النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ باب ٢٨ / ح ٦٢٦٥ كتاب الاستئذان وحديث ابن عبّاس أخرجه الطَّبَريُّ وابن المقرئ (٣٠)، وحديث صفوان أخرجه أيضاً النَّسائيُّ (٤٠٧٨) وابن ماجَهْ (٣٧٠٥) وصَحَّحَه الحاكم (٩/١-١٠). وقد جَمَعَ الحافظ أبو بكر بن المقرئ جُزءاً في تقبيل اليد سمعناه، أورَدَ فيه أحاديث كثيرة وآثاراً، فمِن جيِّدها حديث الزّارع العَبديّ (٢٠)، وكان في وَفْد عبد القيس قال: فجَعَلنا نَتَبَادَر من رَواحلنا فتُقَبِّل يدَ النبيِّ وَلَهُ ورِجْلَه - أخرجه أبو داود (٥٢٢٥) - ومن حديث مَزْيَدَةَ العَصَريّ مِثله (٩) (١)، ومن حديث أُسامة بن شَرِيك (٢) قال: قُمنا إلى النبيِّ ◌َله فقَبَّلنا يدَه. وسندُه قويٌّ، ومن حديث جابر (١١): أنَّ عمر قامَ إلى النبيِّوَّهِ فَقَبَّلَ يَدَه، ومن حديث بُرَيدة في قصَّة الأعرابيّ والشَّجَرة (٥) فقال: يا رسول الله، ائذَن لي أن أُقَبِّل رأسَك ورِجلَيك، فأذِنَ له. وأخرج البخاريّ في ((الأدب المفرَد)) (٩٧٣) من رواية عبد الرَّحمن بن رَزين قال: أخرج لنا سَلَمة بن الأكوع كَفّاً له ضَخمةً كأنَّا كَفُّ بَعِيرٍ، فقُمنا إليها فقَبَّلناها. وعن ثابت (٩٧٤): أنَّه قَبَّلَ يَدَ أنس(٢). وأخرج أيضاً (٩٧٦): أنَّ عليّاً قَبَّلَ يَدَ العبَّاس ورِجْلَه، وأخرجَه ابن المُقرئ (١٣ و١٥). وأخرج (٢٣) من طريق أبي مالك الأشجَعي، قال: قلت لابنِ أبي أوفَى: ناولني يَدك التي بايعتَ بها رسولَ الله وَ لّفِناوَلَنيها، فقَبَّلتها. قال النَّوويّ: تقبيل يَدِ الرَّجل لِزُهدِه وصلاحه، أو عِلمِه أو شَرَفِه أو صيانَتِه أو نحوِ ذلك من الأُمور الدّينيَّة، لا يُكرَه بل يُستَحَبّ، فإن كان لِغِناه أو شَوكَته أو جاهِه عند أهل الدُّنيا فمكروهٌ شديدُ الكَراهة، وقال أبو سَعْد (٣) المتولّي: لا يجوز. (١) وهو أيضاً عند البخاري في ((الأدب المفرد)) (٥٨٧)، لكن حكى فيه مَزيدةُ أنَّ الأشجّ العَصّري سيد عبد القیس قد فعل ذلك. (٢) وهو عند ابن المقرئ (٧) من طريق أخرى عن جميلة أم ولد أنس بن مالك. (٣) تحرَّف في (ب) و(ع) و(س) إلى: سعيد، والمثبت على الصواب من (أ). ١٢٢ باب ٢٩ / ح ٦٢٦٦ فتح الباري بشرح البخاري ٢٩- باب المعانقة وقول الرّجل: كيف أصبحت؟ ٦٢٦٦ - حدَّثنا إسحاقُ، أخبرنا بِشرُ بنُ شُعَيبٍ، حدَّثني أبي، عن الزُّهْريِّح وحدَّثنا أحمدُ بنُ صالحِ، حدَّثنا عَنْبُسةُ، حدَّثنا يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني عبدُ الله بنُ كَعْبٍ بن مالكٍ، أنَّ عبد الله بنَ عبَّاسٍ أخبَرَه: أنَّ عليّ بن أبي طالبٍ ◌ُّ خَرَجَ من عندِ النبيِّ ◌َ لَهُ فِي وَجَعِه الذي تؤُلِّ فيه، فقال الناسُ: يا أبا حسنٍ، كيفَ أصبَحَ رسولُ اللهَ وَّهِ؟ قال: أصبَحَ بِحَمْدِ الله بارئاً، فأخَذَ بَيَدِهِ العَبَّاسُ فقال: ألا تَراه أنتَ والله بعدَ ثلاثٍ عبدُ العصا، والله إنّ لأُرَى رسولَ الله ◌َّهِ سَيُوَنَّى في وَجَعِه، وإنّي لَأعرِفُ في وُجُوه بَنِي عبدِ المطَّلِبِ الموتَ، فاذهبْ بنا إلى رسولِ اللهِ وَ ل﴿ فنسألَه فيمَن يكونُ الأمرُ، فإن كان فِينا عَلِمْنا ذلك، وإن كان في غيرِنا آمَرْناه فأوْصَى بنا، قال عليٌّ: والله لَئِن سأَلْناها رسولَ الله ﴿ فمَنَعَناها لا يُعْطِيناها الناسُ أبداً، وإنّ لا أسألها رسولَ الله ◌ِ أبداً. قوله: ((باب المعانقة وقول الرجل: كيف أصبَحْت؟)) كذا للأكثر، وسَقَطَ لفظ: ((المعانقة)» وواو العطف من رواية النَّسَفيِّ، ومن رواية أبي ذرِّ عن المُستَمْلِي والسَّرَخْسِيّ، وضَرَبَ عليها الدِّمیاطيّ في أصله. ٥٨/١١ قوله: ((حدَّثنا إسحاق)) هو ابن راهَوَيه كما بيَّنته في الوفاة النبويَّة (٤٤٤٧)، وقال الکِرْمانيُّ: لعلَّه ابن منصور، لأنَّه روى عن بِشْر بن شُعَيب في (باب مرض النبيِّ وَّ)). قلت: وهو استدلال على الشَّيء بنفسِه، لأنَّ الحديث المذكور هناك وهُنا واحدٌ، والصّيغةُ في الموضعينِ واحدةٌ، فكان حَقّه إن قامَ الدَّليل عنده على أنَّ المراد بإسحاقَ هناك: ابنُ منصور، أن يقول هنا كما تقدَّم بيانه في الوفاة النبويَّة. قوله: ((وحدَّثنا أحمد بن صالح)) هو إسنادٌ آخَر إلى الزُّهْرِيّ يَرُدّ على مَن ظنَّ انِفِرادَ شُعَيبٍ به، وقد بيَّنتُ هناك أنَّ الإسماعيليّ أخرجه أيضاً من رواية صالح بن كَيْسانَ، ولم أستَحضِر حينئذٍ رواية يونس هذه، فهُم على هذا ثلاثةٌ من حُفّاظ أصحاب الزُّهْريّ رَووه عنه، وسياق المصنِّ على لفظ أحمد بن صالح هذا، وسياقُه هناك على لفظ شُعَيب، والمعنى ١٢٣ باب ٢٩ / ح ٦٢٦٦ كتاب الاستئذان مُتَقارب، وقد ذكرتُ شرحَه هُناكَ. قال ابن بَطّال عن المهلَّب: تَرجَمَ للمُعانَقة ولم يَذكُرها في الباب، وإنَّما أراد أن يُدخِلَ فيه مُعانَقة النبيِّ وََّ للحسنِ الحديث الذي تقدَّم ذِكرُه في ((باب ما ذُكِرَ في (١) الأسواق)) في كتاب البيوع (٢١٢٢)، فلم يَجِدْ له سنداً غير السَّنَد الأوَّل، فماتَ قبل أن يَكتُب فيه شيئاً، فبَقِيَ الباب فارغاً من ذِكْر المعانقة، وكان بعدَه: ((باب قول الرجل: كيف أصبحت؟)) وفيه حديث عليٍّ، فلمَّا وجَدَ ناسخُ الكتاب الثَّرْجَمَتَيْنِ مُتَوالِيَتَينِ ظنَّهما واحدةً، إذ لم يَجِدْ بينهما حديثاً. وفي الكتاب مواضع من الأبواب فارغةٌ لم يُدرِك أن يُتِمَّها بالأحاديثِ، منها في کتاب الجهاد. انتھی. وفي جَزمه بذلك نظرٌّ، والذي يظهر أنَّه أراد ما أخرجه في ((الأدب المفرَد)) (٩٧٠)، فإنَّه تَرجَمَ فيه: ((باب المعانقة)) وأورَدَ فيه حديث جابر: أنَّه بَلَغَه حديثٌ عن رجل من الصحابة قال: فابتَعت بعيراً فشَدَدت إليه رَحْلي شهراً حتَّى قَدِمت الشّام، فإذا عبد الله بن أَنْيسٍ فَبَعَثت إليه فخَرَجَ، فاعتَنَقَني واعتَنَقْتُه. الحديثَ، فهذا أُولی بمُرادِه. وقد ذكر طَرَفاً مِنه في كتاب العلم مُعلَّقً(٢) فقال: ورَحَلَ جابر بن عبد الله مَسيرة شهر في حديثٍ واحدٍ، وتقدَّم الكلام على سندِه هُناكَ. وأمَّا جَزمُه بأنَّه لم يَجِدْ لحديثِ أبي هريرة سنداً آخر ففيه نظرٌ، لأنَّه أورَدَه في كتاب اللِّباس بسندٍ آخر (٥٨٨٤)، وعَلَّقَه في مناقب الحسن(٣) فقال: وقال نافع بن جُبَير عن أبي هريرة، فذكر طَرَفاً مِنه، فلو كان أراد ذِكْرَه لعلَّقَ منه موضعَ حاجته أيضاً بحذفٍ أكثرِ السَّنَد أو بعضِه، كأن يقول: وقال أبو هريرة مثلاً، أو قال عبيد الله بن أبي يزيد عن نافع بن جُبَير عن أبي هريرة. (١) تحرَّف في الأصول و(س) إلى: من. وذكره الحافظ على الصواب في غير موضع من هذا الكتاب. (٢) بين يدي الحديث رقم (٧٨). (٣) بين يدي الحديث رقم (٣٧٤٦). ١٢٤ باب ٢٩ / ح ٦٢٦٦ فتح الباري بشرح البخاري وأمَّا قوله: إنَّهما ترجمتان خَلَتِ الأُولى عن الحديث فضَمَّهما الناسخ، فإنَّه مُتَمَلٌ، ولكن في الجزم به نظرٌ. وقد ذكرتُ في المقدِّمة عن أبي ذرِّ راوي الكتاب ما يُؤيِّد ما ذكره من أنَّ بعض مَن سمعَ الكتاب كان يَضُمّ بعض التَّراجِم إلى بعض، ويَسُدّ البياضَ، وهي قاعِدة يُفْزَعُ إليها عند العَجْز عن تطبيق الحديث على التَّرجمة، ويُؤيِّده إسقاط لفظ المعانقة من روایة من ذكرنا، وقد ترجمَ في الأدب ((باب کیف أصبحت)) وأورَدَ فیه حدیث ابن عبّاس المذكور، وأفرَدَ ((باب المعانَقة)) عن هذا الباب، وأورَدَ فيه حديث جابر كما ذكرتُ، وقَوَّی ابن التِّين ما قال ابن بَطّال بأَنَّه وَقَعَ عنده في رواية ((باب المعانقة))، ((قول الرجل: كيف أصبحت؟)) بغیر واو، فدَلَّ علی أنَّها ترجمتان. وقد أخَذَ ابنُ جَمَاعة كلام ابن بَطّال جازِماً به، واختَصَرَه وزاد عليه، فقال: تَرجَمَ ٥٩/١١ بالمعانَقة ولم يَذكُرُها وإنَّما ذكرها في كتاب البيوع، وكأنَّه تَرجَمَ ولم يَتَّفِقِ/ له حديثٌ يوافِقه في المعنى، ولا طريقٌ آخر لِسندٍ مُعانَقة الحسن، ولم يَرَ أن يَرويَه بذلك السَّنَد، لأنَّه ليس من عادتِه إعادةُ السَّنَد الواحد، أو لعلَّه أخَذَ المعانقة من عادتهم عند قولهم: كيف أصبحت؟ فاكتَفَى: بكيف أصبحت؟ لاقتران المعانقة به عادةً. قلت: وقد قَدَّمتُ الجوابَ عن الاحتمالَينِ الأوَّلَين، وأمَّا الاحتمال الأخير فدعوى العادة تحتاج إلى دليل، وقد أورد البخاريّ في ((الأدب المفرد» (١١٢٩) في («باب کیف أصبحتَ؟)) حديثَ محمود بن لَبيد: أنَّ سعد بن معاذ لمَّا أُصيبَ أكحَلُه كان النبيّ وَلّ إذا مرَّ به يقول: ((كيف أصبحت؟)) الحديثَ، وليس فيه للمُعانَقة ذِكْرٌ، وكذلك أخرج النَّسائيُّ (ك٩٩٤٥) من طريق عمر بن أبي سَلَمة عن أبيه عن أبي هريرة قال: دَخَلَ أبو بكر على النبيّ ◌َ ﴿ فقال: كيف أصبحتَ؟ فقال: ((صالحُ، مِن رجلٍ لم يُصبح صائم)). وأخرج ابن أبي شَيْبة (٦٣٩/٨) من طريق سالم بن أبي الجَعْد عن ابن أبي عَمْرة(١) نحوَه. (١) تحرَّف في الطبعة الهندية من ((المصنف)) إلى: ابن عباس، وجاء في الطبعات الأخرى المحققة منه على الصواب، وقد أشار الحافظ رحمه الله إلى حديث ابن أبي عمرة هذا في ترجمته من ((الإصابة)) واسمه عبد الرحمن بن أبي عمرة. ١٢٥ باب ٢٩ / ح ٦٢٦٦ كتاب الاستئذان وأخرج البخاريّ أيضاً في ((الأدب المفرد)) (١١٣٣) من حديث جابر قال: قيلَ للنبيِّ ◌َّ: كيف أصبحتَ؟ قال: ((بخيرٍ)) الحديث. ومن حديث مُهاجِر الصّائغ (١١٣٤): كنت أجلس إلى رجل من أصحاب النبيِّ وَِّ، فكان إذا قيل له: كيف أصبحتَ؟ قال: لا نُشِرِك بالله. ومن طريق أبي الطَّفَيل (١١٣٥) قال: قال رجل لِحُذَيفة: كيف أصبَحتَ - أو كيف أمسَيت - يا أبا عبد الله؟ قال: أَحَمَدُ اللهَ. ومن طريق أنسٍ: أنَّه سمعَ عمرَ سَلَّمَ عليه رجلٌ، فَرَدَّ ثمَّ قال له: كيف أنتَ؟ قال: أَحمَدُ اللهَ. قال: هذا الذي أردتُ مِنك. وأخرج الطبرانيّ في ((الأوسط)) (٤٣٧٧) نحوَ هذا من حديث عبد الله بن عَمْرو مرفوعاً. فهذه عِدّة أخبار لم تَقتَرِن فيها المعانقة بقول: كيف أصبحتَ؟ ونحوها، بل ولم يقع في حديث الباب أنَّ اثنَيْنِ تَلاقَيا فقال أحدهما للآخرِ: كيف أصبحتَ؟ حتَّى يَستَقيم الحَمْل على العادة في المعانَقة حينئذٍ، وإنَّما فيه أنَّ مَن حَضَرَ باب النبيِّ وَِّ لِمَّ رأوْا خروج عليٍّ من عند النبيِّ وَّ سألوه عن حاله في مرضه فأخبَرَهم، فالرَّاجح أنَّ ترجمة المعانقة كانت خاليةً من الحديث كما تقدَّمَ. وقد وَرَدَ في المعانَقة أيضاً حديث أبي ذرِّ أخرجه أحمد (٢١٤٤٤)، وأبو داود (٥٢١٤) من طريق رجل من عَنَزة لم يُسَمَّ قال: قلت لأبي ذرٍّ: هل كان رسول الله ◌َ ﴿ يُصافحكم إذا لَقِيتُموه؟ قال: ما لَقِيتُه قَطُّ إلّا صافَحَني، وبَعَثَ إليّ ذات يوم فلم أكُن في أهلي، فلمَّا جِئت أُخبِرتُ أنَّه أرسَلَ إليَّ فأتيتُه وهو على سَريره، فالتَزَمَني، فكانت أجودَ وأجودَ. ورجاله ثقات، إلّا هذا الرجل المبهم. وأخرج الطبرانيّ في ((الأوسط)) (٩٧) من حديث أنس: كانوا إذا تَلاقَوا تصافَحوا، وإذا قَدِموا من سَفَر تَعانَقوا، وله في ((الكبير)) (١٧٢١): كان النبيّ ◌َّ إذا لَقِيَ أصحابَه لم يُصافحْهُم حتَّى يُسَلِّمَ عليهم. ١٢٦ باب ٢٩ / ح ٦٢٦٦ فتح الباري بشرح البخاري قال ابن بَطّال: اختَلَفَ الناس في المعانَقة، فكَرهَها مالكٌ، وأجازَها ابن عُيَينَةَ. ثمَّ ساقَ قِصَّتهما في ذلك من طريق سعيد بن إسحاق - وهو مجهولٌ - عن عليّ بن يونس اللَّيثيِّ المدنيّ. وهو كذلك(١). وأخرجها ابن عساكر في ترجمة جعفر من ((تاريخه)) (٣٦٥/٨) من وجهٍ آخَر عن عليّ ابن يونس قال: استأذَنَ سفيان بن عُيَينةَ على مالكِ، فأذِنَ له فقال: السَّلام عليكم، فَرَدّوا عليه، ثمَّ قال: السَّلام خاصٌّ وعامٌ، السَّلام عليك يا أبا عبد الله ورحمة الله وبَرَ كاته، فقال: وعليك السَّلام يا أبا محمَّد ورحمة الله وبَرَكاته. ثمّ قال: لولا أنَّهَا بِدْعٌ لَعانَقتُك. قال: قد عائَقَ مَن هو خير مِنك، قال: جعفرٌ؟ قال: نعم. قال: ذاكَ خاصٍّ. قال: ما عَمَّه يَعُمُّنا. ثمَّ ساقَ سفيان الحديث عن ابن طاووسٍ عن أبيه عن ابن عبّاس قال: لمَّا قَدِمَ جعفر من الحَبَشة اعتَنَقَّه النبيُّ ◌َِّ، الحديثَ. قال الذَّهَبيّ في ((الميزان)): هذه الحكاية باطِلة، وإسنادها مُظلم. قلت: والمحفوظ عن ابن عُيَينةَ بغير هذا الإسناد، فأخرج سفيان بن عُيَينةَ في ((جامعه)) عن الأجلَح عن الشَّعبيّ: أنَّ جعفراً لمَّا قَدِمَ تَلَقّاه رسول الله وَلَّ، فَقَبَّلَ جعفراً بين عَيْنَهِ(٢). وأخرج البَغويُّ في ((مُعجَم الصحابة))(٣) من حديث عائشة: لمَّا قَدِمَ جعفر اسْتَقبَلَه ٦٠/١١ رسول الله وَل﴿، فقَبَّلَ ما بين عَيْنَهِ، وسندُه موصولٌ،/ لكن في سنده محمّد بن عبد الله بن عُبيد بن عُمَير وهو ضعيف. وأخرج التِّرمِذيّ (٢٧٣٢) عن عائشة قالت: قَدِمَ زيد بن حارثة المدينة ورسول الله وَله في بيتي، فَقَرَعَ الباب، فقامَ إليه النبيّ ◌ََّ عُرِيانا يَجُرّ ثوبه، فاعتَنَقَه وقَبَّلَه. قال التِّرمِذيّ: (١) كذا وقع في الأصول و(س)، والظاهر أن الحافظ رحمه الله أراد أن يقول: وهو كذلك عند ابن عساكر، فغيَّر العبارة فقال: وأخرجه ابن عساكر، ولم يُرَمِّج قولَه: وهو كذلك، وكان حقُّها الترميج، والله أعلم. (٢) قدَّمنا تخريجه في أواخر شرح الحديث (٦٢٦٢). (٣) وهو أيضاً عند ابن أبي الدنيا في ((الإخوان)) (١٤٢)، وأبي بكر الشافعي في («الغَيلانّات)) (١٠٤٧)، والآجُرّي في ((الشريعة)) (١٧١٦) وغيرهم. ١٢٧ باب ٢٩ / ح ٦٢٦٦ كتاب الاستئذان حديث حسن. وأخرج قاسم بن أصبَغ(١) عن أبي الهَثَم بن التَّيِّهان: أنَّ النبيَّ وَّ لَفِيَه فاعتَنَقَه وقَبَّلَه، وسنده ضعيف. قال المهلَّب: في أَخْذ العبّاسِ بَيَدِ عليٍّ جوازُ المصافَحة والسُّؤال عن حال العَليل كيف أصبَحَ، وفيه جواز اليمين على غَلَبةِ الظَّنّ، وفيه أنَّ الْخِلَافة لم تُذكَر بعد النبيِّ وَّه لِعليٍّ أصلاً، لأَنَّ العبّاسِ حَلَفَ أنَّه يصير مأموراً لا آمِراً لِمَا كان يَعرِف من توجيه النبيِّ يَّ بها إلى غيره، وفي سُكوت عليٍّ دليلٌ على عِلم عليٍّ بما قال العبَّاس. قال: وأمَّا قول عليٍّ: لو صَرَّحَ النبيّ وَّهِ بِصَرْفِها عن بني عبد المطَّلِبِ لم يُمَكِّنهم أحدٌ بعدَه منها، فليس كما ظنَّ، لأنَّه ◌ِوَلِ قال: ((مُروا أبا بكر فليُصَلِّ بالناس))(٢)، وقيل له: لو أمَرت عمرَ، فامتَنَعَ ثمَّ لم يَمنَع ذلك عمرُ من ولايتها بعد ذلك. قلت: وهو كلام مَن لم يَفهم مُراد عليٍّ، وقد قَدَّمت في شرح الحديث في الوفاة النبويَّة بيان مُراده، وحاصله: أنَّه إنَّما خَشِيَ أن يكون مَنعُ النبيِّ وَّلِ لهم من الخِلافة حُجّةً قاطِعةً بمَنعِهم منها على الاستمرار، تَمسُّكاً بالمنع الأوَّل لِوُرُودِه(٣) بمَنع الخِلافة نَصّاً، وأمَّا مَنْعُ الصَّلاةِ فليس فيه نَصِّ على مَنع الخِلَافة، وإن كان في التّصیص على إمامة أبي بكر في مرضه إشارةٌ إلى أنَّه أحقّ بالخِلافة، فهو بطريق الاستنباط لا النَّصّ، ولولا قَرِينة كونه في مرض الموت ما قويَ، وإلّا فقد استَنَابَ في الصلاة قبل ذلك غيرَه في أسفاره(٤)، والله أعلم. وأمَّا ما استنَبَطَه أوَّلاً ففيه نظرٌ، لأنَّ مُستَنَدَ العَّاس في ذلك الفِراسةُ وقَرائنُ الأحوال، ولم يَنحَصِر ذلك في أنَّ معه من النبيِّ وَّهِ النَّصَّ على مَنع عليٍّ من الخِلافة، وهذا بيِّنٌ من سياق القصّة، وقد قَدَّمتُ هناك أنَّ في بعض طرق هذا الحديث: أنَّ العبّاس قال لِعليٌّ بعد (١) وهو أيضاً عند ابن المقرئ في ((الرخصة في تقبيل اليد)) (٢٨)، وعند أبي نعيم في «معرفة الصحابة)) (٥٩٨٣). (٢) سلف برقم (٦٦٤). (٣) تحرَّف في (س) إلى: لو ردَّه. (٤) کما استخلف أبا رُهم كلثوم بن حُصين الغفاري على المدينة في فتح مكة، فیما أخرجه ابن إسحاق، ومن طريقه ابن هشام في ((السيرة النبوية)) ٣٩٩/٢، وأحمد (٢٣٩٢) وغيرهما. ١٢٨ باب ٣٠ / ح ٦٢٦٧ فتح الباري بشرح البخاري أن ماتَ النبيُّ وَّهِ: ((ابسُط يَدَك أُباِعْكَ، فيُبَايِعْكَ الناسُ)) فلم يفعلْ، فهذا دالٌّ على أنَّ العَبَّاس لم يكن عنده في ذلك نَصِّ، والله أعلم. وقول العبّاس في هذه الرِّواية لِعليٍّ: ألا تراه أنتَ والله بعد ثلاث ... إلى آخره، قال ابن الِّين: الضَّمير في (تَراه)) للنبيِّوَّةِ، وتُعقِّبَ بأنَّ الأَظهَرِ أنَّهَا ضميرُ الشَّأن، وليستِ الرُّؤية هنا الرُّؤْيَةَ البَصَرِيَّة، وقد وَقَعَ في سائر الرِّوايات: ألا تَرَى، بغير ضميرٍ. وقوله: ((لو لم تكنِ الخِلافة فينا آمَرناه))(١) قال ابن التِّين: هو (٢) بمَدِّ الهمزة، أي: شاوَرْناهُ، قال: وقرأناه بالقَصْرِ من الأمر. قلت: وهو المشهور. والمراد: سألْناه، لأنَّ صيغة الطََّب كَصيغة الأمر، ولعلَّه أراد أنَّه يُؤَكِّد عليه في السُّؤال، حتَّى يصير كأنَّه آمِرٌ له بذلك. وقال الكِرْمانيّ: فيه دلالة على أنَّ الأمر لا يُشتَرَط فيه العُلوُّ ولا الاستِعلاءُ. وحكى ابن التِّين عن الدَّاووديّ أنَّ أوَّل ما استعملَ الناس: «كيف أصبحتَ؟» في زمن طاعون عَمَواس، وتَعقَّبَه بأنَّ العرب كانت تقوله قبل الإسلام، وبِأنَّ المسلمينَ قالوه في هذا الحدیث. قلت: والجواب ◌َمْلُ الأوَّلَيَّة على ما وَقَعَ في الإسلام، لأنَّ الإسلام جاء بمشروعيَّة السَّلام للمُتَلافيَينِ، ثمَّ حَدَثَ السُّؤال عن الحال، وقَلَّ مَن صارَ يجمع بينهما، والسُّنّة البَداءةُ بالسَّلام، وكأنَّ السَّبَب فيه ما وَقَعَ من الطاعون، فكانت الدّاعية مُتَوفِّرةً على سؤال الشَّخص من صديقه عن حاله فيه، ثمَّ كَثُرَ ذلك حتَّى اكَفَوا به عن السَّلام، ويُمكِن الفَرق بين سؤال الشّخص عمَّن عنده مَمَّن عَرَفَ أنَّه مُتَوجّع، وبين سؤال مَن حالُه يحتمل الحدوث. ٣٠ - باب من أجاب بلبّيك وسَعديك ٦٢٦٧ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا همَّامٌ، عن قَتَادةَ، عن أنسٍ، عن معاذٍ، قال: أنا رَدِيفُ النبيِّ وَِّ، فقال: ((يا معاذُ»، قلتُ: لَبَّيَكَ وسَعْدَيكَ، ثمَّ قال مِثْلَه ثلاثاً: ((هل تَذْري ما (١) كذلك وقع نصُّ هذه العبارة في الأصول الثلاثة و(س)، والظاهر أنَّ الحافظ رحمه الله ذكره بالمعنى، لأنَّ نصَّ الرواية باتفاقٍ بين رواة البخاري: فإن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا آمَرْناهُ. (٢) تحرَّف في (س) إلى: فهو. ١٢٩ باب ٣٠ / ح ٦٢٦٨ كتاب الاستئذان حَقّ الله على العبادِ؟ قلتُ: لا، قال: ((حَقُّ الله أن يَعْبُدُوه ولا يُشْرِ كوا به شيئا)، ثمَّ سارَ ساعةً فقال: ((يا معاذُ)، قلتُ: لَبَّكَ وسَعْدَيكَ، قال: «هل تَذْري ما حَقُّ العبادِ على الله إذا فعَلُوا ذلك؟ أن لا يُعذِّبُم». حذَّثنا هُدْبةُ، حدَّثَنَا هَمَّامٌ، حدَّثنا قَتَادةُ، عن أنسٍ، عن معاذٍ، بهذا. ٦٢٦٨- حدَّثْنا عمرُ بنُ حفصٍ، حَّثنا أَبي، حدَّثْنا الأعمَشُ، حدَّثنا زيدُ بنُ وَهْب، حدَّثنا. والله. أبو ذَرَّ بالرَّبَدةِ قال: كنتُ أمشي معَ النبيِّ وَهُ فِي حَرّةِ المدينةِ عِشاءً اسْتَقبَلَنا أُحُدٌّ، فقال: ((يا أبا ذرٍّ، ما أُحِبُّ أنَّ أُحُداً لي ذهباً يأتي عليَّ ليلةٌ، أو ثلاثٌ. عندي منه دِينارٌ إلّا أُرصِدُهُ لِدَينِ، إلّا أن أقولَ به في عبادِ الله هكذا وهكذا وهكذا))، وأرانا بَيَدِه، ثمَّ قال: ((يا أبا ذرٍ))، قلتُ: لَبَّكَ وسَعْدَيكَ يا رسولَ الله، قال: ((الأَكثَرونَ همُ الأَقْلُّونَ، إلّا مَن قال هكذا وهكذا))، ثمَّ قال لي: ((مَكانَكَ، لا تَبَرَحْ يا أبا ذرٍّ حتَّى أرجِعَ)»، فانطَلَقَ حتَّى غابَ عنِّي، فسمعتُ صوتاً فخَشِيتُ أن يكونَ عُرِضَ لِرسولِ الله ◌ِّهِ فَأرَدْتُ أن أذهَبَ، ثمَّ ذَكَرْتُ قولَ رسولِ اللهِوَّ: ((لا تَبَرَحْ)) فمَكُنْتُ، قلتُ: يا رسولَ الله، سمعتُ صوتاً خَشِيتُ أن يكونَ عُرِضَ لكَ، ثمَّ ذَكَرتُ قولَكَ فقُمْتُ، فقال النبيُّ ◌َِّ: ((ذاكَ جِبْرِيلُ أتاني فَأَخْبَرني أنَّه مَن ماتَ من أمَّتي لا يُشرِكُ بالله شيئاً دَخَلَ الجنَّةَ)) قلتُ: يا رسولَ الله، وإن زَنَى وإن سَرَقَ؟ قال: ((وإنْ زَنَى وإِنْ سَرَقَ)). قلتُ لزيدٍ: إنَّه بَلَغَنِي أَنَّه أبو الدَّرْداءِ، فقال: أشهَدُ لَدَّثَنِيه أبو ذرٍّ بالرَّبَذَةِ. قال الأعمَشُ: وحدَّثني أبو صالحٍ، عن أبي الدَّرْداءِ نحوَه. وقال أبو شِهابٍ، عن الأعمَشِ: ((يَمْكُثُ عندي فوقَ ثلاث)). قوله: «باب مَن أجابَ بلَبَّكَ وسَعْدَيكَ)) ذَكر فيه حديث أنسٍ عن معاذ قال: أنا رَديفُ ٦١/١١ النبيِّ وَ ﴿ فقال: ((يا معاذُ)) قلت: لَبَّكَ وسعدَيكَ، وقد تقدَّم شرح هاتَينِ الكَلمَتَينِ في كتاب الحجّ (١٥٤٩)، وتقدَّم شرحُ بعضِ حديث معاذٍ في كتاب العلم (١٢٨)، وفي الجهاد (٢٨٥٦)، ويأتي مُستَوفَّى في كتاب الرِّقاق (٦٥٠٠)، وكذلك حديثُ أبي ذرِّ المذكور في الباب بعده (٦٤٤٣و ٦٤٤٤). ١٣٠ باب ٣١ / ح ٦٢٦٩ فتح الباري بشرح البخاري وقوله فيه: ((قلت لِزيدٍ)) أي: ابن وهب، والقائل: هو الأعمَش، وهو موصولٌ بالإسناد المذكور، وقد بيَّن في الرِّواية التي تليها أنَّ الأعمَش رواه عن أبي صالح عن أبي الدَّرداء. وقوله: ((وقال أبو شِهاب، عن الأعْمَش)) يعني: عن زيد بن وهب عن أبي ذرِّ كما تقدَّم موصولاً في كتاب الاستقراض (٢٣٨٨)، والمراد: أنَّه أتى بقولِه: ((يَمكُث عندي فوقَ ثلاث)) بَدَل قوله في رواية هذا الباب: ((يأتي عليَّ ليلةٌ - أو ثلاثٌ - عندي مِنه دينار))، وبَقِيَّة سياق الحديث سواءٌ، إلّ الكلامَ الأخيرَ في سؤال الأعمَشِ زیدَ بنَ وهبٍ، إلى آخره. وقوله: «أُزْصِدُه» بضمِّ أوَّله. وقوله: ((فقُمْتُ)) أي: أقمتُ في موضعي، وهو كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ [البقرة: ٢٠]. وقد وَرَدَ ذلك من قول النبيِّ ◌َلِّ، فأخرج النَّسائيُّ (ك٩٩٤٤و ١٠٧٩٧) وصَخَّحَه ابن حِبّان (٢٩٧٧) (١) من حديث محمَّد بن حاطِب قال: انطَلَقَت بي أمّ إلى رجل جالس، فقالت له: يا رسول الله، قال: ((لَبَّكِ وسعدَیكِ)). ٦٢/١٠ قلت: وأُمّه هي أمُّ جميل - بالجيم - بنت المحَّل - بمُهمَلة(٢) ولامَينٍ، الأُولى ثقيلة -. ٣١- بابٌ لا يُقيم الرّجلُ الرّجلَ من مجلسه ٦٢٦٩ - حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثني مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، عن النبيِّ ◌َّهِ، قال: ((لا يُقِيمُ الرجلُ الرجلَ من ◌َجلِه، ثمَّ يَجلِسُ فيه)). قوله: ((بابٌ لا يُقيم الرجلُ الرجلَ من ◌َجلِسه)» هكذا تَرجَمَ بلفظ الخبر، وهو خبرٌ معناه النَّهيُ، وقد رواه ابن وَهْبٍ بلفظ النَّهي: ((لا يُقِم))، وكذا رواه ابن الحسن(٣)، ورواه القاسم (١) الظاهر أنَّ الحافظ رحمه الله أراد الإشارة إلى تصحيح ابن حبان أصلَ حديث محمد بن حاطب، وإلّا فليس عند ابن حبان اللفظُ الذي أراده الحافظ. (٢) كذا ضبطه الحافظ هنا بالمهملة، مع أنه ضبطه في ((الإصابة)) في ترجمتها بالمعجمة، وهو الأكثر. (٣) الذي في مطبوع ((موطأ محمد بن الحسن)) (٨٧٥): لا يُقِيم، وكذلك في النسخة التي اعتمدها اللَّكْنَوي في «شرحه)). ١٣١ باب ٣٢ / ح ٦٢٧٠ كتاب الاستئذان ابن يزيد وطاهر بن مِدْرار، بلفظ: ((لا يُقيمنَّ»، وكذا وَقَعَ في رواية اللَّيث عند مسلم (٢١٧٧/ ٢٧) بلفظ النَّهي المؤَكَّد، وكذا عنده (٢٩/٢١٧٧) من رواية سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه. قوله: ((حدَّثنا إسماعيل بن عبد الله)) هو ابن أبي أُويس، وهذا الحديث ليس في ((الموطَّ)) إلّا عند ابن وهب ومحمّد بن الحسن. وقد أخرجه الدّارَقُطنيُّ من رواية إسماعيل وابن وهب وابن الحسن والوليد بن مسلم والقاسم بن يزيد وطاهر بن مِدْرار كلّهم عن مالك. وأخرجه الإسماعيليّ من رواية القاسم بن يزيد الجَرْميّ وعبد الله بن وهب، جميعاً عن مالك. وضاقَ على أبي نُعَيم فأخرجه من طريق البخاريّ نفسه. وقد تقدَّم في كتاب الجمعة (٩١١) من رواية ابن جُرَيج عن نافع. ويأتي في الباب الذي يليه من رواية عُبيد الله بن عمر العُمريّ عن نافع، وسياقه أتمّ ويأتي شرحه فیه. ٣٢- بابٌ ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ نَفَسَّحُواْ فِي المَجْلِسِ(١) فَأَفْسَحُواْ ﴾ [المجادلة: ١١] ٦٢٧٠ - حدَّثنا خَلّادُ بنُ يحيى، حدَّثنا سفيانُ، عن عُبيدِ الله، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ ◌ََّ: أَنَّه نَهَى أَن يُقامَ الرجلُ من تَجْلِسِه ويَجْلِسَ فيه آخَرُ، ولكن تَفَسَّحوا وتَوَسَّعوا. وكان ابنُ عمرَ يَكْرَه أن يقومَ الرجلُ من مَجْلِسِه، ثمَّ يَجْلِسَ مَكانَه. قوله: ((باب ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَّفَسَّخُواْ فِىِ المَجْلِسِ فَأَفْسَحُواْ﴾)) كذا لأبي ذرٍّ، وزاد غيرُه: ﴿وَإِذَا قِيلَ انشُزُواْ فَأَنْشُرُواْ﴾ الآية. اختُلِفَ في معنى الآية، فقيلَ: إنَّ ذلك خاصٍّ بمَجلِسِ النبِّ وَّهِ، قال ابن بَطّال: قال بعضُهم: هو مَجلِس النبيِّوَلِّ خاصّةً، عن مجاهد وقَتَادة. (١) هكذا قرأ العشرة، إلّ عاصماً فقرأ: ﴿فِى الْمَجَلِسِ﴾ بالجمع. انظر ((النشر)) لابن الجزري ٣٨٥/٢. ١٣٢ باب ٣٢ / ح ٦٢٧٠ فتح الباري بشرح البخاري قلت: لفظ الطَّبَرَيِّ (١٦/٢٨) عن قَتَادة: كانوا يَتَنَافَسونَ فِي مَجَلِس النبيِّ وَلَ إذا رأَوْه مُقبِلاً ضَيَّقُوا مَجَلِسَهم، فأمَرَهم الله تعالى أن يوسِّع بعضهم لبعضٍ. قلت: لا يَلزَم من كَون الآية نزلت في ذلك الاختصاصُ. وأخرج ابن أبي حاتم عن مُقاتل بن حَيّان - بفتح المهمَلة والتَّحتانيَّة الثَّقيلة - قال: نزلت يوم الجمعة، أقبَلَ جماعة من المهاجِرِينَ والأنصار من أهل بدر فلم يَجِدوا مكاناً، فأقامَ النبيّ ◌َّهِ ناساً مَمَّن تأخّرَ إسلامُه فأجلَسهم في أماكنهم، فشَقَّ ذلك عليهم، وتَكلَّمَ المنافقونَ في ذلك، فأنزلَ الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِ المَجْلِسِ فَأَفْسَحُواْ﴾. وعن الحسن البصريّ: المراد بذلك مَجَلِسُ القتال، قال: ومعنى قوله: ﴿انشُزُواْ﴾: انهضوا للقتال. ٦٣/١١ وذهب الجمهور إلى أنَّها عامّة في كلّ مَجلِس من مجالس الخير، وقوله: ﴿ فَأَفْسَحُواْ يَفْسَحِاللَّهُ ﴾/ أي: وسِّعوا يُوسِّعِ اللهُ عليكم في الدُّنيا والآخِرة. قوله: ((سُفْيان)) هو الثَّوريّ. قوله: ((أَنَّه نَهَى أن يُقام الرَّجل من مَجْلِسه وتَجْلِس فيه آخَر)) كذا في رواية سفيان، وأخرجه مسلم (٢٨/٢١٧٧) من وجه آخر عن عُبيد الله بن عمر، بلفظ: ((لا يُقِمِ الرَّجلُ الرَّجلَ من مَقعَده ثمَّ تجلِس فیه)). قوله: ((ولكن تَفَسَّحوا وتَوسَّعوا)) هو عَطفٌ تفسيريٌّ، ووَقَعَ في رواية قَبيصة عن سفيان عند ابن مَرْدويه: ((ولكن ليَقُل: افسَحُوا وَتَوسَّعُوا))(١)، وقد أخرجه الإسماعيليّ من رواية قَبيصة وليس عنده: ((لِيَقُل)). وهذه الزّيادة أشارَ مسلم إلى أنَّ عُبيد الله بن عمر تفرَّد بها عن نافع، وأنَّ مالكاً واللَّيث (١) وكذا وقع عند عبد الرزاق في ((المصنف)) برقم (٥٥٩٤) عن عَبْد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبيِّ ێ﴾. ١٣٣ باب ٣٢ / ح ٦٢٧٠ كتاب الاستئذان وأيوب وابن جُرَيجِ رَوَوه عن نافع بدونِها، وأنَّ ابن جُرَيج زاد: قلت لِنافع: في الجمعة؟ قال: وفي غيرها، وقد تقدَّمَت زيادة ابن جُرَيج هذه في كتاب الجمعة (٩١١). ووَقَعَ في حديث جابر عند مسلم (٢١٧٨): ((لا يُقيمنَّ أحدُكم أخاه يومَ الجمعة ثمَّ يُخالف إلى مَقعَده فيَقعُد فيه، ولكن يقول: افسَحُوا)) فجَمَعَ بين الزّيادتَينِ وَرَفَعَهما، وكأنَّ ذلك سببُ سؤال ابن جُرَیج لنافعٍ. قال ابن أبي جَمْرة: هذا اللَّفظ عامٌّ في المجالس، ولكنَّه مخصوصٌ بالمجالسِ المباحة، إمّا على العُموم كالمساجدِ ومجالس الحُكّام والعلم، وإمّا على الخصوص كمَن يَدعُو قوماً بأعيانهم إلى منزله لِوليمةٍ ونحوها، وأمَّا المجالس التي ليس للشَّخصِ فيها مِلكٌ ولا إذنٌ له فيها فإنَّه يُقام ويُخْرَج منها، ثمَّ هو في المجالس العامّة، وليس عاماً في الناس بل هو خاصٍّ بغير المجانين، ومَن يَحصُل منه الأذَى كآكِلِ الثَّومِ النِّيء إذا دَخَلَ المسجد، والسَّفيه إذا دَخَلَ مَجَلِس العلم أو الحُكم. قال: والحكمة في هذا النَّهي مَنعُ استنقاص حَقّ المسلم المقتَضي للضَّغائن، والحَثُّ على التَّواضُع المقتَضي للموادَدة، وأيضاً فالناس في المباح كلّهم سواءٌ، فمَن سَبَقَ إلى شيءٍ اسْتَحقّه، ومَن استَحقَّ شيئاً فَأُخِذَ مِنه بغير حَقّ فهو غَصبٌ والغَصبُ حرام، فعلى هذا قد يكون بعض ذلك على سبيل الكراهة، وبعضه على سبيل التَّحریم. قال: فأمَّا قوله: (تَفَسَّحوا وتَوسَّعوا)) فمعنى الأوَّل: أن يَتَوسَّعوا فيما بينهم، ومعنى الثّاني: أن يَنْضَمَّ بعضُهم إلى بعض حتَّى يَفْضُلَ من الجَميعِ مَجَلِسٌ للدّاخلِ. انتهى مُلخَّصاً. قوله: ((وكان ابن عمر)) هو موصولٌ بالسَّنَد المذكور. قوله: ((يُكْرَه أن يقوم الرجل من تَجْلِسه، ثمَّ يَجْلِسَ مكانَه)) أخرجه البخاريّ في ((الأدب المفرَد)) (١١٥٣) عن قَبيصة عن سفيان - وهو الثَّوريّ - بلفظ: وكان ابن عمر إذا قامَ له رجل من مجلِسه لم يجلِس فيه. وكذا أخرجه مسلم (٢٩/٢١٧٧) من رواية سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه. وقوله: ((يَجلِس)) في روايتنا بفتح أوَّله، وضَبَطَه أبو جعفر الغَرْناطيّ في نُسخَته بضمِّ أوَّله على ١٣٤ باب ٣٢ / ح ٦٢٧٠ فتح الباري بشرح البخاري وزن: يُقام(١). وقد وَرَدَ ذلك عن ابن عمر مرفوعاً أخرجه أبو داود (٤٨٢٨) من طريق أبي الخصيب - بفتحِ المعجَمة وكسر المهملة آخره موخَّدةٌ بوزنٍ عظيم، واسمه زياد بن عبد الرَّحمن - عن ابن عمر: جاء رجلٌ إلى رسول الله وَّهِ فقامَ له رجلٌ من ◌َجَلِسه، فذهب ليَجلِس، فنَهاه رسول الله گلڑ. وله أيضاً (٤٨٢٧) من طريق سعيد بن أبي الحسن: جاءنا أبو بَكْرة، فقامَ له رجل من مَجَلِسه فأبَى أن يَجلِس فيه، وقال: إنَّ النبيَّ ◌َلِنَهَى عن ذا. وأخرجه الحاكم (٤/ ٢٧٢) وصَخَّحَه من هذا الوجه، لكن لفظه مِثل لفظ ابن عمر الذي في ((الصَّحیح)). فكأنَّ أبا بَكرة حَمَلَ النَّهيَ على المعنى الأعَمّ، وقد قال البزَّار: إنَّه لا يُعرَف له طريق إلّا هذه، وفي سنده أبو عبد الله مولى أبي بُرْدة بن أبي موسى، وقيل: مولى قُرَيش وهو بصريّ لا يُعرَف. قال ابن بَطّال: اختُلِفَ في النَّهي، فقيلَ: للأدب، وإلّا فالذي يجب للعالم أن يَلِيَه أهلُ الفَهم والتُّهَى، وقيل: هو على ظاهره، ولا يجوز لمن سَبَقَ إلى مَجَلِس مُباح أن يُقام مِنه، واحتَجُوا بالحديث، يعني الذي أخرجه مسلم (٢١٧٩) عن أبي هريرة رَفَعَه: ((إذا قامَ أحدُكم من مَجَلِسه ثمَّ رَجَعَ إليه، فهو أحقّ به)) قالوا: فلمَّا كان أحقّ به بعد رجوعه ثَبَتَ أَنَّه حَقُّه قبلَ أن يقومَ، ويَتأيَّد ٦٤/١١ ذلك بفِعلِ ابن عمر المذكور فإنَّه/ راوي الحديث، وهو أعلم بالمرادِ مِنه. وأجابَ مَن حَمَلَه على الأدب أنَّ الموضع في الأصل ليس مِلكَه قبل الجلوس ولا بعدَ المفارقة، فدَلَّ على أنَّ المراد بالحقّيَّة في حالة الجلوس الأولَويَّة، فيكون مَن قامَ تاركاً له قد سَقَطَ حَقّه جُملةً، ومَن قامَ لَيَرجِع يكون أولى. وقد سُئلَ مالكٌ عن حديث أبي هريرة فقال: ما سمعتُ به، وإِنَّه لَحَسنٌ إذا كانت أَوْبَتُه قريبةً، وإن بَعُدَ فلا أرى ذلك له، ولكنَّه من (١) والذي في اليونينية بضم أوله وكسر اللام. ١٣٥ باب ٣٢ / ح ٦٢٧٠ كتاب الاستئذان محاسِن الأخلاق. وقال القُرطُبيّ في ((المفهم)): هذا الحديث يدلّ على صِحّة القول بوجوبِ اختصاص الجالس بموضعِه إلى أن يقوم مِنه، وما احتَجَّ به مَن حَلَه على الأدب بگونه ليس ملكاً له لا قبلُ ولا بعدُ ليس بحُجّةٍ، لأنّا نُسلِّم أنَّه غير مِلكِ له، لكن يَخْتَصّ به إلى أن يَفرُغ غَرَضُه، فصارَ كأنَّه مَلَكَ مَنفَعَته، فلا يُزاحمه غیرُه علیه. قال النَّوويّ: قال أصحابنا: هذا في حَقّ مَن جَلَسَ في موضع من المسجد أو غيره لِصلاةٍ مثلاً، ثمَّ فارَقَه ليعودَ إليه كَإرادة الوضوء مثلاً أو لِشُغلِ يسيرٍ ثمَّ يعود، لا يَبطُل اختصاصه به، وله أن يُقيم مَن خالَفَه وقَعَدَ فيه، وعلى القاعِد أن يُطِيعَه. واختُلِفَ هل يجب عليه؟ على وجهَينِ أصحُّهما: الوجوب، وقيل: يُستَحَبّ، وهو مذهب مالك، قال أصحابنا: وإنَّما يكون أحقَّ به في تلكَ الصلاة دونَ غيرها، قال: ولا فرقَ بين أن يقوم مِنه ويَتُك له فيه سَجّادة ونحوها أم لا، والله أعلم. وقال عياض: اختَلَفَ العلماء فيمَن اعتادَ بموضعٍ من المسجد للتَّدريسِ والفَتوى، فحُكِيَ عن مالك أنَّه أحقّ به إذا عُرِفَ به. قال: والذي عليه الجمهور أنَّ هذا استحسانٌ ولیس بحَقٍّ واجبٍ، ولعلَّه مُراد مالكٍ. وكذا قالوا في مقاعد الباعة من الأَفنية والطُّرق التي هي غير مُتَمَلَّكة، قالوا: مَن اعتادَ بالجلوسِ في شيء منها فهو أحقّ به حتَّى يُتِمَّ غَرَضَه. قال: وحكاه الماوَرْدِيّ عن مالك قطعاً للتَّنَازُعِ. وقال القُرطُبيّ: الذي عليه الجمهور أنَّه ليس بواجبٍ. وقال النَّوويّ: استَئِنَى أصحابنا من عُموم قوله: ((لا يُقيمنَّ أحدُكم الرجلَ من مَجَلِسه، ثُمَّ يَجلِس فيه)) مَن ألِفَ من المسجد موضعاً يُفتي فيه أو يُقْرِئ فيه قرآناً أو عِلماً، فله أن يُقيمَ مَن سَبَقَه إلى القُعود فيه. وفي معناه مَن سَبَقَ إلى موضعٍ من الشَّوارع ومقاعِد الأسواق لمعاملةٍ. قال النَّوويّ: وأمَّا ما نُسِبَ إلى ابن عمر فهو وَرَعُ مِنه، ولیس قُعوده فیه حراماً إذا كان ١٣٦ باب ٣٣ / ح ٦٢٧١ فتح الباري بشرح البخاري ذلك برِضا الذي قامَ، ولكنَّه تَورُّع مِنه لاحتمال أن يكون الذي قامَ لأجلِه استَحيا مِنه، فقامَ عن غير طِيب قلبِه، فسَدَّ البابَ لَيَسلم من هذا، أو رأى أنَّ الإيثار بالقُربِ مكروهٌ أو خِلَاف الأَولى، فكان يَمتَنِعِ لأجلِ ذلك لئلّا يَرِتَكِبَ ذلك أحدٌ بسببِه. قال عُلَماء أصحابنا: وإِنَّمَا يُحمَد الإيثار بحُظوظِ النَّفْس وأُمور الدُّنيا. ٣٣ - باب مَن قام من مجلسه أو بيته ولم يستأذن أصحابَه أو تَهِيَّأْ لِلْقِيامِ ليقومَ الناسُ ٦٢٧١ - حدَّثنا الحسنُ بنُ عمرَ، حدَّثنا مُعتَمِّرٌّ، سمعتُ أبي يَذكُرُ عن أبي مِجْلَزٍ، عن أنسِ ابنِ مالكٍ عُ، قال: لمَّا تزوَّجَ رسولُ الله وَه زينبَ بنتَ جَحْشٍ دَهَا الناس، طَعِمُوا، ثمَّ جَلَسُوا يَتَحدَّثونَ. قال: فأخَذَ كَأَنَّه يَتَهِيَّأُ للْقِيامِ، فلمْ يَقُوموا، فلمَّا رَأى ذلك قامَ، فلمَّا قام قامَ مَن قامَ معه منَ الناسِ، وبَقِيَ ثلاثةٌ، وإنَّ النبيَّ ◌َهِ جاء ليَدخُلَ فإذا القومُ جُلوسٌ، ثمَّ إِنَّهم قاموا فانطَلَقوا. قال: فجِئْتُ فأخبَرْتُ النبيَّ وَلِ أَنَّهم قد انطَلَقوا، فجاء حتَّى دَخَلَ، فذهبتُ أدْخُلُ فأرخَى الِحِجابَ بيني وبينَه، وأنزَّلَ الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَ نَدْ خُلُواْ بُيُوتَ النَِّيِّ إِلَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣]. ٦٥/١١ قوله: ((باب مَن قام من مَجْلِسه أو بيته ولم يَستأذِن أصحابه، أو تهيّا للقيام ليقومَ الناسُ» ذكر فيه حديث أنسٍ في قصَّة زَواج زينبَ بنت جَحْش ونزولِ آية الحجاب، وفيه: فأخَذَ كأنَّه يَتَهِيَّا للقيام فلم يقوموا، فلمَّا رأى ذلك قامَ، فلمَّا قامَ قامَ مَن قامَ معه من الناس، ويَقِيَ ثلاثةٌ، الحديثَ. وقد تقدَّم شرحه مُستَوقّى في تفسير سورة الأحزاب (٤٧٩١). قال ابن بَطّال: فيه أنَّه لا ينبغي لأحدٍ أن يَدخُل بيتَ غيره إلّا بإذنِهِ، وأنَّ المأذون له لا يُطيل الجلوس بعد تَمَام ما أُذِنَ له فيه، لئلّا يُؤذيَ أصحابَ المنزِل ويَمنَعَهم من التَّصَرُّف في حوائجهم. وفيه أنَّ مَن فَعَل ذلك حتَّى تَضَرَّرَ به صاحبُ المنزِل أنَّ لِصاحبِ المنزل أن يُظهِرِ التَّاقُل به، وأن يقوم بغير إذنٍ حتَّى يَتَفَطَّن له، وأنَّ صاحب المنزل إذا خَرَجَ من منزله، لم يكن للمأذونِ له ١٣٧ باب ٣٤ / ح ٦٢٧٢ كتاب الاستئذان في الدُّخول أن يُقيم إلّا بإذنٍ جَديد، والله أعلم. ٣٤- باب الاحتِباء باليد، وهو القُرْفُصاء ٦٢٧٢ - حدَّثني محمَّدُ بنُ أبي غالبٍ، أخبرنا إبراهيمُ بنُ المنْذِرِ الحِزَامِيُّ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ فُلَيِحٍ، عن أبيه، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، قال: رأيتُ رسولَ الله وَّرِيفِناءِ الكَعْبةِ مُتَبِياً بَيَدِه هكذا. قوله: ((باب الاحتِباء باليَدٍ وهو)) وَقَعَ في رواية الكُشْمِيهنيّ: وهي ((القُرْفُصاء)» بضمِّ القاف والفاء بينهما راءٌ ساكنة ثمَّ صادٌ مُهمَلة ومَدٍّ، وقال الفَرّاء: إن ضَمَمتَ القاف والفاء مَدَدْتَ، وإن كَسَرتَ قَصَرتَ. والذي فَسَّرَ به البخاريّ الاحتباءَ أخَذَه من كلام أبي عبيدة فإنَّه قال: القُرْفُصاء جِلْسة المُحتَبي، ويُدير ذِراعیه ویَدَیه علی ساقيه. وقال عياض: قيل: هي الاحْتِباء، وقيل: جِلسة الرجل المُستَوفِز، وقيل: جلسة الرجل على ألْيَتَه. قال: وحديث قَيْلة يدلّ عليه لأنَّ فيه: وبيَدِهِ عَسِيب نَخْلةٍ، فدَلَّ على أنَّه لم يَتَبِ بیدیه. قلت: ولا دلالة فيه على نَفْي الاحتباءِ، فإنَّه تارةً يكون باليَدَينِ وتارةً بثوبٍ، فلعلَّه في الوقت الذي رأَته قَيْلةُ كان مُتَبِياً بَثَوبِه، وقد قال ابن فارسٍ وغيرُه: الاحْتِباء: أن يَجمع ثوبُه ظَهرَه ورُكبَتَیه(١). قلت: وحديث قَيْلَةَ - وهي بفتح القاف وسكون التَّحتانيَّة بعدها لامٌّ - أخرجه أبو داود(٢)، والتِّرمِذيّ في ((الشَّمائل)) (١٢٧)، والطبرانيُّ (١/٢٥) وطَوَّلَه بسندٍ لا بأس به: (١) كذا وقع سياق التعريف في الأصلين و(س)، والذي في ((مقاييس اللغة)) له: احتَبَى الرَّجلُ: إذا جمع ظهرَه وساقَيْه بثَوبٍ. (٢) حديث قَيْلة أخرجه أبو داود في موضعين من ((سننه)) برقم (٣٠٧٠) و(٤٨٤٧) وكذلك الترمذي في «جامعه» برقم (٢٨١٤)، لکن لیس عندهما ذِکرُ موضع الشاهد. ١٣٨ باب ٣٤ / ح ٦٢٧٢ فتح الباري بشرح البخاري أنَّهَا قالت، فذَكَر الحديث، وفيه: قالت: فجاء رجلٌ، قال: السَّلام عليك يا رسولَ الله، فقال: ((وعليك السَّلام ورحمة الله)) وعليه أَسْمالُ مُلَيَّتَينِ قد كانتا بزَعفَران فنَفَضَتَا(١)، وبيَدِه عُسَيِّبُ (٢) نَخْلَةٍ مُقَشَرٌ(٣) قاعِداً القُرْفُصاءَ، قالت: فلمَّا رأيت رسولَ الله وَِّ المتخَشِّعَ في الجِلْسة أُرْعِدتُ من الفَرَق، فقال له جَليسه: يا رسولَ الله، أُرعِدَتِ المِسْكينة، فقال - ولم يَنظُر إليّ -: ((يا مِسْكينةُ، عليك السَّكينةُ»، فذهب عنِّي ما أجِد من الزُّعب، الحديثَ. وقوله فيه: ((وعليه أَسْمال)) بمُهمَلةٍ جمع سَمَل بفتحَتَينِ: وهو الثَّوب البالي، و((مُلَيَّتَينِ)» بالتَّصغير: تثنية مُلَاءة، وهي الرِّداء. وقيل: القُرْفُصاء: الاعتماد على عَقِبَيَه ومَسّ أَلْيَتَه بالأرض. والذي يَتَحرَّر من هذا كلِّه أنَّ الاخْتِباءَ قد يكون بصورة القُرْفُصاء، لا أنَّ كلَّ احتباءٍ قُرْفُصاءُ، والله أعلم. قوله: ((حدَّثني محمَّد بن أبي غالب)) هو القُومِسيّ - بضمِّ القاف وسكون الواو وبالسِّين المهمَلة - نزلَ بغداد، وهو من صِغار شيوخ البخاريّ وماتَ قبله بستٌّ سنین، وليس له عنده سوى هذا الحديث وحديثٌ آخر في كتاب التَّوحيد (٧٥٥٤)، ولهم شيخ آخر يقال له: محمَّد بن أبي غالب الواسطي نَزيل بغداد، قال أبو نَصر الكلاباذيّ: سمعَ من هُشَيم، وماتَ قبل القُومِسيّ بستٌّ وعشرينَ سنة. قوله: ((محمَّد بن فُلَیح، عن أبيه)» هو فُلَیح بن سليمان المدنيّ، وقد نزلَ البخاريّ في حديثه هذا دَرَجَتَينِ لأَنَّه سمعَ الكثير من أصحاب فُلَیح، مِثل يحيى بن صالح، ونزلَ في حديث ٦٦/١١ إبراهيم بن المنذر درجة، لأنَّه/ سمع منه الكثيرَ وأخرج عنه بغير واسطة. قوله: ((بفِناءِ الكَعْبة)) بكسر الفاء ثمَّ نون ثمَّ مَدّ، أي: جانبها من قِبَل الباب. (١) إذا لبس الثوب الأحمر أو الأصفر فذهب بعضُ لونه قيل: قد نَفَضَ صِبْغُه. (٢) قال ابن الأثير في ((النهاية)»: هكذا يُروى مُصفَّراً. (٣) كذلك جاء في أصولنا الثلاثة، وجاء في مطبوع ((معجم الطبراني)): مَقْشُوٌّ، بالواو المشددة بدل الراء، وهي الرواية التي وقعت لأبي عبيد في ((غريبه))، وكذا لابن الأثير في ((النهاية)) و((شرح طوال الغرائب)) ص٩٨، وهما بمعنّى، وتحرَّف في (س) إلى: مقشرة. ١٣٩ باب ٣٤ / ح ٦٢٧٢ كتاب الاستئذان قوله: (مُحْتَبِياً بيَدِه، هكذا)) كذا وَقَعَ عنده مختصراً، ورُوِّيناه في الجزء السادس من ((فوائد أبي محمَّد بن صاعِد))(١) عن يحيى(٢) بن خالد عن أبي غَزِيَّة - وهو بفتح المعجَمة وكسر الزّاي وتشديد التَّحتائيَّة، وهو محمَّد بن موسى الأنصاريّ القاضي - عن فُلَیح نحوه، وزاد: فأرانا فُلَيح(٣) موضعَ يمينه على يساره موضع الرُّسغ. وقد أخرجه الإسماعيليّ من رواية أبي موسى محمَّد بن المثنَّى عن أبي غَزِيَّة بسندٍ آخر قال: حدَّثنا إبراهيم بن سعد، عن عمر بن محمّد بن زيد عن نافع (٤)، فذَكَر نحوَ حديث الباب دونَ كلام فُلَيح. وأخرجه أبو نُعَيم من وجه آخر عن أبي غَزِيَّة عن فُلَيح، ولم يَذكُر كلام فُلَيح أيضاً، والذي يظهر أنَّ لأبي غَزِيَّة فيه شيخَين، وأبو غَزِيَّة ضَعَّفَه ابن مَعِين وغيرُه. ووَقَعَ عند أبي داود (٤٨٤٦) من حديث أبي سعيد: أنَّ رسول الله وََّ كان إذا جَلَسَ احتَبَى بَيَدَيه (٥)، زاد البَزَّار: ونَصَبَ رُكبَتَيه. وأخرج البزَّار أيضاً (٩٣٥٥) من حديث أبي هريرة بلفظ: جَلَسَ عند الكعبة فضَمَّ رِ جلَيه، فأقامَهما واحتَبَی بیدیه(٦). (١) وعنه أبو جعفر ابن البَخْتَري في ((التاسع من فوائده)) (١١٢)، ويِيسَى بنت عبد الصمد في «جزئها)) (١٠٢). (٢) تحرَّف في أصولنا و(س) إلى: محمود. ويحيى بن خالد هذا هو أبو سليمان المخزومي، وجاء على الصواب في «فوائد ابن البختري» و کذا في «جزء پییی)). (٣) الذي عند ابن البختري ويِيسَى: أرانا أبو سليمان، قلنا: وهي كنية يحيى بن خالد المخزومي المذكور، وكنية فليح أبو يحيى، فلعله تحرَّف في نسخة الحافظ من ((فوائد ابن صاعد)) إلى: ابن سليمان، فظنَّه الحافظُ أو بعضُ مَن روى ((فوائد ابن صاعِدٍ» فُليحاً، فاستبدلَه به، والله أعلم. (٤) قال أبو حاتم فيما نقله عنه ابنُه في ((العلل))، وسأله عن هذه الطريق، هذا حديث منكر. (٥) وإسناده واهٍ، ففیه عبد الله بن إبراهيم - وهو الغفاري - مجمع على ضعفه ونکارة حديثه، ونسبه ابن حبان والحاكم إلى الوضع، وقال عنه أبو داود بإثر هذا الحديث: عبد الله بن إبراهيم شيخ منكر الحديث. قلنا: ويُغني عنه ما ثبت من غير وجه عن النبيّ پڼ أنه احتبی في بعض جلساته، كما عند مسلم برقم (٧٦٣) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. (٦) وفي إسناده مسلم بن كيسان - وهو أبو عبد الله الأعور الضَّ الكوفي - وهو متروك كما قال الحافظ نفسه في ((مختصر زوائد البزار)) (١٧١١). ١٤٠ باب ٣٥ / ح ٦٢٧٣ -٦٢٧٤ فتح الباري بشرح البخاري ويُستَثَنَى من الاحتباء باليَدَينِ ما إذا كان في المسجد يَنْتَظِرِ الصَّلاةَ فاحتَبَى بَيَدَيه، فينبغي أن يُمسِك إحداهما بالأُخرى، كما وَقَعَتِ الإشارة إليه في هذا الحديث مِنْ وَضْعِ إحداهما على رُسْغ الأُخرى، ولا يُشَبِّك بين أصابعه في هذه الحالة، فقد وَرَدَ النَّهيُ عن ذلك عند أحمد (١١٣٨٥) من حديث أبي سعيد بسندٍ لا بأس به (١)، والله أعلم. وتقدَّمَت مباحث التَّشبيك في المسجد في أبواب المساجد من كتاب الصلاة (٤٧٨). وقال ابن بَطّال: لا يجوز للمُحتَبي أن يصنع بيَدَيه شيئاً ويَتَحرَّك لِصلاةٍ أو غيرها، لأنَّ عَورَته تَبْدُو، إلّا إذ كان عليه ثوبٌ يَستُر عَورَته فيجوز، وهذا بناءً على أنَّ الاحْتِباءَ قد يكون باليَدَينِ فقط، وهو المعتمَد. وفَرَّقَ الدَّاوُوديّ فيما حكاه عنه ابن التِّين بين الاخْتِباء والقُرْفُصاء، فقال: الاحْتِباء: أن يُقِيم ◌ِجِلَيه ويُفرِّج بين رُكِبَتَه ويُدير عليه ثوباً ويَعقِدُه، فإن كان عليه قميصٌ أو غيرُه فلا يُنھَى عنه، وإن لم يكن عليه شيءٌ فهو القُرفُصاء. كذا قال، والمعتمَد ما تقدَّمَ. ٣٥- باب من اتّكأ بين يَدَي أصحابه قال خَبّابٌ: أتيتُ النبيَّ ◌َّه وهو مُتَوَسِّدُ بُردةً، قلتُ: ألا تَدْعو اللهَ، فقَعَدَ. ٦٢٧٣ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا بِشرُ بنُ المفضَّلِ، حدَّثنا الجُرَيرِيُّ، عن عبدِ الَّحمنِ بنِ أبي بَكْرةَ، عن أبيه، قال: قال رسولُ اللهِ وَلِ: ((أَلا أَخْبِرُكم بأكِرِ الكَبائِرِ؟)) قالوا: بلى يا رسولَ الله، قال: ((الإِشْراكُ بالله، وعُقوقُ الوالدَينِ)). ٦٢٧٤- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا بِشْرٌ، مِثْلَهُ. وكان مُتَّكِئاً فجَلَسَ، فقال: ((أَلا وقولُ الزُّورِ)) فما زالَ يُكَرِّرُها حتّى قُلْنا: لَيتَه سَكَتَ. قوله: ((باب مَن أَّكأ بين يَدَي أصحابه)) قيلَ: الاتِّكاءُ: الاضطِجاع، وقد مَضَى في حديث (١) ولفظه: ((إذا كان أحدكم في المسجد، فلا يُشبِّكنَّ فإنَّ التَّشبيك من الشيطان)) وقول الحافظ هنا: بإسناد لا بأس به، تساهُلٌ منه رحمه الله، والصحيح ما قرَّره هو نفسه في حقّ هذا الحدیث بعينه في كتاب الصلاة في باب تشبيك الأصابع في المسجد، عند الحديث (٤٧٨، ٤٧٩) حيث قال: في إسناده ضعيف و مجهول.