النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ باب ٤١ / ح ٦٢٨٣ كتاب الاستئذان وجَزَمَ جماعة بأنَّ قبرها بجَزيرة قُبُرُس، فقال ابن حِبّان بعد أن أخرج الحديث (٤٦٠٨) من طريق اللَّيث بن سعد بسندِه: قَبِرُ أمّ حَرام بجَزيرة في بحر الرّوم، يقال لها: قُبُرُسُ، بين بلاد المسلمينَ وبينها ثلاثة أيام. وجَزَمَ ابن عبد البَرِّ: بأنَّهَا حين خَرَجَت من البحر إلى جَزيرة قُبُرُسَ قُرِّبَت إليها دابَّتُها فصَرَعَتها. وأخرج الطَّبَريّ من طريق الواقديّ: أنَّ معاوية صالَتهم بعد فتحِها على سبعة آلاف دينار كلَّ سنةٍ، فلمَّا أرادوا الخروج منها قُرِّبَت لِأُمّ حَرام دابّةً لِتَركَبَها فِسَقَطَت فماتت، فقبرها هناك يَستَسقُونَ به، ويقولون: قبر المرأة الصالحة، فعلى هذا فلعلَّ مُرادَ هشام بن عمَّر بقولِه: رأيت قبرها بالساحلِ، أي: ساحل جَزيرة قُبُرُس، فكأنَّه تَوجَّهَ إلى قُبُرُسَ لمَّا أَغْزاها الرَّشيد في خِلافَته(١). ويُجمَعُ بأنَّهم لمَّا وصَلوا إلى الجزيرة بادَرَتِ المقاتلةُ وتأخّرَتِ الضُّعَفاء كالنِّساء، فلمَّا غَلَبَ المسلمونَ وصالحوهم طَلَعَت أمّ حَرام من السَّفينة قاصدةَ البَلَد لِتَراها وتعودَ راجِعةً للشّام فَوَقَعَت حينئذٍ، ويُحمَّلُ قولُ حَمَّاد بن زيد في روايته: فلمَّا رَجَعَت، وقولُ أبي طُوالةَ: فلمَّا قَفَلَت، أي: أرادتِ الرُّجوع، وكذا قول اللَّيث في روايته: فلمَّا انصَرَفوا من غَزْوِهم قافلينَ، أي: أرادوا الانصراف. ثمَّ وقَفت على شيء يَزولُ به الإشكالُ من أصلِهِ، وهو ما أخرجه عبد الرَّزّاق (٩٦٢٩) عن مَعمَر عن زيد بن أسلَمَ عن عطاء بن يَسار، أنَّ امرأةً حدَّثته قالت: نامَ رسول الله وَّلـ ثمَّ اسْتَقَظَ وهو يَضحَك، فقلت: تَضحَك منِّي يا رسولَ الله؟ قال: ((لا، ولكن من قوم من أمَّتِي يَخْرُجونَ غُزاةً في البحر، مَثَلُهم كمَثَلِ الملوكِ على الأَسِرّة)»، ثمَّ نامَ ثمّ استَقَظَ فقال مِثْلَ ذلك سواءً، لكن قال: ((فيَرَجِعونَ قليلةً غَنائمُهم، مغفوراً لهم))، قالت: فادعُ الله أن (١) لكن وقع في رواية الليث عن يحيى بن سعيد الأنصاري المتقدمة برقم (٢٧٩٩) أنها رَكبت الدابة بعد أن نزلوا الشام قافِلين، وهي أصرح ما ورد في ذلك، ويتأيَّد بها قولُ هشام بن عمار، والله تعالى أعلم. : ١٦٢ باب ٤١ / ح ٦٢٨٣ فتح الباري بشرح البخاري يجعلني منهم، فدَعَا لها. قال عطاءٌ: فرأيتُها في غَزاةٍ غَزاها المنذر بن الزُّبَير إلى أرض الرُّوم فماتت بأرضِ الرُّوم. وهذا إسناد على شرط الصَّحيح. وقد أخرج أبو داود (٢٤٩٢) من طريق هشام بن يوسف عن مَعمَر، فقال في روايته: عن عطاء بن يسار عن الرُّمَيصاء أُختِ أُمِّ سُلَيم، وأخرجه ابن وهب عن حفص بن مَيسَرة عن زيد بن أسلَمَ، فقال في روايته: عن أمّ حَرام، وكذا قال زُهَير بن عَبّاد عن زيد بن أسلَمَ. والذي يظهر لي أنَّ قول مَن قال: حديث عطاء بن يَسار هذا عن أُمّ حَرامٍ وَهْمٌ، وإنَّما هي الرُّمَيصاء، وليست أمّ سُلَيم وإن كانت يقال لها أيضاً: الرُّمَيصاء كما تقدَّم في المناقب ٧٧/١١ من حديث جابِرِ (٣٦٧٩)، لأنَّ أمّ سُلَيم لم تَمُت بأرضِ الرُّوم/، ولعلَّها أُختُها أُمُّ عبد الله بنت مِلْحانَ، فقد ذكرها ابن سعد في الصحابيّات، وقال: إنَّها أسلَمَت وبايعَت. ولم أقِفْ على شيءٍ من خبرها إلّا ما ذکر ابن سعد. فيُحتمل أن تكون هي صاحبةَ القصّة التي ذكرها عطاء بن يَسار، وتكون تأخَّرَت حتَّى أدرَكَها عطاءٌ، وقِصَّتها مُغايرةٌ لِقِصَّة أُمُّ حَرام من أوجُهِ: الأوَّل: أنَّ في حديث أُمّ حَرام: أنَّه ◌َِّ لمَّا نَامَ كانت تَفْلي رأسَه، وفي حديث الأُخرى: أنَّها كانت تَغِل رأسها، کما قَدَّمتُ ذِكْرَه من روایة أبي داود (٢٤٩٢). الثّاني: ظاهرُ رواية أُمِّ حَرام أنَّ الفِرقة الثّانية تَغزو في البَرّ، وظاهر رواية الأُخرى: أنَّها تَغزو في البحر(١). الثّالث: أنَّ في رواية أمّ حَرام أنَّها من أهل الفِرقة الأُولى، وفي رواية الأُخرى: أنَّها من أهل الفِرقة الثّانية. الرّابع: أنَّ في حديث أُمّ حَرامِ أنَّ أمير الغزوة كان معاويةَ، وفي رواية الأُخرى أنَّ (١) ليس هذا بحجةٍ كما قدّمنا، لِوُرود النص في حديث أمّ حَرام في رواية الباب أنَّ الثانية أيضاً في البحر. ١٦٣ باب ٤١ / ح ٦٢٨٣ كتاب الاستئذان أميرَها كان المنذِرَ بن الزُّبَيرِ (١). الخامس: أنَّ عطاء بن يَسَار ذكر أنَّها حدَّثته، وهو يَصغُر عن إدراك أُمِّ حَرام، وعن أن يَغْزُوَ في سنة ثمانٍ وعشرينَ، بل وفي سنة ثلاثٍ وثلاثينَ، لأنَّ مَولِده على ما جَزَمَ به عَمْرو ابن عليّ وغيرُه كان في سنة تسعَ عشرةَ. وعلى هذا فقد تَعَدَّدَتِ القصَّة لأُمّ حَرام، ولأُختِها أمّ عبد الله، فلعلَّ إحداهما دُفِنَت بساحلِ قُبُرُس والأُخرى بساحلِ حِصَ، ولم أرَ مَن حَرَّرَ ذلك، ولله الحمد على جَزیل نِعَمه. وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدَّم: التَّرغيب في الجهاد والحَضّ عليه، وبيانُ فضيلة المجاهد. وفيه جواز رُكوب البحر المِلْح للغزو، وقد تقدَّم بيان الاختلاف فيه، وأنَّ عمر كان یَمنَعَ مِنه ثمَّ أُذِنَ فیه عثمان(٢). قال أبو بكر بن العربيّ: ثمَّ مَنَعَ مِنه عمرُ بن عبد العزيز(٣). ثمَّ أُذِنَ فيه مَن بعدَه، واستَقرَّ الأمر عليه، ونُقِلَ عن عمرَ: أَنَّ إِنَّمَا مَنَعَ رُكوبه لغير الحجّ والعُمرة ونحوِ ذلك. ونَقَلَ ابن عبد البَرِّ: أنَّه يَجِرُمُ رُكوبه عند ارتجاجه اتِّفاقاً، وكَرِهَ مالكٌ رُكوب النِّساء مُطلَقاً البحرَ لما يُخْشَى من الطِّلاعِهِنَّ على عَورات الرِّجال فيه إذ يَتَعَسَّر الاحترازُ من ذلك، وخَصَّ أصحابُه ذلك بالسُّفُنِ الصِّغار، وأمَّا الكِبار التي يُمكِّنُهنَّ فيهنَّ الاستتار بأماكنَ (١) ومعاوية أمير الغزوة لفتح قبرص، بينما المنذر كان أميرَ الغزوة لفتح القسطنطينية، والأُولى كانت في خلافة عثمان، والثانية في خلافة معاوية. (٢) في ((باب ركوب البحر من كتاب الجهاد))، في سياق شرحه الحديث رقم (٢٨٩٤). (٣) قال ابن عبد البر: وهذا إنما كان من عمرَ وعمرَ رضي الله عنهما - أي: ابن الخطّاب وابن عبد العزيز - في التجارة وطَلَب الدُّنيا والله أعلمُ، وأمّا في أداء فريضة الحجِّ فلا، والسُّنة قد أباحت ركوبَه للجهاد في حديث إسحاق عن أنس - أي حديث هذا الباب - وغيره، وهي الحجة، وفيها الأسوقُ، فرکوبُه للحجِّ أَوْلى قياساً ونظراً، والحمد لله. «التمهيد)) ٢٣٤/١. ١٦٤ باب ٤١ / ح ٦٢٨٣ فتح الباري بشرح البخاري تُصُّهُنَّ فلا حَرَج فيه. وفي الحديث: جواز تَمَّي الشَّهادة، وأنَّ مَن يموت غازياً يَلحَق بمَن يُقتَل في الغَزو. كذا قال ابن عبد البَرِّ، وهو ظاهرُ القصَّة، لكن لا يَلَزَم من الاستواء في أصل الفضل الاستواءُ في الدَّرَجات، وقد ذكرت في ((باب الشُّهَداء)) من كتاب الجهاد (٢٨٢٩) كثيراً ممَّن يُطلَق عليه شهيدٌ وإن لم يُقتَل. وفيه مشروعيَّة القائلَةِ لما فيه من الإعانة على قيام اللَّيل. وجواز إخراج ما يُؤذي البَدَن من قَمْلِ ونحوِه عنه. ومشروعيَّةُ الجهاد مع كلّ إمام لِتَضَمُّنِهِ الثَّناء على مَن غَزَا مدينةً قَيْصَرَ، وكان أمير تلكَ الغَزوةِ يزيدَ بنَ معاويةَ، ويَزِيدُ يَزِيدُ، وثُبوت فضل الغازي إذا صَلَحَت نيَّتُه. وقال بعض الشُّرّاح: فيه فضل المجاهدينَ إلى يوم القيامة لقولِه فيه: ((ولستِ من الآخِرِينَ)) ولا نهاية للآخِرِينَ إلى يوم القيامة. والذي يظهر أنَّ المراد بالآخِرِينَ في الحديث: الفِرقةُ الثّانية، نعم يُؤخَذ مِنه فضل المجاهدينَ في الجملة لا خُصوصُ الفضل الوارد في حَقّ المذكورينَ. وفيه ضُروب من إخبار النبيِّ نَّه بما سيقعُ فَوَقَعَ كما قال، وذلك مَعدودٌ من علامات نُبُوَّته: منها إعلامُه بَبَقَاءِ أُمَّته بَعدَه، وأنَّ فيهم أصحابَ قوّةٍ وشَوكةٍ ونِكايةٍ في العدوّ، وأنَّهم يتمكَّنونَ من البلاد حتَّى يَغْزُوا البحر، وأنَّ أمّ حَرام تَعيش إلى ذلك الَّمان، وأنَّها تكون مع مَن يَغْزُو البحر، وأنَّها لا تُدرِكُ زمان الغزوة الثّانية. وفيه جواز الفَرَح بما يَحدُثُ من النِّعَم، والضَّحِكِ عند حُصول السُّرور لِضَحِكِهِ وَلَيه إعجاباً بما رأى من امتثال أمَّته أمرَه لهم بجهادِ العدوّ، وما أثابهم الله تعالى على ذلك، وما وَرَدَ في بَعص طرقه بلفظ الثَّعَجُّب محمولٌ على ذلك. وفيه جواز قائلة الضَّيف في غير بيته، بشرطِه كالإذنِ وأَمْنِ الفتنة، وجوازُ خِدمة المرأة الأجنبيَّة للضَّيفِ بإطعامه والتَّمهيد له ونحو ذلك، وإباحةُ ما قَدَّمَته المرأة للضَّيفِ من ١٦٥ باب ٤١ / ح ٦٢٨٣ كتاب الاستئذان ٧٨/١١ مال زوجها لأنَّ الأغلَب أنَّ الذي في بيت/ المرأة هو من مال الرجل. كذا قال ابن بَطّال. قال: وفيه أنَّ الوكيل والمؤتَن إذا عَلم أنَّه يَسْرُّ صاحبَه ما يفعلُه من ذلك جازَ له فِعلُه، ولا شكَّ أنَّ عُبادة كان يَسْؤُّه أكلُ رسولِ الله وَّه ◌ِمَا قَدَّمَتْهُ له امرأتُه، ولو کان بغير إذنٍ خاصٍّ مِنه. وتَعقَّبَه القُرطُبيّ بأنَّ عُبادة حينئذٍ لم يكن زوجَها كما تقدَّمَ. قلت: لكن ليس في الحديث ما يَنفي أنَّها كانت حينئذٍ ذاتَ زوجٍ، إلّا أنَّ في كلام ابن سعدٍ ما يقتضي أنَّها كانت حينئذٍ عَزَباً. وفيه خدمة المرأة الضَّيفَ بتَفْلية رأسِه، وقد أشكَلَ هذا على جماعة، فقال ابن عبد البَرِّ: أظنّ أنَّ أمّ حَرام أرضَعَت رسولَ الله وَيهِ أو أُختُها أمُّ سُلَيم، فصارت كلَّ مِنهما أمَّه أو خالَتَه من الرَّضاعة، فلذلك كان ينام عندها وتَنال مِنه ما يجوز للمَحرَمِ أن يَناله من تَحَارمه، ثمَّ ساقَ بسندِه إلى يحيى بن إبراهيم بن مُزَيْن قال: إنَّما استَجازَ رسول الله وَ ليل أن تَفْلِيَ أُّ حَرام رأسَه لأنَّها كانت مِنه ذاتَ مَحَرَم من قِبَل خالاته، لأنَّ أُمَّ عبد المطَّلِب جَدِّه كانت من بني النّجّار. ومن طريق يونس بن عبد الأعلى قال: قال لنا ابن وَهْبٍ: أمُّ حَرام إحدى خالات النبيِّ ێ من الرَّضاعة، فلذلك کان یقیل عندها، وینام في حجرها، وتقلي رأسه. قال ابن عبد البَرِّ: وأيَّهما كان فهي محرَم له. وجَزَمَ أبو القاسم بن الجَوْهريّ والداوُودِيُّ والمهلَّب فيما حكاه ابن بَطّل عنه بما قال ابن وَهْبٍ، قال: وقال غيرُه: إنَّما كانت خالةً لأبيه أو جَدّه عبد المطَّلِبِ. وقال ابن الجَوْزيّ: سمعت بعض الحُفّاظ يقول: كانت أُمّ سُلَيم أُختَ آمِنَةَ بنتِ وَهْب أُمِّ رسول الله وَ﴿ من الرَّضاعة. وحكى ابن العربيّ ما قال ابن وَهْب ثمَّ قال: وقال غيرُه: بل كان النبيُّ ◌َّهِ مَعصوماً يَملِك أرَبَه عن زوجته، فكيف عن غيرها ممَّا هو المنَّه عنه، وهو المُبرَّأ عن كلّ فِعلٍ ١٦٦ باب ٤١ / ح ٦٢٨٣ فتح الباري بشرح البخاري قَبِيحِ وقولٍ رَفَثٍ، فيكون ذلك من خصائصه. ثمَّ قال: ويحتمل أن يكون ذلك قبلَ الحجاب. ورُدَّ بأنَّ ذلك كان بعدَ الِحِجاب جَزماً، وقد قَدَّمتُ في أوَّل الكلام على شرحه أنَّ ذلك كان بعدَ حَجّة الوداع. ورَدَّ عياضٌ الأوَّلَ بأنَّ الخصائص لا تَنْبُت بالاحتمال، وتُبُوتُ العِصْمة مُسَلَّمٌ، لكنَّ الأصل عَدَم الخَصوصيّة، وجواز الاقتداء به في أفعاله حتَّى يقومَ على الخصوصيَّة دليلٌ. وبالَغَ الدِّمياطيّ في الردّ على مَن اذَّعَى المَحرَميَّةَ فقال: ذَهَلَ كلّ مَن زَعَمَ أنَّ أُمَّ حَرام إحدى خالات النبيِّ وَّهِ من الرَّضاعة أو من النَّسَب، وكلّ مَن أثبَتَ لها خُؤولةً تقتضى مَرَميَّةً، لأنَّ أمَّهاته من النَّسَب واللّتي أرضَعنَه معلوماتٌ ليس فيهنَّ أحدٌ من الأنصار البَّةَ سوى أُمّ عبد المطَّلِب، وهي سَلمَى بنت عَمْرو بن زيد بن لَبيدِ بن خِداش(١) ابن عامر بن غَنْم بن عَديٍّ بن النَّجّار، وأُمّ حرام: هي بنت ملحان بن خالد بن زید بن حَرام بن جُندُب ابن عامر المذكور، فلا تَجَتَمِع أمّ حَرام وسَلمَى إلّ في عامر بن غَنْمِ جَدِّهما الأعلى، وهذه خُؤْولةٌ لا تَثْبُت بها مَحَرَميَّةٌ لأنَّهَا خُؤْولَةٌ مَجَازِيَّة، وهي كقوله ◌ِّلـ لِسعدِ بن أبي وقّاص: ((هذا خالي))(٢)، لِكَونِه من بني زُهْرة، وهم أقارب أُمّه آمِنة، وليس سعدٌ أخاً لآمِنَةً، لا من النَّسَب ولا من الرَّضاعة. ثمَّ قال: وإذا تَقرَّرَ هذا فقد ثَبَتَ في ((الصَّحيح)) أنَّه وَلَ كان لا يَدخُل على أحدٍ من النِّساء إلّا على أزواجه، إلّا على أُمّ سُلَيم، فقيلَ له فقال: ((أرحَمُها، قُتِلَ أخوها معي)) يعني: حَرام بن مِلحانَ، وكان قد قُتِلَ يوم بئر مَعُونة. قلت: وقد تقدَّمَت قِصَّته في الجهاد في ((باب فضل مَن جَهَّزَ غازياً)) (٢٨٤٤) وأوضَحت هناك وجه الجمع بين ما أفهمه هذا الخَصْرُ، وبين ما دَلَّ علیه حدیث الباب في أمّ حرام بما (١) تحرَّف في (س) إلى: خراش، بالراء. (٢) أخرجه الترمذي برقم (٣٧٥٢) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. ١٦٧ باب ٤٢ / ح ٦٢٨٤ كتاب الاستئذان حاصلُه: أنَّهما أُختان كانتا في دار واحدة، كلّ واحدة مِنهما في بيتٍ من تلكَ الدّار، وحَرام بن مِلحانَ أخوهما معاً فالعِلّة مُشتَرِكة فيهما. وإن ثبتت(١) قصَّة أمّ عبد الله بنت مِلْحانَ التي أشرت إليها قريباً فالقول فيها كالقولِ في أُمّ حَرام، وقد انضافَ إلى العِّة المذكورة كَونُ أنسٍ خادِمَ النبيِّ وََّ، وقد جَرَتِ العادة بمُخالَطة المخدوم خادِمَه وأهلَ خادِمه، ورفع الحِشمة التي تقع بين الأجانب عنهم. ثمَّ قال الدِّمياطيّ: على أنَّه ليس في / الحديث ما يدلّ على الخلوة بأُمِّ حَرام، ولعلَّ ذلك ٧٩/١١ کان مع ولد أو خادم أو زوج أو تابع. قلت: وهو احتمالٌ قويٌّ، لكنَّه لا يَدِفَع الإشكال من أصلِه لِبَقاءِ المُلامَسة في تَفْلية الرَّأس، وكذا النَّوم في الحِجْر، وأحسنُ الأجوبة دَعوى الخُصوصيَّة ولا يَرُدّها کُونُها لا تَثُبُت إلّا بدليلٍ، لأنَّ الدَّليلَ على ذلك واضحٌ، والله أعلم. ٤٢- باب الجلوس کیفما تيسّر ٦٢٨٤ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، عن الزُّهْريِّ، عن عطاءِ بنِ يزيدَ اللَّيْثِيِّ، عن أبي سعيد الخُدْرِيِّ صُهِ، قال: نَهَى النبيُّ ◌َّهِ عِن لِيْسَتَينِ، وعن بيعَتَينِ: اشتِمالِ الصَّاءِ، والاحْتِباءِ فِي ثَوْبٍ واحدٍ ليس على فَرْجِ الإنسان منه شيءٌ، والمُلامَسةِ والمُنابَذةِ. تَابَعَه مَعمَرٌ ومحمَّدُ بنُ أبي حفصةَ وعبدُ الله بنُ بُدَيلٍ، عن الزُّهْريِّ. قوله: ((باب الجلوس كيفَما تيسّر)) سَقَطَ لفظ ((باب)) من رواية أبي ذرٍّ. فيه حديث أبي سعيد في النَّهي عن لِيسَتَينِ وبيعَتَين، وقد تقدَّم شرحه في سَتر العَورة من كتاب الصلاة (٣٦٧) وفي كتاب البيوع (٢١٤٤ و٢١٤٧). ١٠ قال المهلَّب: هذه التَّرجمة قائمة من دليل الحديث، وذلك أنَّه نَهَى عن حالتَينِ، فَفُهمَ مِنه (١) المثبت من (ب)، وفي (أ) و(ع) و(س): ثبت. ويصح على تأويل مضاف مُذكَّر محذوفٍ، نحو: إسنادُ قصةٍ أو حالُ قصةِ. ١٦٨ باب ٤٢ / ح ٦٢٨٤ فتح الباري بشرح البخاري إباحةُ غيرِ هما ممّا تيسّر من الهيئات والملابس إذا سَتَرَ العورةَ. قلت: والذي يظهر لي أنَّ المناسَبة تُؤْخَذ من جهة العُدول عن النَّهي عن هَيْئة الجلوس إلى النَّهي عن لِيسَتَينِ يَستَلزِم كلَّ مِنهما انكِشافَ العَورة، فلو كانتِ الجلسة مكروهةً لِذاتها لم يَتعرَّض لِذِكْرِ اللُّبس، فدَلَّ على أنَّ الَّهيَ عن جِلسةٍ تُفضي لِكَشفِ العَورة، وما لا يُفضي إلى كشف العورة يُباح في كلّ صُورة. ثمَّ ادَّعَى المهلَّب أنَّ النَّهيَ عن هاتَينِ اللِّبسَتَينِ خاصٍّ بحالة الصلاة لِگونِما لا يَستُران العَورة في الخفض والرَّفع، وأمَّ الجالس في غير الصلاة، فإنَّه لا يصنع شيئاً ولا يَتَصَرَّف بَيَدَيه فلا تَنكَشِف عَورَته فلا حَرَج عليه. قال: وقد سَبَقَ في ((باب الاحْتِباء)) (٦٢٧٢): أنَّه ◌َِهِ احتَبی. قلت: وغَفَلَ رَحِمه الله عمَّا وَقَعَ من التَّقييد في نفس الخبر، فإنَّ فيه: ((والاحتباء في ثوب واحد ليس على فَرْجه مِنه شيءٌ)، وتقدَّم في ((باب اشتمال الصَّاء)) من كتاب اللِّباس (٥٨٢٠) وفيه: ((والصَّاء: أن يَجعل ثوبَه على أحد عاتِقَيهِ فيَبَدُو أحدُ شِقَّيه))، وسَترُ العَورة مطلوبٌ في كلّ حالة، وإن تأكَّدَ في حالة الصلاة لِكَونها قد تَبطُل بتركِه. ونَقَلَ ابن بَطّال عن ابن طاووسٍ أنَّه كان يَكرَه التَّرَبُّعَ، ويقول: هي جِلسةٌ مُهلِكٌ، وتُعقِّبَ بما أخرجه مسلمٌ والثلاثةُ(١) من حديث جابر بن سَمُرة: كان رسول الله وَّهِ إِذا صَلَّى الفجر تَرَبَّعَ في مَجَلِسه حتَّى تَطلُعَ الشَّمسُ، ويُمكِن الجمعُ. قوله: ((تابَعَه مَعمَر ومحمَّد بن أبي حَفْصَةٍ(٢) وعبد الله بن بُدَيل، عن الزُّهْرِيِّ)) أمَّا مُتَابَعة مَعمَرٍ، فوصَلَها المؤلِّف في البُيوع (٢١٤٧). وأمَّا مُتَابَعة محمَّد بن أبي حَقْصةَ فهي عند أبي أحمد بن عَديّ في نُسخة أحمد بن حفص (١) مسلم برقم (٦٧٠)، وأبو داود برقم (٤٨٥٠)، والترمذي برقم (٥٨٥)، والنسائي (١٣٥٧) و(١٣٥٨). وقوله: ((تربّع)) انفرد به أبو داود، والباقون بلفظ: ((جلس)) أو ((قعد). (٢) تحرَّف في (س) في المواضع الثلاثة إلى: حفص. ١٦٩ باب ٤٣ / ح ٦٢٨٥-٦٢٨٦ كتاب الاستئذان النَّيسابوريّ عن أبيه عن إبراهيم بن طَهْمان عن محمّد بن أبي حَفْصَةَ. وأمَّا مُتَابَعة عبد الله ابن بُدَيل فأظنّها في ((الزُّهْريّات)) جمع الذُّهْلِيّ، والله أعلم. ٤٣- باب من ناجی بین یدي الناس ومن لم ◌ُخِر بسِرِ صاحبِه، فإذا ماتَ أخبر به ٦٢٨٥، ٦٢٨٦- حدَّثنا موسى، عن أبي عَوَانَةَ، حدَّثنا فِراسُ، عن عامٍ، عن مسروقٍ، حدَّثْني عائشةُ أُّ المؤمنينَ قالت: إنّ كَّا أزْواجَ النبيِّ ◌َّهِ عندَه جميعاً لم تُغادَر مِنّ واحدةٌ، فأقبَلَت فاطمةُ - عليها السَّلامُ - تَمْشِي - ولا والله ما تَخْفَى مِشْيَتُها من مِشْيَةِ رسولِ الله وَلّؤع ـ فلمَّاً رآها رَحَّبَ، وقال: ((مَرْحباً بابنَتَي)) ثمَّ أَجْلَسَها عن يَمِينِهِ، أو عن شِماله، ثمَّ سارَّها فبَكَت بُكاءً شديداً، فلمَّا رَأى حُزْنَها سارَّها الثّانيةَ فإذا هي تَضْحَكُ، فقلتُ لها أنا من بينِ نسائه: خَصَّكِ رسولُ اللهِوَّهَ بِالسِّرِّ من بَيْنِنا، ثمَّ أنتِ تَبْكِينَ! فلمَّا قامَ رسولُ الله ◌ِوَّةٍ سألتُها عَّا سارَّكِ، قالت: ما كنتُ لأُفْشِيَ على رسولِ الله وَّرَ بِرَّه، فلمَّا تُوقِّيَ قلتُ لها: عَزَمْتُ علیكِ بما لي عليكِ منَ الحقِّ لمَّا أَخْبَرتِيني قالت: أمَّا الآنَ فَتَعَمْ، فأخبَرَتْني قالت: أمَّا حينَ سارَّني في الأمرِ الأَوَّلِ، فإنَّه أخبرني أنَّ حِبْرِيلَ كان يعارضُه بالقرآنِ كلَّ سَنةٍ مَرَّةً، ((وإِنَّه قد عارَضَني به العامَ مَّتَينٍ، ولا أَرَى الأجَلَ إلّا قد اقتَرَبَ، فاتَّقي الله واصْبِرِي، فإنّ نِعْمَ السَّلَفُ أنا لكِ)) قالت: فَبَكَيتُ بُكائي الذي رأيتٍ، فلمَّا رَأَى جَزَعي سارَّني الثّانيةَ، قال: ((يا فاطمةُ، ألا تَرْضَينَ أن تكوني سَيِّدةَ نساءِ المؤمنين، أو سَيِّدةَ نساءِ هذه الأُمّةِ». قوله: (باب مَن ناجَى بين يَدَي الناس ومن لم يُخبِرِ بسِرِّ صاحبه، فإذا ماتَ أخبرَ به)) ذكر فيه ٨٠/١١ حديث عائشة في قصَّة فاطمة رضي الله عنهما إذ بَكَت لمَّا سارَّها النبيُّ نَّهِ، ثمَّ ضَحِكَت لمَّا سارَّها ثانياً فسألَتْها عن ذلك، فقالت: ما كنت لأَفشيَ، وفيه أنَّها أخبَرَت بذلك بعد موتِه، وقد تقدَّم شرحُه في المناقب(١) وفي الوفاة النبويَّة (٤٤٣٣). قال ابن بَطّال: مُسارَرة الواحد مع الواحد بحَضرة الجماعة جائزٌ، لأنَّ المعنى الذي يُخَاف (١) تقدَّم هذا الحديث في المناقب بالأرقام (٣٦٢٣ -٣٦٢٦)، ولم يشرح الحافظ منه شيئاً هناك، وإنما أحال على شرحه في الوفاة النبوية آخرَ المغازي. ١٧٠ باب ٤٤ / ح ٦٢٨٧ فتح الباري بشرح البخاري من تَرْكِ الواحدِ لا يخاف من تَرْك الجماعة. قلت: وسيأتي إيضاح هذا بعدَ بابٍ. قال: وفيه أنَّه لا ينبغي إفشاءُ السِّرّ إذا كانت فيه مَضَرّةٌ على المُسِرِّ، لأنَّ فاطمة لو أخبَرَتُهُنَّ لَخَزِنَّ لذلك حزناً شديداً، وكذا لو أخبَرَ تُهُنَّ أنَّهَا سَيِّدة نساء المؤمنينَ لَعَظُمَ ذلك عليهنَّ واشتَدَّ حُزئُهنَّ، فلمَّا أَمِنَت من ذلك بعد موتِهِنَّ أخبَرَت به. قلت: أمَّا الشِّقّ الأوَّل فحَقُّ العِبارة أن يقول فيه: جواز إفشاء السِّ إذا زالَ ما يَتَرتَّب على إنشائه من المَضَرّة، لأنَّ الأصل في السِّ الكِتمانُ وإلّا فما فائدتُه؟ وأمَّ الشِّقّ الثّاني فالعِلّة التي ذكرها مردودةٌ، لأنَّ فاطمة رضي الله تعالى عنها ماتت قبلَهُنَّ كلُّهنَّ، وما أدري كيف خَفِيَ عليه هذا؟ ثمَّ جَوَّزت أن يكون في النُّسخة سُقْمٌ(١)، وأنَّ الصَّواب: فلمَّا أمِنَت من ذلك بعد موته، وهو أيضاً مردودٌ، لأنَّ الحُزن الذي عَلَّلَ به لم يَزُلْ بموتِ النبيِّ وَّ، بل لو كان كما زَعَمَ لاستَمرَّ حزنهنَّ على ما فاتَهُنَّ من ذلك. وقال ابن التِّين: يُستَفاد من قول عائشة: ((عَزَمت عليك بما لي عليك من الحقّ)) جوازٌ العَزْمِ بغير الله، قال: وفي ((المدَوَّنة)) عن مالكِ: إذا قال: أعزِم عليك بالله، فلَمْ يفعلْ لم يَحَنَث، وهو كقوله: أسألُك بالله، وإن قال: أَعزِم بالله أن تَفعَل، فلَمْ يفعل حَنِثَ، لأنَّ هذا یمینٌ، انتھی. والذي عند الشافعيَّة أنَّ ذلك في الصُّورتَينِ يَرجِع إلى قَصْد الحالِفِ، فإن قَصَدَ يمينَ نفسِه فيَمِينٌ، وإن قَصَدَ يمينَ المخاطَب أو الشَّفاعةَ أو أطلقَ فلا. ٤٤ - باب الاستلقاء ٦٢٨٧ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، حذَّثنا الزُّهْريُّ، قال: أخبرَني عَبّادُ بنُ تَمِيمِ، عن عَمِّه، قال: رأيتُ رسولَ الله ◌َله في المسجدِ مُسْتَلقياً واضعاً إحدى رجليه على الأُخرى. قوله: ((باب الاستِلْقاء)) هو الاضطِجاع على القَفَا سواءٌ كان معه نَومٌ أم لا. وقد تقدَّمَت ٨١/١١ (١) وهذا هو الظاهر، فقد جاءت العبارة في مطبوع (شرح ابن بطال)) ٩/ ٦١ على الصواب. ١٧١ باب ٤٥ / ح ٦٢٨٨ كتاب الاستئذان هذه التَّرجمة وحديثُها في آخر كتاب اللِّباس (٥٩٦٩) قُبَيل كتاب الأدب، وتقدَّم بيان الحُكم في أبواب المساجد من كتاب الصلاة (٤٧٥)، وذكرت هناك قولَ مَن زَعَمَ أنَّ النَّهيَ عن ذلك منسوخ، وأنَّ الجمع أولى، وأنَّ محلّ النَّهي حيثُ تَبدُو العَورةُ، والجوازُ حيثُ لا تَبْدُو، وهو جواب الخطّابِّ ومَن تَبِعَه. ونَقَلت قولَ مَن ضَعَّفَ الحديث الوارد في ذلك، وزَعَمَ أنَّه لم يُخرَّج في ((الصَّحيح))، وأورَدتُ عليه بأنَّه غَفَلَ عمَّا في كتاب اللِّباس من ((الصَّحيح))، والمراد بذلك ((صحيح مسلم)) (٢٠٩٩)، وسَبَقَ القَلم هناك فكَتَبت ((صحيح البخاريّ)) وقد أصلَحتُه في أصلي. ولِحديثِ عبد الله بن زيد في الباب شاهدٌ من حديث أبي هريرة صَحَّحَه ابن حِبّان(١). ٤٥- باب لا یتناجی اثنان دون الثّالث وقول الله عزّ وجلّ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْإِذَا تَنَجَيْتُمْ فَلَا تَنَجَوْ﴾ إلى قولِهِ: ﴿اَلْمُؤْمِنُونَ ﴾ [المجادلة: ٩-١٠] وقولُهُ عزَّ وجلّ: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نَجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَنَكُمْ صَدَقَّةٌ﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المجادلة: ١٢ -١٣]. ٦٢٨٨ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ. وحدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبدِ الله عنه، أنَّ رسولَ اللهِوَِّ قال: ((إذا كانوا ثلاثةً، فلا يَتَنَاجَى اثنان دونَ الثّالثِ)). قوله: ((باب لا يَتَنَاجَى اثنان دونَ الثّالث)) أي: لا يَتَحدَّثان سِرّاً، وسَقَطَ لفظ ((باب)) من رواية أبي ذرًّ. قوله: ((وقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَجَيْتُمْ فَلَ تَنَجَوْ﴾ إلى قوله: ﴿الْمُؤْمِنُونَ ﴾» کذا لأبي ذرٍّ، وساق في رواية الأصيليّ وگرِیمة الآیتینِ بتمامهما، وأشارَ بإيرادِ هاتَينِ الآيتَينِ إلى أنَّ التَّناجيَ الجائزَ المأخوذَ من مفهوم الحديث مُقيَّدٌ بأن لا يكونَ في الإثم (١) حديث أبي هريرة الذي في ((صحيحه)) برقم (٥٥٥٤) إنما هو شاهدٌ لأحاديث النهي عن ذلك، فوقع عنده عنه عن رسول الله وثي: أنه نهى أن يستلقي الرَّجلُ ويَثْني إحدى رجليه على الأخرى. ١٧٢ باب ٤٥ / ح ٦٢٨٨ فتح الباري بشرح البخاري والعُدوان. قوله: ((وقوله عزَّ وجلّ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نَجْهُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّعُواْ بَيْنَ يَدَىْ تَجْوَنَّكُمْ صَدَقَةٌ﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾)) كذا لأبي ذرٍّ، وساقَ في رواية الأَصِيلِيّ وكَرِيمة الآيتينِ أيضاً. وزَعَمَ ابن التِّين أنَّه وَقَعَ عنده: ((وإذا تَناجَيتُم)) قال: والتِّلاوة: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَنَجَيْتُمْ ﴾. قلت: ولم أقِفْ في شيءٍ من نُسَخ ((الصَّحيح)) على ما ذَكَرِه ابن الِّين. وقوله تعالى: ﴿فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ تَجْوَنَّكُنْ صَدَقَةً﴾، أخرج التِّرمِذيّ (٣٣٠٠) عن عليٍّ: أنَّها منسوخة. وأخرج سفيان بن عُيَينةَ في ((جامعه)) عن عاصم الأحول قال: لمَّا نزلت كان لا يُناجي النبيَّ ◌َِّ أحدٌ إلّا تَصَدَّقَ، فكان أوَّل مَن ناجاه عليّ بن أبي طالب، فتَصَدَّقَ بدينارٍ، ونزلتِ الرُّخصة ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ الآية [المجادلة: ١٣]. وهذا مُرسَل رجاله ثقات. وجاء مرفوعاً على غير هذا السّياق عن عليٍّ، أخرجه التُّرمِذيّ (٣٣٠٠) وابن حِبّان (٦٩٤١)، وصَحَّحَه وابن مَرْدويه (١) من طريق عليّ بن عَلْقمة عنه قال: لمَّا نزلت هذه الآية قال لي رسول الله وَله: ((ما تقول؟ دينارٌ؟)) قلت: لا يُطيقونَه، قال: ((فنصفُ دينار؟)) قلت: لا يُطيقونَه، قال: ((فكَم؟» قلت: شَعيرةٌ، قال: ((إِنَّك لَزَهِيدٌ))، قال: فنزلت ﴿مَأَشْفَقْتُمْ﴾ الآية [المجادلة: ١٣]، قال عليٌّ: فبي خُفِّفَ عن هذه الأُمّة. وأخرج ابن مردويه من حديث سعد بن أبي وقّاص له شاهداً(٢). قوله: ((عن نافع)) كذا أورَدَه هنا عن مالكِ عن نافع، ولمالكِ فيه شيخ آخَرُ عن ابن عمر، وفيه قصّة سأذكرها بعد باب إن شاء الله تعالى. (١) وهو أيضاً عند النسائي في ((الكبرى)) (٨٤٨٤). (٢) وهو أيضاً عند الطبراني في «الكبير» (٣٣١). ١٧٣ باب ٤٦ / ح ٦٢٨٩ كتاب الاستئذان قوله: ((إذا كانوا ثلاثةً)) كذا للأكثرِ بنصبٍ ((ثلاثة)) على أنَّه/ الخبر، ووَقَعَ في رواية لمسلمٍ ٨٢/١١ (٢١٨٣): ((إذا كان ثلاثةٌ)) بالرَّفع على أنَّ ((كان)) تامّةٌ (١). قوله: ((فلا يَتَنَاجَى اثنان دونَ الثّالث)) كذا للأكثرِ بألِفٍ مقصورة ثابتة في الخَطّ صورة ياءٍ، وتَسقُط في اللَّفظ لالتقاءِ الساكنين، وهو بلفظ الخبر ومعناه النَّهيُ. وفي بعض النَّسَخ بجيمٍ فقط بلفظ النَّهي وبمعناه(٢)، زاد أیوبُ عن نافع کما سيأتي بعد باب(٣): ((فإنَّ ذلك ◌ُحزنه))، وبهذه الزّيادة تظهر مُناسَبة الحديث للآية الأولى من قوله: ﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [المجادلة: ١٠]، وسیأتي بسطُه بعد أبواب. ٤٦ - باب حفظ السِّرِّ ٦٢٨٩- حدَّثْنا عبدُ الله بنُ صَبّاح، حدَّثنا مُعتَمِرُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ أبي، قال: سمعتُ أنسَ بنَ مالكٍ: أسَرَّ إليَّ النبيُّ وَلَ سِرّاً فما أخبَرْتُ به أحداً بعدَه، ولقد سألَتْني أُمُّ سُلَيم فما أخبَرْتُها به. قوله: ((باب حِفْظ السِّ)) أي: تَرْك إنشائه. قوله: ((مُعتَمِر بن سليمان)) هو التَّيْميُّ. قوله: ((أسَرَّ إليَّ النبيُّ ◌َل ◌ّ ◌ِرّاً)) في رواية ثابت عن أنس عند مسلم (٢٤٨٢) في أثناء حديث: فَبَعَثَني في حاجةٍ، فَأَبَطَأْتُ على أُمّي، فلمَّا جِئت قالت: ما حَبَسَك؟ ولأحمد (١٣٤٦٩) وابن سعد(٤) من طريق محُميدٍ عن أنس: فأرسَلَني في رسالة، فقالت أُمّ سُلَيم: ما حَبَسَك؟ قوله: ((فما أخبَرْت به أحداً بَعْدَه، ولقد سألَنْني عنه أمّ سُلَيم)) في رواية ثابت: فقالت: ما (١) ولغير أبي ذرِّ الهروي في رواية الحديث هنا: ((إذا كانوا ثلاثةٌ)). (٢) وهي رواية الكشميهني كما في هامش اليونينية. (٣) يعني مثل ما سيأتي في حديث ابن مسعود الآتي بعد باب، إذ لم يخرج البخاري حديث ابن عمر من طريق أيوب عن نافع عنه، وقد أخرجه من هذه الطريق عبد الرزاق (١٩٨٠٦)، وعنه أحمد (٦٣٣٨). (٤) في ((الطبقات الكبرى)) (٦٤٥٠) طبعة علي محمد عمر. ١٧٤ باب ٤٦ / ح ٦٢٨٩ فتح الباري بشرح البخاري حاجته؟ قلت: إنَها سِرٍّ، قالت: لا تُخبِرِ بسِرِّ رسول الله وَليل أحداً، وفي رواية حُميدٍ عن أنس: فقالت: احفَظ ◌ِرَّ رسول الله وَّة، وفي رواية ثابت: والله لو حَدَّثت به أحداً لحَدَّثُك یا ثابتٌ. قال بعض العلماء: كأنَّ هذا السِّرَّ كان يَخْتَصّ بنساء النبيِّ وَّ، وإلّا فلو كان من العلم ما وَسِعَ أَنساً كِتمانُه. وقال ابن بَطّال: الذي عليه أهل العلم أنَّ السِّ لا يُباح به إذا كان على صاحبه مِنه مَضَرٌّ، وأكثرُهم يقول: إنَّه إذا ماتَ لا يَلزم من کِتمانه ما کان یَلَم في حیاته، إلّا أن یکون علیه فيه غضاضةٌ. قلت: الذي يظهر انقسام ذلك بعد الموت إلى ما يُباح، وقد يُستَحَبّ ذِكْرُه ولو گَرهَه صاحب السِّ، كأن يكون فيه تَزكيةٌ له من كرامةٍ أو مَنْقَبةٍ أو نحو ذلك، وإلى ما يُكرَه مُطلَقاً، وقد يجرُم وهو الذي أشار إليه ابن بطّال، وقد يجب كأن يكون فيه ما يجب ذكره گحقٌّ عليه، كان يُعذَر بتَركِ القيام به، فُرجَى بَعده إذا ذُكِرَ لمن يقوم به عنه أن يفعل ذلك. ومن الأحاديث الواردة في حِفظ السِّ حديث أنس: ((احفَظ سِرّي تكنْ مُؤمِنا)) أخرجه أبو يَعْلى (٣٦٢٤) والخَرائطيُّ(١)، وفيه عليّ بن زيد وهو صَدوق كثير الأوهام. وقد أخرج أصله التِّرمِذيّ (٢٦٧٨ و٢٦٩٨) وحَسَّنَه، ولكن لم يَسُق هذا المَتْنَ بل ذكر بعض الحديث ثمّ قال: وفي الحديث طُولٌ. وحديث: ((إنَّما يَتَجالَس المُتجَالسان بالأمانة، فلا يَحِلّ لأحدٍ أن يُفشيَ على صاحبه ما يَكرَه)) أخرجه عبد الرَّزّاق (١٩٧٩١) من مُرسَل أبي بكر بن حَزْم. وأخرج القُضاعيّ في ((مُسنَد الشِّهاب)) (٣) من حديث عليٌّ مرفوعاً: ((المجالس بالأمانة)) وسنده ضعيف. ولأبي داود (٤٨٦٩) من حديث جابر مِثلُه، وزاد: ((إلّا ثلاثةَ مجالسَ: ما سُفِكَ فیه دَمٌ (١) في ((اعتلال القلوب)) برقم (٦٨٢) لكن اللفظ عندهما: ((اكُمْ سِرِّي ... )). ١٧٥ باب ٤٧ / ح ٦٢٩٠ -٦٢٩١ كتاب الاستئذان حَرام، أو فَرْجٌ حَرامٌ، أو اقتُطِعَ فيه مالٌ بغيرِ حَقّ)). وحديث جابِرٍ رَفَعَه: ((إذا حدَّث الرجل بالحديث، ثمَّ التَفَتَ فهي أمانة)) أخرجه ابن أبي شَيْبة (٨/ ٥٩٠) وأبو داود (٤٨٦٨) والتِّرمِذيّ (١٩٥٩). وله شاهد من حديث أنس عند أبي يعلى (٤١٥٨). ٤٧- باب إذا كانوا أكثرَ من ثلاثةٍ فلا بأسَ بالمُسارّةِ والمناجاةِ ٦٢٩٠ - حدَّثني عُثْمَانُ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ الله ﴾، قال: قال النبيُّ وََّ: ((إذا كنتُم ثلاثةً فلا يَتَنَاجَى رَجُلانِ دونَ الآخَرِ، حتَّى تَخْتَلِطوا بالناسِ، أجْلَ أنَّ ذلكَ نَحْزُنُه)). ٦٢٩١- حدَّثْنا عَبْدانُ، عن أبي ◌َمزةَ، عن الأعمَشِ، عن شَقِيقٍ، عن عبدِ الله، قال: قَسَمَ النبيُّ ◌َّهِ يوماً قِسْمةً، فقال رجلٌ منَ الأنصار: إنَّ هذه لَقِسْمَةٌ ما أُرِيدَ بها وَجْهُ الله، قلتُ: أَمَّا والله لآتِيَنَّ النبيَّ ◌ََّ، فأتيتُهُ وهو في مَلٍ، فسارَرْتُهُ فغَضِبَ حتَّى احمرَّ وجهُه، ثمَّ قال: «رحمةُ الله علی موسی أُوذِي بأكثر من هذا فصیرً)). قوله: ((باب إذا كانوا أكثرَ من ثلاثة، فلا بأس بالمُسارّةِ والمُناجاة)) أي: مع بعضٍ دونَ ٨٣/١١ بعضٍ، وسَقَطَ ((باب)) لأبي ذرٍّ، وعَطفُ المناجاة على المسارّة من عَطف الشَّيء على نفسه، إذا كان بغير لفظه لأَّهما بمعنّى واحدٍ، وقيل: بينهما مُغايرة، وهي أنَّ المُسارّةَ وإن اقتَضَتِ المفاعلة لكنَّها باعتبار مَن يُلقي السِّ ومَن يُلقَى إليه، والمُناجاةُ تقتضي وقوع الكلام سِرّاً من الجانبين، فالمناجاةُ أخصُّ من المُسارّة، فتكون من عَطف الخاصّ على العامّ. قوله: «عن عبد الله)) هو ابن مسعود. قوله: ((فلا يَتَنَاجَى)» في رواية الكُشْمِيهنيّ بجيمٍ ليس بعدها ياءٌ، وقد تقدَّم بيانُه قبلَ باب. قوله: ((حتَّى تَخْتَلِطوا بالناسِ)) أي: يَخْتَلِط الثلاثة بغيرهم. والغيرُ أَعَمُّ من أن يكون واحداً أو ١٧٦ باب ٤٧ / ح ٦٢٩١ فتح الباري بشرح البخاري أكثر، فطابَقَتِ التَّرجمة. ويُؤْخَذ مِنه أنَّهم إذا كانوا أربعةً لم يَمتَنِعِ تَناجي اثنَيْنِ لِإمكان أن يَتَنَاجَى الاثنان الآخَرانِ، وقد وَرَدَ ذلك صريحاً فيما أخرجه المصنّف في ((الأدب المفرد)) وأبو داود وصحَّحَه ابن حِبّان من طريق أبي صالح عن ابن عمر رَفَعَه، قلت: فإن كانوا أربعةً؟ قال: ((لا يَضُرُّه))(١). وفي رواية مالك عن عبد الله بن دينار: كان ابن عمرَ إذا أراد أن يُسارِرَ رجلاً - وكانوا ثلاثةً - دَعَا رابِعاً، ثمَّ قال للاثنَينِ: اسْتَرْخِيا(٢) شيئاً، فإنّي سمعت، فذَكَر الحديثَ. وفي رواية سفيان في ((جامعه)) عن عبد الله بن دينار نحوه، ولفظه: فكان ابن عمر إذا أراد أن يُناجي رجلاً دَعًا آخر، ثمَّ ناجَى الذي أرادَ. وله من طريق نافع: إذا أراد أن يُناجيَ وهم ثلاثةٌ دَعَا رابِعاً. ويُؤخَذ من قوله: ((حتَّى تَخْتَلِطُوا بالناس)) أنَّ الزائد على الثلاثة، يُغني(٣)، سواءٌ جاء اتّفاقاً أم عن طَلَبٍ كما فعل ابن عمرَ. (١) كذا أطلق الحافظُ رحمه الله رفعَه عند جميع مَن ذَكَر، وإنما اختلف في هذا عن الأعمش راویه عن أبي صالح، فقد رواه عنه شعبة عند أحمد (٥٠٢٣)، وسفيان الثوري عند البخاري في ((الأدب المفرد)) (١١٧٢)، وعيسى بن يونس عند أبي داود (٤٨٥٢)، وابن حبان (٥٨٤)، وأبو معاوية عند ابن أبي شيبة ٨/ ٥٨١ موقوفاً على ابن عمر، صريحاً في الوقف. وخالفهم جماعة فروَوه عن الأعمش مرفوعاً، منهم يحيى القطّان عند أحمد (٤٦٨٥)، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (١٧٨٦)، وحفص بن غياث عند البخاري في ((الأدب المفرد)) (١١٧٠)، وإسحاق الأزرق عند ابن الأعرابي في ((معجمه)) (٢٣٢٠)، والخرائطي في ((مساوئ الأخلاق)) (٥٠٤)، ومُحاضِر بن المورِّع عند البيهقي في ((الشعب)) (١١١٦٠)، وغيرهم، وهو عند الطحاوي صريحٌ في الرفع، وكذا في رواية الأزرق، فالظاهر أنه محفوظٌ بكلا الوجهين، ويؤيدُه إيراد البخاري لهما جميعاً في ((الأدب المفرد))، والله تعالى أعلم. (٢) كذا جاء بهذا اللفظ في ((الموطأ)) برواية محمد بن الحسن الشيباني (٩٦٣)، وكذلك رواه ابن حبان (٥٨٢)، والبغوي في ((شرح السنة)) (٣٥٠٩) من طريق أبي مصعب الزهريّ عن مالك، مع أنَّ الذي في المطبوع من ((موطئه)) (٢٠٨١) بلفظ: استأخِرا، وهو الذي في ((موطأ يحيى)) ٩٨٨/٢، وكذلك رواه شعبة عن عبد الله بن دينار عند أحمد (٥٥٠١). وانظر ((التمهيد)» ١٢٠/١٧. (٣) تصخّف في (س) إلى: يعني. ١٧٧ باب ٤٧ / ح ٦٢٩١ كتاب الاستئذان قوله: ((أَجْلَ أنَّ ذلك يَجِزُّنُه)) أي: من أَجْلِ، وكذا هو في ((الأدب المفرَد)) (١١٧١) بالإسناد الذي في ((الصَّحیح)) بزیادة ((مِن)). قال الخطَّبيُّ: قد نَطَقُوا بهذا اللَّفظ بإسقاطِ ((مِن)) - وذَكَر لذلك شاهداً - ويجوز كسر همزة (أنَّ) والمشهور فتحُها. قال: وإنَّما قال: ((يَحِزُنُه، لأنَّه قد يُتَوهَّم أنَّ نَجْواهُما إنَّما هي لِسُوءِ رأيِهِما فيه، أو لِدَسِيسَةِ غائلةٍ له. قلت: ويُؤخَذ من التَّعليل استثناءُ صورةٍ ممّا تقدَّم عن ابن عمر من إطلاق الجواز إذا كانوا أربعةً، وهي ما لو كان بين الواحد الباقي وبين الآتي (١) مُقاطَعةٌ بسببٍ يُعذَران به، أو أحدُهما، فإنَّه يصير في معنى المنفَرِد. وأرشَدَ هذا التَّعليلُ إلى أنَّ المناجيَ إذا كان مَمَّن إذا خَصَّ أحداً بمُناجاته أحزَنَ الباقينَ امْتِناعَ ذلك، إلّا أن يكون في أمر مُهمّ لا يَقدَح في الدِّين. وقد نَقَلَ ابن بَطّال عن أشهَبَ عن مالكٍ قال: لا يَتَنَاجَى ثلاثةٌ دونَ واحدٍ ولا عشرةٌ، لأنَّه قد نُهيَ أن يُترَك واحِدٌ(٢)، قال: وهذا مُستَبَط من حديث الباب، لأنَّ المعنى في تَرْك الجماعة للواحدِ كتَّرْكِ الاثنَينِ للواحد، قال: وهذا من حُسن الأدب، لئلّا يَتَبَاغَضوا ويَتَقاطَعوا. وقال المازَرِيّ ومَن تَبِعَه: لا فرقَ في المعنى بين الاثنَينِ والجماعة لِوجودِ المعنى في حَقّ الواحد. زاد القُرطُبيّ: بل وجوده في العَدَد الكثير أمكَنُ وأشدُّ، فليكنِ المنعُ أَولى. وإنَّما خُصَّ الثلاثةُ بالذِّكرِ، لأَنَّه أوَّل عَدَد يُتصوَّر / فيه ذلك المعنى، فمهما وُجِدَ المعنى فيه أُلحِقَ به في الحُكم. ٨٤/١١ قال ابن بطّال: وكلَّا كَثُرَتِ الجماعةُ مع الذي لا يُناجى، كان أبعَدَ لِحُصُولِ الحزن ووجود التُّهمة، فيكون أولى. (١) تحرَّف في (ب) و(س) إلى: الاثنين. (٢) في (س): واحداً، بالنصب، وهو إما على تأويل حالٍ، أي: أو هو تحريف، والله أعلم. ١٧٨ باب ٤٧ / ح ٦٢٩١ فتح الباري بشرح البخاري واختُلِفَ فيما إذا انفَرَدَ جماعة بالتَّناجي دونَ جماعة، قال ابن التِّين: وحديث عائشة (١) في قصَّة فاطمة دالٌّ على الجواز. ثم ذكر المصنف حديث ابن مسعود في قصَّة الذي قال: هذه قِسْمةٌ ما أُريدَ بها وَجهُ الله. والمراد مِنه قولُ ابن مسعود: ((فأتيتُه وهو في مَلَاٍ فسارَرتُه)) فإنَّ في ذلك دلالةً على أنَّ المنعَ يَرْتَفِع إذا بَقِيَ جماعة لا يَتَأْذَّونَ بالسِّرار. ويُسَنَى من أصل الحُكم ما إذا أذِنَ مَن يَبقَى، سواءٌ كان واحداً أم أكثرَ، للاثنَينِ في السَّناجي دُونه أو دُونهم، فإنَّ المنعِ يَرتَفِع لِكَونِهِ حَقُّ مَن يَبقَى، وأمَّا إذا انتَجَى اثنان ابتداءً، وثَمَّ ثالثٌ کان بحیثُ لا یسمُ کلامھما لو تَكلَّما جهراً فأتی لیستَمِعَ علیھما، فلا يجوز کما لو لم یکن حاضراً معهما أصلاً. وقد أخرج المصنِّ في ((الأدب المفرد)) (١١٦٦) من رواية سعيدِ المَقْبُريِّ قال: مَرَرت على ابن عمر ومعه رجل يَتَحدَّث فقُمت إليهما، فلَطَمَ صَدري، وقال: إذا وجَدت اثْنَيْنِ يَتَحدَّثان فلا تَقُم معهما حتَّى تَستأذِتَهما. زاد أحمد (٥٩٤٩) في روايته من وجهٍ آخَر عن سعيد: وقال: أما سمعتَ أنَّ النبيَّي ◌َّيه قال: ((إذا تَناجَى اثنان، فلا يَدخُل معهما غیرُهما حتَّى يَستأذِنَهما». قال ابن عبد البَرِّ: لا يجوز لأحدٍ أن يَدخُل على المتناجيَينِ في حال تَناجيهما. قلت: ولا ينبغي لِداخلِ القُعودُ عندهما ولو تَبَاعَدَ عنهما إلّا بإذنهما، لأنَهما(٢) لمَّا افْتَتَحا حديثَهما سِرّاً وليس عندهما أحدٌ دَلَّ على أنَّ مُرادَهما ألّا يَطَّلِع أحد على كلامهما. ويتأكَّد ذلك إذا كان صوت أحدهما جَهْوَرِيّاً لا يَتَأَتَى له إخفاء كلامه مَمَّن حَضَرَه، وقد يكون لِبعضِ الناس قوّةٌ فَهْمٍ بحيثُ إذا سمعَ بعضَ الكلام استَدَلَّ به على باقِيه، فالمحافظة على تَرك ما يُؤذي المؤمن مطلوبةٌ وإن تَفاوتَتِ المراتب. (١) السالف برقم (٦٢٨٥). (٢) قوله: ((لأنَّها)) أثبتناه من (ع)، وسقط من (أ) و(ب) و(س). ١٧٩ باب ٤٧ / ح ٦٢٩١ كتاب الاستئذان وقد أخرج سفيان بن عُبَينَةَ في ((جامعه)) عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمَّد قال: قال ابن عمر في زمن الفتنة: ألا تَرَونَ القتل شيئاً ورسولُ الله ◌َ لا يقول، فذكر حديث الباب، وزاد في آخره: ((تعظيماً لِحُرْمة المسلم)). وأظنّ هذه الزّيادة من كلام ابن عمر استنَبَطَها من الحديث، فأُدرِ جَت في الخبر، والله أعلم. قال النَّوويّ: النَّهيُ في الحديث للتَّحریمِ إذا كان بغير ◌ِضاه. وقال في موضع آخر: ((إلّا بإذنِه)(١) أي: صريحاً كان أو غيرَ صريحٍ، والإذنُ أخصُّ من الرِّضا، لأنَّ الرِّضا قد يُعلم بالقَرِينة فيُكتَفَى بها عن التَّصريح، والرِّضا أخصّ من الإذن من وجهٍ آخَر، لأنَّ الإذن قد يقع مع الإكراه ونحوِه، والرِّضا لا يُطَّلَع على حقيقته، لكنِ الحُكم لا يُناط إلّا بالإذنِ الدّالّ على الرِّضا. وظاهر الإطلاق أنَّه لا فرق في ذلك بين الخَضَر والسّفَر، وهو قول الجمهور. وحكى الخطَّبيُّ عن أبي عُبيد بن حَرْبويه أنَّه قال: هو مُخْتَصّ بالسَّفَرِ في الموضع الذي لا يأمَن فيه الرجل على نفسه، فأمَّا في الحَضَر وفي العِمارة فلا بأس. وحكى عياضٌ نحوَه، ولفظُه: قيل: إنَّ المراد بهذا الحديث السَّفَر، والمواضع التي لا يأمَن فيها الرجل رَفيقه أو لا يَعرِفه أو لا يَثِقِ به ويَخْشَى مِنه، قال: وقد رُويَ في ذلك أثرٌ، وأشارَ بذلك إلى ما أخرجه أحمد (٦٦٤٧) من طريق أبي سالم الجَيْشانيّ عن عبد الله بن عَمْرو، أنَّ النبيَّ نَّهِ قال: ((ولا يَحِلّ لِثلاثة نَفَرِ يكونونَ بأرضٍ فلاة أن يَتَنَاجَى اثنان دونَ صاحبِهما)) الحديثَ، وفي سنده ابن لَهِيعة، وعلى تقدير ثُبوته فتقييدُه بأرضِ الفَلاة يَتَعلَّق بإحدى عِلَّتَي النَّهي. قال الخطَّبيُّ: إنَّما قال: ((يَحِزُنُه))، لأَنَّه إمّا أن يَتَوهَّم أنَّ نَجْواهُما إنَّما هي لِسُوءِ رأيهما فيه، أو أنّهما یتَّفِقان على غائلةٍ تَحصُل له مِنهما. قلت: فحديث الباب يَتَعلَّق بالمعنى الأوَّل، وحديث عبد الله بن عَمْرو يَتَعلَّق بالثّاني، وعلى هذا المعنى عَوَّلَ ابن حَرْبَوَيْه، وكأنَّه ما استَحضَرَ الحديث الأوَّل. (١) هذه رواية أيوب عن نافع عن ابن عمر التي أخرجها عبد الرزاق (١٩٨٠٦)، وعنه أحمد (٦٣٣٨). ١٨٠ باب ٤٨ / ح ٦٢٩٢ فتح الباري بشرح البخاري قال عياض: قيل: كان هذا في أوَّل الإسلام، فلمَّا فشا الإسلام وأمِنَ الناس سَقَطَ هذا الحُكم. ٨٥/١١ وتَعقَّبَه القُرطُبيّ بأنَّ/ هذا تَحَكُّمٌ وتخصيصٌ لا دليل عليه. وقال ابن العربيّ: الخبر عامٌ اللَّفظ والمعنى، والعِلّةُ: الحُزنُ، وهي موجودة في السَّفَر والحَضَر، فوجَبَ أن يَعُمَّهما النَّهيُ جميعاً. ٤٨ - باب طُول النَّجوى ﴿وَ إِذْهُمُ تَجْرَىٌ﴾ [الإسراء: ٤٧]: مَصْدَرٌ من ناجَيتُ، فَوَصَفَهم بها، والمعنى: يَتَنَاجَوْنَ. ٦٢٩٢- حدَّثني محمَّدُ بنُ بِشَارٍ، حدَّثْنا محمَّدُ بنُ جعفرٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن عبدِ العزيزِ، عن أنسٍ ﴾، قال: أُقِيمَتِ الصلاةُ ورجلٌ يُناجي رسولَ الله وَّةِ، فما زالَ يُناجِيهِ حَتَّى نامَ أصحابُه، ثمَّ قامَ فصَلَّى. قوله: ((باب طُول النَّجْوى وقوله: ﴿وَإِذْ هُمْ تَجْرَى﴾ مصدرٌ من ناجَيتُ، فَوَصَفَهم بها، والمعنى: يَتَنَاجَوْنَ)) هذا التَّفسير في رواية المُستَمْلِي وحدَه، وقد تقدَّم بيانه في تفسير الآية في سورة ﴿سُبْحَانَ﴾(١)، وتقدَّم مِنه أيضاً في تفسير سورة يوسف(٣) في قوله تعالى: ﴿خَلَصُواْ ◌َجِيًّا﴾ [يوسف: ٨٠]. ثم ذَكَر حديث أنس: أُقيمتِ الصَّلاةُ ورجلٌ يُناجي النبيَّ ◌َِّ، الحديثَ. وعبدُ العزيز راوِيه عن أنس: هو ابن صُهَيب، وقد تقدَّم شرح الحديث مُستَونَّ في ((باب الإمام تَعرِض له الحاجة)) وهو قُبَيل صلاة الجماعة (٦٤٢). قوله: ((حتَّى نامَ أصحابُه)) تقدَّم هناك بلفظ: حتَّى نامَ بعضُ القوم، فيُحمَل الإطلاق في حدیث الباب على ذلك. (١) بين يدي الحديث رقم (٤٧٠٩). (٢) بین یدي الحدیث رقم (٤٦٨٨).