النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ باب ٢ / ح ٦٢٢٩ كتاب الاستئذان وقوله: ((فأخلَفَ يَدَه)) أي: أدارها من خلفه. وقوله: ((بذَقَنِ الفَضْل)) بفتح الذّال المعجمة والقاف بعدها نون. قال ابن التِّين: أخَذَ منه بعضُهم أنَّ الفَضْلَ كان حينئذٍ أمرَدَ، وليس بصحيح، لأنَّ في الرِّواية الأُخرى: ((وكان الفَضْلِ رجلاً وَضيئاً). فإن قيل: سَمّاه رجلاً باعتبار ما آلَ إليه أمرُه، قلنا: بل الظاهر أنَّه وَصَفَ حَالَته حينئذٍ، ويُقَوِّيه أنَّ ذلك كان في حَجّة الوداع والفَضْلُ كان أكبرَ من أخيه عبد الله، وقد كان عبدُ الله حينئذٍ راهَقَ الاحتلامَ. قلت: وثَبَتَ في ((صحيح مسلم)) (١٠٧٢): أنَّ النبيَّ وَّهِ أَمَرَ عَمَّه أن يُزُوِّجِ الفَضْل لمَّا سألَه أن يَستَعمِله على الصَّدَقة ليُصيبَ ما يَتزوَّج به، فهذا يدلُّ على بلوغه قبلَ ذلك الوقت، ولكن لا يَلزَمِ مِنه أن تكون نَبَتَت لِحْيَتُه كما لا يَلزَم من كَونه لا لِحْيَ له أن يكون صبيّاً. الحدیث الثاني: حديث أبي سعيد: قوله: ((حدَّثنا عبد الله بن محمَّد)) هو الجُعْفيّ، وأبو عامر: هو العقديّ، وزُهَیر: هو ابن محمَّد الثَّميميّ، وزيد بنُ أسلَمَ: هو مولى ابن عمر. وهكذا أخرجه إسحاق بن راهويه في ((مُسنَدِه) عن أبي عامر، وكذا أخرجه الإسماعيليّ من طريق أُخرى عن أبي عامر كذلك. وأخرجه أحمد (١١٤٣٦) وعبد بن حُميدٍ (٩٥٨) جميعاً عن أبي عامر العَقَديّ عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلَمَ، فكأنَّ لأبي عامر فيه شيخَين، وهو عندَ أحمد (١١٣٠٩) عن عبد الرّحمن ابن مَهديّ عن زُهَير به، وأخرجه الإسماعيليّ من وجه آخَر عن زُهَيرِ، وقد مَضَى في المظالم (٢٤٦٥) من طريق حفص بن مَيسَرة عن زيد بن أسلمَ. قوله: («إيّاكُم)) هي للَّحذيرِ. قوله: ((والجلوسَ)) بالنَّصب. وقوله: ((بالطُّرقات)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((في الطَّرقات))، وفي رواية حفص بن مَيَسَرة: ((على الطُّرقات))، وهي جمع الطُّرق بضمَّتَينٍ، وطُرُق جمع طريق. وفي حديث أبي طلحة عندَ مسلم (٢١٦١): كنَّا قُعوداً بالأَفنية - جمع فِناء، بكسر الفاء ٢٢ باب ٢ / ح ٦٢٢٩ فتح الباري بشرح البخاري ١١/١١ ونون ومَدّ: وهو المكان المتَّسِع أمام الدّار - ((فجاء رسولُ الله ◌ِ لَه/ فقال: ((ما لكم ولمجالس الصُّعُدات)) بضمِّ الصّاد والعين المهمَلتَينِ، جمع صَعِيد: وهو المكان الواسع، وتقدَّم بيانه في کتاب المظالم (٢٤٦٥)، ومثله لابن حبان (٥٩٦) من حديث أبي هريرة، زاد سعيد بن منصور من مُرسَل يحيى بن يَعمَر: ((فإنَّهَا سَبيلٌ من سُبُلِ الشَّيطان أو النار))(١). قوله: «فقالوا: يا رسولَ الله، ما لنا من مجالسنا بُدُّ، نَتَحدَّث فیھا)) قال عیاض: فیه دلیل على أنَّ أمرَه لهم لم يكن للوجوب، وإنَّما كان على طريق التَّرغيب والأَولى، إذ لو فهموا الوُجوبَ لم يُراجِعُوه هذه المراجَعة، وقد يَحَتَجّ به مَن لا يرى الأوامر على الوجوب(٢). قلت: ويحتمل أن يكونوا رَجَوا وُقوعَ النَّسْخ تخفيفاً لما شَكَوا من الحاجة إلى ذلك، ويُؤيِّده أنَّ في مُرسَل يحيى بن يَعمَر: فظنَّ القوم أنَّهَا عَزْمة (٣). ووَقَعَ في حديث أبي طلحة فقالوا: إنَّما قَعدنا لغير ما بأس، قَعدنا نَتَحدَّث ونتذاكر. قوله: ((فإذا أَبِيتُم)) في رواية الكُشْمِيهنيّ ((إذا أبيتُم)) بحذفِ الفاء. قوله: ((إلّا المَجْلِس)) كذا للجميع هنا بلفظ ((إلّا)) بالتَّشديد، وتقدَّم في أواخر المظالم (٢٤٦٥) بلفظ: ((فإذا أتيتُم إلى المجالس)) بالمثنّاة بدلَ الموحّدة في ((أتيتُم)) وِتخفيفِ اللّام من ((إلى))، وذكر عياض أنَّه للجميع هناك هكذا، وقد بيَّنتُ هناك أنَّه للكُشْمِيهنيّ هناك کالذي هنا. ووَقَعَ في حديث أبي طلحة ((إمّا لا)) بكسر الهمزة و((لا)) نافية، وهي تُمالة في الرّواية، ويجوز تَرك الإمالة. ومعناه: إلّا تَترُکوا ذلك فافعلُوا کذا، وقال ابن الأنباريّ: افعل کذا إن کنت لا تَفْعَل كذا، ودَخَلَت ((ما)» صِلةً. (١) لم نقف عليه عند سعيد بن منصور، وهو عند هنّد في ((الزهد)) برقم (١٢٤١). (٢) قلنا: ليس معنى مراجعتهم فهمَهم عدمَ الوجوب، لأنَّ جابراً قال: كنا نراجعه - يعني النبي ◌َّ - مرتين في الأمر إذا أمَرَنا به، فإذا أمَرَنا الثالثةَ لم نراجعه. أخرجه عنه أحمد (١٤٨٦٤) في قصة جملِه الذي باعه للنبي وَّر، ثم أعاده إليه، ففي قول جابر هذا ما يدلُّ على إمكان المراجعة مع الأمر اللازم للوجوب. (٣) في ((الزهد)) لهنّد برقم (١٢٤٦) بلفظ: ظنّوا أنها قد وجبت. ٢٣ باب ٢ / ح ٦٢٢٩ كتاب الاستئذان وفي حديث عائشة عندَ الطبرانيِّ في الأوسط (٧٠٩٢): ((فإن أبيتُم إلّا أن تَفْعَلوا» وفي مُرسَل يحيى بن يَعمَر: ((فإن كنتُم لا بُدَّ فاعلينَ))(١). قوله: ((فَأَعْطُوا الطَّرِيقِ حَقَّه) في رواية حفص بن مَيَسَرة (٢٤٦٥): ((حَقَّها)). والطَّريق يُذكَّر ويُؤَنَّث، وفي حديث أبي شُرَيح عندَ أحمد (٢٧١٦٣): ((فمَن جَلَسَ منكم على الصَّعيد فليُعطِهِ حَقَّه)). قوله: ((قالوا: وما حَقُّ الطَّريق؟)) في حديث أبي شُرَيح: قلنا: يا رسولَ الله، وما حَقُّه؟ قوله: ((غَضُّ البَصَر، وكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلام، والأمر بالمعروفِ، والنَّهي عن المنكر)) في حديث أبي طلحة الأُولى والثّانية، وزاد: ((وحُسْن الكلام))، وفي حديث أبي هريرة(٢) الأُولى والثّالثة، وزاد: ((وإرشاد ابن السَّبيل وتَشميت العاطِس إذا حَمِدَ))، وفي حديث عمر عندَ أبي داود (٤٨١٧)، وكذا في مُرسَل يحيى بن يَعمَر (٣) من الزّيادة: ((وتُغِيئوا الملهوفَ وتَهْدوا الضّالّ))، وهو عندَ البَزَّار (٣٣٨) بلفظ: ((وإرشاد الضّالّ))(٤)، وفي حديث البراء عندَ أحمد (١٨٤٨٣) والتِّرمِذيّ (٢٧٢٦): ((اهدُوا السَّبِيلَ، وأَعِينُوا المظلومَ، وأَفشُوا السَّلامَ)). وفي حديث ابن عبّاس عندَ البزَّار (٥٢٣٢) من الزّيادة: ((وأَعِينُوا على الحَمُولة)). وفي حديث سَهل بن حُنَيف عندَ الطبرانيِّ (٥٥٩٢) من الزّيادة: ((ذِكْر الله کثیراً)). وفي حديث وَحْشِيِّ بن حَرْب عندَ الطبرانيّ (٣٦٧/٢٢) من الزّيادة: ((واهدوا الأغبياء(٥)، وأَعِينُوا (١) وهو كذلك في حديث البراء بن عازب ﴾، أخرجه أحمد في ((المسند)) برقم (١٨٤٨٣) والترمذي برقم (٢٧٢٦). (٢) عند البخاري في ((الأدب المفرد)» (١٠١٤) وأبي يعلى (٦٦٠٣)، وابن حبان (٥٩٦). (٣) عند هنّاد في ((الزهد)) برقم (١٢٤١). (٤) ووقع هذا اللفظ عند النسائي في ((الكبرى)) برقم (١١٢٩٨) من حديث أبي طلحة ﴾. (٥) كذا وقعت الروايةُ للحافظ رحمه الله، ومن بعده للقَسْطلّاني وابن علّان في ((دليل الفالحين)) ٤٧٨/٣، وقال ابن علّان مبيّناً أنها مفرد الغبي بالمعجمة والموحدة، ونقل عن صاحب ((النهاية)) قوله: أنَّ الغبي القليل الفطنة. قلنا: والذي في مطبوع ((المعجم الكبير)): ((الأعمى)) بدل: ((الأغبياء)»، وهو الذي وقع للهيثمي في ((المجمع)) ٦٢/٨، وابن كثير في ((جامع المسانيد)) ٨/ ٤٢١، والسيوطي في ((الجامع الصغير)) (١٠١٥٣). ٢٤ باب ٢ / ح ٦٢٢٩ فتح الباري بشرح البخاري وأَعِينُوا المظلوم)). ومجموع ما في هذه الأحاديث أربعةَ عشرَ أدَباً وقد نَظَمتها في ثلاثةِ أبياتٍ وهي: جَمعتُ آدابَ مَن رامَ الْجُلوسَ على الطْ طَريقِ من قول خير الخَلْقِ إنسانا أَفْشِ السَّلاَم وأحسِنْ في الكلام وشَمْ مِتْ عاطِساً وسَلاماً رُدَّ إحسانا ◌َفانَ هَدِّ (١) سبيلاً واهدٍ حَيْرانا في الحَمْل عاوِنْ ومَظلوماً أَعِنْ وأَغِثْ بالعُرفِ مُرْ وانْهَ عن نُكْرٍ وكُفَّ أَذَى وَغُضَّ طَرْفاً وأكثِرْ ذِكرَ مولانا وقد اشتَمَلَت على معنى عِلّة النَّهي عن الجلوس في الطّرق من التَّعَرُّض للفِتَنِ بِخُطورِ النِّساء الشَّوابّ، وخَوف ما يَلحَق من النَّظَر إليهنَّ من ذلك، إذ لم يُمنَعِ النِّساءُ من المرور في ١٢/١١ الشَّوارع لحوائجِهِنَّ، ومن التَّعَرُّض لِحِقوقِ الله وللمسلمينَ/ ممّا لا يَلَزَم الإنسانَ إذا كان في بيته وحيثُ لا يَنفَرِد أو يَشتَغِل بما يَلْزَمه، ومن رُؤية المناكير وتَعطيل المعارف، فيجب على المسلم الأمرُ والنَّهيُّ عندَ ذلك، فإن تَرَكَ ذلك فقد تَعرَّضَ للمعصية، وكذا يَتعرَّض لمن يَمُرّ عليه ويُسَلِّم عليه، فإِنَّه رُبَّا كَثُرَ ذلك فيَعجِزُ عن الردّ على كلّ مارٍّ، ورَدُّه فَرْضٌ فيأثَم، والمرءُ مأمورٌ بأن لا يَتعرَّض للفِتَنِ، وإلزام نفسِه ما لعلَّه لا يقوى عليه، فنَدَبَهم الشّارع إلى تَرْك الجلوس حَسماً للمادّة، فلمَّا ذَكَروا له ضَرورَتهم إلى ذلك لِمَا فيه من المصالح من تَعاهد بعضِهم بعضاً، ومُذاكَرَتهم في أُمور الدّين، ومصالح الدُّنيا وتَرويح النُّفوس بالمحادثة في المباح، دَّم على ما يُزيل المفسَدةَ من الأُمور المذكورة، ولِكلِّ من الآداب المذكورة شواهدُ في أحاديث أُخرى: فأمَّا إفشاءُ السَّلام فسيأتي في باب مُفرَد (٦٢٣٥). وأمَّا إحسانُ الكلام، فقال عياضٌ: فيه نَذْبٌ إلى حُسن مُعامَلة المسلمينَ بعضِهم لبعضٍ، فإنَّ الجالس على الطَّريق يَمُرّ به العَدَدُ الكثير من الناس، فرُبَّما سألوه عن بعض شأنِهِم ووَجْهِ طُرقِهم، فيجبُ أن يَتَلَقّاهم بالجميلِ من الكلام، ولا يَتَلَقّاهم بالضَّجَرِ وخُشونة (١) المثبت من (أ)، وفي (ب) وهامش (أ): أرشِدْ، وفي (س): واهدٍ، وكلٌّ على الوزن. ٢٥ باب ٢ / ح ٦٢٢٩ كتاب الاستئذان اللَّفظ، وهو من جُملة كَفِّ الأذَى. قلت: وله شواهدُ من حديث أبي شُرَيح هانئِ رَفَعَه: ((مِنْ مُوجِبات الجنَّة إطعامُ الطَّعام، وإفشاءُ السَّلام، وحُسنُ الكلام)) (١)، ومن حديث أبي مالك الأشعريّ رَفَعَه: «في الجنَّة غُرَفٌ لمَن أطابَ الكلام)) الحديث(٢)، وفي ((الصحيحين)(٣) من حديث عَديّ بن حاتم رَفَعَه: ((اتَّقُوا النّارَ ولو بشِقٌّ تَرةٍ، فمَن لم يَجِدْ فبكلمةٍ طيِّيةٍ)). وأمَّا تَشميت العاطس فمَضَى مبسوطاً في أواخر كتاب الأدب (٦٢٢٢). وأمَّا رَدُّ السَّلام فسيأتي أيضاً قريباً (٦٢٥١). وأمَّا المُعاونة على الحَمْل فله شاهد في ((الصحيحين))(٤) من حديث أبي هريرة رَفَعَه: ((كلّ سُلامَى من الناس عليه صَدَقةٌ)) الحديث، وفيه: ((ويُعين الرَّجلَ على دابته فيَحمِلُه عليها، ويَرفَع له عليها مَتَاعَه صَدَقةٌ)). وأمَّا إعانةُ المظلوم فتقدَّم في حديث البراء قريباً (٦٢٢٢)، وله شاهد آخر تقدَّم في كتاب المظالم (٢٤٤٣). وأمَّا إغاثةُ المَلْهُوف فله شاهدٌ في ((الصحیحین)) من حديث أبي موسى، فیه: ((ويُعین ذا الحاجةِ المَلْهُوفَ))(٥)، وفي حديث أبي ذرِّ عندَ ابن حِبّان (٣٣٧٧): ((وتَسعَى بشِدّة ساقيك مع اللَّهفانِ المستَغيثِ)»(٩)، وأخرج المُرْهِبِيُّ في ((العلم)) من حديث أنس رَفَعَه في حديث: (١) أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٨١١)، وابن حبان (٤٩٠) و(٥٠٤) والطبراني ٢٢/ (٤٦٧ -٤٧٠)، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (١١٤٠). وجاء أيضاً في حديث أبي طلحة عند مسلم (٢١٦١). (٢) أخرجه أحمد (٢٢٩٠٥)، وابن خزيمة (٢١٣٧)، وابن أبي حاتم في «تفسيره)) ٩/ ٣٠٧٧ وغيرهم. وهو عند الترمذي (١٩٨٤) و(٢٥٢٧) من حديث عليّ. (٣) البخاري (١٤١٣)، ومسلم (١٠١٦). (٤) البخاري (٢٨٩١)، ومسلم (١٠٠٩). (٥) البخاري (١٤٤٥)، ومسلم (١٠٠٨). (٦) وأخرجه أحمد في ((المسند)) برقم (٢١٤٨٤)، وينحوه النسائي في ((الكبرى)) برقم (٨٩٧٨)، وقد فات الحافظ عزؤُه لهما. ٢٦ باب ٢ / ح ٦٢٢٩ فتح الباري بشرح البخاري ((واللهُ يُحِبّ إغاثة اللَّهفان)) وسنده ضعيف جدّاً(١)، لكن له شاهد من حديث ابن عبّاس أصلَح منه (٢): ((واللهُ يُحِبَّ إغاثةَ اللَّهفانِ)). وأمَّا إرشاد السَّبيل فروى التِّرمِذيّ (١٩٥٦) وصحَّحه ابن حِبّان (٥٢٩) من حديث أبي ذرِّ مرفوعاً: ((وإرشادُكَ الرَّجلِ في أرض الضَّلال صَدَقةٌ))، وللبخاريِّ في ((الأدب المفرَد)» (٨٩٠) والتِّرمِذيّ (١٩٥٧) وصَحَّحَه من حديث البراء رَفَعَه: ((مَن مَنَحَ مَنِيحةً أو هَدّى زُقاقاً، كان له عَدْلُ عِثْقِ نَسَمةٍ». وهَدَّى، بفتح الهاء وتشديد المهمَلة، والزُّقاق بضمٌ الزّاي وتخفيف القاف وآخره قافٌ، معروفٌ، والمراد: مَن دَلَّ الذي لا يَعِرِفه عليه إذا احتاجَ إلى دُخوله، وفي حديث أبي ذرِّ عندَ ابن حِبّان (٣٣٧٧): ((وتُسمِع الأصَمَّ، وتَهدي الأعمَى، وتَدُلّ المستَدِلَّ على حاجتِه)). وأمَّا هِداية الخَيْران، فله شاهدٌ في الذي قبله. وأمَّا الأمر بالمعروفِ والنَّهي عن المنكر، ففيهما أحاديث كثيرةٌ، منها في حديث أبي ذرِّ المذكور قريباً(٣): ((وأمرٌ بالمعروفِ ونَهيٌّ عن المنكَر صَدَقةٌ)). وأمَّا كَفُّ الأَذَى فالمراد به كَفُّ الأَذَى عن المارّة، بأنْ لا يَجِلِسَ حيثُ يُضيِّق عليهم الطَّريقَ أو على باب منزل مَن يَتأذَّى بجُلوسِه عليه، أو حيثُ يَكشِف عيالَه أو ما يريد النَّسَتُّر به من حاله. قاله عياضٌ. قال: ويحتمل أن يكون المراد كَفُّ أذى الناس بعضهم عن بعض. انتهى. وقد وَقَعَ في ((الصَّحيح)) من حديث أبي ذرِّ رَفَعَه: ((فَكُفَّ عن الشرِّ، فإنَّهَا لك صدَقةٌ))(٤)، وهو يُؤْيِّد الأوَّل، وأمَّا غَضُ البَصَر فهو المقصود من حديث الباب. وأمَّا كَثْرة ذِكْر الله ففيه عِدّة أحاديث يأتي بعضها في الدَّعَوات (٦٤٠٣ -٦٤٠٩). (١) وهو عند أبي يعلى (٤٢٩٦)، والبزار (٧٥٢١). (٢) بل ضعيف جدّاً كسابقه، أخرجه تمام الرازي في «فوائده)) (١١٥٧)، والبيهقي في ((الشعب)) (٧٦٥٧)، وفي سنده طلحة بن عمرو الحضرمي، وهو متروك. (٣) عند مسلم (٧٢٠) وغيره. (٤) سلف برقم (٢٥١٨)، ونحوه لأبي موسى الأشعري، وقد سلف برقم (١٤٤٥). ٢٧ باب ٣ / ح ٦٢٣٠ كتاب الاستئذان ١٣/١١ ٣- باب السلام اسمٌ من أسماء الله تعالى ﴿ وَإِذَا حُيِِّثُمْ بِنَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾ [النساء: ٨٦]. ٦٢٣٠ - حدَّثنا عمرُ بنُ حفصٍ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا الأعمَشُ، قال: حدَّثني شَقِيقٌ، عن عبدِ الله، قال: كَّا إذا صَلَّينا معَ النبيِّ ◌َ قُلْنا: السَّلامُ على الله قبلَ عبادِهِ، السَّلامُ على جِبْيلَ، السَّلامُ على مِيكائيلَ، السَّلامُ على فلانٍ وفُلانٍ، فلمَّ انصَرَفَ النبيُّ نَّهِ أَقبَلَ علينا بوَجْهِه، فقال: ((إنَّ اللهَ هو السَّلامُ، فإذا جَلَسَ أحدُكم في الصلاةِ فَلْيَقُلِ: التَّحِيّاتُ لله والصَّلَواتُ والطِّّاتُ، السَّلامُ عليكَ أيُّها النبيُّ ورحمةُ الله وبَرَكاتُه، السَّلامُ علينا وعلى عبادِ الله الصالحِينَ، فإِنَّه إذا قال ذلك أصاب كلَّ عبدٍ صالح في السماءِ والأرضِ، أشهَدُ أن لا إلهَ إلّ اله، وأشهدُ أنَّ محمَّداً عبدُه ورسولُه، ثمَّ يَتَخَيَّر بَعْدُ منَ الكلامِ ما شاءً)). قوله: ((باب السَّلام اسمٌ من أسماء الله تعالى)) هذه التَّرجمة لفظ بعض حديثٍ مرفوع، له طُرِقٌ ليس منها شيءٌ على شرط المصنِّف في ((الصَّحيح))، فاستعملَه في التَرجمة، وأورَدَ ما يُؤَدّي معناه على شرطه، وهو حديث التَّشَهُّد لقولِه فيه: ((فإنَّ اللهَ هو السَّلامُ))، وكذا ثَبَتَ في القرآن في أسماء الله ﴿السَّلَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣]، ومعنى السَّلام: السالم من النَّقائص، وقيل: المسَلِّم لِعِبادِه، وقيل: المسَلِّم على أوليائه. وأمَّا لفظ الترجمة فأخرجه في «الأدب المفرد» (٩٨٩) من حديث أنس بسندٍ حسن، وزاد: (وضَعَه اللهُ في الأرض، فأَفشُوه بينَكُم)). وأخرجه البزَّار والطبرانيُّ من حديث ابن مسعود موقوفاً ومرفوعاً (١)، وطريق الموقوف أقوى. وأخرجه البيهقيُّ في «الشِّعَب)» (٨٧٨٤) من حديث أبي هريرة مرفوعاً بسندٍ ضعيف، وألفاظُهم سواءٌ(٢). (١) أخرجه البزار في ((مسنده)) برقم (١٧٧٠)، والطبراني في (الكبير)) برقم (١٠٣٩١)، وابن مَندَهْ في ((التوحيد)) (٢٠٣) مرفوعاً، وأما الموقوف فأخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) برقم (١٠٣٩)، والبيهقي في ((الشعب)) برقم (٨٧٧٩). (٢) وهو عند عبد الرزاق في ((المصنف) برقم (٢٠١١٧) والطبراني في ((الأوسط)) برقم (٣٠٠٨). ٢٨ باب ٣ / ح ٦٢٣٠ فتح الباري بشرح البخاري وأخرج البيهقيُّ في ((الشِّعَب)) عن ابن عبّاس موقوفاً: السَّلام اسمُ الله، وهو تَحِيَّة أهل الجنَّة. وشاهدُه حديث المهاجِر بن قُنفُذ: أنَّه سَلَّمَ على النبيِّ نَّهِ فلم يَرُدَّ عليه حتَّى تَوضَّأ، وقال: ((إنّ كَرهت أن أذكُرَ اللّهَ إلّا على طُهْرٍ)) أخرجه أبو داود (١٧) والنَّسائيُّ (٣٨) وصَحَّحَه ابن خُزَيمةَ (٢٠٦) وغيرُهُ(١)، ويحتمل أن يكون أراد ما في رَدِّ السَّلام من ذِكْر اسم الله صريحاً في قوله: ورحمةُ الله. وقد اختُلِفَ في معنى السَّلام: فَقَلَ عياضٌ أنَّ معناه: اسمُ الله، أي: كِلاءةُ الله عليك وحِفظُه، كما يقال: اللهُ مَعَك ومُصاحِبُك. وقيل: معناه: إنَّ اللهَ مُطَّلِعٌ عليك فيما تَفْعَل. وقيل: معناه: إنَّ اسم الله يُذكَر على الأعمال تَوقُّعاً لاجتماع معاني الخيرات فيها، وانتفاء عَوارض الفساد عنها. وقيل: معناه: السَّلامة، كما قال تعالى: ﴿فَسَلَمْ لَّكَ مِنْ أَصْحَبِ اَلْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] وكما قال الشّاعر(٢): تُحَيّ بِالسَّلامة أمُّ بَكْرِ (٣) وهل لي بعدَ قَوْمي مِن سَلامِ فكأنَّ المسلِّمَ أعلمَ مَن سَلَّمَ عليه أنَّه سالمٌ منه، وأن لا خَوف عليه منه. وقال ابن دقيق العيد في ((شرح الإلمام)): السَّلام يُطلَق بإزاءِ مَعانٍ، منها السَّلامة، ومنها التَّحيَّة، ومنها أنَّه اسمٌّ من أسماء الله. قال: وقد يأتي بمعنى التَّحيَّة مَخْضاً. وقد يأتي بمعنى السَّلامة مَحْضاً، وقد يأتي مُتَرَدِّداً بين المعنَيَينِ كقوله تعالى: ﴿وَلَا نَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤] فإنَّه يحتمل التَّحيَّةَ والسَّلامةَ، وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ (٢) سَلَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍ رَّحِيمٍ﴾ [يس: ٥٧ (١) كابن حبّان (٨٠٣)، والحاكم ١٦٧/١، والحافظ نفسِه في ((نتائج الأفكار)) ٢٠٦/١. (٢) هو أبو بكر شدّاد بن الأسْوَد بن شَعُوب الليثي، وقد ذكر ابنُ إسحاق كما في ((سيرة ابن هشام)) ٢٩/٢ هذا البيت ضمن عدة أبيات قالها المذكورُ في رثاء قتلى بدرٍ من المشركين، وتقدم بعض أبياته، ومنها هذا البيت المذکور عند البخاري برقم (٣٩٢١). (٣) كذا أورد الحافظ هنا هذا البيت بلفظ: أم عمرو، وكذلك جاء في ((المخصص)) لابن سِيْدَه ٤٦٨/٣، ومن قبله في ((تفسير الطبري)) ٢/ ٣٦٢، ولكن الأشهر في رواية هذا البيت أنه بلفظ: أمّ بَكْر، وكذلك جاء عند البخاري من حديث عائشة برقم (٣٩٢١) أنَّ المرأة المذكورة أمّ بكر، وذكَرَت قِصَّتَها. ٢٩ باب ٣ / ح ٦٢٣٠ كتاب الاستئذان. قوله: ((﴿ وَإِذَا حُبِّيْتُمْ بِنَحِيَّةٍ فَحَيُواْبِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾ [النساء:٨٦])) لم يقع في رواية أبي ذرّ: ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾. ومُناسَبة ذِكْر هذه الآية في هذه التَرجمة للإشارة إلى أنَّ عُموم الأمر بالتَّحيَّة مخصوصٌ بلفظ السَّلام، كما دَلَّت عليه الأحاديثُ المشارُ إليها في الباب الأوَّل. واتَّفَقَ العلماء على ذلك إلّا ما حكاه ابن التِّين عن ابن خُوَيزِ مَنْداد عن مالك: أنَّ المراد بالتَّحيَّة في الآية الهديَّةُ، لكن حكى القُرطُبيّ عن ابن خُوَيرٍ مَنْداد(١): أنَّه ذكره احتمالاً، وادَّعَى أنَّه قول الحنفيَّة، وأنَهم احتَجّوا لذلك بأنَّ السَّلام/ لا يُمكِن رَدّه بعينِه، بخِلَاف ١٤/١١ الهديَّة، فإنَّ الذي يُهدَى له إن أمكنَه أن يُهدي أحسَنَ منها فَعَل، وإلّا رَدَّها بعينِها. وتُعقّبَ بأنَّ المراد بالردّ: رَدُّالمِثْل لا رَدُّالعَين، وذلك سائغٌ کثیرٌ. ونَقَلَ القُرطُبيّ أيضاً عن ابن القاسم وابن وهب عن مالكِ: أنَّ المراد بالتَّحيَّة في الآية: تَشميتُ العاطِس والردُّ على المشَمِّت. قال: ولیس في السّیاق دلالةٌ على ذلك، ولکن حُكم التَّشميت والردّ مأخوذٌ من حُكم السَّلام والردّ عندَ الجمهور، ولعلَّ هذا هو الذي نَحا إليه مالكٌ. ثم ذكر حديث ابن مسعود في التَّشَهُّد، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في كتاب الصلاة (٨٣١). والغرض مِنه قوله فيه: ((إنَّ الله هو السَّلام))، وهو مُطابِقٍ لما تَرجَمَ له. وأنَّفَقوا على أنَّ مَن سَلَّمَ لم يُجْزِئ في جوابه إلّا السَّلام، ولا يُجزِئ في جوابه: صُبِّحتَ بالخير أو بالسّعادة، ونحو ذلك. واختُلِفَ فيمَن أتى في التَّحيَّة بغير لفظ السَّلام هل يجب جوابُه، أم لا؟ وأقلّ ما يَحصُل به وجوب الردّ أن يُسمعَ المبتَدِئ، وحينئذٍ يَستَحِقّ الجواب. ولا يكفي الردّ بالإشارة، بل وَرَدَ الَّجْر عنه، وذلك فيما أخرجه التِّرمِذيّ (٢٦٩٥) من طريق عَمْرو بن شُعَيب، عن أبيه، عن جَدّه رَفَعَه: ((لا تَشَبَّهوا باليهودِ والنَّصارَى، فإنَّ تسلیم اليهود الإشارة بالإصبَع، وتسليمَ النَّصارَى بالأكُفِّ)) قال التِّرمِذيّ: غريب. قلت: وفي سنده (١) من قوله: ((عن مالك)) إلى هنا سقط من (أ)، وسقط في (ع) من قوله: ((لكن حكى القرطبي)) حتى قوله: فإنَّ الذي يُهدی له، واستدرکنا هذا الساقط من (ب)، وهو ثابت في (س). ٣٠ باب ٤ / ح ٦٢٣١ فتح الباري بشرح البخاري ضعفٌ، لكن أخرج النَّسائيُّ (ك١٠١٠٠) بسندٍ جيِّد (١) عن جابِرِ رَفَعَه: ((لا تُسَلِّموا تسليمَ اليهودِ [والنَّصارى](٢)، فإنَّ تسليمَهم بالرُّؤوسِ والأكُفِّ والإشارة)). قال النَّوويّ: لا يَرِدُ على هذا حديثُ أسماء بنت يزيد: مرَّ النبيُّ وَّه في المسجد وعُصْبٌ من النِّساء قُعودٌ، فَأَلَّوى بيَدِه بالتَّسليم. فإنَّه محمولٌ على أنَّه جَمَعَ بين اللَّفظ والإشارة، وقد أخرجه أبو داود (٥٢٠٤) من حديثها بلفظ: فسَلَّمَ علينا. انتهى. والنَّهيُ عن السَّلام بالإشارة مخصوصٌ بمَن قَدَرَ على اللَّفظ حِسّاً وشَرعاً، وإلّا فهي مشروعة لمن يكون في شُغلٍ يَمنَعه من التلفُّظ بجوابِ السَّلام كالمصَلّى والبعيد والأخرَس، وكذا السَّلام على الأَصَمّ. ولو أتى بالسَّلام بغير اللَّفظ العربيّ هل يَستَحِقّ الجوابَ؟ فيه ثلاثة أقوال للعلماء، ثالثها: يَجِبُ لمن لم يُحسِنِ العربية(٣). وقال ابن دقيق العيد: الذي يظهر أنَّ التَّحيَّة بغير لفظ السَّلام من باب تَرك المستَحَبّ وليس بمكروهٍ، إلّا إن قَصَدَ به العُدولَ عن السَّلام إلى ما هو أظهَر في التَّعظيم من أجل أكابِرِ أهل الدُّنيا. ويجب الردّ على الفور، فلو أخّرَ ثمَّ اسْتَدرَكَ فَرَدَّ لم يُعَدّ جواباً، قاله القاضي حُسَين وجماعة، وكأنَّ مَلَّه إذا لم یکن عُذرٌ. ويَجِب رَدُّ جوابِ السَّلام في الكتاب، ومع الرَّسول، ولو سَلَّمَ الصبيّ على بالغٍ وَجَبَ عليه الردُّ، ولو سَلَّمَ على جماعة فيهم صبيٌّ فأجابَ أجزاً عنهم في وجهٍ. ٤- باب تسليم القليل على الكثير ٦٢٣١ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ مُقاتلٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا مَعمَرٌ، عن هَّامِ بنِ مُنيَِّ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَِّ قال: ((يُسَلِّمُ الصَّغيرُ على الكبِيرِ، والمارُّ على القاعدِ، والقليلُ على الكثيرِ)). [طرفه في: ٦٢٣٢، ٦٢٣٣، ٦٢٣٤] (١) هو كذلك لولا عنعنة أبي الزبير في إسناده، فلعلَّ الحافظَ احتملها لورود الحديث من وجهٍ آخَرَ. (٢) لفظة ((والنصارى)) سقطت من الأصول و(س)، وهي ثابتة في رواية الحديث، وقد أوردها المزي في ((تحفة الأشراف» (٢٦٧٤)، ولعلَّها سقطت من قلم الحافظ سهواً، أو سقطت من نسخته من النسائي، والله أعلم. (٣) المثبت من (ب)، وفي (أ) و(ع) و(س): لمن يُحسن بالعربية، وهو خطأ. ٣١ باب ٥ / ح ٦٢٣٢ كتاب الاستئذان قوله: ((باب تسليم القليل على الكثير)) هو أمرٌ نِسبيٌّ يَشمَل الواحدَ بالنِّسبة للاثنَينِ فصاعداً، والاثنَيْنِ بالنّسبة للثلاثة فصاعداً وما فوق ذلك. قوله: ((عبد الله)) هو ابن المبارك. قوله: ((يُسَلِّم)) كذا للجميع بصيغة الخبر، وهو بمعنى الأمر، وقد وَرَدَ صريحاً في رواية عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عندَ أحمد (٨١٦٢) بلفظ: (ليُسَلِّم))، ويأتي شرحه فيما بعده. قال الماورديُّ: لو دَخَلَ شَخص مَجَلِساً، فإن كان الجمع قليلاً يَعُمُّهم سَلامٌ واحدٌ، فسَلَّمَ كَفَاهُ، فإن زاد فخَصَّصَ بعضَهم فلا/ بأس، ويكفي أن يَرُدّ منهم واحدٌ، فإن زاد فلا ١٥/١١ بأس، وإن كانوا كثيراً بحيثُ لا يَنْتَشِر فيهم، فَيَتَدِئ أوَّلَ دخولِه إذا شاهَدَهم، وتَتأدَّى سُنّهُ السَّلام في حَقّ جميع مَن يَسمعُه، ويجب على مَن سمعَه الردّ على الكِفاية، وإذا جَلَسَ سَقَطَ عنه سُنّة السَّلام فيمَن لم يسمعه من الباقينَ. وهل يُستَحَبّ أن يُسَلِّم على مَن جَلَسَ عندَهم ممَّن لم يَسمعْهُ؟ وجهان: أحدهما: إن أَعاد(١) فلا بأس، وإلّا فقد سَقَطَت عنه سُنّة السَّلام لأنَّهم جمعٌ واحدٌ، وعلى هذا يَسقُط فَرِضُ الردّ يفِعلِ بعضِهم، والثّاني: أنَّ سُنّة السَّلام باقية في حَقّ مَن لم يَبلُغهم سَلامُه المتقدِّمُ، فلا يَسقُط فَرضُ الردّ من الأوائل عن الأواخر. ٥- باب يُسلِّمُ الرَّاكب على الماشي ٦٢٣٢ - حدَّثْني محمَّدُ بنُ سَلَامِ، أخبرنا ◌َلَدٌ، أخبرنا ابنُ جُرَيج، قال: أخبرني زيادٌ، أَنَّه سمعَ ثابتاً مولى ابنِ زيدٍ، أَنَّه سمعَ أبا هريرةَ يقول: قال رسولُ الله ◌َّةَ: ((يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ على الماشي، والماشي على القاعدِ، والقَلِيلُ على الكَثيرِ)). قوله: ((باب يُسَلُّم الرَّاكِب على الماشي)» في رواية الكُشْمِيهنيّ: تسليم(٢)، على وَفْق التَّرجمة التي قبلها. (١) وقع في (س): «عاد))، بلا همز. (٢) هذا عكس ما في اليونينية حيث جاء فيها أنَّ هذه رواية غير الكُشْمَيهِني، وأنَّ رواية الكشميهني: يُسلِّم الراکب، بالمضارع ورفع ((الراكب)). ٣٢ باب ٦ / ح ٦٢٣٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((مخلَد)) هو ابن یزید. قوله: ((زياد)) هو ابن سعد الخُراسانيّ نَزيل مَكّة، وقد وَقَعَ في رواية الإسماعيليّ هنا: زياد ابن سعد. قوله: ((أَنَّه سمعَ ثابتاً مولى ابن زيدٍ)) في رواية غير أبي ذرّ: عبد الرَّحمن بن زيد، ووَقَعَ في رواية رَوْح التي بعدها: أنَّ ثابتاً، وهو مولى عبد الرَّحمن بن زيد، أخبَرَه، وزيد المذکور: هو ابن الخطّاب أخو عمر بن الخطَّب، ولذلك نَسَبوا ثابتاً عَدَويّاً، وحكى أبو عليّ الجيَّانيّ: أنَّ في رواية الأَصِيليّ عن الجُرْجانيّ: عبد الرّحمن بن يزيد، بزيادة ياء في أوَّله، وهو وَهْمٌ، وثابِتٌ: هو ابن الأحتَف، وقيل: ابن عياض بن الأحتَف، وقيل: إنَّ الأحنَف لَقَب عياض، وليس لِثابتٍ في البخاريّ سوى هذا الحديث وآخر تقدَّم في المُصَرّاة من كتاب البيوع (٢١٥١). قوله: ((يُسَلُّم الَّاكِب على الماشي)) كذا ثَبَتَ في هذه الرِّواية، ولم يُذكَر ذلك في رواية هَمَّامٍ(١)، كما ذُكِرَ في رواية هَمَّام: ((الصَّغيرُ على الكبير)) ولم يُذكَر في هذه، فكأنَّ كلَّ مِنهما حَفِظَ ما لم يحفظِ الآخَرُ، وقد وافَقَ همَّاماً عطاء بن يسار كما سيأتي بعده. واجتَمَعَ من ذلك أربعةُ أشياء، وقد اجتَمَعَت في رواية الحسن عن أبي هريرة عندَ الِّرمِذيّ (٢٧٠٣) وقال: رويَ من غير وجه عن أبي هريرة، ثمَّ حكى قول أيوبَ وغيرِهِ: أنَّ الحسَنَ لم يسمع من أبي هريرة. ٦ - باب يُسلِّمُ الماشي على القاعد ٦٢٣٣ - حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، أخبرنا رَوْحُ بنُ عُبادةَ، حدَّثنا ابنُ جُرَيج، قال: أخبرني زيادٌ، أنَّ ثابتاً - وهو مولى عبدِ الرَّحمنِ بنِ زیدٍ - أخبَرَه، عن أبي هريرةً ﴾﴾، عن رسولِ اللهِ وَ﴾، أنَّه قال: «يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ على الماشي، والماشي على القاعِدِ، والقَلِيلُ على الگثیر)». (١) وهي رواية الباب السابق برقم (٦٢٣١). ٣٣ باب ٧ / ح ٦٢٣٤ كتاب الاستئذان قوله: ((باب يُسَلِّمُ الماشي على القاعِد)» ذكر فيه الحديث الذي قبله من وجهٍ آخَر عن ابن جُرَيج. وله شاهد من حديث عبد الرّحمن بن شِبْل، بكسر المعجَمة وسكون الموحّدة بعدها لامٌ، بزيادةٍ، أخرجه عبد الرَّزاق (١٩٤٤٤) وأحمد (٤/١٥٦٦٦) بسندٍ صحيح/ بلفظ: ١٦/١١ ((يُسَلِّم الرَّاكِب على الرَّاحِل، والرَّاجلُ على الجالسِ، والأقلَّ على الأكثرِ، فمَن أجابَ كان له، ومَن لم يُحِب فلا شيء له)). ٧- باب يُسلِّمُ الصّغير على الكبير ٦٢٣٤ - وقال إبراهيمُ: عن موسى بنِ عُقْبَةَ، عن صَفْوانَ بنِ سُلَيم، عن عطاءِ بنِ يَسارٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: («يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ على الكَبِيرِ، والمارُّ على القاعدِ، والقَلِيلُ علی الگثیرِ)). قوله: ((باب يُسَلِّمُ الصَّغير على الكبير، وقال إبراهيمُ)) هو ابن طَهْمَانَ، وثَبَتَ كذلك في رواية أبي ذرٍّ. وقد وَصَلَه البخاريّ في ((الأدب المفرد)) (١٠٠١) قال: حدَّثنا أحمد بن أبي عَمْرو، حدَّثني أبي، حدَّثني إبراهيم بن طَهْمَانَ، به سواءً، وأبو عَمْرو: هو حفص بن عبد الله بن راشد السَّلَميُّ(١) قاضي نيسابور، ووَصَلَه أيضاً أبو نُعَيم من طريق عبد الله بن العبّاس، والبيهقيُّ (٢٠٣/٩) من طريق أبي حامد بن الشّرْقيّ(٢)، كلاهما عن أحمد بن حفص، به. وأمَّا قول الكِرْمانيّ: عَبَّرَ البخاريّ بقولِه: وقال إبراهيم، لأنَّه سمعَ مِنه في مقام المذاكرة، فغَلَطٌ عَجيبٌ، فإنَّ البخاريّ لم يُدرِك إبراهيمَ بن طَهْمَانَ فَضلاً عن أن يسمع منه، فإنَّه ماتَ قبل مَولِد البخاريِّ بستٍّ وعشرينَ سنةً، وقد ظَهَرَ بروايتِهِ في ((الأدب)) أنَّ بينهما في هذا الحديث رجلينِ. قوله: ((والمارُّ على القاعِد)) هو كذا في رواية همَّام، وهو أشمَل من رواية ثابتٍ التي قبلها (١) بفتح السين واللام، نسبة إلى بني سَلِمة، كما نُصَّ عليه في ((سنن النسائي الكبرى)) في إسناد الحديث (٣٣٨٧)، واللام في سَلِمة مكسورة تُفتَح عند النسبة. (٢) تصخَّف في (س) إلى: الشرفي، بالفاء، وإنما هو الشَّرْقيّ، بالقاف نسبة إلى الجانب الشرقي من نيسابُور. ٣٤ باب ٧ / ح ٦٢٣٤ فتح الباري بشرح البخاري بلفظ: ((الماشي)) لأنَّه أعَمُّ من أن يكون المارّ ماشياً أو راكِباً، وقد اجتَمَعا في حديث فَضالة ابن عُبيد عندَ البخاريّ في ((الأدب المفرد)) (٩٩٦) والتِّرمِذيّ (٢٧٠٥) وصَحَّحَه، والنَّسائيِّ (ك ١٠٠٩٨) و(صحيح ابن حِبّان)(١) بلفظ: ((يُسلِّم الفارس على الماشي، والماشي على القائم)). وإذا مُلَ القائم على المستَقِرّ كان أعَمَّ من أن يكون جالساً أو واقفاً أو مُتَّكِئاً أو مُضطَجِعاً، وإذا أُضيفَت هذه الصُّورة إلى الرَّاكِبِ تَعَذَّدَتِ الصُّور. وتَبقَى صُورةٌ لم تقع منصوصةً، وهي ما إذا تَلاقَى مارّان راكِبان أو ماشيان، وقد تَكلَّمَ عليها المازَرِيُّ فقال: يَبْدَأ الأدنَى مِنهما الأعلى قَدراً في الدِّين، إجلالاً لِفضلِهِ، لأنَّ فضيلة الدِّين مُرَغَّب فيها في الشَرع، وعلى هذا لو التَّقَى راكِبان ومَركوبُ أحدِهما أعلى في الحِسّ من مَركوب الآخر، كالجَمَلِ والفرس فيَبدَأ راكِبُ الفَرَس، أو يُكتَفَى بالنَّظَرِ إلى أعلاهما قَدْراً في الدِّينِ فِيَبْتَدِتُّهُ الذي دُونَه، هذا الثّاني أظهَر. كما لا نظرَ إلى مَن يكون أعلاهما قَدراً من جهة الدُّنيا، إلّا أن يكون سُلطانً يُحْشَى مِنه، وإذا تَساوى المتلاقيان من كلّ جهة فكلّ مِنهما مأمور بالابتداء، وخيرُهما الذي يَبْدَأ بالسَّلام، كما تقدَّم في حديث المتهاجِرَينِ في أبواب الأدب (٦٠٧٧). وأخرج البخاريّ في ((الأدب المفرَد)» (٩٩٤) بسندٍ صحيح من حديث جابر قال: ((الماشیانِ إذا اجتَمَعا فأُّهمَا بَدَأ بالسَّلام فهو أفضلُ» ذَگره عَقِب رواية ابن جُرَیج عن زياد ابن سعد، عن ثابت، عن أبي هريرة، بسندِه المذكور: عن ابن جُرَيج، عن أبي الزُّبَير، عن جابر. وصَرَّحَ فيه بِالسَّمَاعِ(٢). وأخرج أبو عَوَانة(٣) وابن حِبّان (٤٩٨) في ((صحيحَيهما)) والبزَّار(٤) من وجهٍ آخَر عن ابن جُرَيج الحديثَ بتمامه مرفوعاً بالزّيادة(٥)، وأخرج الطبرانيُّ (٨٨٠) بسندٍ صحيح عن (١) لفظ رواية ابن حبان (٤٩٧) كلفظ رواية ثابت مولى ابن زيد عن أبي هريرة سواءً. (٢) يعني صرَّح فيه كلَّ من ابن جريج وأبي الزبير بسماعهما. وهو موقوف على جابر من قولِه. (٣) في الاستئذان كما في «إتحاف المهرة)) (٣٤٩٠). (٤) كما في ((كشف الأستار)) برقم (٢٠٠٦). (٥) لكن أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)» (٩٨٣) و(٩٩٤) من طريقين عن ابن جريج موقوفاً على جابر من قوله. ٣٥ باب ٧ / ح ٦٢٣٤ كتاب الاستئذان الأغَرّ المُزَنيِّ: قال لي أبو بكر: لا يَسِقْك أحدٌ إلى السَّلام. والتِّرمِذيُّ من حديث أبي أمامةَ رَفَعَه: ((إنَّ أَولى الناسِ بالله مَن بَدَأْ بِالسَّلام))(١)، وقال: حَسَنٌ. وأخرج الطبرانيُ (٢) من حديث أبي الدَّرداء قلنا: يا رسولَ الله، إنّا نَلتَقي فأُنا يَبدَأُ بالسَّلام؟ قال: ((أَطوَعُكم لله)). قوله: ((والقليلُ على الكَثير)) تقدَّم تقريرُه، لكن لو عُكِسَ الأمر فمَّ جمعٌ كثير على جمعِ قليل، وكذا لو مرَّ الصَّغير على الكبير(٣)، لم أرَ فيهما نَصّاً. واعتَبَرَ النَّوويّ المرور، فقال: الوارد يَبدَأ سواءٌ كان صغيراً أم كبيراً، قليلاً أم كثيراً، ويوافقه/ قولُ المُهلَّب: إنَّ المارّ في حُكم الدّاخل. وذكر الماورديُّ أنَّ مَن مَشَى في الشَّوارعِ المَطروقة كالسُّوقِ، أنَّه لا يُسَلِّم إلّا على البعض، لأنَّه لو سَلَّمَ على كلّ مَن لَقِيَ لَتَشاغَلَ به عن المهمّ الذي خَرَجَ لأجلِه، ولَخَرَجَ به عن العُرف. ١٧/١١ قلت: ولا يُعكِّر على هذا ما أخرجه البخاريّ في ((الأدب المفرَد)» (١٠٦) عن الطَّفَيل ابن أبيّ بن كعب، قال: كنت أَغدُو معَ ابن عمر إلى السُّوق، فلا يَمُرّ على بَيّاعٍ ولا أحدٍ إلّا سَلَّمَ عليه. فقلت: ما تَصنَع بالسّوقِ وأنتَ لا تَقِف على البيع ولا تسأل عن السِّلَع؟ قال: إنَّما نَغْدُو من أجل السَّلام على مَن لَقِيْنا. لأنَّ مُراد الماورديّ: مَن خَرَجَ في حاجةٍ له فتَشاغَلَ عنها بما ذُكر، والأثرُ المذكور ظاهرٌ في أنَّ خَرَجَ لِقصدٍ تحصيل ثواب السَّلام. وقد تَكلَّمَ العلماءُ على الحكمة فيمَن شُرِعَ لهم الابتداءُ، فقال ابن بَطّال عن المهلَّب: تسليم الصَّغير لأجلِ حَقّ الكبير، لأنَّه أُمِرَ بَتَوقيره والتَّواضُعِ له، وتسليمُ القليل لأجلٍ حَقّ الكثير، لأنَّ حَقَّهم أعظَمُ، وتسليم المارّ لِشَبَهِه بالدّاخلِ على أهل المنزل، وتسليمُ (١) هو بهذا اللفظ عند أبي داود برقم (٥١٩٧)، وبنحوه عند الترمذي برقم (٢٦٩٤)، وأحمد في ((المسند)) برقم (٢٢١٩٢)، وإسناد أبي داود صحيح. (٢) وهو في ((مسند الشاميين) برقم (١٩٥٠)، وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٣٢/٨: فيه من لم أعرفهم. (٣) كذا وقع في الأصلين و(س)، ومقتضى السياق أن يكون عكسُ الأمر: لو مَرَّ الكبير على الصغير. ٣٦ باب ٧ / ح ٦٢٣٤ فتح الباري بشرح البخاري الرَّاكِبِ لئلّا يَتَكَبَّرَ بُرُكوبِهِ، فَيَرجِعُ إلى التَّواضُع. وقال ابن العربيّ: حاصل ما في هذا الحديث: أنَّ المَفْضُولَ بنوعِ ما يَبدَأ الفاضِلَ. وقال المازَرِيُّ: أمَّا أَمْرُ الرَّاكِب فلأنَّ له مَزِيَّةً على الماشى، فعُوِّضَ الماشي بأن يَبْدَأْهُ الرَّاكِبُ بالسَّلام، احتياطاً على الرَّاكِب من الزَّهْو أن لو حازَ الفضيلَتَينِ. وأمَّا الماشي فلِما يَتَوقَّع القاعِدُ مِنه من الشّ، ولا سيّما إذا كان راكِياً، فإذا ابتَدأ بالسَّلام أُمِنَ مِنه ذلك وأُنِسَ إليه، أو لأنَّ في النَّصَرُّف في الحاجات امتهاناً، فصارَ للقاعِدِ مَزِيَّةٌ، فَأُمِرَ (١) بالابتداء، أو لأنَّ القاعِد يَشُقُّ عليه مُراعاةً المارّينَ مع كَثْرَتهم، فسَقَطَتِ البَداءَةُ عنه للمَشَقّة، بِخِلَاف المارّ فلا مَشَقّة علیه. وأمَّا القليل فلفضيلة الجماعة، أو لأنَّ الجماعة لو ابتَدَؤوا لَخِيفَ على الواحد الَّهْوُ فاحتیط له. ولم يقع تسليم الصَّغير على الكبير في ((صحيح مسلم))، وكأنَّه لمُراعاة السِّنّ، فإنَّه مُعتبَر في أُمور كثيرة في الشّرع، فلو تَعارَضَ الصغير المعنَويُّ والِحِسُّّ كأنْ يكون الأصغَرُ أعلمَ مثلاً، فيه نظرٌ، ولم أرَ فيه نَقْلاً، والذي يظهر اعتبارُ السِّنّ لأَنَّه الظّاهرُ، كما تُقدَّم الحقيقةُ على المجاز. ونَقَلَ ابن دقيق العيد عن ابن رُشد: أنَّ مَحَلّ الأمر في تسليم الصَّغير على الكبير إذا التَّقَيا، فإن كان أحدُهما راكِباً والآخَرُ ماشياً بَدَأ الرَّاكِب، وإن كانا راكِبَينِ أو ماشيَينٍ بَدَأ الصّغير. وقال المازَرِيُّ وغيره: هذه المناسَبات لا يُعتَرَض عليها بجُزئيّاتٍ تُخالفها، لأنَّها لم تُنصَب نَصْبَ العِلَل الواجبة الاعتبار حتَّى لا يجوزَ أن يُعدَل عنها، حتَّى لو ابتَدَأ الماشي فسَلَّمَ على الرَّاكِب لم يَمْتَنِعِ، لأنَّه ◌ُمَثِّلٌ للأمرِ بإظهار السَّلام وإفشائه، غير أنَّ مُراعاة ما ثَبَتَ في الحديث أَولى، وهو خَبَرٌّ بمعنى الأمر على سبيل الاستحباب، ولا يَلَزَم من تَرك المستَحَبّ الكراهةُ، بل يكون خِلَافَ الأَولِى، فلو تَرَكَ المأمورُ بالابتداءِ فَبَدَأه الآخرُ كان (١) أي: الماشي للتصرُّف في حاجاته. ٣٧ باب ٨ / ح ٦٢٣٥ كتاب الاستئذان المأمور تاركاً للمُستَحَبِّ والآخَرُ فاعلاً للسُّنّة، إلّا إن بادَرَ فيكون تاركاً للمُستَحَبِّ أيضاً. وقال المتولِّ: لو خالَفَ الرَّاكِب أو الماشي ما دَلَّ عليه الخبرُ كُرهَ، قال: والوارد يَبدَأ بكلِّ حال. وقال الكِرْمانيُّ: لو جاء أنَّ الكبير يَبدَأ الصَّغيرَ، والكثير يَبدَأ القليلَ لكان مُناسباً، لأنَّ الغالب أنَّ الصَّغير يخاف من الكبير، والقليلَ من الكثير، فإذا بَدَأ الكبير والكثير أَمِنَ مِنه الصَّغير والقليل، لكن لمَّا كان من شأن المسلمينَ أن يأمَن بعضُهم بعضاً اعتُبِرَ جانبُ التَّواضُع كما تقدَّمَ، وحيثُ لا يظهر رُجْحان أحد الطَّرَّفَينِ باستحقاقِ التَّواضُعَ له اعتُبرَ الإعلامُ بالسّلامة والدُّعاءُ له رُجوعاً إلى ما هو الأصل، فلو كان المُشاة كثيراً والقُعود قليلاً تَعارَضا، ويكون الحُكم حُكم اثنَينِ تَلافَيا معاً، فأيُّهما بَدَأ فهو أفضل، ويحتمل ترجيحُ جانب الماشي کما تقدَّمَ، والله أعلم. ٨- باب إفشاء السَّلام ٦٢٣٥ - حدَّثنا قُتَيَبةُ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن الشَّيبانيِّ، عن أشعَثَ، عن مُعاوِيةَ ابنِ سُوَيدِ بنِ ١٨/١١ مُقَرِّنٍ، عن البراءِ بنِ عازِبٍ رضي الله عنهما، قال: أمَرَنا النبيُّ ◌َِّ بِسَبْعٍ: بعِيادةِ المَرِيضِ، واتِّباع الجنائزِ، وتَشْمِيتِ العاطِسِ، ونَصْرِ الضَّعِيفِ، وعَوْنِ المَظْلومِ، وإِنْشاءِ السَّلامِ، وإبرارِ المُقْسِمِ، وَهَى عن الشُّْبِ في الفِضّةِ، ونَى عن تَخَتُّمِ الذَّهَبِ، وعن رُكوبِ المَائِرِ، وعن لُبُسِ الحَرِيرِ، والدِّيباجِ، والقَسِِّّ، والإستَبْرَقِ. قوله: ((باب إنْشاء السَّلام)) كذا للنَّسَفيّ وأبي الوَقْت، وسَقَطَ لفظ: ((باب)) للباقينَ. والإفشاءُ: الإظهارُ، والمراد: نَشرُ السَّلام بين الناس لِيُحِيُّوا سُنَّته. وأخرج البخاريّ في (الأدب المفرَد)) (١٠٠٥) بسندٍ صحيح عن ابن عمر: إذا سَلَّمتَ فَأَسْمِعْ، فإنَّهَا تَحيَّةٌ من عندَ الله. قال النَّوويّ: أقلُّه أن يَرفَع صوته بحيثُ يُسمِعُ المسَلَّمَ عليه، فإن لم يُسمِعه لم يكن آتياً بالسُّنّة. ويُستَحَبّ أن يَرفَع صوته بقَدْرِ ما يَتَحقَّق أنَّه سمعَه، فإن شَكَّ استظهرَ. ٣٨ باب ٨ / ح ٦٢٣٥ فتح الباري بشرح البخاري ويُستَثنَى من رفع الصَّوت بالسَّلام ما إذا دَخَلَ على مكان فيه أيقاظٌ ونيامٌ، فالسُّنّة فيه ما ثَبَتَ في ((صحيح مسلم)) (٢٠٥٥) عن المقداد قال: كان النبيُّ ◌َّهِ يَجِيء من اللَّيل فيُسَلِّم تسليماً لا يُوقِظ نائماً ويُسمِع اليقظانَ. ونَقَلَ النَّوويّ عن المتولّي أَنَّه قال: يُكرَه إذا لَقِيَ جماعةً أن يُخُصّ بعضَهم بالسَّلام، لأنَّ القَصْدَ بمشروعيَّة السَّلام تحصيل الأُلفة، وفي التَّخصيص إيحاشٌ لغير مَن خُصَّ بالسَّلام. قوله: ((جَرِير)) هو: ابن عبد الحميد، والشَّيبانيّ: هو: أبو إسحاق، وأشعَث: هو ابن أبي الشَّعثاء، بمُعجَمٍ ثمَّ مُهمَلہ ثمّ مُئلَّة، فیه وفي أبيه، واسم أبيه: سُليم بن أسود. قوله: ((عن معاوية بن قُرّة))(١) كذا للأكثرِ، وخالَفَهم جعفر بن عَوْن(٢) فقال: عن الشَّيبانيِّ، عن أشعَث، عن سُويدٍ بن غَفَةَ، عن البراء، وهي رواية شاذّة، أخرجها الإسماعيلي. قوله: ((أمَرَنا النبيُّنَُّقَرَ بِسَبْعِ: بعيادةِ المريض)) الحديثَ، تقدَّم في اللِّباس (٥٨٦٣) أنَّهَ ذُكِرَ في عِدّة مواضع لم يَسُقْه بتمامه في أكثرها، وهذا الموضع ممّا ذكر فيه سبعاً مأموراتٍ وسبعاً مَنهيّاتٍ، والمراد مِنه هنا إفشاءُ السَّلام. وتقدَّم شرح عيادة المريض في الطِّبّ(٣)، واتّباع الجنائز فيه (١٢٣٩)، وعَونِ المظلوم في كتاب المظالم (٢٤٤٥)، وتَشميت العاطِس في أواخر الأدب (٦٢٢٢)، وسيأتي إبرار القَسَم (١) كذا قال الحافظ، وهو سبقُ قلم منه رحمه الله، لأنَّ الراوي عن البراء هذا الحديثَ إنما هو معاوية بن سُوَيد بن مُقرِّنٍ، ومعاوية بن قُرَّة في طبقته، لكن لم تُذكر له روايةٌ عن البراء بن عازب أصلاً. (٢) تحرَّف في (س) إلى: عوف. وإنما هو جعفر بن عَونٍ المخزومي الكوفي، وقد روى الحديثَ من طريقه أبو عوانة (١٤٩٧) و(٥٩٨٩)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) ٢٦٦/٣ و٩٤/٦، وابن عبد البر في ((التمهيد) ٢٧٤/١ من طرقٍ عن جعفر بن عون، عن الشيباني، عن أشعث، عن معاوية بن سُوَيد بن مُقرِّن، ولم نقف له على رواية قال فيها: عن سويد بن غَفَلة، بدل: معاوية بن سويد، فالذي يغلب على الظن أنَّ نسبة ذلك لجعفر بن عون، وهمٌّ، بل لم نقف على رواية لأحدٍ ذکر في إسناد الحدیث سوید بن غَفَلة، بدل: معاویة بن سوید، والله أعلم. (٣) بل في كتاب المرضى، الحديث رقم (٥٦٥٠). ٣٩ باب ٨ / ح ٦٢٣٥ كتاب الاستئذان في كتاب الأيمان والنَّذور (٦٦٥٤)، وسَبَقَ شرح المناهي في الأشربة (٥٦٣٥) وفي اللِّباس (٥٨٤٩ و ٥٨٦٣). وأمَّا نَصْرِ الضَّعيف المذكور هنا فسَبَقَ حُكْمُه في كتاب المظالم، ولم يقع في أكثر الرِّوايات في حديث البراء هذا، وإنَّمَا وَقَعَ بَدَلَه: إجابة الدّاعي، وقد تقدَّم شرحُه في كتاب الوليمة من كتاب النِّكاح (٥١٧٥). قال الكِرْ مانيُّ: نَصْرُ الضَّعيف من جُملة إجابة الدّاعي، لأنَّه قد يكون ضعيفاً، وإجابتُه نَصْرُه، أو أن لا مفهوم للعَدَدِ المذكور، وهو السَّبع فتكون المأموراتُ ثمانيةً. كذا قال، والذي يظهر لي أنَّ إجابة الدّاعي سَقَطَت من هذه الرِّواية، وأنَّ نَصْرَ الضَّعيف المرادُ به عَوْنُ المظلوم الذي ذُكِرَ في غير هذه الطَّريق(١)، ويُؤْيِّد هذا الاحتمال أنَّ البخاريَّ حَذَفَ بعض المأمورات من غالب المواضع التي أورَدَ الحديثَ فيها اختصاراً. قوله: ((وإِنْشَاءِ السَّلام)) تقدَّم في الجنائز(٢) بلفظ: وردِّ السَّلام، ولا مُغايرةَ في المعنى، لأنَّ ابتداء السَّلام ورَدَّه مُتَلازِمان، وإفشاءَ السَّلام ابتداءٌ يَستَلزِم إفشاءُه جواباً، وقد جاء إفشاء السَّلام من حديث البراء بلفظٍ آخر، وهو عندَ المصنِّ في ((الأدب المفرد» (٧٨٧ و٩٧٩ و١٢٦٦) وصَخَّحَه ابن حِبّان (٤٩١) من طريق عبد الرَّحمن بن عَوسَجة، عنه رَفَعَه: (أَفشُوا السَّلامَ تَسلَمُوا)». وله شاهد من حديث أبي الدَّرْداء مِثله عندَ الطبرانيّ(٣). ولمسلمٍ (٥٤) من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((ألا أدُلُّكم على ما تَحابُّونَ به؟ أَفشُوا السَّلامَ بينَكُمْ)). (١) كذا جزم الحافظ بعدم ورود ((عون المظلوم)) في هذه الطريق، وهو ذهولٌ منه رحمه الله، فقد ثبت هنا في اليونينية دون حكاية خلاف بين رواه البخاري في ذلك، هو ثابت أيضاً في الأصل الخطي الذي عندنا برواية أبي ذرِّ الهرويّ، وقد وقع في الرواية مجموعاً إلى ((نصر الضعيف))، فلا يستقيم تفسیره به، إذا العطفُ يقتضي المغايرة، ولعلَّ ((عون المظلوم)) سقط من نسخة الحافظ، والله أعلم. (٢) برقم (١٢٣٩)، ووقع كذلك في المظالم برقم (٢٤٤٥)، وفي اللباس برقم (٥٨٦٣)، وتقدم في هذا الكتاب أيضاً برقم (٦٢٢٢). (٣) لم نقف عليه في المطبوع من ((معاجمه))، وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ٣٠/٨: ولفظه: «أَفشُوا السلام كي تَعلُّوا»، قال الهيثمي: رواه الطبراني وإسناده جید. ٤٠ باب ٨ / ح ٦٢٣٥ فتح الباري بشرح البخاري قال ابن العربيّ: فيه أنَّ من فوائد إفشاء السَّلام حصولَ المحبَّة بين المتسالمين، وكأنَّ ذلك لِمَا ١٩/١١ فيه من ائتلاف الكلمة لتَعُمَّ المصلحة بوقوع المعاونة على إقامة شرائع الدّين وإخزاء الكافرين/ وهي كلمة إذا سُمِعَت أخلَصَتِ القلبَ الواعيَ لها عن النُّفور إلى الإقبال على قائلها. وعن عبد الله بن سَلَامٍ رَفَعَه: ((أَطِعِمُوا الطَّعامَ وأَفتُوا السَّلامَ)) الحديثَ، وفيه: (تَدخُلوا الجنَّة بسَلامِ)) أخرجه البخاريّ في ((الأدب المفرد))(١)، وصَخَّحَه التِّرمِذيّ (٢٤٨٥) والحاكم (١٣/٣). ولِلأوَّلَينِ(٢) وصَحَّحَه ابن حِبّان (٤٨٩) من حديث عبد الله بن عَمْرو رَفَعَه: ((اعبدوا الرَّحمن، وأَفْشُوا السَّلامَ)) الحديثَ، وفيه: ((تَدخُلُوا الجِنان)). والأحاديث في إفشاء السَّلام كثيرة، منها عندَ البَزَّار من حديث الزُّبَير، وعندَ أحمد من حديث عبد الله بن الزُّبَير (٣)، وعندَ الطبرانيِّ من حديث ابن مسعود (١٠٣٩٦) وأبي موسى(٤) وغیرهم(٥). ومنَ الأحاديث في إفشاء السَّلام ما أخرجه النَّسائيُّ (ك١٠١١٩) عن أبي هريرة رَفَعَه: ((إذا قَعَدَ أحدُكم فليُسَلِّم، وإذا قامَ فليُسَلِّم، فليستِ الأُولى أحقّ منَ الآخِرة)). وأخرج ابن أبي شَيْبة (٤٣٨/٨) من طريق مجاهد عن ابن عمر قال: إنْ كنتُ لَأخرُج إلى السُّوق وما لي حاجةٌ إلّا أن أُسلِّمَ ويُسلَّمَ عليَّ. وأخرج البخاريّ في ((الأدب المفرَد)) (١٠٠٦) من طريق الطَّفَيل بن أبيّ بن كعب، عن ابن (١) لم نقف عليه في المطبوع منه. (٢) البخاري في ((الأدب المفرد)) (٩٨١)، والترمذي (١٨٥٥). (٣) هذا سبْقُ قلمٍ من الحافظ رحمه الله، إذ العكس هو الصحيح، فحديث الزبير عند أحمد في ((المسند)) برقم (١٤١٢)، وحديث ابنه عبد الله عند البزار في ((المسند)) برقم (٢٢٣٢). (٤) هو في جملة ما سقط من ((المعجم الكبير))، وفاتَ الحافظ رحمه الله تخريجُه من ((السنن الكبرى)) للنسائي، إذ هو فيها برقم (٥٩٢٨). (٥) وأخرجه من حديث أبي أمامة برقم (٨١١٧)، وطارق بن شهاب برقم (٨٢٠٧) ومعاذ بن جبل ٢٠/ (٢١٦)، وهانئ بن شريح ٢٢/ (٤٦٧).