النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ باب ٢٥ / ح ٦٢٦١ كتاب الاستئذان قلت: في جواز السَّلام على الإطلاق نظرٌ، والذي يدلّ عليه الحديث السَّلام المقَيَّد مِثل ما في الخبر: ((السَّلام على مَن اتَّبَعَ الهُدَى)) أو السَّلام على مَن تَسَّكَ بالحقِّ، أو نحو ذلك. وقد تقدَّم نقل الخِلاف في ذلك في أوائل كتاب الاستئذان. ٤٨/١١ ٢٥- باب بمَن يُبدأ في الکتاب؟ ٦٢٦١ - وقال اللَّيْثُ: حدَّثني جعفرُ بنُ رَبِيعةَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ هُرْمُزَ، عن أبي هريرةَ هُ﴾، عن رسولِ الله وَّهِ: أنَّهَ ذَكَر رجلاً من بني إسرائيلَ أخَذَ خَشَبَةً فَتَقَرَها، فأدْخَلَ فيها ألفَ دِينارِ وصَحِیفةً منه إلی صاحبِهِ. وقال عمرُ بنُ أبي سَلَمَةَ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال النبيُّ نَّهِ: «نَجَرَ خَشَبَةً فَجَعَلَ المالَ في جَوْفِها، و کَتَبَ إلیه صَحِیفةً من فلانٍ إلی فلانٍ». قوله: ((باب بمَن يُبدَأ في الكتاب؟)) أي: بنفسِه أو بالمكتوبِ إليه؟ ذَكَر فيه طَرَفاً من حديث الرجل من بني إسرائيل الذي اقتَرَضَ ألف دينار، وكأنَّه لمَّا لم يَجِد فيه حديثاً على شرطه مرفوعاً اقتَصَرَ على هذا، وهو على قاعِدَته في الاحتجاج بشَرْع مَن قبلَنا إذا ورَدَت حكايتُه في شَرعنا ولم يُنكَرِ، ولا سيَّما إذا سِيقَ مَساقَ المدح لِفاعِلِهِ، والحُجّة فيه كَون الذي عليه الدَّين كَتَبَ في الصَّحيفة: مِنْ فلان إلى فلان، وكان يُمكِنه أن يَحتَجّ بكتابِ النبيِّ وَّهِ إلى هِرَقل المشار إليه قريباً، لكن قد يكون تَرَكَه لأنَّ بَداءة الكبير بنفسِه إلى الصَّغير والعظيم إلى الحقير هو الأصل، وإنَّما يقع التردُّد فيما هو بالعكس أو المساوي. وقد أورَدَ في ((الأدب المفرد)) (١١٢٢) من طريق خارجة بن زيد بن ثابت عن گُبراء آل زيد بن ثابت(١): هذه الرِّسالة لعبد الله معاوية أمير المؤمنينَ من زيد(٢) بن ثابت: سَلام عليك، وأورَدَ عن ابن عمر نحوَ ذلك (١١١٩). (١) كذا وقع في أصولنا، مع أنَّ الذي في مطبوع ((الأدب المفرد)) في موضعين منه (١١٢٢) و(١١٢٧) زيادة: أنَّ زيد بن ثابت كتب بهذه الرسالة، فذكر نصّها. (٢) وقع في (س): لزيد، بدل: من زيد. وهو خطأ. ١٠٢ باب ٢٥ / ح ٦٢٦١ فتح الباري بشرح البخاري وعند أبي داود (٥١٣٥) من طريق ابن سِيرِين عن ابنٍ (١) العلاء بن الحضرَميّ عن العلاء: أنَّه كَتَبَ إلى النبيِّ نَّهِفَبَدَأْ بنفسِه. وأخرج عبد الرَّزّاق (٢٠٩١٢) عن مَعمَر عن أيوب: قرأت كتاباً: من العلاء بن الحضرَ ميِّ إلى محمَّدٍ رسول الله. وعن نافع (٢٠٩١٥): كان ابن عمر يأمر غلمانه إذا كَتَبوا إليه أن يبدؤوا بأنفُسِهم. وعن نافع (٢٠٩١٤): كان عُمَّال عمر إذا كَتَبوا إليه بَدَؤوا بأنفُسِهم. قال المهلَّب: السُّنّة أن يَبدَأ الكاتب بنفسِه. وعن مَعمَر عن أيوب: أَنَّه كان رُبَّما بَدَأ باسم الرجل قبلَه إذا گَتَبَ إلیه. وسُئلَ مالكٌ عنه فقال: لا بأس به، وقال: هو كما لو أوسَعَ له في المجلس. فقيلَ له: إنَّ أهل العراق يقولون: لا تَبدَأ بأحدٍ قبلَك ولو كان أباك أو أُمَّك، أو أكبر مِنك، فعابَ ذلك عليهم. قلت: والمنقول عن ابن عمر كان في أغلب أحواله، وإلّا فقد أخرج البخاريّ في ((الأدب المفرَد)) (١١٢٤) بسندٍ صحيح عن نافع: كانت لابنِ عمر حاجة إلى معاوية فأراد أن يَبدَأ بنفسِه، فلم يزالوا به حتَّى كَتَبَ: بسم الله الرَّحمن الرحيم إلى معاوية. وفي روايةٍ (١١٢٥) زيادةُ: أمَّا بعدُ، بَعدَ البَسْمَلةِ. وأخرج فيه أيضاً (١١١٩) من رواية عبد الله بن دينار(٢): أنَّ عبد الله بن عمر، كَتَبَ إلى عبد الملِك يُبايِعه: بسم الله الرَّحمن الرحيم، لعبد المِلِك أمير المؤمنينَ، من عبد الله بن عمر، سَلامٌ عليك ... إلى آخره، وقد ذكر في كتاب الاعتصام(٣) طَرَفاً مِنه (٧٢٧٢)، ويأتي التَّنبيه عليه هناك إن شاء الله تعالى. قوله: ((وقال اللَّيث)) تقدَّم في الكفالة (٢٢٩١) بيان مَن وَصَلَه. (١) تحرَّف في أصولنا إلى: أبي، والتصويب من نسخة الحافظ التي بخطه من ((سنن أبي داود)). (٢) وهو عند مالك في ((موطئه)) برواية أبي مصعب (٨٩٨)، ورواية محمد بن الحسن (٩٠٠)، وهو في ((موطأ الليثي» ٢/ ٩٨٣، لکن دون ذكر ابن عمر في الرسالة، کالذي وقع عند البخاري فيما سيأتي برقم (٧٢٠٣) و(٧٢٠٥). (٣) وكذا في كتاب الأحكام (٧٢٠٣) و(٧٢٠٥). ١٠٣ باب ٢٥ / ح ٦٢٦١ كتاب الاستئذان قوله: ((أَنَّه ذكر رجلاً من بني إسرائيل أخذ خَشَبة)) كذا أورَدَه مختصراً، وأورَدَه في الكَفالة وغيرها مُطوَّلاً(١). قوله: ((وقال عمر بن أبي سَلَمة)) أي: ابن عبد الرّحمن بن عَوْف، وعمر هذا مَدَنيّ قَدِمَ واسِطَ، وهو صَدوق فيه ضعف، وليس له عند البخاريِّ سوى هذا الموضع المعلَّق، وقد وَصَلَه البخاريّ في ((الأدب المفرد)) (١١٢٨). قال: حدَّثنا موسى بن إسماعيل، حدَّثنا أبو عَوَانة، حدَّثنا عمر، فذَكَر مِثْلَ اللَّفظ المعلَّق هنا. وقد رُوِّيناه في الجزء الثّالث من ((حديث أبي طاهر المخلِّص)) (٥٢) مُطوَّلاً فقال: حدَّثنا البَغَويُّ، حدَّثنا أحمد بن منصور، حدَّثنا موسى. / وقد ٤٩/١١ ذكرت فوائده عند شرحه من كتاب الكفالة. قوله: ((عن أبي هريرة)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: سمعَ أبا هريرة، وكذا للنَّسَفيِّ والأَصِيلِّ وكريمة. قوله: ((نَجَرَ)) کذا للأکثرِ بالجیم، وللگُشْمِیهني بالقاف. قال ابن التِّين: قيل في قصَّة صاحب الخَشَبة: إثباتُ كراماتِ الأولياء، وجُمهور الأشعَرِيَّة على إثباتها، وأنكَرَها الإمام أبو إسحاق الشِّيرازيّ من الشافعيَّة، والشَّيخان أبو محمّد بن أبي زيد وأبو الحسن القاسيّ من المالكيَّة. قلت: أمَّا الشّيرازيُّ فلا يُحفَظ عنه ذلك، وإنَّما نَقَلُوا (٢) ذلك عن أبي إسحاق الإسفرايينيّ، وأمَّا الآخران فإنَّما أنكرا ما وَقَعَ مُعجِزةً مُستَقِّة لِنبيِّ من الأنبياء، كإيجادِ ولدٍ عن غير والدٍ، والإسراءِ إلى السَّماوات السَّبع بالجسدِ في اليَقَظة، وقد صَرَّحَ إمام الصُّوفيَّة أبو القاسم القُشَيريُّ في ((رسالته)) بذلك. وبَسْطُ هذا يَلِيق بموضع آخر، وعَسَى أَن يَتَيَسَّر ذلك في كتاب الرِّقاق إن شاء الله تعالى(٣). (١) أخرجه البخاري كما ذكر الحافظ في عدَّة مواضع، لكنه لم يسقه بتمامه مطوّلاً إلّا في الكفالة برقم (٢٢٩١). (٢) وقع في (س): «نقل) بالإفراد. (٣) لم يتكلم الحافظ رحمه الله على الكرامات بشيء في كتاب الرِّقاق، لكنه قدَّم بعض ذلك في المغازي عند شرح الحديث (٤٠٨٦)، وسيأتي بعض ذلك في التوحيد عند شرح الحديث (٧٣٨٠). ١٠٤ باب ٢٦ / ح ٦٢٦٢ فتح الباري بشرح البخاري ٢٦ - باب قول النبيِّ وَّ: ((قُوموا إلى سيّدكم)) ٦٢٦٢- حدَّثنا أبو الوليدِ، حذَّثنا شُعْبةُ، عن سَعْدِ بنِ إبراهيمَ، عن أبي أمامةَ بنِ سَهْلِ بنِ حُنَيَفٍ، عن أبي سعيدٍ: أنَّ أهلَ قُرَيظةَ نَزلُوا على حُكْمٍ سعدٍ، فأرسَلَ النبيُّ ◌َّل إليه فجاء، فقال: ((قُوموا إلى سَيِّدِكُم. أو قال: خَيرِكُمْ)) فَقَعَدَ عندَ النبيِّ وَِّ فقال: ((هَؤُلاءِ نَزِلُوا على حُكْمِكَ)) قال: فإنّ أحكُمُ أن تُقتَلَ مُقاتِلَتُهم، وتُسْبَى ذَرارِتُهم، فقال: ((لقد حَكَمْتَ بما حَكَمَ به المَلِكُ». قال أبو عبد الله: أفهَمَني بعضُ أصحابي، عن أبي الوليدِ من قولِ أبي سعيدٍ: ((إلى حُكْمِكَ)). قوله: (باب قول النبيِّ ◌َّهِ: قُوموا إلى سَيِّدِكُم)) هذه التَّرجمة معقودة لِحُكمِ قيام القاعِد للدّاخل، ولم يَجِزِم فيها بحُكم للاختلاف، بل اقتَصَرَ على لفظ الخبر گَعادتِه. قوله: ((عن سَعْد بن إبراهيم عن أبي أمامةَ بن سَهْل)) تقدَّم بيان الاختلاف في ذلك في (غزوة بني قُرَيظة)) من كتاب المغازي مع شرح الحديث (٤١٢١)، وما لم يُذكَر هناك أنَّ الدّارَ قُطنيَّ حكى في ((العِلَل)) (٥٧٣): أنَّ أبا معاوية(١) رواه عن عياض بن عبد الرَّحمن عن سعد بن إبراهيم عن أبيه عن جَدّه، والمحفوظ عن سعد عن أبي أُمامةَ عن أبي سعيد. قوله: ((على حُكْم سَعْد)) هو ابن معاذ كما وَقَعَ التَّصريح به فيما تقدَّمَ. قوله في آخره: ((قال أبو عبد الله)) هو البخاريّ ((أُفهَمَني بعض أصحابي عن أبي الوليد)) يعني: شيخه في هذا الحديث بسندِه هذا ((من قول أبي سعيد: إلى حُكْمك)) يعني: من أوَّل الحديث إلى قوله فيه: ((على حُكمك))، وصاحب البخاريِّ في هذا الحديث يحتمل أن يكون محمَّدَ بن سعد كاتب الواقديّ، فإنَّه أخرجه في ((الطَبقات)) (٤٢٤/٣-٤٢٥) عن أبي الوليد بهذا السَّنَد، أو ابنَ الضُّرَيس، فقد أخرجه البيهقيّ في ((الشُّعَب)) (٨٩٢٥) من طريق محمَّد ابن أيوب الرَّازيِّ عن أبي الوليد. (١) يعني صدقة بن عبد الله السمين الضعيف، وليس أبا معاوية الضرير الثقة. ١٠٥ باب ٢٦ / ح ٦٢٦٢ كتاب الاستئذان وشَرَحَه الکِرْمانيُّ على وجه آخر فقال: قوله: («إلی حُكمك» أي: قال البخاريّ: سمعت أنا من أبي الوليد بلفظ: ((على حُكمك)) وبعضُ أصحابي نَقَلوا لي عنه بلفظ ((إلى)) بصيغة الانتهاء، بدل حرف الاستعلاء. کذا قال. قال ابن بَطّال: في هذا الحديث أمر الإمام الأعظم بإكرام الكبير من المسلمينَ، ومشروعيَّة إكرام أهل الفضل في مَجَلِس الإمام الأعظم، والقيام فيه لغيره من أصحابه، وإلزام الناس كافّةً بالقيام إلى الكبير منهم. وقد مَنَعَ من ذلك قوم واحتَجُّوا بحديثِ أبي أُمامةَ قال: خَرَجَ علينا النبيُّ وَّهِ مُتَوَكِّئاً على عَصاً فَقُمنا له فقال: ((لاتَقُوموا كما تقوم الأعاجِمُ بعضُهم لبعضٍ)) وأجابَ/ عنه الطَّبَريّ(١) بأَنَّه حديث ضعيف مُضطَرِب السَّنَد، فيه مَن لا يُعرَفُ. ٥٠/١١ واحتَجّوا أيضاً بحديثٍ عبد الله بن بُرَيدة، أنَّ أباه دَخَلَ على معاوية فأخبَرَه أنَّ النبيَّ وَلـ قال: ((مَن أحَبَّ أن يَتَمثَّل له الرِّجال قياماً وَجَبَت له النار))(٢). وأجابَ عنه الطَّبَريّ: بأنَّ هذا الخبر إنَّما فيه نَهيُ مَن يُقام له عن السُّرور بذلك، لا نَهَيُ مَن یقومُ له إکراماً له. وأجابَ عنه ابن قُتَيبة بأنَّ معناه: مَن أراد أن يقوم الرِّجال على رأسه كما يُقام بين يَدَي ملوك الأعاجِم، وليس المراد به نَهيَ الرجل عن القيام لأخيه إذا سَلَّمَ عليه. واحتَجَّ ابن بَطّال للجوازِ بما أخرجه النَّسائيّ (ك٩١٩٢ و٩١٩٣) من طريق عائشة بنت طلحة عن عائشة: كان رسول الله ﴿ إذا رأى فاطمة ابنَتَه قد أقبَلَت رَخَّبَ بها، ثمَّ قامَ إليها فقَبَّلَها، ثمَّ أَخَذَ بَيَدِها حتَّى يُجِلِسَها في مكانه. قلت: وحديث عائشة هذا أخرجه أيضاً أبو داود (٥٢١٧) والتِّرمِذيّ (٣٨٧٢) وحَسَّنَه وصَحَّحَه ابن حِبّان (٦٩٥٣) والحاكم (١٥٤/٣)(٣). وأصله في ((الصَّحيح)) كما مَضَى في (١) في ((تهذيب الآثار)) في مسند عمر بن الخطاب، وقد أخرجه من طرق ٢/ ٥٦٣ و ٥٦٥، وسيأتي تخريج الحافظ له قريباً. (٢) سيأتي تخريجه قريباً. (٣) وهو أيضاً عند النسائي في ((الكبرى)) (٨٣١١) و(٩١٩٢). ١٠٦ باب ٢٦ / ح ٦٢٦٢ فتح الباري بشرح البخاري المناقب (٣٦٢٣) وفي الوفاة النبويَّة (٤٤٣٣)، لكن ليس فيه ذِكرُ القيام. وتَرجَمَ له أبو داود ((باب القيام))، وأورَدَ معه فيه حديث أبي سعيد (٥٢١٥)، وكذا صَنَعَ البخاريّ في ((الأدب المفرَد)» (٩٤٥ و ٩٤٧)، وزاد معهما حديثَ كعب بن مالك (٩٤٤) في قصّة توبته، وفيه: فقام إليّ طلحة بن عُبيد الله مُهروِل، وقد أشار إليه في الباب الذي یلیه. وحديث أبي أُمامةَ المُبدَأ به أخرجه أبو داود (٥٢٣٠) وابن ماجَهْ (٣٨٣٦). وحديث ابن بُرَيدة أخرجه الحاكم (٩٤/١)(١) من رواية حُسَين المعلِّم عن عبد الله بن بُرَيدة عن معاوية، فذَكَره وفيه: ((ما من رجل يكون على الناس، فيقوم على رأسه الرِّجال يُحِبّ أن يَكثُرَ عندَه الخصوم فيَدخُل الجنَّة)). وله طريق أُخرى عن معاوية أخرجه أبو داود (٥٢٢٩) والتِّرمِذيّ (٢٧٥٥) وحَسَّنَه، والمصنِّف في ((الأدب المفرَد)) (٩٧٧) من طريق أبي مِجْلَز قال: خَرَجَ معاوية على ابن الزُّبَير وابنِ عامر، فقامَ ابن عامر وجَلَسَ ابن الزُّبَير، فقال معاوية لابنِ عامر: اجلِسْ، فإنّ سمعت رسولَ الله وَلَه يقول: ((مَن أَحَبَّ أن يَتَمثَّل له الرِّجال قياماً، فليَتَبَّوَّأْ مَقعَده من النار)) هذا لفظ أبي داود، أخرجه (٢) من رواية حَمَّد بن سَلَمة عن حَبيب بن الشَّهيد عن أبي مِجْلَز، وأحمدُ (١٦٨٤٥) عن إسماعيل ابن عُليَّة عن حَبيب مِثلَه، وقال: ((العباد)) بَدَل الرِّجال، ومن رواية شُعْبة عن حَبيبٍ مِثْلَه (١٦٨٣٠) وزاد فيه: ولم يَقُم ابن الزُّبَيرِ، وكان أوزَنَهما، قال: فقال: مَهْ، فذكر الحديث، وقال فيه: ((مَن أحَبَّ أن يَتَمثَّل له عبادُ الله قياماً))، وأخرجه أيضاً (١٦٩١٨) عن مروان بن معاوية عن حبيب بلفظ: خَرَجَ معاوية فقاموا له، وباقيه كلفظ حمّاد. (١) كذا اقتصر الحافظ رحمه الله على تخريجه من الحاكم، وباللفظ الذي ذكره! مع أنه جاء باللفظ الذي تقدَّم عند الطبري في (تهذيب الآثار)) في مسند عمر ٥٦٧/٢ ٥٦٨، ومنه نقل ابن بطّال هذا الحديث، فكان حقُّه العزوَ إليه، وهو أيضاً عند الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (١١٢٥)، والطبراني (٨٥٢)، ولعلَّ الحافظ رحمه الله أراد من تخريج الحاكم زيادة الفائدة، بأنه مرويٌّ من طريق أخرى عن عبد الله بن بريدة، ويلفظ آخر، والله أعلم. (٢) في (س): وأخرجه أحمد، وهو خطأ، فالذي أخرجه من رواية حمادٍ عن حبيبٍ هو أبو داود. ١٠٧ باب ٢٦ / ح ٦٢٦٢ كتاب الاستئذان وأمَّا التِّرمِذيّ فإنَّه أخرجه (٢٧٥٥) من رواية سفيان الثَّوريِّ عن حَبيب، ولفظه: خَرَجَ معاوية فقامَ عبد الله بن الزُّبَير وابن صفوان حين رأَوه، فقال: اجلِسا، فذكر مِثْلَ لفظ حمّاد، وسفيان وإن كان من رجال الحِفظ إلّا أنَّ العَدَد الكثير وفيهم مِثل شُعْبة أولى بأن تكون روايتهم محفوظةً من الواحد، وقد اتَّفَقوا على أنَّ ابن الزُّبَير لم يَقُم، وأمَّا إبدال ابن عامر بابنِ صفوان فسَهلٌ لاحتمال الجمع بأن يكونا معاً وَقَعَ لهما ذلك، ويُؤْيِّده الإتيان فيه بصيغة الجَمْع في(١) رواية مروان بن معاوية المذكورة. وقد أشارَ البخاريّ في ((الأدب المفرَد)) إلى الجمع المنقول عن ابن قُتَيبة، فتَرجَمَ أوَّلاً (باب قيام الرجل لأخيه)) وأورَدَ الأحاديث الثلاثة التي أشرتُ إليها، ثمَّ تَرجَمَ («باب قيام الرجل للرجلِ القاعِد)) و((باب مَن كَرِهَ أن يَقعُد ويقوم له الناس)) وأورَدَ فيهما (٩٤٨ و٩٦٠) حديث جابر: اشتَكَى النبيُّ نَّهَ فِصَلَّينا وراءَه وهو قاعِد، فالتَّفَتَ إلينا فرآنا قياماً، فأشارَ إلينا فقَعدنا، فلمَّا سَلَّمَ قال: ((إن كِدتُم لَتَفْعَلُوا فِعَلَ فارسَ والرُّومِ، يقومونَ على مُلوكهم وهم قُعود، فلا تَفْعَلوا)) وهو حديث صحيح أخرجه مسلم (٤١٣). وتَرجَمَ البخاريّ أيضاً ((قيام الرجل للرجلِ تعظيماً)) وأورَدَ فيه حديث معاوية من طريق أبي مِجْلَز. ومُحُصَّل المنقول عن مالكٍ: إنكارُ القيام ما دامَ الذي يُقام لأجلِه لم يجلِس ولو كان في شُغْل نفسِه، فإنَّه سُئل عن المرأة تُبالغ في إكرام زوجها فتَلَقّاه وتَنزِع/ ثيابَه وتَقِف حتَّى يَجلِس، ٥١/١١ فقال: أمَّا التَّلقّي فلا بأس به، وأمَّا القيام حتَّى يَجلِس فلا، فإنَّ هذا فِعلُ الجبابرة، وقد أنكَرَه عمر بن عبد العزيز. وقال الخطَّبيُّ: في حديث الباب جواز إطلاق السَّيِّد على الخَيِّر الفاضل. وفيه أنَّ قيام المرؤوس للرَّئيسِ الفاضل والإمام العادِل والمتعلِّم للعالم مُستَحَبُّ، وإنَّما يُكرَه لمن كان بغير هذه الصِّفات. ومعنى حديث: ((مَن أحَبَّ أن يُقام له)) أي: بأن يُلزِمَهم بالقيام له صُفوفاً على طريق الكِبْر والنَّخوة. (١) وقع في (أ) و(ب) و(س): وفي، بإقحام الواو، والمثبت على الصواب من (ع). ١٠٨ باب ٢٦ / ح ٦٢٦٢ فتح الباري بشرح البخاري ورَجَّعَ المنذِرِيُّ ما تقدَّم من الجمع عن ابن قُتَيبة والبخاريّ، وأنَّ القيام المنهيَّ عنه أن يُقام عليه وهو جالسٌ. وقد رَدّ ابن القيِّم في ((حاشية السُّنَن)) على هذا القول: بأنَّ سِیاقَ حديث معاوية يدلّ على خِلاف ذلك، وإنَّما يدلّ على أنَّه كَرِهَ القيام له لمَّا خَرَجَ تعظيماً، ولأنَّ هذا لا يقال له: القيام للرجلِ، وإنَّما هو القيام على رأس الرجل أو عند الرجل. قال: والقيام يَنْقَسِم إلى ثلاث مراتبَ: قيامٌ على رأس الرجل، وهو فِعل الجَبابِرة، وقيامُ إليه عند قُدومه ولا بأس به، وقيامٌ له عند رُؤيَته وهو المتنازَع فيه. قلت: وورَدَ في خُصوص القيام على رأس الكبير الجالس ما أخرجه الطبرانيّ في ((الأوسط)) (٦٦٨٠) عن أنس قال: ((إنَّمَا هَلَكَ مَن كان قبلكم بأَّهم عَظَّموا ملوكَهم، بأن قاموا وهم قُعود))(١). ثمَّ حكى المنذِرِيُّ قولَ الطَّبَريّ، وأنَّه قَصَرَ النَّهيَ على مَن سَرَّه القيامُ له لِمَا في ذلك من ◌َحَّة التَّعاظُم ورُؤية منزلة نفسه. وسيأتي ترجيح النَّوويّ لهذا القول، ثمَّ نَقَلَ المنذريّ عن بعض مَن مَنَعَ ذلك مُطلَقاً أَنَّه رَدَّ الْحُجّةَ بقصَّة سعدٍ، بأنَّهِ وَ إنَّما أمَرَهم بالقيام لِسعدٍ لیُنزِلوه عن الحمار لِگونه کان مريضاً، قال: وفي ذلك نظرٌ. قلت: كأنَّه لم يَقِف على مُستَنَدِ هذا القائل، وقد وَقَعَ في مُسنَد عائشة عند أحمد (٢٥٠٩٧) من طريق عَلْقمة بن وقّاص عنها في قصَّة غزوة بني قُرَيظة وقصَّة سعد بن معاذ ومَجيئِه مُطوَّلاً، وفيه: قال أبو سعيد: فلمَّا طَلَعَ قال النبيُّ ◌َّهِ: ((قوموا إلى سَيِّدِكُم، فأنزلوه)) وسندُه حسن، وهذه الزّيادة تَّخِدِشُ في الاستدلال بقصَّة سعدٍ على مشروعيَّة القيام المتنازَع فيه، وقد احتَجَّ به النَّوويّ في كتاب ((القيام)) ونَقَلَ عن البخاريّ ومسلم وأبي داود أنَّهم احتَجُوا به، ولفظ مسلم: لا أعلمُ في قيام الرجل للرجلِ حديثاً أصحّ من هذا (٢). (١) وفي إسناده الحسن بن قتيبة، وهو متروك، قاله الهيثمي في ((المجمع)) ٤٠/٨. (٢) قول مسلم هذا جاء فيما أخرجه عنه البيهقي في ((المدخل إلى السنن الكبرى)) (٧٠٨) بإسناده عن أحمد بن سلمة قال: سمعت مسلم بن الحجاج يقول، فذكره. ١٠٩ باب ٢٦ / ح ٦٢٦٢ كتاب الاستئذان وقد اعتَرَضَ عليه الشَّيخ أبو عبد الله بن الحاجّ فقال ما مُلخَّصُه: لو كان القيام المأمور به لِسعدٍ هو المتنازَع فيه لمَا خَصَّ به الأنصار، فإنَّ الأصلَ في أفعال القُرَب التَّعميمُ، ولو كان القيام لِسعدٍ على سبيل البِّ والإكرام لكان هو ◌ََّ أوَّلَ مَن فعَلَه وأمَرَ به مَن حَضَرَ من أكابر الصحابة، فلمَّا لم يأمر به ولا فعَلَه ولا فعَلُوه، دَلَّ ذلك على أنَّ الأمر بالقيام لغير ما وَقَعَ فيه النِّزاع، وإنَّما هو ليُنزِلوه عن دابَتِه لما كان فيه من المرض كما جاء في بعض الرِّوايات، ولأنَّ عادة العرب أنَّ القبيلة تَخَدُم كبيرَها، فلذلك خَصَّ الأنصار بذلك دونَ المهاجِرينَ، مع أنَّ المراد بعضُ الأنصار لا كلُّهم وهم الأَوسُ منهم لأنَّ سعد بن معاذ كان سَيِّدَهم دونَ الخَزْرَج. وعلى تقدير تسليم أنَّ القيام المأمور به حينئذٍ لم يكن للإعانة فليس هو المتنازَع فيه، بل لأَنَّه غائبٌ قَدِمَ، والقيامُ للغائبِ إذا قَدِمَ مشروع. قال: ويحتملُ أن يكون القيام المذكور إنَّما هو لِتَهَِّتِه بما حَصَلَ له من تلكَ المنزلة الرَّفيعة من تَحكيمه والرِّضا بما يَحِكُمُ به، والقيام لأجلِ النَّهنِئة مشروع أيضاً. ثُمَّ نَقَلَ عن أبي الوليد بن رُشدِ أنَّ القيام يقع على أربعة أو ◌ُهِ: الأوَّلُ: مَحَظورٌ، وهو أن يقع لمن يريد أن يُقامَ إليه تَكَبُّراً وتَعاظُماً على القائمينَ إليه. والثّاني: مَكروهٌ، وهو أن يقعَ لِمَن لا يَتَكَبَّرُ ولا يَتَعاظَمُ على القائمينَ، ولكن يُحْشَى أن يَدخُلَ نفسَه بسببٍ ذلك ما يُذَر، ولِمَا فيه من التَّشَبُّه بالجبابِرة. والثّالث: جائزٌ، وهو أن يقعَ على سبيل البِرِّ والإكرام لِمَن لا يريد ذلك، ويُؤمَن معه التَّشَبُّهَ بالجبابِرة. والرَّابِعِ: مندوبٌ، وهو أن يقوم لِمَن قَدِمَ من سَفَرٍ فَرَحاً بقُدوِه ليُسَلِّمَ عليه، أو إلى مَن تَجَدَّدَت له نِعمةٌ/ فيُهنِّئُه بخُصولها، أو مُصيبة فيُعزِّيه بسببها. وقال التُّورِشْتِيّ في ((شرح المصابيح) معنى قوله: ((قوموا إلى سَيِّدِكُمْ)) أي: إلى إعانَتِهِ وإنزاله من دابَتِه، ولو كان المراد التَّعظيمَ لَقال: قوموا لِسَيِّدِكُم. وتَعقَّبَه الطِّيِيُّ بأنَّه لا يَلْزَم من كَونه ليس للتَّعظيم أن لا يكون للإكرام، وما اعتَلَّ به من الفرق بين إلى واللّام ضعيف، ٥٢/١١ ١١٠ باب ٢٦ / ح ٦٢٦٢ فتح الباري بشرح البخاري لأنَّ ((إلى)) في هذا المقام أفخَمُ من اللّام، كأنَّه قيل: قوموا وامشُوا إليه تَلَقِّياً وإكراماً، وهذا مأخوذٌ من تَرَتُّبِ الحُكم على الوصف المناسب المشعِرِ بالعِلّيَّة، فإنَّ قوله: ((سَيِّدكم)) عِّةٌ للقيام له، وذلك لِكَونِه شريفاً عِليَّ القَدر. وقال البيهقيّ: القيام على وجه البِّ والإكرام جائز كَقيام الأنصار لِسعدٍ وطلحةً لِكعبٍ، ولا ينبغي لمن يُقام له أن يَعتَقِد استحقاقَه لذلك، حتَّى إِن تَرَكَ القيام له حَنِقَ عليه أو عاتبه أو شکاه. قال أبو عبد الله: وضابِطُ ذلك أنَّ كلّ أمرٍ نَدَبَ الشَّرعُ المكلَّفَ بالمشي إليه فتأخّرَ حتَّى قَدِمَ المأمور لأجلِه، فالقيام إليه يكون عوضاً عن المشي الذي فاتَ. واحتَجَّ النَّوويّ أيضاً بقيام طلحةَ لِكعبِ بن مالك. وأجابَ ابن الحاجّ: بأنَّ طلحة إنَّما قامَ لِتَهِثَتِهِ ومُصافَحَته، ولذلك لم يَحْتَجَّ به البخاريّ للقيام، وإنَّما أورَدَه في المصافحة، ولو كان قيامه مَحَلَّ النِّاعِ لمَا انفَرَدَ به، فلم يُنقَلِ أنَّ النبيَّ ◌َِّ قامَ له ولا أمَرَ به ولا فعَلَه أحدٌ ثمّن حَضَرَ، وإنَّما انفَرَدَ طلحة لِقوّة المودّة بينهما على ما جَرَت به العادة أنَّ النَّهِئةَ والبِشارةَ ونحوَ ذلك تكون على قَدر المودّة والخُلْطة، بخلاف السَّلام فإنَّه مشروع على مَن عَرَفتَ ومَن لم تَعرِف. والتَّاوُت في المودّة يقع بسببِ التَّفاوت في الحقوق، وهو أمرٌ مَعهودٌ. قلت: ويحتملُ أن يكون مَن كان لِكعبٍ عنده من المودّة مِثل ما عند طلحة لم يَطَّلِع على وقوع الرِّضا عن كعب، واطَّلَعَ عليه طلحة، لأنَّ ذلك عَقِبَ مَنْعِ الناسِ من كلامه مُطلَقاً، وفي قول كعب: لم يَقُم إليَّ من المهاجِرينَ غيره، إشارةٌ إلى أنَّه قامَ إليه غيرُه من الأنصار. ثمَّ قال ابن الحاجّ: وإذا مُلَ فِعلُ طلحة على محلِّ النِّزاعِ لَزِمَ أن يكون مَن حَضَرَ من المهاجِرِينَ قد تَرَكَ المندوب، ولا يُظنُّ بهم ذلك. واحتَجَّ النَّوويّ بحديثٍ عائشة المتقدِّم في حَقّ فاطمة. وأجابَ عنه ابن الحاج باحتمال أن يكون القيام لها لأجلِ إجلاسها في مكانه إكراماً لها لا على وجه القيام المنازَع فيه، ولا سيَّما ما عُرِفَ من ضيق بيوتهم وقِلّة الفُرُش فيها، فكانت إرادةُ إجلاسِه لها في موضعه ١١١ باب ٢٦ / ح ٦٢٦٢ كتاب الاستئذان مُستَلزِمةً لِقيامه، وأمعَنَ في بَسطِ ذلك. واحتَجَّ النَّوويّ أيضاً بما أخرجه أبو داود (٤٧٧٥): أنَّ النبيَّ ◌َ ◌ِّ كان جالساً يوماً، فأقبَلَ أبوه من الرَّضاعة، فوضَعَ له بعضَ ثوبه فجَلَسَ عليه، ثمَّ أقبَلَت أُمُّه فوضَعَ لها شِقَّ ثَوبِه من الجانب الآخر، ثمَّ أقبَلَ أخوه من الرَّضاعة فقامَ فأجلَسَه بین يَدَیه. واعتَرَضَه ابن الحاجّ بأنَّ هذا القيام لو كان محلّ النّراع لكان الوالدان أولى به من الأخ، وإنَّما قامَ للأخِ إمّا لأن يوسِّع له في الرِّداء أو في المجلِس. واحتَجَّ النَّوويّ أيضاً بما أخرجه مالكٌ (٢/ ٤٥٤) في قصَّة عِكْرمة بن أبي جهل: أنَّه لمَّا فَرَّ إلى اليمن يومَ الفتح ورَحَلَت امرأته إليه حتَّى أعادته إلى مَكّة مسلماً، فلمَّا رَآه النبيّ وَلَيه وتَبَ إليه فَرِحاً وما عليه رِداءٌ. وبِقيام النبيِّ وَّ لِمَّا قَدِمَ جعفر من الحَبَشة، فقال: ((ما أدري بأيّهما أنا أُسَرُّ بِقُدومٍ جعفر، أو بفتحِ خَيِبَ))(١). وبحديثٍ عائشة: قَدِمَ زيد بن حارثة المدينة والنبيُّ وَّه في بيتي، فقَرَعَ الباب فقامَ إليه فاعتَنَفَه وقَبَّلَه(٢). وأجابَ ابن الحاجّ بأنّها ليست من مَحَلّ النِّزاع كما تقدَّمَ. واحتَجَّ أيضاً بما أخرجه أبو داود (٤٧٧٥) عن أبي هريرة قال: كان النبيّ وَِّ يُحدِّثنا، فإذا قامَ قُمنا قياماً حتَّى نَراه قد دَخَلَ. وأجابَ ابن الحاجّ بأنَّ قيامهم كان لِضَرُورة الفَراغ لِيَتَوجَّهوا إلى أشغالهم، ولأنَّ بيتَه كان بابُه في المسجد، والمسجد لم يكن واسعاً إذ ذاكَ، فلا يَتَأَتَّى أن يَستَوُوا قياماً إلّا وهو قد دَخَلَ. كذا قال. (١) لم يذكر النووي هذا الحديث في كتابه ((الترخيص بالقيام)) فلعله ذكره في موضع آخر من گُتبه، وقد أخرجه ابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (٣٦٤)، والطبراني في ((الكبير)) (١٤٧٠)، والخطيب في ((تاريخ بغداد)) ١١/ ٢٩٢ من حديث أبي جُحَيفة، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٠٦/١٢ وابن سعد في ((الطبقات)) ٣٤/٤، وأبو داود (٥٢٢٠)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٢٨١/٤، وأبو طاهر المخلِّص (١٠٠) وغيرهم عن الشعبي مرسلاً، ورُوي موصولاً، لكن المرسل أصح، وانظر تمام تخريجه في ((نصب الراية)) للزيلعي ٢٥٤/٤، و ((البدر المنير)) لابن الملقِّن ٩/ ٥١. (٢) أخرجه الترمذي برقم (٢٧٣٢) وقال: حديث حسن غريب. ١١٢ باب ٢٦ / ح ٦٢٦٢ فتح الباري بشرح البخاري والذي يظهر لي في الجواب أن يقال: لعلَّ سببَ تأخيرهم حتَّى يَدخُل لِمَا يحتمل ٥٣/١١ عندهم من أمرٍ يَحدُث له، حتَّى لا يحتاجَ إذا تَفرَّقوا أن يتكلَّف استدعاءَهم. ثمَّ راجَعتُ/ (سُنَن أبي داود)) فوجَدت في آخِرِ الحديث ما يُؤْيِّد ما قلتُه، وهو قصَّة الأعرابيّ الذي جَبَذَ رِدَاءَه ◌َّه فدَعَا رجلاً فأمَرَه أن يَحمِل له على بعيره تَمراً وشَعيراً، وفي آخره: ثمَّ التَّفَتَ إلينا فقال: ((انصَرِفُوا رَحِمَكم الله تعالى)). ثمَّ احتَجَّ النَّويّ بعُموماتِ تنزيل الناس منازِلَم وإكرام ذي الشَّيبة وتوقير الكبير. واعتَرَضَه ابن الحاجّ بما حاصلُه: أنَّ القيام على سبيل الإكرام داخلٌ في العُمومات المذكورة، لكنَّ مَحَلّ النِّراع قد ثَبَتَ النَّهيُ عنه فيُخصّ من العُمومات. واستَدَلَّ النَّوويّ أيضاً بقيام المغيرة بن شُعْبة على رأس النبيِّنَّهبالسَّيفِ(١). واعتَرَضَه ابن الحاجّ بأنَّه كان بسببِ الذَّبِّ عنه في تلكَ الحالةِ مِن أذَى مَن يَقرُب مِنه من المشرِكِينَ، فليس هو من محَلِّ النِّزاع. ثمَّ ذكر النَّوويّ حديث معاوية وحديث أبي أُمامةَ المتقدِّمَين، وقَدَّمَ قبل ذلك ما أخرجه التِّرمِذيّ (٢٧٥٤) عن أنس قال: لم يكن شَخصِّ أحَبَّ إليهم من رسول الله وَّةٍ، وكانوا إذا رأَوْه لم يقوموا لِمَا يعلمونَ من كراهيته لذلك. قال التِّرمِذيّ: حسن صحيح غريب، وتَرجَمَ له ((باب كراهية قيام الرجل للرجلِ)) وتَرجَمَ لحديثٍ معاوية ((باب كراهية القيام للنّاس». قال النَّوويّ: وحديث أنسٍ أقرَبُ ما ◌ُتَجُ به، والجواب عنه من وجهَينِ: أحدهما: أنَّه خافَ عليهم الفتنةَ إذا أفرَطُوا في تعظيمه، فكَرهَ قيامَهم له لهذا المعنى كما قال: ((لا تُطْرُوني))(٢)، ولم يَكرَه قيامَ بعضهم لبعضٍ، فإنَّه قد قامَ لبعضِهم وقاموا لغيره بحَضرَتِهِ، فلم يُنكِرِ عليهم، بل أقَرَّه وأمَرَ به. (١) تقدم برقم (٢٧٣١) في سياق قصة الحديبية. (٢) سلف برقم (٣٤٤٥) من حديث عمر ﴾. ١١٣ باب ٢٦ / ح ٦٢٦٢ كتاب الاستئذان ثانيهما: أنَّه كان بينه وبين أصحابه من الأَنْس وكمالِ الوُدِّ والصَّفاء ما لا يحتمل زيادةً بالإكرام بالقيام، فلم يكن في القيام مقصودٌ، وإن فُرِضَ للإنسان صاحبٌ بهذه الحالة لم يَحتَجْ إلى القيام. واعتَرَضَ ابن الحاجّ بأنَّه لا يَتِمّ الجواب الأوَّل إلّا لو سُلِّمَ أنَّ الصحابة لم يكونوا يقومونَ لأحدٍ أصلاً، فإذا خَصُّوه بالقيام له دَخَلَ في الإطراء، لكنَّه قَرَّرَ أنَّهم كانوا يفعلونَ ذلك لغيره، فكيفَ يَسوغُ لهم أن يفعلوا مع غيره ما لا يُؤْمَنُ معه الإطراء ويَترُكوه في حَقّه؟ فإن كان فِعلهم ذلك للإكرام فهو أولى بالإكرام، لأَنَّه (١) المنصوص على الأمر بتوقيره فوق غيره، فالظاهر أنَّ قيامهم لغيره، إنَّما كان لِضَرُورة قُدومٍ أو تَهنِئَةٍ أو نحوِ ذلك من الأسباب المتقدِّمة لا على صورة محلّ النّزاع، وأنَّ كَراهَته لذلك إنَّما هي في صورة مَحَلِّ النِّراع أو للمعنى المذموم في حديث معاوية. قال: والجواب عن الثّاني أنَّه لو عَكَسَ فقال: إن كان الصّاحب لم تَتأكَّد صُحبتُه له ولا عَرَفَ قَدْرَه، فهو مَعذورٌ بتَركِ القيامِ، بخِلاف مَن تأكَّدَتِ صُحبَتُه له وعَظُمَت منزلَتُه مِنه وعَرَفَ مِقداره، لكان مُتَّجِهاً، فإنَّه يَتأكَّد في حَقّه مَزيدُ البِرّ والإكرام والتَّوقير أكثرَ من غيره. قال: ويَلزَم على قوله أنَّ مَن كان أحقَّ به وأقرَبَ مِنه منزلةً كان أقلَّ توقيراً له ممَّن بَعُدَ لأجلِ الأُنس وكمال الوُدّ، والواقع في صحيح الأخبار خِلافُ ذلك، كما وَقَعَ في قصّة السَّهو وفي القوم أبو بكر وعمرُ فهابا أن ◌ُكلِّماه(٢)، وقد گلَّمَه ذو الیدینِ مع بُعد منزلته منه بالنِّسبة إلى أبي بكر وعمر. قال: ويَلَم على هذا أنَّ خَوَاصّ العالِمِ والكبير والرَّئيس لا يُعظِّمونَه ولا يوقِّرُونَه لا بالقيام ولا بغيره بخِلاف مَن بَعُدَ مِنه، وهذا خِلاف ما علیه عَمَل السّلَف والخلف. انتهى كلامُه. (١) تحرَّف في (أ) و(ب) و(س) إلى: لأن، بحذف الضمير، وجاء على الصواب في (ع)، وبه يتم المعنى. (٢) سلف برقم (٤٨٢) من حديث أبي هريرة ١١٤ باب ٢٦ / ح ٦٢٦٢ فتح الباري بشرح البخاري وقال النَّوويّ في الجواب عن حديث معاوية: إنَّ الأصحّ والأَولى، بل الذي لا حاجة إلى ما سواه، أنَّ معناه زَجرُ المكلَّف أن يُحِبَّ قيام الناس له. قال: وليس فيه تَعرُّضُ للقيام بِنَهي(١) ولا غيره، وهذا مُتَّفَقٌّ عليه. قال: والمنهيُّ عنه مَحَبّةُ القيام، فلو لم يخطر بباله فقاموا له، أو لم يقوموا فلا لَومَ عليه، فإن أحَبَّ ارتَكَبَ التَّحريم سواءٌ قاموا أو لم يقوموا. قال: فلا يَصِحّ الاحتجاج به لِتَركِ القیام. فإن قيلَ: فالقيام سببٌ للوقوع في المنهيِّ عنه، قلنا: هذا فاسدٌ، لأنّا قَدَّمنا أنَّ الوقوع في المنهيِّ عنه يَتَعلَّق بالمحبّة خاصّةً. انتهى مُلخَّصاً. ولا يخفى ما فيه. ٥٤/١١ واعتَرَضَه ابن الحاجّ بأنَّ الصحابيّ الذي تَلَقَّى ذلك من / صاحب الشَّرع قد فهمَ منه النَّهيَ عن القيام الموقع للَّذي يُقام له في المحذور، فصَوَّبَ فِعَلَ مَن امتَنَعَ من القيامِ دونَ مَن قامَ، وأقَرُّوه على ذلك. وكذا قال ابن القيِّمِ في ((حَواشي السُّنَن)): في سياق حديث معاوية رَدٌّ على مَن زَعَمَ أنَّ النَّهيَ إنَّما هو في حَقّ مَن يقوم الرِّجال بحَضرَتِهِ، لأنَّ معاوية إنَّما روى الحديث حين خَرَجَ فقاموا له. ثمَّ ذكر ابن الحاجّ من المفاسد التي تَتَرَتَّب على استعمال القيام، أنَّ الشّخص صارَ لا يتمكَّنُ فيه من التَّفصيل بين مَن يُستَحَبّ إكرامُه ويِرُّه، كأهلِ الدّين والخير والعلم. أو يجوز كالمستورينَ، وبين مَن لا يجوز كالظّالم المعلِن بالظُّلمِ. أو يُكرَه كمَن لا يَتَّصِفُ بالعَدالة وله جاهٌ، فلولا اعتيادُ القيام ما احتاجَ أحدٌ أن يقوم لمن يَجِرُم إكرامه أو يُكرَه، بل جَرَّ ذلك إلى ارتكاب النَّهي لِمَا صارَ يَتَرتَّب على التَّرك من الشرّ. وفي الجملة متى صارَ تَركُ القيام يُشعِرُ بالاستهانة، أو يَتَرتَّب عليه مَفْسَدة امتَنَعَ، وإلى ذلك أشارَ ابن عبد السَّلام. ونَقَلَ ابن كثير في ((تفسيره)) عن بعض المحَقِّقينَ التَّفصيلَ فيه، فقال: المحذور أن (١) تحرَّف في (س) إلى: بمنهي. ١١٥ باب ٢٧ / ح ٦٢٦٣ - ٦٢٦٤ كتاب الاستئذان يُتَّخَذ دَيدَناً كَعادة الأعاجِم كما دَلَّ عليه حديث أنسٍ، وأمَّا إن كان لِقادِمٍ من سَفَر أو لحاکم في محلّ ولا یته فلا بأس به. قلت: ويَلتَحِقُ بذلك ما تقدَّم في أجوبة ابن الحاجّ كالثَّهنِئة لمن حَدَثَت له نِعمةٌ، أو لإعانة العاجز أو لتَوسيع المجلس أو غير ذلك، والله أعلم. · وقد قال الغَزاليّ: القيام على سبيل الإعظام مكروه، وعلى سبيل الإكرام لا يُكرَه. وهذا تفصيلٌ حَسَنٌ. قال ابن التِّين: قوله في هذه الرِّواية: ((حَكَمتَ فيهم بحُكمِ الملِكِ)) ضَبطناه في رواية القابِسِيِّ بفتح اللّام، أي: جِبْريل فيما أخبرَ به عن الله، وفي رواية الأَصِيلِيّ بكسر اللّام، أي: بحكم الله، أي: صادَفتَ حُكمَ الله. ٢٧ - باب المصافحة وقال ابنُ مسعودٍ: عَلَّمَني النبيُّ وَِّالتَّشَهُّدَ وكَفّي بِينَ كَفَّيه. وقال كَعْبُ بنُ مالكٍ: دَخَلْتُ المسجدَ فإذا برسولِ الله وَّةِ، فقامَ إليَّ طَلْحةُ بنُ عُبيدِ الله ◌ُهَزْوِلُ حتَّی صافَحَني وهَنََّنٍ. ٦٢٦٣ - حدَّثْنَا عَمْرو بنُ عاصم، حدَّثنا هنَّامٌ، عن قَادةَ، قال: قلتُ لأنسِ: أَكانتِ المصافَحةُ في أصحاب النبيِّ وَّ؟ قال: نَعَم. ٦٢٦٤- حدَّثنا يحيى بنُ سليمانَ، قال: حدَّثني ابنُ وَهْب، قال: أخبرني حَيْوةُ، قال: حذَّثني أبو عَقِيلِ زُهْرةُ بنُ مَعْبَدٍ، سمِعَ جَدَّه عبدَ الله بنَ هشامٍ قال: كنَّا معَ النبيِّ وَّ وهو آخِذٌ بَيَدِ عمرَ بنِ الخطّاب. قوله: ((باب المصافَحة)) هي مُفاعَلة من الصَّفْحة، والمراد بها: الإفضاء بصَفحة اليد إلى صَفحة اليد، وقد أخرج التِّرمِذيّ (٢٧٣١) بسندٍ ضعيف من حديث أبي أُمامةَ رَفَعَه: ((تَامُ أَحَيَّتكم بَينَكم المُصافَحةُ))، وأخرج المصنِّف في ((الأدب المفرَد)) (٩٦٧) وأبو داود (٥٢١٣) بسندٍ صحيح من طريق محُميدٍ عن أنس رَفَعَه: ((قد أقبَلَ أهلُ اليَمنِ)) وهم أوَّل مَن ١١٦ باب ٢٧ / ح ٦٢٦٤ فتح الباري بشرح البخاري جاء(١) بالمصافَحة، وفي ((جامع ابن وهب)) (٢٢٤) من هذا الوجه: وكانوا أوَّلَ مَن أظهَرَ المصافَحة(٢). قوله: ((وقال ابن مسعود: عَلَّمَني النبيُّ ◌َِّ التَّشَهُّد وكَفّي بين كَفَّيه) سَقَطَ هذا التَّعليق من رواية أبي ذرٍّ وحده وثَبَتَ للباقينَ، وسيأتي موصولاً في الباب الذي بعده. قوله: ((وقال كَعْب بن مالك: دَخَلْتُ المسجد فإذا برسولِ الله وَّةِ، فقامَ إليَّ طَلْحة بن ٥٥/١١ عُبيد الله يُهَرْوِل/ حتَّى صافَحَني وهََّي)) هو طَرَف من قصَّة كعب بن مالك الطّويل في غزوة تَبُوك في قصَّة تَوبته، وقد تقدَّمَتِ الإشارة إليه في الباب الذي قبله، وجاء ذلك من فعل النبيِّ ◌َلَّ، كما أخرجه أحمد (٢١٤٤٤) وأبو داود (٥٢١٤) من حديث أبي ذرِّ كما سيأتي في أثناء ((باب المعانقة)) (٦٢٦٦). قوله: ((عن قَتَادة قلت لأنس بن مالك: أَكانتِ المصافَحة في أصحاب النبيِّ ◌ََّ؟ قال: نعم)) زاد الإسماعيليّ في روايته عن همَّام: قال قَتَادة: وكان الحسن، يعني: البصريّ يُصافح(٣). وجاء من وجه آخر عن أنس: قيلَ: يا رسول الله، الرجل يَلقَى أخاه أَيَنحَني له؟ قال: ((لا))، قال: فيأخُذْ بَيَدِه ويُصافحُه؟ قال: ((نعم)). أخرجه الِّرمِذيّ (٢٧٢٨)، وقال: حَسنٌ. قال ابن بَطّال: المصافَحة حَسنة عند عامّة العلماء، وقد استَحَبَّها مالكٌ بعد كراهةٍ. وقال النَّوويّ: المصافَحة سُنّة مُجمَعٌ عليها عند التَّلاقي. وقد أخرج أحمد (١٨٥٤٧) وأبو داود (٥٢١٢) والتِّرمِذيّ (٢٧٢٧) عن البراء رَفَعَه: ((ما من مسلمَينِ يَلتَقيان فيَتصافَحان، إلّا غُفِرَ لهما قبل أن يَتَفرَّقا))، وزاد فيه ابن السُّنّيّ (١٩٥): ((وَتَكاشَرا بوُدٍّ ونَصيحةٍ))(٤)، وفي رواية لأبي داود (٥٢١١): ((وَمِدا الله واسْتَغْفَراه)). (١) تحرَّف في (س) إلى: ((حيّان)). وقوله: ((وهم أول من جاء بالمصافحة)) مدرج من قول أنس، وليس مرفوعاً كما يُوهِم كلام الحافظ رحمه الله، وقد وقع بيان أنَّ القائل لهذا الكلام أنسٌ في ((مسند)» أحمد برقم (١٣٦٢٤). (٢) يقال فيه ما قيل في الذي قبله من أنه مدرج من قول أنسٍ ﴾، وهذا الحديث أخرجه أيضاً ابن حبان في (صحيحه)) من طريق ابن وهب من الوجه المذكور برقم (٧١٩٣). (٣) وأخرجه أبو يعلى في ((مسنده)) برقم (٢٨٧١)، وعنه ابنُ حبان في ((صحيحه)) برقم (٤٩٢). (٤) قوله: ((وتكاشرا)) من الكَثْر: وهو التبسُّم. ((الصحاح)) (كشر). ١١٧ باب ٢٧ / ح ٦٢٦٤ كتاب الاستئذان وأخرجه أبو بكر الرُّويانيّ في ((مُسنَده)) (٤١٩) من وجه آخر عن البراء: لَقِيت رسولَ اللهِوَ ﴿ فصافَحَني، فقلت: يا رسولَ الله، كنتُ أحسِب أنَّ هذا من زِيِّ العَجَم، فقال: ((نحنُ أحقّ بالمصافَحة)) فذَكَر نحوَ سياقِ الخبرِ الأوَّلِ(١). وفي مُرسَل عطاءِ الْخُراسانيّ في ((الموطَّأ): تصافَحُوا يَذْهب الغِلّ. ولم نَقِف عليه موصولاً، واقتَصَرَ ابن عبد البَرِّ على شواهده من حديث البراء وغيره. قال النَّوويّ: وأمَّا تخصيص المصافحة بما بعد صلاتَي الصُّبح والعصر فقد مَثَّلَ ابنُ عبد السَّلام في ((القواعد)) البِدْعَة المباحةَ بها. قال النَّوويّ: وأصل المصافحة سُنّةٌ، وگَونهم حافظوا عليها في بعض الأحوال لا يَخْرُجُ ذلك عن أصل السُّنّة. قلت: وللنَّظَرِ فيه مجال، فإنَّ أصل صلاة النافلة سُنّة مُرَغَّب فيها، ومع ذلك فقَدَ كَرِهَ المحَقِّقونَ تَخصيصَ وَقتٍ بها دونَ وَقتٍ، ومنهم مَن أطلقَ تحريم مِثل ذلك كصَلاة الَّغائب التي لا أصل لها. ويُستَثَنَى من عُموم الأمر بالمصافَحة المرأة الأجنبيَّة والأمرَد الحَسنُ. قوله: ((أخبَرَني حَيْوة)) بفتح المهمَلة والواو بينهما تحتانيَّة ساكنة وآخرها هاءُ تأنيثٍ: هو ابن شُرَيح المِصريّ. قوله: ((سمعَ جَدَّه عبدَ الله بن هشام)) أي: ابن زُهْرة بن عثمان من بني تميم بن مُرّة. قوله: ((كنَّا مع النبيِّ وَّهِ وهو آخِذٌ بَيَدِ عمرَ بنِ الخطّاب)) كذا اختَصَرَه، وكذا أورَدَه في مناقب عمر بن الخطّاب (٣٦٩٤)، وساقَه بتمامه في الأيمان والنُّدور (٦٦٣٢)، وسيأتي البحث فیه هُناكَ. وأغفَلَ المِزِّيُّ ذِكْره هنا، ولم يقع في رواية النَّسَفيِّ أيضاً، وذكره الإسماعيليّ هنا من رواية رِشدين بن سعد وابن لَهِيعة(٢) جميعاً عن زُهْرة بن مَعبَد بتمامه، وأسقَطَه من كتاب (١) في إسناده عمرو بن حمزة - وهو القيسي - وهو ضعيف، وقد تفرَّد به بهذا التمام، قال البخاري في ((التاريخ الکبیر)» ٣٢٥/٩: لا يُتابع في حديثه، وضعَّفه الدارقطني وغيره كما في «ميزان الاعتدال)) ٢٥٥/٣. (٢) ورواية رشدين أخرجها الطبراني أيضاً في ((الأوسط)) برقم (٣١٧)، ورواية ابن لهيعة أخرجها أحمد في ((المسند)) برقم (١٨٠٤٧) كلاهما عن زهرة بن معبد بتمامه. ١١٨ باب ٢٨ / ح ٦٢٦٥ فتح الباري بشرح البخاري الأيمان والُّذُور. وابنُ لَهِيعة ورِشدين ليسا من شرط ((الصَّحيح))، ولم يقع لأبي نُعَيم أيضاً من طريق ابن وَهْب عن حَيْوةَ، فأخرجه في الأيمان والنُّذور بتمامه من طريق البخاريّ، وأخرج القَدْر المختصرَ هنا من رواية أبي زُرْعة وَهْبِ الله بن راشد عن زُهْرة بن مَعبَد، ووَهْبُ الله هذا مُتَلَف فيه، وليس من رجال ((الصَّحيح)). ووجه إدخال هذا الحديث في المصافَحة أنَّ الأخذَ باليَدِ يَستَلزِم التِقاء صَفحة الید بصفحة اليد غالباً، ومن ثَمَّ أفرَدَها بترجمةٍ تَلي هذه لِجوازٍ وقوع الأخْذِ باليَدِ من غير حصول المصافحة. قال ابن عبد البَرِّ: روى ابن وَهْبٍ عن مالكِ: أنَّ كَرِهَ المصافَحة والمعانَقة، وذهب إلى هذا سَحنون وجماعة، وقد جاء عن مالكِ جوازُ المصافَحة، وهو الذي يدلّ عليه صَنيعُه في ((الموطّا)» وعلى جوازه جماعةُ العلماء سَلَفاً وخَلَفاً، والله أعلم. ٢٨ - باب الأخذ بالید وصافَحَ لَّادُ بنُّ زیدِ ابنَ المبارَكِ بَيَدَیه. ٦٢٦٥ - حدّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا سيفٌ، قال: سمعتُ مجاهداً يقول: حدَّثني عبدُ الله بنُ سَخْبَرَةَ أبو مَعمَرٍ، قال: سمعتُ ابنَ مسعودٍ يقول: عَلَّمَني رسولُ الله ◌ِوَّهِ وَكَفّي بِينَ كَفَِّهِ التَّشَهُّدَ، كما يُعلِّمُني السُّورَةَ منَ القرآنِ: التَّحِيّاتُ لله والصَّلَواتُ والطِّاتُ، السَّلامُ عليكَ أيُّها النبيُّ ورحمةُ الله وبَرَكاتُه، السَّلامُ علينا وعلى عبادِ الله الصالحِينَ، أشهَدُ أن لا إلهَ إلّا الله، وأشهَدُ أنَّ محمَّداً عبدُه ورسولُه وهو بينَ ظَهْرَانَينا، فلمَّا قُبِضَ قُلْنا: السَّلامُ. يعني. على النبيِّ ◌َّ. ٥٦/١١ قوله: ((باب الأخْذِ باليَدِ)) كذا في رواية أبي ذرِّ عن الحَقُّوِيّ والمُستَمْلي، وللباقينَ: باليَدَينِ، وفي نُسخة: باليمين، وهو غَلَط. وسَقَطَت هذه التَّرجمة وأثرُها وحديثُها من رواية النَّسَفيِّ. قوله: ((وصافَحَ جَمَّاد بن زيد ابنَ المبارَك بِيَدَيه)) وَصَلَه غُنْجار في ((تاريخ بُخارَى)) من طریق إسحاق بن أحمد بن خلف قال: سمعت محمّد بن إسماعيل البخاريَّ یقول: سمعَ أبي من مالك، ورأى حَمَّادَ بن زيد يُصافح ابنَ المبارَك بكِلتا يَدَيه. ١١٩ باب ٢٨ / ح ٦٢٦٥ كتاب الاستئذان وذكر البخاريُّ في ((التاريخ)) في ترجمة أبيه نحوَه، وقال في ترجمة عبد الله بن سَلَمة المُراديِّ: حدَّثني أصحابنا يحيى وغيرُه عن أبي؛ إسماعيل بن إبراهيم، قال: رأيت حمّاد بن زيد وجاءه ابن المبارك بمَگّة فصافحه بكلتا یدیه. ویحیی المذکور: هو ابن جعفر البیکنديّ. وقد أخرج التِّرمِذيّ (٢٧٣٠) من حديث ابن مسعود رَفَعَه: ((من تَمَامِ التَّحيَّةِ الأخذُ باليدِ)) وفي سنده ضعفٌ، وحكى التِّمِذيّ عن البخاريّ: أنَّه رَجَّحَ أنَّه موقوف على عبد الرّحمن ابن يزيد النَّخَعيِّ أحد التابِعِينَ. وأخرج ابن المبارك في ((كتاب البِرّ والصِّلة)) من حديث أنس: كان النبيّ ◌َّهِ إِذا لَقِيَ الرجل لا یَنزِعِ يَدَه، حتَّی یکون ھو الذي یَنزِعِ يَدَه، ولا یَصرِف وجهَه عن وجهه، حتَّى يكون هو الذي يَصرِفُه(١). قوله: ((عَلَّمَني رسول الله وَّهِ وَكَفّي بين كَفَّيِه التَّشَهّدَ)) كذا عنده بتأخير المفعول عن الجملة الحاليّة. وفي رواية أبي بكر بن أبي شَيْبة الآتي التَّنبيهُ عليها بتقديم المفعول، وهو لفظ التَّشَهُّد. قوله في آخره: ((وهو بين ظَهْرانَينا)) بفتح النُّون وسكون التَّحتانيَّة ثمَّ نون، أصله ظَهْرنا، والتَّنيةُ باعتبار المتقدِّم عنه والمتأخّر، أي: كائنٌ بيننا، والألف والنُّون زيادة للتَّأكيدِ، ولا يجوز كسر النُّون الأُولى، قاله الجَوْهريّ وغيره(٢). قوله: ((فلمَّا قُبِضَ قُلْنا: السَّلام، يعني: على النبيِّ وَّ)) هكذا جاء في هذه الرِّواية، وقد تقدَّم الكلام على حديث التَّشَهُّد هذا في أواخر صِفَة الصلاة (٨٣١) قُبيل كتاب الجمعة من رواية شَقِيق بن سَلَمة عن ابن مسعود وليست فيه هذه الزّيادة، وتقدَّم شرحُه مُستَوقَى، وأمَّا هذه الزّيادة فظاهرُها أنَّهم كانوا يقولون: السَّلام عليك أيّها النبيّ، بكافِ الخِطاب في (١) وهو في ((الزهد)) له برقم (٣٩٢) وقد ذهل الحافظ رحمه الله عن وجوده عند الترمذي (٢٤٩٠)، وهو أيضاً عند أبي داود (٤٧٩٤) من طريق أخرى عن أنس، وعند الضياء في ((مختارته)) (٢٠٥٠) من طريق ثالثة، دون ذكر صرف الوجه عندهما، ويشهد له دون ذكر صرف الوجه حديثُ ابن عمر عند الترمذي (٣٤٤٢). (٢) في ((الصحاح)) مادة (ظهر)، وذكر أنه يجوز أن يقال أيضاً: هو نازلٌ بين ظَهْرَيْهِم، بحذف الألف والنون. وجاء في ((اللسان): أنَّ كلَّ ما كان في وَسَطِ شيءٍ ومُعظَمِهِ: فهو بين ظَهرَيْهِ وظَهرانَيْهِ. ١٢٠ باب ٢٨ / ح ٦٢٦٥ فتح الباري بشرح البخاري حياة النبيِّ وَّةَ، فلمَّا ماتَ النبيُّ ◌َّهِ تَرَكوا الخِطاب وذَكَروه بلفظ الغَيْبة، فصاروا يقولون: السَّلام على النبيّ. وأمَّا قوله في آخره: ((يعني: على النبيّ ◌َّ)) فالقائل: يعني: هو البخاريُّ، وإلّا فقد أخرجه أبو بكر بن أبي شَيْبة في «مُسنَده)) (٣١٩) و («مُصنَّفه)) (٢٩٢/١) عن أبي نُعَيم شيخ البخاريِّ فيه فقال في آخره: فلمَّا قُبِضَ رَّه قلنا: السَّلام على النبيّ. وهكذا أخرجه الإسماعيليّ وأبو نُعَيم من طريق أبي بكر، وقد أشبَعتُ القولَ في هذا عند شرح الحديث المذكور. قال ابن بَطّال: الأَخْذُ باليَدِ هو مُبالَغةُ المصافَحة، وذلك مُستَحَبّ عند العلماء، وإنَّما اخْتَلَفوا في تقبيل اليد، فأنكَرَه مالكٌ وأنكَرَ ما رويَ فيه، وأجازَه آخرونَ، واحتَجُّوا بما رويَ عن ابن عمر أنَّهم: لمَّا رجعوا من الغَزو حيثُ فَرُّوا قالوا: نحنُ الفَرّارونَ، فقال: ((بل أنتم العَكّارونَ، أنا فِئَةُ المؤمنينَ)) قال: فقَبَّلنا يَدَه. قال: وقَبَّلَ أبو لُبَابة وكعبُ بن مالك ٥٧/١١ وصاحباه يَدَ النبيِّ وَّهِ حين تابَ الله عليهم،/ ذَكَرَه الأبهَرِيُّ، وقَبَّلَ أبو عبيدة يدَ عمر حين قَدِمَ، وقَبَّلَ زيدُ بن ثابت يدَابن عبّاس حين أخَذَ ابن عبّاس برِكَابِهِ. قال الأبهَريّ: وإنَّما كَرهَها مالكٌ إذا كانت على وجه التَّكَبُّر والتَّعَظُّم، وأمَّا إذا كانت على وجه القُربة إلى الله لِدينِه أو لِعِلمِه أو لِشَرَفِهِ، فإنَّ ذلك جائٌ. قال ابن بَطّال: وذكر التِّرمِذيّ (٢٧٣٣ و٣١٤٤) من حديث صَفْوان بن عَسّال: أنَّ يهوديَّينِ أتيا النبيَّ ◌َّهِ فسألاه عن تسع آياتٍ، الحديثَ، وفي آخره: فقَبَّلا یدَه ورِجْلَه، قال التِّرمِيّ: حسن صحيح. قلت: حديث ابن عمر أخرجه البخاريّ في «الأدب المفرد» (٩٧٢) وأبو داود (٢٦٤٧)، وحديث أبي لُبَابة أخرجه البيهقيُّ في ((الدَّلائل)) (٢٦٨/٦) وابن المقرئ، وحديث كعب وصاحبَيه(١) أخرجه ابن المقرئ (١)، وحديث أبي عبيدة أخرجه سفيان في ((جامعه))(٢)، (١) ليس عند ابن المقرئ ذكرُ صاحبيه، وهما مرارة بن الربيع وهلال بن أمية، وإنما اقتصر على ذكر كعب بن مالك. (٢) ومن طريقه أخرجه ابن أبي شيبة ٨/ ٧٥٠، وابن الأعرابي في ((القُبَل والمعانقة والمصافحة)) (٤) و(٨).