النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
باب ٢٨ / ح ٦٣٤٧
كتاب الدعوات
كذا قال، وفيه نظر، فسيأتي في القَدَر (٦٦١٦) عن مُسدَّد، وأخرجه مسلم (٢٧٠٧) عن
أبي خَيْئمةَ وعَمْرو الناقد، والنَّسائيُّ (٥٤٩٢) عن قُتَيبة، والإسماعيليّ من رواية العبّاس بن
الوليد، وأبو عَوَانة من رواية عبد الجَّار بن العلاء، وأبو نُعَيم من طريق سفيان بن وكيع،
كلّهم عن سفيان بالخِصال الأربعة بغير تمييز، إلّا أنَّ مسلماً قال عن عَمْرو الناقد: قال
سفيان: أشُّكّ أنّ زِدتُ واحدة منها.
وأخرجه الجَوزَقيّ من طريق عبد الله بن هاشم عن سفيان، فاقتَصَرَ على ثلاثة، ثمَّ قال:
قال سفيان: وشماتة الأعداء. وأخرجه الإسماعيليّ من طريق ابن أبي عمر عن سفيان، وبيَّن
أنَّ الحَصْلة المزيدة هي: شَماتة الأعداء.
وكذا أخرجه الإسماعيليّ من طريق شُجاع بن تَخَلَد عن سفيان مُقْتَصِراً على الثلاثة دونها.
وعُرِفَ من ذلك تعيين الخَصْلة المزيدة، ويُجاب عن النَّظَر بأنَّ سفيان كان إذا حدَّث
ميَّزَها، ثمَّ طالَ الأمر فطَرَقَه السَّهو عن تعيينها، فحَفِظَ بعضُ مَن سمعَ تعيينها مِنه قبل أن
يَطْرُقه السَّهو، ثمَّ كان بعد أن خَفِيَ عليه تعيينها / يَذْكُر كَونها مزيدةً مع إبهامها، ثمَّ بعد ذلك إمّا ١٤٩/١١
أن يُحمَل الحال حيثُ لم يقع تمييزها لا تعييناً ولا إبهاماً: أن يكون ذَهلَ عن ذلك، أو عَيَّنَ أو
ميَّزَ فِذَهَلَ عنه بعضُ مَن سَمعَ منه.
ويَتَرَجَّح كَون الخَصْلة المذكورة هي المزيدة بأنَّها تَدخُل في عُموم كلّ واحدة من الثلاثة،
ثمَّ كلّ واحدة من الثلاثة مُستَقِلّة، فإنَّ كلّ أمر يُكرَه يُلاحَظ فيه جهة المبدأ وهو سوء القضاء،
وجهة المعاد وهو دَرَك الشَّقاء، لأنَّ شَقاء الآخِرة هو الشَّقاء الحقيقيّ، وجهة المعاش وهو جَهد
البلاء، وأمَّا شَماتة الأعداء فتَقَع لِكلِّ مَن وَقَعَ له كلٌّ من الخِصال الثلاثة.
وقال ابن بَطّال وغيره: جهد البلاء: كلّ ما أصاب المرء من شِدّة مَشَقّة وما لا طاقة له بحَمْلِه
ولا يَقدِر على دفعه. وقيل: المراد بجَهدِ البلاء: قِلّة المال و کَثْرة العیال، کذا جاء عن ابن عمر.
والحقّ أنَّ ذلك فرد من أفراد جهد البلاء. وقيل: هو ما يُختار الموت عليه.
قال: ودَرَك الشَّقاء يكون في أُمور الدُّنيا وفي أُمور الآخرة، وكذلك سوء القضاء عامّ في

٣٢٢
باب ٢٩ / ح ٦٣٤٨
فتح الباري بشرح البخاري
النَّفس والمال والأهل والولد والخاتمة والمعاد.
قال: والمراد بالقضاءِ هنا: المقضيّ، لأنَّ حُكم الله كلّه حسن لا سوء فيه.
وقال غيره: القضاء: الحُكم بالكلّات على سبيل الإجمال في الأزل، والقَدَر: الحُكم بوقوع
الجُزئيّات التي لِتلكَ الكلّيّات على سبيل التَّفصيل.
قال ابن بَطّال: وشَماتة الأعداء: ما يَنكَأ القلبَ ويَبلُغ من النَّفْس أشدَّ مَبلَغ، وإِنَّا تَعَوَّذَ
النبيّ وَّ من هذه الأمور تعليماً لأُمَّتِهِ، فإنَّ الله تعالى كان آمَنَه من جميع ذلك، وبِذلك جَزَمَ
عياض. قلت: ولا يَتَعَّن ذلك، بل يحتمل أن يكون استعاذَ بَرَبِّه من وقوع ذلك بأُمَّتِه، ويُؤيِّده
رواية مُسدَّد المذكورة بصيغة الأمر كما قَدَّمتُه.
وقال النَّوويّ: شَماتة الأعداء: فَرَحهم ببليَّةٍ تَنزِل بالمُعادي. قال: وفي الحديث دلالة
الاستحبابِ الاستعاذة من الأشياء المذكورة، وأجمعَ على ذلك العلماء في جميع الأعصار
والأمصار، وشَذَّت طائفة من الزُّهّاد.
قلت: وقد تقدَّمَتِ الإشارة إلى ذلك في أوائل كتاب الدَّعَوات(١).
وفي الحديث أنَّ الكلام المسجوع لا يُكرَه إذا صَدَرَ عن غير قصد إليه ولا تكلُّف. قاله
ابن الجَوْزيّ. قال: وفيه مشروعيَّة الاستعاذة، ولا يعارِض ذلك كَونُ ما سَبَقَ في القَدَر لا
يُردّ، لاحتمال أن يكون ممّاً قُضى، فقد يُقضَى على المرء مثلاً بالبلاءِ ويُقضَى أَنَّه إن دَعَا كُشِفَ،
فالقضاء مُحْتَمِل للدافع والمدفوع، وفائدة الاستعاذة والدُّعاء: إظهار العَبد فاقتَه لِرَبِّه وتَضَرُّعَه
إليه، وقد تقدَّم ذلك مبسوطاً في أوائل كتاب الدَّعَوات(٢).
٢٩- بابٌ
٦٣٤٨ - حدَّثنا سعيدُ بنُ عُفَيرٍ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، قال: حدَّثني عُقَيلٌ، عن ابنِ شِهابٍ،
حدَّثني سعيدُ بنُ المسيّبٍ وعُزْوةُ بنُ الزُّبَيرِ في رجالٍ من أهلِ العِلْمِ، أنَّ عائشةَ رضي الله عنها
(١) بين يدي الحديث رقم (٦٣٠٤).
(٢) بين يدي الحديث رقم (٦٣٠٤).

٣٢٣
باب ٣٠ / ح ٦٣٤٩ - ٦٣٥٠
كتاب الدعوات
قالت: كان رسولُ الله وَّه يقول وهو صَحِيحٌ: ((لن يُقْبَضَ نبيٌّ قَطَّ حتَّى يَرَى مَفْعَدَه منَ الجنَّةِ،
ثَّ يُخيُّ))، فلمَّا نَزْلَ به - ورأسُه على فخِذي - غُشِيَ عليه ساعةً، ثمَّ أفاقَ فأشخَصَ بَصَرَه إلى
السَّقْفِ، ثمَّ قال: ((اللهمَّ الرَّفِيقَ الأعلى))، قلتُ: إذاً لا يَخْتارُنا، وعلمْتُ أَنَّه الحديثُ الذي كان يُحدِّثُنا
وهو صَحِيحٌ، قالت: فكانت تلكَ آخِرَ كلمةٍ تَكلَّمَ بها: ((اللهمَّ الرَّفِيقَ الأعلى)).
قوله: ((باب)) كذا للأكثرِ بغير ترجمة (١). ذكر فيه حديث عائشة في الوفاة النبويَّة، وفيه:
قوله وَلي: / ((الرَّفيق الأعلى))، وقد تقدَّم شرحه في أواخر المغازي (٤٤٣٦-٤٤٣٧)، وتَعلَّقْه ١٥٠/١١
بما قبله من جهة أنَّ فيه إشارةً إلى حديث عائشة: أنَّه كان إذا اشتَكَى نَفَثَ على نفسه
بالمعوِّذات، وقضيَّة سياقها هنا أنَّه لم يَتَعَوَّد في مرض موته بذلك، بل تقدَّم في الوفاة النبويَّة
(٤٤٥١) من طريق ابن أبي مُلَيكةَ عن عائشة: فذهبت أُعوِّذُه فَرَفَعَ رأسه إلى السماء، وقال:
((في الرَّفيق الأعلى)).
قوله: ((حدَّثني سعيد بن المسيّب وعُرْوة بن الزُّبَير في رجال من أهل العِلْم، أنَّ عائشة
رضي الله عنها قالت)) لم أقِفْ على تعيين أحد منهم صريحاً، وقد روى أصلَ الحديث المذكور
عن عائشة: ابنُ أبي مُلَيكة وذَكْوانُ مولى عائشة وأبو سَلَمة بن عبد الرّحمن والقاسم بن محمَّد،
فيُمكِّن أن يكون الزُّهْرِيُّ عَنَاهم أو بعضَهم.
٣٠ - باب الدّعاء بالموت والحياة
٦٣٤٩ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن إسماعيلَ، عن قيسٍ، قال: أتيتُ خَبّاباً وقَدِ اكْتَوَى
سبعاً، قال: لولا أنَّ رسولَ الله ◌ِِّنَهانا أن نَدْعوَ بالموتِ لَدَعَوْتُ به.
٦٣٥٠ - حدَّثني محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا يحيى، عن إسماعيلَ، قال: حدَّثني قيسٌ، قال:
أتيتُ خَبّاباً وقَدِ اكْتَوَى سبعاً في بَطْنِهِ، فسمعتُهُ يقول: لولا أنَّ النبيَّ ◌َ نَهانا أنْ نَدْعوَ بالموتِ
لَدَعَوْتُ به.
(١) كذا قال الحافظ وتبعه العيني رحمهما الله، مع أنَّ الذي في اليونينية: باب دعاء النبي وَلّ: ((اللهم الرفيق الأعلى))
دون حکایة خلاف بین رواه البخاري.

٣٢٤
باب ٣٠-٣١ / ح ٦٣٥١ - ٦٣٥٣
فتح الباري بشرح البخاري
٦٣٥١ - حدَّثني ابنُ سَلَام، أخبرنا إسماعيلُ ابنُ عُلَيَّةَ، عن عبدِ العزيزِ بنِ صُهَيبٍ، عن
أنسٍ ﴾، قال: قال رسولُ اللهِوَالَ: ((لا يَتَمنََّنَّ أحدُكُمُ الموتَ لِضُرّ نزلَ به، فإن كان لا بُدَّ مُتَمِنِّيّاً
للْمَوْتِ فَلْيَقُلِ: اللهمَّ أحيني ما كانت الحياةُ خيراً لي، وتَوَفَّني إذا كانت الوفاةُ خيراً لي)).
قوله: ((باب الدُّعاء بالموتِ والحياة)) في رواية أبي زيد المروزيِّ: وبالحياة، وهو أوضَح.
وفيه حديثان:
الأول: حديث خَبّاب، ويحيى في سنده: هو ابن سعيد القَطّان، وإسماعيل: هو ابن أبي خالد،
وقيس: هو ابن أبي حازِم، وإنَّما أعادَه عن محمّد بن المثنَّى بعد أن أورَدَه عن مُسدَّد
- وكلاهما يَرويه عن يحيى القَطّان - لما في رواية محمَّد بن المثنَّى من الزّيادة، وهي قوله: في
بطنه فسمعته يقول. وباقي سياقهما سواء، ووَقَعَتِ الزّيادة المذكورة عند الكُشْمِيهنيّ وحده
في رواية مُسدّد(١)، وهي غَلَط، وقد تقدَّم شرح الحديث مُستَوّ في كتاب عيادة المرضَى
(٥٦٧٢).
الثاني: حديث أنس: ((لا يَتَمنَّین أحدكم الموت)» في رواية الگُشْمِیھنیّ: ((أحد منكم)»، وقد
تقدَّم شرحه أيضاً هناك (٥٦٧١).
٣١- باب الدّعاء للصّبيان بالبركة ومسح رؤوسهم
وقال أبو موسى: وُلِدَ لِي مَولُودٌ، وَدَعا له النبيُّ وَّهِ بِالبَرَ كةِ.
٦٣٥٢- حدَّثْنَا قُتَيبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا حاتمٌ، عن الجَعْدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، قال: سمعتُ
السائبَ بنَ يزيدَ يقول: ذهبَت بي خالَتي إلى رسولِ الله ◌َِّ، فقالت: يا رسولَ الله، إنَّ ابنَ
أُخْتِي وَجِعٌ، فَمَسَحَ رأسي ودَعا لي بالبَرَكةِ، ثمَّ تَوضَّأ فشَرِبتُ من وَضوئِهِ، ثمَّ قُمْتُ خَلْفَ
ظَهْرِهِ، فَنَظَرْتُ إلى خاتِمِهِ بينَ كَتِفَيِهِ مِثْلَ زِرِّ الحَجَلِةِ.
٦٣٥٣ - حدثنا عبدُ الله بنُ یوسُفَ، حذَّثنا ابنُ وَهْب، حدثنا سعیدُ بنُ أبي أيوب، عن أبي
عَقِيلِ: أنَّه كان يَخْرُجُ به جَدُّه عبدُ الله بنُّ هشامٍ منَ السّوقِ - أو إلى السّوقِ - فَيَشْتَري الطَّعامَ،
(١) كذا قال الحافظ رحمه الله! مع أنه لم يقع في اليونينية أيةٌ إشارة لوقوع هذه الزيادة عند أحدٍ من رواة البخاري.

٣٢٥
باب ٣١ / ج ٦٣٥٤ -٦٣٥٦
كتاب الدعوات
فِيَلْقَاه ابنُ الزُّبَيرِ وابنُ عمرَ فيقولان: أشرِكْنا، فإنَّ النبيَّ ◌َ ﴿ قد دَعَا لكَ بِالبَرَكة، فَيَشْرَ كُهُم،
فُرُبَّما أصاب الرَّاحلةَ كما هي، فَبْعَثُ بها إلى المَنْزِلِ.
٦٣٥٤ - حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن صالحٍ بنِ كَيْسانَ،
عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني محمودُ بنُ الرَّبِيعِ، وهو الذي مَجَّ رسولُ الله ◌َّ في وجهِه، وهو
غلامٌ، من بثْرِهم.
٦٣٥٥ - حدَّثنا عَبْدانُ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا هشامُ بنُ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةً رضي الله
عنها، قالت: كان النبيُّ نَّهِ يُؤْتَى بالصِّبْيان فيَدْعو لهم، فَأَتِيَ بصَيِيٍّ فبالَ على ثَوْبِهِ، فَدَعَا بماءٍ
فآتْبَعَه إيّاه، ولم يَغْسِلْه.
٦٣٥٦- حدَّثْنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني عبدُ الله بنُ
ثَعْلبةَ بنِ صُعَيرٍ، وكان رسولُ الله ◌ِّرِ قِد مَسَحَ عَنْه: أنَّه رَأَى سَعْدَ بنَ أَبِي وَقّاصٍ يُوتِرُ
برَکْعةٍ.
/ قوله: ((باب الدُّعاء للصّبْیان بالبرَ كةِ ومَسْح رؤوسهم» في رواية أبي زيد المروزيٌّ: ومَسح ١٥١/١١
رأسه، بالإفرادِ.
وورَدَ في فضل مَسح رأس اليتيم حديثٌ أخرجه أحمد (٢٢١٥٣) والطبرانيُّ (٧٨٢١
و٧٩٢٩) عن أبي أمامةَ بلفظ: ((مَن مَسَحَ رأس يتيم لا يَمسَحه إلّا لله، كان له بكلِّ شَعرة تَمُرّ
یدُه علیها حَسنةٌ)) وسنده ضعيف.
ولأحمد (٩٠١٨) من حديث أبي هريرة: أنَّ رجلاً شكا إلى النبيّ وَّل قسوة قلبه، فقال:
((أطعِم المِسْکین وامسح رأس اليتيم)) وسنده حسن(١).
(١) كذا حسّن إسنادَه الحافظُ رحمه الله هنا، مع أنَّ في إسناده عند أحمد انقطاعاً، وتنبّه إليه رحمه الله في ((إتحاف المهرة))
(٢٠٧١٨) فحكم بانقطاعه حين قدَّم له بقوله: أبو عمران هو الجوني عن أبي هريرة، ولم يسمع منه، وذكر هذا
الحدیث معزواً لأحمد، ثم خرَّج الحدیث من عبد بن حميد بزيادة رجل مبهم بین أبي عمران وبین أبي هريرة. لكن
للحديث شواهد يحسُن بها في الجملة.

٣٢٦
باب ٣١ / ح ٦٣٥٦
فتح الباري بشرح البخاري
وذکر في الباب أحادیث:
الحديث الأول: قوله: ((وقال أبو موسى: وُلِدَ لي مولود)» هذا طَرَف من حديثٍ تقدَّم
موصولاً في كتاب العَقيقة (٥٤٦٧). واسم الولد المذكور إبراهيم.
الثاني: قوله: ((حاتم)) هو ابن إسماعيل، والجَعْد، يقال فيه: الجُعَيد، بالتَّصغير، والسائب
ابن يزيد يُعرَف بابنِ أُخت النَّمِر، وقد تقدَّم في ((باب خاتم النُّبّة)) في أوائل التَّرجمة النبويَّة
قبل المبعَث (٣٥٤١)، وتقدَّم شرح الحديث هناك، وفي ((باب استعمال فضل وَضوء الناس))
من كتاب الطَّهارة (١٩٠).
الثالث: قوله: ((عن أبي عَقيل)) بفتح أوَّله، واسمه زُهْرة بن مَعْبَد، وعبد الله بن هشام:
هو التَّيْمِيُّ من بني تَيْم بن مُرّة، تقدَّم شرح حديثه في الشَّرِكة (٢٥٠٢).
الرابع: قوله: ((محمود بن الرَّبيع، وهو الذي مَجَّ رسولُ الله ◌ِّهِ فِي وَجْهه وهو غلام من
بثْرهم)) كذا أورَدَه مختصراً. وأورَدَه من هذا الوجه في الطَّهارة (٧٧) كذلك، ولم يَذْكُرُ الخبرَ
الذي أخبر به محمودٌ، وهو حديثه عن عِتبان بن مالك في صلاة النبيّ ◌َ ﴾ في بيته.
وقد أورَدَه في (باب إذا دَخَلَ بيتاً صَلَّى حيثُ شاء)) من كتاب الصلاة (٤٢٤) من هذا
الوجه مختصراً، فقال: حدَّثنا عبد الله بن مَسلَمة حدَّثنا إبراهيم بن سعد، فذكر بإسنادِه
الذي أورَدَه هنا إلى محمود بن الرَّبيع، فزاد: عن عِتبان بن مالك: أنَّ رسول الله وَي أتاه في(١)
منزله فقال: ((أين تُحِبّ أن أُصَلّي في بيتك؟)) الحديث.
وأورَدَه عنه (٤٢٥) من طريق عُقيل عن ابن شِهاب: أخبرني محمود بن الرَّبيع عن
عِتبان بن مالك، فذكره مُطوَّلاً، ولم يَذكُر قول محمود في المجّة.
١٥٢/١١ . وذكر في العلم (٧٧) من طريق الزُّبَيديّ عن الزّهْريِّ عن محمود مُقْتَصِراً على قصَّة المجّة/
أتمّ ممّا هنا، قال: عَقَلْتُ من النبيّ ◌ِ ◌ّ ◌َجّة، وقد شَرَحته هُناكَ.
وأورَدَه قبل ((باب الذِّكر في الصلاة)) (٨٣٩ و٨٤٠) من طريق مَعمَر عن الزُّهْريِّ
(١) تحرَّف في (س) إلى: إلى.

٣٢٧
باب ٣٢ / ح ٦٣٥٧
كتاب الدعوات
مُطوَّلاً، بقصَّة المجّة وبِحديثٍ عِتبان.
وأورده في الرِّقاق (٦٤٢٢) من هذا الوجه کذلك، لکن باختصارٍ.
وقد أورَدَ مسلم (٣٣ و٢٦٥/٦٥٧) حديث عِتبان من طرق عن الزُّهْريِّ، منها للأوزاعيّ
عنه قصة محمود في المجّة، ولم يَتَبَّه لذلك الحُميديّ في ((جمعه)) فَتَرجَمَ لمحمودِ بن الرَّبيع في
الصحابة الذينَ انفَرَدَ البخاريّ بتخريج حديثهم، وساقَ له حديث المجّة المذكورة، وكأنّه
لمَّا رأى البخاريّ أفرَدَه ولم يُفرِده مسلم ظنَّ أنَّه حديث مُستَقِلّ.
الخامس: حديث عائشة في قصَّة الغلام الذي بالَ في حِجر النبيّ وَِّ، وقد مَضَى شرحه
مُستَوَى في كتاب الصلاة (٢٢٢).
السادس: حديث عبد الله بن ثَعْلبة بن صُعَير - بمُهمَلَتَينِ مُصغَّر - وهو صحابيّ صغير،
وأبوه ثَعْلبة صحابيّ أيضاً، ويقال فيه: ابن أبي صُعَير أيضاً.
قوله: ((وكان رسول الله وَل﴿ مَسَحَ عَنْه)) كذا هنا باختصارٍ، وتقدَّم مُعلَّقاً في غزوة الفتح
(٤٣٠٠) من طريق يونس عن الزُّهْريِّ بلفظ: مَسَحَ وجهه عام الفتح، وتقدَّم شرحه هُناكَ.
ووَقَعَ في ((الزُّهْريّات)) للذُّهلِيِّ عن أبي اليَمَان شيخ البخاريّ فيه بلفظ: مَسَحَ وجهه زمن الفتح،
كذا أخرجه الطبرانيُّ في ((مُسنَدِ الشّامّينَ)) (٢٩٩٣) عن أبي زُرْعة الدِّمَشقيّ عن أبي الْيَمَان.
قوله: ((أَنَّه رَأَى سَعْد بن أبي وقّاص يُوتِر برَكْعةٍ)) سَبَقَتِ الإشارة إلى هذا في كتاب الوتر
(٩٩٨).
ووَقَعَ في رواية الطبرانيّ(١) بعد قوله: ركعة: واحدة بعد صلاة العِشاء لا يزيد عليها حتَّى
يقوم من جَوف اللَّيل، وسَبَقَ بيان الاختلاف في الوتر بركعةٍ فَرْدةٍ مُستَونَی.
٣٢- باب الصّلاة على النبيّ ﴾
٦٣٥٧ - حدَّثْنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبَةُ، حدَّثنا الحَكَمُ، قال: سمعتُ عبد الرّحمنِ بنَ أبي ليلى،
قال: لَقِيَتِي كَعْبُ بنُ عُجْرةَ، فقال: ألا أُهْدِي لكَ هَدِيَّةً؟ إنَّ النبيَّ ◌َِّ خَرَجَ علينا فقُلْنا: يا
(١) يعني في ((مسند الشاميين))، وغَفَل الحافظُ رحمه الله عن وجود هذا الحديث في («مسند أحمد)» (٢٩٩٣).

٣٢٨
باب ٣٢ / ح ٦٣٥٨
فتح الباري بشرح البخاري
رسولَ الله، قد عَلِمْنا كيفَ نُسلِّمُ عليكَ، فكيفَ نُصَلّي عليكَ؟ فقال: («قولوا: اللهمَّ صَلِّ على
محمَّدٍ وعلى آلٍ محمَّدٍ، كما صَلَّيْتَ على آلِ إبراهيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ تَجِيدٌ، اللهمَّ بارِكْ على محمَّدٍ، وعلى
آلٍ محمَّدٍ، كما بارَكْتَ على آلِ إبراهيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
٦٣٥٨ - حدَّثنا إبراهيمُ بنُ حمزةَ، حدَّثنا ابنُ أبي حازِمِ والدَّراوَرْدِيُّ، عن يزيدَ، عن
عبدِ الله بنِ خَبّابٍ، عن أبي سعيدِ الخُذْريِّ، قال: قُلْنا: يا رسولَ الله، هذا السَّلامُ عليكَ،
فكيفَ نُصَلّي؟ قال: («قولوا: اللهمَّ صَلِّ على محمَّدٍ عبدِكَ ورسولِكَ، كما صَلَّيتَ على إبراهيمَ،
وبارِك على محمَّدٍ وعلى آلٍ محمَّدٍ، كما بارَكْتَ على إبراهيمَ وآلِ إبراهيمَ».
قوله: ((باب الصّلاة على النبيّ وَ ﴿) هذا الإطلاق يحتمِل حُكمَها وفضلَها وصِفَتَها ومحلَّها،
والاقتصار على ما أورَدَه في الباب يدلّ على إرادة الثّالث، وقد يُؤْخَذ مِنه الثّاني، أمَّا حُكمها
فحاصلُ ما وقَفت عليه من كلام العلماء فيه عشرة مذاهب:
أوَّلها: قول ابن جَرِير الطََّرَيِّ: إنَّها من المستَحَبّات، وادَّعَى الإجماع على ذلك.
ثانيها: مُقابِله، وهو نقلُ ابن القَصّار وغيره الإجماع على أنَّها تجبُ في الجملة بغير خَصر،
لكن أقلّ ما يَحصُل به الإجزاء مرَّة.
ثالثها: تجب في العُمر في صلاة أو في غيرها، وهي مِثل كلمة التَّوحيد، قاله أبو بكر
١٥٣/١١ الرَّازيّ من الحنفيَّة وابن / حَزْم وغيرهما. وقال القُرطُبيّ المفسِّر: لا خِلاف في وجوبها في العمر
مَرَّة، وأنَّها واجبة في كلّ حين وجوب السُّنَن المؤَكَّدة، وسَبَقَه ابن عَطَيَّة.
رابِعها: تجب في القُعود آخر الصلاة بين قول النَّشَهُّد وسَلام التَّحَلُّل، قاله الشافعيّ ومَن
تَبِعَه.
خامسها: تجب في التَّشَهُّد، وهو قول الشَّعبيّ وإسحاق بن راهويه.
سادسها: تجب في الصلاة من غير تعيين المَحَلّ، نُقِل ذلك عن أبي جعفر الباقر.
سابعها: يجب الإكثار منها من غير تقييد بعَدَد، قاله أبو بكر بن بُكَير من المالكيَّة.
ثامنها: كلَّما ذُكِرَ، قاله الطَّحاويّ وجماعة من الحنفيّة، والحَلِيميّ وجماعة من الشافعيَّة،

٣٢٩
باب ٣٢ / ح ٦٣٥٨
كتاب الدعوات
وقال ابن العربيّ من المالكيَّة: إنَّه الأحوط، وكذا قال الَّغَشَريّ.
تاسعها: في كلّ مَجلِس مرَّة ولو تَكَرَّرَ ذِكْره مِراراً، حكاه الَّتَشَريّ.
عاشرها: في كلّ دعاء، حكاه أيضاً.
وأمَّا مَحَلّها فيُؤخَذ ممَّا أورَدتُّه من بيان الآراء في حُكمها، وسأذكر ما وَرَدَ فيه عند الكلام
على فضلها.
وأمَّا صِفَتها فهي أصلُ ما يُعوَّل عليه في حديثَي الباب.
قوله: ((حدَّثنا الحَكَم)) لم أقِفْ عليه في جميع الطّرق عن شُعْبة إلّا هكذا غيرَ منسوب(١)،
وهو فقيه الكوفة في عَصره، وهو ابن عُتَيبة، بمُثنّاةٍ وموخَّدة مُصغَّر، ووَقَعَ عند الِّرمِذيّ
(٤٨٣) والطبري(٢) وغيرهما من رواية مالك بن مِغْول وغيره منسوباً، قالوا: عن الحَكّم بن
عُتَيبة.
وعبد الرَّحمن بن أبي ليلى تابِعِيّ كبير، وهو والد ابنِ أبي ليلى فقيهِ الكوفة محمَّدٍ بن
عبد الرّحمن بن أبي ليلى، يُنسَب إلى جَدّه.
قوله: ((لَقْيَنِي كَعْب بن عُجْرة)) في رواية فِطْر بن خليفة [عن الحكم بن عُتَيبة] (٣) عن ابن
أبي ليلى: لَقيَني كعب بن عُجرة الأنصاريّ، أخرجه الطبرانيُّ (١٩/ ٢٧١).
ونَقَلَ ابن سعد عن الواقديّ: أنَّه أنصاريّ من أنفُسهم، وتَعقَّبَه فقال: لم أجِده في نَسَب
الأنصار، والمشهور أنَّه بَلَويّ. والجمع بين القولَينِ: أنَّه بَلَويّ حَالَفَ الأنصار.
وعَيَّنَ المحاربيّ عن مالك بن مِغْول عن الحَكَم المكان الذي التَّقَيا به، فأخرجه الطََّرِيُّ(٤)
(١) قد وقع ذلك عند ابن مَندَهْ في ((التوحيد)) (٢٤٩).
(٢) تحرَّف في (س) إلى: الطبراني، وهو في ((تهذيب الآثار)) للطبري في الجزء الذي حققه علي رضا برقم (٣٣٧).
على أنه عند الطبراني أيضاً في ((المعجم الكبير)) ١٩/ (٢٧٢).
(٣) ما بين معقوفين سقط من الأصلين و(س)، ولا بدّ منه، إذ هو ثابت في ((معجم الطبراني))، ولا تعرف
لِفِطْرٍ روایة عن ابن أبي ليلی.
(٤) في ((تهذيب الآثار)) في الجزء الذي حققه علي رضا (٣٣٧).

٣٣٠
باب ٣٢ / ح ٦٣٥٨
فتح الباري بشرح البخاري
من طريقه بلفظ: أنَّ كعباً قال له وهو يَطوف بالبيت.
قوله: ((ألا أُهْدي لك هَديَّةً)) زاد عبد الله بن عيسى بن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى عن جَدّه
كما تقدَّم في أحاديث الأنبياء (٣٣٧٠): سمعتها من النبيّ ◌َيّ.
قوله: ((إنَّ النبيّ ◌َ خَرَجَ علينا)) يجوز في ((إنَّ) الفتح والكسر.
وقال الفاكهانيّ في ((شرح العُمدة): في هذا السّياق إضمارٌ تقديره: فقال عبد الرَّحمن: نعم،
فقال كعب: إنَّ النبيّ ◌ِله.
قلت: وَقَعَ ذلك صريحاً في رواية شَبَابة وعَفّان (١) عن شُعْبة بلفظ: قلت: بلى، قال.
أخرجه الخِلَعي(٢) في ((فوائده)) (٩)، وفي رواية عبد الله بن عيسى المذكورة ولفظه: فقلت:
بلى، فأهدِها لي، فقال.
قوله: ((فقُلْنا: يا رسول الله)) كذا في مُعظَم الرِّوايات عن كعب بن عُجرة: قلنا، بصيغة
الجمع، وكذا وَقَعَ في حديث أبي سعيد في الباب، ومثله في حديث بُرَيدة عند أحمد
(٢٢٩٨٨)، وفي حديث طلحة عند النَّسائيِّ (ك١٢١٤)، وفي حديث أبي هريرة عند
الطََّرِيِّ(٣).
ووَقَعَ عند أبي داود (٩٧٦) عن حفص بن عمر عن شُعْبة بسندٍ حديث الباب: قلنا - أو
قالوا - يا رسول الله، بالشكِّ، والمراد الصحابة، أو مَن حَضَرَ منهم.
ووَقَعَ عند السَّاج (٤) والطبرانيِّ (٢٧٣/١٩) من رواية قيس بن سعد عن الحَكَم به: أنَّ
أصحاب رسول الله وَلقوله قالوا.
(١) جاء في ((الخِلَعيات)) مقروناً معهما يحيى بن عبَّد، ونَصَّ الِخِلَعي على أنَّ اللفظ ليحيى.
(٢) تحرَّف في الأصلين إلى: الحليمي، والمثبت من هامش (ع) و(س) هو الصواب.
(٣) في (تهذيب الآثار)) في الجزء الذي حققه علي رضا (٣٤٧ -٣٤٩)، وفات الحافظ رحمه الله أن يخرجه من
(سنن النسائي الكبرى)) (٩٧٩٢).
(٤) لم نقف عليه فيما طبع من (حديثه) و((مسنده)، وهو أيضاً عند ابن أبي عاصم في ((الصلاة على النبي (وَّ) (١١)،
وفي ((تهذيب الآثار)) (٣٣٩).

٣٣١
باب ٣٢ / ح ٦٣٥٨
كتاب الدعوات
وقال الفاكهانيّ: الظّاهر أنَّ السُّؤْال صَدَرَ من بعضهم لا من جميعهم، ففيه التَّعبير عن
البعض بالكلِّ. ثمّ قال: ويَبعُد جدّاً أن يكون كعب هو الذي باشَرَ السُّؤال مُنفَرِداً به، فأتى
بالنّونِ التي للتَّعظيم، بل لا يجوز ذلك، لأنَّ النبيَّ وَلِّ أجابَ بقولِه: ((قولوا))، فلو كان السائل
واحداً لَقال له: قل، ولم يَقُل: قولوا. انتهى.
ولم يظهر لي وجه نفي الجواز، وما المانع أن يسأل الصحابيّ الواحد عن الحُكم، فُيُجيب وَلِّل
بصيغة («قولوا)) إشارة إلى اشتراك الكلّ في الحُكم؟ ويُؤَكِّده أنَّ في نفس السُّؤال: قد عَرَفنا
كيف نُسلِّم عليك فكيف نُصلّي؟ كلّها بصيغة الجمع، فدَلَّ على أنَّه سألَ لنفسِه ولغيره
فحَسُنَ الجواب بصيغة الجمع، لكن الإتيان بنونِ العَظَمة في خِطاب / النبيّ وَّوَ لا يُظنّ ١٥٤/١١
بالصحابيّ، فإن ثَبَتَ أنَّ السائل كان متعدِّداً فواضح، وإن ثَبَتَ أنَّه كان واحداً فالحكمة في
الإتيان بصيغة الجمع الإشارة إلى أنَّ السُّؤال لا يَخْتَصّ به، بل يريد نفسَه ومَن يوافقه على
ذلك، فحَملُه على ظاهره من الجمع هو المعتمَد، على أنَّ الذي نَفاه الفاكهانيّ قد وَرَدَ في
بعض الطُّرق، فعند الطََّرَيِّ (٣٣٨) من طريق الأجلَح عن الحَكَم بلفظ: قُمت إليه،
فقلت: السَّلام عليك قد عَرَفناه، فكيف الصلاة عليك يا رسول الله؟ قال: ((قل: اللهمَّ صَلِّ
على محمَّد)) الحديث.
وقد وَقَفْتُ من تعيين مَن باشَرَ السُّؤال على جماعة: وهم كعب بن عُجرة، وبشير بن
سعد والد النُّعمان، وزيد بن خارجة الأنصاريّ، وطلحة بن عبيد الله، وأبو هريرة،
وعبد الرَّحمن بن بشير.
أمَّا كعب، فوَقَعَ عند الطبرانيِّ(١) (٢٧٤/١٩) من رواية محمَّد بن عبد الرَّحمن بن أبي
ليلى عن الحَكَم بهذا السَّنَد، بلفظ: قلت: يا رسول الله، قد علمنا.
وأمَّا بَشير، ففي حديث أبي مسعود عند مالك (١٦٥/١- ١٦٦) ومسلم (٤٠٥) وغيرهما:
(١) وهو أيضاً عند النسائي في ((الكبرى)) (١٠١١٩) من طريق عبد الكريم أبي أمية عن مجاهد عن ابن أبي ليلى،
وعند ابن حبان (١٩٦٤) من طريق مِسعَر وشعبة عن الحكم، به.

٣٣٢
باب ٣٢ / ح ٦٣٥٨
فتح الباري بشرح البخاري
أنَّه رأى النبيّ وَلَّهُ في مَجلِس سعد بن عُبادة، فقال له بَشير بن سعد: أمَرَنا الله أن نُصلّي
علیك، الحدیث.
وأمَّا زيد بن خارجة، فأخرج النَّسائيُّ (١٢٩٢) من حديثه قال: أنا سألت رسول الله وَّد
فقال: ((صَلّوا عليَّ واجتَهِدوا في الدُّعاء، وقولوا: اللهمَّ صَلِّ على محمَّد)) الحديث.
وأخرج الطَّبَرَيُّ (٣٢٧) من حديث طلحة قال: قلت: يا رسول الله، كيف الصلاة
عليك؟ وتخرج حديثهما واحد.
وأمَّا حديث أبي هريرة، فأخرج الشافعيّ (١/ ١٤٠) من حديثه أنَّه قال: يا رسول الله،
كيف نُصلّي عليك؟
وأمَّا حديث عبد الرّحمن بن بشير، فأخرجه إسماعيل القاضي في كتاب ((فضل الصلاة
على النبيّ ◌ٍَّ)) (٧٣) قال: قلت (١) - أو قيل - للنبيِّ ◌َليل. هكذا عنده على الشكّ.
وأبهَمَ أبو عَوَانة في («صحيحه)) (١٩٧٠) من رواية الأجلَح وحمزة الزَّات عن الحَكَم
السائل، ولفظه: جاء رجل فقال: يا رسول الله، قد علمنا.
ووَقَعَ لهذا السُّؤال سببٌ أخرجه البيهقيُّ والخِلَعَيّ من طريق الحسن بن محمَّد بن الصَّباح
الَّعفَرانيّ، حدَّثنا إسماعيل بن زَكَريّا عن الأعمَش ومِسعَر ومالك بن مِغْوَلٍ عن الحَكَم
عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عُجرة قال: لمَّ نزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَبِكَتَهُ.
يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِّ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٦] قلنا: يا رسول الله، قد علمنا، الحديث.
(١) قوله: ((قلت)) (والذي في مطبوع ((فضل الصلاة على النبي 9َّ): قلنا) وهمٌ لا محالة، لأنَّ عبد الرحمن بن
بشير - ويقال: ابن بشر - تابعي، وروايته عن النبي ◌َ ﴿ ﴿ مرسلة، كما نبّه عليه النسائي في ((السنن الكبرى))
بإثر الحديث (٩٧٩٥)، والدارقطني في ((سؤالات البرقاني)) السؤال (٢٧٤)، وقد ذكره البخاري في
(التاريخ الكبير)) ٢٦١/٥، ومسلم في ((الكنى والأسماء)) (٣٨٣)، وابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل))
٢١٤/٥، وابن حبان في ((الثقات)) ٨٢/٥، والدارقطني في ((ذكر أسماء التابعين ومن بعدهم)) (٦٨٠)
فهو إذاً تابعي، وحديثه في الصلاة على النبي وَلير المحفوظُ فيه أنه مرسلٌ، كما نبّه عليه الدارقطني في
العلل)) (١٠٥٦).

٣٣٣
باب ٣٢ / ح ٦٣٥٨
كتاب الدعوات
وقد أخرج مسلم (٦٨/٤٠٦) هذا الحديث عن محمّد بن بگّار عن إسماعيل بن زَكَریّا
ولم یسُق لفظه، بل أحالَ به على ما قبله، فهو على شرطه . : :
وأخرجه السَّاج من طريق مالك بن مِغول وحده كذلك.
وأخرج أحمد (١٨١٣٣) والبيهقيُّ(١) وإسماعيل القاضي (٥٧) من طريق يزيد بن أبي
زياد، والطبرانيُّ (٢٧٤/١٩) من طريق محمَّد بن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى، والطََّريّ (٣٣٨)
من طريق الأجلَح، والسَّاج من طريق سفيان وزائدة - فرَّقَهما - وأبو عَوَانة في «صحيحه))
(١٩٧٠) من طريق الأجلَح وحمزة الزَّیّات، کلّھم عن الحگم مثله.
وأخرج أبو عَوَانة (١٩٧٠) أيضاً من طريق مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى مِثله.
وفي حديث طلحة عند الطََّريّ (٣٢٩): أتى رجل النبيّ وَ له فقال: سمعت الله يقول:
إِنَّاللَّهَ وَمَلَئِكَتَهُ ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٦]، فكيف الصلاة عليك؟
قوله: ((قد علمْنا)) المشهور في الرِّواية بفتح أوَّله وكسر اللّام مُخُفَّفاً، وجَوَّزَ بعضهم ضَمّ
أوَّله والتَّشديد على البناء للمجهول، ووَقَعَ في رواية ابن عُيَينَةَ عن يزيد بن أبي زياد بالشكِّ
ولفظه: قلنا: قد عَلِمنا أو عُلِّمنا، رُوِّيناه في ((الِلَعِيَّات)) (٨).
وكذا أخرج السَّاج من طريق مالك بن مِغوَل عن الحَكَم بلفظ: عَلِمناه أو عُلِّمناه.
ووَقَعَ في رواية حفص بن عمر المذكورة: أمرْتنا أن نُصِّي عليك، وأن نُسلِّم عليك،
فأمَّا السَّلام فقد عَرَفناه، وفي ضبط ((عَرَفناه)) ما تقدَّم في ((عَلِمناه))، وأراد بقولِه: أمَرتنا،
أي: بَلَّغتنا عن الله تعالى أنَّه أمَرَ بذلك.
ووَقَعَ في حديث أبي مسعود: أمَرَنا الله.
وفي رواية عبد الله بن عيسى المذكورة: كيف الصلاة عليكم أهلَ البيت؟ فإنَّ الله قد عَلَّمَنا
كيف نُسلِّم، أي: عَلَّمَنا الله كيفيَّة السَّلام عليك على لسانك وبِواسطة بيانك.
وأمَّا إتيانه بصيغة الجمع في قوله: عليكُم، فقد بيَّن مُراده بقولِه: أهل البيت،/ لأنَّه لو اقتَصَرَ ١٥٥/١١
(١) في ((الدعوات الكبير» (٢٤٧).

٣٣٤
باب ٣٢ / ح ٦٣٥٨
فتح الباري بشرح البخاري
عليها لاحتملَ أن يريد بها التَّعظيم، وبها تَحصُل مُطابقة الجواب للسُّؤال حيثُ قال: ((على محمَّد
وعلى آل محمَّد)) وبهذا يُستَغنى عن قول من قال: في الجواب زيادة على السُّؤال، لأنَّ السُّؤال
وَقَعَ عن كيفيَّة الصلاة عليه، فوَقَعَ الجواب عن ذلك بزيادة كيفيَّة الصلاة على آله.
قوله: «كيف نُسلِّم عليك)) قال البيهقيُّ: فيه إشارة إلى السَّلام الذي في التَّشَهُّد، وهو
قول: السَّلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبَرَكاته، فيكون المراد بقولهم: فكيف نُصلّي
عليك؟ أي: بعد التَّشَهُّد، انتهى.
وتفسير السَّلام بذلك هو الظّاهر. وحكى ابن عبد البَرِّ فيه احتمالاً، وهو أنَّ المراد به
السَّلام الذي يُتَحلَّل به من الصلاة، وقال: إنَّ الأوَّل أظهَر، وكذا ذكر عياض وغيره، ورَدَّ
بعضهم الاحتمال المذكور بأنَّ سَلام التَّحَلُّل لا يَتَفَيَّد به اتِّفاقاً. كذا قيلَ، وفي نقل الاتِّفاق
نظر. فقد جَزَمَ جماعة من المالكيَّة بأنَّه يُستَحَبّ للمُصَلّي أن يقول عند سَلام الشَّحَلُّل:
السَّلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبر كاته السَّلام عليگم. ذکره عیاض وقبله ابن أبي زيد
وغيره.
قوله: ((فكيف نُصَلّي عليك؟» زاد أبو مسعود في حديثه: فسَكَتَ رسول الله ◌َلَّ حتَّى
تَّينا أنَّه لم يسأله. وإنَّمَا تَمنَّوا ذلك خَشْية أن يكون لم يُعجِبِه السُّؤال المذكور لما تَقرَّرَ عندهم
من النَّهي عن ذلك، فقد تقدَّم في تفسير قوله تعالى: ﴿لَا تَسْتَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ﴾ [المائدة: ١٠١]
من سورة المائدة بيان ذلك (٤٦٢١).
ووَقَعَ عند الطَّبَرَيِّ(١) من وجه آخر في هذا الحديث: فسَكَتَ حتَّى جاءه الوحي، فقال:
((تقولون)).
واختُلِفَ في المراد بقولهم: ((كيف)) فقيلَ: المراد السُّؤال عن معنى الصلاة المأمور بها
وبأيِّ(٢) لفظ تؤذَّى، وقيل: عن صِفَتها. قال عياض: لمَّا كان لفظ الصلاة المأمور بها في قوله
(١) في ((تهذيب الآثار)) (٣٤٦)، وقد تحرَّف في (س) إلى: الطبراني.
(٢) في (س): بأيّ، بإسقاط الواو.

٣٣٥
باب ٣٢ / ح ٦٣٥٨
كتاب الدعوات
تعالى: ﴿صَلُّواْعَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] يحتمل الرّحمة والدُّعاء والتَّعظيم، سألوا بأيِّ لفظ تُؤَدَّى؟
هكذا قال بعض المشايخ، ورَجَّحَ الباجيّ أنَّ السُّؤال إِنَّمَا وَقَعَ عن صِفَتها لا عن جِنسها، وهو
أظهَر لأنَّ لفظ ((كيف)) ظاهر في الصِّفة، وأمَّا الجِنس فيُسأل عنه بلفظ ((ما)).
وبِهِ جَزَمَ القُرطُبيّ فقال: هذا سؤال مَن أشكَلَت عليه كيفيَّة ما فُهِمَ أصلُه، وذلك أنَّهم
عَرَفوا المراد بالصلاة فسألوا عن الصِّفة التي تَليق بها ليَستَعمِلوها. انتهى.
والحامل لهم على ذلك أنَّ السَّلام لمَّا تقدَّم بلفظٍ مخصوص وهو: السَّلام عليك أيها
النبيّ ورحمة الله وبَرَكاته. فهموا مِنه أنَّ الصلاة أيضاً تقع بلفظٍ مخصوص، وعَدَلوا عن
القياس لإمكان الوقوف على النَّصّ ولا سيّما في ألفاظ الأذكار، فإنَّها تَجيء خارجةً عن
القياس غالباً، فوَقَعَ الأمر كما فَهِموا، فإنَّه لم يَقُل لهم: قولوا: الصلاة عليك أيها النبيّ
ورحمة الله وبَرَكاته، ولا قولوا: الصلاة والسَّلام عليك ... إلى آخره، بل عَلَّمَهم صيغةً
أُخرى.
قوله: ((فقال: قولوا: اللهمَّ)) هذه كلمة كَثُرَ استعمالها في الدُّعاء، وهو بمعنى: يا الله،
والميم عِوض عن حرف النِّداء، فلا يقال: اللهمَّ غَفور رحيم مثلاً، وإنَّما يقال: اللهمَّ اغفِر
لي وار حَمني، ولا يَدخُلها حرف النِّداء إلّا في نادِر، کقولِ الرَّاچِز(١):
إنّي إذا ما حادثٌ ألمّا أقولُ: يا اللهُمَّ يا اللهُمَا
واختَصَّ هذا الاسم بقطع الهمزة عند النِّداء، ووجوب تفخیم لامه وپدخولِ حرف
النِّداء عليه مع التَّعريف.
وذهب الفَرّاء ومَن تَبِعَه من الكوفيّينَ إلى أنَّ أصله: يا الله، وحُذِفَ حرف النِّداء تخفيفاً،
والميم مأخوذةٌ من جُملة محذوفة، مِثل: أُمَّنا بخيرٍ.
وقيل: بل زائدة كما في: زُرْقُم للشَّديدِ الزُّرقة، وزِيدَت في الاسم العظيم تفخيماً. وقيل:
بل هو كالواو الدّالَّة على الجمع، كأنَّ الدّاعي قال: يا مَن اجتَمَعَت له الأسماء الحُسنَى، ولذلك
(١) هو أمية بن أبي الصَّلت. انظر ((خزانة الأدب)) للبغدادي ٢٩٥/٢.

٣٣٦
باب ٣٢ / ح ٦٣٥٨
فتح الباري بشرح البخاري
شُدِّدَتِ الميم لِتكونَ عِوضاً عن علامة الجمع، وقد جاء عن الحسن البصريّ: اللهمَّ مُجُتَمَع
الدُّعاء، وعن النَّضربن شُمَيلٍ: مَن قال: اللهمَّ، فقد سألَ الله بجميع أسمائه.
قوله: ((صَلِّ)) تقدَّم في أواخر تفسير الأحزاب عن أبي العالية: أنَّ معنى صلاة الله على نبيّه:
ثناؤه عليه عند ملائكَته، ومعنى صلاة الملائكة عليه: الدُّعاء له(١).
١٥٦/١١ وعند ابن أبي حاتم عن مُقاتل بن حَيّان قال: صلاة الله:/ مَغْفِرَته، وصلاة الملائكة:
الاستغفار. وعن ابن عبّاس: أنَّ معنى صلاة الملائكة الدُّعاء بالبركة، ونقل التِّرمذي(٢) عن
سفيان الثوري وغير واحد(٣) قالوا: صلاة الرَّبّ: الرَّحمة، وصلاة الملائكة: الاستغفار.
وقال الضَّحّاك بن مُزاحِم: صلاة الله: رحمته، وفي رواية عنه: مَغْفِرَته، وصلاة الملائكة:
الدُّعاء، أخرجهما إسماعيل القاضي عنه. وكأنَّه يريد الدُّعاء بالمغفِرة ونحوها.
وقال المبرِّد: الصلاة من الله: الرَّحمة، ومن الملائكة: رِقّةٌ تَبعَث على استدعاء الرَّحمة.
وتُعقّبَ بأنَّ الله غايَرَ بين الصلاة والرَّحمة في قوله: ﴿أُوْلَكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَتٌ مِنْ زَّيِّهِمْ
وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧]، وكذلك فهمَ الصحابة المغايرة من قوله تعالى: ﴿صَلُّواْ عَلَيْهِ
وَسَلِّمُواْ﴾ [الأحزاب: ٥٦] حتَّى سألوا عن كيفيَّة الصلاة، مع تَقَدُّم ذِكْر الرّحمة في تعليم
السَّلام حيثُ جاء بلفظ: السَّلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبَرَكاته، وأَقَرَّهم النبيّ ◌َِّه
فلو كانت الصلاة بمعنى الرَّحمة لَقال لهم: قد علمتُم ذلك في السَّلام.
وجَوَّزَ الحَلِيميّ أن تكون الصلاة بمعنى السَّلام عليه، وفيه نظر، وحديث الباب يَرُدّ
على ذلك.
وأولَى الأقوال ما تقدَّم عن أبي العالية: أنَّ معنى صلاة الله على نبيّه: ثَنَاؤُه عليه وتعظيمه،
وصلاة الملائكة وغيرهم عليه: طلب ذلك له من الله تعالى، والمراد: طلب الزّيادة لا طلب
أصل الصلاة.
(١) بين يدي الحديث رقم (٤٧٩٧).
(٢) بإثر الحديث (٤٨٥) من ((جامعه)).
(٣) من قوله: ((صلاة الملائكة الدّعاء بالبركة)) إلى هنا سقط من (س).

٣٣٧
باب ٣٢ / ح ٦٣٥٨
كتاب الدعوات
وقيل: صلاة الله على خلقه تکون خاصّةً وتکون عامّةً، فصلاته على أنبيائه: هي ما
تقدَّم من الثَّناء والتَّعظيم، وصلاته على غيرهم: الرَّحمة فهي التي وسِعَت كلَّ شيء. ونَقَلَ
عياض عن بكر القُشَيريِّ قال: الصلاة على النبيّ ◌َّ ه من الله تشريف وزيادة تَكرِمة، وعلى
مَن دونَ النبيّ رحمة.
وبهذا التَّقرير يظهر الفَرق بين النبيّ ◌َ ◌ّه وبين سائر المؤمنينَ، حيثُ قال الله تعالى: ﴿إِنَّاللَّهَ
وَمَّبِ كَتَّهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، وقال قبل ذلك في السّورة المذكورة: ﴿ هُوَ
الَّذِى يُصَلِى عَلَيْكُمْ وَمَلَتَبِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣]، ومن المعلوم أنَّ القَدْر الذي يَلِيق بالنبيِّ :
صَلَىاللّه
من ذلك أرفَع ممّا يَلِيق بغيره، والإجماع مُنعَقِد على أنَّ في هذه الآية من تعظيم النبيّ
والتّنويه به ما ليس في غيرها.
وقال الحَلِيميّ في ((الشُّعَب)): معنى الصلاة على النبيّ وَّ: تعظيمُه، فمعنى قولنا: اللهمَّ
صَلِّ على محمَّد: عَظِّم محمَّداً. والمراد: تعظيمه في الدُّنيا بإعلاءِ ذِكْره، وإظهار دينه، وإبقاء
شريعته، وفي الآخِرة بإجزال مَتُوبَته وتشفيعه في أمَّته وإبداء فضيلته بالمقام المحمود، وعلى هذا
فالمراد بقوله تعالى: ﴿صَلُّواْعَلَيْهِ﴾: ادعوا رَبّكم بالصلاة عليه، انتهى.
ولا يُعكِّر عليه عَطفُ آله وأزواجه وذُرَيَّته عليه، فإنَّه لا يَمتَنِع أن يُدعَى لهم بالتَّعظيم،
إذ تعظیم کلّ أحد بحسب ما یلیق به.
وما تقدَّم عن أبي العالية أظهَر، فإنَّه يَحصُل به استعمال لفظ الصلاة بالنِّسبة إلى الله وإلى
ملائكته وإلى المؤمنينَ المأمورينَ بذلك بمعنَى واحد، ويُؤْيِّده أنَّه لا خِلافَ في جواز التَّرُم
على غير الأنبياء.
واختُلِفَ في جواز الصلاة على غير الأنبياء، ولو كان معنى قولنا: اللهمَّ صلِّ على محمَّد:
اللهمَّ ارحَم محمَّداً أو تَرَخَّم على محمَّد، لَجَازَ لغير الأنبياء. وكذا لو كانت بمعنى البَرَكة
وكذا الرَّحمة، لَسَقَطَ الوجوب في التَّشَهُّد عند مَن يُوجِبه بقولِ المصَلّي في التَّشَهُّد: ((السَّلام
عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبَرَكاته)) ويُمكِن الانفصال بأنَّ ذلك وَقَعَ بطريق التَّعَبُّد، فلا

٣٣٨
باب ٣٢ / ح ٦٣٥٨
فتح الباري بشرح البخاري
بُدَّ من الإتيان به، ولو سُبِقَ الإتیانُ بما يدلّ علیه.
قوله: ((على محمَّد وعلى آل محمَّد)) كذا وَقَعَ في الموضعينِ في قوله: ((صَلّ)) وفي قوله:
((وبارك)) ولكن وَقَعَ في الثّاني: ((وبارك على آل إبراهيم))، ووَقَعَ عند البيهقيّ (١٤٧/٢) من
وجه آخر عن آدم شيخ البخاريّ فيه: ((على إبراهيم))، ولم يَقُل: ((على آل إبراهيم)). وأخَذَ
البَيْضاويّ من هذا أنَّ ذِكْرَ الآل في رواية الأصل مُقحَمِّ كقوله: ((على آلِ أبي أوَ))(١).
قلت: والحقّ أنَّ ذِكْرَ محمَّد وإبراهيم، وذِكْرَ آل محمَّد وآلِ إبراهيم ثابت في أصل الخبر.
وإنَّما حَفِظَ بعضُ الرُّواة ما لم يحفظِ الآخرُ، وسأُبيِّنُ مَن ساقَه تامّاً بعد قليل.
وشَرَحَ الطِّييُّ على ما وَقَعَ في رواية البخاريّ هنا، فقال: هذا اللَّفظ يُساعِد قول من قال: إنَّ
١٥٧/١١ معنى قول الصحابيّ: علِّمنا كيف السَّلام عليك، أي: في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا/
صَلُواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ فكيف نُصلّي عليك؟ أي: على أهل بيتك، لأنَّ الصلاة عليه قد
عُرِفَت مع السَّلام من الآية، قال: فكان السُّؤال عن الصلاة على الآل تشريفاً لهم.
وقدَّم ذِكِرَ (٢) محمَّد في الجواب لقولِه تعالى: ﴿لَاتُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]
وفائدته الدّلالة على الاختصاص. قال: وإنَّما تَرَكَ ذِكرَ إبراهيم ليُنبِّهَ على هذه النُّكتة، ولو ذُكر
لم يُفهَم أنَّ ذِكْرَ محمَّد على سبيل التَّمهيد. انتهى، ولا يخفى ضعفُ ما قال.
ووَقَعَ في حديث أبي مسعود عند أبي داود (٩٨١) والنَّسائيّ (ك٩٧٩٤): ((على محمَّد النبيّ
الأُمّيّ))، وفي حديث أبي سعيد في الباب: ((على محمَّد عبدك ورسولك كما صَلَّيت على إبراهيم))،
ولم يُذكَر آل محمَّد ولا آلُ إبراهيم، وهذا إن لم يُحمَل على ما قلتُه أنَّ بعض الرّواة حَفِظَ ما لم
يحفظ الآخرُ، والأظهَرُ فساد ما بَحَثَه الطِّيييّ(٣).
(١) تقدم برقم (١٤٩٧).
(٢) تحرَّف في (س) إلى: وقد ذكر.
(٣) أراد الحافظ أن يبين أنَّ هذا الاختلاف في الروايات في ذكر الآل وعدم ذكره إن لم يُحمل على أنَّ بعض الرواة
حفظ ما لم يحفظ الآخر فإنه يُحمل على تعدد الروايات، وكلها ثابتة، وأنه على أي حالٍ فالأظهر فساد ما بحثه
الطيبي، والله أعلم.

٣٣٩
باب ٣٢ / ح ٦٣٥٨
كتاب الدعوات
وفي حديث أبي حُميد في الباب بعده: ((على محمَّد وأزواجه وذُرِّيَّته)) ولم يُذكَر الآلُ في
((الصَّحيح))، ووَقَعَت في رواية ابن ماجَهْ(١).
وعند أبي داود (٩٨٢) من حديث أبي هريرة: «اللهمَّ صَلِّ على محمَّد النبيّ وأزواجه
أمَّهات المؤمنينَ وذُرّيَّته وأهل بيته))، وأخرجه النَّسائيّ(٢) من الوجه الذي أخرجه مِنه
أبو داود، ولكن وَقَعَ في السَّنَد اختلاف بين موسى بن إسماعيل شيخ أبو داود فيه،
وبين عَمْرو بن عاصم شيخ شيخ النَّسائيّ فيه، فروياه معاً عن حِبّان بن يَسار - وهو
بكسر المهمَلة وتشديد الموحَّدة، وأبوه بمُئنّاةٍ ومُهمَلة خفيفة - فوَقَعَ في رواية موسى
عنه: عن عُبيد الله بن طلحة عن محمَّد بن عليّ عن نُعَيم المُجمِر عن أبي هريرة، وفي
رواية عَمْرو بن عاصم عنه: عن عبد الرَّحمن بن طلحة عن محمَّد بن عليّ عن محمَّد ابن
الحنفيَّة عن أبيه عليّ ابن أبي طالب. ورواية موسى أرجَح، ويحتمل أن يكون لِحِبّان فيه
سندان.
ووَقَعَ في حديث أبي مسعود وحدَه في آخره: ((في العالمينَ إِنَّك حميد مجيد»، ومثله في
رواية داود بن قيس عن نُعَیم المجمِر عن أبي هريرة عند السَّرّاج (٣).
قال النَّوويّ في ((شرح المهذَّب)): ينبغي أن يجمع ما في الأحاديث الصَّحيحة فيقول: ((اللهمَّ
صَلِّ على محمَّد النبيّ الأُمّيّ وعلى آلٍ محمَّد وأزواجه وذُرِّيَّته، كما صَلَّيت على إبراهيم وآلِ إبراهيم
وبارك)) مِثله، وزاد في آخرِه: ((في العالمينَ»، وقال في ((الأذكار)) مثله، وزاد: ((عبدك ورسولك))
بعد قوله: ((محمَّد)) في ((صَلِّ))، ولم يَزِدها في ((بارِك))، وقال في ((التَّحقيق)) و((الفتاوى)) مِثله، إلّا
أنَّه أسقَطَ ((النبيّ الأُمّيّ)) في ((وبارك)).
وفاتَه أشياء لعلّها توازي قَدرَ ما زادَه أو تَزيد عليه، منها: قوله: ((أَمَّهات المؤمنينَ))، بعد
(١) كذا وقع للحافظ رحمه الله مع أنَّ الذي في أصولنا الخطية لابن ماجه دون ذكر الآل.
(٢) هذا أخرجه النسائي في ((مسند علي)) كما بينه الحافظ في ((النكت الظراف)) (١٤٦٤٥).
(٣) وهو أيضاً في ((فوائد سَمّويه)) (٨٣).

٣٤٠
باب ٣٢ / ح ٦٣٥٨
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((أزواجه))، ومنها: و((أهل بيته))، بعد قوله: ((وذُرِّيَّته))، وقد ورَدَت في حديث ابن مسعود
عند الدّارَ قُطنيِّ(١).
ومنها: ((عبدك ورسولك)) في ((وبارِك))، ومنها: «في العالمينَ)) في الأُولى، ومنها: ((إِنَّك حَميد
تَجَيد)) قبل ((وبارِك))، ومنها: ((اللهمَّ) قبل ((وبارِك))، فإنَّهَا ثَبَتا معاً في رواية للنَّسائيِّ(٢).
ومنها: ((وتَرَجَّم على محمَّد ... )) إلى آخره، وسيأتي البحث فيها بعدُ.
ومنها في آخر التَّشَهُّد: وعلينا معهم. وهي عند التِّرمِذيّ (٤٨٣) من طريق أبي أُسامة
عن زائدة عن الأعمَش عن الحَكَم نحو حديث الباب، قال في آخره: قال عبد الرَّحمن: ونحنُ
نقول: وعلينا معهم، وكذا أخرجها السَّاج من طريق زائدة(٣).
وتَعقَّبَ ابن العربيّ هذه الزّيادة، قال: هذا شيء انفَرَدَ به زائدة فلا يُعوَّلُ عليه، فإنَّ
الناس اختَلَفوا في معنى الآلِ اختلافاً كثيراً، ومن ◌ُلَته أنَّهم أمَّته، فلا يَبقَى للتكرار فائدة،
واختَلَفوا أيضاً في جواز الصلاة على غير الأنبياء، فلا نَرَى أن نُشِرِك في هذه الخَصوصيَّة
مع محمَّد وآلِهِ أحداً.
وتَعقَّبَه شيخُنا في ((شرح الثِّرمِذيّ)) بأنَّ زائدة من الأثبات فانفِرادُه لو انفَرَدَ لا يَضُرّ مع
كونه لم يَنفَرِد، فقد أخرجها إسماعيل القاضي في كتاب ((فضل الصلاة)) (٥٧ و٥٨) من
طريقَينِ عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى، ويزيدُ استَشْهَدَ به مسلم، وعند
البيهقيّ في ((الشَّعَب)) (٤٠٧٤) من حديث جابر نحو حديث الباب، وفي آخره: «وعلینا
معهم)).
١٥٨/١١
وأمَّا الإيراد الأوَّل: فإنَّه يَخْتَصّ بمَن يرى أنَّ معنى الآلِ كلّ الأُمّة، ومع ذلك فلا يَمتَيَع أن/
يُعطف الخاصّ على العامّ ولا سيَّما في الدُّعاء، وأمَّا الإيراد الثّاني: فلا نعلم مَن مَنَع ذلك تَبَعاً،
(١) أخرج الدارقطني حديث ابن مسعود في ((سننه)) (١٣٣٨) لكن ليس فيه شيء مما ذكره الحافظ، وإنما هذا
الذي ذكره في رواية حديث أبي هريرة عند أبي داود (٩٨٢)، وقد قدَّم هو نفسُه رحمه الله لفظ روايته قريباً.
(٢) كذا نسب الحافظ هذه الرواية للنسائي، ولم نقف عليها في ((السنن الكبرى))، ولا في ((المجتبى)).
(٣) فات الحافظ رحمه الله أن يخرجها أيضاً من ((سنن النسائي)) (١٢٨٧).