النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
باب ١٣ / ح ٦٢٤٥
كتاب الاستئذان
وكذا وَقَعَ في روايةٍ أُخرى عنده(١): فقال أبو موسى: إن كان سمعَ ذلك منكم أحدٌ فليَقُم
معي، فقالوا لأبي سعيد: قُم معه.
وأغرَبَ الدَّاوُوديّ فقال: روى أبو سعيد حديثَ الاستئذان عن أبي موسى وهو يَشهَد
له عند عمر، فأدَّى إلى عمرَ ما قال أهلُ المجلس، وكأنَّه نَسِيَ أسماءهم بعد ذلك فحدَّث به
عن أبي موسى وحدَه لِكَونِه صاحبَ القصَّة. وتَعقَّبَه ابنُ التِّين بأنَّه مخالفٌ لِمَا في رواية
(الصَّحيح))، لأنَّه قال: فأخبَرَت عمرَ بأنَّ النبيَّ وَ﴿ قَالَه.
قلت: وليس ذلك صريحاً في رَدّ ما قال الدَّاوُوديّ، وإنَّما المعتمَد في التَّصريح بذلك
روايةُ عَمْرو بن الحارث، وهي من الوجه الذي أخرجه مِنه مالكٌ، والتَّحقيقُ: أنَّ أبا سعيد
حكى قصَّة أبي موسى عنه بعد وقوعِها بدَهرٍ طويل، لأنَّ الذينَ رَوَوْها عنه لم يُدرِكوها،
ومن ◌ُلة قصَّة أبي موسى الحديثُ المذكور، فكأنَّ الراويَ لمَّا اختَصَرَها واقتَصَرَ على
المرفوع، خَرَجَ منها أنَّ أبا سعيد ذَكر الحديثَ المذكور عن أبي موسى، وغَفَلَ عمَّا في آخرها
من رواية أبي سعيد المرفوع عن النبيِّ وَل بغير واسطة، وهذا من آفات الاختصار، فينبغي
لمن اقتَصَرَ على بعض الحديث أن يَتَفَقَّد مِثل هذا، وإلّا وَقَعَ في الخطأ وهو كحَذْفِ ما للمتنِ
به تَعلُّقٌ، وتختلف الدّلالة بحَذْفِه.
وقد اشتَكَّ إنكار ابن عبد البَرِّ على مَن زَعَمَ أنَّ هذا الحديث إنَّما رواه أبو سعيد عن أبي
موسى، وقال: إنَّ الذي وَقَعَ في ((الموطَّأ)) لهما هو من النَّقَلة لاختلاطِ الحديث عليهم. وقال
في موضع آخر: ليس المراد أنَّ أبا سعيد روى هذا الحديث عن أبي موسى، وإنَّما المراد عن
أبي سعيد عن قصَّة أبي موسى، والله أعلم.
وثمَّن وافَقَ أبا موسى على رواية الحديث المرفوع جُندُبُ بن عبد الله، أخرجه الطبرانيُّ
(١٦٨٧) عنه بلفظ: ((إذا استأذَنَ أحدكم ثلاثاً فلم يُؤْذَن له فليَرجِعْ)).
(١) أي: عند مالك في ((الموطأ)) ٢/ ٩٦٤ عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن غير واحد من علمائهم: أنَّ أبا
موسى الأشعري، فذكره، ولم یقع هذا عند مسلم كما يُوهِم كلام الحافظ رحمه الله.

٦٢
باب ١٣ / ح ٦٢٤٥
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وقال ابن المبارك)) هو عبد الله، وابن عُيَينةَ: هو سفيان المذكور في الإسناد الأوَّل،
وأراد بهذا التَّعليق بيانَ سماع بُسْرٍ له من أبي سعيد، وقد وَصَلَه أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) من
طريق الحسن بن سفيان، حدَّنا حِبّان بن موسى، حدَّثنا عبد الله بن المبارَك، وكذا وَقَعَ التَّصريح
به عند مسلم عن عَمْرو الناقد (٢١٥٣)، وأخرجه الحميديّ (٧٣٤) عن سفيان: حدّثنا يزيد بن
خُصَيفة، سمعتُ بُشْرَ بن سعيد يقول: حدَّثني أبو سعيد.
وقد استَشكَلَ ابن العربيّ إنكار عمرَ على أبي موسى حديثه المذكور، مع كونه وَقَعَ له مِثْلُ
ذلك مع النبيِّ وَّةِ، وذلك في حديث ابن عبّاس الطَّويل في هَجْر النبيِّوَ لَنساءَه في المَشْرُبة،
فإنَّ فيه: أنَّ عمر استأذَنَ مرَّةً بعد مرَّةٍ، فلمَّا لم يُؤْذَن له في الثّالثة رَجَعَ حتَّى جاءه الإذنُ،
٣٠/١١ وذلك / بيِّنٌّ في سياق البخاريِّ (٥١٩١).
قال: والجواب عن ذلك أنَّه لم يَقضِ فيه بعِلمِه، أو لعلَّه نَسِيَ ما كان وَقَعَ له، ويُؤيِّده
قولُه: شَغَلَنِي الصَّفْقُ بالأَسواقِ(١). قلت: والصُّورة التي وَقَعَت لِعمر ليست مُطابِقَةً لِمَا
رواه أبو موسى، بل استأذَنَ في كلّ مرَّة فلم يُؤْذَن له فَرَجَعَ، فلمَّا رَجَعَ في الثّالثة استُدعيَ
فأُذِنَ له، ولفظ البخاريِّ الذي أحالَ عليه ظاهرٌ فيما قلتُه، وقد استَوفَيتُ طُرقَه عند شرح
الحديث في أواخر النِّكاح (٥١٩١)، وليس فيه ما ادَّعاه.
وتَعلَّقَ بقصَّة عمر مَن زَعَمَ أنَّه كان لا يقبل خَبرَ الواحد، ولا حُجّةً فيه، لأَنَّه قَبِلَ خَبرَ أبي
سعيد المطابِقِ لِحديثِ أبي موسى، ولا يَخْرُج بذلك عن گونه خَبَرَ واحدٍ.
واستَدَلَّ به مَن ادَّعَى أَنَّ خَبَرَ العَدل بمُفرَدِهِ لا يُقْبَل حتَّى يَنْضَمّ إليه غيرُه كما في
الشَّهادة، قال ابن بَطّال: وهو خطأٌ من قائله وجهلٌ بمذهبٍ عمر، فقد جاء في بعض طُرقه
أنَّ عمر قال لأبي موسى: أما إنّي لم أتَّهِمْكَ، ولكنّي أردت أن لا يَتَجرَّأ الناسُ على الحديث
عن رسول الله وَ لجر. قلت: وهذه الزّيادة في ((الموطَّأ)) (٩٦٤/٢) عن ربيعة عن غير واحد من
عُلَمائهم: أنَّ أبا موسى، فذَكَر القصَّة، وفي آخره: فقال عمر لأبي موسى: أما إنّي لم أتَّهِمْكَ،
(١) قول عمر ﴾ هذا سلف عند البخاري برقم (٢٠٦٢)، وأخرجه مسلم برقم (٢١٥٣) بلفظ: ((أَلهاني عنه
الصَّفْقُ بالأسواق)) وقوله: ((الصَّفْق)) أي: التجارة.

٦٣
باب ١٣ / ح ٦٢٤٥
كتاب الاستئذان
ولكنّي خَشيت أن يَتَقَوَّل الناسُ على رسول الله وَّل.
وفي رواية عُبيد بن حُنَينِ التي أشرتُ إليها آنفاً (١): فقال عمر لأبي موسى: والله إنْ
کنت لأمیناً علی حدیث رسول الله ێے، ولكن أحببتُ أن أستثِت، ونحوُه في رواية أبي
بُرْدة(٢) حين قال أبيّ بن كعب لِعمر: لا تكن عذاباً على أصحاب رسول الله وَله، فقال:
سبحان الله! إنَّما سمعتُ شيئاً فأحبَبتُ أن أتثَبَّتَ.
قال ابن بَطّال: فيُؤخَذ مِنه التثبُتُ في خَبَر الواحد لِمَا يجوز عليه من السَّهو وغيره، وقد
قَبِلَ عمر خَبَرَ العَدْل الواحد بمُفرَدِهِ في تَوريث المرأة من دِيَةِ زوجِها (٣)، وأخْذِ الجِزية من
المجوس(٤) إلى غير ذلك، لكنَّه كان يَستَثبِت إذا وَقَعَ له ما يقتضي ذلك.
وقال ابن عبد البَرِّ: يحتمل أن يكون حَضَرَ عنده مَن قَرُبَ عَهْدُه بالإسلام فخَشِيَ أنَّ
أحدَهم يَخْتَلِقِ الحديث عن رسول اللهَوََّ عند الرَّغبة والرَّهبة طلباً للمَخرَج ممَّا يَدخُل فيه،
فأراد أن يُعلِّمهم أنَّ مَن فعل شيئاً من ذلك يُنكَر عليه حتَّى يأتيَ بالمَخرَجِ. وادَّعَى
بعضُهم أنَّ عمر لم يَعرِف أبا موسى، قال ابن عبد البَرِّ: وهو قول خَرَجَ بغير رَوِيَّةٍ من قائله
ولا تَدَبُّرٍ، فإنَّ منزلة أبي موسى عند عمرَ مشهورٌ.
وقال ابن العربيّ: اختُلِفَ في طلب عمر من أبي موسى البيِّنَةَ على عشرة أقوال، فذَكَرها
وغالبُها مُتَداخِلٌ، ولا تَزِيد على ما قَدَّمُه.
واستُدِلَّ بالخبرِ المرفوع على أنَّه لا تَجوز الزّيادة في الاستئذان على الثلاث، قال ابن
عبد البَرِّ: فذهب أكثر أهل العلم إلى ذلك، وقال بعضهم: إذا لم يُسمَع فلا بأس أن یزید.
وروى سَحنون عن ابن وهب عن مالك: لا أُحِبّ أن يزيد على الثلاث إلّا مَن عَلِم أنَّه لم
(١) وعزاها للبخاري في ((الأدب المفرد)) (١٠٧٣).
(٢) أخرجها مسلم برقم (٢١٥٤)، وقد سلف ذكرها مراراً.
(٣) أخرجه أبو داود (٢٩٢٧)، وابن ماجه (٢٦٤٢)، والترمذي (١٤١٥)، والنسائي في ((الكبرى)) (٦٣٢٩)
من حديث الضحّاك بن سفيان.
(٤) تقدم برقم (٣١٥٧).

٦٤
باب ١٣ / ح ٦٢٤٥
فتح الباري بشرح البخاري
يُسمَع. قلت: وهذا هو الأصحّ عند الشافعيّة.
قال ابن عبد البَرِّ: وقيل: تَجوز الزّيادة مُطلَقاً بناءً على أنَّ الأمر بالرُّجوع بعد الثلاث
للإباحة والتَّخفيف عن المستأذِن، فمَن استأذَنَ أكثرَ فلا حَرَج عليه، قال: الاستئذان أن يقول:
السَّلام عليكم أَدخُل؟ كذا قال، ولا يَتَعيَّن هذا اللَّفظ.
وحكى ابن العربيّ: إن كان بلفظ الاستئذان لا يُعيد، وإن كان بلفظٍ آخر أعادَ، قال:
والأصحّ لا يُعيد، وقد تقدَّم ما حكاه المازَرِيّ في ذلك.
وأخرج البخاريّ في ((الأدب المفرد)) (١٠٧٧) عن أبي العَلانِية(١) قال: أتيت أبا سعيد
فسَلَّمتُ فلم يُؤْذَن لي، ثمَّ سَلَّمتُ فلم يُؤْذَن لِي، فَتَنَخَّيتُ ناحيةً، فخَرَجَ عليَّ غُلامٌ فقال: ادخُل،
فدَخَلت، فقال لي أبو سعيد: أما إنَّك لو زِدْتَ - يعني على الثلاث - لم يُؤذَن لك.
واختُلِفَ في حكمة الثلاث، فروى ابن أبي شَيْبة (٢٦٨/٥) من قول عليّ بن أبي طالب:
الأُولى إعلامٌ، والثّانية مُؤامَرةٌ، والثّالثة عَزْمةٌ، إمّا أن يُؤذَن له وإمّا أن يُردّ. قلت: ويُؤخَذ
من صَنيع أبي موسى حيثُ ذكر اسمَه أوَّلاً، وكُنْتَه ثانياً، ونِسبته ثالثاً، أنَّ الأُولى هي
٣١/١١ الأصل، والثّانية إذا جَوَّزَ أن يكون التَبَسَ على مَن استأذَنَ عليه، والثّالثة إذا غَلَبَ / على
ظنّه أَنَّه عَرَفَه.
قال ابن عبد البَرِّ: وذهب بعضُهم إلى أنَّ أصل الثلاث في الاستئذان قولُه تعالى:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَعْدِينَكُمُ الَّذِينَ مَكَتْ أَيْمَشْكُرْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ الْحُ مِنْكُرْ ثَلَثَ مَّةٍ﴾
[النور: ٥٨] قال: وهذا غيرُ معروفٍ في تفسيرها، وإنَّما أطبَقَ الجمهور على أنَّ المراد بالمرّاتِ
الثلاثِ الأوقاتُ.
قلت: وأخرج ابن أبي حاتم (٢٦٣٣/٨) من طريق مُقاتل بن حَيّان قال: بَلَغَنا أنَّ
رجلاً من الأنصار وامرأته أسماء بنت مَرثَدٍ صَنَعًا طعاماً، فجَعَلَ الناسُ يَدخُلونَ بغير إذنٍ،
فقالت أسماء: يا رسولَ الله، ما أقبَحَ هذا! إنَّه لَيَدخُل على المرأة وزوجِها غلامُهما وهما في
(١) تحرَّف في (س) إلى: ((العالية))، وأبو العلانية: هو البصري المَرَئيّ، واسمه مسلم.

٦٥
باب ١٣ / ح ٦٢٤٥
كتاب الاستئذان
ثوبٍ واحد بغير إذنٍ، فنزلت.
وأخرج أبو داود (٥١٩٢) وابن أبي حاتم (٢٦٣٢/٨) بسندٍ قويٍّ من حديث ابن عبّاس:
أنَّه سُئلَ عن الاستئذان في العَورات الثلاثِ، فقال: إنَّ الله سِتِيرٌ يُحِبّ السَّتْر، وكان الناسُ
ليس لهم سُتورٌ على أبوابهم، فرُبَّما فاجَأَ الرجلَ خادِمُه أو ولدُه وهو على أهله، فأُمِروا أن
يَستأذِنوا في العَورات الثلاثِ، ثمَّ بَسَطَ اللهُ الرِّزقَ فاتَّخذوا السُّتور والحِجالَ، فرأى الناسُ
أنَّ ذلك قد كَفاهمُ اللهُ به ممَّا أُمِروا به.
ومن وجهٍ آخرَ صحيحٍ عن ابن عبّاس: لم يعمل بها أكثرُ الناس، وإنّ لَآمُرُ جاريَتي أن
تَستأذِنَ عليّ(١).
وفي الحديث أيضاً: أنَّ لِصاحبِ المنزل إذا سمعَ الاستئذانَ أن لا يأذَن، سواءٌ سَلَّمَ مرَّةً أَم
مرَّتَينِ أَم ثلاثاً، إذا كان في شُغُلِ له دينيٍّ أو دُنيَويٍّ يُعْذَرُ(٢) بتَركِ الإذن معه للمُستأذِنِ.
وفيه أنَّ العالِمَ المتبَخِّر قد يخفى عليه من العلم ما يَعلَمه مَن هو دُونَه، ولا يَقْدَح ذلك
في وصفه بالعلمِ والتَّبَخُّر فيه. قال ابن بَطّال: وإذا جازَ ذلك على عمرَ فما ظنُّك بمَن هو
دونَه.
وفيه أنَّ لِمَن تَّحقَّقَ براءةَ الشَّخص ممَّا يُحِشَى مِنه، وأنَّه لا يَناله بسببٍ ذلك مَكروه أن
يُمازِحه ولو كان قبل إعلامه بما يَطْمَئِنّ به خاطِرُه ممَّا هو فيه، لكن بشرطِ أن لا يَطول
الفَصْلُ، لئلّا يكون سبباً في إدامة تأذّي المسلمينَ بالهَمِّ الذي وَقَعَ له كما وَقَعَ للأنصار مع
أبي موسى، وأمَّا إنكار أبي سعيد عليهم فإنَّه اختارَ الأَولى (٣)، وهو المبادرة إلى إزالة ما وَقَعَ
فيه قبل التَّشاغُل بالمُمازَحة.
(١) أخرجه أبو داود برقم (٥١٩١)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) ١٥٦/٧، ووقع عندهما بلفظ: لم يؤمن
بها أكثرُ الناس آية الإذنِ ...
(٢) تحرَّف في (س) إلى : يتعذر.
(٣) يعني كما في رواية أبي نضرة عن أبي سعيد عند مسلم (٢١٥٣) (٣٥).

٦٦
باب ١٤ / ح ٦٢٤٦
فتح الباري بشرح البخاري
١٤ - باب إذا دُعيَ الرّجلُ فجاء، هل يَستأذنُ؟
وقال سعيد، عن قَتَادةَ، عن أبي رافعٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَِّ، قال: ((هو إِذْنُهُ)).
٦٢٤٦ - حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا عمرُ بنُ ذَرٍّ. وحدَّثني محمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ، أخبرنا عبدُ الله،
أخبرنا عمرُ بنُ ذَرِّ، أخبرنا مجاهدٌ، عن أبي هريرةَ عُ، قال: دَخَلْتُ معَ رسولِ الله وَِّ، فَوَجَدَ
لَبناً في قَدَح، فقال: ((أَبَا هِرِّ، الحَقْ بأهْلِ الصُّفّةِ فادْعُهم)) قال: فَأَتَيْتُهم فَدَعَوْتُهم، فأقبَلُوا
فاستأذَنوا، فأُذِنَ لهم فدَخَلُوا.
قوله: ((باب إذا دُعيَ الرجل فجاء، هل يَستَأذِن؟)) يعني: أو يَكتَفي بقَرِينة الطَّلَب.
قوله: ((وقال سعيدٌ: عن قَتَادة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبيِّ وََّ، قال: هو إذّهُ)) كذا
للأكثرِ، ووَقَعَ للكُشْمِيهَنيِّ: وقال شُعْبة. والأوَّل هو المحفوظ.
وقد أخرجه المصنِّ في ((الأدب المفرد)» (١٠٧٥) وأبو داود (٥١٩٠) من طريق
عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، وأخرجه البيهقيُّ (٣٤٠/٨) من طريق
عبد الوهّاب بن عطاء، عن ابن أبي عَرُوبة، ولفظ البخاريِّ: ((إذا دُعيَ أحدُكم، فجاء مع
الرَّسول فهو إذنُهُ»، ولفظ أبي داود مِثْلُه، وزاد: ((إلى طعام)).
قال أبو داود: لم يسمع قَتَادةُ من أبي رافع، كذا في رواية اللُّؤُلُؤيّ عن أبي داود، ولفظُه
في رواية أبي الحسن بن العَبْد، يُقال: لم يَسمع قَتَادةُ من أبي رافع شيئاً. كذا قال، وقد ثَبَتَ
سماعُه مِنه في الحديث الذي سيأتي في البخاريِّ في كتاب التَّوحيد (٧٥٥٤) من رواية
٣٢/١١ سليمان التَّيْمِيِّ عن قَتَادة، أنَّ أبا رافع / حدَّثه. وللحديثِ مع ذلك مُتَابِعٌ أخرجه البخاريّ
في ((الأدب المفرد)) (١٠٧٦) من طريق محمَّد بن سِيرِين عن أبي هريرة بلفظ: ((رسولُ الرَّجل إلى
الرَّجل إذنُهُ»، وأخرج له شاهداً موقوفاً على ابن مسعود (١٠٧٤) قال: إذا دُعيَ الرجل فهو
إذنُهُ، وأخرجه ابن أبي شَيْبة مرفوعاً(١).
واعتَمَدَ المنذِرِيُّ على كلام أبي داود فقال: أخرجه البخاريّ تعليقاً لأجلِ الانقطاع،
(١) الذي في ((المصنف)) ٨/ ٦٤٦ في الأدب، باب في الرجل يستأذن ولا يسلم، موقوف.

٦٧
باب ١٤ / ح ٦٢٤٦
كتاب الاستئذان
كذا قال، ولو كان عنده مُنقَطِعاً لعلَّقَه بصيغة التَّمريض كما هو الأغلَب من صَنيعه، وهو
غالباً يَزِم إذا صَحَّ السَّنَد إلی مَن عَلَّقَ عنه، كما قال في الزكاة(١): وقال طاووس: قال معاذ،
فذكر أثراً، وطاووسٌ لم يُدرِك معاذاً.
وكذا إذا كان فوق مَن عَلَّقَ عنه مَن ليس على شرطه، كما قال في الطَّهارة(٢). وقال بَهْزُ
ابن حکیم، عن أبيه، عن جَدّه.
وحيثُ وَقَعَ فيما طَوَاهُ مَن ليس على شرطه مرَّضَه، كما قال في النِّكاح (٣): ويُذكَر عن
معاوية بن حَيْدة، فذكر حديثاً، ومعاويةُ: هو جَدّ بَهْزِ بن حكيم، وقد أوضحتُ ذلك في
المقدِّمة.
ثمَّ أورَدَ المصنِّف طَرَفاً من حديث مجاهد عن أبي هريرة قال: دَخَلت مع رسول الله وَيّ
فوجَدَ لَبناً في قَدَح، فقال: ((أبا هِرِّ، الْحَقْ بأهلِ الصُّفّة فادِعُهم)). قال: فأتيتُهم فدَعَوتُهم
فأقبلوا، فاستأذَنُوا فأُذِنَ لهم فدَخلُوا. اقتَصَر مِنه على هذا القَدْر، لأنَّه الذي احتاج إليه هنا،
وساقَه في الرِّقاق بتمامه كما سيأتي (٦٤٥٢)، وظاهرُه يعارض الحديثَ الأوَّلَ، ومن ثَمَّ لم
يَجِزِم بالحُكمِ.
وجَمَعَ المهلَّب وغيرُه بتنزيلِ ذلك على اختلاف حالَينِ: إن طالَ العهد بين الطََّب والمجيء
احتاجَ إلى استئناف الاستئذان، وكذا إن لم يَطُل لكن كان المستَدعي في مكان يُحتاج معه إلى
الإذن في العادة، وإلّا لم يُحتَج إلى استئناف إذنٍ.
وقال ابن التِّين: لعلَّ الأوَّل فيمَن عُلمَ أنَّه ليس عنده مَن يُستأذَن لأجلِه، والثّاني بخِلافه.
قال: والاستئذان على كلّ حال أَحوَطُ.
وقال غيرُهُ: إن حَضَرَ صُحْبةَ الرَّسول أَغناهُ استئذانُ الرَّسول، ويكفيه سلام المُلاقاة، وإن
تأخّرَ عن الرَّسول احتاجَ إلى الاستئذان. وبهذا جَمَعَ الطَّحاويُّ، واحتَجَّ بقولِه في الحديث الثّاني:
(١) بين يدي الحديث رقم (١٤٤٨).
(٢) بین یدي الحديث رقم (٢٣٨).
(٣) بين يدي الحديث رقم (٥٢٠٢).

٦٨
باب ١٥ / ح ٦٢٤٧
فتح الباري بشرح البخاري
فأقبلوا فاستأذَنوا، فدَلَّ على أنَّ أبا هريرة لم يكن معهم وإلّا لَقال: فأقبلنا، كذا قال.
١٥ - باب التَّسليم على الصِّبيان
٦٢٤٧ - حدَّثنا عليُّ بنُ الجَعْدِ، أخبرنا شُعْبةُ، عن سَيّارٍ، عن ثابتِ البُنائيِّ، عن أنسِ بنِ
مالكِ : أنَّه مَرَّ على صِبْياٍ فسَلَّمَ عليهم، قال: وكان النبيُّ نَِّيَفْعَلُه.
قوله: ((باب التَّسْليم على الصِّبْيان)) سَقَطَ لفظ ((باب)) لأبي ذرٍّ، وكأنَّه تَرجَمَ بذلك للرّدِّ
على مَن قال: لا يُشرَع، لأنَّ الردّ فرضٌ وليس الصبيُّ من أهل الفَرْض، وأخرج ابن أبي
شَيْبة من طريق أشعَث قال: كان الحسَنُ لا يرى التَّسليمَ على الصِّبيان، وعن ابن سِيرِين:
أنَّه کان یُسَلِّم على الصِّبیان ولا يُسمِعُهم.
قوله: ((عن سَيّار)) بفتح المهمَلة وتشديد التَّحتانيَّة: هو أبو الحكم، مشهورٌ باسمِه وكُنْيتِه
معاً، فيَجيء غالباً هكذا: عن سَيّار أبي الحَكَم، وهو عَنَزِيٌّ، بفتح المهمَلة والنُّون بعدها
زايٌ، واسطيّ من طبقة الأعمَش، وتقدَّمَت وفاته على وفاة شيخه ثابتِ البُنانيِّ بسنةٍ، وقيل:
أكثر، وليس له في «الصحيحين)) عن ثابت إلّا هذا الحديث(١). وقال البزَّار (٦٨٢٩): لم يُسنِد
سَيّارٌ عن ثابت غیرَه.
قلت: ورواية شُعْبة عنه من رواية الأقران، وقد حدَّث شُعْبة عن ثابت نفسِه بعِدّة
أحاديث، وكأنَّه لم يسمع هذا مِنه فأدخَلَ بينهما واسطةً. وقد روى شُعْبة أيضاً عن آخرَ اسمه
سَيّار، وهو ابن سَلَامة أبو المنهال، وليس هو المراد هنا، ولم نَقِف له على رواية عن ثابت.
وأخرج النسائيُّ (ك٨٢٩١ و١٠٠٨٨) حدیث الباب من طریق جعفر بن سليمان، عن
٣٣/١١ ثابت، بأتمَّ/ من سياقه، ولفظه: كان رسول الله وَ ﴿ يَزور الأنصار، فيُسَلُّم على صِبیانهم،
ويَمسَح على رُؤوسهم ويَدعُو لهم. وهو مُشعِرٌ بوقوع ذلك مِنه غیرَ مرَّةٍ، بخلاف سياق الباب
حيثُ قال: مرَّ على صِبيانٍ فسَلَّمَ عليهم، فإنَّها تَدُلّ على أنَّها واقعةُ حالٍ. ولم أقِفْ على أسماء
الصِّبيان المذكورينَ.
(١) وحديثه هذا عند مسلم برقم (٢١٦٨) (١٥).

٦٩
باب ١٥ / ح ٦٢٤٧
كتاب الاستئذان
وأخرجه مسلم (١) والنَّسائيُّ (ك ١٠٠٩٠) وأبو داود (٥٢٠٢) من طريق سليمان بن
المغيرة عن ثابت بلفظ: غِلمانٍ، بَدَلِ صِبیانٍ.
ووَقَعَ لابنِ السُّنِّيّ(٢) وأبي نُعَيم في ((عَمَل يوم وليلة)) من طريق عثمانَ بنِ مَطَر، عن
ثابتٍ بلفظ: فقال: ((السَّلام علیکم یا صِبیانُ)) وعثمان واٍ(٣).
ولأبي داود (٥٢٠٣) من طريق حُميدٍ عن أنس: انتهى إلينا النبيُّ وَِّ وأنا غلامٌ في الغِلمان
فسَلَّمَ علينا، فأرسَلَني برسالةٍ، الحديثَ، وسيأتي في ((باب حِفظ السِّرّ)) (٦٢٨٩).
وللبخاريٍّ في ((الأدب المفرَد)) (١١٣٩) نحوُه من هذا الوجه، ولفظُه: ونحنُ صِبيانٌ فسَلَّمَ
علينا، وأرسَلَني في حاجة، وجَلَسَ في الطَّرِيقِ يَنْتَظِرني حتَّى رَجعتُ.
قال ابن بَطّل: في السَّلام على الصِّبيان تدريبُهم على آداب الشَّريعة. وفيه طَرح الأكابِرِ رِداءً
الكِبْرياء، وسُلوكُ التَّواضُعِ ولِيْن الجانبِ.
قال أبو سَعْد(٤) المتولّي في ((الَّتِمّة)): مَن سَلَّمَ على صبيٍّ لم يَجب عليه الردُّ، لأنَّ الصبيّ ليس
من أهل الفَرض، وينبغي لوليِّه أن يأمره بالردِّ ليَتَمَرَّنَ على ذلك، ولو سَلَّمَ على جمع فيهم صبيٌّ
فَرَدَّ الصبيّ دُونهم لم يَسقُط عنهم الفَرضُ. وكذا قال شيخه القاضي حُسَين، ورَدَّه المستَظهِريّ.
وقال النَّوويّ: الأصحّ لا يُجْزِئ، ولو ابتَدَأ الصبيّ بالسَّلام وجَبَ على البالغ الردّ على
الصَّحیح.
قلت: ويُستَثَنَى من السَّلام على الصبيّ ما لو كان وَضيئاً وخُشيَ من السَّلام عليه الافتِتان،
٤٠
(١) لم يخرجه مسلم من الطريق المذكورة، ولا ذكره المزي في ((تحفة الأشراف)) (٤١١)، في ترجمة سليمان بن
المغيرة عن ثابت، واقتصر على عزوه لأبي داود والنسائي.
(٢) لم يخرجه ابن السُّنِّي في ((عمل اليوم والليلة)) من طريق عثمان بن مطر، وإنما أخرجه (٢٢٧) من طريق
حُبَيِّب - بتشديد الياء مصغر - بن حُجر عن ثابت، باللفظ المذكور، وفات الحافظ رحمه الله أنه عند أحمد
(١٢٨٩٦) من طريق حُبِيِّب، باللفظ المذكور.
(٣) ذكرنا أنه عند أحمد وابن السُّنّ من طريق حُبِيِّب بن حُجْر، وهو ثقة، فالإسناد عندهما صحيح.
(٤) تحرَّف في اع) و(س) إلى: سعید.

٧٠
باب ١٦ / ح ٦٢٤٨ -٦٢٤٩
فتح الباري بشرح البخاري
فلا يُشرَع ولا سيّما إن كان مُراهقاً مُنفَرِداً.
١٦ - باب تَسليم الرِّجال على النّساء والنّساءِ على الرّجال
٦٢٤٨ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، حدَّثنا ابنُ أبي حازِمٍ، عن أبيه، عن سَهْلٍ، قال: كنَّا
نَفْرَحُ يومَ الجمُعةِ، قلتُ لِسَهْلٍ: ولمَ؟ قال: كانت لنا عَجوزٌ تُرْسِلُ إلى بُضاعةً - قال ابنُ
مَسْلَمة: نَخْلٌ بالمدينةِ - فتَأْخُذُ من أُصولِ السِّلْقِ، فَتَطْرَحُه في قِدْرٍ وَتُكَرْكِرُ حَبّاتٍ من شَعِيرٍ،
فإذا صَلَّينا الجمُعَةَ انصَرَفْنا نُسلِّمُ عليها، فَتُقَدِّمُه إلينا فتَفْرَحُ من أجْلِهِ. وما كنّا نَقِيلُ ولا نَتَغَدَّى إلّا
بعدَ الجمُعةِ.
٦٢٤٩ - حذَّثنا ابنُ مُقاتِلٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرَنا مَعمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن أبي سَلَمَةَ بنِ
عبدِ الَّحمنِ، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: قال رسولُ الله ◌ََّ: ((يا عائشةُ، هذا جِبْرِيلُ يَقْراً
عليكِ السَّلامَ)) قالت: قلتُ: وعليه السَّلامُ ورحمةُ الله، تَرَى ما لا نَرَى. تريدُ رسولَ الله ◌ِّ.
تابَعَه ◌ُعَيبٌ.
وقال يونسُ والتُّعْمَانُ، عن الزُّهْريُّ: وبَرَ كانُه.
قوله: ((باب تَسْليم الرِّجالِ على النِّساء والنِّساءِ على الرِّجال)» أشارَ بهذه التَّرجمة إلى رَدِّ ما
أخرجه عبد الرَّزاق عن مَعمَر عن يحيى بن أبي كثير: بَلَغَني أنَّه يُكرَه أن يُسَلِّم الرِّجال على
النِّساء والنِّساء على الرِّجال. وهو مقطوع أو مُعضَل. والمراد بجوازِه أن يكون عند أمْنِ الفتنة.
وذکر في الباب حدیثینِ يُؤخَذ الجواز مِنهما. وورَدَ فیه حدیثٌ لیس على شرطه، وهو
حديث أسماء بنت يزيد: مرَّ علينا النبيُّ نَّهَ فِي نِسوة فسَلَّمَ علينا، حَسَّنَه التِّرمِذيّ (٢٦٩٧)
وليس على شرط البخاريّ فاکتَفَی بما هو على شرطِهِ. وله شاهدٌ من حديث جرير(١) عند
أحمد (١٩١٥٤).
٣٤/١١ وقال الحَلِيميّ: كان النبيّ وَ ليه/ للعِصْمة مأموناً من الفتنة، فمَن وثِقَ من نفسه بالسَّلامة
فليُسَلِّم، وإلّا فالصَّمتُ أسلمُ.
(١) وهو ابن عبد الله البَجَلي، وقد تحرَّف في الأصلین و(س) إلى: جابر.

٧١
باب ١٦ / ح ٦٢٤٩
كتاب الاستئذان
وأخرج أبو نُعَيم في ((عَمَل يوم وليلة)) من حديث واثِلة مرفوعاً: ((يُسَلِّم الرِّجال على
النِّساء، ولا تُسَلِّم النِّساء على الرِّجال)» وسنده واهٍ، ومن حديث عَمْرو بن حُرَيث مِثله موقوفاً
علیه، وسندُه جيّد.
وثَبَتَ في مسلم (٧١٩/ ٨٢) حديث أمّ هانئ: أتيت النبيَّ وَلِّ وهو يَغْتَسِل فسَلَّمت
علیه(١).
الحديث الأول:
قوله: ((ابن أبي حازم)) هو عبد العزيز، واسم أبي حازم: سَلَمة بن دينار.
قوله: «كنَّا نَفْرَح يومَ الجمعة)» في رواية الكُشْمِیھنیّ: بيوم، بزيادة موحّدة في أوَّله، وتقدَّم
في الجُمعة (٩٣٨) من وجهٍ آخر عن أبي حازِم بلفظ: كنَّا نَتَمنَّى يومَ الجمعة. وذَكَر سَببَ
الحديث، ثمَّ قال في آخره: كنّا نَفرَح بذلك.
قوله: ((قلت)) لِسَهْلِ ((ولمَ))؟ بكَسْرِ اللّام للاستفهام، والقائل: هو أبو حازم راوي الحديث،
والمُجيب: هو سَهلٌ.
قوله: ((كانت لنا عَجوزٌ)) في الجمعة: امرأة. ولم أقِفْ على اسمها.
قوله: ((تُرْسِل إلى بُضاعة)) بضمِّ الموحَّدة على المشهورَ - وحُكيَ كسرُها - ويِتخفيفٍ
المعجَمة وبالعين المهمَلة، وذَكَرَه بعضُهم بالصّادِ المهمَلة.
قوله: ((قال ابن مَسْلَمة: نَخْلٌ بالمدينةِ)) القائل: هو عبد الله بن مَسلَمة شيخ البخاريِّ فيه:
وهو القَعْنبيُّ، وفَسَّرَ بُضاعة بأنَّهَا نَخل بالمدينة، والمراد بالنَّخلِ: البُستان، ولذلك كان يُؤْتَى
منها بالسِّلْق، وقد تقدَّم في كتاب الجمعة (٩٣٨): أنَّها كانت مَزرَعةً للمرأة المذكورة،
وفَسَّرَها غيره بأنَّهَا دُور بني ساعدة، وبها بئرٌ مشهورة وبها مالٌ من أموال المدينة، كذا قال
عياضٌ، ومُراده بالمال: البُستانُ.
وقال الإسماعيليّ: في هذا الحديث بيان أنَّ بثرَ بُضاعة بترُ بُستانٍ، فیدلّ على أنَّ قول أبي
(١) فات الحافظَ رحمه الله أنه أيضاً عند البخاري (٣٥٧).

٧٢
باب ١٦ / ح ٦٢٤٩
فتح الباري بشرح البخاري
سعيد في حديثه، يعني الذي أخرجه أصحاب السُّنَن(١): أنَّها كانت تُطرَح فيها خِرَقُ الحِيَضِ
وغيرُها أنَّها كانت تُطرَح في البُستان، فيُجريها المطرُ ونحوه إلى البئر.
قلت: وذكر أبو داود في ((السُّنَن)) أنَّه رأى بئر بُضاعة وزَرْعَها ورأى ماءَها، وبَسَطَ
ذلك في كتاب الطَّهارة من ((سُنَنه))(٢)، وادَّعَى الطَّحاويُّ أنَّها كانت سَيْحاً(٣)، وروى ذلك
عن الواقديّ، وليس هذا موضع استيعاب ذلك.
قوله: ((في قِذْر)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: في القدر.
قوله: ((وتُكَركِرُ)) أي: تَطحَن كما تقدَّم في الجمعة، قال الخطَّبيُّ: الكَركَرة: الطَّحن
والجَشّ(٤). وأصله الكَرّ، وضُوعِفَ لِتَكرار عَود الرَّحَى في الطَّحن مرَّةً أُخرى، وقد تكون
الكَركَرة بمعنى الصَّوت کالْجَرَجَرة، والكَركَرةُ أيضاً: شِدّة الصَّوت للضَّحِكِ، حتَّى
يَفْحُش، وهو فوق القَرقَرة.
قوله: ((حَبّاتٍ من شَعير)) بيَّن في الرِّواية التي في الجمعة أنَّها قُبْضةٌ، وقد تقدَّمَت بَقِيَّة
شرحه هُناكَ.
الحديث الثاني:
قوله: ((ابن مُقاتل)) هو محمَّد، وعبد الله: هو ابن المبارك.
قوله: ((يا عائشةُ، هذا جِبْرِيل يَقْرأ عليك السَّلام)) تقدَّم شرحه في المناقب (٣٧٦٨)،
وحكى ابن التِّين أنَّ الدَّاوُوديّ اعتَرَضَ فقال: لا يقال للملائكة: رجال، ولكنَّ الله
ذَكَّرَهم بالتَّذكيرِ. والجواب أنَّ جِبْرِيل كان يأتي النبيَّ رَ له على صُورة الرجل، كما تقدَّم في
بَدْء الوحي (٢).
(١) أبو داود (٦٦) و(٦٧)، والترمذي (٦٦)، والنسائي (٣٢٦).
(٢) بإثر الحديث (٦٧).
(٣) يعني جارياً بين البساتين.
(٤) والجَتُّ: الجَرْشُ والدَّقُّ.

٧٣
باب ١٦ / ح ٦٢٤٩
كتاب الاستئذان
وقال ابن بَطّل عن المهلَّب: سلام الرِّجال على النِّساء والنِّساء على الرِّجال جائزٌ إذا
أُمِنَتِ الفتنةُ، وفَرَّقَ المالكيَّة بين الشّابّة والعجوز سَدّاً للذَّريعة، ومَنَعَ مِنه رَبيعةُ مُطلَقاً.
وقال الكوفيّونَ: لا يُشرَع للنِّساءِ ابتداء السَّلام على الرِّجال، لأنَّهُنَّ مُنِعنَ من الأذان
والإقامة والجَهْرِ بالقراءة، قالوا: ويُستَثنَى المَحرَم، فيجوز لها السَّلام على مَحَرَمها.
قال المهلَّب: وحُجّة مالكِ حديثُ سَهل في الباب، فإنَّ الرِّجال الذينَ كانوا يَزورونَها
وتُطعِمهم لم يكونوا من محارمها. انتهى.
وقال المتولّي: إن كان للرجلِ زوجةٌ أو مَحَرَمٌ أو أَمَةٌ فكالرجلٍ مع الرجل، وإن كانت
أجنبيّةٌ، نُظِرَ، إن كانت جميلةً يُجاف الافتِتانُ بها لم يُشرَعِ السَّلامُ لا ابتداءً ولا جواباً، فلو ابْتَدَأْ
أحدُ هما كُرهَ للآخَرِ الرَدُّ، وإن كانت عجوزاً لا يُفتَتَن بها جازَ.
وحاصل الفَرق بين هذا وبين المالكيَّة التَّفصيل في الشّابّة بين الجَمال وعَدَمِه، فإنَّ الجَمال
مَظِنّةُ الافتِتان، بخِلاف / مُطلَق الشَّبابِ، فلو اجتَمَعَ في المجلِس رجالٌ ونساءٌ جازَ السَّلام من ٣٥/١١
الجانبينِ عند أَمْنِ الفتنةِ.
قوله: («تابَعَه شُعَيب، وقال يونس والُّعْمان عن الزّهْريِّ: ويَرَكاته)) أمَّا مُتَابَعة شُعَيب فوصَلَها
المؤلِّف في الرِّقاق(١)، وأمَّا زيادة يونس، وهو ابن يزيد فتقدَّم في الحديث بتمامه موصولاً في
كتاب المناقب (٣٧٦٨)، وأمَّا مُتَابَعةِ النُّعمان: وهو ابن راشدٍ فوصَلَها الطبرانيُّ في ((الكبير))(٢)
(٨٦/٢٣)، ووَقَعَت لنا بعُلوّ في ((جُزء هلال الحَفّار)).
قال الإسماعيليّ: قد أخرجنا فيه من حديث ابن المبارك: ((وبَرَكاته)) وكان ساقه من طريق
أبي إبراهيم البُنانيِّ، ومن طريق حِبّان بن موسى، كلاهما عن ابن المبارك(٣)، وكذا قال عُقَيل
(١) بل في الأدب برقم (٦٢٠١).
(٢) سقط من مطبوع الطبراني ذِكْرُ الزهري خطاً، وأخرجه من طريق النعمان أيضاً ابنُ أبي عاصم في ((الآحاد
والمثاني)) (٣٠١٨).
(٣) وكذلك أخرجه الترمذي (٣٨٨١) عن سويد بن نصر، والنسائي في ((الكبرى)) (١٠١٣٦) من طريق
حِبّان بن موسى، كلاهما عن عبد الله بن المبارك، وتقدم عند البخاري أيضاً (٣٢١٧) من طريق هشام
ابن یوسف عن معمر، وفات ذلك كلُّه الحافظ رحمه الله تعالى.

٧٤
باب ١٧ / ح ٦٢٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
وعُبيد الله بن أبي زياد عن الزُّهْريِّ(١).
١٧ - باب إذا قال: مَن ذا؟ فقال: أنا
٦٢٥٠ - حدَّثنا أبو الوليدِ هشامُ بنُ عبدِ الملِكِ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن محمَّدٍ بنِ المنكَدِرِ، قال:
سمعتُ جابرَ بنَ عبدِ الله رضي الله عنهما يقول: أتيتُ النبيَّ وَّه في دَينٍ كان على أبي، فدَقَقْتُ
البابَ، فقال: ((مَن ذا؟)) فقلتُ: أنا، فقال: ((أَنَا أَنَا)) كأنَّ كَرِهَها.
قوله: ((باب إذا قال: مَن ذا؟ فقال: أنا)) سَقَطَ لفظ ((باب)) من رواية أبي ذرٍّ، وكأنَّه لم يَجِم
بالحُكمِ، لأنَّ الخبر ليس صريحاً في الكراهة.
قوله: «عن محمد بن المنكدر» في رواية الإسماعيلي: عن أحمد بن محمد بن منصور وغيره، عن
علي بن الجعد شيخ البخاري فيه، عن شعبة، أخبرني محمد بن المنكدر عن جابر.
قوله: «أتيت النبيَّ ◌َ# في دینٍ كان على أبي)) تقدم بيانه في كتاب البيوع (٢١٢٧) من
وجهٍ آخَر مطولاً.
قوله: ((فَدَقَقتُ)» بقافين للأكثر، وللمُستَملي والسَّرَخسيّ: فدَفَعتُ(٢)، بناء وعين مهملة،
وفي رواية الإسماعيلي: فضربت الباب، وهي تؤيِّد رواية: فدَقَقتُ، بالقافين، وله من وجهٍ
آخر، وهي عند مسلم (٣٩/٢١٥٥): استأذنت على النبيِّ وَّةٍ، ولمسلم في أخرى
(٣٨/٢١٥٥): دَعَوتُ النبيَّ ◌َِّهِ.
قوله: ((فقلت: أنا، فقال: أنا أنا، كأنّه كَرِهَها)) وفي رواية لمسلم (٣٨/٢١٥٥): فخرج
وهو يقول: ((أنا أنا))، وفي أخرى (٣٩/٢١٥٥): كأنّه كَرِه ذلك، ولأبي داود الطيالسي في
(«مسنده)) (١٨١٦) عن شعبة: كره ذلك، بالجزم.
قال المهلَّب: إنما كَرِه قولَ: أنا، لأنه ليس فيه بيانٌ، إلّا إنْ كان المُستأذِنُ مَمَّن يَعرف
(١) ووقعت هذه الزيادة أيضاً في رواية الشعبي عن أبي سلمة عند ابن أبي شيبة ١٣٢/١٢، وأحمد
(٢٤٤٦٢)، والترمذي (٢٦٩٣).
(٢) وأخرجها بهذا اللفظ النسائي في ((الكبرى)) برقم (١٠٠٨٧).

٧٥
باب ١٧ / ح ٦٢٥٠
كتاب الاستئذان
المُستأذَنُ عليه صوتَه، ولا يَلتِس بغيره، والغالبُ الالتباسُ.
وقيل: إنّما كَرِهَ ذلك لأنَّ جابراً لم يستأذن بلفظ السلام، وفيه نظرٌ، لأنه ليس في سياق
حديث جابرٍ: أنه طَلَب الدُّخولَ، وإنما جاء في حاجته، فدَقَّ البابَ لِيُعلِمَ النبيَّ ◌َّه
بمجيئه، فلذلك خرج له. وقال الداوُودي: إنما كَرِهَه لأنه أجابَه بغير ما سأله عنه، لأنه لمّا
ضَرَب البابَ عَرف أن ثَمَّ ضارباً، فلمّا قال: ((أنا)) كأنَّه أعلمَه أنْ ثَمَّ ضارباً فلمْ يَزِدْهُ على ما
عَرف من ضَرْب البابِ، قال: وكان هذا قبلَ نزول آية الاستئذان.
قلت: وفيه نظرٌ، لأنَّه لا تَنافي بين القصة وبينَ ما دلَّت عليه الآيةُ. ولعلَّه رأى أنَّ
الاستئذانَ يَنُوب عن ضَرْب الباب، وفيه نظرٌ، لأنَّ الداخلَ قد يكون لا يُسمع الصَّوتَ
بمجرَّده، فيحتاجُ إلى ضَرْب الباب ليُلِغَهُ صوتَ الدَّقِّ، فَيَقْرُبَ أو يَخْرُجَ، فيستأذنُ عليه
حينئذٍ، وكلامُه الأوّل سَبَقَه إليه الخطابيُّ فقال: قوله: أنا، لا يتضمَّن الجوابَ، ولا يفيد
العلمَ بما استعلمَه، وكان حقَّ الجوابِ أن يقولَ: أنا جابرٌ، ليقعَ تعريفُ الاسم الذي وقعت
المسألةُ عنه.
وقد أخرج المصنّف في ((الأدب المفرد)) (٨٠٥) وصحَّحه الحاكم (٤/ ٢٨٢) من حديث
بريدة: أنَّ النبيَّ وَ﴿ أتى المسجدَ وأبو موسى يقرأُ، قال: فجئتُ فقال: ((مَنْ هذا؟)) قلت: أنا
بُريدةُ. وتقدم حديث أُمِّ هانىءٍ (٣٥٧): جئتُ النبيَّ وَِّ فقلت: أنا أُمُّ هانىءٍ، الحديثَ، في
صلاة الضُّحى.
قال النَّووي: إذا لم يقع التعريفُ إلّا بأن يَكْنِيَ المرءُ نفسَه لم يُكرَه ذلك، وكذا لا بأس أن ٣٦/١١
يقول: أنا الشيخُ فلانٌ، أو القارئ فلانٌ، أو القاضي فلان إذا لم يحصل الثَّمِيزُ إلّا بذلك.
وذكرابن الجوزيِّ أنَّ السببَ في كَراهة قول: أنا، أنَّ فيها نوعاً من الكِبْرِ، كأنَّ قائلَها
يقول: أنا الذي لا أحتاج أنْ أذكُر اسمي ولا نَسَبي. وتعقَّبِه مُغَلْطاي بأنَّ هذا لا يتأتّى في حقِّ
جابرٍ في مثل هذا المقام، وأُجيب: بأنه ولو كان كذلك فلا یمنعُ من تعليمه ذلك لئلا يستمرَّ عليه
ويعتادَه، والله أعلم.

٧٦
باب ١٨ / ح ٦٢٥١
فتح الباري بشرح البخاري
قال ابن العربيِّ: في حديث جابر مشروعيةُ دَقِّ الباب، ولم يقع في الحديث بيانُ هل كان
بآلةٍ أو بغير آلةٍ؟ قلت: وقد أخرج البخاريُّ في ((الأدب المفرد» (١٠٨٠) من حديث أنسٍ
أنَّ أبوابَ رسول الله وَلَّ كانت تُقرع بالأظافيرِ، وأخرجه الحاكم في ((علوم الحديث))(١) من
حديث المغيرة بن شعبةً، وهذا محمولٌ منهم على المبالغة في الأدب، وهو حَسنٌّ لمن قَرُب
تَخَلَّه من بابِهِ، أمّا من بَعُد عن الباب بحيث لا يبلغُه صوتُ القَرْع بالظّفْرِ، فُيُستَحبُّ ان ◌ُقرع بما
فوقَ ذلك بحَسبهِ.
وذَكر السُّهيلِيُّ: أن السَّب في قَرْعهم بابَه بالأظافير أنَّ بابَه لم يكن فيه حِلَقٌ، فلأجلِ ذلك
فعَلُوه. والذي يظهر أنهم إنما كانوا يفعلون ذلك توقيراً وإجلالاً وأدباً.
١٨ - باب من رَدّ فقال: عليك السَّلامُ
وقالت عائشةٌ: وعليه السلام ورحمةُ الله وبَرَ کاتُه.
وقال النبيُّ ◌َّهِ: «رَذَّ الملائكةُ على آدَمَ: السَّلامُ عليكَ ورحمةُ الله)).
٦٢٥١ - حدَّثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، أخبرنا عبدُ الله بنُ نُمَير، حدَّثنا عُبيدُ الله، عن سعيدِ
ابن أبي سعيدِ المَقبريِّ، عن أبي هريرةَ ﴾: أنَّ رجلاً دَخَلَ المسجدَ ورسولُ اللهِوَ لَ جالسٌّ في
ناحيةِ المسجدِ، فصَلَّى ثمَّ جاء فسَلَّمَ عليه، فقال له رسولُ الله وَّهِ: ((وعليكَ السَّلامُ، ارجِعْ
فصَلِّ فإنَّكَ لم تُصَلِّ)) فَرَجَعَ فصَلَّى، ثمَّ جاء فسَلَّمَ، فقال: ((وعليكَ السَّلامُ، فارجِعْ فصَلِّ،
فإِنَّكَ لم تُصَلِّ)) فقال في الثّانيةِ - أو في التي بعدَها -: عَلِّمْني يا رسولَ الله؟ فقال: ((إذا قُمْتَ إلى
الصلاةِ، فَأَسْبِغِ الوضوءَ، ثمَّ استَقِلِ القِبْلَةَ فكَبِّ، ثمَّ اقرَأ بما تَيسَّر مَعَكَ منَ القرآنِ، ثمَّ اركَع
حَتَّى تَطْمَئِنَّ راكِعاً، ثمَّ ارفَعَ حتَّى تَسْتَوِيَ قائماً، ثمَّ اسُد حتَّى تَطْمَئِنَّ ساجِداً، ثمَّ ارفَع حتَّى
تَطْمَئِنَّ جالساً، ثمَّ اسجُد حتَّى تَطْمَئِنَّ ساجِداً، ثمَّ ارفَع حتَّى تَطْمَئِنَّ جالساً، ثمَّ افعَل ذلك في
صلاتِكَ كلِّها».
وقال أبو أُسامةَ في الأخِيرِ: حتَّى تَسْتَوِيَ قائماً.
(١) ص١٩.

٧٧
باب ١٨ / ح ٦٢٥٢
كتاب الاستئذان
٦٢٥٢ - حدّثنا ابنُ بشّارٍ، قال: حدَّثني يحيى، عن عُبيدِ الله، حدَّثني سعيدٌ، عن أبيه، عن
أبي هريرةَ، قال: قال النبيُّ ◌َلِّ: ((ثُمَّ ارفَع حتَّى تَطْمَئِنَّ جالساً).
قوله: ((باب مَن رَدّ فقال: عليك السَّلام)) يحتمل أن يكون أشارَ إلى مَن قال: لا يُقدَّم على
لفظ السَّلام شيءٌ، بل يقول في الابتداء والردّ: السَّلام عليك، أو مَن قال: لا يَقتَصِر على
الإفراد بل يأتي بصيغة الجمع، أو مَن قال: لا يَحذِف الواوَ بل يُجيب بواو العَطف فيقول:
((وعليك السَّلام))، أو مَن قال: يكفي في الجواب أن يَقتَصِر على ((عليك)) بغير لفظ السَّلام،
أو مَن قال: لا يَقْتَصِر على ((عليك السَّلام)) بل يزيد ((ورحمة الله)).
وهذه خمسة مواضعَ/ جاءت فيها آثار تَدُلّ عليها.
٣٧/١١
فأمَّا الأوَّل فيُؤْخَذ من الحديث الماضي(١): ((إنَّ السَّلامَ اسمُ الله)) فينبغي أن لا يُقدَّم على
اسم الله شيءٌ. نَبَّهَ عليه ابن دقيق العيد، ونُقِلَ عن بعض الشافعيَّة: أنَّ المبتَدِئ لو قال: ((عليك
السَّلام)» لم يُحِزِئ.
وذكر النَّوويّ عن المتولِّ: أنَّ مَن قال في الابتداء: وعليكم السَّلام، لا يكون سَلاماً ولا
يَسْتَحِقّ جواباً. وتَعقَّبَه بالردِّ فإنَّه يُشرَع بتقدُّم لفظ ((عليكُم))، قال النَّوويّ: فلو أسقَطَ
الواوَ، فقال: عليكم السَّلام، قال الواحديّ: فهو سَلام، ويَستَحِقّ الجوابَ، وإن كان قَلَبَ
اللَّفظ المعتاد. هكذا جَعَلَ النَّوويّ الخِلاف في إسقاط الواو وإثباتها، والمتبادِرِ أنَّ الخِلاف في
تقديم ((عليكم)) على ((السَّلام)) كما يُشعِرُ به كلامُ الواحِديّ.
قال النَّوويّ: ويحتمل وجهَينِ كالوجهَينِ في الَّحَلُّل، بلفظ: عليكم السَّلام، والأصحّ
الحصول. ثمَّ ذكَر حديث أبي جُرَيّ، وقد قدَّمتُ الكلام عليه في الباب الأوَّل(٢) . .
وأمَّا الثّاني: فأخرج البخاريّ في ((الأدب المفرَد)) (١٠٣٧) من طريق معاوية بن قُرّة
قال: قال لي أَبي - هو قُرَّةُ بن إياس المُزَنِيُّ الصحابيّ -: إذا مرَّ بك الرجلُ، فقال: السَّلام
عليكُم، فلا تَقُل: وعليك السَّلام فتَخُصُّه وحده، فإنَّه ليس وحده. وسنده صحيحٌ.
(١) في باب السلام اسم من أسماء الله تعالى عند الحديث رقم (٦٢٣٠)، وعزاه هناك للبخاري في ((الأدب المفرد)).
(٢) عند شرحه للحديث رقم (٦٢٢٧).

٧٨
باب ١٨ / ح ٦٢٥٢
فتح الباري بشرح البخاري
ومن فُروع هذه المسألة: لو وَقَعَ الابتداء بصيغة الجمع فإِنَّه لا يكفي الردُّ بصيغة الإفراد،
لأَنَّ صيغة الجمع تقتضي التَّعظيمَ، فلا يكون امتَثَلَ الرَّ بالمِثلِ فضلاً عن الأَحسَن. نَبَّهَ عليه
ابنُ دقیق العید.
وأمَّا الثّالث: فقال النَّوويّ: اَنَّفَقَ أصحابنا أنَّ المُجيبَ لو قال: ((عليك)) بغير واوٍ: لم
◌ُزِئ، وإن قال بالواو: فو جهان.
وأمَّ الرّابع: فأخرج البخاريّ في ((الأدب المفرد)) (١٠٣٣) بسندٍ صحيح عن ابن عبّاس: أنَّه
كان إذا سُلِّمَ عليه يقول: وعليك ورحمة الله، وقد وَرَدَ مِثلُ ذلك في أحاديثَ مرفوعةٍ سأذكرها
في («باب كيف الردّ على أهل الذِّمّة))(١).
وأمَّا الخامس: فتقدَّم الكلام عليه في الباب الأوَّل.
قوله: ((وقالت عائشة: وعليه السلام ورحمة الله وبَرَكاته)) هذا طَرَفٌ من حديث تقدَّم ذِكْره
قريباً في ((باب تسليم الرِّجال والنِّساء)) (٦٢٤٩) وفيه بيان مَن زاد فيه: وبَرَ كاته.
قوله: ((وقال النبيُّ ◌َّ: رَدَّ الملائكةُ على آدَمَ: السَّلامُ عليك ورحمة الله)) هذا طَرَفٌ من
الحديث الآخر الذي تقدَّم في أوَّل كتاب الاستئذان (٦٢٢٧)، وجَزْمُ المصنّف بهذا اللَّفظ
مما يُقوِّي رواية الأكثر بخلاف رواية الگُشْمِیھنیّ.
قوله: ((عُبيد الله)) هو ابن عمر بن حَفص العُمَريّ.
قوله: ((عن أبي هريرة)» قد قال فيه بعض الرُّواة: عن أبيه عن أبي هريرة، وهي رواية يحيى
القَطّان المذكورة في آخر الباب، وبيَّنْتُ في كتاب الصلاة أيُّ الرِّوايتَينِ أرجح.
قوله: ((أنَّ رجلاً دَخَلَ المسجد)) الحديث في قصَّة المُسيءٍ صلاتَه. والغرض مِنه قوله
فيه: ثمَّ جاء فسَلَّمَ على النبيّ وَّهَ، فقال له: ((وعليك السَّلام، ارجِع)) وتقدَّم في الصلاة (٧٩٣)
بلفظ: فَرَدَّ عليه النبيُّ وَلِّ، وفي رواية أُخرى: فقال: ((وعليك)) وسَقَطَ ذلك أصلاً من
الرِّواية الآتية في الأيمان والنُّذُور (٦٦٦٧)(٢)، وقد تقدَّم ما فيه مع بَقيَّة شرحه مُستَوفَّى في
(١) بعد ثلاثة أبواب من هذا الكتاب، الأحاديث (٦٢٥٦-٦٢٥٨).
(٢) يعني في المرة الأولى، وأما في المرة الثانية فردَّ عليه وَلّفه بقوله: ((وعليك)).

٧٩
باب ١٩ / ح ٦٢٥٣
كتاب الاستئذان
((باب أمر [النبيِّ وَّة](١) الذي لا يُتِمّ رُكوعَه بالإعادة)) من كتاب الصلاة (٧٩٣).
قوله: ((وقال أبو أسامة في الأخير: حتَّى تَسْتَوَيَ قائماً)) وصَلَ المصنّف رواية أبي أسامة هذه في
كتاب الأيمان والنُّذور كما سيأتي، وقد بيَّنتُ في صِفَة الصلاة النُّكْتة في اقتصار البخاريّ على
هذه اللَّفظة من هذا الحديث.
وحاصله أنَّه وَقَعَ هنا في الأخير: ((ثُمَّ ارفَع حتَّى تَطْمَئِنّ جالساً) فأراد البخاريّ أن يُبيِّن أنَّ
راويَها خُولِفَ فذكر رواية أبي أُسامة مُشيراً إلى ترجيحها. وأجابَ الدَّاوُوديّ عن أصل
الإشكال بأنَّ الجالس قد يُسَمَّى قائماً لقوله تعالى: ﴿مَادُمْتَ عَلَيْهِ قَابِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥].
وتَعقَّبَه ابن التِّين بأنَّ التَّعليمِ إِنَّا وَقَعَ لِبيان ركعةٍ واحدةٍ، والذي يَليها هو القيام،
يعني: فيكون قوله: ((حتَّى تَستَويَ قائماً» هو المعتمد، وفيه نظرٌّ، لأنَّ الدَّاوُوديّ عَرَفَ ذلك
وجَعَلَ القيامَ محمولاً على الجلوس، واستَدَلَّ بالآية، والإشكال إِنَّمَا وَقَعَ في قوله في الرِّواية
الأُخرى: ((حتَّى تَطمَئِنّ جالساً»، وجِلسة/ الاستراحة على تقدير أن تكون مُرادةً لا تُشرَع ٣٨/١١
العُّمأنينةُ فيها، فلذلك احتاجَ الدَّاوُوديّ إلى تأويله، لكنَّ الشّاهد الذي أتى به عَكَسَ المرادَ،
والمحتاجُ إليه هنا أن يأتي بَشاهدٍ يدلّ على أنَّ القيام قد يُسَمَّى جُلوساً، وفي الجملة المعتمَدُ
التَّرجيحُ كما أشارَ إليه البخاريّ، وصَرَّحَ به البيهقيّ، وجَوَّزَ بعضهم أن يكون المراد به
التَّشَهُّد، والله أعلم.
قوله في الطَّريق الأخيرة: ((قال النبيُّ ◌َّهِ: ثمَّ ارفَع حتَّى تَطْمَئِنَّ جالساً)) هكذا اقتَصَرَ على
هذا القَدْر من الحديث، وساقه في كتاب الصلاة (٧٩٣) بتمامه.
١٩ - باب إذا قال: فلانٌ يُقرئك السَّلامَ
٦٢٥٣ - حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا زكريًّا، قال: سمعتُ عامراً يقول: حدَّثني أبو سَلَمةَ بنُ
عبدِ الرّحمنِ، أنَّ عائشةَ رضي الله عنها حدَّثَتْهُ، أنَّ النبيَّ وَِّ قال لها: ((إنَّ جِبْرِيلَ يَقرأُ عَلَيكِ
السَّلامَ)) قالت: وعليه السَّلامُ ورحمةُ الله.
(١) ما بين المعقوفين سقط من الأصول و(س).

٨٠
باب ١٩ / ح ٦٢٥٣
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب إذا قال: فلانٌ يُقرِئك السَّلام)) في رواية الكُشْمِيهنيّ(١): ((يقرأُ عليك السَّلام)»
وهو لفظ حديث الباب، وقد تقدَّم شرحه في مناقب عائشة (٣٧٦٨)، وتقدَّم شرح هذه
اللَّفظةِ، وهي إقراءُ السلامِ في كتاب الإيمان (١٢).
قال النَّوويّ: في هذا الحديث مشروعيَّة إرسال السَّلامِ، ويجب على الرَّسول تبليغُه
لأنَّه أمانةٌ. وتُعقّبَ بأنَّه بالوديعة أشبَه، والتَّحقيقُ: أنَّ الرَّسول إنِ التَزَمَه أشبَهَ الأمانةَ،
وإلّا فوديعةٌ، والودائعُ إذا لم تُقبَل لم يَلزَمه شيءٌ.
قال: وفيه إذا أتاه شَخص بسَلامِ من شَخص أو في وَرَقة وجَبَ الردّ على الفَور،
ويُستَحَبّ أن يَرُدّ على المبلِّغ كما أخرج النَّسائيُّ (ك١٠١٣٣) عن رجل من بني نُمَيرِ (٢) أنَّه
بَلَّغَ النبيَّ ◌ََّ سَلامَ أبيه، فقال له: ((وعليك وعلى أبيك السَّلام))، وقد تقدَّم في المناقب (٣٢٨٠)
أنَّ خديجة لمَّا بَلَّغَها النبيُّ ◌َّهِ عِن جِبْرِيلِ سَلامَ الله عليها، قالت: إنَّ الله هو السَّلام ومِنه
السَّلام، وعليك وعلى جِبْيل السَّلام. ولم أرَ في شيء من طرق حديث عائشة أنَّهَا رَدَّت
على النبيّ وَّةِ، فدَلَّ على أنَّه غيرُ واجبٍ.
وقد وَرَدَ بلفظ التَّرجمة حديثٌ من قول النبيِّ ◌ُ لّ أخرجه مسلم (١٨٩٤) من حديث
أنس: أنَّ فَتَّى من أسلَمَ قال: يا رسول الله، إنّي أُريدُ الجهاد، فقال: ((ائتِ فلاناً فقُل(٣): إنَّ
رسول الله ◌َّهُ يُقْرِئك السَّلام، ويقول: ادفَعْ إليَّ ما ◌َجهَّزتَ به)).
(١) وفي اليونينية نسبةُ هذه الرواية لأبي ذرً القرويّ، يعني عن الگُشميھنيّ وغيره من شيوخ أبي ذرٍّ.
(٢) تحرَّف في الأصول و(س) إلى: ((تميم))، وهذا الحديث أخرجه أيضاً أحمد في («المسند» (٢٣١٠٤) وأبو داود
(٢٩٣٤) مطوّلاً مع قصة، ومختصراً (٥٢٣١) من طرق عن غالب القطان، عن رجل من بني نُمير عن أبيه عن
جدِّه. وهذا إسناد ضعيف الإبهام الرجل النميري وأبيه.
(٣) كذا ذكر الحافظ رواية مسلم بلفظ: ((فقُل))، فكان ما بعدها داخلاً في المرفوع، وبنى عليه الحافظُ رحمه الله
قولَه، وإنما وقع ذلك في حديث أنس في رواية أبي داود (٢٧٨٠)، وابن أبي عاصم في ((الجهاد)) (١٠٩)،
وابن المنذر في «الأوسط)) (٦١٦٢). وأما رواية مسلم فهي بلفظ: ((فأتاهُ فقال))، فكان هذا المقولُ غيرَ
مرفوع في رواية مسلم، ومرفوعاً في رواية غيره، فنسبته لغير مسلم هو المناسب للاحتجاج به على المراد،
وبالله التوفيق.