النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١
باب ٢١ / ح ٦٣٣٨ -٦٣٣٩
كتاب الدعوات
الحديث، وكقوله: ((أعوذ بك من عين لا تَدمَع، ونفس لا تَشبَع، وقلب لا يخِشَع))(١). وكلّها
صحیحة.
قال الغَزاليّ: المكروه من السَّجع هو المتكلَّف، لأنَّه لا يُلائم الضَّراعة والذِّلّة، وإلّا ففي
الأدعية المأثورة كلمات مُتَوازنة(٢) لكنَّها غير مُتَكلَّفة. قال الأزهَريّ: وإِنَّا كَرهَه وَلِّ لُشاكَلَتِهِ
كلام الكَهَنة كما في قصَّة المرأة من هُذَيل(٣).
وقال أبو زيد وغيره: أصل السَّجع: القصد المستَوي، سواء كان في الكلام أم غيره.
٢١ - بابٌ لَيَعزِم المسألة، فإنّه لا مُكرِه له
٦٣٣٨ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا إسماعيلُ، أخبرنا عبدُ العزيزِ، عن أنسٍ ﴾، قال: قال
رسولُ الله ◌َّهِ: ((إذا دَعَا أحدُكم فلْيَعْزِمِ المَسْألَةَ، ولا يقولَنَّ: اللهمَّ إن شئتَ فأعطِنِي، فإنَّه لا
مُسْتگْرِهله)».
[طرفه في: ٧٤٦٤]
٦٣٣٩ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عن مالكٍ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ ◌َُ،
أنَّ رسولَ اللهِ وَ له قال: «لا يقولَنَّ أحدُكُمُ: اللهمَّ اغفِر لي إن شِئتَ، اللهمَّ ارَمْني إن شئتَ،
لِيَعْزِمِ المَسْألَةَ، فإنَّه لا مُكْرِهَ له)).
[طرفه في: ٧٤٧٧]
قوله: (باب ليَعْزِمِ المَسْألة، فإنَّه لا مُكرِهَ له)) المراد بالمسألة: الدُّعاء، والضَّميران لله تعالى، أو ١٤٠/١١
الأوَّل ضمير الشَّأن، والثّاني لله تعالى جَزماً. ومُكره بضمٍّ أوَّله وكسر ثالثه.
(١) أخرجه مسلم (٢٧٢٢) والنسائي (٥٤٥٨) من حديث زيد بن أرقم، وأبو داود (١٥٤٨) وابن ماجه (٢٥٠)
و(٣٨٣٧) والنسائي (٥٤٦٧) من حديث أبي هريرة، والترمذي (٣٤٨٢) والنسائي (٥٤٤٢) من حديث
عبد الله بن عمرو بن العاص، والنسائي (٥٤٤١) من حديث جابر بن عبد الله، و(٥٤٧٠) من حديث أنس
ابن مالك، لكن ليس عند أحد منهم: ((من عين لا تدمع)) وزادوا: ((من علم لا ينفع)).
(٢) تصحَّف في (س) إلى: متوازية.
(٣) يعني حديث أبي هريرة السالف عند البخاري برقم (٥٧٥٨).
٠٠
٣٠٢
باب ٢١ / ح ٦٣٣٩
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((حدَّثنا إسماعيل)) هو المعروف بابنٍ عُلَيَّة، وعبد العزيز: هو ابن صُهَيب، ونُسِبَ
في رواية أبي زيد المروزيِ وغیره.
قوله: ((فلْيَعْزِمِ المَسْألة)) في رواية أحمد (١١٩٨٠) عن إسماعيل المذكور: «الدُّعاء)).
ومعنى الأمر بالعَزمِ: الجِدّ فيه، وأن يَجِزِمَ بوقوع مطلوبه، ولا يُعلِّقَ ذلك بمشيئة الله تعالى،
وإن كان مأموراً في جميع ما يريد فِعله أن يُعلِّقه بمشيئة الله تعالى. وقيل: معنى العَزم: أن
يُحسِن الظَّنّ بالله في الإجابة.
قوله: ((ولا يقولَنَّ: اللهمَّ إن شئتَ فأعْطِنِي)) في حديث أبي هريرة المذكور بعده: ((اللهمَّ
اغْفِرْ لي إن شِئتَ، اللهمَّ ارحمني إن شِئتَ)»، وزاد في رواية همَّام عن أبي هريرة الآتية في
التَّوحيد (٧٤٧٧): ((اللهمَّ ارزقني إن شِئتَ))، وهذه كلّها أمثلة، ورواية العلاء عن أبيه عن
أبي هريرة عند مسلم (٨/٢٦٧٩) تَتَناول جميع ما يُدعَى به.
ولمسلم (٩/٢٦٧٩) من طريق عطاء بن ميناء عن أبي هريرة: ((ليَعزِم في الدُّعاء)). وله
من رواية العلاء: ((ليَعزِم وليُعظّم الرَّغبة))، ومعنى قوله: ((ليُعظُّم الرَّغبة)) أي: يُبالغ في ذلك
بتكرار الدُّعاء والإلحاح فيه، ويحتمل أن يُراد به الأمر بطلبِ الشَّيء العظيم الكثير، ويُؤيِّده ما
في آخر هذه الرِّواية (١): ((فإنَّ الله لا يَتَعَاظَمُه شيءٌ».
قوله: ((فإنَّه لا مُستَكْرِه له)) في حديث أبي هريرة: ((فإنَّه لا مُكرِه له)) وهما بمعنى، والمراد
أنَّ الذي يحتاج إلى التَّعليق بالمشيئة ما إذا كان المطلوب مِنه يَتأَتَّى إكراهه على الشَّيء،
فيُخفَّف الأمرُ عليه ويُعلَم بأنَّه لا يُطلَب مِنه ذلك الشَّيء إلّا بِرِضاه، وأمَّا الله سبحانه فهو
مُنَزَّه عن ذلك، فليس للتَّعليق فائدة. وقيل: المعنى أنَّ فيه صورةَ الاستغناء عن المطلوب
والمطلوب مِنه، والأوَّل أَولى. وقد وَقَعَ في رواية عطاء بن ميناء: ((فإنَّ الله صانعٌ ما شاءَ))،
وفي رواية العلاء: ((فإنَّ الله لا يَتَعاظَمِه شيء أعطاه)).
قال ابن عبد البرِّ: لا يجوز لأحدٍ أن يقول: اللهمَّ أعطِني إن شئت، وغير ذلك من أُمور
(١) يعني رواية العلاء.
٣٠٣
باب ٢٢ / ح ٦٣٤٠
كتاب الدعوات
الدّين والدُّنيا، لأنَّه كلام مُستَحيل لا وجه له، لأنَّه لا يفعل إلّا ما يشاء. وظاهره أنَّه حَمَلَ
النَّهيَ على التَّحريم، وهو الظّاهر، وحَمَلَ النَّوويّ النَّهيَ في ذلك على كراهة التَّنزيه وهو
أولى، ويُؤيِّده ما سيأتي في حديث الاستخارة (٦٣٨٢).
قال ابن بَطّال: في الحديث أنَّه ينبغي للدّاعي أن يَجتَهِد في الدُّعاء ويكون على رَجاء
الإجابة، ولا يَقنَطْ من الرَّحمة فإنَّه يَدعُو كريماً. وقد قال ابن عُيَينَةَ: لا يَمنَعَنَّ أحداً الدُّعاءَ
ما یعلم في نفسه - يعني: من التَّقصیر - فإنَّ الله قد أجابَ دعاء شرّ خلقه وهو إبليس حين
قال: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْ نِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر: ٣٦].
وقال الدَّاوُوديّ: معنى قوله: ((ليَعزِم المسألة)): أن يَجْتَهِد ويُلحّ، ولا يَقُل: إن شِئت،
كالمستَثني، ولكن دعاءَ البائس الفقير. قلت: وكأنَّه أشارَ بقولِه: كالمستَئني، إلى أنَّه إذا قالها
على سبيل التَّبُّك لا يُكرَه، وهو جيّد.
٢٢ - بابٌ يُستجاب للعبد ما لم يعجل
٦٣٤٠ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن أبي عُبيدٍ مولى ابنِ
أزْهَرَ، عن أبي هريرةَ، أَنَّ رسولَ الله وَلّه قال: «يُسْتَجابُ لأحدِكم ما لم يَعْجَل، يقول: دَعَوْتُ
فلم يُسْتَجَب لي)).
قوله: ((باب يُسْتَجاب للعبدِ)) أي: إذا دَعَا ((ما لم يَعجَل)) والتَّعبير بالعبد وَقَعَ في رواية أبي
إدریس کما سأُنبِّه علیه.
قوله: (عن أبي ◌ُبيد)) هو سعد بن عُبيد.
قوله: ((مَوْلَی ابن أزْهَر)) اسمه عبد الَّحمن.
قوله: ((يُسْتَجاب لأحدِكم ما لم يَعْجَل)) أي: يُجاب دعاؤُه. وقد تقدَّم بيان ذلك في التَّفسير في
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُسْتَجَابُوا لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٧٢](١).
(١) بین یدي الحدیث رقم (٤٥٦٣).
٣٠٤
باب ٢٢ / ح ٦٣٤٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((يقول: دَعَوْت فلم يُسْتَجَب لي)) في رواية غير أبي ذرّ: ((فيقول)) بزيادة فاء واللّام
١٤١/١١ منصوبة. قال ابن بَطّال: المعنى: أنَّه يَسأم فيَترُك / الدُّعاء، فيكون كالمانِّ بدعائه. أو أنَّه أتى
من الدُّعاء بما يَستَحِقّ به الإجابة، فيصير كالمبخِّلِ للرَّبِّ الكريم الذي لا تُعجِزه الإجابة ولا
يَنْقُصُه العطاءُ.
وقد وَقَعَ في رواية أبي إدريس الخولانيِّ عن أبي هريرة عند مسلم (٢٧٣٥)، والتِّرمِذيّ(١)
(٣/٣٦٠٤): ((لا يزال يُستَجاب للعبد ما لم يَدْعُ بإثمٍ أو قَطيعة رَحِم، وما لم يَسْتَعْجِل)).
قيلَ: وما الاستعجال؟ قال: ((يقول: قد دعوت وقد دعوت فلم أرَ يُستجاب لي، فيَستَحِر
عند ذلك ويَدَعِ الدُّعاء)). ومعنى قوله: ((يَستَحسِر)) وهو بمُهمَلاتٍ: يَنقَطِع.
وفي هذا الحديث أدب من آداب الدُّعاء، وهو أنَّه يُلازِمِ الطَّلَب ولا يَيأس من الإجابة،
لما في ذلك من الانقياد والاستسلام وإظهار الافتقار، حتَّى قال بعض السَّلَف: لَأنا أشدّ
خَشْية أن أُحرَمِ الدُّعاء من أن أُحرَم الإجابة، وكأنَّه أشارَ إلى حديث ابن عمر رَفَعَه: ((مَن
فُتِحَ له منكم باب الدُّعاء فُتِحَت له أبواب الرّحمة)) الحديث، أخرجه التِّرمِذيّ (٣٥٤٨) بسندٍ
لَيِّن، وصَخَّحَه(٢) الحاكم (٤٩٨/١) فوهمَ.
قال الدَّاوُوديّ: يُحْشَى على مَن خالَفَ وقال: قد دَعَوت فلم يُستَجَب لي أن يُحُرَم الإجابة،
وما قامَ مقامها من الادِّخار والتكفير، انتهى.
وقد قَدَّمت في أوَّل كتاب الدُّعاء الأحاديث الدّالَّة على أنَّ دَعوة المؤمن لا تُرَدّ، وأنَّها
إمّا أن تُعَجَّلَ له الإجابةُ، وإمّا أن يُدفَعَ عنه من السّوءِ مِثْلُها، وإمّا أن يُدَّخَر له في الآخِرة
خيرٌ ممّا سألَ. فأشارَ الدَّاوُوديّ إلى ذلك.
وإلى ذلك أشارَ ابن الجَوْزيّ بقولِه: اعلم أنَّ دعاء المؤمن لا يُردّ، غير أنَّه قد يكون
الأَولى له تأخير الإجابة، أو يُعوَّض بما هو أولى له عاجلاً أو آجِلاً، فينبغي للمؤمنِ أن لا يَتْرُك
(١) رواية الترمذي من طريق زياد عن أبي هريرة، وزياد هذا هو ابن المغيرة أو ابن أبي المغيرة، كما جاء مقيداً
في رواية أبي يعلى في «مسنده» (٦١٣٤).
(٢) في الأصلين: وأخرجه، والمثبت على الصواب من (س).
:
٣٠٥
باب ٢٣
كتاب الدعوات
الطَّلَب من رَبّه فإنَّه مُتَعَبَّد بالدُّعاءِ، كما هو مُتَعَبَّد بالتَّسليمِ والتَّفويض.
ومن جُملة آداب الدُّعاء تَحرّي الأوقات الفاضلة كالسُّجود، وعند الأذان، ومنها تقديم
الوضوء والصلاة، واستقبال القِبْلة، ورفع اليدين، وتقديم التَّوبة، والاعتراف بالذَّنب،
والإخلاص، وافتتاحه بالحمدِ والثَّاء والصلاة على النبيّ وَّه والسُّؤال بالأسماءِ الحُسنَى، وأكثر
أدلّةِ ذلك ذُكِرَت في هذا الكتاب(١).
وقال الکِرْمانيُّ ما مُلخّصه: الذي يُتصوّر في الإجابة وعدمھا أربع صور:
الأولى: عَدَم العَجَلة وعَدَم القول المذكور، الثّانية: وجودهما، الثّالثة والرَّابِعة: عَدَم
أحدهما ووجود الآخر، فدَلَّ الخبر على أنَّ الإجابة تَخْتَصّ بالصّورة الأولى دونَ ثلاث. قال:
ودَّلَّ الحديث على أنَّ مُطلَق قوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ [البقرة: ١٨٦] مُفَيَّد بما
دَلَّ عليه الحديث.
قلت: وقد أُوِّلَ الحديث المشار إليه قبلُ على أنَّ المراد بالإجابة ما هو أعَمّ من تحصيل
المطلوب بعينه، أو ما يقوم مقامه ويزيد عليه، والله أعلم.
٢٣- باب رفع الأيدي في الدُّعاء
وقال أبو موسى الأشعَرِيُّ: دَعَا النبيُّ ◌ََّ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيه، ورأيتُ بياضَ إِبْطَيِهِ.
(١) أما تحري الدعاء في السجود فلقوله وَلي: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء)) أخرجه
مسلم (٤٨٢)، وأما عند الأذان فلقوله {وَ له: ((إنَّ الدعاء لا يردُّ بين الأذان والإقامة فادعوا)) أخرجه أحمد
(١٢٥٨٤)، وأبو داود (٥٢١)، والترمذي (٢١٢)، والنسائي في ((الكبرى)) (٩٨١٢)، وأما تقديم الوضوء
فلقوله وَلّ: ((كرهت أن أذكر الله إلّا على طُهر)) أخرجه أبو داود (١٧)، ولحديث أبي موسى السالف عند
البخاري (٤٣٢٣)، وأما رفع اليدين فلقوله وهي: ((إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفّكم، ولا تسألوه
بظهورها)) أخرجه أبو داود (١٤٨٦)، ولرفع اليدين واستقبال القبلة انظر الأبواب الثلاثة التالية، وأما التوبة
والاعتراف بالذنب فانظر الباب رقم (٤) من هذا الكتاب (الدعوات)، وأما الافتتاح بالحمد والثناء
والصلاة على النبي ول# فلقوله: ((إذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد ربه عز وجلّ والثناء عليه، ثم يصلي على
النبي ◌ِِّ، ثم يدعو بعدُ بما شاء)) أخرجه أبو داود (١٤٨١)، والترمذي (٣٤٧٧)، والنسائي (١٢٨٤)، وأما
السؤال بالأسماء الحسنى فلقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ اَلْأَسَّمَاءُ الْحُسْنَ فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠].
١
٣٠٦
باب ٢٣ / ح ٦٣٤١
فتح الباري بشرح البخاري
وقال ابنُ عمَرَ: رَفَعَ النبيُّنَ﴿ يَدَيه يقول: ((اللهمَّ إنّي أبْرَأْ إليكَ مَّا صَنَعَ خالدٌ)).
٦٣٤١ - وقال الأُوَيسيُّ: حدَّثني محمَّدُ بنُ جعفرٍ، عن يحيى بنِ سعيدٍ وشَرِيكِ، سمعَ أنساً،
عن النبيِّ ◌َ﴿ رَفَعَ بَدَيه حتَّى رأيتُ بياضَ إِيْطَيه.
قوله: (باب رَفْع الأيدي في الدُّعاء)) أي: على صِفَة خاصّة، وسَقَطَ لفظ: ((باب)) لأبي ذرٍّ.
قوله: ((وقال أبو موسى)) هو الأشعَريّ ((دَعا النبيّ وَِّثُمَّ رَفَعَ يَدَیه، ورأيت بياض إبطيه»
هذا طَرَف من حديثه الطّويل في قصَّة قتل عَمّه أبي عامر الأشعَريّ، وقد تقدَّم موصولاً في
المغازي في غزوة حُنَينٍ (٤٣٢٣)، وأشرت إليه قبل بثلاثة أبواب في ((باب قول الله تعالى:
﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾)).
١٤٢/١١
قوله: ((وقال ابن عمر: رَفَعَ النبيّ وَّهِ يَدَيه، يقول: اللهمَّ إنّ أبرَأ إليكَ مِمَّ صَنَعَ/ خالد))
وهذا طَرَف من قصَّة غزوة بني جَذِيمة، بجيمٍ ومُعجَمة وزن عظيمة، وقد تقدَّم موصولاً مع
شرحه في المغازي بعد غزوة الفتح (٤٣٣٩)، وخالد المذكور: هو ابن الوليد.
قوله: ((وقال الأويسيّ)) هو عبد العزيز بن عبد الله، ومحمّد بن جعفر، أي: ابن أبي کثیر،
ويحيى بن سعيد: هو الأنصاريّ.
وهذا طَرَف أيضاً من حديث أنس في الاستسقاء (١٠١٣)، وقد تقدَّم هناك بهذا السَّنَد
مُعلَّقاً (١٠٣٠)، ووَصَلَه أبو نُعَيم من رواية أبي زُرْعة الرَّازيِّ قال: حدَّثنا الأويسيّ به،
وأورَدَ البخاريّ قصَّة الاستسقاء مُطوَّلة من رواية شريك بن أبي نَمِر وحده عن أنس من
طرق في بعضها (١٠١٣) و(١٠١٤): ورَفَعَ يَدِیه، وليس في شيء منها: حتَّى رأیت بياض
إبطيه، إلّا هذا.
وفي الحديث الأوَّل رَدُّ على مَن قال: لا يَرفَع يداً إلّا في الاستسقاء، بل فيه وفي الذي
بعده رَدّ على مَن قال: لا يَرفَعِ اليَدَينِ في الدُّعاء غير الاستسقاء أصلاً، وتَسَّكَ بحديثٍ
أنس: لم يكن النبيّ ◌َلّهِ يَرفَع يَدَيه في شيء من دعائه إلّا في الاستسقاء، وهو صحيح(١)، لكن
(١) سلف برقم (١٠٣١).
٣٠٧
باب ٢٣ / ح ٦٣٤١
كتاب الدعوات
جمعَ بينه وبين أحاديث الباب وما في معناها: بأنَّ المنفيّ صِفَة خاصّة، لا أصل الَّفع، وقد
أشرت إلى ذلك في أبواب الاستسقاء.
وحاصله أنَّ الرَّفع في الاستسقاء يُخالف غيره، إمّا بالمبالَغة إلى أن تَصير اليدان في حَذْو
الوجه مثلاً، وفي الدُّعاء إلى حَذو المنكِبين، ولا يُعكِّر على ذلك أنَّه ثَبَتَ في كلّ مِنهما: حتَّى
يُرى بياضُ إِيطَيه، بل يُجمَع بأن تكون رُؤية البياض في الاستسقاء أبلَغ منها في غيره، وإمّا
أنَّ الكَفَّينِ في الاستسقاء يَليان الأرض، وفي الدُّعاء يَليان السماء، قال المنذريُّ: وبتقدير
تَعذُّر الجمع، فجانب الإثبات أرجح.
قلت: ولا سيَّما مع كَثْرة الأحاديث الواردة في ذلك، فإنَّ فيه أحاديثَ كثيرةً أفرَدَها
المنذِرِيُّ في جُزء، سَرَدَ منها النَّوويّ في ((الأذكار)) وفي ((شرح المهذَّب)) جُملة.
وعَقَدَ لها البخاريّ أيضاً في ((الأدب المفرد)) باباً ذكر فيه حديث أبي هريرة (٦١١): قَدِمَ
الطَّفَيل بن عَمْرو على النبيّ ◌َّه فقال: إنَّ دَوساً عَصَت، فادعُ الله عليها، فاستَقبَلَ القِبْلة
وَرَفَعَ يَدَيه فقال: ((اللهمَّ اهدِ دَوساً)، وهو في «الصحيحين))(١) دونَ قوله: وَرَفَعَ يَدَیه.
وحديث جابِرٍ(٢) (٦١٤): أنَّ الطُّفَيل بن عَمْرو هاجَرَ، فذكر قصَّة الرجل الذي هاجَرَ
معه، وفيه: فقال النبيّ ◌َِّ: ((اللهمَّ وليَدَيه فاغفِر)» ورَفَعَ یَدَیه، وسنده صحيح، وأخرجه
مسلم (١١٦).
وحديث عائشة (٦١٣): أنَّها رأتِ النبيّ وَلَّهَ يَدعُو رافعاً يَدَيه يقول: ((اللهمَّ إنَّما أنا
بشر)) الحديث، وهو صحيح الإسناد.
ومن الأحاديث الصَّحيحة في ذلك: ما أخرجه المصنِّ في ((جُزء رفع اليَدَينِ)) (٩٠): رأيت
النبيّ (ێ( رافعاً يديه يدعُو لِعثمان.
(١) عند البخاري (٢٩٣٧)، ومسلم (٢٥٢٤).
(٢) وقع في الأصلين: أبي جابر. وإنما هو حديث أبي الزبير عن جابر، فلعلَّ الحافظ أو بعض النساخ أراد أن يقول
ذلك، فسقط من قلمه قوله: الزبير عن، فصارت: عن أبي جابر.
٣٠٨
باب ٢٣ / ح ٦٣٤١
فتح الباري بشرح البخاري
ولمسلمٍ (٩١٣) من حديث عبد الرَّحمن بن سَمُرة في قصَّة الكُسوف: فانتَهَيت إلى النبيّ ◌َّ
وهو رافع يَدَيهِ يَدعو، وعنده (٩٠١/ ٢) في حديث عائشة في الكُسوف أيضاً: ثمَّ رَفَعَ يَدَیه
يَدعُو.
وفي حديثها عنده (٩٧٤/ ١٠٣) في دعائه لأهلِ البَقيع: فَرَفَعَ يَدَيه ثلاث مرَّات، الحديث.
ومن حديث أبي هريرة الطّويل في فتح مَكّة (١٧٨٠): فَرَفَعَ يَدَيه وجَعَلَ يَدعو.
وفي (الصحيحين))(١) من حديث أبي حُميدٍ في قصَّة ابن اللُّتبيَّة: ثمَّ رَفَعَ يَدَيه حتَّى رأيت عُفرة
إبطَيه يقول: ((اللهمَّ هل بَلَّغت؟».
ومن حديث عبد الله بن عَمْرو: أنَّ النبيَّ ◌َ﴿ِذكر قول إِبراهيم وعيسى، فَرَفَعَ يَدَیه وقال:
((اللهمَّ أمَّتي))(٢).
وفي حديث عمر: كان رسول الله ﴿ ﴿ إذا نزلَ عليه الوحي يُسمَع عند وجهه كَدَويٌّ
النَّحل، فأنزَلَ الله عليه يوماً، ثمَّ سُرِّي عنه، فاستَقبَلَ القِبْلة ورَفَعَ يَدَيه ودَعا، الحديث، أخرجه
التِّرمِذيّ (٣١٧٣) واللَّفظ له، والنَّسائيُّ (ك١٤٤٣) والحاكم (١/ ٥٣٥).
وفي حديث أُسامة: كنتُ رِدْفَ النبيّ ◌َّ بِعَرَ فات، فَرَفَعَ يَدَيهِ يَدعو، فماَلَت به ناقته فسَقَطَ
خِطامها، فتناولَه بَيَدِه وهو رافعٌ اليدَ الأُخرى، أخرجه النَّسائيُّ (٣٠١١) بسندٍ جيّدً (٣).
وفي حديث قيس بن سعد عند أبي داود (٥١٨٥): ثمَّ رَفَعَ رسول الله پ یدیه وهو يقول:
(اللهمَّ اجعل صَلَواتك ورحمتك على آل سعد بن عُبادة)) الحديث، وسنده جيِّد(٤). والأحاديث
في ذلك كثيرة.
وأمَّا ما أخرجه مسلم (٨٧٤) من حديث عُمارة بن رُوَيبة/ - براءٍ وموخَّدة مُصغَّر -: أنَّه
١٤٣/١١
(١) عند البخاري (٢٥٩٧)، ومسلم (١٨٣٢).
(٢) أخرجه مسلم (٢٠٢).
(٣) في إسناده انقطاع، وانظر تعليقنا عليه في ((مسند أحمد)) (٢١٨٢١).
(٤) في إسناده انقطاع أيضاً، وقال البخاري في ((التاريخ الكبير)) ١١٤/١: لم يصح إسناده.
٣٠٩
باب ٢٣ / ح ٦٣٤١
كتاب الدعوات
رأى بشر بن مروان يَرفَع يَدَيه، فأنكَرَ ذلك، وقال: لقد رأيتُ رسول الله ◌َل﴿ وما يزيد على
هذا يشير بالسَّابة، فقد حكى الطََّرَيُّ عن بعض السَّلَف أنَّه أَخَذَ بظاهره، وقال: السُّنّة أنَّ
الدّاعي يشير بإصبَعٍ واحدة، ورَدَّه بأنَّه إنَّما وَرَدَ في الخطيب حالَ الخُطبة، وهو ظاهر في
سياق الحديث فلا معنى للتَّمَسُّكِ به في مَنع رفع اليَدَينِ في الدُّعاء مع ثُبوت الأخبار
بمشروعيَّتِها، وقد أخرج أبو داود (١٤٨٨)، والتِّرمِذيّ (٣٥٥٦) وحَسَّنَه، وغيرهما، من
حديث سلمان رَفَعَه: ((إِنَّ رَبَّكم حَييّ كريم، يَستَحيي من عبده إذا رَفَعَ يَدَيه إليه أن يَرُدّهما
صِفراً)) بكسر المهمَلة وسكون الفاء، أي: خالية. وسنده جيّد.
قال الطَّبَرَيُّ: وكَرِهَ رفع اليَدَينِ في الدُّعاء ابن عمر وجُبَير بن مُطعَم، ورأى شُرَيح رجلاً
يَرفَع يَدَيه داعياً فقال: مَن تَتناول بهما، لا أمّ لك؟ وساقَ الطَّبَرِيُّ(١) ذلك بأسانيدِه عنهم.
وذكر ابن التِّين عن عبد الله بن عمر بن غانم: أنَّه نَقَلَ عن مالك أنَّ رفع اليَدَينِ في الدُّعاء
ليس من أمر الفقهاء. قال: وقال في ((المدَوَّنة)): ويَخْتَصّ الرَّفع بالاستسقاءِ ويجعل بطونهما
إلى الأرض.
وأمَّا ما نَقَلَه الطََّرِيُّ عن ابن عمر، فإنَّما أنكَرَ رفعهما إلى حَذو المنكِبِينِ، وقال: ليجعلهما
حَذْو صَدره، كذلك أسنَدَه الطَّبَرِيُّ عنه أيضاً.
وعن ابن عبّاس: أنَّ هذه صِفَة الدُّعاء.
وأخرج أبو داود (١٤٨٩) والحاكم (٤/ ٣٢٠) عنه من وجه آخر، قال: المسألة أن تَرفَع
يَدَيَك حَذو مَنْكِيَيك، والاستغفار أن تُشير بإصبَعِ واحدة، والابتهال أن تَمُدّ يَدَيك جميعاً.
وأخرج الطَّرُّ من وجه آخر عنه قال: يَرفَع یدیہ حثّی یجاوِز بهما رأسه.
وقد صَحَّ عن ابن عمر خِلاف ما تقدَّم، أخرجه البخاريّ في ((الأدب المفرد)»(٢) من طريق
(١) لم نقف عليه فيما طبع من كتبه.
(٢) لم نقف عليه عند البخاري في ((الأدب المفرد)) المطبوع ولا في جزء ((رفع اليدين)) له، وهو عند ابن سعد في
((الطبقات الكبرى)) ٤/ ١٥١ طبعة مكتبة الخانجي، وهو أيضاً في طبعة دار صادر ١٦٢/٤ لكن تحرَّف
فيه قوله: القاصّ إلى: العاص.
٣١٠
باب ٢٤-٢٥ / ح ٦٣٤٢ - ٦٣٤٣
فتح الباري بشرح البخاري
القاسم بن محمَّد: رأيت ابن عمر يَدعُو عند القاصّ يَرفَع يَدَيه حتَّى يُحاذي بهما مَنْكِبَيه،
باطِنھما مَّا یلیه وظاهر هما ممّا يَلي وجهه.
٢٤ - باب الدّعاء غيرَ مستقبلِ القبليةِ
٦٣٤٢ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ عَحبوبٍ، حدَّثنا أبو عَوَانةَ، عن قَتَادةَ، عن أنسٍ ﴾، قال: بينا
النبيُّ ◌َهِ يَخْطُبُ يومَ الجُمُعةِ، فقامَ رجلٌ فقال: يا رسولَ الله، ادعُ اللهَ أن يَسْقِيَنا، فَتَغْيَّمَتِ
السماءُ ومُطِرْنا حتَّى ما كادَ الرجلُ يَصِلُ إلى مَنْزِلِه، فلم تَزَل تُطَرِّ إلى الجمُعةِ المقْبِلِةِ، فقامَ ذلك
الرجلُ - أو غيرُه - فقال: ادْعُ اللهَ أن يَصْرِفَه عَنّا، فقد غَرِقْنا فقال: ((اللهمَّ حَوالَينا ولا علينا))
فجَعَلَ السَّحابُ يَقَطَّعُ حَوْلَ المدينةِ، ولا يُمْطَرُ أهلُ المدينةِ.
قوله: ((باب الدُّعاء غيرَ مُسْتَقْبِل القِبْلة)) ذكر فيه حديث قَتَادة عن أنس: بَيْنا النبيّ وَه
يَخْطُب يوم الجمعة فقامَ رجل فقال: يا رسول الله ادعُ الله أن يَسقينا، الحديث. وفيه: فقامَ
ذلك الرجل - أو غيره - فقال: ادعُ الله أن يَصِرِف عَنّا فقد غَرِقنا، فقال: ((اللهمَّ حَوالَينا ولا
علينا)) الحديث، وقد تقدَّم شرحه في الاستسقاء (١٠١٣)، وفي بعض طرقه في الأوَّل: فقال:
((اللهمَّ اسقِنا».
ووجه أخذه من التَّرجمة من جهة أنَّ الخطيب من شأنه أن يكون مُسْتَذْبِرَ القِبْلة، وأنَّه لم يُنقَل
أَنَّه ◌ِهِ لِمَّ دَعَا في المرّتَينِ استَدارَ، وقد تقدَّم في الاستسقاء (١٠١٨) من طريق إسحاق بن أبي
طلحة عن أنس في هذه القصَّة في آخره: ولم يَذْكُرُ أَنَّه حَوَّلَ رِداءَه، ولا استَقَبَلَ القِبْلة.
٢٥ - باب الدّعاء مستقبلَ القبلةِ
١٤٤/١١
٦٣٤٣- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا وُهَيبٌ، حدَّثنا عَمْرو بنُ يحيى، عن عَبّادِ بنِ
تَمِيمٍ، عن عبدِ الله بنِ زيدٍ، قال: خَرَجَ النبيُّنَّهِ إلى هذا المصَلَّى يَسْتَسْقِي، فَدَعَا واسْتَسْقَى، ثمَّ
اسْتَقبَلَ القِبْلةَ وقَلَبَ رِداءًه.
قوله: (باب الدُّعاء مُسْتَقْبِل القِبْلة)) ذكر فيه حديث عبد الله بن زيد قال: خَرَجَ النبيّ ◌ِّل
إلى المصَلَّى يَستَسقي فَدَعَا واستَسقَى، ثمَّ استَقبَلَ القِبْلة وقَلَبَ رِداءَه. قال الإسماعيليّ: هذا
٣١١
باب ٢٥ / ح ٦٣٤٣
كتاب الدعوات
الحديث مُطابِقٍ للتَّرجمة التي قبل هذا، يريد أنَّه قَدَّمَ الدُّعاء قبل الاستقبال(١). ثمَّ قال: لكن
لعلَّ البخاريّ أراد أنَّه لمَّا تَحوَّلَ وقَلَبَ رِداءَه دَعَا حينئذٍ أيضاً.
قلت: وهو كذلك، فأشارَ كعادتِه إلى ما وَرَدَ في بعض طرق الحديث، وقد مَضَى في
الاستسقاء من هذا الوجه (١٠٢٨) بلفظ: وأنَّه لمَّا أراد أن يَدعُو استَقْبَلَ القِبْلة وحَوَّلَ رِداءَه،
وتَرجَمَ له ((استقبال القِبْلة في الدُّعاء))(٢).
والجمع بينه وبين حديث أنس أنَّ القصّة التي في حديث أنس كانت في خُطبة الجمعة
بالمسجد، والقصَّة التي في حديث عبد الله بن زيد كانت بالمصَلَّى.
وقد سَقَطَت هذه التَّرجمة من رواية أبي زيد المروزيِّ، فصارَ حديثها من جُملة الباب
الذي قبله، ويَسقُط بذلك اعتراض الإسماعيليّ من أصله.
وقد وَرَدَ في استقبال القِبْلة في الدُّعاء مِن فِعل النبيّ ◌َّ عِدّة أحاديث:
مِنها حديث عمر عند التِّرمِذيّ وقد قَدَّمته في ((باب رفع اليَدَينِ في الدُّعاء)) ولمسلمٍ
(١٧٦٣)، والتِّرمِذيّ (٣٠٨١) من حديث ابن عبّاس عن عمر: لمَّا كان يومُ بدر نظرَ
رسول الله وَّه إلى المشرِكِينَ فاستَقبَلَ القِبْلة، ثمَّ مَدّ يَدَيه فجَعَلَ يَهْتِف برَبِّه، الحديث.
وفي حديث ابن مسعود: استَقْبَلَ النبيّ وَّ الكعبة، فدَعَا على نَفَر من قُرَيش، الحديث،
مُتَّفَق عليه(٣).
وفي حديث عبد الرَّحمن بن طارق عن أبيه (٤): أنَّ رسول الله وَ لَيهِكان إذا جازَ مكاناً من
(١) تحرَّف في (س) إلى: الاستسقاء.
(٢) كذا قال الحافظ! وهو سَبْق قلم منه رحمه الله، لأنَّ البخاري ترجم له بقوله: استقبال القبلة في الاستسقاء. ولم
يختلف رواة البخاري فيه حسب ما في اليونينية.
(٣) عند البخاري (٣٧٤٣)، ومسلم (١٧٩٤) (١١٠).
(٤) هذا سبق قلم من الحافظ رحمه الله، لأنَّ الحديث عند أبي داود والنسائي إنما هو عن أمه وليس عن أبيه، على أنَّ
بعض من روى هذا الحديث جعله عن أبيه، كما وقع هنا، وقد بيَّن الحافظ هذا الاختلاف في ((الإصابة)» في
ترجمة طارق بن علقمة ٣/ ٥١٢، وقوّی أنه عن أمه ولیس عن أبيه.
٣١٢
باب ٢٦ / ح ٦٣٤٤
فتح الباري بشرح البخاري
دار يَعْلَى اسْتَقْبَلَ القِبْلة فدَعا، أخرجه أبو داود (٢٠٠٧) والنَّسائيُّ (٢٨٩٦) واللَّفظ له.
وفي حديث ابن مسعود: رأيتُ رسول الله وَله في قبر عبد الله ذي البجادين، الحديث، وفيه:
فلمَّا فَرَغَ من دفنه استَقْبَلَ القِبْلة رافعاً يَدَيه، أخرجه أبو عَوَانة في ((صحيحه))(١).
٢٦ - باب دعوة النبيّ وَّةٍ لخادمه بطول العُمُرِ، وبكَثْرة مالِه
٦٣٤٤ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ أبي الأسوَدِ، حدَّثْنَا حَرَمِيٌّ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن قَتَادةَ، عن أنسِ .
ـه،
قال: قالت أمي: يا رسولَ الله، خادِمُكَ، ادْعُ اللهَ له، قال: ((اللهمَّ أكثِرْ مالَه ووَلَدَه، وبارِكْ له
فيما أعطيته)).
قوله: ((باب دَعْوة النبيّ ◌َّ﴿ لخادِمِه بطولِ العُمر وبِكَثْرةٍ ماله)) ذكر فيه حديث أنس: قالت
أمّي: يا رسول الله خادمك، ادعُ الله له، قال: ((اللهمَّ أكثِرِ ماله وولده)) الحديث، وقد مَضَى
قريباً (٦٣٣٤)، وذكره في عِدّة أبواب، وليس في شيء منها ذِكْر العُمر. فقال بعض الشُّراح:
مُطابقة الحديث للتَّرجمة أنَّ الدُّعاء بكثرة الولد يَستَلزِم حصول طول العُمر.
وتُعقّبَ بأَنَّه لا مُلازَمة بينهما إلّا بنوع من المجاز، بأن يُراد أنَّ كَثْرة الولد في العادة
تَستَدعي بقاء ذِكْر الوالد ما بَقِيَ أولاده، فكأنّه حَيّ.
١٤٥/١١
والأَولى في الجواب أنَّه أشارَ كَعادتِه إلى ما وَرَدَ في بعض طرقه، فأخرج في ((الأدب/
المفرَد)» (٦٥٣) من وجه آخر عن أنس قال: قالت أمّ سُلَيم - وهي أمّ أنس -: خُوَيدِمك ألا تَدعُو
له؟ فقال: ((اللهمَّ أكثِرْ ماله وولده، وأطِلْ حیاته، واغفِرْ له)).
فأمَّا كَثْرة ولد أنس وماله فوَقَعَ عند مسلم (١٤٣/٢٤٨١) في آخر هذا الحديث من
طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس: قال أنس: فوالله إنَّ مالي لكثير، وإنَّ
ولدي وولد ولدي لَيَتَعادّونَ على نحو المئة اليومَ، وتقدَّم في حديث: ((الطاعون شهادة لِكلِّ
مسلم)) في كتاب الطِّبّ (٥٧٣٢) قول أنس: أخبَرَتني ابنَتي أُمينة: أنَّ دُفِنَ من صُلبي إلى
(١) لم نقف عليه فيما طبع من ((مستخرج أبي عوانة))، وهو عند البغوي في ((معجم الصحابة)) (٦٧٠)، وأبي
نعيم في «معرفة الصحابة)) (٤١٠٥)، وهو أيضاً عند البزار (١٧٠٦) لکن لیس فیه ذکر رفع الیدین.
٣١٣
باب ٢٧ / ح ٦٣٤٥ - ٦٣٤٦
كتاب الدعوات
يوم مَقْدَم الحجّاج البصرةَ مئة وعشرونَ(١).
وقال النَّوويّ في ترجمته: كان أكثر الصحابة أولاداً.
وقد قال ابن قُتَيبة في ((المعارف)): كان بالبصرة ثلاثة ما ماتوا حتَّى رأى كلُّ واحد
منهم من ولده مئة ذَكَر لِصُلبِه: أبو بَكرة وأنس وخليفة بن بدر، وزاد غيره رابعاً وهو
المهلَّب بن أبي صُفرة.
وأخرج التُّرمِذيّ (٣٨٣٣) عن أبي العالية في ذِكْر أنس: وكان له بُستان يُؤْتي في كلّ
سنة الفاکهة مرّتین، و کان فيه ريحان تجيء مِنه ريح المسك، ورجاله ثقات.
وأمَّا طول عُمُر أنس فقد ثَبَتَ في ((الصَّحيح)): أنَّه كان في الهجرة ابن تسع سنين(٢)،
وكانت وفاته سنة إحدى وتسعينَ فيما قيل، وقيل: سنة ثلاث وله مئة وثلاث سنين، قاله
خليفة وهو المعتمَد، وأكثر ما قيل في سِنّه: أنَّ بَلَغَ مئة وسبع سنين، وأقلّ ما قيل فيه: تِسعاً
وتسعينَ سنة.
٢٧ - باب الدعاء عند الکرب
٦٣٤٥ - حدّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا هشامٌ، حدَّثنا قَتَادةُ، عن أبي العاليَةِ، عن ابنِ
عَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: كان النبيُّ نَّهِ يَدْعو عنْدَ الكَرْبِ يقولُ: ((لا إلهَ إلّا الله العظيمُ
الحَلِيمُ، لا إلهَ إلّ الله ◌َرَبُّ السماوات والأرضِ وَرَبُّ العَرْشِ العظيمِ)).
[أطرافه في: ٦٣٤٦، ٧٤٢١، ٧٤٣١]
٦٣٤٦ - حدَّثنا مُسلَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن هشام بنِ أبي عبدِ الله، عن قَتَادةَ، عن أبي العالیةِ، عن
ابنِ عبَّاسٍ: أنَّ رسولَ الله وَّالِ كان يقول عندَ الكَرْبِ: ((لا إلهَ إلّا الله العظيمُ الحَلِيمُ، لا إلهَ إلّ الله
رَبُّ العَرْشِ العظيمِ، لا إلهَ إلّا الله رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الأرضِ، وَرَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ)).
(١) هذا ذهول من الحافظ رحمه الله، لأنَّ قول أنس هذا تقدم في الصوم عند حديث الباب نفسه برقم
(١٩٨٢).
(٢) تقدم عند البخاري (٥١٦٦) لكن بلفظ: أنه كان ابن عشر سنين مَقْدَمَ رسول الله وَلِّ المدينة.
٣١٤
باب ٢٧ / ح ٦٣٤٦
فتح الباري بشرح البخاري
وقال وَهْبٌ: حدَّثْنَا شُعْبةُ، عن قَتَادةَ، مِثْلَه.
قوله: ((باب الدُّعاء عند الكَرْب)) بفتح الكاف وسكون الرَّاء بعدها موخَّدة: هو ما يَدْهَم
المرءَ مَّا يأخُذ بنفسِه فَغُمُّه ويَحِزُنه.
قوله: ((هشام)) وفي الطَّريق الثّانية: هشام بن أبي عبد الله، وهو الدَّستُوائيّ، وأبو
العاليَة: هو الرّياحيّ، بتحتانيَّة ثمَّ مُهمَلة، واسمه: رُفَيع، وقد رواه قَتَادة عنه بالعَنعَنة
وهو مُدَلِّس، وقد ذكر أبو داود في ((السُّنَن)) في كتاب الطَّهارة عَقِب حديث أبي خالد
الدّالانيّ عن قَتَادة عن أبي العالية (٢٠٢): قال شُعْبة: إنَّما سمعَ قَتَادة من أبي العالية أربعة
أحاديث: حديث يونس بن مَتَّى(١)، وحديث ابن عمر (٢) في الصلاة، وحديث: القُضاة ثلاثة(٣).
وحديث ابن عبَّاس: شَهِدَ عندي رجال مَرضيّونَ(٤).
وروى ابن أبي حاتم في ((المراسيل)) بسنده عن يحيى القَطّان عن شُعْبة قال: لم يسمع
قَتَادة من أبي العاليَة إلّا ثلاثة أحاديث، فذَكَرها بنحوِه، ولم يَذكُر حديث ابن عمر، وكأنَّ
١٤٦/١١ البخاريّ لم يَعتَبِرِ بهذا/ الخَصر، لأنَّ شُعْبة ما كان يُحدِّث عن أحد من المدَلِّينَ إلّا بما يكون
(١) سلف برقم (٣٣٩٥).
(٢) كذا وقع في أصولنا الخطيّة المتقنة من ((سنن أبي داود)»، وهو خطأ قديم، صوابه: حديث عمر في الصلاة،
كما جاء على الصواب في ((جامع الترمذي)) بإثر (١٨٣)، وفي ((مراسيل ابن أبي حاتم)) (٦٢٨)، وهذا
الحديث من رواية قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس عن عمر، وقال فيه ابن عباس: شهد عندي
مرضیون، فذكره. وعليه يكون قد تكرر ذكر حديث ابن عباس مرتين، وتكون العدة ثلاثة أحاديث،
لکن وقع في رواية ابن خزيمة (٢١٤٦) ذكر حديث ابن عباس عن عمر في الصلاة مقروناً به حدیث
آخر بالسند نفسه في النهي عن صوم يوم الفطر ويوم النحر، ومما يؤيد أنه بالسند نفسه أنه أخرجه البزار
(١٨٦)، والطبراني في «الأوسط)) (٢٥٧٧) مفرداً بهذا الإسناد، فلعلَّ هذا هو الحديث الرابع الذي
قصده شعبة هنا، وقد یکون قصد الحديث الذي تقدم عند البخاري (٣٢٣٩) في ذکر وصف موسی
وعيسى عليهما السلام، أو يكون قصد حديث الباب، والله أعلم.
(٣) هو حديث علي بن أبي طالب موقوفاً عليه، وأخرجه ابن أبي شيبة ٧/ ٢٣٠، والبغوي في ((الجعديات))
(١٠٢٤)، والبيهقي ١/ ١١٧.
(٤) سلف برقم (٥٨١).
٣١٥
باب ٢٧ / ح ٦٣٤٦
كتاب الدعوات
ذلك المدَلِّس قد سمعَه من شيخه(١)، وقد حدَّث شُعْبة بهذا الحديث عن قَتَادة، وهذا هو
السّرّ في إيراده له مُعلَّقاً في آخر التَّرجمة من رواية شُعْبة.
وأخرج مسلم (٢٧٣٠) الحديث من طريق سعيد بن أبي عَرُوبة عن قَتَادة: أنَّ أبا العاليَة
حدّثه. وهذا صريح في سماعه له مِنه.
وأخرج البخاريّ أيضاً (٣٢٣٩) من رواية قَتَادة عن أبي العالية غير هذا، وهو حديث
رُؤية موسى وغيره ليلة أُسريَ به، وأخرجه مسلم أيضاً (١٦٥).
وقوله في هذا المعلَّق: ((وقال وَهْب)) كذا للأكثر، وللمُستَمْلي وحده: وُهَيب، بالتَّصغير،
وقال أبو ذَرّ: الصَّواب الأوَّل.
قلت: ووَقَعَ في رواية أبي زيد المروزيِّ: وهب بن جَرِير - أي: ابن حازِم - فأزالَ
الإشكال، ويُؤيِّده أنَّ البخاريّ أخرج الحديث المذكور في التَّوحيد (٧٤٢٦) من طريق
وُهَيب، بالتَّصغير، وهو ابن خالد، فقال: عن سعيد بن أبي عَرُوبة عن قَتَادة. فظَهَرَ أَنَّه
عند وُهَيب بالتَّصغير: عن سعيد، بالمهمَلة والدّال، وعند وَهْب بسكونِ الهاء: عن شُعْبة،
بالمعجَمة والموخَّدة.
قوله: ((كان يَدْعو عند الكَرْب)) أي: عند حُلول الكَرب، وعند مسلم (٢٧٣٠) من
رواية سعيد بن أبي عَرُوبة عن قتادة: كان يَدعُو بِنَّ ويقولُهُنَّ عند الكَرب.
وله (٢٧٣٠) من رواية يوسف بن عبد الله بن الحارث عن أبي العالية: كان إذا حَزَبَه
أمرٌ، وهو بفتحِ المهمَلة والزّاي وبالموحّدة، أي: هَجَمَ عليه أو غَلَبَه، وفي حديث عليّ عند
النَّسائيِّ (ك٧٦٢٦) وصَحَّحَه الحاكم (٥٠٨/١): لَقَّنَني رسول اللهِوَ لَيهِ هؤلاءِ الكلمات،
وأمَرَني إن نزلَ بي كَرب أو شِدّة أن أقولها.
(١) بل قد نصَّ شعبة فيما رواه محمد بن طاهر المقدسي بسنده عنه في ((مسألة التسمية)) ص ٤٧ أنه قال:
كفيتكم تدليس ثلاثة: الأعمش وأبي إسحاق وقتادة. وأورده الحافظ في ((طبقات المدلسين)) ص٥٩،
وقال: هذه قاعدة جيدة في أحاديث هؤلاء الثلاثة أنها إذا جاءت من طريق شعبة دلت على السماع ولو
کانت معنعنة.
٣١٦
باب ٢٧ / ح ٦٣٤٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((لا إله إلّا الله العظيم الحليم، لا إله إلّا الله رَبّ السَّماوات والأرض، وَرَبّ العَرْش
العظيم)) ووَقَعَ في الرِّواية التي بعدها بلفظ: ((ورَبّ الأرض، ورَبّ العَرش الكريم))، وقال
في أوَّله: ((رَبّ العَرش الكريم)(١) بَدَل: ((العظيم الحليم))، ووَقَعَ جميع ما تَضَمَّنَتَه هاتان
الرِّوايتان في رواية وُهَيب بن خالد التي أشرت إليها، لكن قال: ((العليم الحليم)) باللّام
بَدَل الظّاء المعجَمة، وكذا هو لمسلم: من طريق معاذ بن هشام، وقال: ((العظيم)) بَدَل:
((العلیم)).
قوله: (رَبّ العَرْش العظيم)) نَقَلَ ابن التِّين عن الدَّاوُوديّ أنَّه رواه برفع ((العظيم»،
وكذا برفع ((الكريم)) في قوله: ((رَبّ العَرش الكريم)) على أنَّهما نَعتان للرَّبّ، والذي ثَبَتَ في
رواية الجمهور بالجرِّ على أنَّه نَعت للعَرش، وكذا قرأ الجمهور في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ رَبُّ
اُلْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩] و﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيِ﴾ [المؤمنون: ١١٦] بالجرّ، وقرأ ابن
مُحَيَصِن بالرفع (٢) فيهما، وجاء ذلك أيضاً عن ابن كثير وعن أبي جعفر المدنيّ. وأُعرِب
بوجهَينِ: أحدهما: ما تقدَّم، والثّاني: أن يكون مع الرَّفع نَعتاً للعَرشِ على أنَّه خَبَرَ لمُبتَدَأ
محذوف قُطِعَ عمَّ قبله للمَدح، ورُجِّحَ لحصولِ تَوافُق القراءتَين، وَرَجَّحَ أبو بكر الأصَمّ
الأوَّل، لأنَّ وصف الرَّبّ بالعظيم أولى من وصف العَرش، وفيه نظر، لأنَّ وصف ما يُضاف
للعظيمِ بالعظيمِ أقوى في تعظيم العظيم، فقد نَعَتَ الهُدهُد عَرش بَلقيس بأنَّه عَرش عظيم
ولم يُنكِر علیه سلیمان.
قال العلماء: الحليم: الذي يُؤَخِّرِ العُقوبة مع القُدرة، والعظيم: الذي لا شيء يَعظُم عليه،
والكريم المعطي فضلاً، وسيأتي لذلك مزيد في شرح الأسماء الحُسنَى قريباً.
(١) كذا وقع للحافظ رحمه الله، وليس ذلك في شيء من روايات البخاري حسب ما في اليونينية، بل ولا في
شيء من مصادر التخريج التي بأيدينا، ولعله سقط من نسخة الحافظ قوله في أول الحديث الثاني: ((لا إله
إلّا الله العظيم الحليم))، فصار أولُ الحديث عنده: ((لا إله إلّا الله رب العرش العظيم))، وتغيّر في نسخته
قوله: العرش العظيم إلى: العرش الكريم.
(٢) وقع في الأصلين و(س): بالرفع، وقرأ ابن محيصن بالجر فيهما، وهو سبق قلم من الحافظ نفسه رحمه الله،
أو من بعض النساخ، وإنما أثبتنا الصواب لأن سياق كلام الحافظ يدل عليه سباقه وحاقه.
٣١٧
باب ٢٧ / ح ٦٣٤٦
كتاب الدعوات
وقال الطِّييُّ: صَدَّرَ هذا الثَّنَاء بِذِكْرِ الرَّبّ ليناسب كَشف الكَرِب، لأنَّه مُقْتَضَى التَّربية،
وفيه التَّهليل المشتَمِل على التَّوحيد، وهو أصل التَّنزيهات الجَلاليَّة، والعَظَمة التي تَدُلّ على
تمام القُدرة، والحِلم الذي يدلّ على العلم، إذ الجاهل لا يُتصوَّر مِنه حِلْم ولا حَرَم، وهما
أصل الأوصاف الإكراميَّة.
ووَقَعَ في حديث عليٍّ الذي أشرت إليه: ((لا إله إلّا الله الكريم العظيم(١)، سبحان الله،
تَبَارَكَ الله رَبّ العَرش العظيم، والحمد لله رَبّ العالمينَ))، وفي لفظ: ((الحليم الكريم)) في
الأوَّل، وفي لفظ: ((لا إله إلّا الله وحده لا شَرِيك له العليّ العظيم، لا إله إلّا الله وحده لا ١٤٧/١١
شَرِيك له الحليم الكريم))، وفي لفظ: ((لا إله إلّا الله الحليم الكريم، سبحانه تَبَارَكَ وتعالى
رَبّ العَرش العظيم، الحمد لله رَبّ العالمينَ)) أخرجها كلّها النَّسائيُّ(٢).
قال الطَّبَريُّ: معنى قول ابن عبّاس: يَدعو، وإنَّما هو تَهليل وتعظيم، يحتمل أمرَينِ:
أحدهما: أنَّ المراد تقديم ذلك قُبَيلَ الدُّعاء، كما وَرَدَ من طريق يوسف بن عبد الله بن
الحارث المذكورة، وفي آخرہ: ثمَّ يَدعو.
قلت: وكذا هو عند أبي عَوَانة في ((مُستَخرَجه))(٣) من هذا الوجه.
وعند عبد بن حُميدٍ (٦٦٠) من هذا الوجه: كان إذا حَزَبَه أمر قال، فذكر الذِّكر المأثور
وزاد: ثمَّ دَعا.
وفي ((الأدب المفرد)) (٧٠٢) من طريق عبد الله بن الحارث: سمعت ابن عبّاس، فذكره،
وزاد في آخره: «اللهمَّ اصِرِف عنِّي شَرّه)).
قال الطَّبَرِيُّ: ويُؤيِّد هذا ما روى الأعمَش عن إبراهيم قال: كان يقال: إذا بَدَأ الرجل
بالثَّناءِ قبل الدُّعاء استُجيبَ، وإذا بَدَأ بالدُّعاءِ قبل الثَّنَاء كان على الرَّجاء.
(١) لم نقف عليه بهذا اللفظ في سائر طرقه في ((سنن النسائي الكبرى))، لكن جاء كذلك في ((الأذكار)) للنووي وتبعه
الحافظ في ((نتائج الأفكار)) ٨٣/٤، كما تبعه هنا. ولفظه في سائر مواضعه عند النسائي: الحليم الكريم.
(٢) في ((الكبرى)) بالأرقام (٧٦٢٦) و(١٠٣٩٢) و(١٠٣٩٤).
(٣) ليس هو فيما طُبع منه، وفات الحافظ أيضاً أنه عند النسائي في ((الكبرى)) (١٠٤١٣).
٣١٨
باب ٢٧ / ح ٦٣٤٦
فتح الباري بشرح البخاري
ثانيهما: ما أجابَ به ابن عُيَينةَ فيما حدَّثنا حُسَين بن حسن المروزيُّ قال: سألت ابن
عُيَينةَ عن الحديث الذي فيه: أكثر ما كان يَدعُو به النبيّ ◌َّ بِعَرَفة: ((لا إله إلّا الله وحده لا
شَرِيك له)) الحديث(١)، فقال سفيان: هو ذِكْر، وليس فيه دعاء، ولكن قال النبيّ وَّل عن
رَبّه عزَّ وجلّ: ((مَن شَغَلَه ذِكْري عن مسألَتي أعطَيته أفضلَ ما أُعطي السائلينَ)) (٢)، قال: وقال
أُميَّة بن أبي الصَّلت في مَدح عبد الله بن جُدْعان:
أذكُرُ حاجتي أم قد كَفاني حَياؤُك إنَّ شيمَتَك الحياءُ
إذا أثنَى عليك المَرْءُ يوماً كَفاهُ من تَعرُّضِهِ الشَّاءُ
قال سفيان: فهذا مخلوق حين نُسِبَ إلى الكَرَم اكتَفَى بالثَّناءِ عن السُّؤال، فكيف
بالخالقِ؟
قلت: ويُؤيِّد الاحتمال الثّاني حديث سعد بن أبي وقّاص رَفَعَه: ((دَعوة ذي النُّون إذ
دَعَا وهو في بطن الحوت: ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَتَكَ إِنِّ كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فإنَّه
لم يَدْعُ بها رجل مسلم في شيء قَطُّ إلّا استَجابَ الله تعالى له)) أخرجه التِّرمِذيّ (٣٥٠٥)
والنَّسائيُّ (ك١٠٤١٧) والحاكم (٥٠٥/١)، وفي لفظ للحاكم (٥٠٥/١ - ٥٠٦): فقال
رجل: أكانت ليونس خاصّة أم للمؤمنينَ عامّة؟ فقال رسول وَّة: ((ألا تَسمَع إلى قول الله
تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُشَجِى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨]).
وقال ابن بَطّال: حدَّثني أبو بكر الرَّازيُّ قال: كنت بأصبهان عند أبي نُعَيم أكتُب الحديث،
وهُناكَ شيخ يقال له: أبو بكر بن عليّ، عليه مَدار الفُتيا، فسُعِيَ به عند السُّلطان فسُچِنَ، فرأيت
النبيّ وَّر في المنام وجِبْريل عن يمينه يُحرِّك شَفَتَه بالتَّسبيح لا يَفْتُر، فقال لي النَّبِي وَلّ: ((قال لأبي
بكر بن عليّ يَدعُو بدعاءِ الكَرب الذي في ((صحيح البخاريّ)) حتَّى يُفرِّج الله عنه)). قال:
فأصبحت فأخبرته، فدعا به فلم یکن إلّا قليلاً حتّى أُخرِجَ. انتهى.
(١) أخرجه أحمد (٦٩٦١)، والترمذي (٣٥٨٥) من حديث عبد الله بن عمرو.
(٢) تقدم تخريج الحافظ له قبل شرح الحديث (٦٣٢٩) مباشرة.
٣١٩
باب ٢٧ / ح ٦٣٤٦
كتاب الدعوات
وأخرج ابن أبي الدُّنيا في كتاب ((الفَرَج بعد الشِّدّة)) له من طريق عبد الملك بن عُمَير
قال: كَتَبَ الوليد بن عبد الملك إلى عثمان بن حَيّان: انظُر الحسن بن الحسن فاجلِده مئة
جَلدة وأوقِفه للنّاس، قال: فبَعَثَ إليه فجِيءَ به، فقام إليه عليّ بن الحسين فقال: يا ابن عمّ،
تَكلَّم بكلمات الفَرَج يُفرِّج الله عنك، فذكر حديث عليّ باللَّفظِ الثّاني، فقالها، فَرَفَعَ إليه
عثمان رأسه فقال: أرَى وجهَ رجل كُذِبَ عليه، خَلّوا سبيله، فسَأكتُبُ إلى أمير المؤمنينَ
بِعُذْره، فأُطلِقَ.
وأخرج النَّسائيُّ(١) والطَّبَريّ من طريق الحسن بن الحسن بن عليّ قال: لمَّا زَوَّجَ
عبدُ الله ابن جعفر ابنَته قال لها: إن نزلَ بكِ أمر فاستَقبليه بأن تقولي: لا إله إلّ الله الحليم
الكريم، سبحان الله رَبّ العَرش العظيم، الحمد لله رَبّ العالمينَ. قال الحسن: فأرسَلَ إليَّ
الحجّاج فقلتُهنَّ، فقال: والله لقد أرسَلتُ إليك وأنا أُريدُ أن أقتُلك، فلَأنت اليومَ أحَبّ إليَّ
من كذا وكذا. وزاد في لفظ: فسَلْ حاجتك.
وممّاً وَرَدَ من دَعَوات / الكَرب: ما أخرجه أصحاب السُّنَن إلّا التِّرمِذيّ عن أسماء بنت ١٤٨/١١
عُمَيس، قالت: قال لي رسول الله وَّةِ: ((ألا أُعَلِّمك كلمات تقوليهِنَّ عند الكَرب؟ الله الله
رَبِّي لا أُشْرِك به شيئاً)(٢).
وأخرجه الطَّبَرُّ(٣) من طريق أبي الجَوْزاء عن ابن عبّاس ◌ِمِثله.
ولأبي داود (٥٠٩٠) وصَخَّحَه ابن حِبّان (٩٧٠)(٤) عن أبي بَكْرة، رَفَعَه: ((دَعَوات
المكروب: اللهمَّ رحمتك أرجو، فلا تَكِلْني إلى نفسي طَرْفة عين، وأصلِحْ لي شأني كلَّه، لا
إله إلّا أنتَ)).
(١) في ((الكبرى)) برقم (١٠٤٠٤) و(١٠٤٠٥)، ولم نقف عليه عند الطبري فيما بين أيدينا من مصنفاته،
والزيادة المذكورة في آخره وقعت عند الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) (١٠٤٤).
(٢) أخرجه أبو داود (١٥٢٥)، وابن ماجه (٣٨٨٢)، والنسائي في ((الكبرى)) (١٠٤٠٨).
(٣) لم نقف عليه فيما تحت أيدينا من كتب الطبري المطبوعة، ولعلَّها تحريف عن الطبراني، إذ الحديث عنده في
(المعجم الكبير)) (١٢٧٨٨)، و((المعجم الأوسط)) (٨٤٧٤)، وفي ((الدعاء)) (١٠٣٠).
(٤) فات الحافظ رحمه الله أن يخرِّج الحديث من ((سنن النسائي الكبرى)) (١٠٤١٢).
٣٢٠
باب ٢٨ / ح ٦٣٤٧
فتح الباري بشرح البخاري
٢٨ - باب التعُّد من جهد البلاء
٦٣٤٧ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حذَّثنا سفيانُ، حدَّثني سُميٍّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ:
كان رسولُ اللهِّهِ يَتَعَوَّذُ من جَهْدِ البلاءِ، وحَرَكِ الشَّقاءِ، وسُوءِ القضاءِ، وشَماتةِ الأعداءِ.
قال سفيانُ: الحديثُ ثلاثٌ زِدْتُ أنا واحدةً، لا أدري أيَّتُهنَّ هي.
[طرفه في: ٦٦١٦]
قوله: ((باب التَّعَوُّذ من جَهْد البلاء)» الجَهد بفتح الجيم وبضمِّها: المشَقّة، وتقدّم ما فيه في
حديث بَدْء الوحي أوَّل الكتاب (٣)، والبلاء، بالفتح مع المدّ ويجوز الكسر مع القصر.
قوله: ((سُمَيّ)) بالمهمَلة مُصغَّر: هو مولى أبي بكر بن عبد الرّحمن المخزوميّ.
قوله: ((كان يَتَعَوَّذ» كذا للأكثر، ورواه مُسدَّد عن سفيان بسندِه هذا بلفظ الأمر: ((تَعَوَّذوا»،
وسيأتي في كتاب القَدَر (٦٦١٦)، وكذا وَقَعَ في رواية الحسن بن عليّ الواسطيّ عن سفيان
عند الإسماعيليّ وأبي نُعَیم.
قوله: ((ودَرَك الشَّقاء)) بفتح الدّالّ والرَّاء المهمَلتَينِ ويجوز سكون الرَّاء، وهو الإدراك
واللِّحاق، والشَّقاء بمُعجَمةٍ ثمَّ قاف: هو الهلاك، ويُطلَق على السَّبَب المؤَدّي إلى الهلاك.
قوله: ((قال سُفْيان)) هو ابن عُبَينة راوي الحديث المذكور، وهو موصول بالسَّنَد المذكور.
قوله: ((الحديثُ ثلاثٌ، زِدْتُ أنا واحدةً لا أدري أيَّتُهنَّ)) أي: الحديث المرفوع المرويّ
يَشتَمِل على ثلاث جُمَل من الجمَل الأربع، والرَّابِعة زادَها سفيان من قِبَل نفسه، ثمَّ خَفِيَ
عليه تعيينُها، ووَقَعَ عند الحُميديّ (٩٧٢) في ((مُسنَده)) عن سفيان: الحديث ثلاث من هذه
الأربع، وأخرجه أبو عَوَانة والإسماعيليّ وأبو نُعَيم من طريق الحُميديِّ، ولم يُفَصِّل ذلك
بعض الرُّواة عن سفيان.
وفي ذلك تَعقُّب على الكِرْمانيّ حيثُ اعتَذَرَ عن سفيان في جواب مَن استَشكَلَ جواز
زيادته الجملة المذكورة في الحديث، مع أنَّه لا يجوز الإدراج في الحديث، فقال: يُجاب عنه
بأنَّه كان يُميِّزها إذا حدَّث.