النص المفهرس

صفحات 1-20

فَبََّةُ النََّىُ
بشرّح صِيُّح البُخَارِيّ
تأليفُ
الإِقَامِ الْحَافِظِ سَابِ الِّينِ أُحَمَ بَنْ عَلِّ بْنِ حَرِ السَّقَّلَافِيّ
٧٧٣ - ٨٥٢ ھـ
أشرفَ على تحقيق الكتَابُ ورَاحَع
شُغَيْبٌ الأهوُوظ عادتٌ مُّشْد
شارك في تحقيقه
حقّق هذّا الجَزُورخّصَهُ وعَلْ عَلَيْ
مسلم عَامِرٍ
محمّدُ كَائِل قرهْ بَلَكِيّ
الجُزْءُ الْتَاسِع عَشْرُ
الرسالة العالمية

3

فَعُ النََّرِي
بشرّع صحِيُّح البُخاريّ
١٩

◌ِلّهِ الرَّحْدِ الرَّحِيمِ
نِـ
جَمْعَ الحَقُوقُ محفوظَة للنّاشِةْ
الطّبْعَة الأولىُّ
١٤٣٤ هـ -٢٠١٣م
دار الرسالة العالمية
جميع الحقوق محفوظة
يمنع طبع هذا الكتاب أو أي جزء منه بجميع طرق
الطبع والتطوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي
والمسموع والحاسوبي وغيرها إلا بإذن خطي من
شركة الرسالة العالمية م.م.
Publishers
الإدارة العامة
Head Office
دمشق - الحجاز
شارع مسلم البارودي
بناء خولي وصلاحي
2625
(963)11-2212773
(963)11-2234305
الجمهورية العربية السورية
Syrian Arab Republic
info@resalahonline.com
Lap://www.resalabonline.com
فرع بيروت
BEIRUT/LEBANON
TELEFAX: 815112- 319039- 818615
P.O. BOX:117460

كتاب الاستئذان
باب ١ / ح ٦٢٢٧
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كتاب الاستئذان
١ - باب بَدْءِ السلام
٣/١١
٦٢٢٧ - حدَّثنا يحيى بنُ جعفٍ، حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، عن مَعمٍَّ، عن هنَّام، عن أبي هريرةَ،
عن النبيِّ نَّه قال: ((خَلَقَ الله آدمَ على صُورِهِ، طولُهُ سِتُونَ ذِراعاً، فلمَّا خَلَقَه قال: اذهبْ فسَلِّم
على أولئكَ، نَفَرِ منَ الملائكةِ جُلوسٌ، فاستَمِعْ ما يُحُّونَكَ، فإنَّهَا تَحِيَّتُكَ وتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، فقال:
السَّلامُ عليكم، فقالوا: السَّلامُ عليكَ ورحمةُ الله، فزادُوه: ورحمةُ الله، فكلُّ مَن يَدخُلُ الجنَّةَ على
صُورةٍ آدَمَ، فلمْ يَزلِ الخلقُ يَنقُصُ بَعْدُ حتَّى الآنَ)).
((بسم الله الرَّحمن الرَّحيم. كتاب الاستِئْذان - باب بَدْء السَّلام)) الاستئذان: طلبُ الإذن
في الدُّخول لِمَحَلِّ لا يَملِكه المستأذِن.
وبَدْء: بفتحٍ أَوَّله والهمز: بمعنى الابتداء، أي: أوَّلُ ما وَقَعَ السَّلام، وإنَّما تَرجَمَ للسَّلام
مع الاستئذان، للإشارة إلى أنَّه لا يُؤْذَنُ(١) لمن لم يُسلِّم.
وقد أخرج أبو داود (٥١٧٧) وابن أبي شَيْبة (٦٠٦/٨ -٦٠٧) بسندٍ جيِّد عن رِبعيّ بن
حِرَاش، حدَّثني رجل: أَنَّه استأذَنَ على النبيِّ وَّهِ وهو في بيته فقال: أَِّجُ؟ فقال لخادِمِه:
((اخرُجْ إلى هذا فعَلِّمْه)) فقال: ((قُل: السَّلام عليكم، أَأَدخُل؟)) الحديث، وصَحَّحَه
الدّارَ قُطنيّ.
وأخرج ابن أبي شَيْبة (٨/ ٦٠٨) من طريق زيد بن أسلمَ: بَعَثَني أبي إلى ابن عمر فقلت:
أَلِجُ؟ فقال: لا تَقُل كذا، ولكن قُل: السَّلام عليكم، فإذا رُدَّ عليك فادخُل. ومن طريق
ابن أبي بُرَيدة (٦٤٦/٨): استأذَنَ رجل على رجل من الصحابة ثلاث مرَّات يقول: أَأَدخُل؟
(١) تحرَّف في (س) إلى: يؤمن!

٦
باب ١ / ح ٦٢٢٧
فتح الباري بشرح البخاري
وهو يَنظُر إليه لا يأذَن له، فقال: السَّلام عليكم، أَدخُلُ؟ قال: نعم، ثمَّ قال: لو أقَمتَ إلى
اللَّيل ... (١) وسيأتي مزيدٌ لذلك في الباب الذي يليه.
قوله: «حدّثنا يحيى بن جعفر)) هو الپیگنديّ.
قوله: ((خَلَقَ اللهُ آدَمَ على صُورته)) تقدَّم بيانه في بَدْء الخلق(٢)، واختُلِفَ إلى ماذا يعود
الضَّمير؟ فقيلَ: إلى آدم، أي: خَلَقَه على الصُّورة التي استَمرَّ عليها إلى أن أُهبِطَ وإلى أن ماتَ،
دَفْعاً لِتَوهُّمِ مَن يَظُنّ أنَّه لمَّا كان في الجنَّة كان على صِفَة أُخرى، أو ابتَدَأَ خَلْقُه كما وُجِدَ لم
يَنْتَقِّل في النَّشْأة كما يَنْتَقِل ولدُه من حالةٍ إلى حالة.
وقيل: للرَّدِّ على الدَّهريَّة أنَّه لم يكن إنسانٌ إلّا من نُطفة، ولا تكون نُطفةُ إنسانٍ إلّا من
إنسان، ولا أوَّلَ لذلك، فبيَّن أنَّه خُلِقَ من أوَّل الأمر على هذه الصُّورة.
وقيل: للرَّدِّ على الطَّبائعيِّينَ الزّاعِمينَ أنَّ الإنسان قد يكون من فِعل الطَّبع وتأثيره.
وقيل: للرَّدِّ على القَدَريَّةِ الزّاعِمِينَ أنَّ الإنسان يَخُلُق فِعلَ نفسِه.
وقيل: إنَّ لهذا الحديث سبباً حُذِفَ من هذه الرّواية، وأنَّ أوَّله قصَّةُ الذي ضَرَبَ عَبدَه
فَنَهاه النبيّ وََّ عن ذلك، وقال له: ((إنَّ الله خَلَقَ آدم على صورته))، وقد تقدَّم بيان ذلك
في كتاب العِتق (٢٥٥٩).
وقيل: الضَّمير لله، وتَسَّكَ قائلُ ذلك بما وَرَدَ في بعض طُرقه: ((على صُورة الرَّحمن))(٣)،
والمراد بالصُّورة: الصِّفةُ، والمعنى: أنَّ الله خَلَقَه على صِفَته من العلم والحياة والسَّمع والبَصَر
(١) كذا وقع في الأصلين و(س) بحذف بقية الحديث، وتمامه: لو أقمت إلى الليل تقول: أدخُل، ما أذنتُ لك
حتى تبدأ بالسلام.
(٢) بل في أول كتاب أحاديث الأنبياء، عند شرح الحديث (٣٣٢٦)، وكذا تقدم الكلام على بعض ذلك عند
شرح الحديث (٢٥٥٩) من كتاب العتق.
(٣) أخرجه ابن أبي عاصم في ((السنة)) برقم (٥١٧)، والطبراني في ((الكبير)) برقم (١٣٥٨٠)، والبيهقي في
((الأسماء والصفات)) برقم (٦٤٠) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال البيهقي بإثره: يحتمل أن
يكون لفظ الخبر في الأصل كما رُوِّينا في حديث أبي هريرة، فأدّاه بعض الرواة على ما وقع في قلبه ومعناه.
انتهى، وانظر كلام ابن خزيمة في ردِّه لهذا الحديث من جهة السند والمتن في ((التوحيد)) ١/ ٨٥ -٨٦.

٧
باب ١ / ح ٦٢٢٧
كتاب الاستئذان
وغير ذلك، وإن كانت صفات الله تعالى لا يُشبِهِها شيءٌ.
قوله: ((اذهَبْ فسَلُّم على أولئكَ)» فيه إشعارٌ بأنَّهم كانوا على بُعد، واستُدِلَّ به على إيجاب
ابتداء السَّلامِ لِوُرودِ / الأمر به، وهو بعيدٌ بل ضعيف لأنَّها واقعةُ حالٍ لا عُمومَ لها، وقد ٤/١١
نَقَلَ ابن عبد البَرِّ الإجماعَ على أنَّ الابتداء بالسَّلام سُنّة، ولكن في كلام المازَرِيّ ما يقتضي
إثباتَ خِلافٍ في ذلك، كذا زَعَمَ بعض من أدركناه وقد راجعت کلام المازَرِيّ وليس فيه ذلك،
فإنَّه قال: ابتداء السَّلامِ سُنّة ورَدُّه واجبٌ. هذا هو المشهور عندَ أصحابنا، وهو من عبادات
الكِفاية، فأشارَ بقوله: ((المشهور)) إلى الخِلاف في وجوب الردّ، هل هو فَرضُ عَينٍ أو كِفاية؟ وقد
صرَّح بعد ذلك بخلاف أبي یوسف کما سأذكره بعدُ.
نعم وَقَعَ في كلام القاضي عبد الوهّاب فيما نَقَلَه عنه عياضٌ قال: لا خِلاف أنَّ ابتداء
السَّلامِ سُنّةٌ أو فرضٌ على الكِفاية، فإن سَلَّمَ واحد من الجماعة أجزاً عنهم، قال عياض: معنى
قوله: فرضٌ على الكِفاية، مع نقل الإجماع على أنَّه سُنّةٌ، أنَّ إقامة السُّنَن وإحياءَها فَرضُ
على الكفاية.
قوله: (نَفَرِ منَ الملائكة)) بالخفضِ في الرِّواية، ويجوز الرَّفع والنَّصب، ولم أقِفْ على تعيينهم.
قوله: ((فاستَمِع)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: فاسمَع.
قوله: ((ما يُحَيُّونَك)) كذا للأكثرِ بالمهمَلة من التَّحيَّة، وكذا تقدَّم في خَلْق آدم (٣٣٢٦)
عن عبد الله بن محمَّد عن عبد الرَّزّاق، وكذا عندَ أحمد (٨١٧١) ومسلم (٢٨٤١) عن محمَّد
ابن رافع، كلاهما عن عبد الرَّزاق، وفي رواية أبي ذرِّ هنا بكسر الجيم وسكون التَّحتانيَّة
بعدها موحّدة من الجواب(١)، وكذا هو في ((الأدب المفرَد)» (٩٧٨) للمصنّف عن عبد الله
ابن محمَّد بالسَّنَد المذكور.
(١) وكذلك قال العيني في ((عمدة القاري)) ٢٢٩/٢٢، كذا قالا، مع أنه لم يُذكر في اليونينية أيّ اختلاف بین
رواه البخاري أن الرواية في ((الصحيح)) في الموضعين من التحية، وكذلك في الأصل الخطي الذي بأيدينا
برواية أبي ذرِّ الهرويّ.

٨
باب ١ / ح ٦٢٢٧
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فإنَّهَا)) أي: الكلمات التي يُحْيُّونَ بها أو يُجِيبونَ.
قوله: (تَحَيَُّك وَحَيَّة ذُرَيَّتك)) أي: من جهة الشَّرع، أو المراد بالذَّرّيَّة بعضُهم، وهم
المسلمونَ. وقد أخرج البخاريّ في ((الأدب المفرَد)) (٩٨٨) وابن ماجَهْ (٨٥٦) وصَحَّحَه
ابن ◌ُزَيمةَ (٥٧٤ و١٥٨٥) من طريق سُهَيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن عائشة مرفوعاً:
((ما حَسَدَتْكُمُ اليهودُ على شيء ما حَسَدُوكم على السَّلام والتَّأمين)). وهو يدلّ على أنَّه شُرِعَ
◌ِذه الأُمّة دُونَهم.
وفي حديث أبي ذرِّ الطَّويل في قصَّة إسلامه، قال: وجاء رسول الله وَّةٍ ... فذَكَر الحديثَ،
وفيه: فكنت أوَّلَ مَن حَيّهَ بَتَحَيَّة الإسلام، فقال: ((وعليكَ ورحمةُ الله)) أخرجه مسلم
(٢٤٧٣). وأخرج الطبرانيُّ (٧٥١٨) والبيهقيُّ في ((الشُّعَب)) (٨٧٩٨) من حديث أبي أمامةً
رَفَعَه: ((جَعَلَ اللهُ السَّلامَ تَحِيَّةً لِأُمَّتِنا، وأماناً لأهلٍ ذِمَّتنا».
وعندَ أبي داود (٥٢٢٧) من حديث عمران بن حُصَين: كنَّا نقول في الجاهليَّة: أَنعَمَ اللهُ بك
عَيناً، وأَنعِم صباحاً، فلمَّا جاء الإسلام نُهينا عن ذلك. ورجاله ثقات لكنَّه مُنقَطِع.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مُقاتل بن حَيّان قال: كانوا في الجاهليَّة يقولون: حُبّت مَساءً،
حُبّيْت صَباحاً، فغَيَّرَ الله ذلك بالسَّلام.
قوله: ((فقال: السَّلام عليكُم)) قال ابن بَطّال: يحتمل أن يكون الله عَلَّمَه كيفيَّة ذلك
تَنصيصاً، ويحتمل أن يكون فَهِمَ ذلك من قوله له: ((فسَلِّم)). قلت: ويحتمل أن يكون أهَمَه
ذلك، ويُؤْيِّده ما تقدَّم في ((باب الحمد للعاطِس))(١) في الحديث الذي أخرجه ابن حبان (٦١٦٤)
من وجه آخر عن أبي هريرة رَفَعَه: ((أنَّ آدم لمَّا خَلَقَه الله عَطَسَ، فألهَمَه ربُّه أن قال: الحمد لله»
الحديث، فلعلَّه أهَمَه أيضاً صِفَة السَّلام.
واستُدِلَ به على أنَّ هذه الصِّيغة هي المشروعة لابتداءِ السَّلام لقولِه: ((فهي تَيَّتُك وَيَّةُ
ذُرِّيَّتِكَ))، وهذا فيما لو سَلَّمَ على جماعة، فلو سَلَّمَ على واحد فسيأتي حُكمه بعد أبواب، ولو
(١) بل في باب ((إذا عطس كيف يشمَّت)) عند الحديث رقم (٦٢٢٤).

٩
باب ١ / ح ٦٢٢٧
كتاب الاستئذان
حَذَفَ اللّم فقال: سَلامٌ عليكُم، أَجزاً، قال الله تعالى: ﴿وَالْمَلَتِكَةُ يَدْخُلُونَ عَنِمِ مِنْكُلِّ بَابٍ
٢٣
سَلَمُ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٣-٢٤]، وقال تعالى: ﴿فَقُلْ سَلَمُّ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ
الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]، وقال تعالى: ﴿سَلَمُ عَلَى نُوجِ فِ الْعَلَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩] إلى غير ذلك،
لكن باللّام أولى لأنَّها للتَّفْخيمِ والتَّكثير، وثَبَتَ في حديث التَّشَهُد: ((السَّلام عليك أيُّها
النبيُّ)»(١).
قال عياض: ويُكرَه أن يقول في الابتداء: عليك السَّلام.
وقال النَّوويّ في ((الأذكار)): إذا قال المبتَدِئ: وعليكُمُ السَّلام، لا يكون سَلاماً ولا يَسْتَحِقّ
جواباً، لأنَّ هذه الصِّيغة لا تَصلُح للابتداءِ، قاله المُتولِّ، فلو قاله بغير واوٍ فهو سَلام، قَطَعَ/ ٥/١١
بذلك الواحديُّ، وهو ظاهر.
قال النَّوويّ: ويحتمل أن لا يُجِزِئ كما قيل به في التَّحَلَّل من الصلاة، ويحتمل أن لا يُعَدَّ
سَلاماً، ولا يَسْتَحِقّ جواباً، لِمَا رُوِّيناه في ((سُنَن أبي داود)) (٤٠٨٤ و٥٢٠٩) والتِّرمِذيّ
(٢٧٢٢) وصَحَّحَه وغيرُهما بالأسانيدِ الصَّحيحة عن أبي جُرَيٍّ - بالجيم والرَّاءِ مُصغَّر -
الهُجَيميّ - بالجيم مُصغَّراً - قال: أتيت رسولَ الله وَّل فقلت: عليك السَّلام يا رسول الله، قال:
((لا تَقُل: عليك السَّلام، فإنَّ عليك السَّلام تَحِيَّةُ الموتَى)) قال: ويحتمل أن يكون وَرَدَ لِبيان
الأكمل، وقد قال الغَزاليّ في (الإحياء)): يُكرَه للمُبتَدِئ أن يقول: عليكم السَّلام، قال
النَّوويّ: والمختار لا يُكرَه، ويَجِب الجوابُ، لأنَّه سلام.
قلت: وقوله: ((بالأسانيدِ الصَّحيحة)) يُوهم أنَّ له طُرقاً إلى الصحابيّ المذكور، وليس
كذلك، فإنَّه لم يَروِهِ عن النبيّ ◌ََِّ غير أبي جُرَيٌّ، ومع ذلك فمَدارُه عندَ جميع مَن أخرجه
على أبي تَميمة الهُجَيميِّ راويهِ عن أبي جُرَيٍّ، وقد أخرجه أيضاً أحمد (٥٩٥٥) والنَّسائيُّ
(ك: ١٩٦١٤ و١٠٠٧٨) وصَحَّحَه الحاكم (١٨٦/٤)، وقد اعتَرَضَ هو على (٢) ما دَلَّ عليه
(١) سلف برقم (٨٣١)، وقد رُوي التشهد أيضاً بحذف اللام عند أحمد (٢٦٦٥)، والترمذي (٢٩٠)، والنسائي
(١١٧٤) من حديث ابن عباس، وعند النسائي (١٠٦٤) من حديث أبي موسى الأشعري.
(٢) لفظة ((على)) سقطت من (س).

١٠
باب ١ / ح ٦٢٢٧
فتح الباري بشرح البخاري
الحديث بما أخرجه مسلم (٩٧٤) من حديث عائشة في خروج النبيِّ وٍَّ إلى البقيع، الحديثَ.
وفيه: قلت: كيف أقول؟ قال: ((قولي: السَّلام على أهل الدّيار من المؤمنينَ)).
قلت: وكذا أخرجه مسلم (٢٤٩) من حديث أبي هريرة: أنَّ النبيَّ وَّه قال لمَّا أتى
البَقّيعَ: ((السَّلام على أهل الدّيار من المؤمنينَ))(١) الحديثَ.
قال الخطَّبيُّ: فيه أنَّ السَّلام على الأموات والأحياء سواءٌ، بخلاف ما كانت عليه
الجاهليَّةُ من قولهم:
عليكَ سَلامُ اللّهِ قَيْسَ بِنَ عاصٍ
قلت: ليس هذا من شِعر أهل الجاهليَّة، فإنَّ قيس بن عاصم صحابيُّ مشهور عاشَ بعد
النبيِّ وَّهِ، والمَرْئيّةُ المذكورة لمسلم معروفٍ(٢) قالها لمَّا ماتَ قيسٌ، ومثلُه ما أخرج ابن سعد
(٣٣٣/٣ و٣٧٤) وغيرُه: أنَّ الجِنّ رَثَتْ عمرَ بن الخطّاب بأبيات مِنها:
عليك السَّلامُ مِن أَميرٍ وبارَكَت يَدُ اللَّهِ في ذاكَ الأَديم المُمَزَّقِ
وقال ابن العربيّ في السَّلام على أهل البقيع: لا يعارض النَّهيَ في حديث أبي جُرَيٍّ
لاحتمال أن يكون الله تعالى أحياهم لِنبيِّه ◌َّهِ فِسَلَّمَ عليهم سَلام الأحياء. كذا قال، ویَرُدّه
حديث عائشة المذكور.
قال: ويحتمل أن يكون النَّهيُ مخصوصاً بمَن يرى أنَّها تَحَيَّة الموتَى وبِمَن يَتَطَيَّر بها من
الأحياء، فإنَّها كانت عادةَ أهلِ الجاهليَّة وجاء الإسلام بخلاف ذلك.
(١) كذا ذكر الحافظ هنا لفظ حديث أبي هريرة، وهو سبق قلم منه رحمه الله، لأنه بيَّن في ((التلخيص الحبير))
٢/ ١٣٧ لفظه، وأنَّ لفظ حديث عائشة مغایرٌ له.
(٢) وهو عَبدة بن الطبيب، من مخضرمي الجاهلية والإسلام، والشطر المذكور هو صدر بيت من قصيدة له
يرثي فيها قيساً المذكور، وهو المنقري، سيد بني مِنْقَر، وعجزه:
ورحمتُه ما شاءَ أن يَتَرَّما
انظر (دیوان الحماسة)) ٣٢٨/١.

١١
باب ١ / ح ٦٢٢٧
كتاب الاستئذان
وقال عياضٌ وتَبِعَه ابن القَيِّم في ((الهدي)) فَقَّحَ كلامه فقال: كان من هَدْي النبيِّ وَلَّ
أن يقول في الابتداء: السَّلام علیگُم، ويُکره أن يقول: علیکم السَّلام، فذكر حديث أبي
جُرَيٍّ وصَخَّحَه، ثمَّ قال: أَشكَلَ هذا على طائفة وظنُّوه مُعارضاً لحديثٍ عائشة وأبي هريرة
وليس كذلك، وإنَّما معنى قوله: ((عليك السَّلامُ تَحِيَّةُ الموتَى)) إخبارٌ عن الواقع لا عن الشَّرع،
أي: أنَّ الشُّعَراء ونحوَهم يُحِيُّونَ الموتَى به، واسْتَشْهَدَ بالبيت المتقدِّم. وفيه ما فيه. قال: فكَرِهَ
النبيّ وَّهِ أن يُحِنَّى بَتَحَيَّة الأموات.
وقال عياض أيضاً: كانت عادة العرب في تَحَيَّة الموتَى تأخيرُ الاسم، كقولهم: عليه لعنةُ الله
وَضَبُهُ، عندَ الذَّمَ، وكقوله تعالى: ﴿ وَ إِنَّ عَلَيْكَ اُللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الحجر: ٣٥]. وتُعقّبَ بأنَّ
النَّصّ في الملاعَنة وَرَدَ بتقديم اللَّعنة والغَضب على الاسم.
وقال القُرطُبيّ: يحتمل أن يكون حديث عائشة لمَن زارَ المقبَرَة فسَلَّمَ على جميع مَن بها،
وحديث أبي جُرَيٍّ إثباتاً ونَفْياً في السَّلام على الشّخص الواحد.
ونَقَلَ ابن دقيق العيد عن بعض الشافعيَّة أنَّ المبتَدِئ لو قال: عليكمُ السَّلام، لم يَجُزُ،
لأنَّهَا صِيغة جوابٍ، قال: والأَّولى الإجزاء لِحُصُولِ مُسَمَّى السَّلام، ولأنَّهم قالوا: إنّ
المصَلّى يَنوي بإحدى التَّسليمَتَينِ الردَّ على مَن حَضَرَ، وهي بصيغة الابتداء. ثمَّ حكى عن
أبي الوليد بن رُشد: أنَّه يجوز الابتداء بلفظ الردّ وعكسِه، وسيأتي مزيدٌ لذلك في ((باب مَن
رَدَّ فقال: عليك السَّلام)) (٦٢٥١) إن/ شاء الله تعالى.
٦/١١
قوله: ((فقالوا: السَّلام عليك ورحمة الله)) كذا للأكثرِ في البخاريّ هنا، وكذا للجميع في
بَدْء الخلق(١). ولأحمد (٨١٧١) ومسلم (٢٨٤١) من هذا الوجه من رواية عبد الرَّزّاق،
ووَقَعَ هنا للكُشْمِيهنيّ: ((فقالوا: وعليك السَّلام ورحمة الله)) وعليها شرح الخطَّابيّ، واستُدِلَّ
برواية الأكثر لمَن يقول: يُجْزِئ في الردّ أن يقع باللَّفْظِ الذي يُبْتَدَأ به كما تقدَّمَ، قيل: ويكفي
أيضاً الردُّ بلفظ الإفراد، وسيأتي البحث في ذلك في ((باب مَن رَدَّ فقال: عليك السَّلام)).
(١) بل في ((باب خلق آدم)) من كتاب أحاديث الأنبياء، الحديث رقم (٣٣٢٦).

١٢
باب ١ / ح ٦٢٢٧
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فزادُوه: ورحمةُ الله)) فيه مشروعيَّة الزّيادة في الردِّ على الابتداء، وهو مُستَحَبُّ
بالاتِّفاق لِوقوع التَّحيَّة في ذلك في قوله تعالى: ﴿فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾ [النساء: ٨٦]،
فلو زاد المبتَدِئ: ((ورحمة الله)) استُحِبَّ أن يُزاد: ((وبَرَكاته))، فلو زاد: ((وبَرَ كاته)) فهل تُشرَع
الزّيادة في الردِّ؟ وكذا لو زاد المبتَدِئ على: ((وبَرَكاته)) هل يُشرَع له ذلك؟
أخرج مالك في ((الموطَّأ)) (٩٥٩/٢) عن ابن عبّاس قال: انتهى السَّلام إلى البَرَكة.
وأخرج البيهقيُّ في ((الشُّعَب)) (٨٤٩٠) من طريق عبد الله بن بابيه، قال: جاء رجل إلى ابن
عمر فقال: السَّلام عليكم ورحمة الله وبَرَكاته ومَغْفِرَته، فقال: حَسْبُكَ إلى: وبَرَكاته،
انتهتْ إلى: وبَرَكاته. ومن طريق زُهْرة بن مَعبَد قال: قال عمر (١): انتهى السَّلام إلى وبَرَكاته.
ورجاله ثقات.
وجاء عن ابن عمر الجوازُ، فأخرج مالكٌ أيضاً في («الموطَّأ) (٩٦٢/٢) عنه أنَّه زاد في
الجواب: والغادياتِ والرَّائحاتِ. وأخرج البخاريّ في ((الأدب المفرد)) (١٠١٦) من طريق
عَمْرو بن شُعَيب عن سالم مولى ابن عمر قال: كان ابن عمر يزيد إذا رَدَّ السَّلام، فأتيتُه مرَّةً،
فقلت: السَّلام عليكُم، فقال: السَّلام عليكم ورحمة الله، ثمَّ أتيتُهُ فِزِدت: وبَرَ كاتُه، فَرَدَّ وزادَ:
وطَيِّبُ صَلَواتِهِ. ومن طريق زيد بن ثابت (١٠٠١) أنَّ كَتَبَ إلى معاوية: السَّلام علیکم یا
أمير المؤمنينَ ورحمة الله وبَرَ كاتُه ومَغْفِرَتُه وطَيِّبُ صَلَواتِهِ.
ونَقَلَ ابن دقيق العيد عن أبي الوليد بن رُشد أنَّه يُؤخَذ من قوله تعالى: ﴿فَحَيُواْ بِأَحْسَنَ
مِنْهَا﴾ الجوازُ في الزّيادة على البَرَكة إذا انتهى إليها المبتَدِئ. وأخرج أبو داود (٥١٩٥)
والتِّرمِذيّ (٢٦٨٩) والنَّسائيُّ (ك١٠٠٩٧) بسندٍ قويّ عن عمران بن حُصَين قال: جاء
رجل إلى النبيِّ نَّهِ فقال: السَّلام عليكُم، فَرَدَّ عليه، وقال: ((عَشْرٌ)). ثمَّ جاء آخَرُ، فقال:
السَّلام عليكم ورحمة الله، فَرَدَّ عليه وقال: ((عِشرونَ)) ثمَّ جاء آخَرُ فزاد: وبَرَ كاته، فرَدَّ
(١) الذي في المطبوع من (شعب الإيمان)) (٩٠٩٦) من طريق زهرة بن معبد عن عروة بن الزُبير، وكذا وقع
في «الدر المنثور)) ٦٠٦/٢ و«كنز العمال)» (٢٥٧٣١): عن عروة بن الزبير، ولم نقف عليه من طريق زهرة
ابن معبد عن عمر.

١٣
باب ١ / ح ٦٢٢٧
كتاب الاستئذان
وقال: ((ثلاثونَ)). وأخرجه البخاريّ في ((الأدب المفرَد)) (٩٨٦) من حديث أبي هريرة، وصَحَّحَه
ابن حِبّان (٤٩٣) وقال: ((ثلاثونَ حَسنةً»، وكذا فيما قبلها، صَرَّحَ بالمعدودِ.
وعندَ أبي نُعَيم في ((عَمَل يومٍ وليلة)(١) من حديث عليٍّ أنَّه هو الذي وَقَعَ له مع النبيِّ ◌َّ
ذلك. وأخرج الطبرانيُّ (٥٥٦٣) من حديث سَهل بن حُنَيف بسندٍ ضعيف رَفَعَه: ((مَن
قال: السَّلام عليكم، كُتِبَ له عشرُ حَسَناتٍ، ومَن زاد: ورحمةُ الله، كُتِبَ له عِشرونَ حَسنةً،
ومَن زاد: وبَرَ كاته، كُتِبَت له ثلاثونَ حَسنةً».
وأخرج أبو داود (٥١٩٦) من حديث سَهل بن معاذ بن أنس الجُهَنيِّ عن أبيه بسندٍ
ضعيف نحوَ حديث عمران، وزاد في آخره: ثمَّ جاء آخَرُ فزاد: ومَغْفِرَتُه، فقال: ((أربعونَ))
وقال: ((هكذا تكون الفضائلُ».
وأخرج ابن السُّنِّيِّ في كتابه(٢) بسندٍ واهٍ من حديث أنس قال: كان رجل يَمُرّ فيقول: السَّلام
عليك يا رسولَ الله، فيقول له: ((وعليك السَّلام ورحمةُ الله وبَرَ كاتُه ومَغْفِرَتُه ورِضوانُه)».
وأخرج البيهقيُّ في ((الشُّعَب)) (٨٨٨١) بسندٍ ضعيف أيضاً من حديث زيد بن أرقَم:
كنَّا إذا سَلَّمَ علينا النبيُّ ◌َِّ قلنا: وعليك السَّلام ورحمة الله وبَرَكاته ومَغْفِرَته.
وهذه الأحاديث الضَّعيفة إذا انضَمَّت قَوِيَ ما اجتَمَعَت عليه من مشروعيَّة الزّيادة على:
وبَرَ کاته.
واتَّفَقَ العلماء على أنَّ الردَّ واجبٌ على الکفایة، وجاءعن أبي يوسف أنَّه قال: مَجِبُ الرُّعلى
كلّ فَرْدٍ فَرْدٍ، واحتُّجَّ له بحديثِ الباب، لأنَّ فيه: ((فقالوا: السَّلام عليك)). وتُعقِّبَ بجوازٍ/ أن ٧/١١
يكون نُسِبَ إليهم والمتكلِّم به بعضُهم. واحتُّجَّ له أيضاً بالاتّفاق على أنَّ مَن سَلَّمَ على جماعة
فَرَدَّ عليه واحدٌ من غيرهم لم يُجْزِئْ عنهم. وتُعقِّبَ بظُهورِ الفَرْق.
(١) وأخرجه قبلَه البزار (٨٠٨)، وابن السُّنِّي في ((عمل اليوم والليلة)) (٢٣٢)، وقال الهيثمي ٨/ ٣٠: فيه مختار بن
نافع التيمي وهو ضعيف، وفيه عبيد بن إسحاق العطار، وهو متروك. قلنا: وكذَّبه ابن معين في رواية.
(٢) ((عمل اليوم والليلة)) برقم (٢٣٥).

١٤
باب ١ / ح ٦٢٢٧
فتح الباري بشرح البخاري
واحتُجَّ للجُمهورِ بحديثٍ عليٍّ رَفَعَه: ((يُجْزِئُ عن الجماعة إذا مَرُّوا أن يُسَلِّم أحدُهم،
ويُجزئُ عن الجلوس أن يَرُدَّ أحدُهم)) أخرجه أبو داود (٥٢١٠) والبزَّار (٥٣٤)، وفي سنده
ضعف، لكن له شاهد من حديث الحسن بن عليّ عندَ الطبرانيِّ (٢٧٣٠) وفي سنده مقالٌ،
وآخرُ مُرسَل في ((الموطَّأ)» (٢/ ٩٥٩) عن زيد بن أسلمَ.
واحتَجَّ ابن بَطّال بالاتّفاق على أنَّ المبتَدِئ لا يُشتَرَط في حَقّه تَكرير السَّلام بعَدَدِ مَن
يُسَلِّم عليهم، كما في حديث الباب مِن سَلام آدمَ وفي غيره من الأحاديث، قال: فكذلك لا
يجب الردّ على كلّ فردٍ فردٍ إذا سَلَّمَ الواحدُ عليهم.
واحتَجَّ الماورديُّ بصِحّة الصلاة الواحدة على العَدَد من الجنائز. وقال الحَلِيميّ: إنَّما
كان الردُّ واجباً، لأنَّ السَّلام معناه الأَمانُ، فإذا ابتَدَأْ به المسَلِّمُ أخاه فلم يُحِبْهُ فإنَّه يُتوهَم مِنه
الشرُّ، فيجب عليه دَفْعُ ذلك النَّوهُّم عنه. انتهى كلامه.
وسيأتي بيان معاني لفظ السَّلام في ((باب السَّلام اسم من أسماء الله تعالى)) (٦٢٣٠)،
ويُؤْخَذ من كلامه موافقة القاضي حُسَين حيثُ قال: لا يجب رَدُّ السَّلام على مَن سَلَّمَ عندَ
قيامه من المجلس إذا كان سَلَّمَ حين دَخَلَ، ووافَقَه المُتولِّ، وخالَفَه المُستَظهريّ فقال:
السَّلامِ سُنّة عندَ الانصِراف فيكون الجواب واجباً، قال النَّوويّ: هذا هو الصَّواب، كذا
قال.
قوله: ((فكلّ مَن يَدخُل الجنَّة)) كذا للأكثرِ هنا وللجميع في بَدْء الخلق(١)، وَقَعَ هنا لأبي
ذرٍّ: ((فكلّ مَن يَدخُل، يعني: الجنَّة)) وكأنَّ لفظ ((الجنَّة)) سَقَطَ من روايته فزاد فيه: يعني.
قوله: ((على صُورة آدمَ)) تقدَّم شرح ذلك في بَذْء الخَلْق.
قال المهلَّب: في هذا الحديث أنَّ الملائكة يتكلَّمونَ بالعربيَّة ويَتَحَيَّونَ بتَحيَّة الإسلام.
قلت: وفي الأوَّل نظرٌ لاحتمال أن يكون في الأَزَل بغير اللِّسان العربيِّ، ثمَّ لمَّ حكى
(١) بل في أحاديث الأنبياء (٣٣٢٦)، وسيعيد الحافظُ العزوَ لبدء الخلق قريباً مرتين، وإنما هو في أحاديث
الأنبياء کما قلنا.

١٥
باب ٢ / ح ٦٢٢٨
كتاب الاستئذان
للعَرَبِ تَرجَمَ بلسانهم، ومن المعلوم أنَّ مَن ذُكِرَت قَصَصُهم في القرآن من غير العرب نُقِلَ
كلامُهم بالعربيِّ، فلم يَتَعيَّن أنَّهم تَكلَّموا بما نُقِلَ عنهم بالعربيِّ، بل الظّاهر أنَّ كلامَهم
تُرجِمَ بالعربيِّ.
وفيه الأمر بتَعلُّم العلم من أهله، والأخذُ بنزولٍ مع إمكان العُلوّ، والاكتِفاءُ في الخبر مع
إمكان القَطْع بما دُونَه.
وفيه أنَّ المدّة التي بين آدم والبَعْثة المحمَّديَّة فوق ما نُقِلَ عن الإخباريِّنَ من أهل الكتاب
وغيرهم بكثيرٍ، وقد تقدَّم بيان ذلك ووجه الاحتجاج به في بَدْء الخلق.
٢ - باب قول الله تعالى:
﴿لَا تَدْخُلُواْ بُوتًّا غَيّرَ بُيُوتِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ [النور: ٢٧ -٢٩]
وقال سعيدُ بنُ أبي الحسنِ للحَسَنِ: إِنَّ نساءَ العَجَمِ يَكْشِفْنَ صُدُورَهُنَّ ورؤوسَهُنَّ، قال:
اصِفْ بَصَرَكَ عنهنَّ، يقولُ الله تعالى: ﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبَصَرِهِمْ وَيَحْفَظُواْ
فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠]. قال قَتَادةُ: عَّا لا يَحِلُّ لهم، ﴿وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ هِنَّ
وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَ﴾ [النور: ٣١].
بعبر»
﴿خَِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ [غافر: ١٩]: منَ النَّظَرِ إلى ما نُِّيَ عنه.
وقال الزُّهْرِيُّ في النَّظَرِ إلى اللائي لم يَحِضْنَ منَ النِّساءِ: لا يَصْلُحُ النَّظَرُّ إلى شيءٍ منهنَّ ثَمّن
يُشْتَهِى النَّظَرُ إليه، وإن كانت صغيرةً.
وكَرِهَ عطاءُ النَّظَرَ إلى الجَوَارِي التي يُبَعْنَ/ بمَكّةَ، إلّا أن يريدَ أن يَشْتَرِيَ.
٨/١١
٦٢٢٨ - حدَّثْنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني سليمانُ بنُ يَسارٍ،
أخبرني عبدُ الله بنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: أَرْدَفَ رسولُ اللهِ وَِّ الفَضْلَ بنَ عبَّاسٍ يومَ
النَّحْرِ خَلْفَه على عَجُزِ راحِلَتِهِ، وكان الفَضْلُ رجلاً وَضِيئاً، فَوَقَفَ النبيُّ وَِّ للنّاسِ يُفْتِهم،
وأقبَلَتِ امرأةٌ من خَثْعَمَ وَضِيئَةٌ تَسْتَفْتِي رسولَ الله وَّةِ، فَطَفِقَ الفَضْلُ يَنظُرُ إليها وأعجَبَه

١٦
باب ٢ / ح ٦٢٢٩
فتح الباري بشرح البخاري
حُسْنُها، فالتَفَتَ النبيُّ وَّهِ والفَضْلُ يَنظُرُ إليها، فأخلَفَ يَدَهُ فأخَذَ بَذَقَنِ الفَضْلِ فَعَدَلَ وَجْهَه
عن النَّظَرِ إليها، فقالت: يا رسولَ الله، إنَّ فِرِيضةَ الله في الحجِّ على عبادِه أدْرَكَت أبي شيخاً كَبِيراً لا
يستطيعُ أن يَستَوِيَ على الرَّاحلةِ، فهل يَقْضي عنه أن أَحُجَّ عنه؟ قال: ((نَعَمْ)).
٦٢٢٩- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، أخبرنا أبو عامٍ، حدَّتنا زُهَيْرٌ، عن زيدِ بنِ أسلَمَ، عن
عطاءِ بنِ يَسارٍ، عن أبي سعيدِ الخُدْرِيِّ ه، أنَّ النبيَّ ◌َّهِ قال: ((إيّاكُمْ والجلوسَ بالطُّرُقاتِ))
فقالوا: يا رسولَ الله، ما لنا من تَجَالِنا بُدُّ نَتَحدَّثُ فيها، فقال: ((فإذا أبيتُم إلّ المَجْلِسَ،
فَأَعْطُوا الطَِّيقَ حَقَّه) قالوا: وما حَقُّ الطَّرِيقِ يا رسولَ الله؟ قال: ((غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأذَى، ورَدُ
السَّلامِ، والأمرُ بالمعروفِ، والنَّهْيُ عن المُنكّرِ)).
قوله: ((باب قول الله تعالى)) في رواية أبي ذرٍّ: قوله تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتًّا غَيْرَ بُوتِكُمْ
إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ [النور: ٢٧-٢٩]، وساقَ في رواية كَرِيمة والأَصِيلِيّ الآياتِ
الثلاثَ، والمراد بالاستئناس في قوله تعالى: ﴿حَقَّى تَسْتَأْنِسُواْ﴾: الاستئذانُ بتَنحنُحِ ونحوِه
عند الجمهور.
وأخرج الطَّبَرَيُّ من طريق مجاهد: ﴿حَقَّ تَسْتَأْنِسُواْ﴾: تَتَنَحْنَحُوا أو تَتَنَخَّمُوا. ومن
طريق أبي عُبيدة بن عبد الله بن مسعود: كان عبد الله إذا دَخَلَ الدّار استأنسَ يتكلّم ويَرفَع
صَوتَه(١).
وأخرج ابن أبي حاتم (٨/ ٢٥٦٧) بسندٍ ضعيف من حديث أبي أيوب قال: قلت: یا
رسولَ الله، هذا السَّلامُ، فما الاستئناسُ؟ قال: ((يتكلّم الرَّجلُ بتَسْبِيحةٍ أو تكبيرةٍ ويَتَحنَح
فِيُؤْذِنُ أهلَ البيتِ».
وأخرج الطََّرُّ من طريق قَتَادة قال: الاستِناسُ: هو الاستئذانُ ثلاثاً، فالأُولى ليُسمَعَ،
والثّانيةُ ليَتَأَهَّبوا له، والثّالثةُ إن شاؤوا أَذِنُوا له وإن شاؤوا رَدُّوا.
والاستئناسُ في اللُّغة: طلبُ الإيناسِ: وهو من الأَنْس بالضَّمِّ ضِدُّ الوَحْشَة، وقد تقدَّم
(١) أخرجه ابن سعد في ((الطبقات)) ١٥٤/٣، وابن أبي حاتم في ((تفسيره)) ٢٥٦٦/٨.

١٧
باب ٢ / ح ٦٢٢٩
كتاب الاستئذان
في أواخر النِّكاح (٥١٩١) في حديث عمر الطّويل في قصَّة اعتزال النبيِّ وَ لالنساءَه وفيه: فقلت:
أَستأنِسُ يا رسول الله؟ قال: ((نعم)) قال: فجَلَسَ(١).
وقال البيهقيُّ: معنى ((تَستأنِسُوا)): تَستَبَصِرُوا ليكونَ الدُّخول على بَصيرةٍ، فلا يُصادِفُ
حالةً يَكرَه صاحبُ المنزل أن تَطَلِعوا عليها. وأخرج من طريق الفَرّاء قال: الاستئناس في
كلام العرب معناه: انظُرُوا مَن في الدّار. وعن الحَلِيميّ: معناه: حتَّى تَستأنِسوا بأن تُسَلِّموا.
وحكى الطَّحاويُّ أنَّ الاستئناس في لُغة اليمن الاستئذانُ.
وجاء عن ابن عبّاس إنكارُ ذلك، فأخرج سعيد بن منصور والطََّريّ (١١٠/١٨)
والبيهقيُّ في ((الشُّعَب)) (٨٨٠٣ و٨٨٠٤) بسندٍ صحيح: أنَّ ابن عبّاس كان يقرأ ((حتَّى
تَستأذِنوا)) ويقول: أخطأ الكاتب. وكان يقرأ على قراءة أُبيِّ بن كعب، ومن طريق مُغيرة بن
مِقسَمٍ (١١٠/١٨) عن إبراهيم النَّخَعيِّ قال: في مُصحَف ابن مسعود: ((حتَّى تَستأذِنوا)).
وأخرج سعيد بن منصور من طريق / مُغيرة عن إبراهيم قال: في مُصحَف عبد الله: ((حتَّى ٩/١١
تُسَلِّموا على أهلها وتَستأذِنوا))، وأخرجه إسماعيل بن إسحاق في ((أحكام القرآن)) عن ابن
:
عبَّاس واستَشكَلَه، وكذا طَعَنَ في صِحَّته جماعةٌ ثَمَّن بعده(٢).
وأُجِيبَ بأنَّ ابن عِبَّاس بَناهُ على قراءته التي تَلَقّاها عن أُبيِّبن كعب، وأمَّ اتَّفاق الناس على
قراءتها بالسِّين، فلِمُوافَقة خَطِّ المصحَف الذي وَقَعَ الاتِّفاق على عَدَم الخروج عمَّا يُوافقُه،
وكأنَّ قراءةَ أُبيِّ من الأحرُف التي تُرِكَتِ القراءةُ بها كما(٣) تقدَّم تقريره في فضائل القرآن (٤).
وقال البيهقيُّ: يحتمل أن يكون ذلك كان في القراءة الأولى ثمَّ نُسِخَت تِلاوتُه، يعني:
(١) قوله: ((قال: نعم، فجلس))، لم يرد في شيء من روايات البخاري حسب ما في اليونينية، لكنه جاء في بعض
روايات الحديث، كرواية مسلم (١٤٧٩) (٣٤)، والنسائي في ((الكبرى)) (٩١١٢)، لكن بلفظ: فجلستُ.
(٢) كأبي جعفر النحاس في ((الناسخ والمنسوخ)) ص ٥٨٧، والبيهقي في ((الشُّعَب)) بإثر (٨٨٠٤)، وابن
العربي في ((أحكام القرآن)) ٣/ ٣٧٠، وغيرهم.
(٣) وقع في الأصلين: نزلت القراءةُ بها، بدل: تُرِكَتِ القراءةُ بها، والمثبت من ((شرح القسطلّاني)) حيث نقل
عبارة الحافظ هذه، وكذلك جاء في (س)، وكلاهما صحيح، لأنها نزلت كذلك ثم تُركت.
(٤) عند شرح الحديثين (٤٩٩١) و(٤٩٩٢).

١٨
فتح الباري بشرح البخاري
ولم يَطَّلِعِ ابنُ عبَّاسٍ على ذلك.
قوله: ((وقال سعيد بن أبي الحسن)) هو البصريُّ أخو الحَسَنِ.
قوله: «للحَسنِ» أي: لأخيه.
قوله: ((إنَّ نساء العَجَم يَكْشِفْنَ صُدُورَهنَّ ورُؤوسَهُنَّ، قال: اصِرِفْ بَصَرك عنهنَّ، يقول الله
تعالى: ﴿قُل لِلْمُؤْمِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ﴾، قال قَتَادةُ: عَّا لا يَحِلّ لهم))
كذا وَقَعَ في رواية الكُشْمِيهنيّ، ووَقَعَ في رواية غيرِه بعد قوله: ((اصِرِف بَصَرك)): وقول الله
عزَّ وجلَّ ﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ﴾ إلى آخره، فعلى رواية الكُشْمِيهنيِّ يكون
الْحَسَنُ اسْتَدَلَّ بالآية، وأورَدَ المصنّف أثر قَتَادة تفسيراً لها، وعلى رواية الأكثر تكون ترجمةً
مُستأنَفةً، والنُّكتة في ذِكْرها في هذا الباب على الحالَينِ للإشارة إلى أنَّ أصل مشروعيّة
الاستئذان، للاحترازِ من وقوع النَّظَر إلى ما لا يريد صاحبُ المنزل النَّظَرَ إليه لو دُخِلَ بغير
إذنٍ، وأعظَمُ ذلك النَّظَرُ إلى النِّساء الأجنبيّات، وأثرُ قَتَادةَ عندَ ابن أبي حاتم (٢٥٧٢/٨)
وَصَلَه من طريق يزيدَ بنِ زُرَيع عن سعيد بن أبي عَرُوبة عنه في قوله تعالى: ﴿ وَيَحْفَظُواْ
فُرُوجَهُمْ﴾ قال: عمّا لا يَحِلّ لهم.
قوله: ﴿ وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ مِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: ٣١])) كذا للأكثرِ
تَخَلَّلَ أثرُ قَتَادة بين الآيتين، وسَقَطَ جميعُ ذلك من رواية النَّسَفيِّ، فقال بعد قوله: ﴿حَقّ
تَسْتَأْنِسُواْ﴾: الآيَتَينِ، وقول الله عزَّ وجلّ: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ﴾ الآية ﴿وَقُل
لِلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ﴾.
قوله: ((﴿خَبِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ من النَّظَرِ إلى ما نُهِيَ عنه)) كذا للأكثرِ بضمٌّ نونِ (نُهِيَ)) على
البناء للمجهول، وفي رواية كَرِيمة: إلى ما نَهَى الله عنه. وسَقَطَ لفظ ((من)) من رواية أبي ذرٍّ.
وعندَ ابن أبي حاتم من طريق ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَبِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ قال: هو الرجل
يَنظُر إلى المرأة الحَسْناء تمُّ به أو يَدخُل بيتاً هي فيه، فإذا فُطِنَ له غَضَّ بَصَرَه، وقد عَلِمَ اللهُ
تعالى أنَّه يَوَدُّ لو الطَّلَعَ على فَرْجها وإن قَدَرَ عليها لزنى بها. ومن طريق مجاهد وقَتَادة

١٩
باب ٢ / ح ٦٢٢٩
كتاب الاستئذان
نحوه. وكأنَّهم أرادوا أنَّ هذا من جُملة خائنة الأعين.
وقال الكِرْمانيّ: معنى ﴿يَعْلَمُ خَبِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾: أنَّ اللهَ يعلم النَّظرة المُستَرَقة إلى ما لا
يَحِلّ، قال: وأمَّا خائنة الأعين التي ذُكِرَت في الخصائص النبويَّة فهي الإشارة بالعين إلى أمرٍ
مُباح لكن على خِلاف ما يظهر منه بالقول.
قلت: وكذا السُّكوت المُشعِر بالتَّقرير، فإنَّه يقوم مقام القول، وبيان ذلك في حديث
مُصعَب بن سعد بن أبي وقّاص عن أبيه قال: لمَّا كان يومُ فتح مَكّة أمَّنَ رسولُ اللهِ وَلِّ
الناس إلّا أربعة نَفَر وامرأتين، فذكر منهم عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح، إلى أن قال: فأمَّا
عبد الله فاختَبَأ عندَ عثمان، فجاء به حتَّى أوقَفَه فقال: يا رسول الله، بابِعْهُ، فأعرَضَ عنه،
ثمَّ بايعَه بعدَ الثلاثِ مَرَّات، ثمَّ أقبَلَ على أصحابه، فقال: ((أَمَا كان فيكم رجلٌ يقوم إلى
هذا حيثُ رآني كَفَفت يَدِي عنه فيَقتُلَه؟!)) فقالوا: هَلّا أَومْتَ، قال: ((إنَّه لا ينبغي لِنبيِّ أن
تكون له خائنةُ الأعين)) أخرجه الحاكم من هذا الوجه(١)، وأخرجه ابن سعد في ((الطَّقات))
(٢/ ١٤١) من مُرسَل سعيد بن المسيّب أخصَر مِنه، وزاد فيه: وكان رجل من الأنصار نَذَرَ
إن رأى ابنَ أبي سَرْح أن يَقتُلَه، فذَكَر بَقيَّة الحديث نحوَ حديث ابن عبّاس(٣)، وأخرجه
الدّارَ قُطْنيُّ (٢٧٩٣) من طريق سعيد بن يَربوع، وله طرق أُخرى يَشُدُّ بعضُها بعضاً.
قوله: ((وقال الزُّهْريّ في النَّظَر إلى اللائي لم يَحِضْنَ لم تَحِض من النِّساء: لا يَصْلُحِ النَّظرُ إلى ١٠/١١
شيءٍ منهنَّ مَّن يُشْتَهی النّظَر إلیه، وإن كانت صغيرة» كذا للأكثر، وفي رواية الگُشْمِيهنيّ: في
النَّظَر إلى ما لا يَحِلّ من النِّساء لا يَصلُح، إلى آخره، وقال: النَّظَر إليهنَّ. وسَقَطَ هذا الأثر
والذي بعده من رواية النَّسَفيِّ.
(١) في ((المستدرك)) ٤٥/٣ من طريق أبي داود سليمان بن الأشعث، وهو في ((سننه)) برقم (٢٦٨٣)
و (٤٣٥٩) وقد فات الحافظ رحمه الله أن يعزوه له وللنسائي (٤٠٦٧) من الوجه المذكور.
(٢) كذا قال الحافظ، وهو سبق قلم منه رحمه الله، أراد أن يقول: نحو حديث سعد بن أبي وقاص، فقال: نحو
حديث ابن عباس، إذ لم يتقدم لابن عباس ذكرٌ في قصة ابن أبي سَرْح، وقد روى أبو داود (٤٣٥٨)، والنسائي
(٤٠٦٩) بسند قوي عن ابن عباس أنَّ النبي ◌َ ل أمر بابن أبي سَرْح أن يُقتل يوم الفتح، فاستجار له عثمانُ بن
عفان، فأجاره رسولُ الله ◌َال﴾، ولكن تمام مرسل سعيد بن المسيب نحو حديث سعد بن أبي وقاص.

٢٠
باب ٢ / ح ٦٢٢٩
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وكَرِهَ عطاءُ النَّظَرِ إلى الجَواري التي يُبَعْنَ بِمَكّة، إلّا أن يريد أن يَشْتَريَ)) وَصَلَه
ابن أبي شَيْبة (٦/ ٦٨) من طريق الأوزاعيِّ قال: سُئلَ عطاء بن أبي رباح عن الجواري التي
يُبَعنَ بمَكّة، فَكَرِهَ النَّظَر إليهنَّ، إلّا لمَن يريد أن يَشتَريَ، ووَصَلَه الفاكهيّ في «كتاب مَكّة)»
(٦٤٧ و٦٤٨) من وجهَينِ عن الأوزاعيِّ، وزاد: اللّتي يُطاف بِهِنَّ حول البيت. قال
الفاكهيّ: زَعَموا أنَّهم كانوا يُلْبِسُون الجارية ويَطوفونَ بها مُسِفِرةً حولَ البيتِ، ليُشهِروا
أمرَها ويُرَغِّبوا الناس في شِرائها.
ثمَّ ذگرَ فیه حدیثین مرفوعین:
الأوَّل: حديث ابنِ عباسٍ.
قوله: ((أردَفَ النبيُّ وَ﴿َ الفَضْلَ)) هو ابن عبّاس، وقد تقدَّم شرحه في كتاب الحجّ
(١٥١٣).
قال ابن بَطّال: في الحديث الأمر بغَضٌّ البصر خَشْيةَ الفتنة، ومُقتَضاه: أنَّه إذا أُمِنَتِ
الفتنة لم يَمْتَنِعْ، قال: ويُؤيِّده أنَّه ◌َلّه لم يُحُوِّل وَجْهَ الفَضْلِ حَتَّى أَدمَنَ النَّظَرَ إليها لإعجابِهِ
بها، فخَشِيَ الفتنة عليه. قال: وفيه مُغالَبة طِباع البشر لابنِ آدم وضَعْفُه عمَّا رُكِّبَ فيه من المَيْلِ
إلى النِّساء والإعجاب بِنَّ.
وفيه دليل على أنَّ نساء المؤمنينَ ليس عليهنَّ من الحِجاب ما يَلزَم أزواجَ النبيِّ يَّ، إذ
لو لَزِمَ ذلك جميعَ النِّساءِ لَأَمَرَ النبيُّ وَّهِ الختعميَّةَ بالاستتار، ولمَا صَرَفَ وَجْهَ الفَضْلِ.
قال: وفيه دليل على أنَّ سَتْر المرأة وجهها ليس فرضاً، لإجماعِهم على أنَّ للمرأة أن تُبديَ
وجهَها في الصلاة، ولو رآه الغُرَباء، وأنَّ قوله: ﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ﴾
[النور: ٣٠] علی الُ جوب في غیر الوجه.
قلت: وفي استدلاله بقصَّة الخَتْعَميَّة لما ادَّعاه نظرٌ، لأنَّها كانت مُرِمةً.
وقوله: (عَجُزِ راحلتِه): بفتحِ العين المهمَلة وضمِّ الجيم بعدها زايٌ، أي: مُؤَخَّرها.
وقوله: «وَضیئاً»: أي: څُسْنِ وجهه ونظافة صورته.