجعَل صَلَواتك ورحمتك وبَرَكاتك على محمَّد وعلى آلٍ
محمَّد، كما جَعَلتَها على إبراهيم وعلى آلِ إبراهيم))، وأصله عند أحمد (٢٢٩٨٨).
ووَقَعَ في حديث ابن مسعود المشار إليه (٢) زيادة أُخرى، وهي: ((وارحَم محمَّداً وآلَ
محمَّد، كما صَلَّيت وبارَكتَ وتَرَجَّت على إبراهيم)) الحديث. وأخرجه الحاكم في ((صحيحه))
من حديث ابن مسعود، فاغتَرَّ بتصحيحه قومٌ فوهموا، فإنَّه من رواية يحيى بن السَّبّاق وهو
مجهول، عن رجل مُبهم.
نعم، أخرج ابن ماجَهْ (٩٠٦) ذلك عن ابن مسعود من قوله، قال: قولوا: اللهمَّ اجعَل
صَلَواتك ورحمتك وبَرَكاتك على محمَّد عبدك ورسولك، الحديث.
وبالَغَ ابن العربيّ في إنكار ذلك، فقال: حَذار ممّاً ذكره ابن أبي زيد من زيادة: ((وتَرَخَّم))،
فإنَّه قريب من البِدْعة، لأنَّه وَّهِ عَلَّمَهم كيفيَّة الصلاة عليه بالوحي، ففي الزّيادة على ذلك
استدراك عليه، انتهى.
وابن أبي زيد ذكر ذلك في صِفَة التَّشَهُّد في ((الرّسالة)) لمَّا ذكر ما يُستَحَبّ في التَّشَهُّد،
ومِنه: ((اللهمَّ صَلِّ على محمَّد وآل محمَّد)» فزاد: وتَرَخَّم على محمَّد وآل محمَّد، وبارك على
محمَّد وآل محمَّد ... إلى آخره، فإن كان إنكاره لِكَونِه لم يَصِحّ فمُسَلَّمٌ، وإلّا فدَعوی مَن
ادَّعَى أَنَّه لا يقال: ارحَم محمَّداً، مردودةٌ، لِثُبُوتِ ذلك في عِدّة أحاديث أصحّها في التَّشَهُد:
((السَّلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبَرَ كاته)).
ثمَّ وجَدت لابنِ أبي زيد مُستَنَداً، فأخرج الطَّبَريّ في (تهذيبه)) (٣٤٨)(٣) من طريق
حَنظَلة بن عليّ عن أبي هريرة رَفَعَه: ((مَن قال: اللهمَّ صَلِّ على محمَّد وعلى آل محمَّد، كما
صَلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمّد وعلى آل محمَّد، كما بارَكتَ على
(١) وهو أيضاً عند الطبري في (تهذيب الآثار)) في الجزء الذي حققّه علي رضا (٣٥٠).
(٢) يعني الذي عند البيهقي ٣٧٩/٢ يرويه عن الحاكم، وهو في ((مستدركه)) ٢٦٩/١.
(٣) ذهل الحافظ رحمه الله هنا عن وجود هذا الحديث في ((الأدب المفرد)) للبخاري (٦٤١)، ثم اطلّع عليه فخرَّجه
منه في «نتائج الأفكار)) ٣٨/٤.

٣٤٥
باب ٣٢ / ح ٦٣٥٨
كتاب الدعوات
إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وتَرَخَّم على محمَّد وعلى آل محمَّد، كما تَرَجَّمَت على إبراهيم وعلى
آل إبراهيم، شَهِدتُ له يوم القيامة وشَفَعتُ له)» ورجال سندِه رجال الصَّحیح، إلّا سعید
ابن سليمان(١) مولى سعيد بن العاص الراوي له عن حَنظَلة بن عليّ فإنَّه مجهول.
تنبيه: هذا كلّه فيما يقال مضموماً إلى السَّلام أو الصلاة، وقد وافَقَ ابنَ العربيّ الصَّيدَلانيُّ
من الشافعيَّة على المنع، وقال أبو القاسم الأنصاريّ شارح ((الإرشاد)): يجوز ذلك مضافاً إلى
الصلاة ولا يجوز مُفرَداً، ونَقَلَ عياض عن الجمهور الجوازَ مُطلَقاً.
وقال القُرطُبيّ في ((المفهِم)): إنَّه الصَّحيح لُِرودِ الأحاديث به، وخَالَفَه غيره: ففي
((الذَّخيرة)) من كتب الحنفيّة عن محمَّد: يُكرَه ذلك لإِيهامه النَّقْصَ، لأنَّ الرّحمة غالباً إنَّما
تکون عن فعل ما يُلام علیه.
وجَزَمَ ابن عبد البَرِّ بمَنعِه، فقال: لا يجوز لأحدٍ إذا ذُكِرَ النبيّ وَّل أن يقول: رَحِمَه الله،
لأنَّه قال: ((مَن صَلَّى عليَّ)، ولم يَقُل: مَن تَرَخَّمَ عليَّ، ولا مَن دَعَالي، وإن كان معنى الصلاة
الرَّحمة، ولكنَّه خصَّ هذا اللَّفظ تعظيماً له فلا يُعدَل عنه إلى غيره، ويُؤيِّده قوله/ تعالى: ﴿لَّا ١٦٠/١١
تَجْعَلُواْ دُعاء الرّسُولِ بَيْنَكُمْ گَدُعَآءِ بَعْضِگُم بَعْضًا﴾ [النور:٦٣]. انتهى، وهو بحث حسن
لكن في التَّعليل الأوَّل نظر، والمعتمَد الثّاني، والله أعلم.
قوله: ((وعلى آل محمَّد)) قيل: أصل ((آل)): أهل، قُلِبَتِ الهاء همزة ثمَّ سُهِّلَت، ولهذا إذا
صُغِّرَ رُدَّ إلى الأصل، فقالوا: أُهَيل، وقيل: بل أصله أَوَلِّ، من آلَ: إذا رَجَعَ، سُمّيَ بذلك
مَن يَؤول إلى الشَّخص ويُضاف إليه، ويُقوِّيه أنَّه لا يُضاف إلّا إلى مُعَظَّم، فيقال: آل
القاضي، ولا يقال: آل الحجّام، بخِلَاف أهل، ولا يُضاف ((آل)) أيضاً غالباً إلى غير العاقل ولا
إلى المضمَر عند الأكثر، وجَوَّزَه بعضهم بقِّةٍ، وقد ثَبَتَ في شِعر عبد المطَّلِب في قوله في قصَّة
أصحاب الفيل من أبيات:
(١) هذا سبق قلم من الحافظ رحمه الله تعالى، لأنَّ والد سعید هذا هو عبد الرحمن، ولیس سلیمان، لكن لما كان
الراوي عنه إسحاق بن سلیمان، سبق قلم الحافظ فقال: سعید بن سلیمان.

٣٤٦
باب ٣٢ / ح ٦٣٥٨
فتح الباري بشرح البخاري
وانصُرْ على آلِ الصَّلِيــبٍ وعابِدِيهِ اليومَ آلَكْ
وقد يُطلَق آل فلان على نفسه، وعليه وعلى مَن يُضاف إليه جميعاً، وضابِطه أنَّه إذا قيل:
فعل آل فلان كذا، دَخَلَ هو فيهم إلّا بقَرِينةٍ، ومن شواهده: قوله وَّ للحسنِ بن عليّ: ((إنّا
آل محمَّد لا تَحِلّ لنا الصَّدَقة)»(١)، وإن ذُكِرا معاً فلا، وهو كالفقير والمِسْکین، وكذا الإيمان
والإسلام، والفُسوق والعِصيان.
ولمَّا اختَلَفَت ألفاظ الحديث في الإتيان بهما معاً وفي إفراد أحدهما، كان أَولى المحامل
أن يُحمَل على أنَّه ◌َّهِ قال ذلك كلّه، ويكون بعض الرُّواة حَفِظَ ما لم يحفظ الآخَرُ، وأمَّا
التعدُّد فبعيد، لأنَّ غالب الطُّرق تُصَرِّح بأنَّه وَقَعَ جواباً عن قولهم: كيف نُصلّي عليك؟
ويحتمل أن يكون بعض مَن اقتَصَرَ على ((آل إبراهيم)» بدون ذِكْر إبراهيم رواه بالمعنى، بناء
على دخول إبراهيم في قوله: ((آل إبراهيم» كما تقدَّمَ.
واختُلِفَ في المراد بآلِ محمَّد في هذا الحديث، فالرَّاجح أنَّهم مَن حُرِّمَت عليهم
الصَّدَقة، وقد تقدَّم بيان الاختلاف في ذلك واضحاً في كتاب الزكاة، وهذا نَصَّ عليه
الشافعيّ واختارَه الجمهور، ويُؤيِّدِه قول النبيّ ◌َّه للحسنِ بن عليّ: ((إِنّا آَلَ محمَّد لا تَحِلّ
لنا الصَّدَقة))، وقد تقدَّم في البيوع (٢) من حديث أبي هريرة، ولمسلم (١٦٨/١٠٧٢) من
حديث عبد المطَّلِب بن رَبيعة في أثناء حديث مرفوع: ((إنَّ هذه الصَّدَقة إنَّما هي أوساخ
الناس، وإنَّها لا تَحِلّ لمحمَّدٍ ولا لآلِ محمَّد».
وقال أحمد: المراد بآلٍ محمَّد في حديث التَّشَهُّد: أهل بيته. وعلى هذا فهل يجوز أن يقال:
أهل عوض آل؟ روايتان عندهم.
وقيل: المراد بآلٍ محمَّد: أزواجه وذُرّيَّته، لأنَّ أكثر طرق هذا الحديث جاء بلفظ: ((وآل
محمَّد))، وجاء في حديث أبي حُميدٍ موضعَه: ((وأزواجه وذُرّيَّته))، فدَلَّ على أنَّ المراد بالآلِ:
الأزواج والذُّرّيّة.
(١) أخرجه بهذا اللفظ أحمد (١٧٢٥)، وقد سلف برقم (١٤٨٥) في كتاب الزكاة بنحو هذا اللفظ.
(٢) بل في الزكاة (١٤٨٥).

٣٤٧
باب ٣٢ / ح ٦٣٥٨
كتاب الدعوات
وتُعقّبَ بأَنَّه ثَبَتَ الجمع بين الثلاثة كما في حديث أبي هريرة، فيُحمَل على أنَّ بعض
الرُّواة حَفِظَ ما لم يحفظ غيره، فالمراد بالآلِ في التَّشَهُّد: الأزواج ومن حُرِّمَت عليهم الصَّدَقة،
ويَدْخُل فيهم الذُّرَّّة، فِذلك يُجمَع بين الأحاديث.
وقد أُطلقَ على أزواجه ◌َّ أَلُّ محمَّد في حديث عائشة: ما شَبعَ آل محمَّد من خُبِزِ مأدومِ
ثلاثاً، وقد تقدَّم (٥٣٧٤)، ويأتي في الرِّقاق (٦٤٥٤)، وفيه (٦٤٦٠) أيضاً من حديث أبي
هريرة: ((اللهمَّ اجعَل رِزق آل محمَّد قوتاً). وكأنَّ الأزواج أُفرِدوا بالذِّكرِ تنويهاً بهم، وكذا
الذُّرِّيَّة.
وقيل: المراد بالآلِ: ذُرِّيَّة فاطمة خاصّة، حكاه النَّوويّ في ((شرح المهذَّب)). وقيل: هم
جميع قُرَيش، حكاه ابن الرِّفعة في ((الكِفاية)).
وقيل: المراد بالآلِ: جميع الأَمّة، أمّةِ الإجابة، وقال ابن العربيّ: مال إلى ذلك مالك،
واختارَه الأزهَريّ، وحكاه أبو الطيِّب الطََّرَيُّ عن بعض الشافعيَّة، ورَجَّحَه النَّوويّ في ((شرح
مسلم)). وقَيَّدَه القاضي حُسَين والرَّاغِب بالأنقياءِ منهم، وعليه يُحمَل كلام مَن أطلقَ، ويُؤْيِّده
قوله تعالى: ﴿إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ، إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤]، وقوله ◌َّ: ((إنَّ أوليائي منكم المَّقُونَ))(١)،
وفي (نَوادِر أبي العيناء)): أَنَّ غَضّ من بعض الهاشميّينَ، فقال له: أتغُضُّ منِّي وأنتَ تُصَلّي
عليَّ في كلّ صلاة في قولك: اللهمَّ صَلِّ على محمَّد وعلى آل محمّد؟ فقال: إنّي أُريدُ الطيِِّين
الطاهرينَ، ولستَ منهم.
ويُمكِن أن يُحمَل كلام مَن أطلقَ على أنَّ المراد بالصلاة الرَّحمة المطلَقة، فلا تحتاج إلى
تقييد، وقد استُدِلّ/ لهم بحديثٍ أنس رَفَعَه: ((آل محمَّد كلّ تَقيّ)) أخرجه الطبرانيُّ(٢)، ولكن ١٦١/١١
سنده واهٍ جدّاً.
وأخرج البيهقيُّ (٢/ ٨٢) عن جابرٍ نحوه من قوله بسندٍ ضعيف.
(١) أخرجه أبو داود (٤٢٤٢) من حديث ابن عمر، والبخاري في ((الأدب المفرد)» (٧٥) من حديث رفاعة
ابن رافع، ومن حديث أبي هريرة (٨٩٧).
(٢) في ((المعجم الأوسط)) (٣٣٣٢)، وفي ((المعجم الصغير)) (٣١٨).

٣٤٨
باب ٣٢ / ح ٦٣٥٨
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((كما صَلَّيت على آل إبراهيم)) اشْتَهَرَ السُّؤال عن مَوقِعِ التَّشبيه، مع أنَّ المقرّر أنَّ
المشَبَّه دونَ المشَبَّه به، والواقع هنا عكسه، لأنَّ محمَّداً ◌َله وحده أفضل من آل إبراهيم ومن
إبراهيم، ولا سيَّما قد أُضيفَ إليه آل محمَّد، وقضيَّة كَونه أفضل أن تكون الصلاة المطلوبة
أفضل من كلّ صلاة حَصَلَت أو تَحصُل لغيره.
وأُجيبَ عن ذلك بأجوبة:
الأوَّل: أنَّه قال ذلك قبل أن يعلم أنَّه أفضل من إبراهيم، وقد أخرج مسلم (٢٣٦٩)
من حديث أنس: أنَّ رجلاً قال للنبيِّ وَله: يا خير البَريَّة، قال: ((ذاكَ إبراهيم)). أشارَ إليه
ابن العربيّ، وأَيَّدَه بأنَّه سألَ لنفسِه التَّسوية مع إبراهيم، وأمَرَ أمَّته أن يسألوا له ذلك، فزادَه الله
تعالى بغير سؤال أنْ فضَّلَه على إبراهيم.
وتُعقّبَ بأنَّه لو كان كذلك لَغَيَّرَ صِفَة الصلاة عليه بعد أن علم أنَّه أفضل.
الثّاني: أنَّه قال ذلك تَواضُعاً وشَرَعَ ذلك لأُمَّتِهِ لَيَكتَسِبوا بذلك الفضيلة.
الثّالث: أنَّ التَّشبيه إنَّما هو الأصلِ الصلاة بأصلِ الصلاة لا للقَدْرِ بالقَدْرِ، فهو كقوله
تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كُمَا أَوْ حَيْنَا إِلَى نُوحِ﴾ [النساء: ١٦٣]، وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ
كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وهو كقولِ القائل: أحسِن إلى ولدك كما
أحسنت إلى فلان، ويريد بذلك أصل الإحسان لا قَدره، ومِنه قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِن كَمَا
أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧]، ورَجَّحَ هذا الجوابَ القُرطُبيّ في ((المفهم)).
الرّابع: أنَّ الكاف للتَّعليلِ كما في قوله: ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾
[البقرة: ١٥١]، وفي قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُوهُ كَمَا هَدَنكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وقال بعضهم:
الكاف على بابها من التَّشبيه ثمَّ عُدِلَ عنه للإعلام بخَصُوصيَّة المطلوب.
الخامس: أنَّ المراد أن يجعله خليلاً كما جَعَلَ إبراهيم، وأن يجعل له لسان صِدْقٍ كما جَعَلَ
لإبراهيم مضافاً إلى ما حَصَلَ له من المحبّة.
ويَرِد عليه ما وَرَدَ على الأوَّل، وقَرَّبَه بعضهم بأنَّه مِثل رجلَينِ يَملِك أحدهما ألفاً ويَملِك

٣٤٩
باب ٣٢ / ح ٦٣٥٨
كتاب الدعوات
الآخر ألفَينٍ، فسألَ صاحبُ الألفَينِ أن يُعطَى ألفاً أُخرى نَظيرَ الذي أُعطيَها الأوَّل، فيصير
المجموع للثّاني أضعاف ما للأوَّلِ.
السادس: أنَّ قوله: ((اللهمَّ صَلِّ على محمَّد)) مقطوع عن التَّشبيه، فيكونُ التَّشبيه مُتعلِّقاً
بقوله: ((وعلى آل محمَّد)).
وتُعقّبَ بأنَّ غير الأنبياء لا يُمكِن أن يُساووا الأنبياء، فكيف تُطلَب لهم صلاة مِثل الصلاة
التي وَقَعَت لإبراهيم والأنبياء من آله؟
ويُمكِن الجواب عن ذلك بأنَّ المطلوب الثَّواب الحاصل لهم، لا جميع الصِّفات التي كانت
سبباً للثَّواب، وقد نَقَلَ العِمرانيّ في ((البيان)) عن الشَّيخ أبي حامد أنَّه نَقَلَ هذا الجواب عن
نَصّ الشافعيّ، واستَبعَدَ ابن القَيِّم صِحّة ذلك عن الشافعيّ، لأنَّه مع فصاحَته ومَعرِفَته
بلسان العرب لا يقول هذا الكلام الذي يَسْتَلِزِم هذا التَّركيب الرَّكيك المعيب من كلام العرب.
كذا قال، وليس التَّركيب المذكور برَكيكٍ، بل التَّقدير: اللهمَّ صَلِّ على محمَّد وصَلِّ على آل
محمَّد كما صَلَّيت ... إلى آخره، فلا يَمتَنِعِ تَعلُّق التَّشبيه بالجملة الثّانية.
السابع: أنَّ الَّشبيه إنَّما هو للمجموع بالمجموع، فإنَّ في الأنبياء من آل إبراهيم كَثْرةً،
فإذا قوِلَت تلكَ الذَّوات الكثيرة من إبراهيم وآل إبراهيم بالصِّفات الكثيرة التي لمحمَّدٍ
أمكَنَ انتفاء التَّفاضُل.
قلت: ويُعكِّر على هذا الجواب أنَّه وَقَعَ في حديث أبي سعيد ثاني حديثَي الباب مُقَابَلة
الاسم فقط بالاسم فقط، ولفظه: ((اللهمَّ صَلِّ على محمَّد كما صَلَّيت على إبراهيم)).
الثّامن: أنَّ التَّشبيه بالنَّظَرِ إلى ما يَحَصُل لمحمَّدٍ وآل محمَّد من صلاة كلّ فرد فرد، فيَحصُل
من مجموع صلاة المصَلّينَ من أوَّل التَّعليم إلى آخر الزَّمان أضعاف ما كان لآلِ إبراهيم،
وعَبَّرَ ابن العربيّ عن هذا بقوله: المراد دوام ذلك واستمراره.
التاسع: أنَّ التَّشبيه راجِع إلى المصَلّي فيما يَحصُل له من الثَّواب، لا بالنِّسبة إلى ما يَحِصُل
للنبيِّ زێ.

٣٥٠
باب ٣٢ / ح ٦٣٥٨
فتح الباري بشرح البخاري
١٦٢/١١
وهذا ضعيف لأنَّه يصير كأنَّه قال: اللهمَّ أعطِني ثواباً على صلاتي على النبيّ ◌َِّ، كما
صَلَّيت على آل إبراهيم، ويُمكِن أن يُجاب بأنَّ المراد مثل ثواب المصَلّي على آل إبراهيم.
العاشر: دفع المقدّمة المذكورة أوَّلاً وهي أنَّ المشَبَّه به يكون أرفع من المشَبَّه، وأنَّ ذلك
ليس مُطَّرِداً، بل قد يكون التَّشبيه بالمثلِ، بل وبالدُّونِ كما في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ،
كَمِشْكَوْقٍ﴾ [النور: ٣٥]، وأين يقع نور المشكاة من نوره تعالى؟ ولكن لمَّا كان المراد من المشَبَّه
به أن يكون شيئاً ظاهراً واضحاً للسامع حَسُنَ تشبيه النّور بالمِشكاة، وكذا هنا لمَّا كان
تعظيم إبراهيم وآل إبراهيم بالصلاة عليهم مشهوراً واضحاً عند جميع الطَّوائف حَسُنَ أن
يُطلَب لمحمَّدٍ وآل محمَّد بالصلاة عليهم، مِثل ما حَصَلَ لإبراهيم وآل إبراهيم، ويُؤيِّد ذلك
خَتم الطَّلَب المذكور بقولِه: ((في العالمينَ)) أي: كما أظهَرْتَ الصلاةَ على إبراهيم وعلى آل
إبراهيم في العالمينَ، ولهذا لم يقع قوله: ((في العالمينَ)) إلّا في ذِكْر آل إبراهيم دونَ ذِكْر آل
محمَّد على ما وَقَعَ في الحديث الذي وَرَدَتْ فیه، وهو حديث أبي مسعود فيما أخرجه مالك
(١٦٥/١ -١٦٦)، ومسلم (٤٠٥) وغيرهما.
وعَبَّرَ الطِّييُّ عن ذلك بقوله: ليس التَّشبيه المذكور من باب إلحاق الناقص بالكاملِ، بل من
باب إلحاق ما لم يَشتَهِر بما اشْتَهَرَ.
وقال الحَلِيمَيّ: سبب هذا التَّشبيه أنَّ الملائكة قالت في بيت إبراهيم: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ
وَبَّكَانُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ، إِنَّهُ، حَمِيدٌ تَجِيدٌ﴾ [هود:٧٣]، وقد عُلمَ أنَّ محمَّداً وآل محمَّد من أهل
بيت إبراهيم، فكأنَّه قال: أجِب دعاء الملائكة الذينَ قالوا ذلك في محمَّد وآل محمَّد، كما أجَبتَها
عندَما قالوها في آل إبراهيم الموجودينَ حينئذٍ، ولذلك خَتَمَ بما خُتِمَت به الآية، وهو قوله:
((إِنَّك حَمید مجيد)).
وقال النَّوويّ بعد أن ذكر بعض هذه الأجوبة: أحسنها ما نُسِبَ إلى الشافعيّ، والتَّشبيه
الأصلِ الصلاة بأصلِ الصلاة، أو للمجموع بالمجموعِ.
وقال ابن القَيِّم بعد أن زَيَّفَ أكثر الأجوبة، إلّا تشبيه المجموع بالمجموع: وأحسن مِنه أن

٣٥١
باب ٣٢ / ح ٦٣٥٨
كتاب الدعوات
يقال: هو رَ﴿ من آل إبراهيم، وقد ثَبَتَ ذلك عن ابن عبّاس في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ
أَصْطَفَتَ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣] قال: محمَّد من آل
إبراهيم. فكأنَّه أمَرَنا أن نُصلَّ على محمَّد وعلى آل محمَّد خُصوصاً بقدرِ ما صَلَّينا عليه مع
إبراهيم وآل إبراهيم عُموماً، فيَحصُل لآلِهِ ما يَلِيق بهم ويَبقَى الباقي كلّه له، وذلك القَدر
أزيَد مَّا لغيره من آل إبراهيم قطعاً، ويظهر حينئذٍ فائدة التَّشبيه، وأنَّ المطلوب له بهذا
اللَّفظ أفضل من المطلوب بغيره من الألفاظ.
ووجدتُ في مُصنَّفَ لشيخِنا مَجَد الدّين الشِّيرازيّ اللُّغَويّ(١) جواباً آخر، نَقَلَه عن
بعض أهل الكَشف، حاصله: أنَّ التَّشبيه لغير اللَّفظ المشَبَّه به لا لِعِينِهِ، وذلك أنَّ المراد
بقولِنا: ((اللهمَّ صَلِّ على محمَّد)): اجعَل مِن أتباعه مَن يَبلُغ النِّهاية في أمر الدّين، كالعلماءِ
بشَرعِه بتقريرهم أمر الشَّريعة ((كما صَلَّيت على إبراهيم)): بأن جَعَلت في أتباعه أنبياء
يُقرِّرونَ الشَّريعة، والمراد بقولِه: ((وعلى آل محمَّد)»: اجعَل من أتباعه ناساً مُحَدَّثينَ - بالفتح -
◌ُبِرونَ بالمغَيَّبات، ((كما صَلَّيت على آل إبراهيم)) بأن جَعَلت فيهم أنبياء يُخْبِرِونَ بالمغَيَِّات،
والمطلوب حصول صفات الأنبياء لآلِ محمَّد، وهم أتباعه في الدّين، كما كانت حاصلة
بسؤال إبراهيم. هذا مُحُصَّل ما ذكره، وهو جيِّد إن سُلِّمَ أنَّ المراد بالصلاة هنا ما ادَّعاه،
والله أعلم.
وفي نحو هذه الدَّعوى جواب آخر: المراد: اللهمَّ استجب دعاء محمَّد في أمَّته كما استَجَبت
دعاء إبراهيم في بنيه، ويُعكِّر على هذا عَطف الآل في الموضعينِ، والله أعلم.
قوله: ((على آل إبراهيم)) هم ذُرِّيَّته من إسماعيل وإسحاق، كما جَزَمَ به جماعة من الشُّرّاح،
وإن ثَبَتَ أنَّ إبراهيم كان له أولاد من غير سارة وهاجَر فهم داخلونَ لا محالة. ثمَّ إِنَّ المراد
المسلمونَ منهم بل المتَّقونَ، فيَدخُل فيهم الأنبياء والصَّدّيقونَ والشُّهَداء والصالحونَ دونَ
مَن عَداهم، وفيه ما تقدَّم في آل محمَّد.
(١) كتابه هو ((الصِّلات والبِشَر في الصلاة على خير البَشَر)) وقد طبع.

٣٥٢
باب ٣٢ / ح ٦٣٥٨
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وبارك)) المراد بالبَرَكة هنا الزّيادة من الخير والكرامة، وقيل: المراد التطهير من
العُيوب والتَّزكية، وقيل: المراد إثبات ذلك واستمراره، من قولهم: بَرَكَتِ الإبلُ، أي: ثَبَتَت
١٦٣/١١ على الأرض،/ وبِه سُمّيَت بِركة الماء، بكسر أوَّله وسكون ثانيه، لإقامة الماء فيها. والحاصل: أنَّ
المطلوب أن يُعطَوا من الخير أوفاهُ، وأن يَثْبُت ذلك ويَستَمِرّ دائماً.
والمراد بالعالمينَ فيما رواه أبو مسعود في حديثه: أصناف الخلق، وفيه أقوال أُخرى: قيل: ما
حَواه بطن الفَلك، وقيل: كلّ مُحُدَث، وقيل: ما فيه روح، وقيل: بقَيدِ العُقَلاء، وقيل: الإنس
والجِنّ فقط.
قوله: ((إنَّك حَميد مَجيد)) أمَّا الحميد: فهو فَعِيل من الحمد، بمعنى محمود، وأبلَغُ مِنه، وهو مَن
حَصَلَ له من صفات الحمد أكمَلُها، وقيل: هو بمعنى الحامد، أي: يَحمَد أفعال عبادِهِ.
وأمَّا المجيد: فهو من المجد، وهو صِفَةُ مَن كَمَلَ في الشَّرَف، وهو مُستَلِزِم للعَظَمة والجلال،
كما أنَّ الحمد يدلّ على صِفَة الإكرام.
ومُناسَبة خَتم هذا الدُّعاء بهذَينِ الاسمَينِ العظيمَينِ أنَّ المطلوب تكريم الله لِنبِّهِ، وثَنَاؤُه
عليه والتَّنويه به وزيادة تقريبه، وذلك ممّا يَستَلِزِم طلبَ الحمد والمجد، ففي ذلك إشارة إلى
أَّهما كالتَّعليلِ للمطلوب، أو هو كالتَّذييلِ له، والمعنى أنَّك فاعلٌ ما تَسْتَوجِب به الحمد من النِّعَم
المترادِفة، کریمٌ بگثرة الإحسان إلی جمیع عبادك.
واستُدِلَّ بهذا الحديث على إيجاب الصلاة على النبيّ وََّ في كلّ صلاة، لما وَقَعَ في هذا
الحديث من الزّيادة في بعض الطّرق عن أبي مسعود، وهو ما أخرجه أصحاب السُّنَن
وصَحَّحَه التِّرمِذيّ وابن خُزَيمة والحاكم، كلّهم من طريق محمَّد بن إسحاق عن محمَّد بن
إبراهيم الشَّيْميِّ عن محمَّد بن عبد الله بن زيد عنه، بلفظ: فكيف نُصلّي عليك إذا نحنُ
صَلَّينا عليك في صلاتنا؟(١) وقد أشرت إلى شيء من ذلك في تفسير سورة الأحزاب (٤٧٩٧).
(١) أخرجه أبوداود (٩٨١)، وابن خزيمة (٧١١)، وابن حبان (١٩٥٩)، والحاكم ٢٦٨/١، ولم يَرِدْ من هذه
الطريق عند أصحاب السنن غير أبي داود. ولم يسق أبو داود لفظَه.

٣٥٣
باب ٣٢ / ح ٦٣٥٨
كتاب الدعوات
وقال الدّارَ قُطنيّ (١٣٣٩): إسناده حسن مُتَّصِل. وقال البيهقيّ: إسناد حسن صحيح(١).
وتعقّبَه ابن التُّرگُمانيّ: بأنَّه قال في «باب تحریم قتل ما له روح)) بعد ذِكْر حدیث فيه ابن إسحاق:
الْحُفّاظ يَتَوقَّونَ ما یَنْفَرِد به.
قلت: وهو اعتراض مُتَّجِه، لأنَّ هذه الزّيادة تفرَّد بها ابن إسحاق، لكن ما يَنفَرِد به
وإن لم يَبلُغ درجة الصَّحيح فهو في درجة الحسن إذا صَرَّحَ بالتَّحديثِ، وهو هنا كذلك،
وإنَّما يُصَحِّحُ له مَن لا يُفرِّقُ بين الصَّحيح والحسن، ويجعل كلّ ما يَصلُحُ للحُجّة صحيحاً،
وهذه طريقة ابن حِبّان ومَن ذُكِرَ معه.
وقد احتَجَّ بهذه الزّيادة جماعة من الشافعيَّة كابنٍ خُزيمة والبيهقيّ لإيجابِ الصلاة على
النبيّ ◌َّهِ فِي التَّشَهُّد، بعد التَّشَهُّد وقبل السَّلام.
وتُعقّبَ بأَنَّه لا دلالة فيه على ذلك، بل إنَّما يفيد إيجاب الإتيان بهذه الألفاظ على مَن صَلَّى
على النبيّ وَّه في التَّشَهُد، وعلى تقدير أن يدلّ على إيجاب أصل الصلاة فلا يدلّ على هذا المحلّ
المخصوص، ولكن قَرَّبَ البيهقيّ ذلك بما تقدَّم أنَّ الآية لمَّا نزلت وكان النبيّ نَّه قد عَلَّمَهم
كيفيَّة السَّلام عليه في التَّشَهُّد، والتَّشَهُّد داخل الصلاة، فسألوا عن كيفيَّة الصلاة فعَلَّمَهم،
فدَلَّ على أنَّ المراد بذلك إيقاع الصلاة عليه في التَّشَهُّد بعد الفراغ من التَّشَهُّد الذي تقدَّم تعليمه
لهم، وأمَّا احتمال أن يكون ذلك خارج الصلاة فهو بعيدٌ، كما قال عياض وغيره.
وقال ابن دقيق العيد: ليس فيه تَنصيص على أنَّ الأمر به مخصوص بالصلاة، وقد کَثُرَ
الاستدلال به على وجوب الصلاة، وقَرَّرَ بعضهم الاستدلال بأنَّ الصلاة عليه واجبة بالإجماع،
وليستِ الصلاة عليه خارج الصلاة واجبة بالإجماع، فتَعيَّنَ أن تجبَ في الصلاة. قال: وهذا
ضعيف، لأنَّ قوله: لا تجب في غير الصلاة بالإجماع، إن أراد به عيناً فهو صحيح، لكن لا يفيد
المطلوب، لأنَّه يفيد أن تجب في أحد الموضعينِ لا بعينِه.
(١) لم نقف على قول البيهقي هذا في ((سننه الكبير))، والظاهر أنَّ ذكره وهمٌّ، لأنَّ ابن التركماني لما تعقّبه في
((الجوهر النقي)) ٢ / ١٤٦، تعقّبه في إيراده حكم الحاكم والدار قطني وسكوته عن ذلك، ولم يذكر للبيهقي
حُكماً، فالله تعالى أعلم.

٣٥٤
باب ٣٢ / ح ٦٣٥٨
فتح الباري بشرح البخاري
وزَعَمَ القَرافيُّ في ((الذَّخيرة)): أنَّ الشافعيّ هو المستَدِلّ بذلك، ورَدَّه بنحوِ ما رَدَّ به ابن
دقيق العيد، ولم يُصِب في نسبة ذلك للشّافعيّ، والذي قاله الشافعيّ في ((الأُمّ)) (١٤٠/١):
فَرَضَ الله الصلاة على رسوله بقولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَئِ كَتَهُ، يُصَلُونَ عَلَى النَّبِيِّ بَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، فلم يكن فرض الصلاة عليه في موضع
أَولِى مِنه في الصلاة، ووجَدنا الدّلالة عن النبيّ وَله بذلك: أخبرنا إبراهيم بن محمَّد حدَّثني
١٦٤/١١ صفوان بن سُلَيم عن أبي سَلَمة بن عبد الرَّحمن عن/ أبي هريرة، أنَّه قال: يا رسول الله، کیف
نُصلّي عليك - يعني في الصلاة -؟ قال: ((تقولون: اللهمَّ صَلِّ على محمَّد وعلى آلٍ محمَّد، كما
صَلَّيت على إبراهيم)) الحديث، أخبرنا إبراهيم بن محمَّد حدَّثني سعد بن إسحاق بن كعب
ابن عُجْرة عن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عُجرة عن النبيّ وَّ: أنَّه كان يقول في
الصلاة: ((اللهمَّ صَلِّ على محمَّد وآلٍ محمَّد، كما صَلَّيت على إبراهيم وآلِ إبراهيم)) الحديث.
قال الشافعيّ: فلمَّا رويَ أنَّ النبيَّ ◌َّيِ كان يُعلِّمُهم التَّشَهُّد في الصلاة، ورُويَ عنه أنَّه
عَلَّمَهم كيف يُصَلّونَ عليه في الصلاة، لم يجز أن نقول: التَّشَهُّد في الصلاة واجب، والصلاة
عليه فيه غير واجبة.
وقد تَعقَّبَ بعضُ المخالفينَ هذا الاستدلال من أوجُهِ:
أحدها: ضعف إبراهيم بن أبي يحيى، والكلام فيه مشهور.
الثّاني: على تقدير صِخَّتِهِ، فقوله في الأوَّل: يعني في الصلاة، لم يُصرَّح بالقائلِ: يعني.
الثّالث: قوله في الثّاني: إنَّه كان يقول في الصلاة، وإن كان ظاهره أنَّ المراد الصلاة
المكتوبة، لكنَّه يحتمل أن يكون المراد بقوله: في الصلاة، أي: في صِفَة الصلاة عليه. وهو
احتمال قويّ، لأنَّ أكثر الطُّرق عن كعب بن عُجرة كما تقدَّم تَدُلّ على أنَّ السُّؤال وَقَعَ عن
صِفَة الصلاة، لا عن محلِّها.
الرَّابع: ليس في الحديث ما يدلّ على تَعيُّنِ ذلك في التَّشَهُّد، خُصوصاً بينه وبين السَّلام
من الصلاة.

٣٥٥
باب ٣٢ / ح ٦٣٥٨
كتاب الدعوات
وقد أطنَبَ قوم في نِسبة الشافعيّ في ذلك إلى الشُّذوذ، منهم أبو جعفر الطَّبَريّ
وأبو جعفر الطَّحاويُّ وأبو بكر بن المنذِر والخطَّابِيّ، وأورَدَ عياض في ((الشِّفاء)) مقالاتهم،
وعابَ عليه ذلك غير واحد، لأنَّ موضع كتابه يقتضي تَصويب ما ذهب إليه الشافعيّ، لأنّه من
◌ُملة تعظيم المصطَفَى، وقد استَحسَنَ هو القول بطهارة فضَلاته مع أنَّ الأكثر على خِلَافه، لكنَّه
استَجادَه لما فيه من الزّيادة في تعظيمه.
وانتَصَرَ جماعة للشّافعيِّ فذَكَروا أدلّة نَقليَّة ونَظَريَّة، ودَفَعوا دَعوى الشُّذوذ، فَتَقَلوا
القول بالوجوبِ عن جماعة من الصحابة والتابعينَ ومَن بعدهم، وأصحّ ما وَرَدَ في ذلك
عن الصحابة والتابعينَ ما أخرجه الحاكم (٢٦٨/١) بسندٍ قويٌّ عن ابن مسعود قال:
يَتَشَهَّد الرجل، ثمَّ يُصَلّي على النبيّ، ثمَّ يَدعُو لنفسِه. وهذا أقوى شيء يُحْتَجُّ به للشّافعيّ،
فإنَّ ابن مسعود ذكر أنَّ النبيَّ ◌َِّ عَلَّمَهم التَّشَهُّد في الصلاة (٨٣٥)، وأنَّه قال: ((ثمَّ لَيَتَخَيَّر
من الدُّعاء ما شاءَ))، فلمَّا ثَبَتَ عن ابن مسعود الأمر بالصلاة عليه قبل الدُّعاء، دَلَّ على أنَّه
الطَّلَعَ على زيادة ذلك بين التَّشَهُّد والدُّعاء.
واندَفَعَت حُجّة مَن تَسَّكَ بحدیثِ ابن مسعود في دفع ما ذهب إليه الشافعيّ، مِثل ما ذكر
عياض قال: وهذا تَشهُّدُ ابن مسعود الذي عَلَّمَه له النبيّ ◌َلِّ ليس فيه ذِكرُ الصلاة عليه.
وكذا قول الخطَّابيِّ: إنَّ في آخِرِ حديث ابن مسعود: إذا قلت هذا فقد قَضَيت صلاتك.
لكن رُدَّ عليه بأنَّ هذه الزيادة مُدرَجة، وعلى تقدير ثُبُوتها فتُحمَلُ على أنَّ مشروعيَّة الصلاة
عليه ورَدَت بعد تعليم التَّشَهُّد.
ويَتَقَوَّى ذلك بما أخرجه التِّرمِذيّ (٤٨٦) عن عمرَ موقوفاً: الدُّعاء موقوف بين السماء
والأرض، لا يَصعَد مِنْه شيء حتَّى يُصَلّى على النبيّ ◌َِّهِ. قال ابن العربيّ: ومثلُ هذا لا يقال
من قِبَلِ الرَّأي فيكون له حُكم الرَّفع. انتهى، وورَدَ له شاهد مرفوع في ((جُزء الحسن بن
عَرَفة))(١).
(١) رواه من حديث علي بن أبي طالب، وساقه الحافظ بإسناده في ((نتائج الأفكار)) ٤٧/٤-٤٨ وضعَّفه.

٣٥٦
باب ٣٢ / ح ٦٣٥٨
فتح الباري بشرح البخاري
وأخرج المَعمَري(١) في ((عَمَل يوم وليلة)) عن ابن عمر بسندٍ جيِّد (٢) قال: لا تكون صلاة
إلّا بقراءةٍ وتَشَهُّدٍ وصلاة عليّ.
وأخرجَ البيهقيّ في ((الخِلَافيّات)) بسندٍ قويٌّ عن الشَّعبيّ - وهو من كِبار التابِعِينَ - قال: مَن
لم يُصَلِّ على النبيّ ◌َّه فِي التَّشَهُّد فليُعِد صلاتَه.
وأخرج الطَّبَريّ بسندٍ صحيح عن مُطَرِّف بن عبد الله بن الشِّخّير - وهو من كِبار
التابِعِينَ - قال: كنَّا نُعلَّم التَّشَهُّد، فإذا قال: وأشهَد أنَّ محمَّداً عبده ورسوله ◌َحمَد رَبّه ويُثني
عليه، ثمَّ يُصَلّي على النبيّ ◌َ﴾، ثمَّ يسأل حاجته.
وأمَّا فقهاء الأمصار فلم يَتَّفِقوا على مُالَفة الشافعيّ في ذلك، بل جاء عن أحمد روايتان،
وعن إسحاق الجزم به في العَمْد، فقال: إذا تَرَكَها يُعيد، والخِلاف أيضاً عند المالكيَّة ذكرها
١٦٥/١١ ابن الحاجب في سُنَن الصلاة، ثمّ قال: على الصَّحيح، فقال شارحه ابن عبد السَّلام: / يريد أنَّ في
وجوبها قولَين، وهو ظاهر كلام ابن الموّاز منهم.
وأمَّا الحنفيَّة فألزَمَ بعضُ شيوخنا مَن قال بوجوبِ الصلاة عليه، كلما ذُكر كالطَّحاويِّ،
(١) تحرَّف في (ع) و(س) إلى: العمري. وإنما هو الحسن بن علي المعمري، له ترجمة في ((سير أعلام النبلاء))
٥١٠/١٣.
(٢) كذا جوَّد الحافظ رحمه الله إسناده، وفيه نظر، لأنه من رواية جعفر بن برقان عن عقبة بن نافع عن ابن
عمر، كما أفصح عنه ابن القيم في ((جلاء الأفهام)) ص١٨٤، وفي سماع جعفر بن برقان من عقبة بن نافع
نظر، كما جاء في مصادر ترجمة عقبة بن نافع كالتاريخ الكبير للبخاري ٤٣٤/٦، و((الجرح والتعديل)
لابن أبي حاتم ٣١٧/٦، و((الثقات)) لابن حبان ٢٢٧/٥ أن روايته عنه بواسطة راشد الأزرق، وهو
مجهول. ويؤيده أنَّ ابن أبي شيبة قد روى في ((مصنفه)) ١٥ / ١٨٦ أثراً عن ابن عمر، قال فيه: عن الفضل
ابن دكين عن جعفر بن برقان عن راشد الأزرق عن عقبة بن نافع عن ابن عمر. ثم إنَّ قوله هنا:
((وصلاة علىَّ)) خطأ من الحافظ أو من بعض النساخ، وهو يوهم رفع الحديث، وإنما صواب الرواية، كما
في ((جلاء الأفهام)) ص ١٨٤، و((الصِّلات والبِشَر)) للفيروز آبادي ص ١١٥: وصلاة على النبي ◌َِّ، على
أنَّ في ذكر الصلاة على النبي في هذه الرواية نظراً أيضاً، لأنه رواها ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ٥١٨/٢
كإسناد المعمري، لكن قال فيها: ليس من صلاة إلّا وفيها قراءة وجلوس في الركعتين وتشهد وتسلیم،
فإن لم تفعل ذلك سجدت سجدتين بعدما تسلّم وأنت جالس.

٣٥٧
باب ٣٢ / ح ٦٣٥٨
كتاب الدعوات
ونَقَلَه السَّروجيُّ في ((شرح الهداية)) عن أصحاب ((المحيط)) و(العقد)) و((التُّحفة)) و((المغيث))
من كُتُبِهِمٍ: أن يقولوا بوجوبها في التَّشَهُّد لِتَقَدُّمِ ذِكْره في آخِرِ التَّشَهُّد، لكن لهم أن يَلَزِموا
ذلك، لكن لا يجعلونَه شرطاً في صِحّة الصلاة.
وروى الطَّحاويُّ: أنَّ حَرمَلة انفَرَدَ عن الشافعيّ بإيجابٍ ذلك بعد التَّشَهُّد وقبل سَلام
التَّحَلُّل. قال: لكنَّ أصحابه قبلوا ذلك وانتصروا له وناظروا علیه، انتهى.
واستَدَلَّ له ابن خُزَيمة ومَن تَبِعَه بما أخرجه أبو داود (١٤٨١) والنَّسائيُّ (١٢٨٤) والتِّرمِذيّ
(٣٤٧٧) وصَحَّحَه، وكذا ابن خُزيمة (٧١٠) وابن حِبّان (١٩٦٠) والحاكم (٢٣٠/١) من
حديث فَضالة بن عُبيد قال: سمعَ النبيّ ◌َّهرجلاً يَدعُو في صلاته لم يَحمَد الله ولم يُصَلِّ على
النبيّ ◌َِّ، فقال: ((عَجِلَ هذا»، ثمَّ دَعاه فقال: ((إذا صَلَّى أحدكم، فليَبدَأ بتَحميدِ رَبِّه والشَّنَاء
عليه، ثمَّ يُصَلِّ على النبيّ وَّةِ، ثُمَّ يَدعُو بما شاءَ)). وهذا مما يدلّ على أنَّ قول ابن مسعود
المذكور قريباً مرفوع فإنَّه بلفظه.
وقد طَعَنَ ابن عبد البَرِّ في الاستدلال بحديثٍ فضالة للوجوبِ، فقال: لو كان كذلك
لَأَمَرَ المُصَلّيَ بالإعادة كما أمَرَ المسيء صلاته (١)، وكذا أشارَ إليه ابن حَزْم.
وأُجيبَ باحتمال أن يكون الوجوب وَقَعَ عند فراغِه، ويكفي التَّمَسُّك بالأمرِ فِي دَعوى
الوجوب.
وقال جماعة منهم الجُرجانيُّ من الحنفيّة: لو كانت فرضاً لَلَزِمَ تأخير البيان عن وقت
الحاجة، لأنَّه عَلَّمَهم التَّشَهُّد، وقال: ((فليتخيّر من الدُّعاء ما شاءَ))، ولم يذكُر الصلاة عليه.
وأُجيبَ باحتمال أن لا تكون فُرِضَت حينئذٍ. وقال شيخنا في ((شرح التُّرمِذيّ)»: قد وَرَدَ
هذا في ((الصَّحيح)) (٨٣٥) بلفظ: ((ثُمَّ لِيَتَخَيَّر))، و(ثمَّ)) للتَّراخي، فدَلَّ على أنَّه كان هناك شيء
بين التَّشَهُّد والدُّعاء.
واستَدَلَّ بعضهم بما ثَبَتَ في ((صحيح مسلم)) (٥٨٨) من حديث أبي هريرة رَفَعَه: ((إذا فَرَغَ
(١) تقدم عند البخاري برقم (٧٥٧).

٣٥٨
باب ٣٢ / ح ٦٣٥٨
فتح الباري بشرح البخاري
أحدكم من التَّشَهُّد الآخِرِ فليَستَعِذ بالله من أربع)) الحديث، وعلى هذا عَوَّلَ ابن حَزْمٍ في
إيجاب هذه الاستعاذة في التَّشَهُّد، وفي كَون الصلاة على النبيّ وَّلَ مُستَحَبّة عَقِب التَّشَهُّد لا
واجبة، وفيه ما فيه، والله أعلم.
وقد انتَصَرَ ابن القَيِّم للشّافعيِّ فقال: أجمعوا على مشروعيَّة الصلاة عليه في التَّشَهُّد، وإنّما
اختَلَفوا في الوجوب والاستحباب، وفي تَسُّكِ مَن لم يوجِبه بعَمَلِ السَّلَف الصالح نظر،
لأنَّ عَمَلهم كان بوِفاقه، إلّا إن كان يريد بالعَمَلِ الاعتقاد، فيحتاج إلى نقل صريح عنهم بأنَّ
ذلك ليس بواجبٍ. قال: وأنَّى يُوجَد ذلك؟
قال: وأمَّا قول عياض: إنَّ الناس شَنَّعوا على الشافعيّ، فلا معنى له، فأيّ شَناعة في
ذلك، لأَنَّه لم يُخالف نَصّاً ولا إجماعاً ولا قياساً ولا مصلحة راجحة؟ بل القول بذلك من محاسن
مذهبه، وأمَّا نَقلُه للإجماع فقد تقدَّم رَدُّه، وأمَّا دَعواه أنَّ الشافعيّ اختارَ تَشَهُّدَ ابن مسعود،
فيدلّ على عَدَم مَعرفَتِهِ باختيارات الشافعيّ، فإنَّه إنَّما اختارَ تَشَهُّدَ ابن عبّاس.
وأمَّا ما احتَجَّ به جماعة من الشافعيّة من الأحاديث المرفوعة الصَّريحة في ذلك، فإنّها
ضعيفة كحديثٍ سَهل بن سعد وعائشة وأبي مسعود وبُرَيدة(١) وغيرهم، وقد استَوعَبَها
البيهقيّ في ((الخِلَافيّات))، ولا بأس بذِكْرِها للتَّقوية لا أنَّهَا تَنْهَض بالحُجّة.
قلت: ولم أرَ عن أحد من الصحابة والتابعينَ التَّصريح بعَدَمِ الوجوب إلّا ما نُقِلَ عن
إبراهيم النَّخَعَيّ، ومع ذلك فلفظ المنقول عنه كما تقدَّم يُشعِرُ بأنَّ غيره كان قائلاً بالوجوبِ،
فإنَّه عَبَّرَ بالإجزاءِ.
قوله في ثاني حديثَي الباب: ((ابن أبي حازِم والدَّراوَزديّ)) اسم كلّ مِنهما عبد العزيز، وابن
أبي حازِم مَّن يَحتَجَ به البخاريّ، والدَّراوَرديّ إنَّما يُخُرِّج له في المتابعات أو مقروناً بآخر،
ويزيد شيخهما: هو ابن عبد الله بن الهاد، وعبد الله بن خَبّاب، بمُعجَمةٍ وموخَّدتَينِ الأولى
ثقيلة.
(١) وقد خرَّجها الحافظ رحمه الله وتكلَّم عليها في ((التلخيص الحبير)) ١/ ٢٦٢ -٢٦٣ فراجعه.

٣٥٩
باب ٣٢ / ح ٦٣٥٨
كتاب الدعوات
قوله: (هذا السَّلام عليك)) أي: عَرَفناه كما وَقَعَ تقريره في الحديث الأوَّل، وتقدَّمَت بَقِيَّة
فوائده في الذي قبله.
واستُدِلَّ بهذا الحديث على تَعيُّن هذا اللَّفظ الذي عَلَّمَه النبيّ ◌َالآ لأصحابه/ في امتثال الأمر، ١٦٦/١١
سواء قلنا بالوجوبِ مُطلَقاً أو مُقيَّداً بالصلاة.
وأمَّا تَعُّنه في الصلاة فعن أحمد في رواية، والأصحّ عند أتباعه: لا تجب، واختُلِفَ في
الأفضل: فعن أحمد: أكمل ما ورَدَ، وعنه: يَتَخَيَّر.
وأمَّا الشافعيَّة فقالوا: يكفي أن يقول: ((اللهمَّ صَلِّ على محمَّد))، واختَلَفوا هل يكفي
الإتيان بما يدلّ على ذلك، كأن يقوله بلفظ الخبر فيقول: صَلَّى الله على محمَّد مثلاً؟ والأصحّ
إجزاؤُه. وذلك أنَّ الدُّعاء بلفظ الخبر آكَد فيكون جائزاً بطريق الأولى. ومَن مَنَعَ وقَفَ
عند التَّعَبُّد، وهو الذي رَجَّحَه ابن العربيّ، بل كلامه يدلّ على أنَّ الثَّواب الوارد لمن صَلَّى على
النبيّ وَّه إِنَّمَا يَحَصُل لمن صَلَّى عليه بالكيفيَّة المذكورة.
واتَّفَقَ أصحابنا على أنَّه لا يُجزِئ أن يَقتَصِر على الخبر، كأن يقول: الصلاة على محمَّد، إذ
ليس فيه إسناد الصلاة إلى الله تعالى.
واختَلَفوا في تَعُّن لفظ محمَّد، لكن جَوَّزوا الاكتِفاء بالوصفِ دونَ الاسم كالنبيِّ
ورسول الله، لأنَّ لفظ محمَّد وَقَعَ التَّعَبُّد به فلا يُجْزِئ عنه إلّا ما كان أعلى مِنه، ولهذا قالوا:
لا يُجْزِئ الإتيان بالضَّمير ولا بأحمد مثلاً في الأصحّ فيهما، مع تَقَدُّم ذِكْره في التَّشَهُّد بقولِه:
النبيّ، ويقولِه: محمَّد.
وذهب الجمهور إلى الاجتزاء بكلِّ لفظ أدَّى المرادَ من الصلاة عليه وَّةِ، حتَّى قال
بعضهم: ولو قال في أثناء التَّشَهُّد: الصلاة والسَّلام عليك أيّها النبيّ، أجزأ، وكذا لو قال:
أشهَد أنَّ محمَّداً ◌َِّ عبده ورسوله. بخِلَاف ما إذا قَدَّمَ عبده ورسوله.
وهذا ينبغي أن يَنبَني على أنَّ ترتيب ألفاظ التَّشَهُد لا يُشتَرَط، وهو الأصحّ،
ولكن دليل مُقابِله قويّ لقولهم: كما يُعلِّمنا السّورة، وقول ابن مسعود: عَدَّهُنَّ في

٣٦٠
باب ٣٢ / ح ٦٣٥٨
فتح الباري بشرح البخاري
يَدَيَّ(١). ورأيت لِبعضِ المتأخِّرينَ فيه تَصنيفاً.
وعُمدة الجمهور في الاكتفاء بما ذُكِرَ أنَّ الوجوب ثَبَتَ بنَصِّ القرآن بقوله تعالى:
﴿َصَلُّو ◌ْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، فلمَّا سألَ الصحابة عن الكيفيَّة وعَلَّمَها لهم النبيّ ◌َِّ ه
واختَلَفَ النَّقُل لِتلكَ الألفاظ، اقتُصِرَ على ما أنَّفَقَت عليه الرِّوايات، وتُركَ ما زاد على ذلك كما
في التَّشَهُّد، إذ لو كان المتروك واجباً لما سُكِتَ عنه، انتهى.
وقد استَشكَلَ ذلك ابن الفِرْكاح في ((الإقليد)) فقال: جَعلُهم هذا هو الأقلَّ يحتاج إلى
دليل على الاكتفاء بمُسَمَّى الصلاة، فإنَّ الأحاديث الصَّحيحة ليس فيها الاقتصار، والأحاديث
التي فيها الأمر بمُطلَقِ الصلاة ليس فيها ما يشير إلى ما يجب من ذلك في الصلاة، وأقلّ ما
وَقَعَ في الرِّوايات: ((اللهمَّ صَلِّ على محمَّد كما صَلَّيت على إبراهيم))، ومن ثَمَّ حكى الفُورانيّ
عن صاحب ((القُروع)» في إيجاب ذِكْر إبراهيم وجهين.
واحتُجَّ لمن لم يوجِبه بأنَّه وَرَدَ بدون ذِكْره في حديث زيد بن خارجة عند النَّسائيِّ
(١٢٩٢) بسندٍ قويّ ولفظه: ((صَلّوا عليَّ وقولوا: اللهمَّ صَلِّ على محمَّد، وعلى آل محمَّد))
وفيه نظر، لأنَّه من اختصار بعض الرُّواة، فإنَّ النَّسائيَّ أخرجه (١٢٩٠ و١٢٩١) من هذا
الوجه بتمامه(٢)، وكذا الطَّحاويّ(٣).
واختُلِفَ في إيجاب الصلاة على الآل، ففي تَعيُّنها أيضاً عند الشافعيّة والحنابلة روايتان،
والمشهور عندهم: لا، وهو قول الجمهور، وادَّعَى كثير منهم فيه الإجماع، وأكثر مَن أثبَتَ
الوجوب من الشافعيَّة نَسَبوه إلى التُّرْبُجي(٤)، ونَقَلَ البيهقيُّ في ((الشُّعَب)) عن أبي إسحاق
(١) جاء هذا في حديث مسلسل عن علي بن أبي طالب، وليس عن ابن مسعود، أخرجه الحاكم في ((معرفة
علوم الحديث)) ص٣٢، وقد ذكره الحافظ في ((نتائج الأفكار)) ٤٣/٤، وبيَّن أنَّ في إسناده رجلين متَّهمين
بالكذب وثالثاً متروكاً.
(٢) إلّا أنه سمى الصحابي طلحة بن عبيد الله.
(٣) في ((شرح مشكل الآثار)) (٢٢٢٨).
(٤) تصحف في (س) إلى: الترنجي، وإنما هو بمثناة مضمومة بعدها راء ساكنة ثم موحدة مضمومة ثم جيم،
كذا ضبطه النووي في ((المجموع)) ٤٦٥/٣.